إعداد:

محمد وزاني طيبي

تقديم:

يكتسي عقد الكراء التجاري أهمية حيوية بالنسبة للمقاولة خاصة إذا كانت تعاني من صعوبات تعترض استغلالها، فاستمرار تواجد المقاولة في محلها التجاري قد يكون شرطا ضروريا لبقائها، لذلك فإن هذا العقد من أهم العقود التي يرتبط بها في كثير من الأحيان – مصير المقاولة وجودا وعدما.

وقبل التطرق لتفاصيل هذا الموضوع وجزئياته يبدو من المناسب تحديده من خلال المصطلحات التي تضمنها عنوانه.

فالمقصود بعقد كراء المحل التجاري عقد كراء العقار الذي تمارس به المقاولة نشاطها التجاري بالمفهوم الذي نصت عليه المادتان 6 و 7 من مدونة التجارة، هذا المفهوم الذي توسع ليشمل كذلك الأنشطة الحرفية والمضاربات العقارية ([1]) . بمعني أننا نستعد من نطاق هذه الدراسة الحالة التي يكون فيها التاجر مالكا للعقار الذي يستغله في نشاطه التجاري لانتفاء وجود عقد الكراء.

أما لفظ المقاولة التجارية فقد استعمل في مدونة التجارة دون أن يعمد المشرع إلى تعريفه، غير أنه يستخلص من المادتين 545 و 560 من مدونة التجارة أن الأمر يتعلق إما بالتاجر الفرد أو بالشركات التجارية ذات الشخصية الاعتبارية ([2]) وأضاف الفقه الأنشطة التجارية الممارسة بشكل جماعي وإن لم تتخذ شكل شركة ذات شخصية معنوية وذلك متي كانت التجارة مملوكة على الشياع أو في إطار شركة محاصة ([3]) .

والمقاولة بهذا المعني قد تعترضها صعوبات تؤثر على مواصلة استغلالها واستمرارية نشاطها، فيتم إخضاعها لنظام صعوبات المقاولة الذي اعتمدته مدونة التجارة ([4]) ، متخلية عن نظام الإفلاس الذي كان معمولا به في إطار القانون التجاري لسنة 1913 الملغى، لاتصافه بالطابع الإستئصالي والعقابي، لصالح هدف أهم هو الحفاظ على المقاولة ضمن النسيج الاقتصادي وعلى مناصب الشغل، إذ لا يتم اللجوء للتصفية القضائية إلا إذا كانت وضعية المقاولة مختلة بشكل لا رجعة فيه ([5]) .

والمساطر المنصوص عليها في هذا الصدد هي:

 الوقاية الداخلية: وتتم بواسطة الأجهزة الداخلية للمقاولة دون تدخل أي عنصر أجنبي وبالتالي فهي شأن داخلي خاص بالمقاولة.

 الوقاية الخارجية (القضائية): تتم عن طريق تدخل رئيس المحكمة التجارية التي توجد بدائرتها المقر الرئيسي للمقاولة، من أجل تدليل الصعوبات التي تعترضها والتي من شأنها أن تخل باستمرارية استغلالها، واتخاذ الإجراءات الكفيلة بتصحيحها وذلك بتعيين وكيل خاص عند الاقتضاء، مع تحديد المهمة المكلف بها واجل إنجازها. ومسطرتي الوقاية الداخلية والخارجية لا أثر لهما على العقود المبرمة مع الأغيار، لذلك وجب استبعادها من نطاق هذه الدراسة.

تبقى إذن المساطر المعنية بهذا الموضوع وهي: التسوية الودية – التسوية القضائية – والتصفية القضائية.

وهذه المساطر هي التي تكون لفتحها في مواجهة أحد طرفي عقد كراء المحل التجاري آثار على الالتزامات المترتبة على هذا العقد، وعلى شروط استمراره وإجراءات إنهائه.

فما هي هذه الآثار؟ وما الغاية منها ؟ وإلى أي حد كانت الاختيارات التي تم الأخذ بها مناسبة وموفقة؟

تساؤلات سنحاول تحديد بعض عناصر الجواب عنها من خلال محورين رئيسيين: آثار فتح مسطرتي التسوية الودية والتسوية القضائية على عقد كراء المحل التجاري (المحور الأول) ومآل الكراء التجاري في إطار التصفية القضائية لأحد طرفيه (المحور الثاني ). لنستخرج في النهاية بعض الخلاطات التي سوف تفرزها عملية تفحص المقتضيات القانونية المعتمدة في هذا  الإطار من لدن مدونة التجارة في كتابها الخامس المتعلق بصعوبات المقاولة، مقارنة بالنصوص المطبقة تقليديا على عقد كراء المحلات المعدة للتجارة.

1 آثار فتح مسطرتي التسوية الودية والتسوية القضائية على عقد كراء المحل التجاري.

أ  أحكام الكراء التجاري في ظل التسوية الودية

يتم فتح مسطرة التسوية الودية بطلب من رئيس المقاولة التجارية يتقدم به لرئيس المحكمة المختصة – المحكمة التجارية التي يوجد مقر المقاولة الرئيس – في الحالة التي تكون فيها مقاولته تعاني من صعوبات قانونية أو اقتصادية أو مالية أو لها حاجيات لا يمكن تغطيتها بواسطة تمويل يناسب إمكاناتها بشرط أن لا تكون متفوقة عن الدفع ([6]) .

وبعد البحث والتقصي حول وضعية المقاولة بكل الوسائل المتاحة قانونا ([7]) يأمر رئيس ألمحكمة، إذا بينت له إمكانية تصحيح وضعية المقاولة بفتح إجراء التسوية الودية، ويعين مصالحا لمدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر قابلة للتمديد شهرا على الأكثر، بطلب من هذا الأخير، وتتمثل مهمته في تسهيل تسيير المقاولة والعمل على إبرام اتفاق مع الدائنين.

– يتوقف بالنسبة للمقاولة المكترية أجل ممارسة مسطرة الصلح إذا كانت قد توصلت بإنذار في إطار ظهير 24 ماي 1955 يرمي إلى أداء واجبات الكراء عن فترة سابقة لصدور الأمر بالوقف المؤقت للإجراءات، ويتوقف أيضا أجل رفع دعوى المنازعة في الإنذار المنصوص عليها في الفصل 32 من الظهير السالف ذكره .

– يمنع على رئيس المقاولة أداء الواجبات الكرائية السابقة بالرغم من توصله بالإنذار ولا يعتبر في حالة مطل ما دام منع الأداء مقررا بموجب القانون.

– يمنع كذلك – في رأينا – على رئيس المقاولة الفسخ الرضائي لعقد كراء المحل التجاري ولو كان يتوفر على عدة محلات ما لم يستصدر ترخيصا بذلك من رئيس المحكمة التجارية المختصة، طالما أن هذا الفسخ يعتبر من التصرفات الخارجة عن التسيير العادي للمقاولة.

وانطلاقا من !هوم المخالفة للمادة 555 من مدونة التجارة لا أثر للأمر بوقف الإجراءات على الدعاوى التي لا تتعلق بأداء مبلغ مالي، والتي لا يستند فيها طلب فسخ العقد على السبب، وكمثال على ذلك دعوى استرجاع المكري لمحله التجاري من أجل الاستغلال الشخصي، أو للهدم وإعادة البناء لكونه آيلا للسقوط ودعوى الإفراغ لكون المكتري استعمل المحل في غير ما أعد له بحكم طبيعته أو بحسب الاتفاق.

فإذا بلغ المكتري بإنذار بالإفراغ يرتكز على أحد هذه الأسباب وجب عليه أن يمارس المساطر المقررة قانونا في آجالها العادية، ولا اثر لخضوعه لمسطرة التسوية على الدعاوى المذكورة.

بقي أن نؤكد أن أجل الوقف حسب صريح النص لا يتعدى مدة قيام المصالح بمهمته وهي ثلاثة أشهر قابلة للتمديد شهرا واحدا على الأكثر، وأن الأمر بالوقف لا يقبل أي طعن، وأنه لا يسري إلا على الديون السابقة على صدوره، أما الديون اللاحقة فهي واجبة الأداء، لأن القول بغير ذلك من شأنه أن يؤدي إلى إحجام الأغيار عن التعامل مع المقاولة وبالتالي إلى استفحال أزمتها.

ولما كانت مهمة المصالح هي إبرام اتفاق ودي بين المدين وجميع الدائنين أو بينه وبين الدائنين الرئيسين بشأن التخفيض من الديون أو إعادة جدولتها- أي تمديد آجال الوفاء بها – فلا بد من الإشارة إلى آثار إبرام هذا الاتفاق.

لقد قررت المادة 558 من مدونة التجارة في هذا الصدد أنه بعد الاتفاق المذكور، تتوقف أثناء مدة تنفيذه كل دعوى قضائية وكل إجراء فردي سواء كانت تخص منقولات المدين أو عقاراته بهدف الحصول على سداد الديون، موضوع الاتفاق وتتوقف الآجال المحددة للدائنين تحت طائلة سقوط أو فسخ الحقوق المتعلقة بهؤلاء الدائنين ويترتب عن عدم تنفيذ الالتزامات الناجمة عن الاتفاق فسخه وسقوط آجال الأداء الممنوحة في إطاره .

2  عقد الكراء التجاري كعقد جاري التنفيذ في حالة فتح التسوية القضائية تجاه أحد طرفية.

أدرج المشرع التسوية القضائية ضمن مساطر معالجة صعوبات المقاولة ويتم فتحها في مواجهة كل مقاولة تجارية في حالة التوقف عن الدفع دون أن تكون وضعيتها مختلة بشكل لا رجعة فيه ([8]) ويتم فتح مساطر المعالجة بناء على طلب رئيس المقاولة المدينة أو أحد دائنيها أو النيابة العامة كما يمكن للمحكمة أن تضع يدها للنطق بفتح المسطرة، مما يظهر الطبيعة الخاصة لهذه المساطر وتعلقها بالنظام العام الاقتصادي.

وما يهمنا في هذا الموضوع هو أثر فتح مسطرة التسوية القضائية على العقود الجارية التنفيذ عامة وعلى عقد كراء المحل التجاري بوجه خاص ويقصد بالعقود الجارية أو العقود في طور التنفيذ ” LES CONTRAT EN COURS” العقود التي أبرمها رئيس المقاولة والتي لم تستنفذ أو لم تنقض آثارها الرئيسية بعد صدور حكم فتح مسطرة المعالجة، أي العقود التي تستمر أو تجري آثارها حتي بعد حكم فتح المسطرة ([9]) .

ولقد جعلت مدونة التجارة مصير هذه العقود في يد السنديك وحده، أي أنها أوقفت استمرارها – بعد فتح مسطرة المعالجة – على إرادته المنفردة حسبما قررته المادة 573 من مدونة التجارة . غير أنها لم تحدد له أجلا لإعلام المتعاقد مع المقاولة بنواياه فيما يتعلق باستمرار العقد.

وفي المقابل خولت لهذا الأخير أن يوجه السنديك بشأن مواصلة العقد وفي حالة ما إذا بقي هذا الإنذار بدون جواب لمدة شهر عد العقد مفسوخا بحكم القانون ([10]) .

هذه المقتضيات تطبق على العقود الجارية التنفيذ مهما كانت طبيعتها ولو كانت مبنية على الاعتبار الشخصي لرئيس المقاولة، بمعني أنها تطبق أيضا على عقود كراء المحلات المعدة للتجارة، ويمكن أن نتصور في هذا الإطار عدة حالات.

قد يكون المكري تاجرا ويخضع لمسطرة التسوية القضائية، فيرى السنديك أنه من مصلحة المقاولة استرجاع العقار الذي سبق أن أكرته للغير لاستغلاله في نشاطها التجاري، فله في هذه الحالة أن ينهي عقد الكراء مقابل تمكين المكتري من التعويض المستحق عن فقدان أصله التجاري، ويدرج مبلغ هذا التعويض ضمن قائمة خصوم المقاولة ([11]) والسؤال الذي نطرحه للمناقشة هو: هل يتعين على السنديك في هذه الحالة أن يوجه الإنذار بإنهاء العقد المكتري في إطار ظهير 24 ماي 1955 ؟

أما الحالة التي تكون فيها المقاولة المكترية هي الخاضعة لمسطرة التسوية القضائية فإن مقتضيات المادة 573 م ت تثير عدة إشكالات، ذلك أنها تعطي للسنديك وحده حق التقرير في مصير العقد في فترة الملاحظة دون الرجوع لرئيس المقاولة ولا للقاضي المنتدب أو الحصول على ترخيص من المحكمة التي قضت بفتح المسطرة، فقد تكون مثلا للمقاولة عدة محلات تجارية ويرى السنديك الاستغناء عن أحدها بعلة ارتفاع سومته الكرائية أو ضرورة تقليص النشاط التجاري، فيقرر فسخ عقد الكراء دون رقابة من أي جهة كانت الشيء الذي نجد صعوبة في استساغته، ونرى أنه من الأولى أن يكون فسخ العقد مشروطا بترخيص من المحكمة لما في ذلك من حماية لحقوق مختلف الأطراف.

ويتمتع المكري حسبما قررته المادة 661 م ت بالنسبة لوجيبة الكراء المستحقة عن السنتين السابقتين مباشرة عن تاريخ صدور الحكم القاضي بفتح المسطرة، وإذا تم فسخ العقد، يستفيد بامتياز إضافي عن ثمن كراء السنة التي يتم خلالها الفسخ . أما الحالة الثالثة فهي أدن تكودن المقاولة المكترية مفتوحة في حقها مسطرة التسوية القضائية ولا يعبر السنديك عن نواياه بخصوص استمرار عقد كراء أحد محلاتها التجارية، فإذا أراد المكري أن يوجه الإنذار للسنديك ليدفعه للإفصاح عن نيته حسبما قررته المادة 573 م ت، فما مضمون هذا الإنذار؟ وهل يتعين التقيد فيه بمقتضيات ظهير 24 ماي 1955؟ وهل يكون السنديك ملزما بسلوك مسطرة الصلح ثم مسطرة المنازعة في الإنذار؟

نلاحظ أن النصوص القانونية أحجمت تماما عن الجواب عن هذه المسائل وكأن واضعي الكتاب الخامس من مدونة التجارة لم يستحضروا باقي النصوص القانونية الجاري بها العمل.

وتفاديا لهذا الإشكال نرى أن الإنذار المنصوص عليه في المادة 573 من مدونة التجارة هو غير الإنذار الموجه في إطار ظهير 24 ماي 1955 ذلك أن الهدف من الأول هو فقط السنديك للإفصاح عن نواياه فيما يتعلق باستمرار العقد، وعليه، يكفي المكري أن يطلب منه ذلك وينتظر مرور شهر ابتداءا من تاريخ توصله، فإذا لم يجب اعتبر العقد مفسوخا بقوة القانون دونما حاجة إلى أن يكون الإنذار موجها طبقا لشروط ظهير 24 ماي 1955، أما الإنذار الثاني فيرمي إلى إفراغ المكتري بسبب إخلاله بالتزاماته أو انطلاقا من رغبة المكري في استرجاع المحل، لذلك فهو خاضع للقانون المتعلق بكراء المحلات المعدة للاستغلال التجاري فوجب إذن أن يوجه طبقا لأحكامه.

وبالرغم من هذا التحليل، يبقى الإشكال مطروحا بخصوص الجهة التي يتعين أن يوجه إليها الإنذار، هل هو السنديك باعتباره صاحب الحق في تقرير مصير العقود الجارية طبقا للمادة 573 م ت ؟ أم رئيس المقاولة استنادا إلى أن هذا الإنذار إنما يعبر رغبة المكري الذي يبقى من حقه أن يسترجع المحل عملا بظهير 24 ماي 1955 ولو مقابل التعويض؟

وما دمنا بصدد مناقشة حالة مطالبة المكري بفسخ عقد كراء المحل التجاري الذي تستغله المقاولة موضوع التسوية القضائية لا بد من استحضار مقتضيات المادتين 653 و 654 من مدونة التجارة في شأن وقف ومنع دعاوى الدائنين أصحاب ديون نشأت قبل الحكم بفتح المسطرة والرامية إلى الحكم على المدين بأداء مبلغ مالي أو فسخ العقد لعدم أداء دين سابق لفتح المسطرة، إضافة إلى منع إجراءات التنفيذ على المنقولات والعقارات، ووقف الآجال المحددة تحت طائلة السقوط أو الفسخ، ووقف الدعاوى الجارية إلى أن يقوم الدائن المدعي بالتصريح بدينه، ثم مواصلتها بقوة القانون، بعد استدعاء السنديك بصفة قانونية من أجل إثبات الديون وحصر مبلغها، وتصدق هنا الأمثلة التي سبق أن استعرضناها في إطار تحليلنا للمادة 555 م ت مع مراعاة الفرق المتمثل في كون المنع أو الوقف يترتب عن فتح مسطرة التسوية القضائية مباشرة دون حاجة لصدور حكم مستقل به خلافا للتسوية الودية التي تستوجب صدور أمر بالوقف المؤقت للإجراءات.

وإذا كان القانون قد خول للسنديك حق التقرير في مصير العقود الجارية في فترة الملاحظة فإنه قد سلبه هذا الحق في حالة تفويت المقاولة في إطار التسوية القضائية، فالمحكمة هي التي تحدد العقود الضرورية لنشاط المقاولة مع اعتبار الحكم الذي يحصر المخطط بمثابة تفويت لهذه العقود ومن بينها عقود الكراء، ويقتصر دور السنديك هنا على إبرام عقود التفويت تنفيذا للمخطط الذي تم حصره من طرف المحكمة، ويترتب على تفويت عقد الكراء أن يصبح المكري مرتبطا مع مكتر جديد – هو المفوت إليه – بينما دائنا للمقاولة بالواجبات الكرائية عن المدة السابقة للتفويت والتي يتعين عليه التصريح بها للسنديك طبقا للمادة 686 من مدونة التجارة .

ويتمتع المكري بامتياز بالنسبة لوجيبة الكراء المستحقة عن السنتين السابقتين مباشرة عن تاريخ فتح المسطرة، بينما يقترن الدين الناشئ بعد فتح المسطرة بحق الأسبقية المنصوص عليه بموجب المادة 575 م ت .

2  مآل عقد كراء المحل التجاري في إطار التصفية القضائية لأحد طرفيه

تقرر المحكمة فتح التصفية القضائية في مواجهة المقاولة التجارية إذا كانت متوقفة عن الدفع إضافة إلى أن وضعيتها مختلة بشكل لا رجعة فيه، أي تبين لها أنها غير قابلة للتصحيح، فما هو أثر فتح هذه المسطرة في مواجهة احد طرفي عقد كراء المحل التجاري على العقد المذكور فيما يتعلق باستمراره والالتزامات المتبادلة لطرفيه وكذا إجراءات إنهائه؟

1  عقد الكراء التجاري وتصفية المكري التاجر

إذا كان فتح مسطرة التصفية القضائية في حق المكري (التاجر) يؤدي إلى غل يده عن تسيير أمواله والتصرف فيها، وانتقال هذه الصلاحيات للسنديك، فإنه لا يؤدى إلى فسخ عقد الكراء بقوة القانون ([12]) وبما أن مهمة السنديك المصفي هي بيع أصول المقاولة من أجل أداء خصومها فالأولى أدن يتم بيع العقار المكترى من طرف الغير محملا بالكراء صيانة لحق المكتري مالك الأصل التجاري، أما إذا تبين أنه يتعذر بيع العقار على النحو المذكور يجوز في نظرنا للسنديك أن يستعمل المكنة المخولة قانونا للمكري وهي استرجاع العقار عن طريق استصدار حكم في مواجهة المكتري بالإفراغ مقابل التعويض الكامل في إطار ظهير 24 ماي 1955 (الفصل 10)، بمعني أنه على السنديك أن يتقيد بمقتضيات القانون المذكور، وقبل الإذن بتفويت العقار يجب التأكد من كفاية المبالغ المتحصلة من البيع كافة الديون بما فيها التعويض المحكوم به لفائدة المكتري، إذ لا مجال لتطبيق حق الأسبقية المنصوص عليه في المادة 575 م ت لتعلقها بالتسوية القضائية وليس بالتصفية، وإذا كان الأمر خلاف ذلك وجب على السنديك أن يحجم عن فسخ الكراء، كما أن إخلال المكتري بالتزاماته سواء قبل فتح مسطرة التصفية أو بعدها يفتح أمام السنديك إمكانية المطالبة بالإفراغ بدون تعويض وفق ظهير 24 ماي 1955، كما محل محل المكري – أي المقاولة موضوع التصفية – في مواصلة الإجراءات والدعاوى التي قد تكون جارية في هذا الإطار.


2  حالة التصفية القضائية للمكتري

لا تؤدى التصفية القضائية المفتوحة في حق المكتري، بقوة القانون إلى فسخ عقد كراء العقارات المخصصة لنشاط المقاولة موضوع مسطرة التصفية، بل ترجع الصلاحية للسنديك فيفا يتعلق باختيار فسخ عقد الكراء أو استمراره.

فقد تكون عناصر الأصل التجاري قد اندثرت بسبب توقف نشاط المقاولة لمدة طويلة قبل فتح مسطرة التصفية، وينضاف إلى ذلك، ارتفاع مبلغ الوجيبة الكرائية بكيفية يتعذر معها تفويت الحق في الكراء، ففي هذه الحالة يكون من المناسب فسخ عقد الكراء لكون الاستمرار فيه يرفع خصوم المقاولة بسبب تراكم المبالغ الكرائية المستحقة لفائدة المكري دون جدوى .

وعند إعمال هذا الحل تطبق مقتضيات المادة 661 م ت فزيادة على امتيازه بالنسبة لوجيبة الكراء المستحقة عن السنتين السابقتين مباشرة لتاريخ صدور الحكم القاضي بفتح المسطرة، يستفيد المكري بامتياز إضافي عن ثمن كراء السنة التي يتم خلالها الفسخ.

ويجب على المكري الذي يعتزم طلب الفسخ أو معينة حصوله لأسباب سابقة للحكم بالتصفية القضائية أن يرفع، أن لم يفعل ذلك من قبل، طلبه داخل ثلاثة أشهر من صدور الحكم.

ونرى أن هذا الأجل هو أجل سقوط – لا يمكن وقفه أو تمديده، وترفع الدعوى في هذه الحالة في مواجهة السنديك لأن المكتري (المقاولة في طور التصفية) تكون قد فقدت الأهلية في التقاضي.

وأما أسباب الفسخ فيستثني منها عدم أداء واجبات الكراء المستحقة قبل فتح المسطرة نظرا للمنع المقرر بموجب المادة 653 م ت ([13])

وإذا كان المكري قد سبق له أن رفع دعوى الإفراغ لسبب آخر كالهدم وإعادة البناء أو الاستعمال الشخصي، فتواصل في مواجهة السنديك بعد تصحيح المسطرة.

3  حالة الإذن بمواصلة نشاط المقاولة في طور التصفية

تقرر هذه الإمكانية بمقتضى المادة 620 م ت وهي مشروطة بوجود المصلحة العامة أو مصلحة الدائنين ويجوز للمحكمة أن تأذن بذلك لمدة تحددها إما تلقائيا أو بطلب من السنديك أو وكيل الملك.

وتطبق في هذه الحالة مقتضيات المادة 573 م ت بشأن العقود الجارية والتي سبق التفصيل بشأنها حين التطرق لمرحلة التسوية القضائية.

فإذا قرر السنديك استمرار عقد كراء المحل التجاري كانت الوجيبة الكرائية المترتبة خلال الفترة التي قررت المحكمة استمرار نشاط المقاولة مشمولة بالأولوية المنصوص عليها في المادة 575 م ت .

خلاصة:

يتبين للدارس من خلال تفحص المقتضيات التي سبق أن تعرضنا لها رغم أهمية عقد كراء المحل التجاري، فإن المشرع لم يخصه – في حالة فتع إحدى مساطر صعوبات المقاولة في حق أحد طرفية – بأحكام مفصلة من شأنها أن تفض الإشكالات والنزاعات المثارة بخصوصه، فالمادة 573 م ت تعرضت للعقود الجارية التنفيذ بكيفية مجملة، بخلاف المصدر التاريخي للباب الخامس من مدونة التجارة – أي القانون الفرنسي الصادر في 25 يناير 1985 الذي استثني من مجال تطبيق المادة 37 (المقابلة للمادة 573 م ت) عدة عقود نظرا لخصوصيتها منها عقد كراء العقارات المعدة للاستغلال التجاري .

وإذا كانت مقتضيات ظهير 24 ماي 1955 قد ضحت بمبدأ سلطان الإدارة المعتمد في الفصل 230 من قانون الالتزامات والعقود، ووضعت قيودا جديدة على حق الملكية بعلة خلق التوازن بين المكري والمكتري ([14]) فإن مقتضيات صعوبات المقاولة في مدونتنا التجارية كرست في إطار تأسيسها لمفهوم النظام العام الاقتصادي – إهدار نفس المبدأ آملة بذلك حماية حقوق مختلف الأطراف.

ومع إيماننا أن العدل البشري لا يمكن أن يكون إلا نسبيا، لا يسعنا سوى رصد كثير من مكامن القصور في النصوص القانونية المنظمة لهذا المجال آملين أن تتم إعادة النظر فيها باشتراك ذوي الاختصاص من فقهاء وممارسين بدل استنساخ قوانين أجنبية أصبحت متجاوزة حتي في موطنها، والتمسك بأخرى استهلكها الزمن ووقع الإجماع على أنها لم تعد صالحة للمغرب الحديث، وفي انتظار ذلك يبقى الاجتهاد القضائي كفيل بسد النقص وتقويم الخلل بغية تحقيق العدل والإنصاف.


[1]* أستاذ التعليم العالي بجامعة سيدي محمد بن عبد الله – كلية الحقوق – فاس.
** أستاذ التعليم العالي بجامعة سيدي محمد بن عبد الله – كلية الحقوق – فاس.
1-للمزيد من التفصيل حول توسع مفهوم التجارة في المدونة الجديدة يمكن الرجوع لكتاب التاجر وقانون التجارة بالمغرب الطبعة الثانية – مطبعة النجاح الجديدة – الدار البيضاء 1999 ص 43 لمؤلفه د أمحمد لفروجي.

[2]نصت المادة 545/ ف 3 على ما يلي “يقصد برئيس المقاولة في مدلول هذا الكتاب الشخص الطبيعي المدين أو الممثل القانوني للشخص المعنوي المدين ” كما نصت المادة 560 م ت على ما يلي: تطبق مساطر صعوبات المقاولة على كل تاجر وكل حرفي وكل شركة تجارية ليس بمقدورهم سداد الديون المستحقة عليهم عند الحلول بما في ذلك الديون الناجمة عن الالتزامات المبرمة ي إطار الاتفاق الودي المنصوص عليه في المادة 556 أعلاه .

[3]أحمد شكري السباعي: الوسيط في الوقاية من الصعوبات التي تعترض المقاولة ومساطر معالجتها، الجزء الأول – الطبعة الأولى – دار النشر المعرفة – ص 227 –

[4]نظام صعوبات المقاولة المغربي مقتبس من قانون 25 يناير 1985 الفرنسي المعدل والمتمم بقانون 10 يونيو 1994

[5]نصت المادة 568/ف 1 من م ت على أنه “يقضى بالتسوية القضائية إذا تبين أن وضعية المقاولة ليست مختلة بشكل لا رجعة فيه، وإلا فيقتضى بالتصفية القضائية “.

[6]حول الشروط الموضوعية والشكلية لفتح مسطرة التسوية الودية يرجى الرجوع لمؤلف د احمد شكري السباعي مرجع سابق (ص 249).

[7]نصت المادة 552 م ت على ما يلي “علاوة على السلطات المخولة لرئيس المحكمة بمقتضى المادة 548 يمكنه تكليف خبير لإعداد تقرير عن الوضعية الاقتصادية والاجتماعية والمالية للمقاولة والحصول من المؤسسات البنكية أو المالية، على الرغم من أية مقتضيات تشريعية مخالفة، على كل المعلومات التي من شأنها أن تعطي صورة صحيحة عن الوضعية الاقتصادية والمالية للمقاولة.

[8]نصت المادة 560 م ت على ما يلي “تطبق مساطر معالجة صعوبات المقاولة على كل تاجر وكل حرفي وكل شركة تجارية ليس بمقدورهم سداد الديون المستحقة عليهم عند الحلول بما في ذلك الديون الناجمة عن الالتزامات المبرمة في إطار الاتفاق الودي المنصوص عليه في المادة 556 أعلاه وجاء في المادة 568 م ت /ف 1 “يقضي بالتسوية القضائية اذا تبين أو وضعية المقاولة ليست مختلة بشكل لا رجعة فيه، وإلا فيقضي بالتصفية القضائية.

[9]– د أحمد شكري السباعي: الوسيط في مساطر الوقاية من الصعوبات التي تعترض المقاولة ومساطر معالجتها – الجزء الثاني: دار النشر المعرفة – الطبعة الأولى – ص 321.

[10]نصت المادة 573 من مدونة التجارة على ما يلي “بإمكان السنديك وحده أن يطالب بتنفيذ العقود الجارية بتنفيذ الخدمة المتعاقد بشأنها للطرف المتعاقد مع المقاولة، ويفسخ العقد بقوة القانون بعد توجيه إنذار إلى السنديك يظل دون جواب لمدة تفوق شهرا يجب على المتعاقد أن يفي بالتزاماته رغم عدم وفاء المقاولة بالتزامها السابقة لفتح المسطرة ولا يترتب عن عدم تنفيذ هذه الالتزامات سوى منح حق التصريح ها في قائمة الخصوم. عندما لا يختار السنديك متابعة تنفيذ العقد، يمكن أن يؤدي ذلك إلى دعوى التعويض عن الأضرار يدرج مبلغه في قائمة الخصوم، غير أنه يمكن للطرف الآخر تأجير إرجاع المبالغ الزائدة التي دفعتها المقاولة تنفيذا للعقد، حتي يتم البت في دعوى التعويض عن الأضرار. لا يمكن أن يرتب عن مجرد فتح التسوية القضائية تجزئة أو إلغاء أو فسخ العقد على الرغم من أي مقتضى قانوني أو شرط تعاقدي.

[11]لقد تردد الاجتهاد القضائي الفرنسي قبل اعتماد الاتجاه المخالف لهذا الرأي إذا سلب السديك المعين في إطار المسطرة المفتوحة في حق المكري أمكانية المطالبة بفسخ عقد الكراء رغم أن المادة 37 من قانون 1985 لم تنص على ذلك ليتم حسم النقاش تشريعيا بتعديل 10 يونيو 1994 إذ تقرر بموجب الفصل 3-153 أن المكري لا يمكنه أن يتخلى في هذه الحالة عن الاستمرار في عقد الكراء. انظر بهذا الخصوص:

Fabien kenederien Le bail commercial releve t’il du regime des contrat. en cour en cas de procedure collective du bailleur ecueil Dalloz 2003 chronique p 610.

[12]نصت المادة 619 م ت على ما يلي : “… يؤدي الحكم القاضي بالتصفية القضائية إلى تخلي المدين بقوة القانون عن تسييرا مواله و التصرف فيها – وحتي تلك التي امتلكها بأي وجه من الوجوه ما دامت التصفية القضائية لم تقفل بعد.

يقوم السنديك بممارسة حقوق المدين وإقامة دعاوي بشأن ذمته المالية طيلة فترة التصفية القضائية.
غير أنه يمكن أن يمارس دعاويه الشخصية وأن ينتصب طرفا مدنيا هدف إثبات إدانة مقترف حناية أو جنحة قد يكون ضحية أحدهما، غير أنه إذا منح تعويضات، فإنها تستخلص لفائدة المسطرة المفتوحة.

[13]بالنسبة للاجتهاد القضائي الفرنسي بخصوص هذه المسألة انظر:

Alain Lienard Identite des – de motifs – de resiliation de bail en periode de redressement ou de liquidation judiciaire. Recueil Dalloz 2002 Sommaires commentes p 198

[14] حول الفلسفة التي تحكمت في تطور القوانين الكرائية: الحسين بلحساني، عقد الكراء والحماية القانونية للمكتري في الاستقرار- إنهاؤه – تجديده – استمراره – دار النشر الأحمدية – ص 11 .

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading