نظرات تشريعية في بحث الطبيعة القانونية
ذ. محمد الشريف بنخي
باحث في القانون الجبائي والجمركي كلية الحقوق السويسي– سلا
رئيس مصلحة المالية المحلية والموظفين بعمالة اليوسفية
مقدمة:
تعتبر الجزاءات المالية في المادة الجمركية من أهم الجزاءات التي أقرها المشرع المغربي في تشريعه الجمركي، وتلك من حكم مشرع ابتغى وراء فرض العقوبات المالية في حق المخالف قمع الجرائم الجمركية بمختلف رتبها، وهي صفة عكست التشدد الحريص إن لم نقل المبالغ فيه في بعض الأحابين من قبل المشرع قصد فرض سياسة عقابية محددة الوسائل والأهداف، ترمي فيما ترمي فيه إلى تكريس طابع الإيلام في الذمة المالية لمن خالف التشريع الجمركي الجاري به العمل، على اعتبار ان الدافع الاساسي وراء القيام بهكذا خروقات في المجال يكون الطمع والربح غير المشروع، أضف إلى ذلك أن جل هذه الجنح والمخالفات تلحق بالخزينة العامة للدولة أضرار مالية وجب تغطيتها عن طريق فرض جزاءات مالية بالخصوص.
انطلاقا من ذلك فإن الهدف الرئيسي من توقيع هذه الجزاءات كما تم الإشارة هو الحفاظ على حقوق الخزينة العامة من باب أولى مع نسيان أو تناسي إن صح التعبير صفة وشخصية الجاني، ما يتنافى وأهداف السياسة العقابية المحددة من طرف القانون الجنائي([278]).
فلئن كانت كل من الغرامة والمصادرة تخضع لمبدأ الشرعية من حيث أن لها تواجد قانوني محض سواء لدى القانون الجنائي أو الجنائي الجمركي موضع الدرس، فإنها لا تستجيب بالمقابل للمبادئ التي قام عليها الجزاء الجنائي من قبل ومن بعد، الامر يتعلق بصفة خاصة بمبدأ شخصية الجزاء.
ولدى البحث في ثنيات التشريع الجمركي المغربي نجده ينص على مجموعة من الجزاءات الواجبة التطبيق في حق كل من خالف التشريع المعني، وهي جزاءات مختلفة بحسب درجة الفعل المرتكب وقد استقر بعض الفقه على تقسيمها قسمين جزاءات جبائية وأخرى جنائية، تضم الأولى الغرامات والمصادرات أما الثانية فتشمل الجزاءات الحبسية والعقوبات السالبة للحرية.
ولئن كانت الجزاءات الجنائية في هدفها الأسمى ترمي إلى فكرة أساسية تتمثل في النظر إليها كرد فعل اجتماعي ضد مرتكب الجريمة فإن الهدف الأساسي من تعويض ضحايا الفعل الإجرامي لا يعدو أن يكون مجرد تحقيق مصلحة شخصية بهؤلاء تتمثل في جبر الضرر الذي لحقها من جراء هذه الجرائم، لكن الأمر يختلف تمام الاختلاف لدى النظر إلى الجزاءات المالية في المادة الجمركية لأن الفرق الظاهر بين كل من التعويض والفعل الإجرامي والتعويض المدني لا يظهر بهذا الوضوح لدى الحديث عن التعويض المالي الجمركي، فمظاهر الخصوصية التي ما انفك التشريع الجمركي يتميز بها سواء من حيث الإثبات، من حيث المتابعة….الخ، تظل موصولة بالخصوصية التشريعية للجزاءات المالية في المادة الجمركية، وتلك من عجائب تشريع تطورت خصائصه بتعاقب الرؤى الفقهية والاجتهادات القضائية.
وفي قربه من خصوصيات التعويض المدني اعتبر الجزاء الجبائي الجمركي جزءا من سابقه في تأشير دال على طابعه المدني، لكن سيرورته واستمراريته في هكذا معنى تجعل التساؤل حتمي الطرح رهين الإجابة: هل يمكن اعتبار الجزاءات المالية في المادة الجمركية تعويضات مدنية؟ عديدة هي البلدان التي أبقت مسألة الحسم في ذات الطبيعة مجالا يثري نقاشا بين الفقه والقضاء، وعلى خلافه سار المشرع المغربي الذي لم يرى بدا من تبيانها إذ ينص الفصل 214 من المدونة الجمركية: “تغلب على الغرامات الجبائية المنصوص عليها في هذه المدونة صبغة تعويضات مدنية” لكن إذا كانت مسألة الحسم هذه قد أغنت في الظاهر عن كل نقاش فإن ذلك لم يمنع خبراء المجال في خوضه تحليلا، تقديرا للحل التشريعي فيه.
على هذا الاساس فإن التخبط الذي عاشه الفقه والقضاء المغربي والمقارن على السواء في مسالة الحسم هذه تجعلنا في استحضار دائم لآرائهم وحجهم الموصولة في هذا المجال، بعضهم نادى بالطبيعة الوحدوية للجزاءات الجمركية مستندا على حجج وبراهين تجعلنا في منأى عن الخوض فيها تفسيرات (المطلب الأول)، لكن شغف البحث رغم ضناه قد أرغم آخرين على البحث في ذات الطبيعة، لتذهب خلاصاتهم ونتائجهم نقيضا لسابقتها، وأن التمحيص فيها بعض الوقت أوجله يجعل التيه والحيرة مآل الدارس إذ أكد هؤلاء الطبيعة المزدوجة للجزاءات الجمركية (المطلب الثاني) فيصدق معهم القول ” كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ “([279]).
المطلب الأول
الطبيعة الوحدوية للجزاءات الجمركية
لا غرو في أن الذات الباحثة في موضوع الطبيعة القانونية للجزاءات الجمركية تستوقفها بصدد مقارباتها للموضوع جملة رؤى فقهية عكست نظرياتها وخلاصاتها في المسألة- أمر أكيد- وبالتالي فإن توحد التيارات الفقهية في نعت الجزاء الجبائي الجمركي كان أمرا بديهيا أول الأمر، بالنظر لضيق وانحصار الموضوع فيما مضى في زوايا ضيقة عانى منها القانون الجمركي في عمومه. لكن وحدة الصف هذه والممثلة في اعتبار الجزاء الجبائي الجمركي ذي طبيعة واحدة لم تعكس وحدة الرأي لدى جلهم. فعديد هم الفقهاء الذين نادوا بالطبيعة الوحدوية للجزاءات الجمركية لكن وحدتهم هذه تظل غير ذات معنى بالنظر لحقيقة هذه الطبيعة، فمن مناد بالطابع الجنائي للجزاءات الجمركية (الفقرة الأولى) ومن مدافع عن طابعها المدني (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: الجزاء الجمركي عبارة عن عقوبة جنائية
من الفقه من يؤيد فكره كون الجزاءات الجمركية عبارة عن عقوبة جنائية([280])، وتقوم فكرتهم هذه على أساس عدة حجج قوية مدعمة، من بينها الطابع العام المميز لهذا النوع من الجزاءات إذ تعد جزاءات مفروضة من قبل الدولة لمعاقبة مرتكبي المخالفة، كما أن تطبيق هذه العقوبات لا يتم إلا عن طريق الجهاز القضائي المختص وهي المحاكم الجزائية، ليبدو الأمر كأننا أمام جزاءات جنائية تخضع لمبدأ الشرعية الجنائية، ومن جهة أخرى فالجزاءات الجمركية تخضع لمبدأ شخصية العقوبات([281])، ما يزيد من جعلها في نظر بعض الفقه عقوبة جنائية خالصة.
لدى مقاربة التشريع الجمركي الفرنسي نجده لا يضم بين طياته أي نص قانوني صريح يحدد بوضوح طبيعة الغرامة الجمركية، وعدم التحديد هذا جعل من تضارب الآراء منبعا للنقاش الفقهي المستفيض حول المسألة، لكنه ومند التعديل التشريعي الذي عرفته المدونة الجمركية بتاريخ 29 دجنبر 1977 من خلاله تم تكريس الطابع الزجري للغرامات الجمركية إلى حد أن بعض الفقه ذهب إلى القول بأن مجمل هذه التعديلات قد شكلت قطيعة مع الماضي، إذ من خلالها أبانت عن مدى رغبة المشرع الفرنسي في حماية الحقوق الفردية و إعادة الاعتبار للجهاز القضائي بإعطائه سلطات واسعة في مجال النزاع الزجري الجمركي وهذا يعكس رغبة المشرع في تكريس الطابع الجنائي للغرامة الجمركية([282]).
بعض الفقه المصري أكد الطابع الزجري للغرامة الجمركية مع ما يترتب على هذا الوصف من آثار سواء من الناحية الموضوعية أم من الناحية الإجرائية، وقد برروا موقفهم بكون الغرامة تفرض كجزاء لمخالفة مقتضيات التشريع الجمركي حتى ولو لم تتسبب الجريمة في أي ضرر بخزينة الدولة، وقد أيدت محكمة النقض المصرية بادئ الأمر هذا التوجه في مجموعة من أحكامها([283]).
لدى مقاربة التشريع الجمركي المغربي نجد عدة مقتضيات زجرية تجد تطبيقاتها في مجال الغرامة الجمركية([284]) ويتجلى أهمها في:
- ينص الفصل 214 من مدونة الجمارك على أنه يتعين على المحاكم الزجرية الحكم بالغرامة الجمركية حتى ولو لم ينتج عن الجريمة أي ضرر بخزينة الدولة أو بالاقتصاد الوطني، ومثال هذه الحالة التصريح الكاذب المتعلق بالبضاعة غير خاضعة للرسم، ذلك أنه إذا كان المشرع يهدف فقط إلى تعويض خزينة الدولة لكان قد نص على أن يتم الحكم على المخالف بأن يؤدي الرسوم والمكوس الجمركية فقط، لكن المبلغ المرتفع للغرامة الجمركية يتضمن معنى الردع العام والخاص؛
- تختص المحاكم الزجرية وحدها بالنطق بالغرامات الجمركية الواردة في مدونة الجمارك؛
- يخضع إثبات الغرامات في المادة الجبائية للمقتضيات الواردة في التشريع الجنائي ذلك أنه يتعين إثباتها عن طريق وسائل الإثبات الجنائي دون غيرها؛
- إمكانية اللجوء إلى مسطرة الإكراه البدني لتحصيل الغرامات الجمركية؛
من الفقه الفرنسي من أيد فكرة الطابع الجنائي للمصادرة الجمركية باعتبارها عقوبة وليست تعويضا مدنيا، ليضعها والغرامة الجمركية في صف واحد([285]). وقد أيد بعض الفقه المصري هذا الاتجاه ذلك أن مصادرة المضبوطات او الحكم بمقابلها وإن كان يضاف إلى خزينة الجهة المختصة لا يمثل تعويضا لهذه الجهة، وإنما هو عقوبة تسري عليها كامل الأحكام الخاصة بالعقوبات الجنائية، إذ المشرع قد نص في المادة 43 على حق الجهة المطالبة بالتعويض وتقره المحكمة حسب جسامة الجريمة والضرر الواقع على الخزينة العامة وفي حدود الحد الأقصى، ومن ثم فلا مبرر للقول بأن المصادرة تعويض ثان لذات الضرر لمجرد أن ثمنها أو مقابلها سيضاف لخزانة المصلحة، إذ يمكن القول بأنه سواء أضيف لخزانة المحكمة أو لخزانة المصلحة فإنه يكون قد أضيف إلى حزينة الدولة([286]).
الفقرة الثانية: الجزاء الجمركي عبارة عن تعويض مدني
على أنقاض المذهب السالف القائل بالصبغة الجزائية للجزاءات الجمركية، ظهر على أسس قوية مذهب مناقض يسير في اتجاه منح الجزاء الجمركي صبغة التعويض المدني، ومن بين ما يستند عليه أصحاب هذا الرأي في ذلك قولهم إن العبرة الأساسية في تحديد طبيعة الجزاء تكون في تسمية المشرع له([287]) فالمشرع المغربي حسب هذا المعنى قد حسم الأمر بنص الفصل 214 من المدونة الجمركية إذ يقول: “تغلب على الغرامات الجبائية المنصوص عليها في هذه المدونة صبغة تعويضات مدنية” ولكن هذا القول قد يصير غير ذي معنى خصوصا إذا علمنا بأن الوصف القانوني الذي يستعمله المشرع ليس حاسما في مجال التكييف القانوني، وأن المعول عليه هو جوهر النظام القانوني، ما يجعلنا نصل إلى مفترق طرق من المستحيل معه اعتبار الجزاءات الجمركية تعويضات مدنية.
وعن مظاهر الاختلاف بين التعويض المدني والتعويض المترتب عن الجزاء الجمركي، فيعلق عليه أصحاب هذا التيار بأن الأمر متعلق في المجال الجمركي بتعويض إجباري محدد قانونا، وأن ما يتجاوز مقدار الضريبة فهو تعويض مهم لصالح الدولة عما فاتها من كسب نتيجة التباطؤ والتماطل في دفع المستحقات([288]). لكن من أبرز الانتقادات الموجهة للرأي القائل بالطابع التعويضي للجزاء الجمركي، هو افتراض وقوع الضرر المالي وهو ما لا يتحقق في كافة الجرائم الجمركية، مما ينتج عنه صعوبة اعتبار الجزاء الجمركي تعويضا مدنيا خالصا([289]).
من الفقه- المصري على وجه التحديد- من يرى بأن الغرامة الجمركية ليست سوى تعويض مدني ليس إلا([290])، استنادا إلى أن المشرع المصري كان واضحا تمام الوضوح لما أطلق صفة (تعويض) على هذا النوع من الغرامة، مؤكدا بالتالي طابعها المدني كما أكد البعض الآخر أن هذا النوع من الجزاءات هو تعويض مدني فرضه القانون لحساب مصلحة الضرائب بالتبعية لجزاء جنائي وهو الغرامة الجنائية جبرا لما لحق بهذه المصلحة من ضرر يسبب ارتكاب الجريمة الجمركية، وانطلاقا منه تسري عليه أحكام التعويض المدني وليس أحكام العقاب الجنائي([291]).
إن القول بالطابع المدني الخالص للغرامة الجمركية لم يمنع باحثي المجال من توجيه جملة انتقادات، كما أهمها أن الغرامة الجمركية تصدر عن المحكمة الزجرية وحدها ولا تخضع لاختصاص القاضي المدني، كما أنها لا ترتبط بمقدار الضرر الذي لحق بالخزينة، وللمحكمة أن تقضي بها من تلقاء نفسها دون طلب من المتضرر، أضف إلى ذلك مجموعة من الخصائص الزجرية التي تتسم بها والتي لا يمكن نكرانها([292]).
ومن الفقه من يغلب طابع التعويض المدني على المصادرة الجمركية، بحيث تشكل تعويضا للخزينة العامة عما لحقها من أضرار حيث ذهب بعض الفقه الفرنسي إلى ان المشرع الجمركي لم يكن يهدف من المصادرة العينية للبضائع محل الجريمة خلق جزاء، وإنما إلى تمكين إدارة الجمارك من وسيلة لجبر الضرر الذي لحق بها جراء الجريمة([293])، وقد سبق لمحكمة النقض المصرية أن ذهبت إلى أن المصادرة الجمركية المحكوم بها في مواد التهريب الجمركي لا يعد بمثابة عقوبة جنائية، ولكنها من قبيل التعويضات المدنية للخزانة العامة([294]).
لكن هل يكفي ما قيل عن الجزاء الجبائي الجمركي من اعتباره ذي طابع مدني خالص لدى البعض، وآخرون حملوه صبغة الجزاء الجنائي، جعلته ضحية صراع حميم، الأمر لم يتوقف عند هذا الحد بحسب الآتي، فلاعتبارات أخرى ولخصوصيات هذا الجزاء جعلت غالبية الفقه في عصرنا الراهن ينعتوه بصفات مختلطة جمعت بين المدني والجنائي، في تأشير دال على خصوصية الموضوع.
المطلب الثاني
الطبيعة المختلطة للجزاءات الجمركية
يعتبر غالبية الفقه في المادة الجمركية بأن الجزاء الجمركي ليس جزاء جنائيا ظاهرا ولا مدنيا صرفا، وإنما يوفق بين الاثنين معا([295])، وعليه فإن هذا الجزاء يمكن اعتباره عقوبة يتم توقيعها في حق المخالف المرتكب للجريمة، وأيضا كتعويض لخزينة الدولة عما فاتها من كسب.
المشرع الفرنسي وإن لم ينص على طبيعة هذه الجزاءات، إلا أن القضاء الفرنسي كان سباقا لتحديدها في عدة مناسبات، فاعتبرها- أي الجزاءات المالية في المادة الجمركية- ذات طابع مختلط وإن كان يغلب عليها الطابع المدني([296])، فهذه الجزاءات وإن تم الفصل بخصوصها من قبل الجهات القضائية الجزائية، فهي تظل ناشئة عن ضرر لاحق بالخزينة العامة. وتؤكد المادة 329 من القانون الجمركي الفرنسي المبدأ السالف، إذ نصت على عدم جواز التخفيض في الحقوق والمصادرات والغرامات أو الأمر باستعمالها على حساب الإدارة، ولم يكتف المشرع فقط بمنع القضاة من تخفيض الحقوق والجزاءات، بل ذهب إلى حد ترتيب جزاء على مخالفة قاعدة المنع هذه والتي تتمثل في مساءلة القضاة بصفة شخصية.
المشرع الفرنسي وانطلاقا من التعديل الذي هم القانون الجمركي سنة 1977 بموجب المادة 7 منه، نص على أنه وبغض النظر عن الغرامات الجنائية، يأمر القاضي بدفع القيمة المغشوشة أو المتصل عليها من الجريمة الجمركية، وتشير الصياغة الجديدة للمادة 319 في فقرتها الرابعة من القانون الجمركي الفرنسي بأنه “لا يمكن للمحاكم إعفاء المخالف من دفع المبالغ المغشوشة أو المتملص منها”، وعليه تكون الجهات القضائية ملزمة بالنطق إلى جانب الجزاءات المالية بدفع قيمة هذه المبالغ.
إن التعديل الجديد الذي هم القانون الجمركي الفرنسي بموجب قانون 1977 قد ساهم بشكل أكبر في تغليب الطابع اجزائي للعقوبات المالية في المادة الجمركية، دون التجرؤ على محو طابعها المزدوج، وهو ما أكدته محكمة النقض الفرنسية إذ اعتبرت في قرارها الصادر في 31 يناير 1983 على أنه “إذا كانت الجزاءات المالية المنصوص عليها في قانون الجمارك ذات طابع مزدوج([297]) جزائي ومدني، إلا أنه يستنتج من خلال المواد 7 وما يليها من قانون 29 دجنبر 1977 أن المشرع قصد تغليب الطابع الجزائي على الطابع التعويضي”.
وعليه يمكن أن نستنتج بأن الطبيعة القانونية للجزاءات الجمركية قد عرفت تغيرات في ظل التطور التشريعي الذي شهدته فرنسا وإن ظلت مع ذلك تحتفظ بطابعها المزدوج، فقبل ان كانت هذه الجزاءات تنعت بالمدنية بالنظر لطابعها التعويضي، أصبحت بموجب التعديل الذي شهده القانون الجمركي الفرنسي سنة 1977 تتميز بطابعها الجزائي، إذ ابقى المشرع الفرنسي على الطابع الجزائي على ما يبدو تكريسا لسياسة العقاب في المادة الجمركية، خصوصا وأن الأمر يتعلق بأموال عمومية كان من اللازم أن تودع في خزينة الدولة، وعليه لا ضرر في اعتبارها جزائية من جانب إن نحن حملنها على هذا المعنى.
وعلى الرغم من الانتشار الواسع الذي عرفته هذه النظرية، إلا أنها تعرضت للانتقاد غير ما مرة على أساس أنها تجمع بين العقوبة والتعويض في نفس الوقت، وهو جمع بين نقيضين، بين بحرين بينهما برزخ لا يبغيان، فكلى الجزائين يختلفان كلية من حيث الأساس والوظيفة المسندة لكل واحد منهما، فوظيفة التعويض تبقى على كل حال هي جبر الضرر، أما وظيفة العقوبة فردعية من باب أولى، وعليه فإن إسقاط صفة العقوبة على أي نوع من أنواع الجزاءات يستبعد تماما صفة التعويض وهكذا([298]).
ومن بين الانتقادات التي عرفتها نظرية الطبيعة المختلطة أنها تنشئ جزءا مختلطا لا يعرفه القانون، فلا قانون مختلط وكل بخصوصياته المختلفة عن الجزء الاخر، في الوقت الذي يعرف فيه الجزاء تعددا في أنواعه، ومن ثم فلا حاجة لتبني مثل هذا الموقف مادام بإمكاننا اختيار نوع من أنواع الجزاءات وتبني الأنسب بينها([299]).
وعلى الرغم مما وجه من انتقادات لهذا التيار، فإنه ومع ذلك وجب التأكيد على أن الجزاء الجمركي ذو طبيعة مختلطة، وقد استمرت محكمة النقض الفرنسية في أحكامها الحديثة على تأكيد هذا الطابع([300])، على الرغم من مناداتها بالطابع العقابي لها من قبل. والتأكيد هذا لا يعني أن الانتقادات المسطرة سابقا بدون أساس ولا صحة، الأمر غير ذلك، ثم نخلص إلا أن صفة العقوبة لا تنفي او تستبعد صفة التعويض بل تغطيها فقط، وهذا أمر يفرض نفسه بنفسه فلا يمكن نفي صفة التعويض أو العقوبة من الجزاء الجمركي، فذاتيته وخصوصياته لا تسمحان بذلك، فلئن اجتمع كل من القانون الجنائي والمدني في سبيل تحديد الطبيعة القانونية للجزاء الجمركي فلطالما اجتمع تخصصين قانونيين منفردين العام و الخاص في سبيل تحديد الطبيعة القانونية للمصالحة الجمركية كما سبق وأن رأينا([301]).
خاتمة:
إذا كانت مسألة الطابع الجزائي أو المدني للجزاء الجمركي قد أثارت نقاشا واسعا لدى الفقه، كل منهم برر وجهة نظره خلافا للتيارات الاخرى، بناء على حجج وبراهين يقينية بحسب كل طرف، فإنها اليوم بالحدة أكثر من أي وقت مضى، وسبب ذلك يرجع ولاشك للتداخل البين بين فروع القانون على خلافها، فتارة تنعت الجزاءات الجمركية بالطابع المدني المحض، باعتبارها تعويضات مدنية عن ما فات الدولة من كسب، وهي غرامات موقعة في حق المخالف للتشريع الجمركي الجاري به العمل، وآخرون سبحوا عكس التيار إذ نادوا أهل التخصص أن اغدوا وانظروها خصوصيات جنائية امتازت بها العقوبات الجمركية، فلئن اتصفت بكونها تعويضات فهي عقوبة ردعية موقعة في حق المخالف، قد تكون في بعض الأحيان مجحفة قصد إبعاده ما أمكن من ارتكاب نفس الفعل كما يرون.
والحيرة قد تطول وتزيد من طول مقامنا هذا في بيت الجزاء الجبائي الجمركي، إذ استوقفنا بعض الفقه الذين نادوا بصبغته المزدوجة، جعلتهم يعتبرونه لا هذا ولا ذاك، بل هو جزاء جبائي جمركي ذي طبيعة مختلطة، تمزج بين الخصوصيات المدنية والجنائية. فإن كان تعويضا مدنيا فهو بالمقابل جزاء جنائي ردعي يساهم في الحد من استفحال الجرائم الجمركية. لكن لئن سلمنا بادئ الأمر بالطابع المختلط لهذا الجزاء، فإن نقاشا آخر يطرح الساعة يثيره سؤال رزين هو: ما النظام القانوني الواجب التطبيق على الجزاء الجمركي في حال وجود تضارب بين طابعيه الجزائي والتعويضي؟.
المسألة ليست بالأمر الهين، لكن القول الواجب الطرح في هذا السياق هو أنه من غير الممكن اعتبار الجزاءات الجبائية ذات طبيعة مدنية، كما لا يمكن عدها في صف نظيرتها الجزائية، وأن لإعتبارها ذات طبيعة مختلطة لا يغني من الأمر شيئا، بل الأكيد أن الجزاء الجبائي الجمركي وإن عد ذي طبيعة مختلطة فهذا لا ينفي من القول بأن هذا النوع من الجزاءات يظل ذي طابع خاص، صحيح أنه ولد من رحم التعويض المدني، وترعرع في أحضان الجنائي، لكن انتفاضته كانت الفصل في صنع ذاتيته، وأن اعتباره في صف إحداها ينعدم ولا شك، ف ” كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ”.
[278] إن مبدأ شخصية الجزاء الذي يقتضي أن لا يوقع هذا الاخير إلا على مرتكب الجريمة لا يجد التطبيق السليم في الغرامة الجمركية لكون الأخيرة تتعدى شخص المجرم الفعلي لتطال أشخاصا آخرين تفترض قيام مسؤوليتهم الجنائية والمدنية دون اشتراط لمساهمتهم الشخصية في الفعل المرتكب. كما أن المصادرة ونظرا لطابعها العيني فهي تتعلق بالبضاعة دون الاخد بعين الإعتبار شخص المالك، حيث يتم توقيع المصادرة احيانا حتى وإن لم يتم متابعة المالك أو كان هذا الأخير مجهولا، كما يتحملها الورثة في حال انقضاء الدعوى الجنائية بوفاة المتهم وهو ما نص عليه الفصل 265 من القانون الجمركي المغربي إذ يقول “إذا توفي مرتكب فعل مخالف للقوانين والأنظمة الجمركية قبل تسديد الغرامات ومبالغ المصادرات والعقوبات المالية الأخرى المحكوم بها عليه أو المصالحات المقبولة من طرفه أمكنت متابعة التحصيل في مواجهة التركة”. وتتنافى الجزاءات المالية الجمركية مع مبدأ المساواة، فلئن كانت طبيعتها الجامدة تجعلها خاضعة لمبدأ الشرعية بصفة مطلقة تستجيب لشروط المساواة القانونية فإنها تتعارض مع مبدأ المساواة في الواقع كونها لا تأخذ موارد الجاني بعين الاعتبار.
ويعد مبدأ التضامن في الجزاءات الجمركية أحد مظاهر الإخلال بالمساواة، إذ لا يعقل تحميل شخص نفس العقوبة المقررة في حق الملزم الرئيسي والأول لا علم له بها تم يتحمل معه تبعه الامر كله، نظرا لقدرته على الوفاء بدفع القيمة الإجمالية للعقوبات المالية المقررة. وبالتالي فإن الجزاءات المالية في المادة الجمركية لا تتوافق ووظائف العقوبة في القانون الجنائي الحديث المرتبطة بشخص الجانح وإنما تهدف إلى حماية حقوق الخزينة العامة للدولة.
[279] سورة الروم الاية 32.
[280] CHAUVEAU et F.HELIE: Théorie du code penal, imprimerie et L.G.D.J, 6éme edition, par E.VILLEY, paris, 1887, T1, p210.
[281] إن مبدأ شخصية العقوبة من المبادئ الهامة في القوانين الجنائية الحديثة على السواء، ويتجلى في عدم مؤاخذة الغير بفعل غيرهم، فكل مرتكب الجريمة أو مساهما فيها هو الذي تقوم المسؤولية الجنائية في حقه وأما الغير الذي لا علاقة له بالجريمة فلا يجوز معاقبته إطلاقا. وقد وضع هذا المبدأ كرد فعل للممارسات الغير الشرعية التي مورست ضد ذوي المجرمين أو أهلهم عند عدم القبض عليهم، بل ومعاقبتهم في بعض الأحيان بدون حجة ولا سبب سوى قرابتهم أو علاقتهم مع المجرم لذلك بعد هذا المبدأ لا يعاقب إلا من إرتكب الفعل المحرم ولا تتعداه العقوبة إلى غيره مطلقا.
وفي الشريعة الإسلامية فهو مبدأ نصي جاءت به كثير من الآيات في القرآن الكريم، مما تستشعر أهميته وعظمته. هذا وتستنتج أهمية المبدأ من كونه مثل بعدد من الآيات لم يبلغها أي مبدأ آخر. ولتوضيح ذلك سوف أورد أمثلة على تلك الآيات الكريمة: قال تعالى: ” ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى وإن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ ولَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وأَقَامُوا الصَّلاةَ ومَن تَزَكَّى فَإنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وإلَى اللَّهِ المَصِيرُ “.
وتبين هذه الآية الكريمة أن الجزاء والتبعة ذوات صفة فردية حيث لا يغني فيه أحد عن أحد, وحقيقة فردية الجزاء هو أثر حاسم في الشعور الأخلاقي بل وفي الشعور العملي أيضا فشعور الشخص بانه مذنب في عمله وبتالي مؤاخذ عليه دون غيره يؤدي إلى إيقاظه في محاسبة نفسه مع التخلي عن أي أمل في أن يتحمل ذنبه أحد.
[282] J.c.Berr et H.Tremeau: le droit douanier, Ecnomica, paries, 5éme Édition 2001, p482.
[283] محمد الشلي: الجزاءات المالية في المادة الجمركية، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، (يناير- أبريل) عدد مزدوج 2008 (79.78)، ص 95.
[284] محمد الشلي: المرجع السابق، 2008، ص93.
[285] G.KLEIN: la repression de la fraude fiscal, étude sur le particularisme du droit penal des impôts. Thése 1975, nº 398.
[286] أبو بكر الصديق محمد عامر: أحكام التجريم في قانون الضريبة العامة على المبيعات، مكتبة الغريب، القاهرة، ص244 و245.
[287] مصطفي رضوان: التهريب الجمركي والنقدي فقها وقضاء، عالم الكتب، القاهرة، 1970، ص125.
[288] محمد نجيب السيد: مرجع سابق، ص238.
[289] J.PRADEL et VARINARD: les grands arrêts du droit criminal, T2, 2éme Édition, 1989, nº 37, p249.
[290] رمسيس بهنام: النظرية العامة للقانون الجنائي، منشاة المعارف، الإسكندرية، طبعة ثالثة، سنة 1997، ص 1131.
[291] عبد الحميد الشواربي: التجريم والعقاب في قانون لضريبة على الاستهلاك، المكتب العربي الحديث، 1988، ص 152.
[292] محمد الشلي: مرجع سابق، ص 92.
[293] VIRTU ANDRE: crimes et délits contre la chose publique, r, sin, crim, 1972, p387.
[294] نقض جنائي 1964.02.08 مجموعة أحكام النقض، س 15 ص 799، رقم 1568. نقض جنائي 1964.03.16 مجموعة أحكام النقض، س 21 ص 409، رقم 100.
[295] في هذا راجع:
- مصطفى رضوان: مرجع سابق، ص126.
- محمد نجيب السيد: مرجع سابق، ص 243.
- J.C.BERR et H.TREMEAU: le droit douanier, L.G.D.J, 1974, nº 728, p402.
[296] 11 Juin 1949 (Bull crime Nº 208), 02 Octobre 1975 (Bull Crime Nº 220).
[297] إن الدارس والمتمعن لأفكار الفقه الفرنسي في هذا المجال يجد هذا الأخير يؤكد الصفة الجزائية للعقوبات المالية في المادة الجمركية غير ما مرة، وعلى سبيل المثال يؤكد الفقيهان “جون كلود بار” و “هنري تريمو” على أنه:
«Dés lors en effet que la repartition du prejudice cause au trésor doit nécessairement être ordonné qúelle que soit l’essence des poursuites répressives, il deviant radicalement impossible de soutenir que l’amende puisse avoir la moindre function répatrice».
- J.c. Berr et H.Tremeau: Op cit, p 520.
[298] راجع:- محمد كمال حمدي: جريمة التهريب الجمركي، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، 1989، ص 70 وما بعدها.
- محمد نجيب السيد: المرجع السابق، ص 245 وما بعدها,
[299]محمد نجيب السيد: المرجع السابق، ص 245 وما بعدها.
[300] CRIM, 26 fév, 1990, B.C, nº93, p 244.
[301] للمزيد من الاضطلاع حول هذا الموضوع راجع: محمد الشريف بنخي، الطبيعة القانونية للمصالحة الجمركية (رؤى فقهية)، مقال قيد النشر، بمجلة أنفاس حقوقية