“دراسة مقارنة “
سعيد المعتصم
قاضي بالمحكمة الابتدائية
بتاونات
قد يبدو الحديث عن الرقابة القضائية على عمل المحكمين غريب في ظل مفهوم عن//التحكيم يبعد من الناحية النظرية قليلا من القضاء، ويبعد من الناحية “العملية” كثيرا عنه، بيد أن مفهوم الرقابة لا يأخذ شكلا صارما، وبصفة خاصة أثناء سير الإجراءات، وانما يغلب عليه طابع المساعدة التي لا تخلو من المسحة الرقابية، هذا الدور الإيجابي الذي يمارس القضاء، يبدأ من لحظة تحرير اتفاق التحكيم . مرورا بتعيين المحكم و يستمر أثناء سير الإجراءات، ويمتد لما بعد صدور الحكم.
وقد لا يكون الدور الرقابي للقضاء واضحا ومباشرا عند ما يقدم مساعدته قبل بدء الإجراءات، حيث ///جانب المساعدة على الرقابة، ثم يتوازن الجانبان أثناء سير الإجراءات، ليصبح جانب الرقابة واضحا بعد صدور الحكم ال/////لدرجة يتلاشى معها جانب المساعدة أو يكاد، من خلال منحه القابلية للتنفيذ إذا توافرت فيه عناصر الصحة، وتصحيحه إذا كان قابلا له، أو إلغائه إذا شهر به البطلان .
من هذا المنطلق سوف نحاول الوقوف عند صور الرقابة القضائية على عمل المحكمين أثناء سير الإجراءات “المطب الأول ” ثم صور الرقابة القضائية اللاحقة على صدور الحكم التحكيمي ” المطلب الثاني “.
المطلب الأول: صور الرقابة القضائية أثناء سير خصومة التحكيم
سنقتصر على تناول أهم صور الرقابة القضائية أثناء سير الإجراءات، فالقضاء يمارس سلطة تقديرية في تقديم أوجه المساعدة تيسيرا على الأطراف وحماية لخصومة التحكيم، لكنه لا يقدم هذه المساعدة بشكل إجباري بل الغالب أنها تكون بناء على طلب أحد الأطراف .
وسنحاول فيما يلي الوقوف على أهم صور الرقابة القضائية من خلال تتبع سلطة الفصل في صحة اتفاق التحكيم، وممارسة القضاء سلطة التعيين والنظر في تجريح المحكمين، ثم الرقابة القضائية من خلال نظر الطعن في قرارات المحكمين بشأن مسألة صحة وحدود اختصاصهم وكذا ميعاد التحكيم، وكذا اتخاذ الإجراءات الوقتية والأوامر التحفطية.
الفقرة الأولى : الرقابة القضائية من خلال الدفع بوجود اتفاق التحكيم وصحته
يترتب على وجود اتفاق التحكيم أثران : الأول : التزام الأطراف بحسم النزاع عن طريق التحكيم، واتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لإعمال أثر اتفاق التحكيم، وعند لجوء أحدهما للقضاء يحق لخصمه الدفع بوجود هذا الاتفاق لمنع القضاء من نظره، ويستجيب القضاء لهذا الدفع ما لم يتسنى له بطلانه أو عدم قابليته لأعمال أثره ([1]).
والثاني : امتناع القضاء عن نطر النزاع عند الدفع بوجود اتفاق التحكيم إذا ما تبين له صحة هذا الاتفاق، فإذا لم يتمسك الخصم بوجود هذا الاتفاق، كان للقضاء الاستمرار في نظر النزاع رغم صحة اتفاق التحكيم، وعندئذ لا يملك المحكم سوى إنهاء الإجراءات التي تكون قد بدأت أمامه، وفي هذا الصدد قضى المجلس الأعلى في قرار له بتاريخ 9/7/2008 أن : ” الدفع بعدم قبول الدعوى لوجود شرط تحكيمي يعد دفعا من نوع خاص، واللجوء إلى القضاء ومناقشة موضوع الدعوى أمامه، يعد تنازلا ضمنيا عن التوجه للتحكيم لفض النزاع الناشب بين الطرفين، ما دام الأصل هو التقاضي أمام قضاء الدولة الرسمي، والاستثناء هو المثول أمام جهة تحكيمية ” ([2]) .
والملاحظ أنه أثيرت العديد من التساؤلات حول طبيعة الدفع بوجود اتفاق التحكيم وهل يتعين الحكم بعدم الاختصاص ([3])، أم بعدم القبول ([4])، وهل هو دفع بعدم الاختصاص النسبي محدود النطاق ([5])، أم دفع إجرائي ببطلان المطالبة القضائية ([6])، وقد انعكس هذا الخلاف على أثر نطاق الرقابة القضائية، من خلال الميل إلى تقرير صحة اتفاق التحكم دون التحقق من توافر عناصر الصحة والقابلية للإعمال، مما أدى إلى تقليص الدور الرقابي للقضاء.
وقد اعتبر الفصل 327 من ق م م هذا الدفع أنه دفع بعدم القبول حيث نص على أنه : ” عندما يعرض نزاع مطروح أمام هيئة تحكيمية عملا باتفاق التحكيم، على نظر إحدى المحاكم، وجب على هذه الأخيرة إذا دفع المدعي عليه بذلك قبل الدخول في جوهر النزاع أن تصرح بعدم القبول إلى حين استنفاذ مسطرة التحكيم أو إبطال اتفاق التحكيم “.
وهو نفس التوجه الذي تبنا 8 المشرع المصري في المادة 1/13 من قانون التحكيم ([7])، عندما نصت على أنه : ” يجب على المحكمة التي يرفع إليها نزاع يوجد بشأنه اتفاق تحكيم أن تحكم بعدم قبول الدعوى إذا دفع المدعى عليه بذلك قبل إبدائه أي طلب أو دفاع في الدعوى “، بينما اعتبرته المادة1458 من قانون المسطرة المدنية الفرنسي دفعا بعدم اختصاص القضاء غير متعلق بالنظام العام .
وفي هذا الإطار قضى المجلس الأعلى في قرار له بتاريخ 2002/2/13 أنه :” لكن حيث إنه بالرجوع إلى الفصل 8 من هذه الاتفاقية والتي تشترط اللجوء إلى التحكيم في حالة وجود نزاع في تنفيذ هذا الاتفاق … يتبين أن الطرفين اتفقا على إسناد الأمر أولا إلى التحكيم في حالة نشوء نزاع بشأن تنفيذ العقد، ومحكمة الاستئناف عندما قبلت الدعوى التي تقدم بها الطاعن مباشرة إلى القضاء متجاوزا شرط التحكيم الذي التزم به تكون قد خرقت القانون وعرضت قرارها للنقض “([8]).
بينما انتهت محكمة النقض المصرية في قرارها الصادر بتاريخ 1983/06/13 إلي عدم ضرورة التصدي لهذا التكييف أصلا حيث قضت أنه : “لا ضرورة لمناقشة ما قررته محكمة أول درجة من عدم قبول الدعوى لسبق الاتفاق على التحكيم، أو لما قررته محكمة الاستئناف من تعديل التكييف إلى أنه عدم قبول الدفع بحالته الراهنة، واكتفت بتقرير أن الحكم المطعون فيه وقد اعتبر شرط التحكيم صحيحا مرتبا لآثاره لا يكون قد خالف القانون أو أخطأ في تطبيقه ” ([9]) .
في حين قضت الدائرة الثالثة بمحكمة النقض الفرنسية بتاريخ 1981/5/13 أن الدفع المستمد من وجود شرط. التحكيم يعد دفعا شكليا بعدم الاختصاص لا يتعلق بالنظام العام يجب ابداؤه قبل الكلام في الموضوع ([10]).
نخلص مما تقدم أن ربط تكييف وآثار هذا الدفع بأحد الدفوع التي ينظمها القانون هو أمر يثير الخلط والارتباك إن على مستوى الفقه أو القضاء، فالأطراف يملكون التنازل عن هذا الدفع، كما أن شرط التحكيم لا يسلب القضاء اختصاصه بنطر النزاع، فقد يعود إليه عند فشل التحكيم، كما يختص أيضا بنظر الطعن في الحكم التحكيمي وتصحيحه، وتفسيره وتنفيذه، لذا نرى أنه عند رفع النزاع أمام القضاء والدفع أمامه بوجود اتفاق التحكيم، فإنه يتعين عليه الحكم بوقف الدعوى إلى حين صدور الحكم التحكيمي، أو فشل التحكيم والعودة للقضاء، وهذا هو الحل الذي تبنته اتفاقية نيويورك ([11])، عندما قررت أن المحاكم القضائية تلتزم بوقف الدعوى المرفوعة أمامها، ما لم يكن اتفاق التحكيم باطلا أو منعدما أو غير قابل للتنفيذ.
وكان يتعين على المشرع المغربي أن يتنبه إلى هذا بمناسبة تعديل نصوص قانون المسطرة المدنية بخصوص التحكيم وأن يقضي بوقف الدعوى وليس بعدم قبولها، لأن ضوابط وقف الدعوى ستمكن القضاء من ممارسة سلطه في الرقابة على صحة اتفاق التحكيم، عكس الحكم بعدم قبول الدعوى والذي يقف عند حدود الشكل فقط.
وينتهي وقف الدعوى عند فشل التحكيم أو عند انتهاء المدة المحددة دون صدود الحكم، وأيضا في كل حالة يثبت فيها عدم قابلية شرط. التحكيم للتنفيذ أو إعمال أثره، وعدم قابلية اتفاق التحكيم لإعمال أثره لا تعني مجرد وجود صعوبات في تنفيذ اتفاقي التحكيم، وانما وجود صعوبات لا يمكن التغلب عليها ولو بإرادة الأطراف، ومنح المحكمة هذه السلطة التقديرية يمكنها من فرض رقابة معقولة على الإحالة على التحكيم على نحو يكفل الحد من حالات بطلان الحكم التحكيمي، ويوفر على الأطراف مشقة العودة للقضاء من جديد بعد إجراءات مكلفة أمام التحكيم، ووقف الدعوى يحقق ميزة عدم إبطاء المحكمين في إصدار حكمهم وييسر عودة الأطراف إلى القضاء، كما يمكن القضاء من بسط الرقابة على المدة التي يتم خلالها إجراء التحكيم، من خلال تمديد الأجل الاتفاقي بناء على طب من أحد الأطراف أو من الهيئة التحكيمية، كما يمكنه الأمر بإنهاء إجراءات التحكيم في حالة عدم احترام الميعاد القانوني أو الاتفاقي بناء على طب أيضا (الفصل 20- 327 ق م م).
وهكذا فإن الأخذ بفكرة وقف الدعوى بعيدا عن أحكام الدفوع الشكلية، يبرر موقف القضاء المتميز إزاء الدفع بوجود اتفاق التحكيم، فالمحكمة لا تلتزم بإعمال شرط التحكيم في جميع الحالات وبمجرد التمسك به، بل تمارس دورا تقديريا ينحصر في التحقق من صحة اتفاق التحكيم وقابليته للتنفيذ كمناط لوقف الدعوى أمامها ([12]).
الفقرة الثانية : الرقابة القضائية من خلال النظر في طلب تعيين وتجريح المحكمين
يملك القضاء تعيين المحكم أو المحكمين بداية، أو بدلا ممن يرد للتجريح، فيبادر إلى تعيين المحكم بناء على طب أحد الأطراف ([13])، وكذا التدخل لاستكمال تشكيل هيئة التحكيم، والتدخل أيضا كلما اعترض تشكيل الهيئة التحكيمية صعوبة بسبب الأطراف أو صعوبة في تطبيق الإجراءات (الفصل 5- 327 ق م م) وذلك حماية لاتفاق التحكيم من الإبطال ويتمتع القضاء بمقتضى الفصل 5 -327 ق م م بسلطة تقديرية فلا يستجيب لطلب التعيين إذا كان اتفاق التحكيم باطلا أو يعتريه نقص يحول دون تشكيل هيئة التحكيم طبقا لمقتضيات الفصلين 315 و 317 ق م م .
ويمارس القضاء رقابته من خلال ممارسة سلطة التعيين، بغية التحقق من صحة اتفاق التحكيم وقابليته للإعمال والا رفض تعيين المحكم، كما يتحقق من وقوع النزاع بالفعل وأن يكون نزاعا حقيقيا نشأ بين الخصوم ويدخل في نطاق التحكيم ([14])
ويعترف النظام القانوني المغربي للقضاء بسلطة الفصل في طب تجريح المحكمين، لسبب طرأ أو اكتشف بعد تعيين المحكم، ويقدم طلب التجريح كتابة إلى رئيس المحكمة المختصة يتضمن أسباب التجريح، وذلك داخل ثمانية أيام من تاريخ علم طالب التجريح بتشكيل هيئة التحكيم أو بالظروف المبررة للتجريح، فإذا لم ينسحب المحكم موضوع التجريم من تلقاء نفسه بعد تجريحه، فصل رئيس المحكمة في الطلب داخل أجل عشرة أيام بقرار غير قابل للطعن فيه بأي طريق من طرق الطعن (الفصل 323 ق م م).
ولا تقتصر سلطة القضاء على الرقابة على مرحلة تعيين وتجريح المحكمين، بل تمتد إلى مراقبة الشروط اللازم توافرها في المحكم الذي يتولى مهمة التحكيم، والمتمثلة في كونه شخص ذاتي كامل الأهلية، لم يسبق أن صدر عليه حكم نهائي بالإدانة من أجل ارتكاب أفعال تخل بالشرف أو صفات الاستقامة أو الآداب العامة أو الحرمان من أهلية ممارسة التجارة أو حق من حقوقه المدنية (الفصل 320 ق م م).
كما أجاز الفصل 325 ق م م للقضاء الفصل على وجه الاستعجال في الحالة التي يتعذر فيها على المحكم أداء مهمته أو لم يباشرها أو انقطع عن أدائها مما يؤدي إلى تأخير غير مبرر لإجراءات التحكيم، ولم يبادر المحكم إلى التنحي ولم يتفق الأطراف على عزله، فإن رئيس المحكمة المختصة يمكنه الأمر بإنهاء مهمة المحكم بناء على طب أي من الطرفين بقرار غير قابل للطعن فيه بأي طرقي من طرق الطعن (الفصل 325 ق م م).
الفقرة الثالثة : الرقابة القضائية من خلال نظر الطعن في صحة وحدود اختصاص الهيئة التحكيمية
يتمتع المحكم بسلطة الفصل في صحة وحدود اختصاصه بنطر النزاع المعروض عليه أو بعض الإدعاءات المثارة أمامه أو التثبت من صحة اتفاق التحكيم، إلا أن ذلك لا يحول دون مراقبة هذه السلطة من قبل القضاء والغاء قراره إذا ما تبين عدم صحته.
ويرى البعض أن سلطة القضاء الفرنسي بمناسبة الطعن في قرار المحكم بالاختصاص هي ذات السلطة التي يمارسها بمقتضى المادة 1444 من قانون المسطرة المدنية الجديد، عندما يطب منه تعيين المحكم، والقول بغير ذلك يؤدي إلى تناقض في دور القضاء وتقديراته بالنظر لما يتمتع به قرار القاضي من حجية في الحالتين ([15])، ومن تم تتجاوز سلطاته مجرد تحسس ظاهر الأوراق على نحو ما يرى البعض الآخر ([16]) لكن مع مراعاة عدم التدخل في التفصيلات الدقيقة لنطاق اختصاص المحكم، أو بحث منازعة الأطراف في مسائل ترتبط بنطاق سلطة المحكم أو نمط التحكيم الذي اختاروه، فيترك هذه المسائل للمحكم احتراما لسلطاته وحفاظا على فاعلية التحكيم طالما اتضحت صحة قرار المحكم بشأن اختصاصه ([17]).
غير أنه عندما يصدر المحكم أمرا يبت في صحة أو حدود اختصاصه أو في صحة اتفاق التحكيم، قبل الفصل في الموضوع، فإنه يثار التساؤل حول إمكانية الطعن فيه بشكل مستقل وقبل صدور الحكم المنهي لخصومة التحكيم، وكذا أثر هذا الطعن على سير الإجراءات، ذلك أن الطعن في الأمر المذكور بشكل متزامن مع سير الإجراءات يجعل الأطراف في سباق، أحدهما يسعى لإنهاء إجراءات التحكيم لصالحه، والآخر يسعى لإحباط إجراءات التحكيم بإصدار حكم قضائي بعدم اختصاص المحكم بنظر النزاع، والواقع أن الفصل 9- 327 من ق م م منع الطعن في هذا الأمر بشكل مستقل، ومن تم لا يتسنى للقضاء فرض رقابته على أمر المحكم بشأن صحة أو حدود اختصاصه أو صحة اتفاق التحكيم بشكل مستقل، وانما مع الحكم المنهي للخصومة برمتها.
الفقرة الرابعة : الرقابة القضائية من خلال الأمر بالإجراءات الوقتية أو التحفظية
تتنوع صور الحماية القضائية التي يملك القاضي الوطني منحها لأطراف الخصومة القضائية، مستمدا سلطه في منحها من السلطة العامة التي يمثلها ([18])، ويختص القضاء المستعجل باتخاذ التدابير الوقتية والتحفظية في إطار خصومة التحكيم لأن منح المحكم سلطة حسم النزاع لا يحيل إليه النزاع بشقيه الوقتي والموضوعي ([19])، وان كان ليس هناك ما يحول دون اتفاق الأطراف على تخويله سلطة حسم المنازعات الموضوعية والوقتية ([20])، إلا أن هذا الاتفاق قد لا يكون مجديا خاصة إذا كانت الأموال المطوب التحفظ عليها في حوزة الغير ([21]).
فالهدف الذي توخاه المشرع من نظام القضاء الاستعجالي كإجراء للحماية الوقتية، يقتضي إصدار أوامر وقتية من خلال إجراءات جبرية تتطلب فيمن يصدرها توافر الأمر بإمكان تنفيذها كالحجوز التحفظية، وهو ما لا يملكه المحكم، ومن تم فللأطراف حق اللجوء إلى القضاء المستعجل، حتى ولو أجاز الاتفاق للمحكم اتخاذ الإجراءات الوقتية والمستعجلة، إذا كان الإجراء المطلوب يتطلب اتخاذ إجراءات جبرية ليس في إمكان المحكم اتخاذها، وفي هذا الصدد نص الفصل 1-327 ق م م أنه :” لا يمنع اتفاق التحكيم أي طرف من اللجوء إلى قاضي الأمور المستعجلة سواء قبل البدء في إجراءات التحكيم أو أثناء سيرها لطلب اتخاذ أي إجراء وقتي أو تحفظي وفقا للأحكام المنصوص عليها في هذا القانون، ويجوز التراجع عن تلك الإجراءات بالطريقة ذاتها”.
ويمارس القضاء سلطة الرقابة من خلال تدعيم سير الإجراءات بإصدار الأوامر الوقتية أو التحفظية، أو رفض إصدارها أو التراجع عنها، وتعد هذه إحدى صور التعاون والمساعدة بين القضاء والتحكيم، والتي نصادفها في العديد من الإجراءات الوقتية والتحفظية التي لا يملك المحكم إصدارها، أو عندما يمنع الأطراف عليه اتخاذها، غير أن ممارسة القضاء لسلطاته هاته، مشروط بعدم المساس بموضوع النزاع أو بسلطة المحكمين إزاءه، بل إن التعاون بين القضاء والتحكيم يصل منتهاه عند ما تصدر الهيئة التحكيمية بناء على طب من أحد الأطراف كل تدبير مؤقت أو تحفظي تراه لازما في حدود مهمتها، ويتخلف الطرف الذي صدر الأمر إليه عن تنفيذه، فإنه يجوز للطرف الذي صدر الأمر لصالحه الالتجاء إلى رئيس المحكمة المختصة بقصد استصدار أمر بالتنفيذ (الفصل 15- 327 ق م م)، وهو الأمر الذي يسمح للقضاء بأداء دوره في مساعدة المحكم في إدارة خصومة التحكيم والوصول إلى حكم قابل للتنفيذ.
الفقرة الخامسة : الرقابة القضائية من خلال البت في طلب التصحيح والتأويل:
يرى بعض الفقه أن المحكمين سينفذون سلطهم كالقضاة بمجرد صدور حكمهم، وأن هذا الاستنفاذ يحدث بالنسبة لما يصدر عنهم من أحكام موضوعية قطعية لحظة إصدار حكمهم ([22])
وبالرجوع إلى التشريع المغربي يتضح أنه وان قرر بأن الحكم ينهي مهمة الهيئة التحكيمية بشأن النزاع الذي تم الفصل فيه، إلا أنه مع ذلك أعطى للهيئة التحكيمية أن تقوم تلقائيا داخل أجل الثلاثين يوما التالية للنطق بالحكم التحكيمي بإصلاح كل خطأ مادي أو خطأ في الحساب أو الكتابة أو أي خطأ من نفس القبيل وارد في الحكم، كما يمكن لها أيضا أن تقوم داخل أجل الثلاثين يوما التالية لتبليغ الحكم التحكيمي، بناء على طب أحد الأطراف ودون فتح أي نقاش جديد بالإضافة إلى ما ذكر أعلاه، تأويل جزء معين من الحكم، وكذا إصدار حكم تكميلي بشأن طب وقع إغفال البت فيه ما لم يتفق الأطراف على خلاف ذلك (الفصل 28- 327 ق م م).
وتتجلى مراقبة القضاء من خلال البت في طلب تصحيح أو تأويل الحكم التحكيمي، عندما يتعذر على الهيئة التحكيمية الاجتماع من جديد، وهذه الصلاحية تخول لرئيس المحكمة الصادر في دائرتها، والذي يجب عليه أن يبت في الأمر داخل أجل ثلاثين يوما بأمر غير قابل للطعن (الفصل 29-327 ق م م)
ويوقف طب التصحيح أو التأويل تنفيذ الحكم التحكيمي وكذا آجال تقديم الطعون إلى حين تبليغ الحكم التصحيحي أو التأويلي.
المطلب الثاني: الرقابة القضائية اللاحقة على صدور الحكم التحكيمي
تحوز أحكام التحكيم بمجرد صدورها حجية الشيء المقضي به بخصوص النزاع الذي تم الفصل فيه ([23]) فيكون لمن صدر لصالحه الحكم التمسك بما أثبته له من حقوقي ومزايا، باعتبار أن ما خلص إليه هو عنوان الحقيقة شأنه في ذلك بشأن أحكام القضاء، ولا يجوز إعادة طرح النزاع المقضي فيه على أية جهة قضائية أو هيئة تحكيم أخرى ([24]).
لكن هذه الأحكام لا تكتسب بذاتها القوة التنفيذية، والتي تخولها الحصول على الحماية القضائية بواسطة التنفيذ الجبري، إذا أنها لا تعد سندات تنفيذية، فالقوة التنفيذية لا تلحق حكم التحكيم إلا بصدور أمر خاص من جهة القضاء المختص يسمى أمر التنفيذ ([25])، أي صيغة التنفيذ، وهو ما يميز أحكام التحكيم عن أحكام القضاء التي تنفذ إذا صارت انتهائية دون حاجة إلى صدور أمر بتنفيذها، وعلة ذلك أن حكم التحكيم لا يستمد أية قوة من السلطة العامة، فيحتاج إلى صدور مثل هذا الأمر من القضاء حتى يصل إلى مرتبة الحكم القضائي ويمكن تنفيذه جبرا ([26]).
ويعد تدخل القضاء، بما له من سلطة عامة للأمر بتنفيذ أحكام التحكيم ضروريا لكي يتحقق للتحكيم فاعليته ويؤدي دوره المنشود كطريق استثنائية للفصل في المنازعات، فهو اعترافا من القضاء بسلامة الحكم وامكانية تنفيذه جبرا بكافة الوسائل التي يتيحها القانون ([27]).
ونطرا للدور الرقابي الذي تمارسه المحاكم بمناسبة النطر في الطعن بالاستئناف واعادة النظر وتعرض الغير الخارج عن الخصومة، والذي لا يختلف في جوهرة بالنسبة لخصومة التحكيم عن خصومة القضاء ([28])، فإننا سنقتصر الحديث عن الرقابة القضائية خلال مرحلتي تنفيذ حكم التحكيم والطعن ببطلانه، باعتبارهما من المراحل الهامة التي يمر بها حكم التحكيم، ويتميز بها عن الحكم القضائي، فنتصدى للرقابة القضائية في مرحلة تنفيذ الحكم التحكيمي أولا، تم للرقابة القضائية في مرحلة ابطاله ثاثيا.
الفقرة الأولى : الرقابة القضائية في مرحلة تنفيذ الحكم التحكيمي
إذا كان دور القضاء عند إصدار الأمر بتنفيذ أحكام التحكيم ينحصر في التأكد من توافر الشروط اللازمة لتنفيذها، دون التدخل في موضوعها، فلا يملك القاضي التحقق من عدالة هذه الأحكام أو صحة قضائها في الموضوع لأنه لا يعد هيئة استئنافية في هذا الصدد ([29])، إلا أنه رغم ذلك يظل للقضاء دور كبير في مراقبة أحكام التحكيم للتثبت من صحة إجراءاتها وامكانية تنفيذها دون أن يتعارض ذلك مع مقتضيات النظام العام في البلد المطلوب التنفيذ فيه، أو أن يكون موضوع النزاع من المسائل التي لا يجوز التحكيم فيها.
- إجراءات تنفيذ الحكم التحكيمي:
يختص بإصدار الأمر بتنفيذ حكم المحكمين رئيس المحكمة التجارية الصادر في دائرتها الحكم التحكيمي وذلك إذا كان التحكيم داخليا (الفصل 312/3 و 31- 327/1 ق م م)، أما إذا كان التحكيم دوليا فإن الإعتراف والصيغة التنفيذية يخولان أيضا لرئيس المحكمة التجارية التي صدرت في دائرتها أو رئيس المحكمة التجارية التابع لها مكان التنفيذ إذا كان مقر التحكيم بالخارج .
أما فيما يخص التحكيم الذي يكون محله نزاعات متعلقة بالعقود التي تبرمها الدولة أو الجماعات المحلية فإن اختصاص النظر بتدليل الحكم التحكيمي بالصيغة التنفيذية المتعلق بها يرجع إلى المحكمة الإدارية التي سيتم تنفيذ الحكم التحكيمي في دائرتها أو إلى المحكمة الإدارية بالرباط. عندما يكون تنفيذ الحكم التحكيمي يشمل مجموع التراب الوطني (الفصل 310 ق م م).
واذا كان الاختصاص بمنح الصيغة التنفيذية ينعقد لرئيس المحكمة التجارية أو من ينوب عنه، فإن مؤدي ذلك أن طب التنفيذ يقدم إليه مباشرة وفقا لنظام الأوامر المبنية على طلب، والذي لا يقيم أية مواجهة بين الخصوم، بعد أن يرفق الطلب بأصل الحكم التحكيمي مصحوبا بنسخة من اتفاق التحكيم مع ترجمتها إلى اللغة العربية إذا كان مقرر التحكم أو اتفاق التحكم قد صدرا بلغة غير العربية وذلك لدى كتابة ضبط المحكمة من لدن أحد المحكمين أو الطرف الأكثر استعجالا داخل أجل سبعة أيام التالية لصدور الحكم التحكيمي، واذا تعلق الأمر باستئناف حكم، وجب إيداع الحكم التحكيمي لدى كتابة ضبط محكمة الاستئناف وفق الشروط السابقة، وحينئذ يصدر الأمر بتخويل الصيغة التنفيذية عن الرئيس الأول لهذه المحكمة (الفصل 31- 327 ق م م).
واذا كانت الأوامر المبنية على طلب تصدر في غيبة الأطراف ودون تكليف الطرف الآخر بالحضور، إلا أننا نرى أنه لا يوجد في نصوص قانون التحكيم ما يحول دون قيام رئيس المحكمة المختص، بتكليف المحكوم عليه في الحكم التحكيمي المطلوب منحه الصيغة التنفيذية بالحضور ليبدي ما لديه من اعتراض على طلب التنفيذ، بل إننا نؤيد ما ذهب إليه الفقه بخصوص لزوم ذلك تحقيقا للعدالة وحتى يتمكن القاضي من التحقق من عدم تعارض حكم التحكيم مع حكم سبق صدوره من المحاكم في موضوع النزاع، وهو التزام يقع على عاتقه، ولا يتسنى التحقق من ذلك إلا بمثول المحكوم عليه والسماح له بإبداء أقواله وتقديم مستنداته ([30]).
- سلطة القاضي عند النظر في طلب منح الصيغة التنفيذية.
لا يملك القاضي المعروض عليه طب منح الصيغة التنفيذية مراجعة الحكم التحكيمي من الناحية الموضوعية وتقدير صحته أو بطلانه، أو ملائمة ما انتهى إليه، أو سلامة وصحة تفسيره للقانون أو الوقائع، فهو ليس جهة استئنافية ولا الجهة المختصة بنظر بطلان الحكم ([31])، إلا أنه مع ذلك يملك رقابة خارجية على الحكم التحكيمي للتأكد من صلاحيته للتنفيذ في المغرب، إذ أناط به المشرع دورا إيجابيا يتمثل في وجوب أن يتحقق من توافر شرطين:
أولهما : إذا وجد أن موضوع النزاع من المسائل التي لا يجوز التحكيم فيها ([32])، وثانيهما : إذا تضمن الحكم التحكيمي ما يخالف النظام العام في المملكة المغربية، وهما من أسباب رفض منح صيغة التنفيذ التي يملك القضاء التمسك بها من تلقاء نفسه ويمارس من خلالها دورا رقابيا واضحا، وفي هذا الصدد قضى المجلس الأعلى في قرار له صادر بتاريخ 1992/7/7 أنه : “لما كان النزاع الذي صدر فيه القرار المطعون فيه يتعلق بمنح الصيغة التنفيذية لحكم المحكمين، فإن المحكمة لم يكن لها إلا أن تتأكد من أن مقررهم لم يكن مشوبا بعيب البطلان، وبالخصوص ما يتعلق بالنظام العام، ولا يجوز لها أن تنظر في الموضوع الذي فصل فيه المحكمون ” ([33]).
- عدم قابلية النزاع للتحكيم فيه
يتيح النص هذا الوجه من أوجه رفض منح الصيغة التنفيذية لحكم المحكمين، إعمال السياسة العامة التي ينتهجها المشح بشأن نظام التحكيم بصفة عامة، والنطاق الذي يمارس فيه، فعند ممارسة القضاء لدوره الرقابي من خلال التحقق من قابلية النزاع للتحكيم فيه يرجع في ذلك إلى قانونه الوطني وليس للقانون المطبق على النزاع .
وقد تصدت غالبية التشريعات الحديثة لتحديد المسائل التي لا يجوز فيها التحكيم، والمشرع المغربي لم يخرج بدوره عن هذه القاعدة، حيث نص على عدم جواز إبرام اتفاق التحكيم بشأن تسوية النزاعات التي تهم حالة الأشخاص وأهليتهم أو الحقوق الشخصية التي لا تكون موضوع تجارة (الفصل 309 ق م م)، وكذا عدم جواز أن يكون محل التحكيم النزاعات المتعلقة بالتصرفات الأحادية للدولة أو الجماعات المحلية أو غيرها من الهيئات المتمتعة باختصاصات السلطة العمومية، وكذا المقتضيات المتعلقة بتطبيق قانون جبائي (الفصل 310 ق م م).
فالمسائل التي تنصها قواعد آمرة تمس الكيان الأساسي للمجتمع بأسره والسياسة العامة للدولة، أي مصالح المجتمع ككل وتمس الحقوق العامة، يجب تصدي القضاء لها لتوحيد الأحكام، وهو ما يصعب تحققه من خلال إجراءات التحكيم التي قد لا تخضع لرقابة أو طعن.
2- تعارض تنفيذ الحكم التحكيمي مع النظام العام
يحقق الأخذ بفكرة تعارض الحكم التحكيمي مع النظام العام كسبب لرفض منحه الصيغة التنفيذية، الحفاظ على المصالح الأساسية للمجتمع، وتوجيه السياسة القضائية لخدمته من خلال الوقوف في وجه الأحكام التي تنتهك المبادئ الأساسية أو تتعارض مع مصالحه الجوهرية ([34])، والعبرة في نفي أو تقرير تعارض الحكم التحكيمي مع النظام العام، بمفهوم النظام العام في دولة القاضي، ومن تم يتعين على القاضي الآمر بمنح الصيغة التنفيذية، أن يراجع حيثيات الحكم التحكيمي ومنطوقه ليتأكد من عدم مخالفته النظام العام في دولته.
فالسلطات الممنوحة للمحكم مشروطة باحترامه لما يفرضه قانون دولة التنفيذ من قيود تتعلق بالنظام العام، ويخضع لرقابة القضاء اللاحقة على صدور الحكم، ليمارس القضاء سلطات واسعة في الرقابة من خلال فكرة النظام العام التي يثيرها من تلقاء نفسه، ولا تتوقف على تمسك الخصوم بها، وهو ما يلقي على عاتق كل من المحكم والقاضي الوطني عبء الالتزام بقواعد النظام العام، سواء كان التحكيم وطنيا أو دوليا باعتبارها فكرة قانونية، وليست واقعية ولا تتوقف على إثبات الخصوم لمضمونها أو على رغبتهم في إعمالها ([35]).
وعلى خلاف ما سبق بيانه من أن قاضي التنفيذ لا يمارس رقابة قضائية على موضوع النزاع لمراقبة صحة ما قضى به المحكم من حيث القانون أو العدالة، فهناك من يرى أن محكمة التنفيذ تتحقق من خلو الحكم التحكيمي من العيوب الإجرائية والموضوعية التي تعوقي تنفيذه وفقا لقانونها ([36])، بينما يرى جانب كبير من الفقه المصري أن دور قاضي التنفيذ يمتد إلى التثبت من السلامة الكلية للحكم دون أن يبحث موضوع النزاع أو أن يرفض التنفيذ لخطأ في تكييف الوقائع وتطبيق القانون عليها ([37]).
وهناك من يرى أن مهمة القاضي الآمر بالتنفيذ تمتد لمراقبة كافة أسباب البطلان ويمتنع عليه الأمر بالتنفيذ إذا تثبت من وجود أية مخالفة تؤدي إلى بطلان الحكم ولو لم تتعلق بالنظام العام، وذاك لأن مراعاة حق الخصم الغائب تتطلب التحقق من توافر كافة الشرط الشكلية والموضوعية اللازمة لإصدار الأمر من تلقاء نفسه لأن في ذلك توفيرا لوقت الخصوم، وتخفيفا من تكدس القضايا أمام المحاكم، وتحقيقا لفاعليته التحكيم من خلال إعمال مبدأ الاقتصاد في الإجراءات ([38]).
ورغم ما قد يبدو في هذا الرأي من مبالغة، إلا أنه قد يبدو منطقيا بالنطر إلى أن القاضي لا يملك إصدار أمر بتنفيذ حكم تحكيمي تتوافر فيه أسباب البطلان، كما لا يمكنه الأمر بتنفيذ حكم لم يراع القواعد الأساسية في التقاضي، فيتحقق من احترام المحكم للقواعد الإجرائية التي طلب منه الخصوم مراعاتها، ومن احترام حقوق الدفاع والمبادئ الجوهرية الواجب مراعاتها في إجراءات الخصومة، فطبقا لاتفاقية نيويورك التي صادق عليها المغرب، فإنه يتعين على القاضي المطوب منه إصدار الأمر بتنفيذ الحكم التحقق من وجود اتفاق التحكيم وصحته، وقابلية النزاع للتحكيم فيه، وصدور الحكم من المحكمين الذين اختارهم الخصوم، واصدار الحكم في الميعاد المحدد اتفاقا أو قانونا وموقع من المحكمين، ومن صحة تشكيل هيئة التحكيم وفقا لاتفاق الأطراف ولما يستوجبه القانون، وان يكون الحكم حاسما للنزاع، ومن احترام المحكم لحدود المهمة التي عهد بها الخصوم إليه، كما يتحقق أخيرا من عدم مساس الحكم بقواعد النظام العام، لذلك يتعين إتاحة الفرصة لتقديم أية اعتراضات على تنفيذ حكم التحكيم، على نحو يمكن القاضي من التثبت من عدم وجود ما يمنع التنفيذ، وهذا يتلاءم مع أهمية الأمر بالتنفيذ وآثاره الخطيرة .
وترتيبا على ذلك، فإنه يصعب تصور مهمة قاضي التنفيذ على أنها مجرد اتمام شكل، بل يمارس سلطة رقابية موضوعية على عمل المحكم تتجاوز الرقابة الشكلية أو مجرد تحسس ظاهر الأوراق ([39])، غير أن هذه الرقابة ليست مطلقة وبلا حدود، فقاضي التنفيذ لا يعد جهة استئنافية ولا يعيد فحص النزاع أو الفصل في الحكم ولا يتدخل في تقديرات المحكم أو ملاءمة ما انتهى إليه، فيد القاضي على النزاع مقيدة بالتثبت من توافر الشروط. القانونية لصحة الحكم وقابليته للتنفيذ، دون أن تتدخل لإعادة تقييم الوقائع أو مراجعة النتيجة التي توصل إليها.
وتقتصر رقابة القضاء عند طب إصدار الأمر بتنفيذ حكم التحكيم على قبول تنفيذه جزئيا أو كليا، أو رفض ذلك إذا ما تبين عدم صحته، دون إلغاء الحكم أو تصحيحه أو تكملته، ونعتقد أنه يصعب التسليم بما يقرره البعض من أن صدور الأمر بتنفيذ حكم التحكيم لا يعد في ذاته دليلا على صحة الحكم ([40]).
الفقرة الثانية : الرقابة القضائية بمناسبة الطعن ببطلان حكم التحكيم.
من أوجه الاختلاف الأساسية بين الحكم الصادر في خصومة التحكيم والحكم الصادر في الخصومة القضائية هو خضوع حكم التحكيم لطب إبطاله بدعوى مبتدأة، وهذا طريق يختلف عن طرق الطعن المقررة للأحكام القضائية، ويعد من السمات الأساسية المميزة لحكم التحكيم، وقد أقرت أغلبية الأنظمة القانونية الطعن بالبطلان على حكم التحكيم، ولعل الحكمة من تقرير دعوى البطلان أن الأسباب التي حددتها التشريعات المختلفة لابطلال الحكم ينعدم بتوافرها جوهر الحكم ومضمونه مما يبرر ابطلال هذا الحكم والغاء وجوده .
- أساس الرقابة القضائية في مرحلة ابطلال حكم التحكم.
يحدد النظام القانوني حالات بطلان حكم التحكيم تاركا للقضاء سلطة تقرير توافر شروط انطباقها، وقد نص الفصل 36، 327 ق م م على أنه : “رغم كل شرط مخالف، تكون الأحكام التحكيمية قابلة للطعن بالبطلان طبقا للقواعد العادية أمام محكمة الاستئناف التي صدرت في دائرتها ويكون تقديم هذا الطعن مقبولا بمجرد صدور الحكم التحكيمي، ولا يتم قبوله إلا إذا قدم داخل أجل 15 يوما من تبليغ الحكم التحكيمي المذيل بالصيغة التنفيذية، ولا يكون الطعن بالبطلان ممكنا إلا في الحالات الآتية : أ – إذا صدر الحكم التحكيمي في غياب اتفاقي التحكيم، أو إذا كان اتفاق التحكيم باطلا، أو إذا صدر التحكيم بعد انتهاء أجل التحكيم، 2 – إذا تم تشكيل الهيئة التحكيمية أو تعيين المحكم المنفرد بصفة غير قانونية أو مخالفة لاتفاق الطرفين، 3 – إذا بتت الهيئة التحكيمية دون التقيد بالمهمة المسندة إليها أو بتت في مسائل لا يشملها التحكيم أو تجاوزت حدود هذا الاتفاق، 4 – إذا لم تحترم مقتضيات الفصلين 23-327/2 و 24- 327 فيما يخص أسماء المحكمين وتاريخ الحكم التحكيمي والفصل إذا تعذر على أي من طرفي التحكيم تقديم دفاعه بسبب عدم تبليغه تبليغا صحيحا بتعيين محكم أو بإجراءات التحكيم أو لأي سبب آخر يتعلق بواجب احترام حقوق الدفاع، 6 – إذا صدر الحكم التحكيمي خلاف لقاعدة عدة من قواعد النظام العام، 7 – في حالة عدم التقيد بالإجراءات المسطرية التي اتفق الأطراف على تطبيقها أو استبعاد تطبيق القانون الذي اتفق الأطراف على تطبيقه على موضوع النزاع، كما تحكم محكمة الاستئناف التي تنظر في الطعن بالبطلان من تلقاء نفسها ببطلان حكم التحكيم إذا تضمن ما يخالف النظام العام في المملكة المغربية أو إذا وجدت موضوع النزاع من المسائل التي لا يجوز التحكيم فيها”([41])، ومن تم فقد حدد المشرع أسباب بطلان حكم التحكيم على سبيل الحصر ولا يقبل الطعن إذا كان مؤسسا على سبب غير منصوص عليه.
وهذه النصوص تضع أساسا دقيقا للرقابة القضائية ومن شأن التزام القضاء بها التثبت من صحة الحكم التحكيمي على نحو يرفعه إلى مصاف الحقيقة القانونية، كما تضمن في نفس الوقت استبعاد الأحكام التي تفقد المقومات الأساسية الواجب توافرها في الأحكام
ب. نطاق رقابة القضاء في مرحلة بطلان الحكم التحكيمي
يقتصر دور القضاء من خلال دعوى البطلان على تقرير صحة الحكم أو بطلانه كليا أو جزئيا ([42])، دون أن يمتد إلى فحص النزاع أو تصحيح الحكم، ويبقى للأطراف فرصة الخيار من جديد بين التحكيم والقضاء لحسم النزاع، وان كان المشرع المغربي ييسر على الخصوم أعطى لمحكمة الاستئناف بمقتضى نص الفصل 37-327 ق م م عندما يقضي بإبطال الحكم التحكيمي أن تبت في جوهر النزاع في إطار المهمة المسندة إلى الهيئة التحكيمية ما لم يصدر حكم بالإبطال لغياب اتفاق التحكيم أو بطلانه ([43])، ومن شأن إعمال هذا النص التيسير على الخصوم، والاقتصاد في الإجراءات، فضلا عن إلمام المحكمة من خلال نظر دعوى البطلان بتفصيلات النزاع مما ييسر حسمه ما لم يكن البطلان ناتج عن غياب اتفاق التحكيم أو بطلانه ففي هذه الحالة فإن محكمة الاستئناف تقضي ببطلان الحكم التحكيمي دون التصدي لموضوع النزاع .
وقد تواجه القضاء في بعض الأحيان مشكلة هامة تتعلق بصعوبة إثبات أوجه البطلان وبصفة خاصة عندما يتعلق سبب الابطال بالإخلال بحقوق الدفاع أو بمسلك المحكم في الإجراءات، أو بصفة عامة لسبب غير ظاهر ولا تفصح عنه الأوراق، وهو ما يحدث في كثير من الحالات، الأمر الذي قد يهدد بفشل الطعن رغم صحة أسبابه، وهنا تتجلى أهمية اتاحة الفرصة للمحكمين لأبداء الآراء المعارضة في الحكم التحكيمي سيتدل منها القضاء على حقيقة البطلان ([44]).
[1]هدى محمد مجدي عبد الرحمن : دور المحكم في خصومة التحكيم وحدود سلطاته ، دار النهضة العربية ، 1997 ص 342
[2]قرار عدد 1003 ملف تجاري عدد 59/3/1/2005 منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى عدد 71 لسنة 2009 ص 223 وما يليها.
[3]فتحي والي : الوسيط في قانون القضاء المدني ، دار النهضة 1993 ص 931.
[4]أحمد ابو الوفا : الدفع بالاعتداد بشرط التحكيم هل هو دفع بعدم الاختصاص أم دفع بعدم القبول ، مجلة المحاماة المصرية عدد 3 السنة 41 ص 385.
[5]سامية راشد : التحكيم في العلاقات الدولية الخاصة ، منشأة المعارف الاسكندرية ، 1984 ص 134.
[6]محمد نور شحاتة : النشأة الاتفاقية للسلطة القضائية للمحكمين ، دار النهضة 1993 ص 101.
[7]قانون رقم 27لسنة 1994 بإصدار قانون في شأن التحكيم في المواد المدنية والتجارة الصادر بتاريخ 18/أبريل 1994.
[8]قرار عدد 241 أورده سعد مومي في مقاله البت في النزاع بسرعتين في مجال التحكيم الدولي والداخلي ، منشور بندوة العمل القضائي والتحكيم ، سلسلة دفاتر المجلس الأعلى العدد 2005/07 ص 37
[9]أشارت إليه سامية راشد : التحكيم في إطار المركز الإقليمي بالقاهرة منشأة المعارف 1986 ص 86 .
[10]Revue de L’arbitrage 1983- N 2. P 110.
[11]اتفاقية الاعتراف بالمقررات التحكيمية الأجنبية وتنفيذها الصادرة عن الأمم المتحدة بتاريخ 1958/6/9المصادق عليها من طرف المغرب بمقتضي ظهير 1960/2/19
[12]هدى محمد مجدي عبد الرحمن : مرجع سابق ص 347.
[13]وأعطى المشرع المغربي في الفصل 5-327 على غرار نظيره الفرنسي في المادة 1443من قانون المسطرة المدنية الجديد، للقضاء سلطته تعيين المحكم بقرار نهائي غير قابل لأي طعن.
[14]Tribunal de grande instance de Paris (ord, référé) jugement de 16/1/1985 et de 8/2/1985,Rev.arb, 1985. N°1 p. 97- 99
[15]PH, Bertin : L’intervention des juridictions au cours de la procédure arbitrale, Rev, arb, 1982- P343.
[16]PH, Fouchard : la coopération du président du tribunal de grande instance à l’arbitrage, rev,arb, 1985 p 27.
[17]Ph, Bertin : Le juge des référés et le nouvel arbitrage, gaz, Pal, 1980 II
[18]عبد الباسط جميعي : سلطة القاضي الولائية ، مجلة العلوم القانونية المصرية 1969 السنة 11 ص 540
[19]سامية راشد، التحكيم في إطار المركز الإقليمي بالقاهرة ومدى خضوعه للقانون المصري ، منشآه المعارف-الإسكندرية 1987 ص 275
[20]أحمد أبو الوفا : عقد التحكيم واجراءاته ، منشآت المعارف – الإسكندرية 1974 ص 141
[21]محمود هاشم : النظرية العامة في للتحكيم ، دار الفكر 1990 ص 151
[22]عزمي عبد الفتاح : سلطة المحكمين في تفسير وتصحيح أحكامهم ، مجلة الحقوق الكويتية السنة الثامنة العدد الرابع دجنبر1984 ص 113
[23]الفصل 26-327 من ق م م والذي يستثني من هذه القاعدة النزاع الذي يكون أحد الأشخاص المعنويين الخاضعين للقانون العام طرفا فيه ، إلا بناءا على الأمر بتخويل الصيغة التنفيذية.
[24]ابو زيد رضوان : الأسس العامة في التحكيم التجاري الدولي ، دار الفكر العربي 1981 ص 45.
[25]فتحي والي : التنفيذ الجبري ، طبعة نادي القضاة 1980 ص 91.
[26]خالد أحمد عبد الحميد: دور القضاء في الأمر بتنفيذ أحكام التحكيم ، العمل القضائي والتحكيم سلسلة دفاتر المجلس الأعلى عدد 2005/7 ص 43.
[27]حكم محكمة النقد المصرية في الطعن رقم 2660 لسنة 59ق جلسة 1996/03/27 س 43 ج 1 ص 558 .
[28]الملاحظ أن المشرع المغربي أجاز الطعن بالاستئناف في الحكم القاضي برفض الصيغة التنفيذية وفق القواعد العادية (الفصل 327.33 ق م م)، كما أجاز الطعن في الحكم الصادر عن الهيئة التحكيمية بإعادة النطر طبقا للشروط المقررة في الفصل402 من ق م م ، وذلك أمام المحكمة التي كانت ستنظر في القضية في حالة عدم وجود اتفاق التحكيم (الفصل 34- 327 ق م م)، كما أن الغير لا يواجه بالأحكام التحكيمية ولو كانت مذيلة بالصيغة التنفيذية ويمكن أن يتعرض عليها تعرض الغير الخارج عن الخصومة طبقا للشروط. المقررة في الفصل 303 إلى 305 من ق م م ، أمام المحكمة التي كانت ستنظر في النزاع ولو لم يبرم اتفاق التحكيم (الفصل 35- 327 ق م م).
[29]آمال أحمد الفزايري : دور قضاء الدولة في تحقيق فاعلية التحكيم الطبعة الأولى ، منشأة المعارف ، الاسكندرية ، 1993 ص 137
[30]عاشور مبروك : النظام القانوني لتنفيذ أحكام التحكيم ، دار النهضة العربية ، الطبعة الثانية 2002 ص 22.
[31]محمود مختار بريري : التحكيم التجاري الدولي ، دار النهضة العربية ، الطبعة الثانية 1999 ص 295.
[32]الملاحظ أن المشرع المغربي لم يمنح هذه الصلاحية بشكل واضح لقاضي الصيغة التنفيذية كما فعل المشرع المصري في المادة 58 من قانون التحكيم ، وانما تستشف هذه المقتضيات من الفصول 309- 310 و 36- 327 ق م م .
[33]قرار رقم 1766 ملف مدني عدد 1988/1277 منشور بمجلة القضاء والقانون العدد 144 ص 155 وما يلي.
[34]إبراهيم أحمد إبراهيم : تنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية ، جامعة عين شمس ، 1980 ص 52
[35]هشام صادق : تنازع القوانين : منشآة المعارف ، الإسكندرية طبعة 1972 ص 316 .
[36]أحمد أبو الوفا : عقد التحكيم واجراءاته ، الطبعة الأولى منشأة المعارف الاسكندرية ، 1974 ص 118
[37]محمد عبد الخالق عمر : النظام القضائي المدني ، منشاة المعارف ، الاسكندرية ص 107
[38]محمد نور شحاتة : مرجع سابق ص 379
[39]محمد نور شحاتة : الرقابة على أعمال المحكمين مرجع سابق ص 372.
[40]أحمد ابو الوفا : التحكيم الاختياري والإجباري مرجع سابق ص 294
[41]وقد حددت حالات إبطال حكم التحكيم المادة 53/1 من قانون التحكيم المصري الجديد، كما حددت المادة 1484 من قانون المسطرة المدنية الفرنسي الجديد حالات البطلان .
[42]فلا يمتد البطلان إلى الحكم برمته إن أمكن تجزئته وفصل الجزء الباطل ، وهو ما قرره المشرع المغربي عندما نص في الفقرة 3 من الفصل 36-327 على أنه : “ومع ذلك إذا أمكن فصل أجزاء الحكم الخاصة بالمسائل الخاضعة للتحكيم عن أجزائه الخاصة بالمسائل غير الخاضعة له ، فلا يقع البطلان إلا على الأجزاء الأخيرة فقط” وليس هناك ما يمنع من تطبيق نفس القاعدة على باقي حالات البطلان
[43]وهو نفس المقتضى الذي قرره المشرع الفرنسي في المادة 1485 من قانون المسطرة المدنية الجديد الذي أجاز لمحكمة الاستئناف عند ما تحكم ببطلان حكم التحكيم أن تفصل في موضوع النزاع في حدود السلطة المخولة للمحكم ، ما لم يتفق الأطراف على غير ذلك.
[44]هدى محمد مجدي عبد الرحمن : مرجع سابق ص 379


