قراءة في بعض مواد مدونة الأسرة

أحمد خرطة

أستاذ باحث بجامعة محمد

الأول بوجدة

تقديم:

لقد أبدع المشرع المغربي ومن خلال مدونة الأسرة حلولا كثير لقضايا متعددة كانت محل نقد وتحليل من طرف المهتمين، سواء في المجال القانوني بصفة عامة، أو القضائي بصفة خاصة.

ومن هذه القضايا مسطرة فصم العلاقة الزوجية والتي كانت طويلة ومرهقة للمرأة المطلقة لكونها كانت بطيئة ومعلقة على صدور قرار المجلس الأعلى (محكمة النقض حاليا).

لهذا لجأ المشرع إلى إبداع مسطرة الشقاق والتي تناولتها مدونة الأسرة المغربية من المادة: 94 إلى المادة 97.

وهكذا، سمحت لأحد الزوجين (الزوج أو الزوجة) أن يلجأ إليه في حالة الإخلال بالواجبات المتبادلة والمنصوص عليها في المادة 51 من المدونة وهي:

  1. المساكنة الشرعية بما تستوجبه من معاشرة زوجية وعدل وتسوية عند التعدد، وإحصان كل منهما وإخلاصه للآخر، بلزوم العفة وصيانة العرض والنسل.
  2. المعاشرة بالمعروف، وتبادل الاحترام والمودة والرحمة والحفاظ على مصلحة الأسرة.
  3. تحمل الزوجة مع الزوج مسؤولية تسيير ورعاية شؤون البيت والأطفال.
  4. التشاور في اتخاذ القرارات المتعلقة بتسيير شؤون الأسرة والأطفال وتنظيم النسل.
  5. حسن معاملة كل منهما لأبوي الآخر ومحارمه واحترامهم وزيارتهم وإستزارهم بالمعروف.

فكل إخلال من أحد الزوجين بهذه الواجبات يحق للطرف المتضرر أن يسلك مسطرة الشقاق لأجل طلب التطليق.

كما أن للزوجة وحدها، أن تلجأ إلى مسطرة الشقاق في حالة عدم الموافقة على التعدد ولو بغير رضاه، حيث تنص المادة 45 من م أ في الفقرة الخامسة منها على ما يلي: “فإذا تمسك الزوج بطلب الإذن بالتعدد، ولم توافق الزوجة المراد التزوج عليها، ولم تطب التطليق طبقت المحكمة تلقائيا مسطرة الشقاق المنصوص عليها في المواد 94 إلى 97 منه”.

كما يمكن للزوجة أن تلجأ إلى مسطرة الشقاق -كذلك -في حالة عدم الموافقة على الرجوع إلى مطلقها من طلاق رجعي، وهكذا نصت المادة 124 من م. أ في الفقرة الثامنة منها على أنه: “يجب على القاضي قبل الخطاب على وثيقة الرجعة، استدعاء الزوجة لإخبارها بذلك، فإذا امتنعت ورفضت الرجوع، يمكنها اللجوء إلى مسطرة الشقاق المنصوص عليها في المادة 94 أعلاه.

وللزوجة كذلك اللجوء إلى مسطرة الشقاق في حالة إصرارها على الخلع مع رفض الزوج له، حيث ورد في المادة 120 من م. أ الفقرة الثانية أنه: “إذا أصرت الزوجة على طلب الخلع ولم يستجيب لها الزوج، يمكنها اللجوء إلى مسطرة الشقاق”.

والذي يهمنا في هذا الموضوع، هو مسطرة الصلح بين الزوجين في حالة التطليق للشقاق.

ولهذا سنتناول الإشكال في فقرتين: الأولى نخصصها لمسطرة الصلح في الفقه والقانون المغربي، على أن نخصص الثانية للعمل القضائي في مسطرة الصلح.

الفقرة الأولى: مسطرة الصلح في الفقه والقانون المغربي

من المعلوم أن مسطرة الشقاق تفتتح بمحاولة الصلح بين الطرفين، وذلك بمجرد تقديم الطلب إلى المحكمة من أحد الزوجين.

ومحاولة الإصلاح بين الزوجين قبل الشروع في مسطرة التقاضي تبدو طبيعية بل ضرورية.

فهكذا، وعندما يشكو أحد الزوجين إضرار الآخر به، أو إخلاله بالواجبات الزوجية، فلا بد للمحكمة أن تستدعي الطرف الآخر لتسمع أقواله، وتدعوه إلى ترك الشقاق وأسبابه وتجاوز الخلافات بينهما وتكون بأي صورة ممكنة تراها المحكمة مناسبة.

وهو إجراء جوهري منصوص عليه في المادة 94 من م. أ حيث ورد فيها أنه: “إذا طلب الزوجان أو أحدهما من المحكمة حل نزاع بينهما يخاف منه الشقاق، وجب عليها أن تقوم بكل المحاولات لإصلاح ذات البين طبقا لأحكام المادة 84 أعلاه”.

إذن، إجراء محاولة الصلح بين الطرفين وردت بصيغة الوجوب، وبالتالي فكل إخلال بها قد يعرض الحكم للنقض في الجوانب الغير متعلقة بفصم العلاقة الزوجية والتي تكون ابتدائية وانتهائية.

ومن أجل مساعدة المحكمة على إجراء هذه المسطرة على الوجه الأصح والأكمل، نصت المادة 82 من م أ في فقرتها الثانية على أنه: للمحكمة أن تقوم بكل الإجراءات بما فيها:

  1. انتداب حكمين؛
  2. أو مجلس العائلة؛
  3. أو من تراه مؤهلا لإصلاح ذات البين “.

فالمشرع المغربي خير المحكمة في اعتماد الوسيلة المناسبة للوصول إلى الغاية. وخيرا فعل، لكون مجلس العائلة لم يفعل لحد الآن وبشكل إيجابي، لظروف وصعوبات واقعية ومعقولة، وبالتالي لا يمكن انتظار الشيء الكثير من هذه الوسيلة.

وفي انتظار أن يحدد المشرع معايير المؤهل لإصلاح ذات البين، يبقى الحكمان أكثر تأهيلا لهذه المهمة الصعبة، وهو ما نصت عليه المادة 95 من م أ:” يقوم الحكمان أو من في حكمهما باستقصاء أسباب الخلاف بين الزوجين، وببذل جهدهما لإنهاء النزاع.

إذا توصل الحكمان إلى الإصلاح بين الزوجين، حررا مضمونه في تقرير من ثلاث نسخ يوقعها الحكمان والزوجان ويرفعانها إلى المحكمة التي تسلم لكل واحد من الزوجين نسخة منه، وتحفظ الثالثة بالملف ويتم الإشهاد على ذلك من طرف المحكمة “.

وهكذا يظهر أن للحكمين مكانة وتأثير، وأن قرارهما له خطرو شأن.

فإذا كانت مدونة الأسرة -كما هو الحال -في مدونة الأحوال الشخصية الملغاة، لم تحدد أوصاف الحكمين، ولا الجهة التي ينتقى منها، فيمكن سد هذه الثغرة بالرجوع إلى المادة 400 م أ والتي تنص على أن: “كل ما لم يرد به نص في هذه المدونة، يرجع فيه إلى المذهب المالكي والاجتهاد الذي يراعى فيه تحقيق قيم الإسلام في العدل والمساواة والمعاشرة بالمعروف “.

وبرجوعنا إلى المذهب المالكي، نجده عموما يشترط في الحكمين الذكورة والعدالة والرشد، زيادة على الفقه بأحكام الجمع والتفريق.

ويعينان من أقارب الزوجين، أحدهما من أقارب الزوج وثانيهما من أقارب الزوجة، لأن الأقارب أعرف ببواطن الأحوال وأصلح للإصلاح، ونفوس الزوجين المتخاصمين أسكن إليهما، فيبرزان لهما ما يختمر في دواخلهما ويفشيان لهما جميع الأسرار لأنهما أنسب لكتمها وعدم إفشائها للغير.

وكونهما من أقارب الزوجين شرط واجب عند المالكية، ومستحب عند الشافعية والحنابلة.

فإذا تعذر ذلك كأن لم يكن للزوجين أقارب، أو لم يكن في أقاربهما من تتوفر فيهم العدالة والمعرفة، فللقاضي (المقرر) أن يختار شخصين أجنبيين ممن تتوفر فيهما ما ذكر ([1]) من الشروط.

وفي ذلك يقول صاحب التحفة:

إن وجد عدلين من أهلهما & والبعث من غيرهما إن عدما

والفقرة الثانية من الفصل 82 م أ تسعف المحكمة في ذلك حيث سمحت لها أن تستعين بمن:

” تراه مؤهلا لإصلاح ذات البين “.

وللحكمين أن يستأنسا في مهمتهما بتوجيهات القاضي المقرر، وأهل الفضل من الجيران والأقارب وبكل من له نفوذ معنوي عليهما كالأب والجد مثلا ([2]).

والهدف من بحث الحكمين هو محاولة الإصلاح بين الزوجين، وذلك بعد التعرف على أسباب الشقاق ودعوة الزوجين إلى تركها، لأن التطليق ليس هو المقصود بالذات من عمل الحكمين.

لكن، قد يفشلان في ذلك ويتعذر عليها الإصلاح فلا يخلو الأمر من أحد الأمور الثلاثة:

أولا: إما أن تكون الإساءة كلها من جانب الزوجة دون الزوج، ففي هذه الحالة يقترح التطليق مقابل بذل مناسب، وذلك جبرا للضرر الحاصل للزوج.

ثانيا: وإما أن تكون الإساءة كلها من جانب الزوج دون الزوجة، ففي هذه الحالة يقترح الحكمان التطليق على الزوج بطلقة بائنة مع التعويض عن الضرر الحاصل للزوجة إذا لم ترض هذه الأخيرة في الاستمرار معه.

ثالثا: أما إذا تبين للحكمين بأن كل منهما يسوء لصاحبه ويضر به ففي هذه الحالة فرق بينهما على بعض الصداق، وعلى هذا المشهور من مذهب الإمام مالك.

وفي حالة لم يتوصل الحكمان إلى تحقيق ذلك، أو لم يتفقا على حل مناسب كما إذا اقترح أحدهما التطليق بدون مقابل، ورأى الثاني أن على الزوجة أن تدفع لزوجها مالا مقابل التطليق، فإن للمحكمة أن ترسل حكمين آخرين، كما يمكنها أن ترسل إلى الزوجين امرأة أمينة تعاشرهما مدة لتطلع على أحوالهما، وتتعرف على سبب اختلافهما، وتخبر المحكمة بما تبين لها لتحكم بما يجب على ضوء ذلك.

والمشرع المغربي قد سار في هذا الاتجاه حيث أورد في المادة 96 من المدونة على أنه: “إذا اختلف الحكمان في مضمون التقرير أو في تحديد المسؤولة أو لم يقدماه خلال الأجل المحدد لهما، أمكن للمحكمة أن تجري بحثا إضافيا بالوسيلة التي تراها ملائمة “.

وعلى خلاف التشريع المغربي، الذي ترك مهمة تحديد الأجل الذي يتعين على الحكمين أن ينجزا خلاله مهمتهما لمحكمة الموضوع، فإن بعض القوانين العربية كالقانون المصري مثلا حدد الآجال والعمل الذي يقومان به في مهمتهما بنصوص صريحة وواضحة.

ونشير أن الفقه المالكي اعتبر الحكمين شاهدين لا حاكمين، وبالتالي فقرارهما لا يلزم المحكمة في شيء، وقد تحكم بنقيض ما اقترحاه، إلا إذا توصلا إلى الإصلاح فما على المحكمة إلا الأخذ به والإشهاد عليه (المادة 95 م أ).

الفقرة الثانية: الصلح محاولة في العمل القضائي المغربي

في الميدان العملي لا زلنا نلاحظ نوعا من الارتباك في تطبيق مسطرة الصلح بين الزوجين وخاصة عندما تتعلق المسطرة بالتطليق للشقاق، مما نتج عنه تصورات واجتهادات مختلفة بين مكونات القضاء المغربي.

وهكذا نجد بعض المحاكم تسعين بأي كان حتى وان كان أو كانت لا تربطهما بالزوجين أية رابطة -وذلك -فقط من أجل الاستجابة للإجراء الجوهري الملزم بسلوك مسطرة الصلح بين الطرفين.

بل، إن بعض المحاكم تلجأ إلى الاستعانة بالنساء من كلا الطرفين وفي الغالب تكونان من المتسببات في ظهور الشقاق والنزاع بين الزوجين، بل إن ذلك لا يختفي حتى في مجلس محاولة الصلح، فيصبح القاضي المقرر المكلف بالصلح بدلا من أن يصلح بين الطرفين المتخاصمين، فإنه يصلح بين الحمتين.

وفي ذلك ضياع للوقت والجهد الذي يبذل من قبل الكثير من قضاة الأسرة في المحاكم المغربية.

لهذا، حاول المشرع المغربي ومن خلال مدونة الأسرة أن يمنح للقاضي المقرر المكلف بالصلح وسائل متعددة -كما قلنا سلفا -تمكنه من إجراء محاولة الصلح بكيفية جدية وفعلية، بحيث تركت له حرية الاختيار في الوسائل المتعددة والملائمة أو الأفراد المؤهلين لهذه المهمة الصعبة والنبيلة.

ثم في المقابل حددت له أجل ستة أشهر من تاريخ تقديم الطلب للفصل في الدعوى، مع اعتبار الحكم الصادر في مثل هذه القضايا ابتدائي وانتهائي في الشق المتعلق بفصم العلاقة الزوجية.

وتكون المدونة -بذلك -قد أعطت لقضاء الأسرة سلطات واسعة ومتقدمة عما كان عليه الأمر في مدونة الأحوال الشخصية الملغاة، وجعلت من قاضي الأسرة فردا من أفرادها.

بل إن قاضي الأسرة أصبح اليوم مجتهدا بمقتضى المادة 400 م أ عليه أن يجتهد في الوسائل والإجراءات من أجل تحقيق ما فيه صلاح وإصلاح الأسرة زوجا وزوجة وطفلا.

ولهذا فإن الأمر يتطلب إلى جانب الحنكة والتجربة والتكوين الجيد، صبرا وسعة صدر قاضي الأسرة حتى يقوم باستقصاء حقيقة علاقات الزوجين، ويتعرف على مدى استعدادهما للاستمرار في الحياة الزوجية، وللتغلب على أسباب الشقاق ودوافعه.

ولهذا لا يكفي أن يكون قاضي الأسرة رجل قانون فقط، لكنه قبل ذلك ينبغي أن يكون طبيبا اجتماعيا، يعرف كيف يكسب ثقة الزوجين ليحدثاه بصراحة عما يختلج في ضميرهما وعما يحسان به إزاء استمرار زواجهما.

لهذا، نقترح تنظيم مهمة الحكمين تنظيما دقيقا يبين فيه الاختصاص وتحدد فيه الشروط والمسطرة الواجب تطبيقها، حتى تصبح محاولة الصلح إجراء جوهريا يمارس بشكل فعلي، لا أن يكون عبارة عن إجراء روتيني فحسب، يستدعى لها الطرفان دون بذل أي مجهود للتقريب بينمها وإظهار ما يترتب عادة على التطليق من آثار وخيمة من نواح متعددة.


[1]ابن معجوز أحكام الأسرة في الشريعة الإسلامية طبعة مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء الطبعة الثانية 1990 ص:214.

[2]محمد الكشبور قانون الأحوال الشخصية طبعة مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء الطبعة الثانية 1994 ص: 267.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading