مصطفى التراب
الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف
بالدار البيضاء
مقدمة:
لقد عرف العرب التحكيم قبل ظهور الإسلام، حيث كان النظام القبلي هو السائد في تلك الفترة ([1])، فالسلطة كانت ممثلة في شيخ القبيلة الذي كان يقوم بدور الحكم بين أفرادها، وأن التحكيم كان يقام لفض النزاعات القائمة بين القبائل، فكان اختياريا متروكا لحرية الأطراف، وبظهور الإسلام في شبه الجزيرة العربية، حصل تحول جذري رفع المجتمع العربي من نظام قبلي يطبق الأعراف والعادات بشكل عشوائي، إلى دولة ذات كيان وسيادة وسلطة، شريعتها الأولى القرآن الكريم المصدر الأول للتشريع، وتأتي بعده سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي خضم هذا التحول بدأ القضاء يحل محل التحكيم في فض النزاعات بين الناس.
والحقيقة التاريخية أن نظام التحكيم ظهر قبل ظهور القضاء، لأن هذا الأخير ارتبط بظهور المجتمعات المنصة بشكلها الحديث أي شكل الدولة ([2])، ثم ما لبثت أن ارتقت الجماعات وسما تفكيرها، وترتب على هذا التطور، أن ظهر التحكيم مرة أخرى باعتباره وسيلة هامة لفض المنازعات في المجتمعات المتقدمة، أو تلك التي هي في طريق النمو، حتى غدا في عالم اليوم المحفز الأكبر للاستثمار وتدفق رؤوس الأموال الوطنية والأجنبية.
وقد عرف المغرب التحكيم العرفي منذ زمن بعيد، حيث كان أمر البت في أغلب المنازعات يرجع إلى مؤسسة الحسبة من خلال الاحتكام إلى أمناء الحرف ([3])، ثم ما لبث أن أدخل المشرع المغربي
في مرحلة لاحقة نظام التحكيم في شكله العصري ضمن المنظومة القانونية ببلادنا كضرورة ملحة تفرضها الأسواق الدولية والتبادل التجاري مع مختلف دول المعمور فضلا عن انضمام المغرب في العديد من الاتفاقيات من ضمنها اتفاقية الاعتراف بالمقررات التحكيمية الأجنبية وتنفيذها الصادرة عن الأمم المتحدة بتاريخ 1958/06/09 المصادق عليها بمقتضى ظهير 1960/12/19 ثم سعى المشرع بعد ذلك إلى تطوير القواعد القانونية المتعلقة بالتحكيم من خلال إدخاله لإصلاح القواعد الواردة في قانون المسطرة المدنية المنصوص عليها في الباب الثامن بالقسم الخامس بهدف تزويد المنظومة القانونية المغربية بالأدوات الضرورية لتطبيق القرارات التحكيمية ([4])، إلا أن إدخاله لهذه القواعد ضمن مقتضيات قانونية خاصة بالتحكيم، طرح إشكالا قانونيا يتعلق بمدى ملاءمة هذه القواعد مع بعض المقتضيات الأخرى المتعلقة بالتحكيم الواردة في قوانين أخرى كما هو الشأن بالنسبة لمدونة الشغل، أو لميثاق الاستثمار، أو للقانون رقم 95-53 المحدث للمحاكم التجارية…
لذا يبقى حري بنا أن نعالج هذا الموضوع من خلال تقسيمه إلى مبحثين: سنخصص الأول للحديث كمدخل عام عن خصائص وأهداف التحكيم مستعرضين الخصائص في مطلب أول، وللأهداف في مطلب ثان، ثم نخصص المبحث الثاني للحديث عن المنظومة العامة التحكيم في التشريع المغربي، نتناول فيه للتنظيم العام للتحكيم من خلال قانون المسطرة المدنية في مطلب أول، ثم للتنظيم الخاص للتحكيم من خلال مدونة الشغل في مطلب ثان، ثم نستعرض لطبيعة بعض الأنظمة الشبيهة بالتحكيم في التشريع المغربي (كما هو الشأن باللجان الضريبية، ودور الحكمين في مدونة الأسرة ) في مطلب ثالث، ثم ننهي البحث بخاتمة عبارة عن أفكار وتأملات وتساؤلات عما تناولناه في البحث.
المبحث الأول: خصائص وأهداف التحكيم
سنتناول هذا المبحث في مطلبين: الأول نستعرض فيه خصائص التحكيم، والثاني لأهداف التحكيم.
المطلب الأول: خصائص التحكيم
قد عرف البعض التحكيم بأنه نزول أطراف النزاع عن الالتجاء إلى قضاء الدولة والتزامهم بطرح النزاع على محكم أو أكثر لحسم النزاع بحكم ملزم ([5])، وهو يقوم على فكرة أساسية، وهي إعطاء الحق للأطراف في نزاع ما في الاتفاق فيما بينهم على استبعاد قضاء الدولة في حل منازعاتهم وإخضاعها لقضاة يختارونهم بأنفسهم، ويرضون طوعا بالانصياع للأحكام الصادرة عنهم، لذا فإنه يترتب على شرط التحكيم نزول الخصوم على حقوقهم في الالتجاء إلى المحكمة المختصة بنظر النزاع، وعلى هذا الأساس، يمتاز التحكيم بعدة خصائص منها:
أولا: الفصل السريع في القضايا: إن الفصل، يتعلق أساسا بالمنازعات التجارية الداخلية أو الدولية تحقيقا لمصلحة الأطراف، والتحكيم يتيح هذه الإمكانية، ذلك أن جلسات التحكيم غالبا ما تعقد في أوقات تناسب ظروف الخصوم، وفي أقرب الآجال وأقصرها بعيدا عن كل ضغط زمني تفرضه كثرة القضايا وتشعبها وتعقدها كما في المحاكم التي يرهقها الزخم الهائل من الملفات المعروضة عليها، فتعجز عن توزيعها على الجلسات المخصصة على مدار السنة على نحو يرضي الأطراف، ويساير ظروفهم نظرا لتجاوز مناب كل قاض منها طاقته البشرية، وهذا يؤدي في النهاية إلى عجز المحاكم عن تحقيق وظيفة القضاء على الرغم من سمو قدره وعلو شأنه وتضحية ومجهودات رجالاته، مما قد يتسبب في ضياع الحقوق التي يلعب فيها الوقت دورا حاسما، مما قد يضطر معه صاحب الحق إلى الانسحاب من ساحة المعركة بعد أن ترهقه الخصومة عن مواصلة الكفاح، وقد يرسخ في ذهنه أن التسليم بضياع الحق أفضل بكثير من الحصول عليه من خلال عدالة مرهقة في إجراءاتها ونفقتها ([6])، لذا فإن كثيرا من الفقهاء روجوا للتحكيم واعتبروه قضاء أصيلا للتجارة الدولية، وقد ذهب الأستاذ (رينيه دايفد) إلى أن ما يبحث عنه الأطراف عند لجوئهم إلى التحكيم ليس فقط علاج عيوب ونقائص جهاز قضاء الدولة، بل إنهم يبحثون أيضا عن نظام قانوني جديد مستقل عن القضاء الوطني، وعن قواعد تنازع القوانين التي تطبقها المحاكم الوطنية، وذهب نفس الفقيه إلى أبعد من ذلك لما اعتبر بأن التحكيم ضرورة اجتماعية حتى في غير المسائل التجارية ([7])، ومن المؤكد أن جميع دول المعمور ومن بينها المغرب واعية بالبطء والتأخير في معالجة القضاء للقضايا المعروضة عليه، مما يجعلها تشجع المستثمرين من أجل اللجوء إلى التحكيم كوسيلة ناجعة لفض النزاعات ذات الطابع التجاري خصوصا في مجال ربح الوقت الذي يراهن عليه كل مستثمر ([8]).
ثانيا: البساطة والمرونة: لا يتطلب اللجوء إلى التحكيم عادة رسوما أو أتعاب محامين كتلك التي تدفع عند التقاضي أمام قضاء الدولة، كما يمكن للأطراف اللجوء إلى تحكيم خاص أو إلى تحكيم مؤسسي، فإذا كان خاصا، فإن الهيئة التحكيمية هي التي تتكفل بتنظيمه مع تحديد المسطرة الواجب اتباعها، أما إذا كان مؤسسيا، فإن المؤسسة التحكيمية هي التي تتولى تنظيمه وضمان حسن سيره طبقا لنظامها ([9])، كما يمكن للطرفين الحق في الاتفاق على القواعد القانونية الواجبة التطبيق على موضوع النزاع مراعاة شروط العقد والأعراف التجارية والعادات وما جرى عليه التعامل بينهما، كما يمكن أن يفوض الطرفان لهيئة التحكيم للقيام بدور الوساطة، فهنا تفصل هذه الهيئة في موضوع النزاع بناء على قواعد العدل والإنصاف، إلا أن تدخل القضاء في المسطرة قد يحد نسبيا من خاصية المرونة التي يتميز بها التحكيم، كما هو الشأن بالنسبة لتدخل رئيس المحكمة في تجريح وعزل المحكم ([10])، وممارسة الطعن بالبطلان داخل الأجل في حكم المحكمين أمام محكمة الاستئناف، يترتب عنه توقيف تنفيذ هذا الحكم ([11]).
ثالثا ك السرية: ذلك أن نظام التحكيم يمكن الأطراف من المحافظة على أسرارهم التي تكون لهم مصلحة كبيرة في عدم إذاعتها وشيوعها، ذلك أن من واجب المحكمين كتمان السر المهني تحت طائلة تعرضهم للعقوبات الواردة في القانون الجنائي ([12]) إلا أن تدخل القضاء من أجل النظر في الطعن ببطلان الحكم التحكيمي أمام محكمة الاستئناف قد يحد نسبيا من السرية التي يتوخاها الطرفان من خلال مسطرة التحكيم باعتبار الطابع العلني للجلسات بوجه عام.
رابعا الرضائية: يقوم التحكيم رضاء بين أطرافه بقبول حكم المحكمين ابتداء، ولا يقبل الطعن منهم إلا إذا صدر حكم التحكيم مخالفا لنص من النصوص القانونية التي أجازت الطعن فيه بالبطلان أمام الجهة القضائية المختصة ([13])، لذا فإن مبدأ سلطان الإرادة يلعب دورا كبيرا في إبرام اتفاق التحكيم، أو تضمين شرط التحكيم فممن العقد الرابط بين الطرفين، غلا أنه على الرغم من الطابع الرضائي لعقد التحكيم أو لشرط التحكيم، فإنه يلاحظ في بعض الأحيان من خلال بعض أنواع العقود أن الطرف القوي فيها يتحكم في فرض بعض البنود ومن ضمنها شرط التحكيم كوسيلة لفض النزاعات، والتي لا يجد فيها المتعاقد الضعيف بدا من قبولها كعقد القرض الذي يوقع عليه هذا المتعاقد مذيلا بعبارة Lu et approuvé مما يجعل هذا العقد وكأنه عقد إذعاني بما تضمنه من بنود ومن ضمنها شرط التحكيم.
المطلب الثاني: أهداف التحكيم
إن من أهم ما يتغياه التحكيم كآلية لفض النزاعات ذات الطابع التجاري، هو تنمية الاستثمار في البلد، والملاحظ أن توسع المشاريع الاستثمارية في المغرب في السنين الأخيرة وما واكبها من استقطاب رؤوس أموال أجنبية، رغبة منه في الدفع بعجلة التنمية، وخلق فرص الشغل، والحد من البطالة والكساد الاقتصادي، كل ذلك سيؤدي إلى تنوع النزاعات باختلاف جنسيات الفاعلين الاقتصاديين نتيجة لعلاقات تعاقدية أو شخصية فيما بينهم وهي نزاعات يحكمها في الأصل ويضبطها القانون الدولي الخاص، فغالبا ما ينشا خلاف بين الخصوم أنفسهم على المحكمة التي يتعين اللجوء إليها لفض النزاع نتيجة للقوانين المحلية التي يخضع لها كل واحد منهم ([14])، وغالبا ما يلاقي بعض أطراف النزاع مشقة وصعوبة في اللجوء إلى القضاء المختص عندما يشعر المستثمر الأجنبي أن قضاء تلك الدولة لا يحقق له الضمانات الكفيلة بصيانة حقوقه، ويؤمن ويحفظ رؤوس أمواله من العبث والضياع، مما يبقى معه اللجوء إلى التحكيم هو السبيل اكثر شيوعا لفض النزاعات التي تنشأ فيما بين الأشخاص الذين ينتمون لجنسيات مختلفة بخصوص علاقتهم التعاقدية الناجمة عن عقود مشاريع الاستثمار، بحيث ناذرا ما يوجد عقد أو اتفاقية تتعلق بمستثمر أجنبي تخلو من شرط التحكيم ([15]).
وأن المشرع المغربي رغبة منه في تسهيل سبل فض النزاعات عن طريق التحكيم، والعمل على تسهيل إجراءاته وتبسيطها، وإيجاد آلية واضحة المعالم تكفل وتضمن سرعة تنفيذ أحكام المحكمين، إلى جانب تشجيع الأطراف المتعاقدة في المشاريع الاستثمارية، عمل على سن القانون رقم 08-05 المتعلق بالتحكيم بشكل أكثر تطورا من القانون القديم، بحيث أن اللجوء إلى التحكيم كشرط في عقود الاستثمار، من شأنه أن يؤدي في نهاية المطاف إلى تعزيز فرص الاستثمار الوطنية، وإدخال الطمأنينة إلى أطراف التعاقد للدخول في مجال المشاريع الاستثمارية بعد أن تكون قد توضحت لديهم معالم صون حقوقهم وأموالهم، وحفظها من مخاطر التيه والضياع، وهذا كله سيؤدي وبالضرورة إلى ازدهار المشاريع الاستثمارية، واستجلاب رؤوس أموال ضخمة وطنية وأجنبية، ناهيك عن الخبرات الفنية والتقنية التي توفرها الشركات المتخصصة والتي تعمل على تأهيل اليد العاملة والمقاولات المحلية من خلال قبول تلك الشركات الدخول والمساهمة في المشاريع المذكورة ([16]).
المبحث الثاني: منظومة التحكيم في التشريع المغربي
سوف نتناول في هذا المبحث التنظيم العام للتحكيم من خلال المسطرة المدنية والتنظيم الخاص للتحكيم من خلال مدونة الشغل مع تحديد طبيعة بعض الأنظمة الشبيهة بالتحكيم.
المطلب الأول: التنظيم العام للتحكيم من خلال قانون المسطرة المدنية
لقد كان من المتوقع قبل صدور القانون رقم 05-08 أن يخرج التنظيم العام للتحكيم على شكل مدونة جامعة لكل القواعد القانونية المتعلقة بالتحكيم، بحيث أن المشروع الذي هيأته وزارة العدل على إثر الرسالة الملكية حول التدبير اللامتمركز للاستثمار ([17])، كان عبارة عن مشروع مدونة التحكيم يحتوي على 65 مادة، يتعلق الباب الأول بمقتضيات مشتركة، والباب الثاني بالتحكيم الداخلي، والباب الثالث بالتحكيم الدولي، والباب الرابع بمقتضيات مختلفة، إلا أن فكرة المدونة قد تم العدول عنها، وتقرر في الأخير تضمين المقتضيات القانونية المتعلقة بالتحكيم في قانون المسطرة المدنية الذي ظل متضمنا لقواعد التحكيم وقد أضيف إليه التحكيم الدولي ([18])، وهذه المقتضيات تشكل في الواقع تنظيما عاما للتحكيم، وما دونها فتعتبر قواعد خاصة أو استثنائية تخرج عن القواعد العامة للتحكيم، تنظم بعض الحالات بعينها واردة في قوانين أخرى، وهذا يستدعي منا بسط الملاحظات التالية:
الملاحظة الأولى: ظل العدد الرقمي للفصول من 306 إلى 327 من قانون المسطرة المدنية المخصص للتحكيم بدون تغيير، إلا أن إرادة المشرع بعد أن اتجهت نحو تطوير المنظومة القانونية للتحكيم (كما ورد في المذكرة التقديمية لمشروع القانون) فرضت عليه العمل على تكرار الفصل 327 باعتباره الفصل الأخير في…………. حتى لا يضطر إلى إزاحة باقي فصول قانون المسطرة المدنية من مكامنها، كما اضطر إلى تقسيم الفرع الأول المتعلق بالتحكيم الداخلي إلى ثلاثة أجزاء: الجزء الفرعي الأول وخصصه للتعريف والقواعد العامة، والجزء الفرعي الثاني وخصصه للهيئة التكميلية وفي هذا الجزء وحتى لا يضطر المشرع إلى إدخال تفريعات عليه، فضل الاكتفاء بالعناوين الأول يتعلق بتشكيل الهيئة التحكيمية، والثاني بالإجراءات والطلبات العارضة، والجزء الفرعي الثالث خصصه للحكم التحكيمي الذي ليست له تفريعات، بينما الفرع الثاني فقد ينص للتحكيم الدولي وبدون تفريعات أيضا، مما أصبح معه الباب الثامن غير متجانس مع نفسه من جهة، ومع باقي أبواب قانون المسطرة المدنية من جهة أخرى……………قانون التحكيم……………..القانونية المتعلقة…………… دون الاتصال بسفارة المملكة المغربية بمدريد.
الطبيعي هو قانون المسطرة المدنية الذي هو قانون إجرائي بدون منازع، فحينما يحدد المشرع الجهة القضائية المختصة بإعطاء الصيفة التنفيذية لحكم المحكم لرئيس المحكمة التجارية، وحينما ينص القانون على طرق الطعن في أحكام المحكمين، وعلى الدفع بالتقيد بشرط التحكيم أمام المحكمة المعروضة عليها القضية، وعلى البيانات الواجب توفرها في عقد التحكيم، والكيفية التي يضمن فيها شرط التحكيم في الاتفاق الأصلي، وعلى مسطرة تحريج المحكمين..
كل ذلك وغيره كثير يشكل قواعد إجرائية التي يعتبر قانون المسطرة المدنية هو القانون الذي يمكن أن يحتضنها دون غيره.
الملاحظة الثانية: إن التعريفات الواردة في الجزء الفرعي الأول فيما يخص اتفاق التحكيم وشرط التحكيم والهيئة التحكيمية ونظام التحكيم وغيرها، لا تدخل في مهام المشرع على اعتبار أن هذه المهمة موكولة للفقه، كما تتعارض مع الطابع التقني للقاعدة القانونية التي تتميز بالتجريد والعموم بدون تخصيص ولا تحليل، كما أن هذه التعريفات قد تتعارض مع ما استقر عليه الفقه والقضاء ([19])، مما قد تصبح فيه القاعدة القانونية منتقدة بدلا من أن يوجه الانتقاد إلى النظرية الفقهية أو الاجتهاد القضائي، ففي هذه الحالة يمكن أن يتراجع الفقيه أو العمل القضائي عن اتجاه معين سار فيه كل منهما في وقت معين، في حين يكون من الصعب على المشرع التراجع على قاعدة قانونية ضمنها تعريفا تشريعيا محددا.
الملاحظة الثالثة: يلاحظ أن المشرع في القانون رقم 05-08 المتعلق بالتحكيم لم يعمل على نسخ المقتضيات المخالفة الواردة في الفصول القديمة من 306 إلى 327 من قانون المسطرة المدنية، في حين نجد أن مشروع مدونة التحكيم الذي تم إعداده من قبل قد نص في المادة 64 من المشروع المذكور على نسخ تلك المقتضيات، كما نص على مسألة أساسية تم إغفالها في القانون الجديد وهي “الإبقاء على المقتضيات السابقة سارية المفعول بالنسبة لصحة اتفاقات التحكيم المبرمة قبل دخول هذه المدونة حيز التطبيق بالنسبة لمساطر التحكيم الجارية أمام الهيئات التحكيمية أو أمام المحاكم إلى غاية الفصل النهائي فيها واستنفاد كل طرق الطعن…” بحيث أن مشروع المدونة السابق سعى نحو الحفاظ على الحقوق المكتسبة والمراكز القانونية القارة للأطراف التي كانت قائمة في ظل القانون القديم ([20])، بحيث أن عدم الإشارة إلى ذلك في القانون الجديد قد يخلق نوعا من الارتباك والاختلاف في الاجتهادات والتوجيهات مما قد تضيع معه أصحاب الحقوق التي أنشئت في ظل القانون القديم.
الملاحظة الرابعة: يلاحظ من استقراء القانون رقم 05-08 أن المقتضيات المتعلقة بالتحكيم أضحت مقتصرة على المعاملات التجارية دون المعاملات المدنية، بحيث أن الفقرة الأولى من الفصل 308 من القانون المذكور ولئن كانت توحي بأن اتفاق التحكيم يمكن للأطراف إبرامه في جميع الحقوق التي يملكون فيها حرية التصرف -مع التقيد طبعا بمقتضيات الفصل 62 من ق ع ل الذي يعتبر الالتزامات غير المشروعة كأن لم تكن -، فإن الفقرة الثانية من نفس الفصل، جاءت لتؤكد على أن اتفاق التحكيم يكون بوجه خاص “في النزاعات الداخلة في اختصاص المحاكم التجارية عملا بالمادة 5 من القانون رقم 95-53 القاضي بإحداث محاكم تجارية “. أي الأعمال التجارية، وفي اعتقادنا أن المشرع تعمد استثناء النزاعات المدنية الصرفة من إمكانية إبرام اتفاق التحكيم بشأنها لسبب واحد، وهو أن هذا النوع من النزاعات قد خصص لها المشرع وسيلة أخرى بديلة لفضها وهي الوساطة الاتفاقية، ومن أجل التأكد من هذا الطرح آثرنا البحث عن مقاصد المشرع، فرجعنا إلى مذكرة تقديم القانون رقم 05-08 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية فوجدنا إحدى فقراتها تنص على ما يلي: “ودائما وفي إطار إعطاء المصداقية للتحكيم كان من الضروري تحرير قابلية النزاعات للتحكيم من مفهوم النظام العام وبالتالي حصر نطاق التحكيم في النزاعات التجارية…” وجاء في فقرة أخرى من نفس المذكرة ما يلي “إن حصر اللجوء إلى التحكيم في النزاعات التجارية يجد تبريره في الرغبة في حماية الأطراف التي ليست لها دراية بجميع تقنيات التسوية البديلة للنزاعات، وبالنسبة إلى الأشخاص الذين لا يمارسون التجارة، ستكون ثمة دائما إمكانية اللجوء إلى الوساطة الاتفاقية في مرحلة أولى، مع احتمال تمكينهم من اللجوء إلى مسطرة التحكيم لاحقا متى أبان نجاح الإصلاح عن إمكانية تطبيقه على فرضيات أخرى…” ([21])،وزيادة في التأكيد على أن النزاعات التجارية هي المعنية بالتحكيم دون النزاعات المدنية، هو ما ورد في الفصل 312 من القانون المذكور حين نص على مدلول العبارات المختصرة ومن بينها عبارة “رئيس المحكمة ” التي بين المقصود بها وهي “رئيس المحكمة التجارية “، لذا فإن النزاعات باستثناء تلك المتعلقة بالعقود التي تبرمها الدولة والجماعات المحلية ([22]) فإنها نزاعات تجارية باعتبار أن رئيس المحكمة التجارية هو الذي يأمر بتخويل الصيغة التنفيذية لحكم المحكمين طبقا للفصل 31/327 بعد أخذ مدلول “رئيس المحكمة ” من مقتضيات الفصل 312 المذكور، في حين نلاحظ من استقراء مشروع مدونة التحكيم -الذي سبق لوزارة العدل أن أعدته -فإنه أعطى مدلولا لعبارة “رئيس المحكمة ” الواردة في هذا المشروع بأنه “رئيس المحكمة الابتدائية أو رئيس المحكمة التجارية حسب الطابع المدني أو التجاري للنزاع المعروض على التحكيم…” ([23]).
الملاحظة الخامسة: يلاحظ أن القانون رقم 05-08 المتعلق بالتحكيم أتى بشيء جديد وهو أنه يمكن أن تكون النزاعات المتعلقة بالعقود التي تبرمها الدولة والجماعات المحلية محل اتفاق تحكيم وذلك طبقا للفصل 310 من القانون المذكور، في حين كان الفصل 306 من قانون المسطرة المدنية قبل التعديل يمنع منعا صريحا الاتفاق على التحكيم في النزاعات المتعلقة بعقود وأموال خاضعة لنظام يحكمه القانون العام، وهذا التحول مرده إلى انفتاح الدولة على القطاع الخاص وإبرام شراكات معه في المشاريع الاقتصادية الهامة ([24])، أما بالنسبة للمؤسسات العمومية ذات الطابع التجاري والصناعي أو ما عبر عنها المشرع بالمقاولات العامة الخاضعة لقانون الشركات التجارية، فيمكنها إبرام اتفاقات تحكيم لفض النزاعات المتعلقة بالعقود التي تبرمها مع الخواص وذلك طبقا للفصل 311 من القانون 05-08، إلا أنه يمكن التساؤل عن العقود التي تبرمها الدولة أو الجماعات المحلية مع أشخاص القانون الخاص الذين يعهد إليهم بتسيير مرفق عام إما في إطار عقد الامتياز أو التدبير المفوض، فهل يمكن أن تكون النزاعات المتعلقة بشأنها محل اتفاق تحكيم أو شرط تحكيم؟ في اعتقادنا أن هذه العقود ما دامت إدارية فهي غير مستثناة من إمكانية فض النزاعات المتعلقة بها عن طريق التحكيم، هذا فضلا عن أن القانون رقم 05-54 المتعلق بالتدبير المفوض ([25])، يجيز بشكل صريح اللجوء إلى التحكيم بخصوص المنازعات المتعلقة بعقود التدبير المفوض ([26])، إلا أن المادة 2 من المرسوم رقم 2.06.388 الصادر بتاريخ 2007/02/05 بتحديد شروط وأشكال صفقات الدولة وكذا بعض القواعد المتعلقة بتدبيرها ومراقبتها، لئن كانت قد استثنت بصريح النص عقود التدبير المفوض للمرافق العامة والمنشآت العامة من مجال تطبيق هذا المرسوم ([27])، فإنه ليس معنى هذا أن تلك العقود غير إدارية، بل على العكس فإنها عقود إدارية بحكم القانون وبالتالي فإنه ينطق عليها مفهوم الفصل 310 من القانون رقم 05-08 من حيث قابلية النزاعات المتعلقة بها للتحكيم.
الملاحظة السادسة: يلاحظ أن القانون رقم 05-08 المتعلق بالتحكيم فد أقحم مضمون الاتفاقيات التي أبرمها المغرب في مجال التحكيم خصوصا منها اتفاقية الأمم المتحدة للاعتراف بقرارات التحكيم الأجنبية وتنفيذها الصادرة بتاريخ 1958/06/09 المصادق عليها بمقتضى ظهير 19/02/1960، وعلى سبيل المثال فقد ورد في الفصل 46/327 من القانون المذكور اعتراف المملكة بالأحكام التحكيمية الدولية ما لم تكن مخالفة للنظام العام ([28])، وهذا المقتضى جاء مطابقا لنص المادتين الثانية والخامسة من الاتفاقية المذكورة ([29])، فما الجدوى من إدخال هذا المقتضى وبصفة عامة كل المقتضيات المتعلقة بالتحكيم الدولي في هذا القانون(05-08( مع العلم أن النصوص القديمة لقانون المسطرة المدنية المتعلقة بالتحكيم لم تكن تتضمن ذاك؟ إن الجواب على ذلك مرده إلى مقاصد المشرع التي كانت واضحة من خلال مذكرة تقديم مشروع القانون المذكور وهو “وجوب إضـفاء المصداقية على مسطرة التحكيم في المجال الدولي بحكم عدم وجود تشريع داخلي ينظم هذا الميدان… وكذا انضمام المملكة في الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالتحكيم خصوصا منها الاتفاقيات الثنائية لحماية الاستثمار التي تتضمن بنودا باللجوء إلى المركز الدولي لتسوية الخلافات المتعلقة بالاستثمارات في حالة نزاع بين مستثمر أجنبي من رعايا الدولة الموقعة على الاتفاقية والدولة المغربية…” ومرد ذلك أيضا تضيف المذكرة “إلى وجوب ضمان قابلية تطبيق مختلف الاتفاقيات المذكورة في إطار المنظومة القانونية الداخلية ولا سيما فيما يخص شروط الاعتراف بالقرارات التحكيمية وتنفيذها…” ([30])
وللإشارة فإن القضاء المغربي كان يطبق قواعد التحكيم الدولي الواردة في الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالتحكيم التي صادق عليها المغرب كلما كان الأمر يتعلق بنزاع يتعلق بتجارة دولية أو تضمنت العملية المتنازع بشأنها حركة عبر الحدود للسلع أو الخدمات أو أداء عبر الحدود… على الرغم من أن المقتضيات القديمة المتعلقة بالتحكيم الواردة في قانون المسطرة المدنية لم تكن تنص على مضامين الاتفاقيات الدولية، فقد جاء في قرار للمجلس الأعلى “بأن القرار التحكيمي موضع النازلة مستدل به في المغرب، وأن الفصل 3 من اتفاقية الاعتراف بالمقررات التحكيمية الأجنبية وتنفيذها الصادرة عن الأمم المتحدة، يجعل تنفيذ المقرر التحكيمي الأجنبي عن طريق قواعد المسطرة المتبعة في التراب المستدل فيه بالمقرر دون أن تفرض شروطا مشددة غير المفروضة للاعتراف بالمقررات التحكيمية الوطنية أو بتنفيذها، مما يدل على أن الاختصاص مسند بمقتضى الاتفاقية التي تحيل على مقتضيات مسطرة التنفيذ في باب التحكيم القانون الوطني موضوع الفصل 320 من ق م م، فلا مبرر للاستدلال بمقتضيات الفصل 430 الذي يهم الأحكام القضائية…” ([31]).
الملاحظة السابعة: لقد جاء القانون رقم 05-08 ببعض الحلول لبعض الإشكالات القانونية التي لم يكن المشرع ينص عليها في ظل المقتضيات السابقة المتعلقة بالتحكيم، ومن ضمنها الدفع بشرط التحكيم في حالة عرض النزاع أمام المحكمة، ذلك أن الفصل 327 من القانون المذكور اعتبره دفعا شكليا الذي لا يمكن قبوله ما لم يقدم قبل الدخول في جوهر النزاع، واذا قبل فإن المحكمة تصرح بعدم قبول الدعوى ([32])، إلا أن هناك بعض الإشكاليات مع ذلك ما زالت قائمة، منها ما يتعلق بالأحكام الغيابية، فهل يجوز تقديم الدفع المذكور لأول مرة أمام محكمة الاستئناف ؟ لقد وجد قرار للمجلس الأعلى حلا لهذه الإشكالية (قبل صدور القانون 05-08) وليت المشرع أخذ به عند صياغته للفصل 327 المذكور بحيث ورد فيه ما يلي: “إن الدفع بعدم اللجوء إلى التحكيم هو من الدفوع الشكلية التي يجب أن تثار قبل كل دفع أو دفاع في الجوهر وإلا كانت غير مقبولة، ولا يمكن إثارتها لأول مرة أمام محكمة الاستئناف ما لم يتعلق الأمر بالنظام العام وما لم يكن الحكم صدر غيابيا في حق المتمسك به… ([33]).
الملاحظة الثامنة: يلاحظ من استقراء القانون رقم 05-08 أنه لم يعط الإمكانية للقاضي للقيام بمهمة محكم، بخلاف بعض التشريعات العربية المقارنة كالتشريع التونسي الذي نص صراحة في الفقرة الثانية من الفصل 10 من قانون التحكيم التونسي على جواز “أن يكون القاضي أو العون العمومي محكما بشرط عدم الإخلال بالوظائف الأصلية والحصول على ترخيص مسبق من السلطة قبل القيام بأية مهمة في التحكيم..”، فهل عدم تنصيص القانون المغربي على إمكانية إسناد مهمة التحكيم تؤخذ على المنع أو على الإباحة؟ في اعتقادنا أن قاعدة ما لا يمنعه القانون صراحة فهو جائز، لا يمكن تطبيقها على هذه الحالة، لأن كل ما يتعلق بالمهام التي يمكن للقضاة القيام بها، يجب أن ينص عليها القانون صراحة نطرا لارتباط مهنة القضاء بعدد من الأعراف والتقاليد، إلا أن ممارسة القضاة لمهام التحكيم، لا يتنافى مع مهمتهم كقضاة بل على العكس، فإن هؤلاء يمكنهم أن ينجحوا في مهمتهم كمحكمين نظرا لما يتميزون به من ملكة الإحاطة بالنزاع وتطبيق القاعدة القانونية على النازلة المعروضة عليهم بكل جدارة ومهنية، لذا نرجو أن يتدارك المشرع المغربي هذا النقص من خلال المشروع الحالي حول تعديل قانون المسطرة المدنية، لأن من شأن إتاحة هذه الإمكانية للقضاة، استفادة مؤسسة التحكيم من تجربة وخبرة هؤلاء في فض النزاعات التجارية على وجه الخصوص.
المطلب الثاني: التنظيم الخاص للتحكيم من خلال مدونة الشغل
من الملاحظ أن القانون رقم 99-65 المتعلق بمدونة الشغل الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1-03-194 بتاريخ 2003/09/11 كان سابقا على تاريخ صدور القانون رقم 05-08 المتعلق بالتحكيم الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 169-07-1 بتاريخ 2007/11/30 ، ومع ذلك فإن هذا الأخير لم يضمنه مقتضيات التحكيم الواردة في الباب الثالث من الكتاب السادس المتعلق بتسوية نزاعات الشغل الجماعية، مما يفيد بصفة ضمنية أن المشرع اعتبر هذه المقتضيات خاصة ولا علاقة لها بالمقتضيات العامة للتحكيم الواردة في القانون رقم 05-08 نظرا للاختلاف الكبير بين كل منها، ويتجلى الطابع الخاص للتحكيم الوارد في مدونة الشغل فيما يلي:
أولا: يحال النزاع الجماعي للشغل إلى الحكم ([34]) من قبل رئيس اللجنة الإقليمية أو اللجنة الوفية للبحث والمصالحة بعد موافقة أطراف النزاع، وذلك في حالة عدم حصول اتفاق أمام اللجنتين المذكورتين، وهذا المقتضى يختلف عن المقتضيات الواردة في التنظيم العام للتحكيم المنصوص عليها في القانون رقم 05-08 الذي لا يجيز إبرام اتفاق التحكيم بشأن تسوية النزاعات التي تهم حالة الأشخاص، وأهليتهم أو الحقوق الشخصية التي لا تكون موضوع تجارة طبقا للفصل 309 من القانون المذكور، أي أن التحكيم ينحصر طبقا للقواعد العامة الواردة في القانون أعلاه في النزاعات التجارية حسب المقتضى الوارد في الفصل أعلاه، وكذا في العقود الإدارية التي تبرمها الدولة والجماعات المحلية طبقا للفصل 310 من نفس القانون.
ثانيا: يتم اختيار الحكم في النزاعات الجماعية للشغل باتفاق الأطراف فيما بينهم ضمن لائحة الحكام التي تصدر بقرار لوزير الشغل طبقا للمادة 568 من مدونة الشغل، بمعنى أن الحكم هنا واحد لا يتعدد، كما أنه ليس للأطراف حرية اختياره خارج إطار اللائحة المذكورة، في حين تتشكل الهيئة التحكيمية في التنظيم العام للتحكيم من محكم واحد أو عدة محكمين تكون للأطراف حرية تحديد إجراءات تعيينهم وعددهم، وإذا تعددوا يجب أن يكون عددهم وترا، وإذا لم يتفق الأطراف على العدد كان عدد المحكمين ثلاثة ([35]).
ثالثا: يجب أن يصدر الحكم (طبقا للتنظيم الخاص للتحكيم في مدونة الشغل) قراره التحكيمي داخل أجل أربعة أيام من تاريخ مثول الأطراف أمامه ([36])، في حين لا يقيد القانون رقم 05-08 المحكمين في إصدار حكمهم التحكيمي داخل أجل معين، بل إن الأطراف هنا هم الذين يمكن أن يحددوا الأجل للمحكمين من أجل إصدار حكمهم.
رابعا: يتم الطعن في القرارات التحكيمية الصادرة في نزاعات الشغل الجماعية أمام الغرفة الاجتماعية بالمجلس الأعلى التي تتولى البت في هذا الطعن كغرفة تحكيمية الذي يجب أن يكون إما بسبب الشطط في استعمال السلطة أو بسبب خرق القانون، ويجب أن تصدر الغرفة التحكيمية قرارها في أجل أقصاه 30 يوما من تاريخ رفع الطعن أمامها ([37]) في حين أن أحكام المحكمين طبقا للقانون رقم 08-05 تكون قابلة للطعن بالبطلان طبقا للقواعد العادية أمام محكمة الاستئناف التي صدرت تلك الأحكام في دائرتها وذلك في الحالات المنصوص عليها في الفصل 36/327 من القانون المذكور والتي من ضمنها: أن يصدر الحكم التحكيمي خلافا لقاعدة من قواعد النظام العام، أو في حالة عدم تقيد الهيئة التحكيمية بالإجراءات المسطرية التي اتفق الأطراف على تطبيقها… كما أن القانون المذكور لم يقيد محكمة الاستئناف للنظر في الطعن بالبطلان في حكم المحكمين داخل أجل معين.
خامسا: أحالت المادة581 من مدونة الشغل في إعطاء القوة التنفيذية (الصيغة التنفيذية) للقرارات التحكيمية الصادرة في نزاعات الشغل الجماعية إلى القواعد المنصوص عليها في قانون المسطرة المدنية، إلا أنه نظرا لكون مدونة الشغل سابقة من حيث الصدور على القانون رقم 05-08 المعدل لمقتضيات التحكيم الواردة في قانون المسطرة المدنية، فإن هذه الإحالة لئن أمكن اعتبارها عادية ومقبولة قبل التعديل الذي طال هذا القانون الذي كان يمنح الاختصاص في إعطاء الصيغة التنفيذية لرئيس المحكمة الابتدائية أو للرئيس الأول لمحكمة الاستئناف حسب الأحوال طبقا للفصل 322 من قانون المسطرة المدنية القديم ،فإنها (أي الإحالة ) أصبحت بعد التعديل غير مستساغة نظرا لكون الاختصاص في إعطاء الصيغة التنفيذية -المتحدث عنها -أضحى لرئيس المحكمة التجارية طبقا للفصل 312 والفقرة الأولى من الفصل 31/327 من القانون الجديد للتحكيم رقم 05-08 وكذا للمحكمة الإدارية بالنسبة لأحكام المحكمين في النزاعات المتعلقة بالعقود الإدارية، أما بالنسبة للقرارات التحكيمية الصادرة في نزاعات الشغل الجماعية فإن القانون الجديد المذكور لم يلتفت إليها على الإطلاق، وربما تعمد المشرع ذلك بحكم أن المقتضيات الجديدة للتحكيم أضحت لا علاقة لها بالنزاعات المدنية ومن ضمنها تلك المتعلقة بنزاعات الشغل الجماعية، إلا أنه كان عليه بالموازاة مع ذلك إدخال تعديل على مقتضيات المادة 581 من مدونة الشغل بالتنصيص على منح الاختصاص لرئيس المحكمة الابتدائية في إعطاء الصيغة التنفيذية للقرارات التحكيمية الصادرة في نزاعات الشغل الجماعية، مع حذف الإحالة إلى قانون المسطرة المدنية بخصوص هذه النقطة، وهو التعديل الذي أضحى ضروريا الآن لملء هذا الفراغ التشريعي، وفي انتظار ذلك، نرى أنه من الأنسب أن ينظر رئيس المحكمة الابتدائية في طلب تذييل القرارات التحكيمي في مادة الشغل بالصيغة التنفيذية لأنه هو الجهة المختصة بحكم الواقع وليس بحكم القانون للنظر في هذا الطلب.
المطلب الثالث: تحديد طبيعة بعض الأنظمة الشبيهة بالتحكيم
هناك بعض الأنظمة تعتبر شبيهة بالتحكيم، ونظرا لما تقتضيه ضرورة البحث، فإنه يتعين تحديد الطبيعة القانونية لهذه الأنظمة من أجل تمييزها عن النظام العام للتحكيم، ونقتصر هنا على الأنظمة المتعلقة باللجان الضريبية، وبمؤسسة الحكمين في ظل مدونة الأسرة.
أولا: اللجان الضريبية: طبقا للمادة 39 من القانون رقم 86-24 المتعلق بالضريبة على الشركات المحال إليها بمقتضى القانون رقم 89-17 المتعلق بالضريبة العامة على الدخل، وأيضا بمقتضى القانون رقم 85-30 المتعلق بالضريبة على القيمة المضافة، فإن الملزم بإحدى هذه الضرائب طبقا للإجراءات المتعلقة بتصحيحها، يمكنه أن يطعن في الأسس التي اعتمدها المفتش لفرض الضريبة أمام اللجنة المحلية لتقدير الضريبة داخل أجل 30 يوما من تاريخ تسلم الملزم برسالة المفتش الثانية المتضمنة للأسس المذكورة، ويترأس هذه اللجنة قاض وتضم في عضويتها: ممثلا لعامل العمالة أو الإقليم، ورئيس المصلحة المحلية لربط الضرائب المباشرة أو ممثله بصفته كاتبا مقررا للجنة، وممثلا للخاضعين للضريبة تابعا للفرع المهني الأكثر تمثيلا للنشاط الذي يزاوله الملزم، وأن قرار هذه اللجنة يكون قابلا للطعن أمام اللجنة الوطنية للنظر في الطعون الضريبية داخل أجل 60 يوما من تاريخ تبليغ قرار اللجنة المحلية، وتضم اللجنة الوطنية في عضويتها: 5 قضاة يعينهم الوزير الأول باقتراح من وزير العدل، و25 موظفا يعينهم الوزير الأول باقتراح من وزير المالية يتوفرون على تأهيل في الضرائب أو المحاسبة أو الاقتصاد أو القانون.. ومائة شخص من عالم الأعمال يعينهم الوزير الأول لمدة 3 سنوات بناء على اقتراح مشترك لكل من الوزراء المكلفين بالتجارة، والصناعة، والصناعة التقليدية والصيد البحري والوزير المكلف بالمالية، يختارهم من بين أعضاء المنظمات المهنية الأكثر تمثيلا، ويرأس اللجنة الوطنية قاض يعينه الوزير الأول باقتراح من وزير العدل، وتنقسم هذه اللجنة إلى خمس لجان فرعية تتركب من قاض بصفته رئيسا، وموظفين يعينان بالقرعة من بين الموظفين الذين لم يقوموا ببحث الملف المعروض على اللجنة الفرعية، وممثلين للخاضعين للضريبة يختارهما رئيس اللجنة من بين الممثلين المشار إليهم أعلاه ([38]).
وتجدر الإشارة إلى أن الطعن أمام اللجان المحلية أو الوطنية، على الرغم من طابعه الاختياري، فهو يشكل ضمانة كبرى للملزم، ذلك أن مسطرته سهلة وميسرة، وقد يغني عن اللجوء إلى الطعن القضائي وما يتطلبه من مصاريف قضائية، وأتعاب المحامي، فضلا عن الوقت الكبير الذي يمكن أن يتطلبه البت في القضية أمام القضاء.
فإذا كانت اللجان الضريبية تتشابه مع مسطرة التحكيم في سهولة اللجوء إليها وفي مرونتها وفي سرعة فضها للنزاعات المعروضة عليها، فإنها تختلف عن التحكيم من جوانب مختلفة منها:
- إن اللجوء إلى اللجنة الضريبية يتم بإرادة منفردة للملزم، بحيث أن هذا الأخير وباختيار منه يعرض نزاعه أمامه دون أن يتوقف ذلك على موافقة الإدارة الضريبية، في حين أن اللجوء إلى مسطرة التحكيم يتم بإرادة الطرفين معا.
- إن اللجوء إلى اللجان الضريبية يخضع لآجال محددة بمقتضى القانون، في حين لا يخضع اللجوء إلى التحكيم إلى مثل هذه الآجال.
- يترأس اللجنة الضريبية قاض، في حين لا يوجد أي نص في التشريع المغربي يسمح بأن يكون القاضي ضمن الهيئة التحكيمية.
- تعتبر قرارات اللجنة الوطنية قرارات إدارية بحيث يمكن الطعن فيها عن طريق دعوى الإلغاء بمعزل عن الأمر بالتحصيل الذي يمكن أن يصدر على إثرها فيما بعد حسب ما ستقر عليه العمل القضائي ([39])، في حين لا تعتبر أحكام المحكمين قرارات إدارية والتي لا تقبل الطعن إلا ضمن حالات البطلان الواردة على سبيل الحصر.
- إن تأليف اللجنة الضريبية محدد بمقتضى القانون، في حين أن للأطراف حرية اختيار المحكمين في مسطرة التحكيم.
- لا تنظر اللجنة الضريبية إلا في المنازعات المتعلقة بالأسس المعتمدة في احتساب الضريبية، في حين لا يمكن أن تكون محل عقد تحكيم النزاعات المتعلقة بعقد جبائي.
ثانيا: مؤسسة الحكمين في ظل مدونة الأسرة:
بالرجع إلى مدونة الأسرة، نجد أن المحكمة تكون ملزمة في حالة ما إذا طلب الزوجان أو أحدهما حل نزاع بينهما يخاف منه الشقاق، أن تقوم بكل المحاولات لإصلاح ذات البين، ومن بين الإجراءات الضرورية والواجب على المحكمة القيام بها، هو انتداب حكمين مؤهلين لإصلاح الخلاف بين الزوجين ([40])، واللذان يقومان ببذل جهدهما لإنهاء النزاع، فإذا توصلا إلى الإصلاح بين الزوجين حررا محضرا بذلك تشهد المحكمة على مضمونه ليكون نافذا، أما إذا تعذر ذلك واستمر الشقاق، تحكم المحكمة بالتطليق ([41]).
ويلاحظ من خلال هذه المقتضيات القانونية الواردة في مدونة الأسرة، أن دور الحكمين يغلب عليه طابع الوساطة، أي أنهما يحاولان وبتكليف من المحكمة الوصول إلى حلول تنهي الخلاف بين الزوجين، وهذه المهمة تساعد المحكمة على الوصول بهما إلى الصلح والمحافظة بالتالي على كيان الأسرة ومنعها من التشتت والانهيار، وبالتالي فإن هذا الدور الذي يقوم به الحكمان في مدونة الأسرة يختلف عن دور المحكمين في مسطرة التحكيم من عدة وجوه منها:
- إن الحكمين في مدونة الأسرة لا يحسمان النزاع وإنما يحاولان إصلاح ذات البين بين الزوجين، وأن المحكمة هي التي تبت في النزاع في ضوء ما توصل إليه الحكمان من صلح أو عدمه، في حين أن المحكم في مسطرة التحكيم هو من يحسم النزاع؛
- إن المحكمة هي التي تنتدب الحكمين طبقا لمدونة الأسرة، بينما الطرفان في مسطرة التحكيم هما اللذان يختاران المحكم واحدا كان أو أكثر.
- لا يمكن اللجوء إلى الحكمين إلا بسبب النزاع المعروض على محكمة الأسرة، في حين أن اللجوء إلى مسطره التحكيم يغني عن اللجوء إلى القضاء، كما أن عرض النزاع على المحكمة لا يحول دون اللجوء إلى مسطرة التحكيم إذا كان النزاع لم يفصل فيه بعد.
من هنا يتبين أن مسطرة التحكيم الواردة على وجه الخصوص في القانون رقم 05-08 المتعلق بالتحكيم، هي التي تتضمن القواعد العامة للتحكيم، وهذه القواعد ذات خصوصية دقيقة ومحددة، على اعتبار أن أي تنظيم آخر يتضمن بعض المقتضيات المتعلقة بالتحكيم، فهو تنظيم خاص واستثنائي لا يمكن أن تسري عليه الأحكام العامة الواردة في التنظيم العام للتحكيم، ولهذا السبب نعتقد أن المشرع تحاشى جمع كل القوانين التي تنظم التحكيم في مدونة واحدة لعدم وجود قواسم مشتركة بينها، إلا أن ذلك لا يمنعه من العمل على ملائمة القوانين المذكورة مع بعضها حتى تكون منسجمة مع الحالات الخاصة التي تنظمها.
خاتمة:
الكل يتحدث الآن عن بدائل حل النزاعات ومن ضمنها التحكيم، فهل معنى هذا أنه يمكن أن يكون التحكيم بديلا للقضاء؟ الجواب في نظرنا بالنفي، على اعتبار أنه لا يمكن الاستغناء عن القضاء على الإطلاق والا سيتم الرجوع إلى العصور البدائية التي كانت تلجأ إلى التحكيم لعدم وجود دولة منظمة تأخذ على عاتقها اقتضاء الناس لحقوقهم عن طريق جهاز منظم وهو القضاء تضمن هيبته واستقلاله وقوة تنفيذ أحكامه، كما أن نظام التحكيم الحالي والذي يعتبر آلية للتحفيز على الاستثمار -كما قلنا -لا يمكن تصور نجاعته وفعاليته بدون قضاء، لأنه هو الذي يعطيه من سلطته القوة التنفيذية حتى يجعله ملزما وقابلا للتنفيذ، وكلمة “بديل” أو “بدائل” تنسحب في اعتقادنا إلى أطراف العلاقة أو إلى المتعاقدين، ولا يمكن القول بالاستعاضة عن القضاء بالتحكيم، إذن فالتحكيم هو قضاء مواز ([42])، وليس بديلا للقضاء العادي في حل النزاعات، وحتى إذا أدخلنا التحكيم ضمن بدائل حل النزاعات، فإن الأطراف أنفسهم هم الذين يسعون بإرادتهم إلى استبعاد قضاء الدولة في حل منازعاتهم، وإخضاعها لقضاة يختارونهم بأنفسهم، ويرضون طوعا بالانصياع للأحكام الصادرة عنهم.
[1] حسن محمد هند، التحكيم في المنازعات الإدارية -دار الكتب القانونية -مصر -المحلة الكبرى -السنة 2004 -الصفحة 3.
[2] نجيب أحمد ثابت الجبلي -التحكيم في القانون اليمني -رسالة حقوق الإسكندرية -سنة 1996 ص 8.
[3] *أحمد العلمي -مداخلة شارك بها في المؤتمر الدولي حول التحكيم التجاري المنظم من طرف غرفة التجارة والصناعة والخدمات لولاية الرباط وسلا بتعاون مع مديرية الاستثمارات الخارجية أيام 24 و25 ماي 2001 بفندق هيلتون بالرباط (مشار إلى ملخص من هذه المداخلة بمجلة الغرفة المذكورة “الرباط” العدد يوليوز -نونبر 2002.
[4] أنظر مذكرة تقديم مشروع القانون رقم 05-08 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية -منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية -سلسلة “نصوص ووثائق ” ص 30.
[5] علي سالم إبراهيم -ولاية القضاء على التحكيم -رسالة عين شمس ص 1 أشار إليه حسن محمد هند في كتابه (التحكيم في المنازعات الإدارية).
[6] علي سالم إبراهيم -ولاية القضاء على التحكيم -المرجع السابق ص 3 و4.
[7] بهاء هلال دسوقي -قانون التجار الدولي الجديد -رسالة ماجيستر -القاهرة سنة 1993 ص 19
[8] لقد ورد في مذكرة تقديم مشروع القانون رقم 05-08 المتعلق بالتحكيم المشار إليها في المرجع السابق كدليل على تشجيع الدولة للتحكيم ما يلي: “بالرغم من المجهودات التي يبذلها جهازنا القضائي من أجل تحسين سرعة معالجة الملفات، فإنه ما زالت ثمة حالات تأخير تصل إلى عدة سنوات تلحق الضرر بالأطراف وما يتبع ذلك من طرق الطعن… أما على مستوى التحكيم فإن القرار التحكيمي يكتسب قوة الشيء المقضي به وطرق الطعن التي يمكن اللجوء إليها جد محدودة.
[9] وفي هذا المعنى ورد في مذكرة التقديم المشار إليها في الهامش أعلاه على “أن الأطراف يمكنهم أن يلجئوا إلى تحكيم خاص أو تحكيم مؤسسي.. وتظهر مسطرة التحكيم كما لو أنها عملية مفاوضات متحكم فيها أكثر مما هي مسطرة قضائية حتى وان كان بإمكان الأشخاص اختيار القواعد التي تعمل بها المحاكم، وهذه المرونة تسمح بالتحكم في المسطرة التي توفر حجما أقصى من المبادرات الموضوعية سلفا بين الأطراف… “
[10] المادة 8/327 من القانون المغربي رقم 05-08 المتعلق بالتحكيم.
[11] المادة 36/327 من نفس القانون.
[12] وقد جاء القانون رقم 05-08 ليضمن هذه الخاصية في الفصل 326 حينما ألزم المحكمين بكتمان السر المهني طبقا لما هو منصوص عليه في القانون الجنائي، وهي إشارة تدل دلالة واضحة على أن الإخلال من جانب المحكم بهذا الالتزام القانوني يعرضه للعقوبة الواردة في القانون المذكور شأنه في ذلك شأن القاضي أو الموظف أو الطبيب.. الذي أفشى أسرار للغير موكول إليه قانونا ومهنيا بكتمانها،
[13] وقد تم تكريس هذه الخاصية بشكل واضح في القانون رقم 05-08 المتعلق بالتحكيم، إذ جاء في الفصل 314 منه ما يلي:
“عقد التحكيم هو الاتفاق الذي يلتزم فيه أطراف عقد نزاع نشأ بينهم هذا النزاع على هيئة تحكيمية كما جاء في الفصل 316 ما يلي: “شرط التحكيم هو الاتفاق الذي يلتزم فيه أطراف عقد بأن يعرضوا على التحكيم النزاعات التي قد تنشأن عن العقد المذكور.
[14] مداخلة عبد العزيز النويصر: قواعد التحكيم في اتفاقية الأكسيدو في الاتفاقيات الثنائية الدولية الخاصة بالاستثمار -ألقاها في المؤتمر الخامس للاتحاد العربي للتحكيم الدولي المنعقد بالرباط أيام 1 و2 و3 يوليوز 2004 حول موضوع: التحكيم والاستثمار.
[15] عبد العزيز النويصر -قواعد التحكيم في اتفاقية الأكسيدو في الاتفاقيات الثنائية الدولية الخاصة بالاستثمار. المرجع السابق.
[16] من خلال استقراء مذكرة تقديم مشرح القانون الجديد للتحكيم، تتوضح بجلاء نظرة المشرع المغربي للتحكيم كمحفز للاستثمار، إذ ورد فيها ما ملخصه “أن مشروع هذا القانون يهدف إلى إعطاء المصداقية لهذا النوع من التسوية البديلة للنزاعات وذلك بغية مواجهة التزايد الإجمالي للمبادلات وتنمية العلاقات، ولا سيما التجارية منها سواء على الصعيد الوطني أو على صعيد العلاقات مع الخارج، وخلق بيئة قانونية ملائمة للتنمية ألاقتصادية للبلد من خلال تفعيل الأثر الكامل للامتيازات الرئيسية التي يتضمنها التحكيم بدلا من اللجوء إلى الطرق القضائية للدولة..” (مذكرة تقديم مشروع القانون رقم 05-08 منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية -سلسلة نصوص ووثائق ص 30.
[17] أكدت هذه الرسالة الملكية على أهمية خلق مناخ جديد ومحفز في إطار التشاور، التعاقد بين كافة الفاعلين الاقتصاديين للنهوض بالاستثمار الوطني والأجنبي، كما اشتملت هذه الرسالة على مجموعة من التدابير المستجدة تروم تبسيط الإجراءات الإدارية أمام المستثمرين والدعوة للجوء إلى التحكيم التجاري لفض النزاعات كخيار استراتيجي للنهوض بالاقتصاد عموما.
[18] يلاحظ أن جل الدول العربية تدخل القواعد القانونية المتعلقة بالتحكيم في قانون المرافعات المدنية والتجارية كما هو الشأن بالنسبة لقانون التحكيم اللبناني (باستثناء القواعد المتعلقة بتنفيذ الأحكام والقرارات التحكيمية والسندات الأجنبية الصادر بشأنها قانون مستقل عن قانون المرافعات رقم 73/67 سنة (1969، وقانون التحكيم الكويتي رقم 38 لسنة 1980، وقانون التحكيم الليبي، وقانون التحكيم السوداني الذي ضمنه في قانون المرافعات المدنية، وقانون الإجراءات المدنية المتعلقة بالتحكيم بالإمارات العربية المتحدة، وفانون التحكيم السوري الوارد في قانون أصول المحاكمات المدنية الصادر بناء على المرسوم الاشتراكي بتاريخ 1952/08/09 وقانون التحكيم العراقي الوارد في قانون المرافعات المدنية والتنفيذ، وقانون التحكيم الجزائري الوارد في قانون المرافعات المدنية.
أما قانون التحكيم المصري فقد كان في السابق يدخل القواعد القانونية المتعلقة بالتحكيم في قانون المرافعات المدنية والتجارية رقم 13 لسنة 1968 إلى أن صدر قانون رقم 27 لسنة 1994 في شأن التحكيم في المواد المدنية والتجارية الذي أضحى قانونا مستقلا عن قانون المرافعات المذكور وقد نص في مادته الثالثة على إلغاء المواد من 501 إلى 513 من قانون المرافعات المدنية والتجارية المتعلقة سابقا بالتحكيم، كما صدر قانون رقم 9 لسنة 1997 بتعديل بعض أحكام قانون التحكيم في المواد المدنية والتجارية الصادر بالقانون رقم 27 لسنة 1994، حيث أضاف إلى المادة الأولى من قانون التحكيم المذكور فقرة ثانية خصها للاتفاق على التحكيم في منازعات العقود الإدارية.
كما أن قانون التحكيم اليمني الصادر سنة 1992 جاء مستقلا عن قانون المرافعات المدنية والتجارية، ونفس الشيء بالنسبة لقانون التحكيم التونسي عدد 42 الصادر بتاريخ 1993/05/04.
[19] جاء في قانون التحكيم اليمني تعريف بعض المصطلحات أيضا كالتحكيم، والتحكيم التجاري، والتحكيم الوطني، والتحكيم الدولي واتفاق التحكيم، والصلح… إلا أنه أورد في المادة 2العبارة التالية: “يكون للمصطلحات والعبارات أدناه ولأغراض هذا القانون المعاني الموضحة قرين كل منها ما لم يقتض سياق النص معنى آخر…”
[20] لقد عالج قانون لتحكيم المصري رقم 27 لسنة 1994 هذه النقطة في المادة الأولى منه التي نصت على ما يلي: “يعمل بأحكام القانون المرافق على كل تحكيم قائم وقت نفاذه أو يبدأ بعد نفاذه ولو استند إلى اتفاق تحكيم سبق إبرامه قبل نفاذ هذا القانون” كما نصت المادة الثالثة من نفس القانون على ما يلي: “تلغى المواد من 501 إلى 513 من القانون رقم 13 لسنة 1968 بإصدار قانون المرافعات المدنية والتجارية كما يلغى أي حكم مخالف لحكام هذا القانون “.
[21] مذكرة تقديم مشروع القانون رقم 05-08 المغير بموجبه الباب الثامن بالقسم الخامس من قانون المسطرة المدنية المتعلق بالتحكيم منشورة في منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية -المرجع السابق -ص 30.
[22] بالنسبة للنزاعات المتعلقة بالعقود الإدارية يرجع النظر في طلب تذييل الحكم التحكيمي إلى المحكمة الإدارية وليس إلى رئيس المحكمة الإدارية طبقا للفصل 310 من القانون رقم 08/05 المتعلق بالتحكيم، وبالتالي فإنه لا يوجد أي غموض أو التباس بخصوص صياغة الفصل 312 من نفس القانون الذي بين المقصود برئيس المحكمة، والذي هو دائما رئيس المحكمة التجارية.
[23] المادة 3 من مشروع مدونة التحكيم الذي تم تعويضه فيما بعد بمشروع القانون رقم 05-08 المتعلق بالتحكيم.
[24] فقد ورد في مذكرة تقديم مشروع القانون رقم 05-08 في النقطة المتعلقة بإمكانية إبرام اتفاق تحكيم فيما يخص العقود التي تبرمها الدولة والجماعات المحلية ما يلي: “استجابة لمتطلبات العولمة، وتنافسية الاقتصاد، واستقطاب الاستثمارات، صار من الضروري السماح لبعض الأشخاص المعنوية الخاضعة للقانون العام باللجوء إلى التحكيم توخيا لإرساء مفهوم شراكة وثيقة بين القطاعين العام والخاص، إلا أنه لا يمكن فرض مسطرة التحكيم على الأشخاص المعنوية الخاضعة للقانون العام، ومن جهة أخرى فإن الانفتاح على هذه الأشخاص يتم في إطار احترام المقتضيات المتعلقة بالمراقبة والوصاية المنصوص عليها في النصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل…”
[25] منشور بالجريدة الرسمية عدد 5404 بتاريخ 2006/03/16.
[26] ورد في القانون رقم 54-05 المتعلق بالتدبير المفوض للمرافق العامة ما يلي: “يمكن أن ينص عقد التدبير المفوض على اللجوء إلى مسطرة التحكيم إما وفق التشريع الجاري به العمل أو بموجب اتفاقية دولية ثنائية أو متعددة الأطراف مطبقة على العقد المعني، وذلك في حالة وقع نزاع بين الطرفين المتعاقدين.
[27] المرسوم المذكور منشور بالجريدة الرسمية عدد 5518 بتاريخ 2007/4/19 ص 1235.
[28] ينص الفصل 46/327 من القانون رقم 05-08 على ما يلي: “يعترف بالأحكام التحكيمية الدولية في المملكة إذا ثبت وجودها من يتمسك بها ولم يكن هذا الاعتراف مخالفا للنظام العام الوطني أو الدولي…”
[29] تنص المادة الثانية من اتفاقية الأمم المتحدة للاعتراف بقرارات التحكيم الأجنبية وتنفيذها (نيويورك (1958 على ما يلي: “تعترف كل دولة متعاقدة بأي اتفاق مكتوب يتعهد فيه الطرفان بأن يحيلوا إلى التحكيم جميع الخلافات أو أية خلافات نشأت أو قد تنشأ بينهما بالنسبة لعلاقة قانونية محددة، تعاقدية أو غير تعاقدية تتصل بموضوع يمكن تسويته عن طريق التحكيم…” كما ورد في الفقرة الثالثة من نفس المادة ما يلي: “على المحكمة في أية دولة متعاقدة، عندما يعرض عليها نزاع في مسألة أبرم الطرفان بشأنها اتفاقا بالمعنى المستخدم في هذه المادة، أن تحيل الطرفين إلى التحكيم بناء على طلب أي منهما، ما لم يتبين لها أن هذا الاتفاق لاغ وباطل أو غير منفذ أو غير قابل للتنفذ”. وتنص المادة الخامسة من نفس الاتفاقية على ما يلي: “لا يجوز رفض الاعتراف بالقرار وتنفيذه بناء على طلب الطرف المحتج ضده بهذا القرار إلا إذا قدم ذلك الطرف إلى السلطة المختصة التي يطلب إليها الاعتراف والتنفيذ ما يثبت: أ -أن طرفي الاتفاق المشار إليه في المادة الثانية كانا بمقتضى القانون المنطبق عليهما، في حالة من حالات انعدام الأهلية، أو كان الاتفاق المذكور غير صحيح بمقتضى القانون الذي أخضع له الطرفان الاتفاق أو إذا لم يكن هناك ما يشير إلى ذلك بمقتضى قانون البلد الذي صدر فيه القرار…” (أنظر نص الاتفاقي بتفصيل في سلسلة نصوص ووثائق العدد 147 من المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية ).
[30] أنظر ذلك بتفصيل في مذكرة تقديم مشروع القانون 05-08 المنشور بالمرجع السابق.
[31] قرار المجلس الأعلى صادر بتاريخ 2000/01/19 تحت عدد 60 في الملف التجاري رقم 98/709 -منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى العد المزدوج 57-58.
[32] تنص الفقرة الأولى من الفصل 327 على ما يلي: “عندما يعرض نزاع مطروح أمام هيئة تحكيمية عملا باتفاق تحكيم على نظر إحدى المحاكم، وجب على هذه الأخيرة إذا دفع المدعى عليه بذلك قبل الدخول في جوهر النزاع أن تصرع بعدم القبول إلى حين استنفاد مسطرة التحكيم أو إبطال اتفاق التحكيم…”
[33] قرار المجلس الأعلى عدد 1214 بتاريخ 22/10/2002 في الملف التجاري عدد 577/3/1/2001 -منشور بمجلة القضاء والقانون السنة 31 العدد 147 مطيعة الأمنية -ص 291 مع تعليق للأستاذ مزور.
[34] المادة 567 من مدونة الشغل.
[35] المادة 8/327 من القانون 05-08 المتعلق بالتحكيم.
[36] المادة 574 من مدونة الشغل.
[37] أنظر المواد من575 إلى 578 من مدونة الشغل
[38] أنظر بتفصيل تأليف اللجنة المحلية لتقدير الضريبة واللجنة الوطنية للنظر في الطعون المتعلقة بالضريبة في المادتين 40 و41 من القانون رقم 86-24 المتعلق بالضريبة على الشركات المنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ 21 يناير 1987.
[39] أنظر قرار المجلس الأعلى عدد 1194 بتاريخ 1999/10/07 في الملف الإداري رقم 98/5/764 -محمد القصري -المنازعات الجبائية المتعلقة بربط وتحصيل الضريبة أمام القضاء الإداري (الملحق).
[40] المادة 82 من مدونة الأسرة.
[41] المادتان 95 و97 من مدونة الأسرة.
[42] محمد لفروجي -مداخلة تحت عنوان: (دور التحكيم في تسوية المنازعات على المستوى الداخلي) ألقاها في المؤتمر الدولي للتحكيم التجاري المنظم من طرف غرفة التجارة والصناعة والخدمات لولاية الرباط وسلا بتعاون مع مديرية الاستثمارات الخارجية يومي 24 و25 مايو 2001 بالرباط -منشور بمجلة الرباط (الخاصة بالغرفة المذكورة) العدد يوليوز -نونبر 2002.


