السعدية مجيدي
أستاذة باحثة بكلية العلوم
القانونية والاقتصادية والاجتماعية
بمراكش

مقدمة

انتشر مصطلح الطرق البديلة لحل النزاعات في الآونة الأخيرة ويقصد بها مجموعة من الآليات التي يمكن اعتمادها لحل النزاعات بمشاركة وموافقة أطرافها وهي ليست بديلا عن القضاء لأنها تجري تحت إشرافه حيث يقضي بالمصادقة على الحلول الودية التي يتوصل إليها الأطراف.

ولعل أهم الطرق البديلة هي الصلح الذي يعتبر الوسيلة الفعالة لإنهاء الخصومة ووضع حد للنزاع في أقصر الآجال وبأقل التكاليف ويرسخ ثقافة الحوار والتسامح وينمي العلاقات الاجتماعية والعائلية ويحافظ على أواصر المودة ويحقق الأمن والاستقرار على مستوى العائلة والمجتمع بصفة عامة ([1]).

والصلح قديم قدم الحياة البشرية، اعتمدته جميع التشريعات والحضارات القديمة، وفي هذا الإطار نجد مشرعنا المغربي قد نطم الصلح بمقتضى قانون الالتزامات والعقود وخصص له بابا فريدا في القسم التاسع وفق الفصول 1098، إلى 1116 من ق. ل. ع وعرفه بذلك العقد الذي بمقتضاه يحسم الطرفان نزاعا قائما أو يتوقعان قيامه وذلك بتنازل كل منهما للآخر عن جزء مما يدعيه لنفسه أو إعطائه مالا معينا أو حقا.

ومن جهة أخرى فإن أهمية الصلح جعلته حاضرا في عدة قوانين أخرى تهم مدونة الأسرة والقضايا الاجتماعية وقضايا الكراء والقضايا المدنية والجنائية بصفة عامة.

ويهمنا في هذه المداخلة المتواضعة تناول الصلح في مدونة الأسرة وبالتحديد في مسطرة التطليق للشقاق.

فالشقاق ([2]) كما هو معلوم هو ذلك الخلاف العميق والمستمر بين الزوجين بدرجة يتعذر معها استمرار العلاقة الزوجية ومسطرته تتم بتقديم طلب لحل النزاع من أحد الزوجين أو من هما معا إلى المحكمة التي تقوم بإجراء محاولة إصلاح ذات البين وذلك بانتداب حكمين أو من تراه مؤهلا لذلك مصداقا لقوله تعالى: ” وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا ” ([3]).

فللصلح أهمية نظرية وعملية في تسوية النزاعات الزوجية نطرا لمساهمته في تخفيف العبء عن القضاء والخصوم وهذا ما دفع المشرع في مدونة الأسرة إلى اعتباره إلزاميا وتكون المحكمة ملزمة باللجوء إلى تفعيل إجراءاته في حالة عرض النزاع عليها من طرف الزوجين أو أحدهما مع القيام بمحاولتين للصلح في حالة وجود أطفال. كما أتاح للمحكمة إمكانية الاستعانة بالحكمين ومجلس العائلة وكل من تراه مؤهلا لإصلاح ذات البين بينهما، أي فتح الباب أمام هيئات ذات طابع عائلي.

من خلال ما أشرنا إليه أعلاه، سنحاول تناول موضوع الصلح في مسطرة التطليق للشقاق من خلال نقطتين:

أولا: المسطرة القضائية للصلح

ثانيا: المسطرة الغير القضائية للصلح

أولا: المسطرة القضائية للصلح

الصلح إجراء جوهري ومن النظام العام، والمحكمة تعمل على إثارته تلقائيا ولو لم يطلبه الأطراف طبقا للمادة 94 من مدونة الأسرة. إذ بمجرد ما يقدم إليها طلب الزوجين أو أحدهما قصد حل النزاع بينهما يخاف منه الشقاق، تقوم باستدعائهم ([4]) بصفة قانونية للحضور؛ حيث تجري المناقشة بغرفة المشورة ويتم الاستماع للزوجين والشهود وكل من ترى المحكمة فائدة في الاستماع إليه (المادة 82 من مدونة الأسرة).

ويعتبر حضور الأطراف إلزاميا بحيث لا ينجز في غيابهما لذلك ألزمت المدونة الطرفين بالحضور الشخصي في جلسة الصلح والتي تبدل فيها المحكمة كل مجهوداتها لإصلاح ذات البين.

والملاحظ أنه إذا لم يحضر طالب الشقاق رغم توصله بالاستدعاء اعتبرت المحكمة ذلك دليلا على تراجعه عن الطب ([5]) وصرحت بعدم قبول الدعوى.

وإذا حضر طالب الشقاق ولم يحضر الطرف الآخر المدعى عليه رغم توصله اعتبرت المحكمة أنه يتعذر تطبيق الإجراءات الخاصة بدعوى الشقاق وبتت في الدعوى بعد أن تدلي النيابة العامة بمستنتجاتها الكتابية في الموضوع ([6]).

أما إذا حضر الأطراف جلسة الصلح يتم الاستماع إليهم ([7]) بغرفة المشورة وتقوم المحكمة بكل المحاولات الرامية إلى إنهاء النزاع القائم بينهما، إلا أنه إذا تبين لها من خلال المناقشات أن المصلحة تقتضي تأخير القضية إلى جلسة أخرى إما تلقائيا أو بناء على طلب أحد الزوجين أوهما معا، فلها أن تستجيب لذلك مع إشعار الطرفين بتاريخ الجلسة الموالية كما يمكن لها أيضا استدعاء كل من ترى فائدة في الاستماع إليه.

ويطرح هنا التساؤل بالنسبة لمسألة التوصل الشخصي في دعوى التطليق للشقاق، فإذا كان المشرع قد ألزم تحقق التوصل الشخصي للمطوب في دعوى الطلاق، وبالتالي تفادى الخلل المسطري الذي كان سائدا في ظل قانون الأحوال الشخصية، إلا أن هذه المسألة لم تحسم بالنسبة لدعوى التطليق للشقاق مع العلم أن الغاية من كلا الدعويين واحدة وهي فصم عرى العلاقة الزوجية، فالمادة القانونية الماعلقة بالتطليق للشقاق تناولها المشرع في أربعة فصول وخصص لها باب مع الإحالة على المواد المتعلقة بالطلاق خاصة المواد 82، 83، 84 و85 دون المادة 81 الماعلقة بالاستدعاء والتوصل الشخصي فهل الأمر سهوا من المشرع وبالتالي يجب إعمال القياس؟

نعتقد أنه يجب أن تحسم هذه المسألة وتفعيل دور النيابة العامة في هذا الإطار، خاصة وأن الغاية من كلا الدعويين واحدة، بل أكثر من ذلك أن مسطرة التطليق للشقاق في كنهها وقائية قبل أن تكون فاصلة في إنهاء العلاقة الزوجية.

والملاحظ أن المشرع تطلب أن يجري الصلح من طرف المحكمة وليس من طرف القاضي المقرر، ذلك أن إجراء الصلح من طرف ثلاث قضاة وبحضور النيابة العامة وكاتب الضبط في غرفة المشورة فيه نوع من الإحراج بالنسبة للزوجين، إذ يرفض أحدهما أو كلاهما الإفصاح أمامها من جهة ومن جهة ثانية غالبا ما تتحول جلسة الصلح إلى طرح مجموعة من الأسئلة ليس إلا.

لذلك ذهب بعض الفقه إلى أنه يمكن للمحكمة أن تسند مهمة الاستماع للزوجين وغيرهما إلى أحد أعضائها، ويقوم هذا الأخير بإنجاز تقرير في الموضوع ويعيد القضية إلى الهيئة الجماعية بعد إخطار الطرفين بذلك، في حين ذهب البعض الآخر إلى ضرورة إسناد مهمة الاستماع للقاضي المقرر نظرا لخصوصية الأسباب المؤدية لحل ميثاق الزوجية خاصة إذا لم يرغب أحد الزوجين في إفشاء أسرار حياتهما الخاصة، وهذا ما يجري به العمل في العديد من أقسام قضاء الأسرة، إذ يتكلف بالصلح القاضي المقرر ومن تم يرفع التقرير للمداولة بشأنه لدى الهيئة الجماعية للحكم.

ومهما كانت الجهة التي تقوم بمحاولة الإصلاح، فإنه يجب عليها أن تبذل قصارى جهودها في محاولة التقريب بين الزوجين وضمان استقرار العلافة الزوجية، وبالتالي تفعيل إجراء الصلح في مسطرة التطليق للشقاق.

فالمدونة راهنت على استمرارية الأسرة من خلال التأكيد على دور المصالحة والوساطة كوسائل بديلة لفض المنازعات ([8]).

فالمحكمة تقوم بمحاولة الصلح من طرفها أولا ثم بعد ذلك تحيل الأطراف إلى المؤسسات الأخرى، إلا أنه أحيانا أخرى تكتفي فقط بتكليف الحكمين للقيام بمحاولة الصلح دون تكليف نفسها القيام بذلك كما جاء في الحكم الصادر عن قسم قضاء الأسرة التابع لابتدائية تاونات والذي جاء فيه: (… وحيث إنه طبقا للمادة 94 و82 من مدونة الأسرة، يلجأ إلى مسطرة الشقاق في الحالة التي يطلب فيها الزوجان أو أحدهما من المحكمة حل نزاع بينهما يخاف منه الشقاق وتقوم المحكمة بإصلاح ذات البين وذلك بانتداب حكمين أو من تراه مؤهلا لذلك. …) ([9]).

إلا أن مثل هذا الإجراء قد يعيق مسطرة الصلح ويعجل بانتهاء العلاقة الزوجية، وتبعا لذلك يجب على المحكمة أن لا تعتبر مرحلة الصلح التي تقوم بها مجرد مرحلة شكلية مبتعدة عن الدور الإيجابي المسند للقضاء في إطار مدونة الأسرة، وبصفة عامة وفي مجال مسطرة التطليق للشقاق التي ترمي إلى الحفاظ على الأسرة وحمايتها من التفكك والتمزق وما ينتج عن ذلك من أضرار قد تلحق جميع أفراد الأسرة والأطفال على وجه الخصوص.

وحفاظا على مصالح هؤلاء نصت الفقرة الأخيرة من المادة 82 من مدونة الأسرة التي أحالت عليها المادة 94 من نفس المدونة على إجراء محاولتين للصلح تفصل بينهما مدة لا تقل عن 30 يوما، والملاحظ أنه رغم الأهمية التي تكتسيها إجراءات الصلح، فإن المشرع لم يحدد طبيعتها القانونية والتي اعتبرت في ظل قانون الأحوال الشخصية الملغى من النظام العام.

وأخيرا فإن المادة 128 من مدونة الأسرة ميزت من خلال مقتضياتها بين شقين من الحكم القاضي بالتطليق للشقاق، الأول والمتعلق بانتهاء العلاقة الزوجية فجعلته غير قابل لأي طريق من طرق الطعن، والثاني والمتعلق بتحديد المستحقات المترتبة عن انفصام العلاقة الزوجية وجعلته خاضعا لطرق الطعن العادية ([10]).

والملاحظ أنه رغم أهمية وخطورة الحكم في شقه المنهي للعلاقة الزوجية إلا أن المشرع جعله غير قابل لأي طريق من طرق الطعن العادية أو غير العادية، مع أن احتمال خطأ محكمة الدرجة الأولى في إصدار الحكم وارد، واحتمال تدليس أحد طرفي الدعوى وارد أيضا ([11])، فما هي القيمة القانونية للحكم المتعلق بإنهاء العلافة الزوجية وما العمل إذا تبين أن هذا الحكم، في الشق المتعلق بإنهاء العلاقة الزوجية، باطل ومن المعلوم أن ما بني على باطل فهو باطل حسب القاعدة المعروفة؟ ثم إن الأمر فيه ضرب بمبدأ التقاضي على درجتين.

فالأحكام المنهية للعلاقة الزوجية أحرى بأن تحمى بمقتضى قابليتها للطعن، إلا أنه بمفهوم المخالفة للمادة 128 إذا قضت المحكمة الابتدائية بعدم قبول الدعوى تكون هذه الأحكام قابلة للطعن بالاستئناف، إلا أن محكمة الاستئناف لا تجري محاولة الصلح إذا ألغت الحكم القاضي بعدم قبول طلب التطليق للشقاق، لأن القضية تكون غير جاهزة مما يلزمها بإحالتها على المحكمة الابتدائية لتجهيزها استنادا للفصل 146 من قانون المسطرة المدنية والذي يعطي لمحكمة الاستئناف حق التصدي إذا كانت القضية جاهزة، والقضية التي لم تباشر بشأنها إجراءات الصلح لم تصبح بعد جاهزة ([12]). فإذا نجحت المحكمة في محاولة الإصلاح فإن المسطرة تنتهي هنا وتعاد العلاقة الزوجية إلى سابق ودها، أما إذا فشلت فإنها تلجأ إلى الاستعانة بمؤسسات أخرى تتمثل في بعث الحكمين ومجلس العائلة، وكذا كل شخص آخر مؤهل للقيام بذلك، طبقا للمادة 82 من مدونة الأسرة وهذا ما سنتطرق إليه من خلال المسطرة الغير القضائية للصلح. .

ثانيا: المسطرة الغير الفضائية للصلح

المبدأ السائد في ظل مدونة الأسرة هو تحكيم القضاء في كل القضايا المتعلقة بها، إلا أنه ونظرا لخصوصية رابطة الزواج والآثار الخطيرة التي تترتب على تفكك الأسرة، فإن مدونة الأسرة زاوجت بين التحكيم القضائي والتحكيم العائلي في النزاع الأسري، وذلك بفتح المجال أما هيئات ذات طابع عائلي، لإبداء رأيها وتقديم مقترحاتها من أجل إصلاح ذات البين بين الزوجين كلما تطور الخلاف بينهما إلى طلب التطليق للشقاق طبقا للمادة 82 من مدونة الأسرة، والملاحظ أن المشرع المغربي أعطى للقضاء كامل الصلاحية في اختيار أي مؤسسة للصلح دون أي قيد أو شرط، وتوسع في ذلك إلى أبعد الحدود بفتح المجال لكل من يراه مؤهلا لإصلاح ذات البين. فقد جاء في المادة 113 من مدونة الأسرة عبارة “القيام بمحاولة الإصلاح” وهي عبارة عامة وفضفاضة والغاية منها منح القضاء الحرية والسلطة لتحقيق هدف سامي يتمثل في الإصلاح وبدل الجهد لحماية صرع الأسرة من أي تصدع.

  1. الصلح بواسطة الحكمين.

لقد أعطت مدونة الأسرة للمحكمة صلاحية تعيين حكمين ([13]) من غير أن تحدد الشروط والضوابط التي ينبغي أن تتوفر فيهما، وعليه يتعين الرجع إلى المذهب المالكي والاجتهاد طبقا للمادة 400 من مدونة الأسرة ([14]).

وقد اشترط المالكية في الحكمين أربعة شروط وهي: العدالة، الذكورة، الرشد، العلم بما هما بسبيله، ويستحب عندهم أن يكون من أهل الزوجين لأنهما أكثر اطلاعا على أسرار الأسرة وأقدر على حل النزاع ([15]).

إلا أن القضاء قد لا يعير اهتماما كبيرا لهذه الشروط، إما لصعوبة توافرها مجتمعة أو لعدم أهمية بعضها. كشرط الذكورة، ذلك أن المرأة أصبحت تبث في طلبات التطليق للشقاق بصفتها قاضية فمن باب أولى انتدابها كحكم لاستجلاء أسباب النزاع بين الزوجين.

وبالنسبة لشرط القرابة نلاحظ أن مدونة الأسرة لم تنص عليه صراحة لاحتمال أن يكون أقرباء الزوجين هم أنفسهم سبب النزاع بين الزوجين.

ويتعين على الحكمين عند تعيينهما من طرف المحكمة استقصاء أسباب الخلاف بين الزوجين ويبذلا جهدهما لإنهاء النزاع والخلاف والشقاق.

فإذا توصل الحكمان إلى الإصلاح بين الزوجين، حررا مضمونه في تقرير من ثلاث نسخ يوقعها الزوجين إلى جانبهما، ويرفعانها إلى المحكمة التي تسلم لكل واحد من الزوجين نسخة منه وتحفظ الثالثة بالملف ويتم الإشهاد على ذلك من طرف المحكمة، أما إذا اختلفا الحكمان في مضمون التقرير أو في تحديد المسؤولية أو لم يقدماه داخل الأجل المحدد لها، أمكن للمحكمة أن تجري بحثا إضافيا بالوسيلة التي تراها ملائمة وذلك طبقا للمادتين 95 و96 من مدونة الأسرة.

وتجدر الإشارة إلى أن المشرع لم يتطرق إلى الحالة التي يكون فيها الحكمان أميان – وهي الأغلب -ويتوصلان إلى إصلاح ذات البين، فكيف يرفعانه إلى المحكمة؟

إلا أن هذه المسألة يمكن الاستعاضة عنها عن طريق تضمين تصريحاتهما الشفوية بمحضر الجلسة مع التوقيع أو وضع البصمة وهذا ما يجري به العمل من الناحية العملية في أغلب الأحيان، كما أن المشرع لم يحدد معايير معينة تساعد القضاء في اختيار الحكمين وعدم اشتراط توفر الحكمين على مؤهلات معينة، كما أن المادة 82 من مدونة الأسرة، التي أحالت عليها المادة 94 من مدونة الأسرة، ألزمت المحكمة بالقيام بمحاولتين للصلح بين طرفي دعوى التطليق للشقاق تفصل بينهما مدة لا تقل عن ثلاثين يوما في حالة وجود أبناء.

والمشرع حدد حدا أدنى لعدد محاولات الصلح في حالة وجود أبناء، دون تحديد حد أقصى في هذه الحالة، ونفس الأمر بالنسبة للحالة التي لا يكون لطرفي النزاع أي أبناء، والأمر ليس سهوا من المشرع بقدر ما هو مقصود، والغاية منه منح القضاة كل السلطة لتحديد عدد مرات الصلح، دون أي تقيد مسطري يغل يد القضاة كلما بدت بوادر الإصلاح، ولا يمكن للقضاء بأي حال من الأحوال إلغاء إجراءات الصلح، لأنه إجراء جوهري. وبخصوص الأجل المطلوب للفصل في دعاوى التطليق والمحدد في ستة أشهر كأجل أقصى مع الحرص طبعا على إنجاح آليات الصلح والسداد بين الطرفين وفق الضوابط الشرعية والقانونية، فإنها سوف تستغرق أجل ستة أشهر أو تزيد.

والملاحظ أن إرادة مشرع مدونة الأسرة تتجه للغاية لا إلى الوسيلة في حد ذاتها أي إصلاح ذات البين بين الزوجين، ثم إن مسطرة الشقاق هي مسطرة وقائية هدفها حل الصعوبات ومحاولة الوصول إلى التوفيق بين طرفي العلاقة الزوجية خاصة إذا علمنا أن المشرع أوجب إجراء الصلح بين الزوجين حتى في حالة الطلاق الاتفاقي ([16]).

ولما كان الشيء بالشيء يذكر فإن موضوع الوكالة في مسطرة التطليق للشقاق تطرح نفسها أمام القضاء خاصة وأن المدونة لم تتطرق إلى المسألة خلافا لما كان معمول به في ظل قانون الأحوال الشخصية ([17]).

ونعتقد أن هذا السكوت يفيد المنع، ذلك أن الحرص على حضور طرفي الدعوى شخصيا إنما من أجل مخاطبة مشاعر الزوجين وأحاسيسهما، بما لا يستطيع غيرهما أن يعوضه وذلك من أجل تحقيق مسعى الصلح وإنجاحه.

إلا أنه يمكن قبول الوكالة ولكن ضمن حالات استثنائية يتعذر فيها على الموكل الحضور يترك الأمر في هذه الحالة الاستثنائية للسلطة التقديرية للقضاء ([18]).

  1. الصلح عن طريق مجلس العائلة.

تشير المادة 82 من مدونة الأسرة إلى إمكانية انتداب مجلس العائلة بمناسبة عرض ملف الطلاق على القضاء، وأحالت المادة 94 من المدونة على نفس المقتضيات، عندما يتعلق الأمر بطلب التطليق للشقاق.

والمادة 251 من نفس المدونة أشارت في فقرتها الأخيرة إلى إحداث مجلس العائلة، تناط به مهمة مساعدة القضاء في اختصاصاته المتعلقة بشؤون الأسرة، ويحدد تكوينه ومهامه نص تنظيمي.

وقد صدر المرسوم بتاريخ 14 يونيو 2004 بشأن تكوين مجلس العائلة وتحديد مهامه، فقد نصت المادة السابعة من المرسوم المذكور على ما يلي: “مهام مجلس العائلة مهام استشارية، يقوم مجلس العائلة بالتحكيم لإصلاح ذات البين وأبداء رأيه في كل ما له علاقة بشؤون الأسرة “.

وهو نفس الدور الذي جاء في الفقرة الأولى من المادة 95 من مدونة الأسرة ” يقوم الحكمان أو من في حكمهما باستقصاء أسباب الخلاف بين الزوجين ويبذل جهدهما لإنهاء النزاع “.

والملاحظ أن المقتضيات التنظيمية لمجلس العائلة لم تسند أي دور للنيابة العامة لا عند تكوين هذه المؤسسة ولا عند دعوته للانعقاد، كما أن النيابة العامة لا تتمتع بصلاحية التجريح في أعضاء مجلس العائلة ولا يحق لها الطعن في القرارات التي ينتهي إليها بالرغم من الوظائف الإيجابية التي تقوم بها مؤسسة الحق العام في المصالحة الأسرية طبقا للمادة 53 من مدونة الأسرة.

كما يمكن أن نتصور المدة التي يستغرقها تكوين مجلس العائلة ودعوته للانعقاد والمدة التي تستغرقها الاعتذارات والإنابة في الحضور، بالإضافة إلى الانشغالات اليومية للرئيس، بحيث لا تسمح له بتكوين هذا المجلس وتسييره، كما أن تحديد مدة ثلاثين يوما كأجل يفصل بين محاولتي الصلح ([19]) التي تقوم بهما المحكمة غير كاف لانعقاد المجلس ودراسة النزاع الأسري، وتقديم مقترحاته، خاصة وأن المرسوم لم يحدد أجلا لاجتماع مجلس العائلة ومن جهة أخرى، فإن أجل ستة أشهر كسقف للفصل في دعوى الشقاق لا يسمح للقاضي بانتداب مجلس العائلة خاصة في غياب أي نص تشريعي يبين لقاضي الأسرة المعروض عليه طلب التطليق للشقاق كيفية التنسيق بين المسطرة القضائية وبين المقترحات التي ينتهي إليها مجلس العائلة ومتى يدعو مجلس العائلة للانعقاد وكم مرة يجتمع أثناء سريان مسطرة التطليق للشقاق ؟

نعتقد أن المزاوجة بين المسطرة القضائية ومسطرة التحكيم في حل النزاع بين الزوجين قبل أن يصير شقاقا هي المزاوجة على المستوى التشريعي فقط وذلك للتعقيدات التي تكتنف هذه المزاوجة وهذا ما يجعل القضاء يعزف عن انتداب مجلس العائلة ويكفي بتعيين الحكمين لاستقصاء أسباب الخلاف بين الزوجين الشيء الذي جعل المتقاضين يخلطون بين الحكمين ومجلس العائلة بل ويعتبرهما مؤسسة واحدة.

وعليه فالمحكمة مدعوة في إطار السلطة المخولة لها في مسطرة التطليق للشقاق إعمال وتفعيل كل آليات الصلح واستعمال جميع الإجراءات التي ترى فيها إمكانية تسوية النزاع والإبقاء على العلاقة الزوجية قائمة، ذلك أن الأهم هو الغاية وليس الوسيلة، لكن وحيث إن الصلح موقوف على رضا أطراف العلاقة الزوجية، فإنه يتم عن طريق تنازل كل منهما عن حقه فيما يدعيه بشأن النزاع القائم بينهما.

أخيرا نلاحظ من جهة أن نسبة التطليق للشقاق ارتفعت بشكل مهول حيث أضحى إيقاع الصلح بين الطالب والمطوب في الشقاق مطلبا لا يدرك إلا بمشقة ([20])، وفي كثير من الأحيان لا يدرك مهما اجتهد القضاة في السعي إليه وتوفير أسبابه، حتى أصبحت محاولة الصلح إجراء مسطريا روتينيا لا يلجأ إليه إلا لأن عدم القيام به يعيب إجراءات التطليق؛ ذلك أن دعوى التطليق لا ترد ولا ترفض في أغلب الأحيان وأصبح مصطلح الشقاق اسما مألوفا ودعواه استغرقت جميع أنواع التطليق الأخرى.

فآليات الصلح السابق الإشارة إليها لم تستطع أن تنجح إلا في القليل من قضايا التطليق، وهذا ما يفيد أن هذه الآليات ما زالت بعيدة عن الهدف المتوخى منها.

فهل للمشرع أن يتدخل من أجل إعادة تأهيل هذه الآليات ومن أجل وضع نصوص أكثر إلزامية في هذا الإطار.

ومن جهة ثانية فالمشكل بالنسبة لهذا النوع من الطلاق هو جهل الزوج والزوجة على وجه الخصوص للطبيعة القانونية لنوعية هذا التطليق باعتباره طلاقا بائنا يزيل الزوجية في الحال ولا يملك الزوج حق الرجعة لزوجته خلال العدة، وما يزيد المشكل استفحالا أن القاضي لا يعمل على تذكير الزوجين بهذه المسألة، نظرا لعدم وجود نص قانوني يلزمه بذلك وان كان هذا الأمر يدخل ضمن صميم عمل القضاء خاصة وأن الهدف الرئيسي لدعوى التطليق للشقاق هو حل نزاع يخاف منه الشقاق وليس التطليق للشقاق في حد ذاته.

لذلك لا بد من الاستعانة بدور المساعدين الاجتماعيين؟ إذ القاضي مهما اتسعت معوماته لا يستطيع الإلمام بشتى العلوم، فلا ضير من الاستعانة بخبرات المساعدين الاجتماعيين، ثم لا بد من تفعيل دور المجتمع المدني في هذا المجال لتكون لدينا جمعيات أو مراكز متخصصة في تسوية الخلافات الأسرية، يتمثل دورها في تسوية الخلافات والعمل على التحسيس بأهمية التماسك الأسري وإشاعة ثقافة التسامح واحترام الآخر حتى تستقر ثقافة العدل والمساواة في نفوس أفراد
الأسرة.

وأخيرا فما أحوجنا إلى ثقافة أخلاقية والشعور بالمسؤولية الدينية والأخلاقية تجاه النواة الأساسية والأولى في المجتمع.


[1] انظر: محمد لحكيم بناني، الصلح بين مشروعيته في الفقه الإسلامي وواقع المجتمع المغربي المعاصر، منشورات جمعية نشر المعلومة القانونية والقضائية، سلسلة الندوات والأيام الدراسية، العدد 2، 2004.

[2] وزارة العدل، سلسلة الشروح والدلائل، الدليل العلمي لمدونة الأسرة، مطبعة دار القلم، الرباط، العدد الأول، 2004 ص: 7

[3] سورة النساء، الآية: 35.

[4] راجع الفصل 38 من قانون المسطرة المدنية الذي جاء فيه: ” يسلم الاستدعاء تسليما صحيحا إلى الشخص نفسه أو في موطنه إلى أقاربه أو خدمه أو لكل شخص آخر يسكن معه. “

[5] المادة 81 من مدونة الأسرة الفقرة الثانية.

[6] راجع: محمد الكشبور، يونس الزهري وحسن فتوخ، التطليق بسبب الشقاق في مدونة الأسرة، ص: 102.

[7] من الملاحظ أن الصلح التقابلي قد لا يكون مثمرا ومجديا وبالتالي فإن الاستماع للزوجين بطريقة فردية ثم بعد ذلك يتم تقريب وجهات نظرهما من أجل الوصول إلى صلح حقيقي خاصة في بعض النزاعات لأن ما يصلح في نزاع قد لا يصلح في نزاع آخر، فالمحكمة لها كامل السلطة في اختيار أنجع السبل للحفاظ على كيان الأسرة.

[8] انظر: محمد بوزلافة، مبدأ العدل والمساواة في مدونة الأسرة، مجلة المعيار، عدد 22 دجنبر 2004، ص: 90

[9] حكم صادر عن ابتدائية تاونات قسم قضاء الأسرة، 2004، غير منشور

[10] المادة 128 من مدونة الأسرة “المقررات القضائية الصادرة بالتطليق أو بالخلع أو بالفسخ طبقا لأحكام هذا الكتاب تكون غير قابلة لأي طعن في جزئها القاضي بإنهاء العلاقة الزوجية.

[11] عادل حاميدي، المرجع السابق، ص: 172.

[12] محمد الكشبور، يونس الزهري وحسن فتوخ، المرجع السابق، ص: 108.

[13] مسألة الحكمين أساسها القرآن الكريم قوله تعالى “وان خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما، إن الله كان عليما خبيرا” سورة النساء، الآية 35.

[14] المادة 400 من مدونة الأسرة “كل ما لم يرد به نص في هذه المدونة يرجع فيه إلى المذهب المالكي والاجتهاد الذي يراعى فيه تحقيق قيم الإسلام في العدل والمساواة والمعاشرة بالمعروف. “

[15] الكشبور محمد، يونس الزهري وحسن فتوخ، المرجع السابق، ص: 113.

[16] المادة 114من مدونة الأسرة يمكن للزوجين أن يتفقا على مبدأ إنهاء العلاقة الزوجية دون شروط، أو بشروط لا تتنافى أحكام هذه المدونة، ولا تضر بمصالح الأطفال، عند وقوع هذا الاتفاق، يقدم الطرفان أو أحدهما طلب التطليق للمحكمة مرفقا به الإذن بتوثيقه تحاول المحكمة الإصلاح بينهما ما أمكن فاذا تعذر الإصلاح أذنت بالإشهاد على الطلاق وتوثيقه. “

[17] الفصل 44 من مدونة الأحوال الشخصية: “الطلاق هو حل عقد النكاح بإيقاع الزوج أو وكيله أو من فوض له في ذلك أو الزوجة، إن ملكت هذا الحق.”

[18] عادل حاميدي، المرجع السابق، ص: 96.

[19] المادة 82 من مدونة الأسرة.

[20] عادل حاميدي، المرجع السابق، ص: 30.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading