آلان تورين ([((])
إعداد: جون – فرونسوا دورتيي
ما يثيرني أكثر في مسار بيير بورديو، هو تغيير وضعيته خلال مسيرته العلمية. فقد بدأ كعالم اجتماع شاب ومتألق، بأعماله حول الجزائر. ونال الاعتراف من حيث هو كذلك خصوصاً من قبل رايمون آرون.
بعد ذلك جاءت أعماله حول المدرسة، مع “الورثة” و”إعادة الإنتاج”. بعد 1968، سيصير رمزا لدى الطلبة والمدرسين. وشهرته ستمتد ما وراء العالم الجامعي ودوره كعالم اجتماع سيضاعف حينها بمكانة المثقف النقدي، الذي يستنكر ويكشف القوانين العنيدة للنظام القائم.
هذه المقاربة النقدية ما فتئت تتقوى في أعماله للسنوات التالية. غير أنه في الوقت نفسه، وأصل عملا للتفكير الأساسي حول الثقافة وحول طبيعة المعرفة السوسيولوجية. وأعتقد أن تأملاته حول طبيعة المعرفة السوسيولوجية، هي الجزء الأفضل في عمله.
بعد ذلك تخلخلت وضعية ب. بورديو. حدث ذلك في نصف يوم من خريف 1995، عندما ذهب لمساندة إضراب السككيين بمحطة ليون. فقد صار “عالم اجتماع الشعب”. في نفس اللحظة، كنت قد تعرضت لاعتداء عنيف من قبل بعض أصدقائه لأني كنت قد اتخذت موقفاً مختلفاً من ذلك النزاع.
عناصر قوة وضعف نظرية
في الآونة الأخيرة، صار ب. بورديو واحدا من مراجع الصراع المناهض للعولمة. فمواقفه في ذلك العهد يمكن وصفها بـ “الهيجلية”، أو هي قريبة، من الناحية السياسية، من شوفينمان. المجتمع المدني تم استيعابه من قبل السوق وسلطان المال، ويشتبه أن يكون دائماً خاضعاً للمصالح الفردية. والدولة ينظر إليها باعتبارها الضامن الوحيد للكوني والمصلحة العامة. يجب الدفاع إذا عن القطاع العمومي، الجمهورية والموظفين. فثمة شريحة ثقافية واجتماعية، مرتبطة بالدولة، تتبنى بقوة وجهة النظر هذه. وقد كان موقفه متناقضاً إلى حد بعيد مع الأطروحات السابقة حول المدرسة أو “نبالة الدولة”، التي كشفت أن الدولة لم تكن ممثلة للكوني في شيء.
إن الموقف النقدي المغالي لبيير بورديو إزاء المجتمع المنظور إليه كنظام للسيطرة هو صفة مميزة لمثقفي ما بعد الحرب. ففي السابق كان المثقفون الفرنسيون السابقون تقدميين وإصلاحيين. تلك كانت حالة إميل زولا وإميل دوركايم أثناء قضية دريفوس. المثقفون كانوا يواكبون ويفكرون التقدم الاجتماعي.
بعدها، وانطلاقاً من سنوات الخمسينات والستينات، شرعوا في نقد التقدم. كانت تلك حالة مدرسة فرانكفورت بألمانيا، وجون بول سارتر ثم ميشال فوكو في فرنسا.
ويندرج ب. بورديو في منظور نقد الحداثة انطلاقاً من الزاوية الوحيدة للسيطرة.
إن لهكذا وجهة النظر بالتأكيد دوراً هاماً وخصبا على الصعيد النظري. فهي تسمح بتعرية بعض الأسس الخفية للنظام الاجتماعي. لكنها في نفس الوقت تفكير يائس، وعاجز عن تفكير التغيير والتناقضات، وينتهي إلى آفاق مسدودة على الصعيدين العملي والنظري.
أضرب مثالاً: شاءت الصدفة أن يكون اليوم الذي توفي فيه ب. بورديو، هو نفسه اليوم الذي كنت بصدد إعادة قراءة كتابه “السيطرة الذكورية” من أجل تحضير أسبوع دراسي حول المسألة النسائية.
إن نظريته حول سيطرة ذكورية، مدمرة وشرسة، غير قادرة على تفكير حركة تحرير النساء. فالسيطرة بالنسبة إليه شاملة وبدون مخرج. إذ لا يوجد منفذ واحد ممكن. هذه هي النقطة التي افترق فيها مع ب. بورديو.
بالنسبة لي، هذا الخطاب لا سند له في الواقع. إن له صدى لدى شريحة ثقافية لا يمكن أن تختزل في مجتمعنا إلى نخبة صغيرة، وإنما تضم من الآن فصاعدا مئات الآلاف من الأشخاص. ذلك أنه بقدر ما نبتعد عن الواقع، بقدر ما يكون الخطاب النقدي فاعلاً. وأقل ما يكون الخطاب مستنداً إلى الواقعي، أكثر ما يكون خطاباً قوياً.
مكتسبات صلبة
على الصعيد السوسيولوجي، تبدو لي أطروحات ب. بورديو حول الرأسمال الثقافي مكتسبات صلبة. فما لا يقبل النقاش اليوم هو أن الرأسمال الثقافي يلعب أكثر من الرأسمال الاقتصادي في تحديد الموقع الاجتماعي. إنما بالنسبة لي، الأطروحة الأكثر قوة لبيير بورديو تدور حول واحدة من أكبر قضايا الفلسفة وعلم الاجتماع: كيف يمكن لفرد ما أن يحوز على الحرية وهو مأخوذ في الوقت نفسه بمختلف الإكراهات والحتميات؟
ليس ب. بورديو، كما نعتقد غالباً، حتمويا صارما ومتصلبا. فنظريته حول الهابتوس لا تسجن الفاعل في قفص من حديد. إذ أن استدخال الإكراهات، العادات، وبرامج السلوك تمنحه حرية داخل وسط معطي. إنه كذلك يستعيد ويطور على طريقته الخاصة هذه الفكرة الكلاسيكية، التي بموجبها تساعد المعرفة بالحتميات على نيل الحرية. وبهذا المعنى فإن بورديو هو وريث جيد لنوربيرت إلياس.
() العنوان الأصلي للمقال: Sociologue du people le نشر بمجلة :
Sciences Humaines No Spécial 2002; p.p/101-102.
[((]آلان تورين: مدير الدراسات بمدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية.


