الأستاذ إدريس بلمحجوب
الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف بالرباط
إن أول ملاحظة يمكن أن نستشفها من خلال القراءة الأولية للمقترحات المتداولة بشأن ما سمي “بإصلاح جهاز العدالة بالمغرب “، وما تضمنته من أفكار جوهرية جريئة من أجل ضمان سلطة قضائية مستقلة، أنها متميزة في مجملها، عميقة بأفكارها، تستوجب الاعتبار والتقدير في أفق صياغة التعديلات الجوهرية للنصوص القانونية ذات الصلة بتأهيل العدالة.
لكن المؤكد، أنه لا ينبغي فهم الحاضر دون الرجوع إلى الماضي بحمولته التاريخية وذاكرته المتقلبة، فإذا كان لكل مهتم طريقته المفضلة في التحليل والمعالجة أو في طرح الاختيارات، فإن المتفق عليه مبدئيا هو أن لكل محطة قضائية ما تتميز به عن سابقتها كما سيأتي بيانه.
لكن الأهم في المرحلة الحالية هي أننا أمام أولويات تتمثل فيما يلي:
إننا أمام محطة خامسة وحاسمة في مسلسل تأهيل العدالة المغربية نحو السمو بغية تحقيق التوازن المنشود في ظل دولة القانون والديمقراطية المبنية على مبدأ فصل السلط.
2-إن الضرورة الملحة تقتضي في الظرف الراهن تأهيل العدالة وتقوية استقلالها، وهي أولوية وإرادة ملكية، أعلن عنها في غضون سنة 2007 بمناسبة خطابي العرش وافتتاح البرلمان وفي الرسالة الملكية المؤرخة في 23 نونبر 2007 الموجهة للمجلس الأعلى بمناسبة الذكرى الخمسين لتأسيسه. وفي خطاب 20 غشت 2009 بشأن الإصلاح الشامل والعميق لمنظومة العدالة المرتكز على: الخطاب السامي ليوم 8 أكتوبر 2010 بشأن المفهوم الجديد للإصلاح “القضاء في خدمة المواطن “.
3 – إن الدستور الجديد لا يحول دون الشروع في برنامج استعجالي أولي لتأهيل العدالة (المبحث الأول) وبرنامج آخر يمكن تحقيقه على المدى القريب أو المتوسط (المبحث الثاني).
4- إن استقلال القضاء كمبدأ دستوري يختلف في جوهره عن استقلال القاضي في إصدار أحكامه والاحتكام إلى القانون وضميره إنه ليس معناه أن يحكم القاضي بهواه أو نجد له مبررات بمدى تأثره بمحيطه ونزواته ، إنه فضيلة ومبادئ سامية مرتبطة بشخصية القاضي الممارس وسلوكه ومناعته وتكوينه من جهة ومدى إرادة المشرع في تعميق هذا الاستقلال في الإقدام على تعديل القانون التنظيمي لاختصاصات وزارة العدل والحريات ، لتوفير الإطار القانوني والهياكل الإدارية المنسجمة مع السلطة القضائية في احترام وتعاون معها دون هيمنة سلطة على أخرى وإعداد القانون التنظيمي للنظام الأساسي للقضاة وقانون التنظيم القضائي للمملكة ومرسومه التطبيقي والقانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية وبعض مقتضيات قانوني المسطرة المدنية والجنائية وفق مسار يضمن سلطة قضائية مستقلة من جهة ثانية.
5-إنه آن الأوان للتخفيف من صلاحيات وزير العدل في اتجاه اللاتمركز وتحصين السلطة القضائية لتوازي نظرتيها السلطتين التنفيذية والتشريعية.
6-أن تأهيل العدالة ينبغي أن يكون شموليا وأن لا يقتصر على الجهاز القضائي بل ينبغي أن يمتد إلى جهاز كتابة الضبط والمفوضين القضائيين وإلى قطاع المحاماة والتوثيق والخبراء والعدول . . .
لكن، قبل التطرق إلى المبحثين الآتيين المتعلقين بمستلزمات تأهيل العدالة، نود في البداية التذكير -في عجالة -بالمحطات القضائية الهامة في المسلسل القضائي منذ فجر الاستقلال إلى اليوم.
فمن الأكيد أن قضاء عصريا ومتخصصا بالمفهوم الحديث لم يعرف المغرب ولادته الأولى إلا بعد الاستقلال وإن كانت بوادره لاحت في أفق سنة 1913 م عند إنشاء أول محكمة استئناف بالرباط على الصعيد الوطني.
والحقيقة أن التاريخ القضائي في فترة الحماية باستثناء -القضاء الشرعي -كان حالكا ولم يكن لمفهوم فصل السلط وجود على المستوى القضائي. بل إن قضاء الاستئناف الشرعي الأعلى كان بدوره لاسيما منذ بداية تطبيقه سنة 1914 إلى 1921 يرأسه وزير العدلية. فأين مبدأ فصل السلط؟
لذلك، يعتبر يوم 23 أكتوبر 1957 يوما مشهودا، يؤرخ لحدث بارز الأهمية في صرح العدالة المغربية وتجسيد السيادة المغربية، إذ ترأس المغفور له جلالة الملك محمد الخامس افتتاح المجلس الأعلى إثر إحداثه بمقتضى الظهر الشريف المؤرخ في ثاني ربيع الأول 1377 27) شتنبر 1957)، كما ألقى بالمناسبة خطابا أكد فيه على ضرورة العناية بإصلاح النظام القضائي المغربي وتمتيع القضاء باستقلال تام تأكيدا لمبدأ فصل السلط وتوحيده بمجموع التراب الوطني. حيث ورد فيه:
“إن برنامج الإصلاح القضائي الذي حددنا خطوطه الرئيسية . . . ليرمي بادئ ذي بدء إلى تحقيق هدفين اثنين هما فصل السلط واستقلال القضاء وتوحيده “
وهكذا تضمن القانون المحدث للمجلس الأعلى قواعد عامة للمرافعة لديه، وشمل نفوذه جميع المحاكم على اختلاف أنواعها.
وتوالت الجهود المبذولة بصدور قانون 22 رمضان 1384) 26 يناير 1965) القاضي بتوحيد المحاكم ومغربتها وتعريبها وتوحيد التشريع المطبق بها، ويعد هذا القانون بحق الجوهرة الكبرى في منظومة الإصلاحات القضائية.
وفي غضون سنة 1974 كانت المحطة الثالثة، حيث صدر الظهير الشريف المؤرخ 24 جمادى الثاني 1394، (15 يوليوز 1974)، حسبما وقع تعديله المتعلق بالتنظيم القضائي للمملكة، ومرسومه التطبيقي المؤرخ في16 يوليوز 1974، علاوة على قانون المسطرة المدنية وقانون الإجراءات الانتقالية لقانون المسطرة الجنائية.
والحقيقة أن تقرير الخمسينية التي تضمنه كتاب المغرب الممكن أشار إلى أن» (إصلاح سنة1974 قد أضر بالضمانات المخولة للمتقاضين ومس بالحق في محاكمة عادلة على المستوى الجنائي، كما أن نقص مستوى كفاءة بعض القضاة والمحامين وكتاب الضبط وتدني وضعيتهم المادية كان من أهم مواطن القصور التي أضرت باستقلالية القضاء”.
ويعتبر إحداث محاكم متخصصة في المجال الإداري والتجاري والمالي وأقسام الأسرة علاوة على تحيين قوانين الشركات ومدونات التجارة والتأمين والأسرة والشغل والمسطرة الجنائية وغيرها محطة رابعة في المجال القضائي وما واكب ذلك من تدابير محدودة لتأهيل وتخليق شؤون العدالة وتنميتها.
وأعتقد أن برنامج التأهيل القضائي وتحديثه رهين بتحديد عدد من الأولويات ، من بينها الانكباب على سن العديد من القوانين ودراسة سبل توحيد العمل القضائي والتقليل من ظاهرة الاختلاف فيه إن على مستوى محاكم الموضوع أو محكمة النقض ، ليقيننا أن تحقيق هذا الهدف ليس من اليسير إنجازه ، وأن التخطيط له يتطلب تحيين التشريعات المختلفة لاسيما المتعلقة بقوانين الإجراءات لتكون يسيرة التطبيق، واضحة الدلالات والألفاظ والمعاني وبذل جهود كبيرة في مجال التكوين والتخصص والتواصل ، والتدبير الإداري المحكم ، فضلا عن إدارة قضائية قوية وسليمة معززة بوسائل معلوماتية حديثة تربط كل مخاكم الموضوع بأعلى مؤسسة قضائية ، بحثا عن اجتهاد مقنع ، وتجاوب أعمق ، وحل سريع منصف ، ناهيك عن جهاز قضائي فعال قادر على مواجهة التحديات دون يأس، ومجابهة المشاكل بتحد دون ملل، مفعم قضاته بالشعور بالقيام بالواجب وبالاطمئنان التام الذي يستمدونه من مبدأ استقلال القضاء وممارسة صلاحياتهم في تحقيق العدل بكل ثقة وتجرد وحياد. ” ذلك الاستقلال الذي لا يعد امتيازا مخولا للقاضي ليعمل بهواه، بمنأى عن كل محاسبة “، بل يعد ضمانة دستورية لكفالة حسن سير العدالة وحماية الحقوق.
فهل تمكنت هذه المحطات الأربع من تحقيق التعبئة الشاملة لمجابهة الورش الكبير لتأهيل العدالة؟
حقيقة أن عدة خطوات قد تحققت في هذا المسار إلا أنه -وكما ورد في نص الخطاب السامي لجلالة الملك في افتتاح دورة المجلس الأعلى للقضاء يوم فاتح مارس 2002: “وبالرغم مما قطعناه من خطوات، فإن إصلاح القضاء لا يزال بعيدا عن الهدف الذي نتوخاه له، ودون الطموحات المشروعة للمتقاضين وللمجتمع “.
ولذا، فإننا مصممون على أن يأخذ تسريع النهج الإصلاحي وثيرته القصوى “.
صحيح أننا نعيش اليوم مرحلة هامة ودقيقة ما بعد الدستور الجديد الذي كرس نظام “
ملكية دستورية ديموقراطية برلمانية واجتماعية قائم على أساس فصل السلط وتوازنها وتعاونها”.
ووطد لسلطة قضائية مستقلة إزاء السلطتين التنفيذية والتشريعية، ضامنة لدولة القانون وحامية لحقوق الإنسان.
لكن كيف السبيل إلى تخطي مجموعة من المعوقات القانونية والتنظيمية. ومن الإكراهات الواقعية في غياب تشخيص لواقع العدالة بكل مكوناتها؟ وهل بالإمكانيات البشرية والمادية المتاحة حاليا أن نتخطى بها الصعاب ونكسب الرهان؟ وهل البرامج الاستعجالية والتشريعات المنتظرة قادرة على تأهيل العدالة ؟.
المطلب الأول
البرنامج الاستعجالي لتأهيل العدالة وتقوية استقلالياتها
إذا كان الاعتقاد سائدا، بوجود بعض دواعي القلق على واقع عدالتنا، فإن تأهيلها أسير معادلة مزدوجة، تتمحور بين العسر واليسر. جهاز عسير تأهيله إذا ظل تنظيمه القضائي وتعدد محاكمه، وطريقة إدارته عموديا وأفقيا، ونمط عمله وسيرورته ميدانيا على هذا المنوال.
ما لم يبادر المسؤولون إلى وضح مخططات استعجالية طموحة.
لقد أجمع الباحثون على أن رسالة القضاء تعتبر من المهن الخطيرة، فالقاضي مخول له أن يبت في جميع النزاعات، كبر شأنها أو صغر، جوا وبحرا وبرا، وأن عملا كهذا يترك آثاره في جميع مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. كما أنه يساهم مساهمة فعالة إما في تقدم البلاد أو تأخرها.
وفي اعتقادي أن التأهيل جد يسير إذا توفرت الوسائل المادية والبشرية وتيسرت الإرادة وتضافرت الجهود وتحققت الأهداف الأساسية في العديد من الميادين نذكر من بنيها ما يلي:
الفقرة الأولى:
إصلاح جهاز كتابة الضبط
قد يتساءل المرء لماذا البداية من جهاز كتابة الضبط؟
أعتقد أن نصف الجسم القضائي إن لم أقل قلبه النابض وشريان تدفقه يتوقفان على جهاز كتابة الضبط، وأن من شأن الاهتمام بهذا الجانب سواء من حيث التكوين وإعادته، أو التنظيم، أو إسناد المسؤولية لتسييره، أو إصلاح أوضاع العاملين به ماديا ومعنويا، أن يساهم في تطوير أداة عمله، وذلك برسم خطط ومناهج تهدفان بالأساس إلى تحقيق ما يلي:
الزيادة في عدد الموظفين المؤهلين معلوماتيا وتوزيع كل فئاتهم وأصنافهم بعدل في سائر المحاكم، وإعادة انتشارهم وفق ما يخدم المصلحة العامة، وتتبع نشاطهم وإجراءاتهم وتقييم مردوديتهم. بدليل أن أغلب المحاكم تعاني من خصاص مهول حتى في عدد الأعوان الممارسين فعليا لعملتي التبليغ والتنفيذ سواء في الميدان المدني أو الزجري، في حين تعرف بعض المحاكم فائضا في بعض الأطر العليا وتفتقر أخرى إلى التقنيين وصنف الأعوان من الموظفين، خلق تكوين متين لأطره العليا لاسيما بالمعهد العالي للقضاء أو بالمعاهد المتخصصة الوطنية أو الأجنبية وإخضاعهم لتدريب مكثفة في التسيير المعلوماتي لانتقاء ما هو أجدر منهم لتحمل مسؤولية رئاسة كتابة الضبط نظرا لدقة وخطورة المهام المسندة لهؤلاء، وما ينجزونه من أعمال في إطار صلاحياتهم الواسعة في ظل القوانين المحدثة كمدونة التجارة وقانون الشركات والمنافسة والنظام البنكي علاوة على ما تتضمنه المسطرتان المدنية والجنائية وقانون المفوضين القضائيين وحسابات صناديق المحاكم من مقتضيات هامة تدخل في صميم أعمالهم؛
إن سن قانون أساسي خاص بكتابة الضبط يعتبر مكسبا هاما، لكن خلق تنظيم هيكلي جديد وموحد سيساهم ولا شك في دعم آليات تقييم أداء الموارد البشرية وإرساء التدبير على أساس النتائج.
إن تحسين الوضعية المادية للموظفين والرفع من رواتبهم يقتضي أن يصاحبه سن مكافآت تشجيعية وحوافز لفائدة الأطر النشيطة ذات المردودية وذلك من الحساب الخصوصي المعتمد لدى وزارة العدل تراعي فيه مقاييس موضوعية ومعايير موحدة يسند تقديرها للجان محدثة على صعيد كل محكمة استئنافية؛
تعميم نظام المعلومات في تسيير الإدارة القضائية للمحاكم والمكننة الشاملة للإجراءات وضبط الملفات وتتبع إجراءاتها إلى مرحلة تنفيذها وضمان السرعة والشفافية.
مراقبة صناديق المحاكم، بحكم كثرة عددها واختلاف أهميتها وتنوع نشاطها واستحالة تتبع عملياتها اليومية بكل دقة سواء مركزيا أو محليا، مركزيا نظرا لقلة أطره الفاعلة في تفتيش الصناديق، دون أن أتحدث عن تكوينها وما تتطلب المراقبة من وقت طويل لتدقيق العمليات المتنوعة والصعوبات المادية التي تواجه المكلفين بذلك. كما أن إسناد المراقبة الحسابية لرئيس كتابة الضبط محليا شيء مستحيل في ظل تعدد مهامه الحالية،
وكحل لهذه المعضلة التي قد تفجر وقائع ذات انعكاسات سلبية على صناديق المحاكم الكبرى أو الصغرى على السواء، اقترح أن يرى النور مشروع المرسوم المتعلق بتفتيش المحاكم، والذي أحيل على الجهات المختصة منذ سنوات عديدة. وأن يتولى وكلاء الملك بحكم مسؤوليتهم في مراقبة الصناديق ومكاتبة المصالح المالية من أجل تفقد الحسابات بها؛
إحداث جهاز فعال لمراقبة حسن سير أعمال مساعدي القضاء من مفوضين قضائيين ومحامين وموثقين وخبراء وغيرهم وأن تساهم هيئاتهم في ورش التأهيل والتخليق بفعالية نظرا لما تكتسي أعمالهم من خطورة، وما يفرضه قانونهم من استقلالية، بل ينبغي إعادة النظر في جميع المقتضيات التشريعية المتعلقة بهؤلاء وفق ما يخدم تلك المبادئ المنشودة.
الفقرة الثانية:
تفقد المحاكم وتفتيشها
من المؤكد، أن فضائل تفتيش المحاكم، وفعالية مردوديته، وأهمية نتائجه بالغة الأثر سواء على مستوى توحيد العمل أو تحسين ظروف الأداء الإداري والقضائي، أو تنمية الجهاز وتخليقه.
وفي هذا الوقت بالذات، لا يمكن للمفتشية العامة أن تقوم بهذا الدور الطلائعي تحت الإشراف المباشر للمجلس الأعلى للسلطة القضائية إلا إذا تدعمت بأطر قضائية عالية التكوين، وذات تجربة كبيرة في المجالين الإداري والقضائي والإجرائي مدعمة بإرادة قوية لتفعيل عملها، فضلا عن مراجعة لأسلوب أدائها، فالتفتيش العام قد يحقق أفضل النتائج إذا حددت أهدافه ونظمت مخططاته ونفذت مقترحاته. ومن تم يساهم بفعالية في التحديث والتأهيل والتوحيد، لا أن يكتفي بالبحث عن النقائص والعيوب. والتفتيش الخاص رهين بما يسفر عنه البحث من نتائج وما يتطلب في القائم به من حنكة وتجربة تطبيقا للمادة 13 من الظهر الشريف رقم 1.74.338 المؤرخ في 15 يوليوز 1974 المتعلق بالتنظيم القضائي.
إن كبح الانتقادات الموجه لبعض أعمال التفتيش – في مرحلة سابقة – والادعاء بعدم فعاليته في تحسين أسلوب الأداء بالمحاكم يستوجبان تشخيص الظاهرة واستغلال تقارير التفتيش؛ ومن ثم فإن شعور المسؤول بالقلق أو الضجر لا يخدم المصلحة القضائية ، كما أن واجب التفقد والتفتيش التسلسلي الذي أنيط بمسؤولي محاكم الاستئناف وفق ما ينص عليه الظهير المذكور يهدف بالأساس التفقد والمحاسبة والمراقبة وتحسيس المسؤول بجسامة المسؤولية ومدى القدرة على تحملها، بحكم ما تتميز به الوظيفة القانونية من ضمانات ، وهذا يقتضي من جهة أولى أن يتم الاستجابة ولو جزئيا للمقترحات التي أسفرت عنها نتائج التفتيش على ضوء المذكرات التي ترفعها المفتشية العامة إلى المديريات الخاصة بالتجهيز أو الموارد البشرية أو كتابة المجلس الأعلى لسد الخصاص بالمحاكم حتى يشعر المسؤولون أن تقاريرهم ذات جدوى ، ويتم استغلالها بشكل إيجابي. ومن جهة ثانية ينبغي أن تحدد النصوص القانونية مجال الإشراف والرقابة حتى لا ينقلب التفتيش إلى وعيد أو وسيلة لإعطاء التعليمات والقبول بتنفيذها، مما يعني أن يكون للمفتشية العامة نظام أساسي لهيئتها يحدد مجال تدخلها بدقة، وتنظيم هيكلي لمصالحها تراعى فيه مقتضيات خاصة لتفقد عمل رجال القضاء، وأخرى لتفتيش كتابات الضبط وصناديق المحاكم على أسس حديثة. وفق المشروع المعد لذلك تنفيذا للتعليمات الملكية الموجهة للحكومة في خطاب 11نونبر 1993 أو غيره من المشاريع القانونية التي يمكن اعتمادها في إطار فصل السلط وما أفرزه الدستور الجديد من صلاحيات أوكلها للمجلس الأعلى للسلطة القضائية.
صحيح، أن التفتيش تأثر باتساع الخريطة القضائية التي عرفت سنة بعد أخرى امتدادا نتيجة إحداث محاكم جديدة إما بسبب ارتفاع معدل القضايا المسجلة تارة، أو لاعتبارات سياسية محضة تارة أخرى، دون أن يواكبها زيادة مناسبة في عدد القضاة أو الموظفين علاوة على الإقدام السريع على إنشاء محاكم متخصصة من قبيل المحاكم التجارية أو أقسام الأسرة أو أقسام الجرائم المالية مما يقتضي اعتماد خريطة قضائية تنسجم مع الجهوية الموسعة المنتظرة.
ودراسة الجدوى على الصعيد المركزي وتقدير الوسائل البشرية والمادية المتاحة، وتحليل للأبعاد والفعالية.
وإذا كان الاقتناع سائدا بضرورة إعادة النظر في طريقتي الولوج إلى القضاء وتكوين الملحقين القضائيين وفي إسناد المسؤوليات بالمحاكم، وتحديد معايير دقيقة ومقاييس موضوعية في الاختيار. فإن مكانة التفتيش التسلسلي الذي يقوم به الرؤساء الأولون والوكلاء العامون للملك هام وبارز في هذا المجال الأخير، ودوره الموضوعي فاعل في إعداد الأجيال من القضاة لهذه المهام وتقديم المقترحات المفيدة لتولي مناصب الإدارة القضائية على ضوء الزيارات التفقدية، أو المشاركة في تتبع الندوات واللقاءات العلمية، واكتشاف المواهب الخلاقة.
الفقرة الثالثة:
فصل الإدارة القضائية عن العمل القضائي
وإذا كان مبدأ استقلال القضاء من المبادئ السامية التي كرسها الدستور الجديد فإن الأمل معقود على المجلس الأعلى للقضاء الذي سيحل محله المجلس الأعلى للسلطة القضائية في صيانة وضمان وتقوية المبدأ الدستوري في ظل القانون التنظيمي للنظام الأساسي للقضاة، ذلك أن توفير عدالة فعالة وسريعة تستجيب لثقة المتقاضين وتضمن حماية حقوق الأفراد والحريات في ظل النظام العام ومقومات الدولة، تتطلب في البداية فصل الإدارة القضائية عن العمل القضائي، وأن تتوفر لهذه الإدارة الوسائل والإمكانيات.
إذا كيف يمكن للإدارة القضائية أن تحقق الأهداف المطلوبة، وأن تسعى لتحقيق توازن بين ما هو موكول للمسؤول القضائي للبت في القضايا في مجال القضاء الاستعجالي وغيره من الأعمال القضائية، وبين تراكمات العمل الإداري اليومي المسند إليه من جهة وممارسة العمل في مجالي التأطير والمراقبة بكل اطمئنان وحياد في كنف الإكراهات والضغوط من جهة ثانية، والحال أن هيمنة المفتشية العامة كانت في الماضي وازنة، وسلطة الإدارة المركزية فاعلة، ودور جمعيات مساعدي القضاء بما فيها الإعلام مؤثرة وطلبات المتقاضين ملحة.
لذا، نقترح إحداث مؤسسة الكتابة العامة تقوم مقام المندوبيات الفرعية بكل محكمة من محاكم الاستئناف تسهر على تدبير الشؤون الإدارية والمالية والتحديث والصيانة والنقل وغيرها من الأمور اللوجيستيكية وذلك تحت الإشراف المباشر للرئيس الأول باعتباره الآمر بالصرف حتى نضمن مبدأ اللاتمركز ونحقق عدم هيمنة السلطة التنفيذية.
لكن المؤكد، أن تفاقم المشاكل، وانعدام الحوافز، وضآلة الوسائل، وقلة الإمكانيات المتاحة، وإبعاد المسؤولين القضائيين من مهام الآمرين بالصرف، وتعويضهم بالمندوبين الإداريين على مستوى مخاكم الاستئناف، كلها عوامل مع غيرها ساهمت في إضعاف دور المسؤولين بالمحاكم مما دفع البعض إلى المطالبة بإعفائه من هذه المهام، ورفض البعض لتحمل المسؤولية بعلة أن الإدارة القضائية فن قائم بذاته لا يتطلب معيار الكفاءة القانونية وحده وإنما يتوقف على معايير أخرى من قبيل التدبير والتنظيم والتخطيط والجرأة على التنفيذ.
وغير خاف، أن المحيط الانتخابي الذي اقترن بعضوية مؤسسة المجلس الأعلى للقضاء -في السابق -أسفر عن تكتلات وصراعات داخل الهيئة القضائية، كما ترك رواسبه السيئة الدفينة في الوسط القضائي، وتجلت نتائجه السلبية في الترقيات والانتقالات وفي المحاباة وفي التعامل مع مهنة القضاء كوظيفة وليست كرسالة وسلطة. كل ذلك وغيره من العوامل زعزعت الثقة لدى البعض في قدرة القضاء على أداء رسالته والحفاظ على قيمه المثلى وتحديث أساليبه.
إن طريقة انتقاء واختيار المسؤولين عن المحاكم هو بداية حل المعضلة، وأن البحث عمن سيعاهدون الله على أداء الرسالة بكل أمانة وإخلاص في جو من الثقة والاستقلالية ليس بالأمر الصعب إذا توفرت الإرادة. وهنا تبرز مكانة الأعضاء الدائمين والمعينين في مؤسسة المجلس الأعلى للسلطة القضائية ودورهم في الاختيار والاستشارة والاقتراح، بحكم مناصبهم السامية وابتعادهم عن الصراع الانتخابي ليقينهم بأن دور المسؤول القضائي في تأطير القضاة وخلق ثقافة قانونية في المحيط القضائي هام جدا، كما أن إشرافه على تتبع الأعمال القضائية وحرصه على اكتشاف السلبيات في المهد وتحسيس من قام بها على ضرورة اجتنابها، ومراقبة الإجراءات، وكيفية تصريفها، من أوجب واجباته مادام الهدف الأسمى هو تحقيق عدالة فعالة.
لذلك فإن معايير إسناد مسؤولية الإدارة القضائية في المحاكم تتطلب مواصفات خاصة يسند أمر الإعداد الأولي لتقديم المقترحات بشأنها إلى لجنة مصغرة يرأسها -من جهة-الرئيس الأول لمحكمة النقض بحكم إشرافه على المسؤولين القضائيين لمحاكم الاستئناف ومراقبة أعمالهم من خلال الزيارات التفقدية التي من المفروض أن يقوم بها وما يطلع عليه من تقارير خاصة بالتفتيش التسلسلي، وعضوية الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض الذي أسندت إليه مراقبة أعمال الوكلاء العامين بمختلف المحاكم وتقييم مردوديتهم ونشاطهم.
وعضوية رئيس الغرفة المدنية الأولى بحكم ما يفترض فيه من اطلاع واسع ومعرفة كافية بجودة الأحكام والقرارات الاستئنافية المطعون فيها بالنقض علاوة على عضوين معينين وحضور أمين سر كتابة المجلس الأعلى للسلطة القضائية الذي يتوفر على كل المعطيات والبيانات المتعلقة بملفات القضاة ومسارهم المهني.
ومادام الحديث مركزا حول فصل الإدارة القضائية عن العمل القضائي ، فمن البديهي، أن يخلق المسؤول أواصر من الحوار والانفتاح والتواصل مع محيطه الوطني والخارجي ولاسيما مع مساعدي القضاء، من محامين ومفوضين قضائيين وعدول وخبراء وغيرهم ، لأن من شأن ذلك أن يساهم ولاشك في إيجاد الحلول لأهم المعضلات والعقبات التي تعوق سير المؤسسات القضائية ، مثل ظاهرة تراكم الملفات وبطء الإنجاز وصعوبة ظروف العمل التي يمكن تجاوزها على مراحل إذا تضافرت الجهود وتوفر الدعم المعنوي للتحسيس بأهمية المرحلة ودقتها وساهم الجميع بالدراسات الإستراتيجية وتطبيق مخططاتها.
وفي هذا الصدد، فإن دعم اللامركزية سيؤدي لا محالة إلى الاستغلال الجيد للإمكانيات، والشعور بالمسؤولية. كما أن الاعتقاد الأفضل يكمن في إصلاح التنظيم القضائي الحالي وذلك بتقليص عدد المحاكم الاستئنافية وحصرها في إطار الجهات ، والبحث عن حلول بديلة للتخفيف على المحاكم والتوعية بأهمية التحكيم أو الوساطة التوافقية أو المجلس العائلي أو مسطرة الصلح التي تباشير إما من طرف النيابة العامة أو مفتشية الشغل أو غيرها من المؤسسات مما قد يساعد نسبيا على تخفيف تراكم الملفات بالمحاكم ، كما أن إعادة النظر في الاختصاص، والتقليص من حالات الطعون ودرجاته في بعض الحالات ، وخلق سياسة جنائية منسجمة مع مبادئ حقوق الإنسان وضمان المحاكمة العادلة وتوفير الضمانات القانونية ، وذلك بتنبيه النيابة العامة إلى تفادي فتح متابعات يخر معززة بأدلة ، أو اللجوء إلى طرق الطعن غير المبررة ، وتعزيز جهازها بأطر جيدة ، وإعادة تكوين بعضهم في معاهد متخصصة في مجال محاربة الجريمة وطرق مكافحتها ، بالإضافة إلى فتح حوار جاد ومباشر بين مسؤولي المحاكم وممثلي الإدارة المركزية في إطار تعزيز الاستقلالية في اتخاذ القرارات ، ولكن أيضا لإيجاد حلول سريعة للمعضلات التي تتطلب علاجا مركزيا.
الفقرة الرابعة:
مؤسسة المجلس الأعلى للسلطة القضائية
إذا كان هناك مجال واسع للحديث عن مؤسسة دستورية عريقة في المبادئ، متجدرة في توفير الضمانات لرجال القضاء، حامية للحقوق والواجبات، غايتها نبيلة، وخصوصياتها مستوحاة من فكر خلاق وتقاليد راسخة فهي مؤسسة المجلس الأعلى للقضاء أو ما أطلق عليها في الدستور الجديد بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، وإذا كان المقام لا يسمح بالحديث عما سمي “بانزلاقات ” أو ما وجه لبعض المنتخبين من رجال القضاء فيها من نعوت في فترات الحملة الانتخابية وبعدها. فإن مؤسسة عتيدة تنبثق من نظام دستوري بديع، لا يجمل بها أن تتيه في بحر من الصراعات والضغائن في وقت كان القضاة يتطلعون بأن تكون مجسدة لروح العدالة ومنصفة لهم.
إن ترسيخ تقاليد وقواعد سلوك، وأعراف، ووضع مقاييس قارة شبيهة بنظام داخلي للمؤسسة متعارف عليها في الأوساط القضائية أصبح حاليا من الضمانات الأساسية لتوفر الشعور بالطمأنينة.
وفى هذا المسعى تساءلت مرارا ما هي أفضل وسيلة لتقييم القاضي سنويا؟ هل هي بطاقة تنقيطية؟ أم ملفه السري وما يخزنه من شكايات كيدية أو محتملة أو حقيقية؟ أم هي تقارير لا يعرف مضمونها إلا من حررها؟ أو نظريات المسؤولين؟
أبدا، أعتقد أن ما يسمى ببطاقة التنقيط تتعارض وكرامة القاضي واستقلالية سلطته.
بل إن التجربة أعطت انطباعا وتصورا غير كافيين للتقييم لما تتضمنه بطاقة القاضي من تقديرات عامة سواء من حيث سلوكه وضميره وعلاقاته وتكوينه، قد لا تفي بالمطلوب لتقييمه وإنصافه. كما أن حفظ هذه المعلومات في جذاذات ورقية لدى كتابة هذه المؤسسة الدستورية بطرق تقليدية أصبح متجاوزا، لذا فإن الضرورة تدعو إلى إعادة تنظيم هذه المؤسسة بشكل حديت ومتطور واستغلال الطرق الحديثة في المعلوميات واستخدام الرموز السرية في حفظ البيانات وضمان سريتها. كما أقترح كبديل أن يرفع كل قاض تقريرا سنويا يضمن فيه حصيلة إنتاجه السنوي ونوعية القضايا التي يعالجها، وطموحاته حول تحسين ظروف عمله ومجموعة أفكاره حول تبسيط الإجراءات والنصوص القانونية الواجب تغييرها في مجال اختصاصه وحصيلة أبحاثه ومساهماته في الملتقيات العلمية، على أن يخصص في خاتمة التقرير خلاصات للمسؤول المباشر لإبداء وجهة نظره ومقترحاته.
ويبدو أن الوضعية الراهنة للعدل تتطلب خلق أواصر من الشفافية والانسجام، ولن يتأت ذلك إلا إذا وجهت نتائج الأبحاث والتفتيشات للقضاة المعنيين بها لتأكيدها أو الرد عليها قبل فتح المتابعات التأديبية في حقهم، كما ينبغي أن يطلع القاضي على جميع الشكايات والوشايات التي ترد ضده كيفما كانت قيمتها، لأن الشفافية تؤدي إلى المصداقية والنزاهة، وأن ما يسمى بالملف السري باستثناء ما يتعلق بالتصريح بالممتلكات ينبغي حذفه من التداول القضائي.
وأعتقد جازما أن منطلق الإصلاحات ذات الأولوية ودعم الجهود المبذولة لرد الاعتبار للعدالة، يتوقفان على تحقيق المصداقية وعقلنة التسيير والتجرد والشفافية والتنظيم حتى تتم إعادة الثقة في جهازنا القضائي.
وعلى الرغم مما قيل حول القضاء فإنه يحتاج فقط إلى الترميم والتحديث والتكوين المستمر خاصة وأن قاطرة الإصلاح قد أتت أكلها من محكمة النقض كأعلى مؤسسة في الهرم القضائي، ولا تحتاج سوى أن تقتبس محاكم الموضوع هذه التجربة وتعميمها.
والحقيقة أن خطة التأهيل التي شرع المجلس الأعلى (محكمة النقض) في تنفيذها منذ الذكرى الأربعين لتأسيسه قد حققت أهدافها المرسومة، وتمكن من تصفية كل القضايا القديمة، والتعجيل بالبت في القضايا لدرجة أن بعض الغرف تبت في القضايا المسجلة لديها في السنة الخالية نفسها، وذلك بفضل تضافر الجهود، وتعميم العمل بالوسائل الحديثة، والتفاني في جودة القرارات ومعالجة الملفات والبت فيها موضوعيا بنسبة تفوق 95 % في القضايا المدنية والتجارية والإدارية والاجتماعية والشرعية. وهو ما دعا جلالة الملك محمد السادس نصره الله إلى أن يغتنم مناسبة الاحتفاء بالذكرى الخمسين ويقول في رسالته “ونغتنم هذه المناسبة لنجدد الإعراب عما نكنه لأسرة العدالة الأثيرة لدى جلالتنا، وللقضاء رفيعي الدرجة ولصفوتهم بالمجلس الأعلى من مختلف الأجيال التي تعاقبت على حمل هذه الأمانة من تقدير واعتبار “.
وغير خاف، أن محكمة النقض بحكم صلاحياتها في مراقبة تطبيق القانون وتوحيد العمل القضائي استطاعت أن تلعب دورا هاما في هذه المحطات التاريخية، وإن اختلف تأثيرها وانعكاساتها على محاكم الموضوع تبعا للظروف والإمكانيات البشرية والمادية المتاحة لها، ومدى استجابتها للتطور والحداثة التي واكبت برامجها وأهدافها.
الفقرة الخامسة:
المعهد العالي للقضاء
وإذا كان القضاء المغربي في وضعية دقيقة وحرجة تتقاذفه الآراء بين النقد واليأس والرضا، فإن مرد ذلك إلى عوامل متداخلة منها ما هو مرتبط بالجانب التشريعي والتنظيمي والهيكلي، ومنها ما له علاقة بالسلوك الشخصي والتكوين وواقع المهنة.
ذلك أن دور القاضي من الناحية الاقتصادية والاجتماعية جد هام بحكم مكانته المتميزة في الأوساط الاجتماعية وما يفرضه منصبه من وقار واحترام من جهة، وما ينبغي أن تتوفر في شخصيته من قيم ومؤهلات علمية من جهة ثانية.
وإذا كان منطلق تكوين قاضي الغد هو المعهد الوطني للدراسات القضائية، فإننا نتساءل وبكل موضوعية، ماذا هيأنا للملحق القضائي الذي يقضي زهاء سنتين من حياته بهذه المؤسسة؟ هل توجد إقامات مريحة وملاعب رياضية؟ هل يتوفر المعهد على بناية محترمة مجهزة بأحدث الوسائل العصرية؟ ما هي معايير اختيار هيئة التكوين العلمي واللغوي والرياضي؟ هل توجد مختبرات علمية؟ هل نحقق للملحقين حلقات تكوينية خارج الوطن؟ ولماذا يظل قطاع العدل حبيس المتخصصين في الدراسات القانونية أو الشريعة؟ في حين أن المعاهد المتخصصة في التسيير الإداري والتجارة والمقاولات والهندسة أو الإحصاء أو التعمير وغير ذلك من التخصصات يمكن أن تغني القطاع بتجارب وخبرات ما أحوجه إليها.
لا أريد الحديث عن مباراة الولوج إلى المعهد الوطني للدراسات القضائية، ولا على آثار توقفها لسنوات خلت، في فترات سابقة، وانعكاسات ولوج أفواج متتالية جديدة وبأعداد كبيرة لا تتحملها بناية المعهد وطاقم الجهاز الإداري والمكونين على السواء.
لكن إذا كانت فترات التكوين كافية لتقييم مؤهلات وسلوك الملحق القضائي، فإن ترسيمه بالسلك القضائي أو تمديد فترة تدريبه أو وضع حد لمهامه لا ينبغي التساهل أو المحاباة فيها، وهي مسؤولية جسيمة يتحمل معظمها ولا شك مديرية التكوين بالمعهد العالي للقضاء من خلال التتبع والتكوين والتقييم.
إن طرق التكوين الحديثة تتطلب مهارة في المكون أولا، وفي وسيلة التبليغ والإقناع وفي منهجية التواصل فضلا عن المهارة والمعرفة، لذلك أقترح تقليص مدة التدريب بالمعهد المذكور إلى سنة، والرجوع إليه بعد قضاء سنتين من العمل الفعلي بالمحاكم من أجل إعادة التكوين والتخصص باعتباره أحسن سبيل للنهوض بميدان العدل.
هذه مجرد أفكار أولية تضمنها المبحث الأول المتعلق بالبرنامج الاستعجالي لتأهيل العدالة نابعة من صميم غبرتنا على واقع عدالتنا التي نرجو مخلصين أن تتبوأ مكانتها العالية ودرجتها الرفيعة.
المطلب الثاني:
تأهيل العدالة على المدى القريب والمتوسط
ينبغي معالجة هذا الموضوع من جوانب متعددة، منها ما هو مرتبط بالمجال الدستوري وآخر بالمجال التشريعي.
الفقرة الأولى:
من الجانب الدستوري
1 – فيما يتعلق بفصل السلط
يبدو أن الجميع بات مقتنعا بأهمية التعديل الدستوري الهام المتعلق بالقضاء، وهي خطوة جريئة في درب البناء الديمقراطي المنشود أتاحت لبلادنا فرصة نحو السمو بتأهيل العدالة وتقوية استقلالها والتنصيص عليها كسلطة وليس كوظيفة، إنها رسالة سامية مقدسة نجد سندها في الرغبة الملكية السامية الصريحة وفي المبادئ الأساسية الدولية وتوصيات هيئة الإنصاف والمصالحة وجمعية هيئات المحامين ورغبة المجتمع المدني.
لذلك فإن تنصيص التعديل الدستوري على -السلطة القضائية -بدل القضاء. تعزيزا لمبدأ فصل السلط، مناسبة جديدة على تكريس مبدأ: “السلطة القضائية مستقلة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية “.
ويبدو أن التأكيد على التزام المملكة بضمان هذا الاستقلال وفق ما هو متعارف عليه في المواثيق الدولية كاف، وسيعطي الانطباع العام على مدى التحول الحقوقي والدستوري للمملكة المغربية والإرادة نحو تعزيز مكانة العاملين في السلك القضائي من جهة وضمان سير إجراءات المحاكمة العادلة من جهة أخرى.
إن تشخيص الوضعية هو بداية الحلول لانطلاقة فعلية، ذلك أن تقرير الخمسينية لم يشر إلى واقع العدالة إلا في فقرات محدودة جذا ولم يساهم في النقاش العام فيها على مدار الخمسين سنة من التنمية البشرية بالمغرب، كما لم يعتن بحصر منجزاتها ولا بذكر استشراف المستقبل في أفق 2025 كما فعل في جميع الميادين الأخرى كالتعليم والصحة والتجهيز والفلاحة والطاقة …إلخ. ودون توضيح للأسباب أو حصر للاختلالات ([1]) فضلا عن ذلك فإن بعض وسائل الإعلام بدورها ساهمت فبم إعطاء عورة قاتمة عن واقع العدالة بالمغرب، وكأن القضاء وحده المسؤول عن هذه الوضعية مع أن جهاز العدالة متعددة الروافد (كتاب الضبط -ضباط الشرطة القضائية -محامون-خبراء-مفوضون قضائيون -عدول -موثقون ….)
فضلا عن أن تشريعاتنا غير المحينة وقصورها بسبب التوافقات السياسية داخل قبة البرلمان والمؤسسات التي تولدت عنها راكمت بدورها أوضاعا سلبية ذات تأثير كبير.
ويكفي أن نعطي بعض الخلاصات للدلالة على أسباب وهن العدالة وعللها؛ فالتمركز الإداري جلي على مختلف المستويات ، وهيكلة كتابة الضبط تعاني من الضعف ، وعدد القضايا الرائجة أمام المحاكم في ارتفاع مضطرد أي بما يفوق ثلاثة ملايين ونصف قضية في سنة 2010، بما فيها 20% من الأحكام غير منفذة ، وعدد الوحدات القضائية تعاني من التضخم (110 محكمة موضوع و 180 مركز للقضاة المقيمين نصفها غر مشغل ) كما أن التوزيع يخير متناسب في أعداد القضاة والموظفين 3792) قاض، 14588 موظف) والخصاص كبير في عددهم، أما ضعف بنايات المحاكم وفي الأجهزة المعلوماتية والشبكة الكهربائية فهو أمر مشهود، ناهيك عن هزالة ميزانية وزارة العدل والحريات) 1.07% من الميزانية العامة للدولة سنة 2010 ) في حين يعرف أعداد منتسبي المهن القضائية تزايدا كبيرا مما ينعكس بصفة سلبية عن تنظيمها ( 9734 محام 3030+ عدول+ 2950 خبير+ 986 موثق+ 1257 مفوض قضائي 763+ ناسخ +323 ترجمان ).
وعلى الرغم من ذلك، فإن رد الاعتبار للعدالة يقتضي أولا أن نعترف وأن نعرف بهذه الأوضاع وأن نقر بالمقابل بالمجهودات الكبيرة التي بذلت في مسارنا القضائي منذ الاستقلال إلى الآن، وأن نؤكد أن خمسة عقود ونصف من حياة أمة منذ الاستقلال إلى الآن لا تشكل حقبة أطول لبناء قضاء عصري متطور ومواكب للمستجدات ومساير لأعته المؤسسات العريقة في التأصيل القضائي.
إن واقع العدالة يحتاج إلى حوار وطني بناء، وإلى بعض المستلزمات التشريعية والتنظيمية والمؤسساتية لزرع روح الثقة لدى المتقاضين في قضائهم وفي المهن ذات الصلة، عبر مجموعة من الإصلاحات يمكن إجمال بعضها فيما يلي:
الفقرة الثانية:
على المستوى التشريعي
أولا: سن قانون تنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية
لاستكمال المبادئ الدستورية المنصوص عليها في الفصول 56و57 ومن 107 إلى 128 المتعلقة بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية وخاصة استقلال القضاء والضمانات الممنوحة لهم وقواعد سير العدالة، نأمل سن قانون تنظيمي للمجلس المذكور في أقرب الآجال تحدد فيه قواعد مثلى تضمن حسن سير عمله ومنهجية تنظيمه ترتكز على معايير واضحة لتدير الوضعية المهنية للقضاة ومسطرة اختيارهم وتكوينهم وتعيينهم وترقيتهم وتأديبهم وتقاعدهم. على أن تكون مبادؤه منسجمة مع أصالتنا العريقة منة جهة ومستوحاة من أنظمة متقدمة ومواثيق دولية من جهة ثانية حتى يشعر القضاة بالاستقرار والاطمئنان والأمان. وفي هذا الصدد نقترح ما يلي:
تحديد بعض المفاهيم التي تشكل مستجدات دستورية، وعدد من الدعائم التي تندرج في الضمانات الممنوحة للقضاة ذات الصلة باستقلالهم وتعيينهم وترقيتهم وتقاعدهم وتأديبهم بنصوص واضحة المعاني والألفاظ.
التنصيص على مواصلة عمل المجلس الأعلى للسلطة القضائية بانتظام على مدار السنة على مستوى اللجن المتخصصة وأمانته، شريطة أن تحدد جلسات انعقاد دورتيه الرسميتين ومواعيدهما في وقت مضبوط حتى يكون جميع القضاة على بينة من ذلك، وكذا بالنسبة لباقي الدورات الممكن الإعلان عنها كلما دعت الضرورة إلى ذلك.
إبداء المجلس الأعلى للسلطة القضائية الرأي في كل مشاريع القوانين والقرارات التنظيمية التي تهم العدالة قبل عرضها على المجلس الحكومي.
التنصيص على وحدة الهيئة القضائية لتشمل قضاة الحكم والنيابة العامة والقضاة الملحقين بمختلف الإدارات والبعثات تحديد دور الأعضاء لاسيما المنتخبين والمعينين، ومدة صلاحياتهم، وأسباب تجريدهم أو إعفائهم منها وإخضاع أعمالهم للتقييم والمحاسبة.
توفير بعض الضمانات القانونية لأعضاء النيابة العامة إسوة بقضاة الأحكام لحمايتهم من النقل والعزل خصوصا إذا مارسوا مهامهم وواجباتهم وفقا للقانون والتزموا بالتعليمات الكتابية القانونية الصادرة عن السلطة التي يتبعون لها مع خضوعهم لرقابة الوكيل العام للملك لدى المجلس الأعلى.
سن شروط موضوعية في إسناد المسؤوليات بالمحاكم، وإخضاع المعينين لأول مرة في مجال تدبير الإدارة القضائية وجوبا للتكوين بالمعهد العالي للقضاء.
وضع جهاز التفتيش الخاص في المادة التأديبية تحت السلطة المباشرة للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، وفق ضوابط يراعى فيها كيفية اختيار المفتشين ومدى تكوينهم وتخصصهم وحصر حدود مجال تدخلهم وصلاحياتهم، إلزامية بعث تقارير التفتيش التسلسلي العام المنصب سنويا على المحاكم الابتدائية المنجزة من طرف الرؤساء الأولين لمحاكم الاستئناف أو الوكلاء العامين للملك لديها إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية حتى يتمكن جميع أعضائه من الاطلاع على أوضاع المحاكم بشمولية أكثر.
تفعيل دور كل من رئيس محكمة النقض والوكيل العام للملك لديها في الإشراف القضائي وحرصهما على حسن سير العمل بمحاكم الاستئناف عن طريق زيارات تفقدية سنوية.
التنصيص على حالة التنافي بين عضوية المجلس الأعلى للسلطة القضائية وممارسة المهام القضائية الفعلية في كافة المحاكم وذلك طيلة الولاية الانتخابية حتى يتفرغ القضاة المنتخبون للعمل في مقر المجلس المذكور.
إصدار التقارير والتوصيات حول وضعية القضاة ومنظومة العدالة بالتوافق، وإلا فبأغلبية ثلاثة أرباع أعضاء المجلس الأعلى للسلطة القضائية.
التنصيص على إمكانية تفويض جلالة الملك لأحد أعضاء المجلس الأعلى للسلطة القضائية النيابة عنه في تسيير أعمال المجلس إذا عائق رئيسة المنتدب عائق حال دون ممارسته لمهامه.
سن طريقة شفافة ونزيهة لانتخاب ممثلي القضاة بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، واعتماد شروط موضوعية ومعايير واضحة لضمان تمثيل مشرف ومسؤول علاوة على تشكيل هيئة عليا للإشراف على الانتخاب وعلى مسطرة الطعن في العملية الانتخابية والجهة القضائية الموكول إليها الاختصاص للنظر في الطعن.
جعل أمانة أو كتابة المجلس الأعلى للسلطة القضائية، والمفتشية الخاصة بمجال التأديب بعد تعيين المسؤولين بهما من سامي القضاة بظهير شريف تحت إشراف الرئيس الأول لمحكمة النقض بصفته الرئيس المنتدب من جهة ومراقبة المجلس المذكور وفق ما هو منصوص عليه في نظامه الداخلي من جهة ثانية.
إمكانية الطعن في المقررات الإدارية المتعلقة بالوضعية الفردية للقضاة أمام المحكمة الدستورية.
ثانيا: مراجعة النظام الأساسي للقضاة
لقد أشار تقرير الخمسينية إلى أن “إصلاح سنة 1974 قد أضر بالضمانات المخولة للمتقاضين ومس بالحق في محاكمة عادلة على المستوى الجنائي، كما أن نقص مستوى كفاءة بعض القضاة والمحامين وكتاب الضبط وتدني وضعيتهم المادية كان من أهم مواطن القصور التي أضرت باستقلالية القضاء”.
لذلك نتساءل، لماذا ظل تشريعنا المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة عقيما وغير محين؟ هل يرجع ذلك إلى عدم الرغبة في تطويره؟ أم إلى عدم فعالية أجهزة الودادية الحسنية للقضاة وعدم قدرتها على التأثير؟ أم إلى عدم رغبة بعض الفاعلين السياسيين الموكول إليهم صلاحية التشريع؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة لم تعد ضرورية بعد الحطاب الملكي السامي لـ 20 عشت 2009 وما تلاه من مبادرات ملكية واعدة توجت بمبادئ دستورية متقدمة تؤكد الإرادة القوية في نهج السبل التي ستسفر عنها توجهات السياسية القضائية المقبلة. لذلك نقترح بعض المبادئ التي يمكن لقانون النظام الأساسي للقضاة أن يعتمدها لتحقيق الاستقلالية وتجاوز الأزمة:
لتحصين استقلالية القضاء وعلى الخصوص في مجال إحالة القضاة إلى التقاعد، وانتدابهم وتوقيفهم عن العمل نتيجة ارتكاب مخالفات منسوبة إليهم وأحالتهم في إطار المتابعات التأديبية وإصدار عقوبات من الدرجة الأولى في حقهم ينبغي ألا يتخذ أي مقرر بهذا الشأن إلا من طرف المجلس الأعلى للسلطة القضائية وحده.
إحداث لجنة مختلطة يرأسها الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية وعضوية الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض وعضو منتخب وآخر معين يكون من مهامها اتخاذ القرارات الاستعجالية الخاصة بتعيين قضاة التحقيق وقضاة التوثيق والأحداث وقضاة التنفيذ وغيرها من القرارات التي تدعو إليها الحاجة الملحة لسد فراغ أو نقص في المحاكم.
إدخال تعديل على نظام ترقية القضاة تلقائيا وفق معايير موحدة للارتقاء في الدرجات والرتب مع خلق درجة تعلو الدرجة الاستثنائية من أجل التحفيز على العطاء والتشجيع على العمل.
تخصيص مكانة متميزة للسلطة القضائية في البرتوكول الخاص بالمناسبات الرسمية.
التنصيص على أهم المعايير المعتمدة في إسناد المسؤوليات بالمحاكم وبالأخص للعنصر النسائي من القافيات المتميزات وإعادة النظر في التعويضات المخصصة لهذه المهام.
حصر سن معين لتقاعد القضاة وإلغاء نظام التمديد أو الاحتفاظ لعدم جدواها مع فتح مجال التعاقد مع بعض قدماء القضاة للاستفادة من خبراتهم وتجربتهم.
تشديد شروط مباراة الالتحاق بالسلك القضائي كالرفع من مستوى الشواهد الجامعية المطلوبة (الماستر + سنتان من العمل بإحدى المؤسسات).
التنصيص على مسطرة خاصة لتأديب بعض أعضاء المجلس الأعلى للسلطة القضائية.
اعتماد تخصص القضاة كمنهج في مسار عملهم القضائي.
حصر السلطة التي يتبع إليها أعضاء النيابة العامة وحدود علاقتهم بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية
تضييق مجال الانتداب بشكل واضح على أن تكون القرارات مبنية على أسباب سائغة ومقبولة مع قابليتها للطعن.
إدراج مبادئ مدونة السلوك والأخلاق القضائية ومفهوم واجب التحفظ ضمن القانون التنظيمي.
الفقرة الثالثة:
على المستوى التنظيمي
إن تجربة خمسة عقود وما صاحب آخر ” إصلاح ” أدخل على النظام القضائي سنة 1974 تؤكد لنا، بدون احتمال أي اعتراض، سلبية هذه التجربة، مما يقتضي إهمال عناصرها الأساسية وإدخال تغييرات هامة وجريئة عليها، وألا تقتصر هذه التغييرات على تنقيح النظام القضائي الخالي، كما يجب ألا يكون هناك أي مجال للتخوف من الابتكار ومن إبراز كثير من الإبداع. فأين يكمن الحل يا ترى؟ هل في تشكيل لجنة للتفكر مكلفة بإعادة صياغة المبادئ التي يرتكز عليها العدل وتطوير وسائله كتلك التي اقترحها الرئيس الفرنسي شيراك نتيجة للبط ء والخلل اللذين ما فتئت الصحافة الفرنسية تنسبهما للعدالة الفرنسية؟
أعتقد جازما أن أحسن منهج قويم هو أن يتم إحداث لجنة وطنية للتفكير مشكلة من كفاءات علمية ومهنية رفيعة المستوى من القضاة والنقباء والجامعيين والبرلمانيين وممثلين عن الأمانة العامة للحكومة والديوان الملكي ووزارة العدل والمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان وديوان المظالم ، وذلك من أجل تهيئ مخططات ودراسات منسجمة مع اختيارات المملكة الشريفة في تنظيم عدالتها التواقة إلى تحقيق عدالة مؤهلة متمسكة بالأصالة والانفتاح على الحداثة، على أن تقوم في المرحلة الأولى لجنة قضائية من المجلس الأعلى بتهيئة دراسات استكشافية عميقة على ضوء زياراتها التفقدية للمحاكم بإمكانها أن تغذي التفكير لدى أصحاب القرار من أجل اتخاذ تدابر استعجالية سريعة، وأن تعمل اللجنة الوطنية في مرحلة ثانية بعد اطلاعها على الدراسات الاستكشافية على إدراج مشروع سياسة عمومية عدلية واضحة مبنية على تخطيط فعال في نطاق الزمن غير قابلة للتغيير بحسب الظرفية وتعاقب المسؤولين . ثم تنكب في مرحلة أخرى على مراجعة التشريعات الوطنية ذات الصلة بتأهيل العدالة وأن تطلع على العديد من التشريعات المقارنة وإن اقتضى الأمر القيام بزيارات ميدانية لبعض الدول الصديقة والشقيقة، حتى تكون الأعمال شاملة وهادفة لخلق إطار نموذجي في الممارسة القضائية والقانونية في بلد نام كالمغرب، بلد له خصوصياته في التركيبة السكانية وتنوع ثقافته موروثه الحضاري والديني والتاريخي.
علاوة على ذلك، فإن من شأن هذا النموذج المغربي أن يعتمد لدى بعض الدول العربية والإسلامية كنموذج يحتدى به.
ونتيجة لذلك يمكن من خلال هذا المشروع الهام الاستفادة من الدعم المالي المخصص من قبل المؤسسات الدولية والأجنبية المعنية بتطوير الأنظمة القضائية، إضافة إلى الاعتمادات الوطنية التي سترصد لهذا الغرض.
ومما لا شك فيه أن التنظيم القضائي للمملكة عرف تضخما في عدد الوحدات القضائية وتنوعا على مستوى اتساع الخريطة القضائية وامتدادها نتيجة إنشاء محاكم أو أقسام متخصصة. أو إحداث محاكم جديدة نتيجة ارتفاع عدد القضايا المسجلة سنويا أو لاعتبارات أخرى مما يقتضي إعادة النظر في هذا التنظيم وفق إستراتيجية هادفة ودراسة تعتمد الجهة والبعد الجغرافي والامتداد السكاني والنشاط الاقتصادي وغيره من المعايير البعيدة عن التأثرات السياسية.
ولمعالجة هذه الظاهرة ينبغي القيام بما يلي:
إعادة النظر في الخريطة القضائية كي تكون منسجمة مع الجهوية الموسعة المنتظرة ودراسة الجدوى من بقاء محكمة أو إلغائها أو تعديل مجال تخصصها، وذلك على ضوء الإحصائيات المسجلة وتقدير الوسائل البشرية والمادية المتاحة. وهكذا يمكن حصر عدد محاكم الاستئناف -باستثناء محاكم الاستئناف الإدارية -على مستوى الجهات فقط سيما وأن هيئات استئنافية أحدثت على مستوى المحاكم الابتدائية.
العمل على توحيد المحاكم وتنظيمها في شكل غرف أو أقسام متخصصة كما هو عليه الخال في محكمة النقض حتى نتفادى أسباب البطء الناجم عن الدفع بعدم الاختصاص النوعي من جهة علاوة على توفير طاقات بشرية مؤهلة سواء من المسؤولين القضائيين أو من الموظفين والتقنيين، وفائض كبير في عدد من المباني واقتصاد النفقات المتعددة في الصيانة والنقل والمعدات والمطبوعات وغيرها.
فصل الإدارة القضائية عن العمل القضائي في ظل الحفاظ على وحدة المحكمة، وذلك بخلق منصب الكاتب العام على مستوى كل محكمة استئناف وقسم إداري تابع له بكل محكمة ابتدائية على أن تحل مؤسسة الكتابة العامة محل المديرية الفرعية في جميع مجالات عملها المتعلقة بتوفير حاجيات المحاكم، والتحديث، والصيانة، والإنارة، والنقل وحفظ المطبوعات وتوزيعها. ذلك أن تفاقم المشاكل بهذه المحاكم، وضآلة الوسائل المتاحة لسد الخصاص، وتداخل صلاحيات المديريات الفرعية ذات الارتباط الوثيق بالعديد من المديريات بوزارة العدل أدى إلى بطء في التدبير وغياب الحكامة وانعدام التواصل بسبب إبعاد المسؤولين القضائيين عن مهام الإشراف عن تدبير الصفقات وتهيئ الحاجيات بل عدم اعتبارهم كآمرين بالصرف وتعويضهم بالمديرين الفرعيين على مستوى محاكم الاستئناف الشيء الذي ساهم في إضعاف السلطة القضائية وجعلها تحت رحمة الإدارة المركزية أو ما يقوم مقامها. لذلك فإن حكامة تدبير المحاكم يقتضي أن يطلع المسؤول القضائي بكل دائرة استئنافية على الاعتمادات المخصصة بدائرته القضائية ويقترح البرامج المعتمدة في إطار من الأولويات المتوافق عليها حتى يشرف على تنفيذها وبالتالي إمكانية تطبيق مبدأ المسؤولية المرتبطة بالمحاسبة في ظل الحكامة المنشودة.
تحديد مجال اختصاصات الجمعيات العمومية السنوية للمحاكم الابتدائية والاستئنافية واختصاصات مكتب محكمة النقض، ودور المسؤولين القضائيين في ترتيب الأولويات ومنهجية العمل وكيفية تحديثه وتطويره وتحديد عدد الغرف والأقسام وتوزيع القضايا على القضاة ومواقيت عقد الجلسات وحصر البرنامج السنوي على ضوء الإحصائيات المتاحة لاتخاذ التدابير والقرارات التي ينبغي اعتمادها خلال السنة.
إحداث نظام خاص بالتفتيش العام التسلسلي للمحاكم لما أبان عنه التفقد من فعالية و مردودية، وما أظهره من نتائج بالغة الأثر سواء على مستوى توحيد العمل القضائي أو تحسين ظروف الأداء الإداري والقضائي أو تنمية قدرات الجهاز وتخليقه.
خلق مصلحة بكل محكمة استئناف تعنى بالتواصل والانفتاح مع المحيط الوطني والخارجي سواء مع مساعدي القضاء أو الإعلام.
الفقرة الرابعة:
على المستوى المؤسساتي
أولا: مؤسسة المسؤول القضائي في إعادة التكوين ودوره في التأطير لئن كان مجال التأطير القضائي يهدف إلى تقوية مهارات الصنعة القضائية لدى القاضي وصقلها بغية الرفع من الأداء القضائي وتقوية النجاعة القضائية. فإن السؤال الملح هو: ما هي حدود المسؤول القضائي في مجال التكوين؟ ألا يشكل أحيانا وسيلة للتأثير والتدخل في عمل القضاة عند مناقشة نقط قانونية معينة؟ إن مجال التأطر يقتصر على حرص المسؤول على ضمان التطبيق السليم للإجراءات المسطرية دون التدخل في مسار القضايا وتوجيه هيئات الحكم طالما أن توفر أدوات العمل تساعد على إنتاج جيد من خلال:
– تعميم مراجع الاجتهاد القضائي الوطني والأجنبي.
-نظيم لقاءات بالمحكمة تخصص لمناقشة الإشكالات العملية بغية توحيد العمل القضائي.
– تنظيم موائد مستديرة وندوات علمية.
– التجسيد الأمثل لاستقلال القضاء ذلك الاستقلال الذي لم يشرع للقاضي بل اعتمد لصالح المتقاضين الذين يتطلب البت في قضاياهم ووضعها بيد قضاء محايد متحلل من كل تأثير، قضاء يتمتع بالتكوين والكفاءة والاحترافية.
– وضع آليات لمواكبة وتتبع الإجراءات.
ثانيا: الإدارة المركزية ودعم اللامركزية
لقد أحدث القانون التنظيمي لوزارة العدل بموجب مرسوم 23 يونيو 1998 وأسندت بموجبه لوزير العدل صلاحيات واسعة من خلال إحداث مديريات مركزية تتوفر على اختصاصات هامة في مجال المراقبة والتتبع لاسيما في مجال عمل النيابة العامة وممارسة المهن القانونية والقضائية. كما منحت للمفتشية العامة صلاحيات واسعة في التحري والتحقق والمراقبة وهي إدارة موضوعة شأنها شأن المعهد العالي للقضاء وكتابة المجلس الأعلى للقضاء تحت السلطة المباشرة لوزير العدل.
وأعتقد أن مرور عقد من الزمن، وما طرأ على المغرب من تغيرات شاملة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية…. يقتضي مراجعة هذا التنظيم وفق منظور العهد الجديد في اتجاه تقوية السلطة القضائية وتقليص سلطات وزارة العدل واستشراف المستقبل بمنظور حداثي ثواق لفرض دولة القانون.
إن دعم اللامركزية سيؤدي لا محالة إلى الاستغلال الجيد للإمكانيات والشعور بالمسؤولية مع ما يترتب عن ذلك من حكامة وخلق لروح المنافسة وتخفيف الأعباء على الإدارات المركزية، كما يشجع المبادرات في إطار الجهة. وهو ما يدعو إلى المطالبة بإدخال تعديل جوهري على القانون التنظيمي للإدارة المركزية لوزارة العدل والتخفيف من سلطاتها تماشيا مع المفهوم الجديد للسلطة القضائية المستقلة. وفي هذا الصدد نقترح ما يلي:
– تفويض الإعتمادات الكافية لحسن سير المحاكم حسب دوائر الجهة الاستئنافية.
-تعيين كاتب عام بكل محكمة استئناف لتدبير وضعية الموظفين الإدارية، والتجهيز والميزانية المعتمدة بدل المدير الفرعي -كما تم بيانه سابقا-.
– جعل الرئيس الأول الآمر بالصرف والمشرف على حسن سير المحاكم.
– التوعية بأهمية الوسائل البديلة لفض المنازعات
إن البحث عن حلول بديلة لتخفيف الأعباء على المحاكم بات ضروريا وأن أهمية التحكيم أو الوساطة التوافقية أو تفعيل المجلس العائلي أو مسطرة الصلح التي تباشر من طرف النيابة العامة أو مفتشية الشغل أو غيرها من المؤسسات لم تعط نتائج مرجوة ولم تساعد ولو بشكل نسبي على تخفيف تراكم الملفات. كما أن إعادة النظر في الإختصاص والتقليص من حالات الطعون ودرجاته في بعض المجالات، وخلق سياسة جنائية منسجمة مع مبادئ حقوق الإنسان وضمان المحاكمة العادلة وتوفير الضمانات القانونية لثني النيابات العامة وتنبيهها إلى تفادي فتح متابعات غير معززة بأدلة معقولة أو اللجوء إلى طرق الطعن غبر المبررة من شأنه أن يساعد في حل إشكال تراكم القضايا. إذا تم تعزيز جهازها بأطر قضائية إضافية تتوفر على قدر من الجرأة والمبادرة.
ثالثا: إصلاح مؤسسات المهن القضائية
إن النهوض بالمهن القضائية يقتضي مراجعة شاملة للنصوص القانونية ذات الصلة لاسيما تلك المتعلقة بمهنة المحاماة باعتبارها من أهم المهن الحرة المستقلة التي تساعد القضاء، وتساهم في تحقيق العدل.
لكن الملاحظ، أن المحاور والبرامج العامة لمخطط الإصلاح الشامل والعميق لمنظومة العدالة التي وضعته وزارة العدل والحريات على مدى 2016-2012 بشأن النهوض بالمهن القضائية لا يتضمن مراجعة بعض مواد القانون المنظم لمهنة المحاماة وإنما اقتصرت فقط على إعداد مشروع مرسوم لتطبيق المادة 6 من قانون المحاماة المتعلق بإحداث مؤسسة لتكوين المحامين بينما باقي مشاريع القوانين تتعلق بقانون التوثيق. مع أن ترسيخ تخليق الحياة العامة يقتضي وضع آليات جديدة لتفعيل تعاون هيئات المهن القضائية مع النيابة العامة حتى يسترجع المتقاضون ثقتهم في مساعدي العدالة.
لذلك نقترح إحداث قسم متخصص ومستقل بمقر النيابة العامة لدى محكمة الاستئناف يختص بمراقبة وتتبع حسن سير عمل جميع مساعدي القضاء بانتظام وذلك بتنسيق مع هيئاتهم، يلتزم برفع تقرير سنوي في الموضوع إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية.
هذه مجرد أفكار أولية نتطلع من خلالها إلى تقديم بعض المقترحات لتأهيل العدالة المغربية وفق مخطط مضبوط آملين أن تتبوأ منظومته مكانتها العالية ودرجتها الرفيعة.
[1] -3 فقرات فقط وردت في الصفحتين 84 و85 تتعلق بالقضاء من أصل 279 صفحة وبعض السطور عابرة في بعض الفقرات الأخرى