طه لحميداني

باحث في العلوم السياسية والقانون العام

إن الحديث عن اختصاص البرلمان المغربي في تقييم السياسات العمومية، هو من باب تحصيل حاصل (كمبدأ). ما دامت هاته الممارسة حاضرة في التجارب البرلمانية السابقة، عبر إعمال آليات المراقبة الكلاسيكية، والتي اعترتها النسبية وكثير من الحدود المعيارية، لقلة الإمكانات المتاحة لهاته المؤسسة. الشيء الذي حذا بالمشرع الدستوري ليبوأ هذا الاختصاص مكانة دستورية، كعنوان ثالث لاختصاص السلطة التشريعية. لكن للأسف، تجاهل النظام الداخلي لمجلس النواب هذا الاختصاص، ولم يمنحه اعتبارا مقدرا، وكرس العوائق البنيوية لخيار العقلنة البرلمانية، وكذا الاختلالات الوظيفية لأعضاء البرلمان، في القوة الاقتراحية لتعديل النظام الداخلي.

يستلزم الحديث عن السياسات العمومية، التنبه بدءا لكونها إجراءات تتم في إطار القانون، تستنبط جوابا مماسسا عن مشكلة أو مشاكل ما. وهي أيضا سلسلة قرارات ترتبط بمجموعة تفاعلات ديناميكية معقدة تشترك فيها عناصر رسمية وغير رسمية -، مميزة في سياقها القراري، ترتبط بثقافة ومنظومة قيم فكرية وسياسية، وببنائية السلطة وتوزيعها كذلك. ويفترض في السياسات العمومية أنها حاملة لعدة تناقضات بين الصوالح الخاصة والفئوية والصالح العام، وهو ما افترضته النظرية الفئوية الجديدة “”neo – corporatiste” ([1])

وما يفترضه الواقع من خلال صعوبة التحكيم في المصالح المتعارضة. إنها عموما إشكالية التفضيلات والاختيارات في ظل حجم الاختلافات.

ومما يطرح من الإشكالات -عطفا على ذلك-، مسألة تدخل الدولة بواسطة السياسات العمومية، أي تلك الشروط التي تصبح فيها الرهانات الاجتماعية موضوعا لسياسات عمومية (تتطلب تعبئة موارد بشرية وتقنية ومالية في ظل تنامي صراعات المصالح والصعوبات الاجتماعية والتطلعات من كل الأنواع. حتى أنه من الصعب الحديث عن سياسات عمومية في ظل نظام سلطوي، مادامت لا تنشأ إلا في إطار تنافس سياسي، يتميز بتعدد البرامج، والتصورات الاجتماعية.

ولا شك-ضمن سيرورة تفاعلات انتقال قضية مجتمعية إلى المستوى السياسي- كموضوع للسياسات العمومية-، أن للمؤسسات التمثيلة دورا في مجال إعداد، مراقبة، وتقييم الأخيرة. وهو الفعل الذى يتمايز بناء على الإمكانات والحدود المعيارية والعملية، المرصودة للبرلمانات في الأنظمة السياسية والدستورية.

ولم يحد دور البرلمان المغرب في إعداد السياسات العمومية أو تقييمها، عن الوضع الاعتباري للمؤسسة البرلمانية عموما، كمؤسسة معقلنة ” rationalise”، محكومة بقيود سياسية ودستورية. وميسر اختبار صلاحيتها عبر الإمعان في الدستور المغربي والقانونين التنظيميين لغرفتي البرلمان، ونظاميهما الداخليين. هذا الموقع عموما إزاء السلطة التنفيذية(المؤسسة الملكية والحكومة، كقطبين مختلتي التوازن)، ودون إغفال القدرات المحدودة أيضا للفاعل البرلماني في إنتاج خطاب رصين يهم السياسات العمومية (والأمر هنا لا يهم القدرة الخطابية “competence linguistic Policy”وحسب، بل الكفاءة التقنية أيضاءPolicy linguistic competence). ([2])
مساهمة العقلنة البرلمانية في محدودية دور البرلمان في صياغة أو تتبع أو تقييم السياسات العمومية.

تقوم الهندسة الدستورية المغربية على البرلمانية المعقلنة ([3])، التي تؤدى إلى إمالة التوازنات الدستورية والسياسية للسلطة التنفيذية، وتعميق اختلال توازن ثنائية هاته السلطة من جهة أخرى. وعلى الرغم من صدور الوثيقة الدستورية الجديدة، التي منحت تصورا أكثر انفتاحا تجاه البرلمان، إلا أنه من الصعوبة بمكان تجاوز محددات اتخاذ القرار السياسي بالمغرب، في ظل تمركز الأخير، الذى نما في هوامش بنى كلاسيكية لممارسة السلطة ،([4]) وبالتالي صعوبة الانتقال من رؤية دولتية متمركزة stato-proceduraleحول
السياسات العمومية (وهي رؤية القانون العام )، إلى رؤية مفادها أن أشكال التعبير عن التفضيلات تصبح أقل شكلية وغير مسطرية non-procedurale ([5])
في إطار آخر، يمكن تقديم عناصر منهجية وتفسيرية لدور البرلمان في تقييم السياسات العمومية، وذلك انطلاقا من مفهوم “referentiel المرجعية” الذي تم إنتاجه
وتداوله في تحليل السياسات العمومية، وإمكانية استثمار هذا المفهوم، تجد الحاجة إليها، ضمن المستويات التالية:

– التمثيلات والقيم الأساسية : حيث يسجل نقاش ومساءلات بخصوص القيم الحاكمة، والآثار الاجتماعية للسياسات المتبعة.

– المعايير normes: والتي تهم مبادئ العمل العمومي، ويمكنi,action publique ويمكن في هاته الحالة استحضار العلاقات الناظمة للسلطتين التنفيذية والتشريعية، ومقعهما المعياري من بعض.

– اللوغاريتم algorithme: المحيل على العلاقات السببية، المضمنة في نظرية الفعل (إذا كان، فإن). وهنا يمكن الانطلاق من فرضية، مفادها أن البرلمان يتوفر على قدرات محدودة لتقييم واقتراح وسيناريوهات بديلة للسياسات العمومية
المعروضة أو المطبقة من قبل الحكومة، لدواعي داخلية (تقنية، المعلومات، الموارد البشرية…)، وخارجية، تتمثل خصوصا في تناقص الخيارات السياسية البديلة على المستوى الدولي من بداية التسعينيات.

– الصورة image: أي وجود تراكم من الصور والتمثلات الذهنية، ساهمت في العجز القيمي والعملي في الشرعية deficit axiologique et pratique de  legitimite، وكذا العجز القيمي المتجسد في الوضع الدوني لتمثيلية الأجزاء والفئات بالمؤسسة التشريعية، مقارنة بالتمثيلية الأسمى للأمة. وهناك صور ذهنية أخرى تمنح أساسا علميا للعجز في الشرعية، (غياب البرلمانيين، عدم الفعالية، الترحال السياسي..)، وتبقى صورا متداولة على مستوى الحس المشترك،
والتعبيرات السياسية ([6]).

ويطرح التساؤل اليوم حول الإمكانات الفعلية والحدود المعيارية للبرلمان، غاية في الانتقال من آليات التقييم الكلاسيكية إزاء السياسات العمومية إلى برلمان مقيم ([7])، يستفيد من التنصيصات الدستورية على هذا الاختصاص، ومن التجارب المقارنة، خصوصا التجربة البرلمانية الفرنسية .السياسة العامة والسياسات العمومية والقطاعية بالدستور المغربي.
ورد مصطلح السياسات العمومية وشبيهاته، خمسة عشر مرة في الدستور المغربي -تقريبا- ([8]). ساهمت في إعمال تصنيف للسياسات، بناء على الموضوع تارة (سياسة اقتصادية، اجتماعية، بيئية …)، وتارة بالنظر إلى قيمتها في سلم التراتبية الدستورية والقانونية. ويبقى الفصل 92 من الدستور خير شاهد، حين نص على أن مجلس

الحكومة يتداول ([9]) تحت رئاسة رئيس الحكومة في القضايا والنصوص التالية : السياسة العامة للدولة قبل عرضها على المجلس الوزاري ؛ السياسات العمومية؟ السياسات القطاعية. وهي التراتبية التي أفضت إلى تمايز قيمي، بين سياسة عامة تأسيسية (تعمل على الخلق والإنشاء وتجديد المؤسسات) وسياسات إصلاحية (مرتبطة بنشاط الأفراد مع المؤسسات)، وأخرى قطاعية (موجهة لفئات أو قطاعات معينة).

لقد كان المشرع الدستوري واضحا، ونحى منحى التمييز ببن الاختصاصات، بناء على المعيار الموضوعي والمسطري. وهو ما حضر في اختصاصات كل من مجلس الحكومة و المجلس الوزاري، من حيث إفراد الأخير بالتداول في الخيارات الاستراتيجية لسياسة الدولة، قياسا باختصاصات أدنى لمجلس الحكومة، الذي له حق التداول وحسب في السياسة العامة للدولة، قبل عرضها “إجباريا” على المجلس الوزاري. وهو الاختلال الوظيفي ببن قطبي السلطة التنفيذية، والإمعان في التمييز السلبي بينهما. وعموما، فمكانة المجلس الحكومي، لا تشذ عن موقع الحكومة ضمن المؤسسات الدستورية، وموقعها من محورية المؤسسة الملكية وسموها، في المنظومة السياسية والدستورية. وبالتالي، فاختصاصاته لا ترتقي-أو لا يجب أن ترتقي في فلسفة المشرع الدستوري -إلى مستوى انبثاق مجلس ذي شخصية قوية ومستقلة، تتداول وتقرر في السياسة العامة للدولة وتوجهاتها الاستراتيجية.

ويبقى عموما على رئيس الحكومة -علاقة بالسياسات العمومية -، تقديم الأجوبة على الأسئلة المتعلقة بالسياسة العامة أمام أعضاء البرلمان، بناء على الفصل 100 من الدستور ([10]). وهي نيابة عن مجلس وزاري لا يملك رئيس الحكومة سلطة التقرير فيه.

(وهذا إشكال آخر).

تعزيز الدور الرقابي للبرلمان وموقف المجلس الدستوري تعزز دور البرلمان باختصاص جد هام، تمثل في تقييم السياسات العمومية طبقا للفصل 70 من الدستور ([11]). في محاولة من المشرع الدستوري لإبراز نوع من التمايز الدلالي والوظيفي بين المراقبة   controle، والتقصي nquete، و التقييم evaluation .
فتم تخصيص جلسة سنوية لمناقشة السياسات العمومية وتقييمها ( الفصل 101)، ومنح البرلمان سلطة رمزية في مناقشة تقارير بعض المؤسسات والهيئات، كالمجلس الأعلى للحسابات الذي يقدم رئيسه الأول أمام البرلمان عرضا عن أعمال المجلس متبوعا بمناقشة، طبق الفصل 148. وكذا الحال للمؤسسات والهيئات المشار إليها في الفصول 161 إلى170 من الدستور، التي وجب أن تقدم تقريرا عن أعمالها، مرة واحدة في السنة على الأقل، ويكون موضوع مناقشة من قبل البرلمان، طبقا للفصل 160 من الدستور.

ومن جهة أخرى، تحتل لجان تقصي الحقائق نقطة الارتكاز في تقييم السياسات العمومية والوقوف على اختلالاها. وقد عمل دستور 2011 على تيسير تشكيل هاته اللجان، وذلك -فقط-بناء على طلب ثلث أعضاء أحد مجلسي البرلمان، بدل أغلبية الأعضاء في الدستور السابق، طبقا للفصل 67 من الدستور. ومنح المشاركة الفعلية للمعارضة البرلمانية في تشكيلتها، بناء على المفصل 10 من الدستور، وتعزيز اختصاصاتها، ليناط بها جمع المعلومات المتعلقة بوقائع معينة، أو بتدبير المصالح أو المؤسسات والمقاولات العمومية. كما لها إمكانية إحالة تقاريرها على القضاء من قبل رئيس المجلس المعني، وإلزامية تخصيص جلسة عمومية لمناقشة تقاريرها، طبق الفصل 67 من الدستور. في المقابل، تعتري عمل هاته اللجان حدود معيارية، تهم عدم شمول اختصاصاتها مجالات معتبرة، فالمادة 1 من القانون التنظيمي للجان تقصي الحقائق، تلزم بإخبار “الوزير الأول ” في حالة ما إن أرادت جمع معلومات حول وقائع تتعلق بالدفاع الوطني أو أمن الدولة الداخلي والخارجي، أو علاقات المغرب مع الدول الأجنبية، حيث أمكن للوزير الأول اعتراض ذلك بسبب الطابع السري للوثائق. والقيد الآخر يظهر من خلال العنوان الدال الذي يتصدر القسم الثاني من القانون التنظيمي للجان تقصي الحقائق، وهو “جمع المعطيات”، عبر الوسائل المنصوص عنها في المادة 8 ( الاطلاع علي الوثائق، استدعاء الأشخاص الطبيعيين قصد الاستماع إليهم ).

وإذ يمكن إبداء عدد من الملاحظات بخصوص موقع لجان تقصي الحقائق ضمن مجموع آليات المتوفرة لدى السلطة التشريعية، لأجل مراقبة وتقييم السياسات العمومية، فإنها للأسف- لا يمكنها القيام بتحقيقات حول تدبير المرافق والمقاولات العمومية، إنما التقصي حول حدث معين يستلزم إحداثها، له -غالبا- طابع مؤقت، وتبقي مرهونة بالطبيعة القانونية لنتائج عملها، التي لا تتبوأ مكانة القرارات، بل معلومات وخلاصات، تبقي محل استفهام، في ظل الصعوبات الواقعية التي تواجه هاته اللجان، كبطء إمدادها بالوثائق، صعوبة الولوج للأرشيف، واستدعاء الشهود، ..”.(راجع تقرير اللجنة النيابية لتقصي الحقائق حول مؤسسة القرض العقاري والسياحي، ص 479).

ورغم التشخيص المهم و”الدقيق” مثلا للجنة المشار إليها أعلي، في تحديد المسؤوليات والمخالفات، فالالتباس تمظهر علي مستوى الاقتراحات التي قدمتها، والتي لا يمكن أن تدرج في مجال تقييم السياسات العمومية، إذ اقتصر التقرير على ضرورة إنجاز “مخطط إنقاذ”، ولم يذكر ما يمكن أن يشكل مساهمة من اللجنة في تقوية دور البرلمان في تقييم السياسات العمومية.

ومن الأقدار المهمة، في السنة الأخيرة، تفعيل المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي. إذ لمجلسي البرلمان الحق في استشارته، (الفصل 152 من الدستور)، في القضايا ذات الطابع الاقتصادي والاجتماعي والبيئي. والمواد 175 إلي 181 من النظام الداخلي لمجلس النواب، (كما أقره المجلس المذكور في 12 يناير 2012)،مكنة دستورية هامة، ستقوي من دور البرلمان في مجال مواكبة وتقييم السياسات العمومية.

وإن حددت اللجان الدائمة في النظام الداخلي “المعدل” لمجلس النواب، من ناحية الاختصاص والتأليف، والقواعد المتعلقه بسير أشغالها. فإن هذا النظام الداخلي لم يستطع النهوض بمكانة اللجان، من موقع التفاوض والتداول حول السياسات العمومية، إلي موقع وسلطة التقييم، وحتي المادة 48 من النظام الداخلي المعدل، التي نصت علي أن للجان
الدائمة تخصيص “اجتماعات لتقييم السياسات العمومية للقطاعات التي تدخل ضمن اختصاصاتها”، أقر المجلس الدستوري بعدم دستوريتها، بدعوى أن “مناقشة السياسات العمومية، تتم من قبل مجلس البرلمان في جلسات عمومية تعقد في نفس الفترة وليس في نطاق اللجان البرلمانية الدائمة “. وهو تبرير لم يراعى لا روح الدستور، ولا التجارب الدستورية المقارنة.

وعموما، يبقى أقصى ما يمكن فعله من طرف اللجان هو ممارسة الدور الاستطلاعي المؤقت (المادة 40 من النظام الداخلي التي أثار المجلس الدستوري ملاحظات بشأنها)، ويمكن التثمين بتحفظ عن المجالات التي بدأ يطالها عمل هاته اللجان في السنوات الأخيرة، وزياراتها الميدانية لإدارة الدفاع الوطني، وسجون المملكة، والاستطلاعات حول شروط وظروف تطبيق قانون المالية، بناء على المادة 123 من النظام الداخلي السابق (تقابلها المادة 130 المقر بعدم دستوريتها)….الخ.

لجنة مراقبة و تقييم السياسات العمومية بفرنسا ([12]).

إذا كان النظام الداخلي لمجلس النواب بالمغرب قد اختزل لجانه في ثمان لجان “موضوعاتية”، فإن فرنسا قد نهجت مسلكا آخر، يمنح للبرلمان القيام بدور أكثر رقابة.

وفي هذا الصدد شمل الإصلاح الدستوري لسنة 2008 تكريس دور البرلمان في مراقبة وتقييم السياسات العمومية، وهو ما تم تفعيله في النظام الداخلي للجمعية الوطنية، شهر ماي2009، من خلال خلق “لجنة تقييم ومراقبة السياسات العمومية ” ([13])، فكيف تعمل هذه اللجنة؟ وماهي مكوناتها واختصاصاتها؟ وإلى أي حد يمكن لها مراقبة العمل الحكومي والتأثير فيه؟.

ينص الدستور الفرنسي في فصله 24، على أن البرلمان يصوت على القانون، يراقب العمل الحكومي، ويقيم السياسات العمومية ([14]). وخلاف ما نص عليه الدستور المغربي في ما يهم مراقبة و تقييم السياسات العمومية في جلسة سنوية وحسب، أقر الدستور الفرنسي في فصله 48 على أن يخصص أسبوع واحد من الجلسات، من اصل أربعة أسابيع، حسب الأولوية وبالترتيب الذي يضعه كل مجلس، لمراقبة عمل الحكومة وتقيم السياسات العمومية. ([15])
كما أكد الفصل 47 من الدستور ذاته، في فقرته الثانية، غلى إن ديوان المحاسبة يساعد البرلمان في مراقبة تنفيذ قوانين الموازنة، وتطبيق قوانين تمويل الضمان الاجتماعي، وكذا في تقييم السياسات العامة. ويساهم في إعلام المواطنين من خلال التقارير التي يتم نشرها.([16]).

تتكون لجنة المراقبة و تقييم السياسات العمومية في فرنسا -طبقا للفصل 146 من النظام الداخلي للجمعية الوطنية ” ([17]) من: رئيس المجموعة الوطنية الذي يترأسها، ورؤساء اللجان الدائمة، و رئيس لجنة الأشغال الأوربية الذي يمكن تعويضه بعضو من مكتب اللجنة، والمقرر العام للجنة المالية والاقتصاد العام و مراقبة الميزانية. وكذا نائب الرئيس أو النائب الأول لرئيس مكتب البرلمان لتقييم الاختيارات العلمية و التكنولوجية، ورئيس المندوبية البرلمانية لحقوق المرأة والمساواة بينها و بين الرجل. ومن رؤساء الفرق (والذين يمكن تعويضهم). كما تتكون اللجنة أيضا من خمسة عشرة نائبا يعينون من طرف الفرق، وفقا للمسطرة مشار إليها في المادة 37 من النظام الداخلي للجمعية الوطنية. وهى التعيينات التي تعكس التركيبة السياسية للأخيرة .

أما مكتب اللجنة، فيتكون بالإضافة إلى رئيس المجموعة الوطنية ورؤساء الفرق، من أربع نواب للرؤساء. من بينهم عضو ينتمي إلى فريق المعارضة، وأربع كتاب معينين من طرف أعضاء اللجنة.

ونظرا للأهمية الفائقة لهذه اللجنة، فإنها تعتمد على نظام داخلي ينظم بشكل صريح طريقة عملها وتشكيلها و تأثيرها على العمل الحكومي، وذلك طبقا لما هو منصوص عليه في المادة146 من النظام الداخلي للجمعية الوطنية.

تحدد بدءا هاته اللجنة برنامج أشغالها لكل سنة تشريعية، باقتراح من مكتبها، ووفق الشروط المنصوص عليها في الفقرة الثالثة من المادة 146 من النظام الداخلي للجمعية الوطنية.

وتشتغل هاته اللجنة في حدود لا تتجاوز اختصاصات اللجان الدائمة. وللتذكير فإن فشل المكتب البرلماني للتقييم الذي أنشأ سنة 1995 كان سببه تعارض اختصاصاته مع اختصاصات اللجان الدائمة. وعطفا على ذلك، فكل لجنة معنية بموضوع دراسة تقييم، تعين عضوا أو عدة أعضاء منها للمشاركة في لجنة المراقبة وتقييم السياسات العمومية.

وتعمل هاته اللجنة على إعطاء رأيها في الوثائق التقريرية لدراسة الجدوى، المرفقة لكل مشروع قانون مقدم من طرف الحكومة، وفق الشروط المنصوص عليها في المادة 146 فقرة الثالثة من النظام الداخلي للجمعية الوطنية. يصادق على إبداء الرأي من قبل اللجنة أو من قبل مكتبها في حالة الاستعجال.

وإذا تم التأمل في النظام الداخلي للأخيرة، فللمعارضة نظريا اختيار موضوع تقييم السياسات العمومية مرة في كل دورة. كما لها حق أن يكون أحد المقررين منها. كما لها الاستعانة. بخبراء خارج الجمعية الوطنية، تنتهى مهمتهم بعد انقضاء مدة اثني عشر شهرا من تعيينهم.

وتقدم لجنة المراقبة و تقييم السياسات العمومية تقريرا. كما تقدم توصيات إلى الحكومة يجيب عنها الوزراء المعنيون داخل أجل ثلاثة أشهر. وبعد انقضاء مدة ستة أشهر من تاريخ نشر التقرير، يقدم مقررو اللجنة تقريرا حول متابعة تطبيق خلاصاتهم من قبل الحكومة.

الصعوبات التي تواجه البرلمان على مستوى تقييم السياسات العمومية.
لم يكن من الترف النظري الحديث عن تعريفات السياسات العمومية وبعض سماتها، إذ أن أبرز مشكل سيواجه البرلمان هو تحديد السياسات العمومية، وصعوبة هذا العمل تجد مشروعيتها في:

  • مشكل البيروقراطية (بمفهومها السلبى )، الذي قد يعيق تفكيك الظاهرة والتمكن من آليات لرصدها، كون محتوى ومضمون السياسات العمومية هو محط هروب من طرف الأكاديمي وحتى “الفاعل المقيم “، لأنه جد معقد ومرتبط برهانات، قد تكون ميكيافيلية.
  • مشكل القرار، وبنيته وماهيته، إذ من الصعوبة الوصول لهذه المحددات، والباحثون في علم السياسة -عموما- يجعلون من متطلقهم البحثي، السؤال عن من يتخذ القرار؟ وما الذي تقرر فعلا؟، وكل ما يتعلق ببنية القرار والعمل السياسي.

-أيضا هناك عقبة مهمة، تتعلق بالخطاب المصاحب للسياسات العمومية، هل يمكن اعتماده كمادة خام للتحليل والتقييم. وبلغة أكثر تركيزا، إلى أي حد يمكن اعتباره ذا مصداقية لتقييم السياسات العمومية.

-وبخصوص التقييم، وقياس ما تم الإعلان عنه، مع ما تم تحقيقه في الميدان، والبحث عن المعاني المنطقية ودلالة الأعمال المنجزة، فإن ذلك ليس مجرد تمرينات رياضية، بل هناك التعرض للوثائق والأهداف والأنشطة والأساليب، وكل المراحل التي تمر بها الوسائل التقييمية.

دون إغفال مشكل العجز المزدوج للبرلمان، بنيويا وممارساتيا، على مستوى وسائل الحصول على المعلومات، وكذا القدرة على التأثير في المشاريع والبرامج الحكومية. ([18])

خلاصات:

إن ما يميز السياسات العامة هو شمولية نتائجها لشرائح المجتمع كله، مما يحتم على البرلمان الاهتمام بمواكبتها وتقييمها المرحلي، بشكل يؤدي إلى زيادة فرص نجاحها وتحقيق المنافع المتوقعة عند تنفيذها، وتقليل احتمالات فشلها إلى أقل نسبة ممكنة. وهو ما سيجنب المجتمع الكثير من الآثار التي تصاحب تنفيذ السياسات العامة الفاشلة أو المرسومة بشكل غير صحيح.

إن تقييما موضوعيا للسياسات العمومية بالمغرب يسمح بتشخيص أفضل لأسباب عدم فعاليتها، المتمثلة على وجه التحديد في سؤال معالم استراتيجية السياسات العامة بالمغرب، سؤال المركزية المفرطة، وأيضا غياب التقويم والمتابعة، بالإضافة سؤال البعد التشاركي.

من جهة أخرى، لا زال الدستور المغربي يكرس الدور الرئيسي للمؤسسة الملكية، في تحديد أجندة السياسة العامة للدولة، واختياراتها الاستراتيجية، عبر المجلس الوزاري الذى يرأسه، وكذا عبر خطابات افتتاح الدورات البرلمانية كمصدر أساس لتأطير العمل البرلماني. والفصل 52 من الدستور واضح إذ يؤكد أن: للملك أن يخاطب الأمة والبرلمان، ويتلى خطابه أمام كلا المجلسين، ولا يمكن أن يكون مضمونه موضوع أي نقاش داخلهما”.

لقد كانت التعديلات المدخلة على النظام الداخلي لمجلس النواب، امتدادا “غريبا” لروح النظام الداخلي السابق. والاعتذار بالظرفية السياسية، ومحاولة موائمته السريعة مع الدستور، لا تمنح الحق لتبخيس اختصاص هام للسلطة التشريعية، منصوص عليه دستوريا.

إن التفوق المعياري والعملي للسلطة التنفيذية، على مستوى الكتلة الدستورية والواقع العملي. أيضا، والضعف الاقتراحي وعجز الأغلبية والمعارضة البرلمانية عن تعبئة الكفاءة العلمية والخبرة النقدية. يجعل أعضاء البرلمان اليوم، أغلبية ومعارضة
مطالبين باستنهاض هممهم، وإنتاج خطابات وآليات حجاجية علمية وعميقة، تتجاوز إعادة إنتاج التشخيصات السابقة، حتى يكونوا جديرين بتمثيل الأمة.

وإذا كانت الحكومة، تستطيع استقطاب الباحثين في العلوم الاجتماعية والسياسية والقانونية، فما من محيد للفرق النيابية، والمعارضة بالخصوص، إلا تعبئة الخبرات المضادة. وهذا هو الاستعمال التنافسي الذي سيرقى بالسلطة التنفيذية والتشريعية على حد سواء. والمادة 32 من النظام الداخلي لمجلس النواب، تنص على أن الفرق النيابية الحق في التوفر على إمكانات مادية وموارد بشرية داخل مقر المجلس، من مكاتب وموظفين وخبراء، لتنظيم مصالحها الداخلية وتقديم الاستشارة عند الاقتضاء، تتناسب مع عدد أعضاء كل فريق أو مجموعة نيابية، ويعمل مكتب المجلس على توفيرها في حدود إمكانيات المجلس في مستهل الفترة النيابية”.

على أن البرلمان أيضا، مطالب بتجاوز كل ما يعيق تقييمه للعمل الحكومي، من خلال التأسيس العلمي لمنظومة حججية ومستندية، ومستويات راقية من الخطاب المصاحب لهذا الاختصاص، والتكوين المستمر لأعضائه في استخدام المناهج التقييمية .methodes evaluatives([19])

يجب اليوم استثمار التنصيص الدستوري على هذا الاختصاص الهام للسلطة التشريعية، وتبيئة التجارب .المقارنة الناجحة، كإعمال لجنة لتقييم السياسات العمومية مثل التي في فرنسا، او بنية ما للتقييم داخل المؤسسة التشريعية، يشمل عملها تقييما استباقيا ومواكبا وبعديا، على قاعدة من معايير :” الشرعية، الملائمة، المردودية، والفعالية “.


[1] تنطلق هاته النظرية من كون السياسات العمومية نتاج علاقات خاصة للدولة مع بعض المجموعات والأوساط المنتقاة، مثل التمثيليات المهنية الأكثر تأثيرا، حيث يحاول كل قطاع أو مجموعة فرض منطقه لأعاده الإنتاج كغاية قصوى، ما يؤول إلى بروز التناقضات بين المطالب الخاصة والصالح العام، وبالتالي فالمحدودية المعيارية والتقنية لدور البرلمان في مجال إعداد أو تتتبع السياسات العمومية وتقييمها، إضافة للتأثيرات غير المعروفة lobbying، تؤديان لصعوبة التحكيم بين المصالح المتعارضة.

Pollet Gilles, Analyse des politiques publiques et perspectives theoriques. Essai de modelisation a travers l’excmple des politiques de retraite dans une perspective historique in Faure Alain, Pollet Gilles, Warin Philippe (dir). La construction du sens dans les politiques publiques. Debats autour de la notion de referentiel, Paris, L’Harmattan collection “Logiques Politiques”, 1995, p44,

[2]Sebastien SEGAS : « Conversing with Policy actors, on the languages of public policies”, p3.

[3] للتعمق أكثر، حول فكرة “العقلنة البرلمانية “، راجع: Bernard chantebout: droit constitutionnel; 18eeme edition, Ed

Armand Colin, Paris, 2001, p 368

[4] هذه الهوامش خلقت مساطر وممارسات تحاول شرعنة ذاتها كالمساومة في ظل الديمقراطية، وبالتالي لا يمكن انتظار توزان مستديم للمصالح.

Jurgen Habermas: L’espace public: Archeologie de la publicite comme dimension constitutive de la societe bourgeoise, traduction de 1’allemand par Marc B. DE Launay, Ed. Payot(coll. Critique de la politique), Ed.1993, Paris ; p 207

[5] د. ندير المومني، ورقة خلفية حول ؛ دور البرلمان في إعداد، مراقبة وتقييم السياسات العمومية رحالة المغرب- مسودة-، عن المركز العربي لتطوير حكم القانون والنزاهة، التاريخ غير متوفر، ص 2.

راجع أيضا:

Gilles Massardier : Politiques et action publiques ; Ed. Armand Colin ; Paris,2003 (p23et61).

[6]د. ندير المومني، مرجع سابق، ص 3 و 4.

[7]J.-P. Duprat: « Le parlement evaluateur » ; Revue Internationale du droit constitutionnel °2 ; 1998 ( pp551 et s).

[8]الفصول التي تحدثت عن مساهمة بعض المجاس بإبداء الرأي في بعص السياسات العمومية : 5 و137 و 163و168و169

– فصل هم إشراك الفاعلين في إعداد السياسات العمومية: 13.

– الفصول التي تطرقت للسياسة العامة للدولة: 92 و137.

-قصلين تحدث عن السياسة العامة: 100 و103.

– فصل تحدث عن تنفيذ السياسة الحكومية: 93.

– فصل أورد تعبير “الاختيارات الاستراتيجية لسياسة الدولة: 49.

– فصل أورد تعبير ” السياسة اقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية والخارجية “: 88.

– تعبير: نشاط الدولة في الميادين…/ومجالات النشاط الوطني “، وردا على التوالي في الفصلين: 71و 88.

-الفصول التي أوردت مصطلح التقييم: 70 و101 و168.

[9]يعتبر التداول deliberation عنصرا هاما في الديمقراطيات، يفترض أن يتضمن تواصلا وتفكيرا حول التفضيلات بشكل غير إكراهي، وهنا تمن الحاجة إلى الأدوات المنهجية التي اقترحها هابرماس، والتي تتيح التمييز بين السياسة كنقاش حول أسئلة القيم، وبين السياسة كمجموعة من الأسئلة حول التفضيلات .)

أنظر بهذا الصدد:

د ندير المومني ورقة خلفية حول: دور البرلمان في إعداد، مراقبة وتقييم السياسات العمومية ….، مرجع سبق ذكره ،

ص 3 .

Jurgen Habermas : « Three normative models of democracy » ; in «Democracy and difference, contesting the boundaries of the political» ; Edited by Seyla Benhabib ; Princeton University Press; New Jersey ; 1996. p23

[10]الفصل 100 من الدستور: “……

تقدم الأجوبة على الأسئلة المتعلقة بالسياسة العامة من قبل رئيس الحكومة، وتخصص لهذه الأسئلة جلسة واحدة كل شهر، وتقدم الأجوبة عنها أمام المجلس الذى يعنيه الأمر خلال الثلاثين يوما الموالية لأحاله الأسئلة إلى رئيس الحكومة “.

[11]الفصل 70 من الدستور:” يمارس البرلمان السلطة التشريعية. يصوت البرلمان على القوانين، ويراقب عمل الحكومة، ويقيم السياسات العمومية.

[12]COMITE DEVALUATION ET DE CONTROLE DES POLITIQUES PUBLIQUES

[13]Les dispositions de ce chapitre resultant de la resolution n° 292 du 27 mai 2009 ont ete declarees conformes a la Constitution par decision du Conseil constitutionnel du 25 juin 2009 (J.O. du 28 juin 2009) sous reserve des observations suivantes : « sont exclus du champ de competence du comite le suivi et le controle de l’execution des lois de finances et des lois de financement de la s6curite sociale, ainsi que l’evaluation de toute question relative aux finances publiques et aux finances de la securite sociale ; (…) en outre, la separation des pouvoirs interdit que, pour conduire les evaluations, les rapporteurs du comite puissent beneficier du concours d’experts places sous la responsabilite du Gouvemement ; (…) les recommandations du comite transmises au Gouvemement comme le rapport de suivi de leur mise en oeuvre ne sauraient, en aucun cas, adresser une injonction au Gouvemement »

[14]Article 24″ Le Parlement vote la loi. II controle Taction du Gouvernement. II evalue les politiques publiques.

[15]Article 48 “

Une semaine de seance sur quatre est reservee par priorite et dans 1’ordre fixe par chaque assemblee au controle de Taction du gouvernement et a revaluation des politiques publiques.

[16]Article 47-2 ” La Cour des comptes assiste le Parlement dans le controle de l’action du gouvernement. Elle assiste le Parlement et le gouvernement dans le controle de lexecution des lois de finances et de Tapplication des lois de financement de la securite sociale ainsi que dans levaluation des politiques publiques. Par ses rapports publics, elle contribue a linformation des citoyens.

[17]Article 146-2

1ll est institue un comite devaluation et de controle des politiques publiques.

2Sont membres de droit du comite :

  1.   le President de l’Assemblee, qui le preside ;
  2. les presidents des commissions permanentes et celui de la Commission des affaires europeennes, qui peuvent se faire suppleer par un maembre du bureau de la commission ;
  3.   le rapporteur general de la Commission des finances, de I’economie generale et du contr6le budgetaire;
  4.  le depute president ou premier vice-president de I’Office parlementaire devaluation des choix scientifiques et technologiques;
  5.  le president de la delegation parlementaire aux droits des femmes et a l’egalite des chances entre les hommes et les femmes ;
  6.  les presidents des groupes, qui peuvent se faire suppleer.

9Le comite comprend egalement quinze deputes designes par les groupes suivant la procedure fixee a l’article 37. Les nominations ont lieu en s’efforfant de faire en sorte que la composition d’ensemble du comite reproduise la configuration politique de l’Assemblee. 10Le bureau du comite comprend, outre le President de I’Assemblee et les presidents des groupes, quatre vice-presidents, dont l’un appartient a un groupe d’opposition, et quatre secretaires designes parmi ses membres.

11Les votes au sein du comite ont lieu dans les conditions definies par I’article 44.

12Le bureau est charge d’assurer la publicite des travaux du comite. Chaque reunion fait l’objet d’un compte rendu qui est rendu public.

13le comite definit son reglement interieur.”

[18]– Mohamed Harakat: «Gouvernance ct evaluation des politiqucs publiques : essai sur le role du parlement dans levaluation de laction publique au Maroc » ; in Gouvernance et nouvelle gestion publique .au Maroc ; textes reunis et presentes par Mohamed Harakat ; serie management strategique ; n° 6 ; 2005 ; Publication de la Revue Marocaine d’Audit et de developpement; (pp 47-73) (p47).

[19]ورد هدا المصطلح لدى المفكر، Bernard Perret

راجع: 2001 (p68) Bernard Perret: « devaluation des politiques publiques » ; Ed. La decouverte ; Paris

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading