دراسة في الركائز الأخلاقية والثقافية للاجتماع السياسي في المغرب

بن أحمد حوكا [·]

باحث أكاديمي في علم الاجتماع السياسيالمغرب.

 

تعتمد الجغرافيا السياسية في تقييم قوة الدول على العوامل الجغرافية والاقتصادية والبشرية، وتلجأ في غالب الأحيان إلى دراسة التأثيرات التي تمارسها الأشكال التضاريسية والمواقع البحرية وغير البحرية في القدرة على التواصل والإقبال على استكشاف العوالم المجهولة. وعادة ما تساق أمثلة حول الدول البحرية التي استطاعت غزو العالم والسيطرة عليه، كإسبانيا، والبرتغال، وفرنسا، وإنكلترا (خليل، 2009). كما تعمد هذه النظريات على جرد المقومات الاقتصادية، واستقصاء المعطيات العسكرية المتعلقة بأنظمة الدفاع والهجوم التي تجعل من بعض الدول رائدة على المستوى العالمي. أما الجوانب الديمغرافية، فغالبا ما يتم النظر إليها من الزاوية المتعلقة بالامتداد الجغرافي والمورفولوجي للأعراق والمشاكل التي يمكن أن تنجم عن غياب الانسجام الإثني. هذا إضافة إلى الاهتمام بالجوانب المرتبطة بالانسياب البيولوجي للظواهر السكانية (خصوبة، وولادات، ووفيات، وأمد العمر). غير أن اعتبار العوامل البشرية في قراءة القوة الاستراتيجية للدول تبقى من دون فائدة إذا تم حصرها في المتغيرات العرقية والسكانية، فالشعوب المتقاعسة عن ولوج عتبة الحداثة البيولوجية، والمتمسكة بالمفهوم القانوني للظاهرة السكانية، لن يكون بمقدورها استغلال إمكاناتها الطبيعية، حتى ولو كانت زاخرة. وعلى سبيل المثال، يغدو من الصعب على المجتمعات العاجزة عن الحد من تكاثر الجسد المريض من خلال السياسات الصحية الحيوية الفعالة، أن تواجه المستقبل من دون مركب نقص.

إن مفهوم السياسة الحيوية في علاقته بتكنولوجيا السلطة (Foucault, 2004) يعد اكتشافا فلسفيا، يقض بشكل مريع مضجع أنظمة الفكر منذ نهاية القرن العشرين، ويسائل بشكل جذري أدوات التفكير في النظرية الاستراتيجية المعاصرة. لذلك، فإن تقدير القوة الاستراتيجية يجب ألا يتوقف عند حدود المتغيرات الكلاسيكية، فقد أصبح بإمكان الجغرافيا السياسية استثمار نتائج علم الأمراض والتحليل النفسي لعصاب الشعوب؛ لأن هذه العلوم تحدد الشروط العضوية والسيكولوجية لما يسمى في علم النفس الاجتماعي بالدافعية إلى الإنجاز. من جهة أخرى، لا يرتبط الوضع الاستراتيجي للدول بالعوامل الفيزيقية فحسب، ولكن بالقدرة التي تمتلكها المجتمعات في استثمار تلك العوامل، وتحويلها لمصلحتها في التنافس الدولي. وبالتالي، يمكن الافتراض أن قوة الدولة من قوة المجتمع، وقوة المجتمع من قوة الثقافة التي تسكن المتخيل، وتمارس مفعولها على السلوك. إن القوة الكامنة التي تجابه بها المجتمعات تحديات المستقبل تتجسد بلا شك في طبيعة الروابط الاجتماعية والفعالية الذاتية والقدرة على الإنجاز عند الشعوب.

يحاول هذه المقال ملامسة أشكال المقومات السوسيولوجية والثقافية التي يلج بها المجتمع المغربي الألفية الثالثة، ويستشرف من خلالها المستقبل البعيد. وسوف يشكل الرأسمال الاجتماعي في جوانبه النظرية والإمبيريقية المفهوم الرئيسي الذي سنقارب من خلاله سؤال الشرط الثقافي للاجتماع السياسي في المغرب. وتجدر الإشارة إلى أن البيانات المستعملة في هذا المقال تعود في جانب منها إلى أبحاث ميدانية قام بها الباحث في أوساط الحركات الاجتماعية المندلعة في المغرب سنة 2010، ويعود البعض الآخر إلى اشتغال الباحث على المعطيات الخام للبحث الدولي حول القيم في المغرب لسنة 2009، ومعطيات البارومتر العربي لسنة 2007، إضافة إلى أبحاث ميدانية رائدة لبعض الباحثين المغاربة. وقد تم الاعتماد في تحويل المعطيات وتحليل البيانات على حزمة الأدوات الإحصائية في العلوم الاجتماعية (SPSS).

أولا ً: مفهوم الرأسمال الاجتماعي

يشير مفهوم “الرأسمال الاجتماعي” إلى طبيعة الروابط التي تجمع بين الأفراد والمجموعات البشرية داخل المجتمع. وبهذا المعنى، ينحدر من تاريخ الفكر السوسيولوجي، ويشكل سليلا منطقيا للنظريات الاجتماعية التي حاولت فهم خصائص الاجتماع المميزة للتجمعات البشرية عبر التاريخ وتفسيرها، فهو يرتبط بمفهوم العصبية في علم العمران عند ابن خلدون، وبنظرية العقد الاجتماعي في الفلسفات التعاقدية من هوبز حتى جون راولس، وبأشكال التضامن الاجتماعي عند دوركهايم، كما يضرب بجذوره في الدراسات السوسيولوجية والأنثروبولوجية حول التحضر والتغيير الاجتماعي (الياس، بودون … إلخ). غير أن الصياغة الصريحة لهذا المفهوم ترتبط بالأبحاث حول قضايا التنمية الاجتماعية والسياسية. ويستدل الباحثون في التأصيل لمفهوم “الرأسمال الاجتماعي” بأعمال بيير بورديو وبوتنام. غير أن الاطلاع على أعمال هؤلاء، يوضح أن التأصيل الاقتراني لهذا المفهوم تشوبه بعض النواقص من زاوية الخلفيات الفلسفية، وكذلك من الجوانب المتعلقة بطابعه الاستكشافي. فإذا كان بورديو يعرف الرأسمال الاجتماعي كمجموعة من العلاقات الاجتماعية الفعلية أو الكامنة القابلة للاستخدام لجلب منافع مادية أو رمزية (Bourdieu, 1980: 2-3, and Bourdieu, 1986)، فإن هذا التحديد يندرج في إطار السوسيولوجيا النقدية لاقتصادات الخيرات الرمزية وآليات الهيمنة التي تنطوي عليها، والتي يعد الرأسمال الاجتماعي مثل غيره من الرساميل الأخرى (ثقافيا، وسياسيا، ورمزيا) من بين تجسيداتها الأساسية. وبهذا المعنى، فإن الرأسمال الاجتماعي مفهوم نقدي بالدرجة الأولى يهدف إلى كشف الموارد الاجتماعية التي تسمح ببناء أشكال معينة من الهيمنة المغلفة بالدوكسا والعنف الرمزي. وهو، وفق هذا التحديد، يختلف تماما عن المضمون الذي يخصه به كل من بوتنام وجيمس كولمان، حيث ينبني عند هؤلاء على خلفية ليبرالية تعلي من شأن التعايش والتضامن والاجتماع، كمداخل إلى التماسك الاجتماعي، وتستبعد مقولات الصراع والتنازع.

وإذا كان سفر المفاهيم لا يتم من دون أضرار، كما يقول ماركس، فإن انتقال الرأسمال الاجتماعي إلى الاستعمال الانغلوساكسوني قد جرى تكييفه بإعطائه معنى ناعما يميزه من نظيره في السوسيولوجيا الفرنسية، إذ أصبح مرتبطا بقضايا التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وبموضوعات الثقة الاجتماعية والمؤسساتية، وقيم التضامن والتبادل. فلم يعد الرأسمال الاجتماعي يشير إلى الأشكال المقنعة للهيمنة الاجتماعية، ولكن إلى العوامل الثقافية والاجتماعية التي تغذي الانتماء المشترك، وتؤسس لمستويات عالية من الاجتماع السياسي.

ويعتبر بوتنام من أبرز الباحثين المعاصرين في العناصر المرتبطة بالرأسمال الاجتماعي، وقد اشتغل كثيرا على قضايا المشاركة العامة، ومستوى الثقة بين الأمريكيين، وتوصل إلى أن تآكل الرأسمال الاجتماعي له نتائج وخيمة على صيرورة الديمقراطية، ومستقبل التماسك الاجتماعي (1995Putnam,).

ويميز بوتنام بين ثلاثة أشكال من الرأسمال الاجتماعي، وذلك بدلالة الروابط الاجتماعية التي يستند إليها (نصر وهلال، 2007):

الرأسمال الشخصي المؤسس على العلاقات الحميمية. وينبني على العائلة وزمرة الأصدقاء المقربين.

الرأسمال الاجتماعي التواصلي المبني على علاقات التجاور السكني أو المهني.

الرأسمال المؤسساتي القائم على الارتباطات الوجدانية مع المؤسسات العامة والمدنية.

تشكل هذه الأشكال من الرأسمال الاجتماعي موارد كامنة قابلة للاستعمال أثناء الأزمات والتحديات الاجتماعية. ويعتقد بوتنام بأن قوة الرأسمال الاجتماعي لا تستند فقط إلى وجود سمات الفضيلة في منظومات الأخلاق والنواميس الدينية، ولكنها ترتكز على انخراط الناس الأفاضل في الأعمال الخيرة المنتجة للثقة الاجتماعية. وهكذا يحيل الرأسمال الاجتماعي على وجود علاقات إيجابية بين الأفراد، ومدى قدرتهم على الانخراط في المنظمات المنتجة لإيتوس الثقة والتسامح والتبادلية داخل المجتمع.

غير أن المفهوم لم يتوقف عند حدود البحث الأكاديمي، فقد تسرب بسرعة فائقة إلى قواميس التنمية للهيئات الحكومية الغربية والمنظمات الدولية (البنك الدولي، على سبيل المثال). ويعزو الباحثون هذا الرواج المؤسساتي للمفهوم إلى فشل السياسات العامة في استئصال ظواهر الفقر والبؤس الاجتماعي مع إمكان توظيف الجوانب الإيجابية للتفاعل الاجتماعي في إيجاد حلول غير مكلفة للمعضلات الاجتماعية والاقتصادية.

وتجدر الإشارة إلى أن مستويات عالية من الرأسمال الاجتماعي لا تشكل دائما قرينة على القوة الكامنة للمجتمعات، لأنها، بكل بساطة، قابلة للاستعمال الاجتماعي في الاتجاهات السلبية، خاصة حينما تكون البنيات الذهنية محكومة بالانتماءات الطائفية والدينية والتعاقدات المذهبية الضيقة. ففي الجماعات الدينية، على سبيل المثال، يسود نمط من التضامن يقل نظيره في التنظيمات السياسية والمدنية، وكذلك الشأن بالنسبة إلى المجموعات العرقية والقبلية. ولكن الاستعمال الاجتماعي لهذا الرأسمال قد يؤدي إلى كوارث اجتماعية (حروب أهلية، وعداوات، ونعرات طائفية وعرقية) حينما تعجز البنيات العقلية والانفعالية عن استيعاب فضائل الاختلاف. فالصراع بين شخصين يمكن أن يفجر توترا بين عدد كبير من المجموعات الاجتماعية. ولذلك، فالرأسمال الاجتماعي لا يتوقف فقط على استثمار الجوانب الإيجابية لتداعيات التفاعل الاجتماعي، ولكنه يظل رهينا بدرجة النمو الخلقي، وتطور الاستدلال السياسي لدى الأفراد والجماعات.

ثانيا ً: واقع الرأسمال الاجتماعي في المغرب: بعض المعطيات الميدانية

ما هي الصورة التي يشكلها الإنسان المغربي حول ذاته ومجتمعه؟ وما هي طبيعة البناء الاجتماعي التي يخص بها العلاقات التي تربطه بالغير؟ وما هو تصوره للرأسمال الاجتماعي الذي يعتمد عليه في السراء والضراء؟

يتعامل الحس المشترك مع هذه الأسئلة بشكل مثالي، وينهل من السجلات المعيارية للأنا الأعلى أجوبة مهذبة تدغدغ مشاعر الانتماء إلى الثقافة العربية الإسلامية، وتعزز العصاب الجماعي بالانفراد المتعالي على المجتمعات الأخرى. يفصح هذا الحس المشترك عن نفسه من خلال القول إنه ينتمي إلى مجتمع إسلامي يسوده الإخاء وعلاقات التضامن والثقة المتبادلة، ويخلو، إلا قليلا، من الاختلالات التي تمزق المجتمعات الغربية. ويعزو ذلك أحيانا إلى رعاية الله التي تحرس المجتمعات الإسلامية. وعادة ما يفسر التخلف الذي ينخر هذه الأخيرة بالابتعاد عن الدين القيم، وأحيانا برغبة العلي القدير في امتحان هذه المجتمعات. إلا أن الحس المشترك لا يلبث أن يعترف على حين غرة بأن ما ينقص الأمة هو ذلك النوع من “النية والمعقول” المنتشرين في المجتمعات الغربية، بحسب اعتقاده.

في الواقع، ليس هناك نمط واحد من التمثلات حول الذات لدى المغاربة، ولكن ما يجمع بينها، يتجسد في مركزية التمثل الديني في رسم معالم غير واقعية للذات وللروابط الاجتماعية. وتؤكد المعطيات التي سنسوقها في معرض الحديث عن عناصر الرأسمال الاجتماعي في المغرب، هذا الانفصام بين المثال والواقع.

المغاربة وسؤال الثقة الاجتماعية

يعرف فوكوياما الثقة بكونها تحيل إلى “ذلك الانتظار الناتج من تواتر سلوك منتظم، شريف وتعاوني مبني على معايير مشتركة بين أفراد المجتمع الواحد” (Fukuyama, 1997:.36). إنها موقف علائقي إيجابي مؤسس على نسق من الاعتقادات والمشاعر التي تغذي مشروعية دلك الانتظار المطمئن لما سيسفر عنه سلوك الآخر الموثوق به. فالثقة بهذا المنظور، تقع على مستوى الإدراك والانفعال، ولكنها تنتج آثارا قابلة للتوضيع (Objectivation) على مستوى التفاعلات الاجتماعية. وبالرغم من دراستها لهذه التفاعلات، لم تلامس السوسيولوجيا الكلاسيكية بشكل صريح سؤال الثقة الاجتماعية. فقد أدت هيمنة موضوعات البنيات الاجتماعية والاندماج والصراع الطبقي إلى طمس الأدوار المهمة التي تؤديها الثقة في إرساء التعاملات الاقتصادية، وسير الأنساق الاجتماعية والسياسية. فالاقتصاد، على سبيل المثال، يظل عاجزا عن الاشتغال وفق النموذج العقلاني الذي رسمه الرواد الأوائل في علم التدبير، حيث تبقى العلاقات الإنسانية بما تفترضه من ثقة متبادلة ضرورية للعلاقات الاقتصادية. وكذلك الشأن بالنسبة إلى الاجتماع السياسي. وبالرغم من طغيان الأسلوب الكتابي في ضبط العلاقات الاجتماعية، فإن الحاجة إلى الوفاء والإخلاص للانتظار السالف الذكر، يبرره عجز العقل القانوني عن ملاحقة التفاصيل الدقيقة لسرائر الأفراد ونياتهم.

وقد بدأت إشكالية الثقة تحظى باهتمام متزايد في الدراسات المهتمة بدراسة الثقافة السياسية. ويرجع ذلك في الحقيقة إلى استفحال وضعيات الشك واللايقين في واقع التفاعلات الاجتماعية والسياسية. فالحراك الاجتماعي والمجالي للأفراد، وتزايد حجم التبادلات الثقافية والاقتصادية، إضافة إلى التحولات التي طالت التماسك الاجتماعي، قد ساعدت على طرح مسألة الثقة بشكل ملح على اهتمامات الإنسان الأكاديمي (Bourquia, 2011: 122). ولكن المدهش فعلا هو أن الأمم التي تعرضت لأعتى التحولات الاجتماعية هي التي تعرف مستويات عالية من مشاعر الثقة، وفي المقابل، تسجل المجتمعات التقليدية أو تلك السائرة على درب التحولات، مستويات متدنية. وتوضح البيانات المعروضة في الجدول الرقم (1) ذلك:

الجدول الرقم (1) الثقة بحسب بعض المجتمعات

(بالنسبة المئوية)

النرويجفنلنداالولايات المتحدة الأمريكيةاليابانإيرانمصرغانا
يمكن وضع الثقة في معظم الناس74.258.939.330.910.618.58.5
يجب دائما توخي الحذر25.841.160.769.189.481.591.5

تظهر معطيات الجدول الرقم (1) تفاوتا كبيرا في مجال الثقة الاجتماعية بين الدول المتقدمة والدول السائرة في طريق النمو، حيث يلاحظ انخفاض مهم لهذا العنصر الثقافي في مصر وإيران وغانا. ويمكن تفسير ذلك بالنسبة إلى المجتمعات التقليدية والمحافظة، بتمركز الثقة في الدوائر العائلية للعلاقات الاجتماعية، وعدم قدرتها على السمو خارج الأسس الدموية للاجتماع السياسي. ويتضح ذلك كثيرا في مجال الاقتصاد، حيث يحتل الأصهار والإخوة والأقرباء مراكز المسؤولية في المقاولات. أما من ناحية التنمية السياسية، فيشير الباحثون إلى وجود علاقات بين مشاعر الثقة وتكنولوجيا السلطة (Bourquia, 2011: 126-127). فمركزة القرار بين أيدي فئة اجتماعية قليلة، يساهم في انطواء الأفراد والجماعات، وتقهقرهم نحو البنيات الأولية للتفاعل الاجتماعي، كالعائلة والطائفة والقبيلة. وتمنع علاقات السلطة في هذه المنظومات المبنية على الرقابة، بروز أشكال التواصل الكفيلة بالإفصاح عن إمكانات جديدة للاجتماع البشري. وفي السياق الثقافي لمشاعر اللاثقة، يبدو كل فرد كعميل محتمل في نظر أقرانه، ما يحبط كل إمكانات التعاون والبناء المشترك.

يربط آلان بيرفيت بين الخزان الثقافي لمشاعر الثقة وقضايا التنمية الاجتماعية والسياسية، ويعتقد بأن الإقلاع التنموي يقوم على عوامل سيكولوجية تتجلى في القدرة على تعبئة الاستعدادات المؤسسة للتعاون المشترك مع الغير، ويقول بشكل بليغ:

“إن مجتمع اللاثقة هو مجتمع يهيكله الزوج “رابح-خاسر” ولذلك، يشكل فيه العيش المشترك لعبة نتيجتها الصفر: “إذا ربحت، فسأخسر”. إنه مجتمع الصراع والاجتماع السلبي، تسوده العزلة والحسد الاجتماعي والعدوانية الناتجة من المراقبة المتبادلة. أما مجتمع الثقة، فهو في تقدم ملحوظ، ويهيكله الزوج “رابح-رابح”، أي إذا ربحت، فسأربح. إنه مجتمع التضامن والمشروع المشترك والانفتاح والتبادل والتواصل” (2005:449Peyrefitte,).

تنطبق هذه الصورة إلى حد كبير على التفاعلات الاجتماعية داخل المجتمع المغربي، وتشير المعطيات الميدانية إلى أن المغاربة ينتمون إلى صنف المجتمعات الحذرة والمحترزة. ولا يسعفنا السياق للحديث عن العواقب الوخيمة لهذه المشاعر على مستوى الممارسات الاقتصادية والاجتماعية، وكذا التفاعلات السياسية. وسوف نكتفي بمحاولة فهم العوامل التي ترتبط بها هذه الظاهرة.

وتؤكد بيانات البحث الذي أجريناه على حركة 20 شباط /فبراير في المغرب أن مناضلي هذه الحركة يعتقدون بأن معظم الناس غير جديرين بالثقة. ويوضح الشكل الرقم (1) تلك الاتجاهات:

الشكل الرقم (1) الثقة بالآخرين عند ناشطي 20 شباط /فبراير

وتتطابق هذه النتائج تقريبا مع تلك المتوصل إليها، سواء في الدراسة الدولية حول القيم، أو البارومتر العربي، ([1]) أو البحث المنجز حول الثقافة السياسية في المغرب Bourquia, 2011)). ويلخص الجدول الرقم (2) تلك المعطيات:

الجدول الرقم (2) نتائج بعض الأبحاث حول الثقة الاجتماعية في المغرب

(بالنسبة المئوية)

البحث الدولي حول القيمالبارومتر العربيالبحث حول الثقافة السياسية في المغرب
يمكن وضع الثقة في معظم الناس1319.616.3
يجب دائما توخي الحذر8787.582.2
لا أدري01.92.5

تدحض هذه المعطيات بشكل لا جدال فيه متانة الادعاءات الطوباوية حول الوضع المريح للاجتماع السياسي في المغرب. غير أن ثمة سؤالا مركزيا من شأنه إزعاج دوائر المعرفة التي تشتغل على الأسس الثقافية للتفاعل الاجتماعي: لماذا تسود مشاعر اللاثقة في بلد يشكل فيه الإسلام مسودة للتنظيم الاجتماعي، بتعبير إرنست غلنر، وتحث فيه الأعراف والقيم الاجتماعية على الإخلاص والوفاء بالوعود؟ أيمكن الافتراض بأن التنشئة الدينية المتداولة قد ساهمت في طقسنه الإسلام وتلقينه كخطوط حمر عوض تدريب الحس على الامتثال البيداغوجي المتدرج لمبادئه السامية؟ أم أن المنطوق الصريح للأعراف ليس سوى آلية دفاعية لوعي جمعي بئيس ومتفق في تلميع خادع للذوات والجموع، حيث يظل البون شاسعا بين النمو المتدني للقدرة على الثقة والتطلع الاحتفالي إلى المثال الذي تبتغيه القواعد الاجتماعية؟

لا نتوفر على المعطيات الكافية للإجابة عن هذا التساؤل الأنثروبولوجي، ولكننا، في المقابل، سوف نحاول إلقاء بصيص من الضوء على المتغيرات التي ترتبط بها الثقة في الآخرين. وفي هذا الإطار، يعتقد تريانديس بأن الحذر الاجتماعي يظل خاصية مميزة للعلاقات الاجتماعية في سياق النذرة (Triandis, 1996: 407-415)، فحيث تقل الموارد الضرورية لتلبية الطلب الاجتماعي على إشباع الحاجات الفيزيولوجية، يكثر التنافس بين الأفراد والجماعات، وتقل مشاعر الإخاء وتقدير الذوات. وقد حاولنا اختبار هذا الافتراض من خلال دراسة علاقة الثقة الاجتماعية بالمتغيرات الدالة على البؤس الاجتماعي والاقتصادي، وذلك بالتركيز على متغيرات الحرمان النسبي ومستوى الدخل والإحساس بالرفاه الاجتماعي. وقد جاءت النتائج مؤكدة للافتراض السالف الذكر.

ويوضح الشكل الرقم (2) علاقة الثقة بمستوى الدخل، حيث يتضح وجود ارتباط إيجابي بينهما. فكلما ارتفع مستوى الدخل، يميل متوسط الثقة في الآخرين إلى الصعود.

الشكل الرقم (2) علاقة الثقة بمستوى الدخل

أما بالنسبة إلى العلاقة بالحرمان النسبي، فإن الشكل الرقم (3) يظهر وجود ارتباط دال من الناحية الإحصائية. ويعني ذلك أن ارتفاع مستوى الحرمان النسبي يكون مصحوبا بالنزوع إلى عدم الثقة بالآخرين.

الشكل الرقم (3) علاقة الثقة بالحرمان النسبي

وتنطبق الملاحظة السالفة الذكر على علاقة الثقة الاجتماعية بمشاعر الرفاه، حيث يبدو جليا نزوع المبحوثين إلى الحذر والاحتراز كلما كان إحساسهم بالسعادة متدنيا، بينما يميلون إلى وضع الثقة في معظم الناس كلما غدا ذلك الإحساس مرتفعا. وقد بلغ معامل ارتباط بيرسون لهذه العلاقة r = 0.14عند مستوى دلالة 0.05 P<. ويبدو أن الشقاء الاجتماعي والاقتصادي، كما رأينا، يشكل أرضية خصبة لازدهار مشاعر الشك والحذر المفرطين. ولكن هذه النتائج لا تعني أن الشخصية المغربية شخصية تعاني البارا نويا. فغياب الثقة ليس عقدة مرضية، ولكنه عنصر ثقافي تساهم في إذكائه متغيرات موضوعية.

الشكل الرقم (4) علاقة الثقة بالحرمان النسبي

لا يحيد إنغلهارت عن دور التنمية الاقتصادية في تفسير المستويات المتدنية أو المرتفعة من الثقة المتبادلة، ويعتقد بأن الازدهار الاقتصادي يؤدي إلى إشباع الحاجات الأساسية، الأمر الذي ينعكس إيجابا على الثقة الاجتماعية. وقد لاحظ وجود ارتباط دال بين هذه الأخيرة والدخل القومي الإجمالي بحسب الفرد (R =0.55) (1993:42 ,Inglehart).  غير أنه يعتقد في وجود عوامل أخرى كطبيعة النظام السياسي (1993:43 ,Inglehart). كما يثير الانتباه إلى كون الثقة ظاهرة ثقافية ترتبط بتجارب الشعوب وخبراتها، وليست خاصية طبيعية ووراثية. ولكنه ينبه، في المقابل، إلى أن مستويات متدنية من الثقة، مقرونة بعوامل أخرى كعدم الرضا عن الحياة، قد تدفع الأفراد إلى دعم التجمعات السياسية المتطرفة (Inglehart,1993:44).

تساهم هذه البيانات في تذويب الإبهام حول ما إذا كان تدني الثقة بالمغرب يعود إلى انتقال المجتمع من التماسك العصبوي إلى التضامن العضوي (غيلنر، 2005، ص 175-196). وتؤكد الباحثة بورقية أن الشعور الذي يعتري الناس ويشدهم في حنين مثالي إلى الماضي، ماضي النية والمعقول والثقة، هو شعور زائف. فالمجتمع المغربي التقليدي لم يكن منزها عن الممارسات والأحاسيس التي تنضح بالحذر والاحتراز (Bourquia, 2011: 131-132). وتستدل الباحثة بمقطع للأنثروبولوجي الشهير كليفور كيرتز في سوسيولوجيته حول اقتصاد البزار في أسواق مدينة صفرو (Geertz, 2003: 151). ويدور المقطع حول صعوبة إيجاد شخص تتوفر فيه صفات الأمين للسهر على تدبير النزاعات بين التنظيمات الحرفية والزبناء.

لقد ورثنا من المغرب التقليدي منظومة من الأمثال من شأنها مساعدتنا على إعادة بناء المكانة التي يحتلها الزوج الثقة-اللاثقة في الأطر العقلية للمجتمع التقليدي. وبإمكاننا استثمار الأمثال الواردة في الاسم العربي الجريح للدفاع عن فرضية استفحال مشاعر اللاثقة في مغرب القرن التاسع عشر وما قبله، وذلك بالرغم أن هذه الظاهرة لم يكن لها وقع اقتصادي واجتماعي كبير، لأن حجم التفاعلات كان ضئيلا ومحصورا في الزمر الدموية والقرابية. فقد كانت الثقة محصورة في الأقارب وأقارب الأقارب. وكانت تقل تدريجيا كلما ابتعدنا عن الانتماءات العصبية، غير أن الحجم المتواضع للتدفقات الديمغرافية كان يساعد على التعرف إلى الأشخاص الجديرين وغير الجديرين بالثقة. ولكن ظل الحذر سمة عامة تميز العلاقة مع الآخر المنتمي إلى المجموعات المغايرة. وإضافة إلى غياب الأمن وسيطرة العوز اللذين يشكلان ركيزتين لاقتصاد نفسي قوامه الشك والاحتراز، أدت الإيكولوجيا دورا مهما في نمو مشاعر الخوف من الآخر. فقد جعلت التضاريس المتنوعة بلدا مثل المغرب، يبدو وكأنه مجموعة من الجزر المعزولة بعضها عن البعض الآخر.

إن تأثير العامل الجغرافي، بمكوناته الإيكولوجية والطوبوغرافية، في تشكيل الثقافة كضرب من الإدراك والتفكير والفعل، أمر لا شك فيه. وإذا كانت الطرق والمواصلات التي تم إرساؤها تدريجيا منذ مجيء الاستعمار إلى اليوم تنسي أن المغرب قد ظل بلدا محصنا بسلاسله الجبلية الشاهقة، تعزله البحار والبراري، أكثر مما تتيح له إمكانية الاتصال بالعالم الخارجي. وبالنظر إلى أن علاقة الإلفة مع الجغرافيا الطبيعية تضعف في بنية الإدراك موقف الدهشة، كاستعداد إيبيستيمولوجي بالمعنى الأفلاطوني للكلمة، أمام الطوق الذي تضربه الحواجز التضاريسية على مناطق عدة من المغرب، فإن الرجوع إلى كتابات المؤرخين الغربيين يساهم في إيقاظ الانتباه الذي طوته قرون من الاستسلام المعرفي للعقل والعين والأذن لجبروت الطبيعة. يقول المؤرخ الفرنسي هنري تراسي (Henri Terrasse):

“لم ينل المغرب، إذا، حظه من شواطئه: فالشمال المغربي كان معزولا [عن العالم] بشواطئه، وكان معزولا أكثر بجباله، والغرب مثل الجنوب كان معزولا بالمحيط الأطلسي. وفي ظل هذا العوز المرتبط بهاتين الواجهتين البحريتين الكبيرتين، أدت ضفة المضيق دورا مهيمنا، ولكنه دور متجه نحو البر أكثر مما هو متجه نحو البحر. لم يستعمل المغرب قط
الموقع الرائع الذي يحتله كل من ميناء طنجة وميناء سبته: لقد كانا يمثلان حالة جانبية إلى أبعد الحدود بالقياس إلى حجم البلاد. وبقدر ما كانت هذه المراسي نشيطة، ارتبطت حياة هاتين المدينتين بالحياة في بلاد الأندلس وفي العالم المتوسطي أكثر من ارتباطها بالحياة داخل المغرب” (6: 1949 Terrasse,).

لا يهمنا في هذا الاقتباس دور العوامل الجغرافية في رسم معالم علاقة المغرب بالعالم الخارجي، وهو الموضوع المحبوب للجغرافيا السياسية في نسختها الكلاسيكية، ولكن ما يثيرنا حقا يتعلق بخاصية العزلة التي تميز المنظومات الإيكولوجية في المغرب. فقد عاش المغاربة في مناطق طوبوغرافية متباينة ومتقوقعة، ولم يستطيعوا بناء جسور التواصل بينهم، بل ظلوا، في غالب الأحيان، خاضعين لنمط العلاقات الاجتماعية التي تفرضها المتغيرات الإيكولوجية.

لقد كان ضعف التاريخانية، بمفهوم آلان توران، سمة مميزة لمجتمع لم يستطع إلا قليلا تحدي الطبيعة وإبداع ثقافة غير تلك التي تربطه بالسماء والأولياء. وبالقدر الذي تفسر به هذه التركيبة الطوبوغرافية عجز المغرب عن بناء حكومة مركزية قوية تتحكم في أطرافها، وفق مزاعم إدموند بورك المزعجة لادعاءات المثقفين الوطنيين، كان تأثيرها فعالا في التبادلات الاجتماعية والاقتصاد النفسي للأفراد، وهو اقتصاد قائم على الخوف والحذر من الآخرين.

يتعاضد العامل الإيكولوجي مع طبيعة البنية الاجتماعية للمجتمع المغربي في التأثير في مشاعر الثقة في المجتمع التقليدي. ويمكن الافتراض، على طريقة التحليل النفسي، بأن اللاشعور الحالي للمغاربة قد احتفظ بالمخلفات النفسية للبنية الانقسامية. ويتضح ذلك بشكل جلي على مستوى السلوك السياسي، حيث الاصطفافات المؤسسة على القرابة والقبلية والدموية المغلقة.

لقد اكتفى منظرو الانقسامية بالتركيز على تأثير الانقسام في التماسك الاجتماعي، ودور الإسلام في نسخته الصلحاوية في ذلك. ولم يهتموا كثيرا بسيكولوجية الفرد في المجتمعات القائمة على التضامن الآلي. صحيح أن هذا الأخير يظل متشابها مع الآخرين، ومتماهيا مع الوعي الجمعي وفق التحديد الدوركهايمي، إلا أن سيكولوجيته لا تنطبق تماما مع السيكولوجية الجمعية، فلكل شخص فرادته المتميزة، وإن كان يشترك مع الآخرين في الخطوط العامة. وداخل ذلك المشترك، ثمة شعور مزدوج: فكلما تم الابتعاد عن مركز الدوائر الإيكولوجية والانقسامية، تتبدد أحاسيس الأمن والطمأنينة لتحل محلها مشاعر القلق والحيطة.

تظل هذه الأفكار مجرد فرضيات تحتاج إلى إثبات، والمؤسف أننا لا نتوفر على معطيات معبرة عن الإيكولوجيا الاجتماعية للتأكد من ذلك. ولكن في المقابل، يمكن أن نتعرف اليوم إلى جغرافية الثقة، وذلك بفضل العمل الميداني الضخم للبحث الدولي حول القيم الذي يقوده عالم السياسة الأمريكي الشهير رونالد إنغلهارت. وقد حاولنا الاشتغال على المعطيات الخام لهذا البحث، قصد استخراج كيفية توزيع الثقة، بحسب جهات المغرب.

ويبدو من خلال الشكل الرقم (5) إن موقف الثقة من الآخرين يختلف بحسب جهات المغرب التي تظهر فروقات واضحة في هذا الشأن. ويلاحظ أن جهة مكناس-تافيلالت تسجل أدنى معدل في توزيع الثقة الاجتماعية، وتليها جهة الشاوية-ورديغة، ثم فاس-بولمان. وتعد جهة مراكش-تانسيفت من أكثر الجهات التي سجلت معدلات مرتفعة في الثقة الاجتماعية، متبوعة بالرباط، وسلا، وجهة دكالة-عبدة.

الشكل الرقم (5) الثقة الاجتماعية بحسب الجهات

ومن أجل معرفة ما إذا كان للفروق في الثقة الاجتماعية بين جهات المغرب دلالة إحصائية، لجأنا إلى استعمال تقنية التباين الأحادي. ويبين الجدول الرقم (3) أن تلك الفروق دالة من الناحية الإحصائية، وأن فرضية العدم لا مكان لها في هذه العلاقة، حيث بلغت قيمة المؤشر الإحصائي 13,956 = F عند مستوى دلالةp < 0.001 . ويعني ذلك أن الفروق الملاحظة في الثقة الاجتماعية بين المناطق لا تعود إلى متغيرات عشوائية، ولكن ترتبط بعوامل معينة نشيطة في بعض الجهات، وغير فعالة في بعضها الآخر.

الجدول الرقم (3) نتائج حساب التباين

الدلالةالمؤشر الإحصائي FMoyenne des carrésddl
0.00013.9561.4478التباين داخل المجموعات
0.104116التباين بين المجموعات
1172المجموع

ومن أجل تدقيق النتائج أكثر فأكثر، قمنا بفحص نتائج الاختبار البعدي Post Hoc Tests لمختلف المناطق. واتضح أن هناك فروقا دالة بين تلك الجهات التي حصلت على أقل من المتوسط، وتلك التي كان فيها معدل الثقة الاجتماعية مرتفعا فوق المتوسط (انظر الشكل الرقم (5)).

ينبثق من هذه النتائج أسئلة جوهرية تدور حول طبيعة العوامل التي تجعل المبحوثين المنتمين إلى جهات فاس-بولمان، ومكناس-تافيلالت، والشاوية-ورديغة، وطنجة-تطوان، يصرحون بضرورة توخي الحذر في العلاقات الاجتماعية؟ فهل يتعلق الأمر بالنذارة؟ أم بالإيكولوجيا؟ أم بسياسات التنمية للدولة المغربية؟ من الصعب المجازفة في معالجة هذه الإشكالية من خلال طرح الأجوبة الجاهزة. فالمسألة تتطلب بحوثا متعددة التخصصات والروافد المنهجية.

لا يكتفي الباحثون في الرأسمال الاجتماعي بمتغير الثقة الاجتماعية فقط، ولكن يلجئون أيضا إلى إدراج أبعاد أخرى، مثل الثقة بالمؤسسات والعضوية في منظمات المجتمع المدني (Hourad et Jacquemain, 2006: 41-63). وتحيل الثقة في المؤسسات مباشرة على مفهوم المشروعية، أي مشروعية المؤسسات السياسية والدستورية المشكلة للنظام السياسي.

ويبين الشكل الرقم (6) الكيفية التي يتوزع بها أفراد عينة البحث الدولي حول القيم بحسب درجة الثقة بالمؤسسات:

الشكل الرقم (6) مؤشر الثقة بالمؤسسات

وتبلغ نسبة المبحوثين الذين سجلوا الدرجات المتوسطة والعليا على المؤشر العام للثقة بالمؤسسات ما يقارب 50.64 بالمئة، بينما حصلت الدرجات الدنيا على 36.48 بالمئة من آراء المبحوثين. إلا أن ما يثير الانتباه هو نزوع المغاربة إلى وضع الثقة بالمؤسسات الدينية والسلطوية، حيث حصد أئمة المساجد والجيش والعدالة والشرطة المتوسطات العليا للثقة، في حين لم يحظ البرلمان والنقابات والأحزاب السياسية سوى بمراتب متدنية. وتعبر هذه النتائج عن صعوبة تجذر الثقافة الديمقراطية في البنيات الذهنية للمغاربة، وذلك مقابل ميل واضح إلى استيعاب فضائل المؤسسات القائمة عل احتكار العنف المشروع.

الشكل الرقم (7) الثقة بالمؤسسات السلطوية والمدنية

ويبدو أن المغاربة ما زالوا يتمسكون بضرورة احترام السلطة، وهي خاصية ثقافية للمجتمعات التقليدية والمحافظة على العموم. ويوضح إنغلهارت أن الاتجاهات المؤمنة بفضائل المؤسسات السلطوية ترتبط بالحاجة إلى الأمن في معناه الفيزيقي والاقتصادي. فالنقص الحاصل في إشباع الحاجات المادية والفيزيولوجية والإحساس بالقلق المصاحب للحاضر والمستقبل، يدفع الأفراد إلى وضع ثقتهم بالمؤسسات السلطوية والزعماء الشعبويين النافذين (Inglehart, 1997:293-321). ويبدو أن التحولات الثقافية التي يشهدها المغرب لم تسفر، بعد، عن انتقال قيمي صريح إلى المرحلة ما بعد-المادية. فما زال التشابك بين الحداثة المعطوبة والأصالة المترنحة لم يفصح عن وضع متحرر للتفاعلات السياسية.

أما في ما يخص العضوية في منظمات المجتمع المدني، فبالرغم من تزايد عدد الجمعيات في السنوات الأخيرة، فإن عدد الناشطين لا يزال ضعيفا، إذ لا يتجاوز نسبة 10.9 بالمئة في نتائج البحث الدولي حول القيم لسنة 2007. كما إن الانخراط في الجمعيات الرياضية والتربوية يفوق مثيله في المنظمات الخيرية ([2]).

ثالثا ً: النمو الخلقي والقدرة على الاستدلال السياسي لدى المغاربة

إن ارتفاع مؤشر الرأسمال الاجتماعي في مجتمع معين لا يعصمه من الانزلاق إلى الاستعمالات الاجتماعية السلبية. لذلك يجب البحث في الأطر السيكولوجية، والعقلية، والانفعالية، التي من شأنها تعضيد التوظيف السليم للروابط الاجتماعية. وتتجسد هذه الأطر في النمو الخلقي، وتطور كفاية الاستدلال السياسي عند أفراد المجتمع. فكلما كانت درجة نمو هذه القدرات مرتفعة، شكل ذلك كابحاً ضد الإيذاء الرمزي والفيزيقي الموجه ضد الآخر، وبالتالي مدخلا إلى إرساء تفاعل اجتماعي متحرر من التعصب والتمركز حول الذات.

وتجدر الإشارة إلى أن السائد في الفكر الفلسفي حول الأخلاق يتجلى في تلك الفكرة التي تجعل منها منظومة من القواعد التي تحكم تصرفات الأفراد حتى توصف سلوكاتهم بأنها طيبة أو شريرة، حسنة أو سيئة. فصفة الخلق ترتبط بتواتر السلوك الموصوف بأنه أخلاقي، إلا أن الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط، قد اعتبر هذا المعيار غير كاف لتحديد معنى الأخلاق، وأظهر ميلا كبيرا إلى ربطها بفكرة الالتزام الصادرة عن الإرادة والعقل (كانط، 2002). ويبدو أن كانط قد توفق في تحرير الأخلاق من قبضة الأديان والعادات الاجتماعية، ولكنه أبعدها عن الطبيعة البشرية، والاستعدادات الوجدانية، وطبيعة الاجتماع السياسي. ومن سيئات هذا التفكير في نظر علماء النفس، استبعاد فكرة الخلق كقدرة قابلة للنمو والصقل والتدريب. ويبدو أن التوجه الكانطي يظل عاجزا عن تفسير البون الشاسع بين المواقف الأخلاقية وحقيقة السلوكات. وعلى سبيل المثال، ليست هناك فوارق في المواقف الأخلاقية بين المنحرفين والأسوياء، ولكن هناك تباينات كبيرة في السلوكات الصادرة عنهما.

اقترح الباحثون في علم النفس إعادة تحديد لمفهوم الأخلاق، يأخذ بعين الاعتبار العلاقة بين نضج الجوانب الانفعالية والمعرفية للحياة الخلقية من جهة، والطبيعة الأخلاقية للسلوك الناجم عنهما. ولقد كان هذا التوجه الجديد الهدف المركزي لمشروع البحث الذي أطلقه عالم النفس السويسري جان بياجيه منذ سنة 1982 في إطار ما يسمى بالإيبيستيمولوجيا التكوينية. فلم تعد الأخلاق تعني منظومة القواعد المتراصفة في النواميس الدينية والقواميس المعيارية للمجتمعات، ولكن أصبحت تحيل على السلوك الأخلاقي كتعبير عن درجة نمو القدرة الخلقية عند الأفراد، وهي قدرة تتفاعل فيها العناصر المعرفية والوجدانية. فالجوانب الانفعالية تضفي قيمة على الحياة الخلقية للإنسان، وتوفر لها الطاقة الضرورية، بينما توفر الجوانب المعرفية عناصر الفهم والذكاء الضروريين لإنجاز السلوك الأخلاقي.

وظف لورانس كولبورغ أفكار بياجي، في تطوير علم النفس الخلقي الذي أضحى يباشر دراسة الأخلاق ككفايات تختلف درجة نموها من فرد إلى آخر، بحسب عوامل التربية والتنشئة الاجتماعية. ويعرف هذا العالم الكفاية الخلقية بالقدرة على صياغة أحكام أخلاقية مبنية على مبادئ داخلية والتصرف بموجبها (Leleux, 2003: 111-128). ويعتقد بأن النمو الخلقي للفرد يمر عبر ثلاث مراحل كبرى:

  1. مرحلة ما قبل التعاقدية: وتتميز السلوكات خلال هذه المرحلة بالسير نحو إشباع الحاجيات والمصلحة الخاصة، مع مراعاة المكافآت والعواقب الناتجة من ذلك. وتنطبق هذه المرحلة عادة على سلوك الأطفال أو الراشدين كثيري الشبه بالأطفال، حيث يتم تقدير الفعل المزمع القيام به، ليس بناء على استدلال خلقي أو سياسي معقول، ولكن بناء على تعامل السلطات الاجتماعية مع السلوك الصائب أو الخاطئ. فما يهم الفرد خلال هذه المرحلة، ليست الدلالة الإنسانية للفعل، ولكن إشباع حاجاته الشخصية حتى تلك التي تتعارض مع الحس الأخلاقي السليم. وإذا حدث أن أخذ سلوك الفرد الآخرين بعين الاعتبار، فإن ذلك يتم بشكل عرضي. وتعتبر هذه المرحلة الأدنى من ناحية النمو الخلقي. ويمكن وصف الأشخاص المصنفين على هذا المستوى بأنهم مثل الأطفال أقل كفاية خلقية من غيرهم.
  2. المرحلة التعاقدية: خلال هذه المرحلة، تشكل الانتظارات والقواعد الاجتماعية المرجع المبتغى للسلوك، وتتراجع الأنانية شيئا فشيئا، ويتشكل الوعي الجمعي بشكل تدريجي. وبعد ذلك، يتم الانتقال في إنتاج الأفعال إلى مراعاة القواعد القانونية. ويتجلى السلوك الحسن في هذه المرحلة في القيام بالواجب والحفاظ على العلاقات الاجتماعية.
  3. مرحلة ما بعد التعاقدية: وهي مرحلة الاستقلال الخلقي، وبناء المبادئ الأخلاقية الكلية التي لا ترتبط بالوعي الجمعي والانتماء الحصري إلى مجتمع معين. يستطيع الأفراد في هذه المرحلة توجيه نقد إلى سلبيات المنظومات الأخلاقية التي تحكم المجتمع، مع إنتاج مبادئ وقيم أخلاقية تتجاوز الشرط الاجتماعي، وتدعي الصلاحية للإنسانية جمعاء. في البداية، يتوجه السلوك الأخلاقي إلى دعم وبناء العقد الاجتماعي المنبثق من النقاش العمومي ودعاوى الصلاحية، حيث يتم الوعي بقصور القواعد التي يفرضها المجتمع. ومن هنا أهمية التداول والنقاشات السياسية المتمثلة بالقدرة على بناء تعاقدات عقلانية والالتزام بها. وتتميز هذه المرحلة أيضا باحترام مبادئ العدالة وحقوق الإنسان والتسامح.

قام جورج ليند بتصميم أداة لقياس قدرة الاستدلال الخلقي لدى مجموعة من المبحوثين. وتهدف هذه الأداة إلى الكشف عما إذا كان الأفراد يصدرون أحكاما حول قضايا أخلاقية يتضمنها الاستبيان، بناء على مواقفهم الشخصية، أو أن تلك الأحكام تقوم على تقدير الخصائص الأخلاقية للقضايا المطروحة. وقد لاحظ الباحثون، في هذا المجال، أن غالبية
المبحوثين يتمركزون على مستوى الاستدلال الخلقي التعاقدي، ويقلون تدريجيا كلما اتجهنا نحو المستويات العليا من النمو الخلقي. وتجدر الإشارة إلى أن قدرة الاستدلال الخلقي تتأثر كثيرا بالسياق الاجتماعي والمناخ السياسي السائد. وتؤدي التنشئة العائلية والمدرسية والسياسية دورا مهما في تطوير النمو الخلقي لدى الأفراد. ويعود الفضل في ترجمة مقياس الاستدلال الخلقي، ودراسة شروط صلاحيته، إلى أحمد أغبال. حيث قام باستعماله في دراساته التربوية والسوسيولوجية. كما عمل أيضا على ترجمة وتقنين مقياس الاستدلال السياسي للباحث الأيرلندي نيل فرغسون، وهي أداة تقوم على الأرضية النظرية للنمو الخلقي نفسها التي قدمناها باقتضاب. وقد قمنا بتوظيفها لقياس درجة نمو كفاية الاستدلال السياسي عند ناشطي حركة 20 شباط /فبراير. وسنعود لاحقا إلى تقديم النتائج المتوصل إليها باستعمال هاتين الأداتين. ولكن قبل ذلك، سوف نتوقف قليلا من أجل الحديث عن علاقة الرأسمال الاجتماعي بمراحل النمو الخلقي والسياسي. لقد أردفنا القول إن نمو الكفاية الأخلاقية والسياسية كفيلة بدمغ الرأسمال الاجتماعي بمسحة إنسانية. ولكن إذا كان الاستدلال الخلقي-السياسي الغالب عند أفراد المجتمع يندرج في المستوى ما قبل التعاقدي، سيكون من الصعب جدا الحديث عن رابطة العيش المشترك، بكل بساطة، لأن الجري وراء المصلحة الخاصة من دون الاكتراث بالمعايير الاجتماعية وتبكيت الضمير، لا يمكن أن يؤسس سوى لاجتماع بشري شبيه بحالة الطبيعة عند هوبز.

أما في المرحلة التعاقدية، حيث يكون الشرط الاجتماعي هو المرجع للسلوكيات الطيبة والحسنة، فيمكن أن نشهد انبثاق رأسمال اجتماعي واجتماع سياسي متمحور حول قدسية العقل الجمعي ومعاييره الأخلاقية. ولكن فوائد هذا الانبثاق تظل رهينة بالانتماء الديني، والسياسي، والأيديولوجي. ففضائل التسامح والتآزر والتضامن، قد تنتشر بين الأفراد، ولكن باعتبارهم أعضاء لجماعة اجتماعية بعينها. وقد سقنا في السابق مثال بعض الجماعات الدينية التي يصل التكافل بين أعضائها إلى مستوى مرتفع، ولكن الرأسمال الاجتماعي الذي تغذيه العلاقات الاجتماعية في تلك السياقات يظل مؤسسا على استدلال سياسي-أخلاقي لا يتجاوز التعاقدات المذهبية. ومقابل ذلك، يمكن أن تتحول الطاقة الانفعالية والعقلية، المدعمة لذلك الرأسمال، إلى محرك لدوامة من العنف يصعب الخروج منها بأقل تكلفة. وتعتبر الحروب الأهلية ومظاهر العنف الديني نماذج معبرة عن ذلك.

وفي الواقع، إن ما يحصن الرأسمال الاجتماعي من الانزلاق إلى التوظيف السيئ، يتجسد في نمو الاستدلال السياسي والأخلاقي ما بعد التعاقدي، لأنه الكفيل بدفع الأشخاص إلى التطلع نحو تحقيق العدالة والكرامة لفائدة الغير مهما كانت انتماءاته السياسية والمذهبية. ومن هنا أهمية السؤال بالنسبة إلى دارسي الاجتماع السياسي في المغرب حول الوضع الراهن لكفايتي الاستدلال السياسي والأخلاقي عند المغاربة؟

في الدراسة المتعلقة بمدى تطور الاستدلال الخلقي والكفايات المدنية عند التلاميذ والطلبة المغاربة، كشف الباحث أحمد أغبال عن بعض الوظائف السلبية للنظام التعليمي في المغرب. وقد شملت الدراسة 1040 مبحوثا من الإناث والذكور، موزعين من ناحية المستوى الدراسي كما يلي: إعدادي (322)، ثانوي (503)، جامعي (215) ([3]).

وقد كانت نتائج تحليل البيانات مذهلة، إذ سجل الطلبة المغاربة مستويات ضعيفة جدا في القدرة على الاستدلال الخلقي، وذلك مقارنة بالطلبة الأجانب. ويوضح الجدول الرقم (4) المستوحى من الدراسة المشار إليها أعلاه تلك التفاوتات:

الجدول الرقم (4) نتائج الاستدلال الخلقي عند الطلبة المغاربة والأجانب

ألمانياالبرازيلالولايات المتحدةالمكسيكالمغرب
37.82016.815.8810.38

وتتوزع نتائج النمو الخلقي بدلالة المستوى الدراسي، كما هي مبينة في الجدول الرقم (5) على الشكل التالي:

الجدول الرقم (5) نتائج الاستدلال الأخلاقي بحسب المستوى الدراسي

(النسبة المئوية)

قيمة C-scoreالإعداديالثانويالجامعي
ضعيفة75.583.587
متوسطة20.51612.1
عالية410.9

توضح معطيات الجدول الرقم (5) أن كفاية الاستدلال الخلقي تتجه إلى الانحدار، كلما انتقلنا من مستوى تلامذة الإعدادي إلى الطلبة الجامعيين. ويلاحظ أن هؤلاء يسجلون أعلى نسبة في المستوى الضعيف لكفاية الاستدلال الخلقي (87 بالمئة)، متبوعين بتلامذة الثانويات بنسبة قدرها 83.5 بالمئة. وتعد هذه النسب بليغة إذا ما قورنت بالنتائج المحصلة عند التلاميذ اليافعين المنحدرين من الإعداديات. ويعني ذلك أن قدرة الأفراد على الاستدلال الخلقي تضعف تدريجيا كلما تم التوجه نحو المستويات الدراسية العليا. وتساءل هذه المعطيات بشكل جذري الوظائف الحقيقية للسياسات التعليمية في بلادنا، كما تساءل الأدوار المنتظرة منها في بناء رابطة العيش المشترك. وعوض أن يساعد النسق التعليمي الطلبة على تحسين

قدراتهم على الاستدلال الأخلاقي، توضح نتائج الأبحاث بأنه يقوم بالعكس تماما، الأمر الذي يعوق بناء اجتماع سياسي قائم على أحكام أخلاقية مستقلة. أما في ما يخص كفاية الاستدلال السياسي، فقد تم التوصل إلى النتائج نفسها تقريبا، حيث أظهر البحث حول ناشطي الحركة الاحتجاجية الأخيرة في المغرب أن غالبية المبحوثين يتمركزون على مستوى القيم الضعيفة لنمو كفاية الاستدلال السياسي، بينما تقل كثيرا نسبة أولئك الذين يسجلون نتائج متوسطة، وتنعدم تقريبا الكفاية السياسية المرتفعة لدى العينة المبحوثة.

الشكل الرقم (8) كفاية الاستدلال السياسي عند ناشطي حركة 20 شباط /فبراير

ويبين الشكل الرقم (9) تغيرات كفاية الاستدلال السياسي بدلالة المستوى الدراسي. ويظهر أن الناشطين الذين توقفت دراستهم عند المستويين الإعدادي والابتدائي هم المبحوثون الذين سجلوا المتوسطات العليا في نمو هذه الكفاية، بينما يسجل رفاقهم من ذوي المستويين الثانوي والجامعي المتوسطات الدنيا. وتتشابه هذه النتائج بشكل كبير بتلك المتوصل إليها في الدراسة المشار إليها سلفاً حول النمو الخلقي عند الطلبة والتلاميذ المغاربة.

الشكل الرقم (9) علاقة كفاية الاستدلال السياسي بالمستوى التعليمي

خاتمة

كانت هذه بعض المعطيات والنتائج حول الإيتوس الثقافي المؤسس للاجتماع السياسي في المغرب. وحين تضاف هذه العناصر إلى العوامل التي تأخذ بها الجغرافيا السياسية في تقدير المستقبل الاستراتيجي للمجتمعات، يتضح قصور العوامل الثقافية والاجتماعية في بناء رأسمال اجتماعي مبني على الثقة المتبادلة، وكفيل بتطويع المتغيرات الاقتصادية والإيكولوجية واستغلالها لبناء مستقبل أفضل.

والواقع أن البيانات المقدمة سلفا تطرح إحدى المعضلات الأساسية المتعلقة بإرساء المشروع الديمقراطي في بلد مثل المغرب. ففي الوقت الذي يتسارع فيه التنميق المؤسساتي بوتيرة كبرى، مع ما يتطلب ذلك من إنفاق عمومي، ما زالت الثقافة السياسية السائدة تركن إلى العائلية المفرطة والاحترازية الضيقة. ويبدو أن تعرض المجتمع المغربي للحداثة الغربية منذ عشرات السنين، لم يساهم إلا قليلا في تقويض النماذج الثقافية والوجدانية التي وصفتها الإثنوغرافيا الفرنسية بإتقان في مستهل القرن العشرين.

المراجع

خليل، حسين (2009). الجغرافيا السياسية: دراسة الأقاليم البرية والبحرية والدول وأثر النظام العالمي الجديد في متغيراتها. بيروت: دار المنهل اللبناني.

غيلنر، إرنست (2005). مجتمع مسلم. ترجمة ابو بكر احمد باقادر. طرابلس-ليبيا: دار المدار الإسلامي.

كانط، إيمانويل (2002). تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق. ترجمة عبد الغفار مكاوي. ط 3. كولونيا: منشورات الجمل.

نصر، محمد وجميل هلال (2007). قياس رأس المال الاجتماعي في الاراضي الفلسطينية. القدس: معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني.

Aghbal, Ahmed (2012). «La Compétence de raisonnement morale et les compétences civiques chez les élèves et les étudiants marocains.» Communication au colloque sur «L’Ethique à l’université marocaine» tenu le 28-29 Mars 2012 à la faculté des sciences de l’éducation à Rabat, à paraitre.

Bourdieu, Pierre (1980). «Le Capital social: Notes provisoires.» Actes de recherches en sciences sociales: vol. 31.

Bourdieu, Pierre (1986). «The Forms of Capital.» in: John G. Richardson, ed., Handbook of Theory and Research for the Sociology of Education. New York: Westport; London: Greenwood Press.

Bourquia, Rahma (2011). Culture politique au Maroc. Paris: L’Harmattan.

Foucault, Michel (2004). La Naissance de la biopolitique: Cours au collège de France (1978-1979). Sous la direction de François Ewald, Alessandro Fontana et Michel Senellart. Paris: Gallimard/Seuil. (Hautes études)

Fukuyama, Francis (1997). La Confiance et la puissance: Vertus sociales et prospérité économique, traduit par Pierre-Emmanuel Dauzat. Paris: Plon.

Geertz, Clifford (2003). Le Souk de Sefrou, sur l’economie du Bazar. Traduit par Daniel Caefai. Saint Denis: Edition Bouchène, 2003.

Houard, Jean et Marc Jacquemain (2006). Capital social et dynamique régionale. Bruxelles: Deboek université.

Inglehart, Ronald (1993). La Transition culturelle dans les sociétés industrielle avancées. traduit par B. Frumer et A-R. Maisonneuve. Paris: Economica.

Inglehart, Ronald (1997). Modernization and Postmodernization, Cultural, Economic and Political Change in 43 Societies. Princeton, NJ: Princeton University Press.

Leleux, Claudine (2003). «Théorie du développement moral chez Lawrence Kohlberg et ses critiques (Gilligan et Habermas).» in: J. M. Ferry et B. Libois (dir.). Pour une éducation postnationale. Bruxelles: édition de l’université de Bruxelles. (Philosophie et société)

Peyrefitte, Alain (2005). La Société de confiance: Essai sur l’origine du développement. Paris: Odile Jacob.

Putnam, Robert (1995). «Bowling Alone: America’s Declining Social Capital.» Journal of Democracy: vol. 6.

Terrasse, Henri (1949). Histoire du Maroc des origines à l’etablissement du protectorat: Tome 1. Casablanca: Editions Frontispice.

Triandis, Harry (1996). «The Psychological Measurement of Cultural Syndromes.» American Psychologist: vol. 51.


[·] البريد الإلكتروني: Hougua2010@ Gmail.com

[1]انظر: الباروميتر العربي (موقع إلكتروني)، <littp://www.arabbarometer.org/arabic/index.htinl>.

[2] World Values Survey 2005 Official Data File v. 20090901 (2009). World Values Survey Association, <http://www. worldvaluessurvey.org/>.

[3] نتوجه بالشكر الجزيل إلى أ. أحمد أغبال لتمكيننا من معطيات ونتائج دراسته وكذلك لتزويدنا بالمقاييس المتعلقة بالنمو الأخلاقي والاستدلال السياسي (Aghbal,2012).

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading