عبد الكريم غلاب
أخذ موضوع المرأة في المجتمعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بعدًا غريبًا عن التطور الفكري والصناعي الذي عرفه العالم ويسير فيه بقوة صاروخية.
وهذا البعد المصطنع تتفق فيه المجتمعات المتقدمة والمتخلفة على السواء حتى إنه استحق من العالم عقد مؤتمرات دولية تشارك فيها مختلف دول العالم، وتضمن مشاركة المجتمعات والهيئات غير الحكومية وخاصة النسائية بشكل لا يضمن لأي مؤتمر عالمي، ولو كان من مستوى مؤتمرات السلام والأمن أو مؤتمرات الماء والغداء. مؤتمر بيكين سنة 1995 وقبله مؤتمر المكسيك 1976 وكوبنهاكن 1980.
وحتى نكون واقعيين يجب أن نبدأ من حيث بدأت الفروق الجوهرية بين الرجل والمرأة. منذ الولادة وكل من الرجل والمرأة يتوفر على رأسمال من المميزات والخلايا منها بويضات عند المرأة قد تصل إلى مليونين تتلاشى شيئًا فشيئًا حتى سن اليأس.
أما الرجل فإنه يفرز حيوانات منوية تبدأ عبد البلوغ إنطلاقًا من الخلايا الجنسية الذكرية وتصاحبه حتى الموت، وهي العنصر الأول في الإنجاب. وهولا يخضع لأي نزيف شهري فهو فيزيولوجيا يتمتع باستقرار. تختلف عنه المرأة في هاتين الظاهرتين، والنزيف الدموي الشهري مظهر أساسي في نظامها الحياتي.
ويختلفان في نوع الهرمونات عند كل منهما، عند الرجل هرمون تنتجه الخصيتان وعند المرأة هرمون من نوع آخر ينتجه المبيض. هرمون الرجل مسؤول عن صفات الذكورة المتمثلة بعضها في خشونة الصوت وبروز الترقوة وشعر الوجه، وتمركز الشحم في الكتفين وزيادة قطر المنكبين عن قطر الردفين.
وهرمون المرأة مسؤول عن بروز الثديين والنزيف الشهري، وتمركز الشحوم في الردفين مما يجعل قطرها يفوق قطر المنكبين وليونة الصوت.
ولكل من آثار هذين الهرمونين أثره في تكييف طبيعة كل من الرجل والمرأة. حينما يفرز هرمون المرأة العادة الشهرية يجعلها ذلك عرضة لبعض التوثرات النفسية تؤثر في سلوكها. ليس ذلك مرضًا نفسيًا، ولكنه أعراض لما يفرزه الهرمون الخاص. فهي شيء طبيعي، ولكنه يحدث آثارًا غير طبيعية منها التوثر واضطرابات نفسية قد تؤثر على الاستمرار الطبيعي للتفكير بدون توثر. كما يحدث عند كل إنسان حينما تتوثر أعقابه لسبب طارئ فيتعكر مزاجه. وقد قال الفقهاء: أن القاضي لا ينبغي أن يحكم إذا كان مزاجه متعكرًا مضطربًا متوثرًا.
ومن المظاهر التي قد تفرزها العادة الشهرية حالة الاكتئاب، كما تظهر أيضًا في فترة ما بعد الولادة، وفي سن اليأس، وعند تناول أقراص منع الحمل، وهي حالات عديدة قد تصل إلى 150 عارضًا حسب ما أحصاها بعض الاختصاصيين يمكن أن تسبق العادة الشهرية وتسبب اضطرابًا في المزاج والسلوك. وإلى جانب ذلك هناك مظاهر عضوية جسيمة كانتفاخ الثديين واحتقانهما والألم الذي يصحب ذلك وانتفاخ البطن والألم الذي يصاحبه والشعور بالتعب واضطراب النوم، واضطراب شهية الأكل وضعف الحماس في العمل، والتعامل مع الأسرة والأصدقاء، وضعف التركيز وألم المفاصل والعضلات… الخ.
وللهرمونات الأنثوية منافعها، يذكر بعض العلماء أنها تقي من تصلب الشرايين، وتساعد العظم على القوة والصلابة، ولذلك فالمرأة مأمونة من كثير من الأمراض التي يتعرض لها الرجل. وقد يفسر ذلك أن النساء في الغالب أطول عمرًا من الرجال.
ينبغي الإشارة إلى أن هذه الخصوصيات – وهي تؤدي إلى تخصصات في الحياة الإنسانية شيء طبيعي لا تنقص من قيمة أي من الرجل والمرأة. فليست المرأة قذرة لأنها تحيض إلا في العقلية البدائية، وليست المرأة وعاء لأن مبيضاتها تتعامل مع الإفرازات الذكورية فيكون الإنجاب ويكون في رحم المرأة بالذات. إنها وظيفة بيولوجية تفتخر بها المرأة لأنها خصوصية من خصوصياتها لإنتاج الجنس البشري، بهذه النظرة السامية يمكن مواجهة الرؤية المتدنية لطبقة اجتماعية مختلفة من الرجال تعتبر قيام المرأة والولادة مهمة دونية.
ومن المؤكد أن المرأة حتى المثقفة والمشتغلة لا يمكن أن تتخلى عن عطلة الولادة فتعتبرها مثلاً مثل عطلة الإصابة بالزكام، ولا أن تتخلى عن ساعة من العمل للرضاعة مثلاً مساواة لها بالرجل، أو تتخلى عن زينتها، خاصة كلما كانت مناسبة لمقابلة رجل أو حضور حفلة مختلطة.
ثم لماذا تصر المرأة، وبإرادتها هذه المرة وليس بإجبار الرجل، أن تتحجب وأن تقنع شعرها وعنقها وأحيانًا وجهها أو نصفه وألا تمد يدها لمصافحة الرجل. لماذا تشعر بأنه يزني بعينيه، وكما أجابتني إحدى المتحجبات: خوفًا من الفتنة. لماذا تشعر بأنه يفتتن بها ولا تتهم نفسها بأنها تفتتن به؟
هذه الفروق البيولوجية تفرض فروقًا سيكولوجية، وبالتالي فروقًا في طبيعة العلم التي تتأثر بالجسم والنفس. وفروقًا في الميول الذاتية الشخصية والبشرية والاجتماعية. وهي فروق لا يمكن التخلص منها ومن رواسبها وآثارها لمجرد الرغبة في المساواة ورفع شعارها. كل من المرأة والرجل لا يمكن أن يقبل التخلص من طبيعته البيولوجية، فلا الرجل يقبل أن يصبح امرأة. بل في بعض البلاد العربية قد يشتم الرجل بأنه امرأة. والمرأة لا تقبل أن تتخلى عن طبيعتها البيولوجية، لا تقبل أن يكون صدرها أملس أو أن ينبت الشعر في وجهها أو تتخلى عنها العادة الشهرية حتى إذا ما جاء الوقت لذلك شعرت بالاغتمام والكدر، ولا أن تكون عقيمًا، ولا أن يكون صوتها أجش. وقد تتضايق إذا كان طولها يعادل طول الرجل الفارع. وجماع ذلك أنها لا تقبل أن تكون رجلاً.
وما يزال الكثير من النساء المثقفات يرفضن كلمة “جاك جاك روسو”: فيما عدا الجانب الجنسي فالمرأة رجل. “إذا أدخلنا الجانب الجنسي في الموضوع وهو مهم، هل تقبل المرأة أن تتخلى عن دورها الجنسي لتقوم بدور الرجل. لكل منهما دوره الذي يختلف عن الآخر وما أظن أنهما يقبلان التبادل.
من هنا ندرك أن رفع شعار المساواة حتى في البلاد النامية اقتصاديًا واجتماعيًا يجب أن يتحدد مفهومه حتى لا يأخذ مفهوم رجولة المرأة. على نحو ما قال روسو. إنعدام المفهوم ألغي الفروق البيولوجية والنفسية في بعض البنات وأخذت المرأة تقوم بدور الرجل في العمل الجسمي والوظيفي. حتى تنكرت إحدى الكاتبات الفرنسيات فقالت: “إن ما يقدم اليوم للنساء في المجال السياسي وفي مجال الشغل ينظر إليهن من خلاله وكأنهن رجالاً سواء على الصعيد الحيوي البيولوجي أو على الصعيد الثقافي، وأدى إلى الانزلاق إلى النموذج الذكوري. وأضافت الكاتبة: لكن حيث إن النساء لسن رجالاً، ولا يستطعن، ولا يردن، أن يتنكرن لأنفسهم كانت يوميتهن المتضاعفة هي ثمن الوضعية التي توجدن عليهن اليوم. ومن المعلوم أن هذه الوضعية إنما هي فخ تقع فريسته اليوم النساء الأشد حرمانًا من الناحية الاجتماعية”.
لا أدري إلى أي حد نجحت المجتمعات التي اعتبرت المرأة كالرجل سواء بسواء. المجتمعات الشيوعية قد نجحت في إقحام المرأة في العمل الشاق الذي جرت عادة المجتمعات المتحضرة أن تخص به الرجل كأعمال البناء والأعمال الصناعية المجهدة أو لعل الاختيار كان تلقائيًا فاختارت المرأة – عمومًا – ألا تكون بناءة مثلاً: واختار الرجل – عمومًا – ألا يكون عارض أزياء، وهل نجحت الدول الشيوعية في تكليف المرأة بالأعمال العسكرية في الميدان أم ظلت تخشى الهزيمة إذا ما تكلفت المرأة بإدارة جهاز الحرب أو بقيادة الطائرات العسكرية التي تحمل أطنان المتفجرات وتفتت اللهب.
كل ذلك يؤكد أن المساواة في الحقوق والواجبات ينبغي أن تأخذ مفهومًا حقيقيًا للمساواة، لا يلغي خصوصيات المرأة البيولوجية والنفسية وقدرتها الجسمانية. وميولها الذاتية. أنها تكلف بوظيفة الرجل الجسمانية أحيانًا على حساب العمل، وربما على حساب صحتها، وقد تتحملها في البادية بكثير من الإرهاق لأن المجتمع البدوي يفرضها. وما أظن المرأة المثقفة المتفهمة لمسؤولياتها بامرأة ترضي أن يتعد مهنيًا المجتمع في منحها بعض حقوق الرجل وواجباته ملغيًا من حسابه أنها امرأة لا تقبل أن تصبح رجلاً.
في إطار هذه المساواة العقلانية بدون شعارات ولا مواجهة عاشت المرأة في المغرب في مختلف العصور، في البادية والحاضرة على السواء. في البادية ما تزال المرأة تحتفظ بهذه المساواة في العمل. وهي مندمجة في الحياة الاقتصادية وأحيانًا في الحياة الاجتماعية كما تمتعت المرأة بشخصيتها استطاعت أن تكون سيدة “الخيمة”، واستطاعت أن يكون لها رأي مع الرجل في تدبير الشأن العام للأرض والبيت والعائلة.
والعكس صحيح
في الحاضرة لقد كفاني كتابان مهمان آخذهما نموذجين لما كتب عن المرأة مسجلاً نشاطها وتحريرها من التقاليد وبعض الأعراض المحيطة لزميلنا الدكتور عبد الهادي التازي وثانيهما للأستاذ عبد الحق المريني. الأول بحث ومعجم عن المرأة في التاريخ الحضاري والدولي للغرب الإسلامي. وقد عرض فيه لنشاط المرأة في الغرب العربي والأندلس في الميادين العلمية والسياسية والاجتماعية فتحدث عن المحسنات وعد منهن فاطمة الفهرية مؤسسة جامع القرويين بفاس كما تحدث عن المقرئات والمتصوفات والمحدثات والمفسرات والناسخات الوراقات والفقيهات المشاركات والأدبيات والشاعرات والموسيقيات والمطربات والرحالات والدبلوماسيات والسياسيات.
وخلاصة الكتاب الذي جمع فأوعى أن المرأة لم تكن مختلفة في مختلف العصور حتى بداية العصر الحديث، ولم تقف في وجهها تقاليد ولا رؤية دونية للمرأة إذا ارادت،.بل كافحت في مختلف الميادين التي يقتصر التاريخ على تسجيلها للرجل.
ولا يقل الكتاب الثاني للأستاذ المريني أهمية عن سابقة الذي استعرض نشاط المرأة المغربية بالأخص في مختلف النشاطات السياسية والاجتماعية والعلمية والتكنولوجية والفقهية والقانونية والطبية والدبلوماسية والاقتصادية والتجارية والإدارية… الخ.
الكتابان يسجلان صورة تاريخية وحاضرية عن رغبة المرأة في المساهمة الجادة في الحياة المتحركة. كما يؤكد الكتاب الثاني بالأخص أن تحرر المرأة لم يجد مواجهة ولا صعوبة سواء من العرش والحكومة أو من المجتمع. ولذلك تحررت المرأة وشاركت في التنمية بمختلف توجهاتها دون خوض معركة سياسية أو اجتماعية وكان المغرب في مستوى التطور العصري الذي عرفته دول سبقته في النهضة الاجتماعية عمومًا.
ولعل ذلك يعود إلى التفتح الفكري للشعب المغربي على عكس ما يكتب أحيانًا عن المغاربة بأنهم منغلقون أو ماضويون. كما يعود إلى التأثير العربي والشرقي. فصلاتنا بأروبا عن طريق الاستعمار والتساكن والرحلات المتبادلة جعل أمر تحرر هذه الشريحة من المجتمع عملية سهلة لم يصادف صعوبات ولا معارضة تذكر. ثم صلاتنا بالمشرق العربي الذي ضربت مصر فيه مثالاً يحتذي سهل مهمة التطور الاجتماعي النسائي. وأساس ذلك كله هو أن الحركة الوطنية لعبت دورًا مهمًا في التوعية الاجتماعية والفكرية بأهمية الدور الذي تلعبه المرأة المتعلمة في النهضة السياسية وفي تربية الأطفال وفي النهوض بالمجتمع، وفي المشاركة في المقاومة السياسية والمسلحة للاستعمار.
أستخلص من ذلك أن استقلال المغرب فرض تطورًا جماعيًا للمجتمع لم تتخلف فيه المرأة عن الرجل إلا بالنسبة التي اقتضتها الظروف المتخلفة التي عاشها المغرب في العصور الأخيرة. وقد حظيت المحاضرة بنسبة محدودة من تميز الرجل عن المرأة في مجال التعليم، وبنسبة أكثر في مجال العمل، وبالأخص في مراكز المسؤولية، بينما ظلت البادية مختلفة في مختلف المجالات: التعليم والعمل وممارسة الحقوق السياسية والمدنية، نتيجة التخلف الاقتصادي والاجتماعي وضعف وسائل التوعية الاجتماعية.
من الناحية القانونية أقر الدستور مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في جميع الحقوق والواجبات. ولا تجد في مختلف القوانين أي ميز بين المواطنين والمواطنات باستثناء مدونة الأحوال الشخصية التي تعتبر بطبيعتها تطبيقًا لأحكام الشريعة والفقه الإسلاميين وسنشير في فقرة مختصرة إلى الرأي في هذا الموضوع.
من مراجعة بعض النماذج لوضعية المرأة الاجتماعية نجد مثلاً أن الفتيات في مختلف أسلاك التعليم في المدن الحضرية حققن نسبة مهمة تتجاوز 42 % بما فيها التعليم العالي. وتتجاوز الناجحات منهن في الباكلوريا 60 % من مجموع الناجحين. وهذا النجاح يؤهلهن للتعليم العالي وما بعد الإجازة فإن ثلث المسجلات في سلك دكتوراه السلك الثالث ودكتوراه الدولة من الفتيات.
الأمر يختلف بالنسبة للبادية فإن الفتيات في سن السابعة لا يدخل منهن المدرسة إلا نحو 60% ولا يصل منهن إلى التعليم الإعدادي إلا نحو 43 % وينخفض عددهن في مستوى الثانوي ولا يحصل منهن على الباكلوريا إلا نحو 7 %. هذه النسبة المتواضعة والمتنازلة كلما ارتفع مستوى التعليم ليست السياسة التعليمية مسؤولة عنها. فقد حدث توجيه جديد في العقد الأخير من القرن الماضي للتعليم الأساسي في العالم القروي وأقيمت عدة مشاريع وبرامج للتغلب على المشاكل الاجتماعية والهيكلية والاقتصادية في البادية. ولم تؤد إلا إلى هذه النتيجة. ولكن التخلف الهيكلي وفي البنية التحتية الذي تعيشه البادية والفقر وتشتت السكان في الدواوير، وعدم الإقدام بجرأة وشجاعة على ما سميناه بالإصلاح القروي، أي وضع مخطط للتجمع السكني في قرى منظمة تتوفر على ضروريات الحياة القروية من السكن اللائق والكهرباء والماء والمدرسة والمسجد وقرية موفورة العمل في صناعات فلاحية وتقليدية وبحظائر لتربية الماشية والدواجن موصولة بطرق معبدة غير منعزلة عن المدن مرتبطة بوسائل الاتصال. هذا المخطط هو الذي يمكن أن يقرب مسافة الخلف بين نسب المتعلمات في الحاضرة والبادية، والمساواة في فرص التعليم بين الأطفال والطفلات، وكذلك الفرص المتساوية في الاستمرار في التعليم الذي تنقطع عنه الفتيات في البادية – كما ينقطع عنه الأطفال في المراحل الإعدادية – بسبب بعد المدرسة وانعدام الطرق المعبدة، بالإضافة إلى فقر العائلات المدقع.
ويجد المجتمع المغربي الحالي وراءه رواسب الماضي، الذي لم تكن السياسة التعليمية في عهد الاستقلال مسؤولة عنه كما قلنا. ولذلك فالأمية ما تزال منتشرة بشكل خطير، لا تتفق في شيء مع مستوى التطور الحضاري والاقتصادي الذي بلغه المغرب في أربعين سنة الماضية. لذلك نجد أن الأميات من النساء يبلغن نحو 7 ملايين – وتزيد نسبة النساء على الرجال 67 % لدى النساء و 41 % لدى الرجال. للعالم القروي طبعًا تأثير كبير في ارتفاع هذه النسبة.
هناك مجهودات تبذل في مختلف الوزارات الاجتماعية والإدارات للتخفيف من حدة الأمية. ولكن مهما تكن هذه الجهود، فإن نتائجها في التنمية الفكرية، وفي إعداد النساء والفتيات اللآئي حرمن من التعليم تبقي محدودة، إلا إذا ارتبط محو الأمية بالتربية الأساسية والتكوين المهني. والصعوبات التي تعانيها الدولة في هذا الميدان إداريًا وماليًا لتحتاج إلى بيان.
غير أن التغلب على هذه الصعوبات ممكن بمخطط ثوري يقوم على أساس التجنيد الوطني يتخطى الروتين الإداري والمالي.
التعليم أساس التكوين والتشغيل. ولذلك فكل تخلف للمرأة في ميدان التكوين والتشغيل يعود إلى التخلف في التعليم. بعكس ذلك نجد أن كل ما تقدم حصلت عليه المرأة في التشغيل باستثناء التشغيل اليدوي في المعامل والمصانع يعود الفضل فيه إلى التعليم.
النموذج الثاني نأخذه من العمل أو الشغل أو ما يمكن أن نطلق عليه المشاركة في النشاط الاقتصادي، ويمكن أن نسجل ظاهرة تميز بها النساء في المغرب هي العمل. مجتمع ما قبل الاستقلال لم يكن يعرف فيها سيدات عاطلات في الحاضرة والبادية على السواء. ولا تكاد توجد سيدة تقتصر في عملها على العمل المنزلي. حتى في العائلات الموسرة كانت المرأة في المدينة تعمل في التطريز أو الخياطة أو في أشغال يدوية تتصل بالخياطة. دخل المرأة في هذه الصناعات اليدوية المتعددة تساعد به على تكاليف الحياة ومتطلبات الأنباء.
لا يختلف الأمر في البادية. المرأة تعمل مثل الرجل سواء بسواء. تتحمل أعباء البيت وتربية الماشية ورعيها أحيانًا ورعاية الدواجن. وتنزل للسوق لتسوق وتتسوق. ومنهن من كن يشتغلن في الحياكة والنسيج وصناعة الزرابي ومن أسباب تعدد الزوجات في البادية تزوج امرأة قادرة على العمل ومساعدة الرجل في تحمل الأعباء.
المرأة المتعلمة وغير المتعلمة لم تجد صعوبة – بعد الاستقلال – في الانتقال إلى العمل والمصنع والتعامل مع الآلد، وفي العمل في التعليم والإدارة والأعمال الكتابية والمحاماة والقضاء والهندسة والطب، والصيدلة والتجارة والمحاسبة والأعمال الاجتماعية. والمغرب الآن يحفل بالجمعيات النسائية التي تسيرها سيدات يحملن شهادات عالية ويخصصن من وقتهن ما يبذلنه في العمل الاجتماعي والثقافي والرياضي وفيهن من يعملن في الحقل السياسي، في الهيآت للأحزاب والنقابات. ومن ثم أصبحن موظفات ساميات (مديرات وسفيرات ثم نائبات ومستشارات ووزيرات).
أريد أن ألاحظ أن المرأة تطورت في حقل التعليم دون أن تصطدم مع المجتمع التقليدي حتى البدوي، وأن تلج ميدان العمل دون أن تصطدم مع التقليد العائلي. فلم يعرف المجتمع زوجًا يعترض على اشتغال زوجته، غيابها عن المنزل نفس الوقت الذي يغيب فيه هو عن منزله، ولم يعرف المجتمع صدامًا اجتماعيًا بين الزوجة والزوج لأنها تعمل في إدارة أو مصرف أو معمل أغالبية العاملين في رجال. التطور الذي عرفته المرأة دون صعوبات أو صدامات يعتبر لصالح المجتمع المتطور بجنسيه. ولعل الأمر في البادية كان أسهل منه في الحاضرة. والمرأة لم تكن محجورة أو ضحية غير بدائية – في الغالب – كما كان الأمر عليه في الحاضرة.
لا يمكن أن ندعي أن المرأة حققت كل ما تستحق المثقفات المتعلمات، خاصة في الإدارة والحياة السياسية. فما تزال الوزيرات والسفيرات والبرلمانيات والمستشارات في المجالس المنتخبة وفي مراكز القرار قليلات جدًا.
لا أعود بهذه القلة إلى صراع الرجل ضد المرأة كما يحلو للكثيرين أن يفكروا. ولكن ذلك قد يعود إلى طبيعة الأشياء، يعود بعضها إلى المرأة التي لم تستطع أن تأخذ كل ما تستحق. فالعمل والمركز الكبير مجال تنافس. وإذا كانت البطالة تعم الرجال والنساء، وإذا كانت المساواة في التعليم مكنت كلا منهما من قرص متكافنة، فإن التنافس للوصول إلى الوظيفة والنيابة والوزارة مطروح للتنافس أيضًا. ولعل المرأة تعتبر تخلي الرجل لها عن مكانه أو تخصيص حصة لها بين النواب والمستشارين البلديين والحكومات، تعتبر ذلك صدقة لا تقبلها، لأنها تريد أن تصل عن طريق كفاحها المشروع. ولعل الرجل لن يتخلى لها عن مكانه، وقد كانت زميلته في الكلية نافسته وتفوقت عليه.
أعتبر كل الذين يتباكون على حقوق المرأة في العمل ينتقصون من قدرتها على الوصول إلى عمل يجدها وكفاءتها، ولو في مجتمع ما يزال يحابي الرجل، أحيانًا، في بعض الأعمال ضدًا على إنصاف المرأة.
والأمر – كمًا وكيفًا – يعود أيضًا إلى الفترة الزمنية التي قضاها كل من الرجل والمرأة في التعليم والعمل .المرأة لم تبدأ في خوض غمار التعليم المنظم والعمل المنظم إداريًا إلا بعد الاستقلال. الرجل سبقها إلى ذلك على عهد الحماية خاصة في ميدان التعليم والشغل ولو على استحياء. ولذلك أعتقد أن السرعة التي سارت بها المرأة في الميدانين معًا كانت لصالح المرأة.
بعض الأرقام للاستئناس بها – ولو أنها قديمة نسبيًا – تؤكد لنا أن نشاط النساء وصل إلى حوالي 25 % بالنسبة للرجال. وتقدم هذا النشاط في العهد الأخير بنحو 7.4 نقطة في الوسط القروي و 9،2 في الوسط الحضاري، ويتوسع عمل المرأة المأجور بشكل ملحوظ كان 3.5 % سنة 1987 أصبح 30 % سنة 1995.
والمرأة البدوية تهاجر إلى المدينة أكثر من الرجل فإن أربع سيدات من 5 يغادرن القرية لأسباب عائلية مثلاً. وهذه الهجرة تحدث تحولاً في حياة المرأة البدوية ووضعيتها الاقتصادية والاجتماعية.
ونجد هذا التطور أكثر إيجابية في التعليم فإن عدد النساء يشكل أكثر من 40 % من المدرسين في الإعدادي و 32 % في التعليم الثانوي و 22 % في التعليم العالي. وفي العمل الدبلوماسي أكثر من 175 سيدة. وينتقد على هذا الوضع أن سيدة وحيدة هي التي عينت سفيرة. والوزارة تعيد ذلك إلى أسباب اجتماعية تتعلق بالوضعية العائلية للسيدات المغربيات إذا هن تغربن. ولكن مما يبطل حجة الوزارة أن كثيرًا من السيدات تعملن في السفارات المغربية في الخارج في مناصب مستشارات ووزيرات مفوضات. أما في ميدان القضاء فقد يكون المغرب أول دولة عربية وظفت السيدات في ميدان القضاء حتى بلغن الآن أكثر من 12 % من العاملين في السلك القضائي بواقع 451 قاضية تتولى ستة منهن رياسة محاكم منها محاكم استئنافية تجارية وإدارية ومحاكم ابتدائية ومنهن 31 قاضية بالمجلس الأعلى و 24 بالمحاكم التجارية و 6 بالمحاكم الإدارية وسيتخرج هذه السنة فوج من السيدات القاضيات عددهن 18 قاضية. والقاضيات يمارسن عملهن بالمحاكم في المدن الصغيرة والكبيرة على السواء. ربما ليس بينهم رئيسة محكمة في المجلس الأعلى للقضاء أو في المحاكم العسكرية أو وكيلة الملك أو قاضية تحقيق، في مراكز المسؤولية توجد 427 سيدة في مختلف مناصب المسؤولية في الجهاز القضائي ويكونن 18 % من مجموع المحامين. وثلث الأطباء سيدات. وتوجد سيدة مديرة عامة لبورصة الدار البيضاء. و 9 المديرات في المصالح العليا و 39 من رئيسات المصالح.
ورغم ذلك فإن البطالة ما تزال منتشرة بين النساء المتعلمات، فأحرى الأميات، كما أن التمييز في الأجور بين الرجال والنساء حاصل في القطاع الخاص. وبالنسبة لبعض الأشغال اليدوية البسيط’.
عن الوضعية الصحية للنساء يمكن أن نؤكد أن حالات الوفيات لدى النساء الحوامل ترتفع في سن أقل من 20 سنة لدى الأم وتزداد نسبة الوفيات لدى الأطفال. وقد تحسنت الوضعية نسبيًا – وخاصة في الحاضرة – فأصبحت حالات الوفيات تصل إلى 228 حالة بالنسبة إلى 100 ألف ولادة. بينما كانت تبلغ 332 حالة فأخذت بعض الأمهات يزرن الطبيب أثناء الحمل ويلدن على يد طبيب أو قابلة. وأن البرامج الحكومية المطبقة مكنت من توسيع قاعدة الفئات المستفيدة من الخدمات الصحية، وخاصة منها الفئات الفقيرة. ورغم ذلك فإن القطاع الصحي، وخاصة في البادية ما يزال يتطور ببطء. ولذلك فاستفادة النساء منه ما تزال محدودة، سواء في الاستشفاء العام أو الاستشفاء والرعاية الصحية للأمهات الحاملات وأثناء الولادة. ويعود ذلك بالنسبة للنساء كما هو بالنسبة للذكور إلى عدة عوامل منها:
1 – ضعف الوعي عند غير المعلمين خاصة بالعناية الصحية، وخاصة عند النساء وبالأخص عندما يتعرضن للحمل والولادة.
2 – قلة المراكز الطبية وخاصة في البادية، والقرى النائية عن المراكز الحضرية. ويعود ذلك إلى الهيكلة الاجتماعية التي تعم التعليم والسكنى ومراكز العمل والكهرباء والماء الشروب. وثاني المراكز الصحية في المقدمة. ولذلك فالتأطير الصحي موزع بصورة غير متكافئة وعلى سبيل المثال نجد في الإحصاءات العامة أن طبيبًا واحدًا مختصًا في طب النساء لكل 15000 امرأة في سن الإنجاب.
وهناك 24 إقليمًا لا تتوفر على طبيب مختص في طب النساء والولادة. ومثل هذا العدد إقليم لا تتوفر على قابلات. ولذلك ما تزال نسبة الوفيات بين الأمهات عند الوضع مرتفعة وخاصة في الوسط القروي حيث تجاوزت 300 حالة سويًا في السنوات الأخيرة.
3 – التخلي عن المجانية العامة للاستشافاء لا يشجع على عناية المواطنين، وخاصة في البادية يصحتهم رجالاً ونساء. يضاف إلى ذلك ارتفاع أسعار العيادات الكبيرة الخاصة، والارتفاع الكبير جدًا في أسعار الأدوية لمستوى الدخل الفردي.
وبالمجهودات التي تبذل في إطار برنامج الأولويات الاجتماعية الخاص بالأقاليم 14 فأكثر حرمانًا ويتضمن جانب منه الصحة الأساسية. وبالمجهودات التي تبذل لمشروع تمويل وتدبير قطاع الصحة، ومشروع التأمين الصحي الإجباري للمأجورين والمتقاعدين، بهذه المجهودات ينتظر أن يرتفع مستوى الرعاية الصحية للرجال والنساء على السواء. وستستفيد النساء أكثر لكثافة اللائي لا سيتفدن من الرعاية الصحية.
نكتفي بنماذج التعليم والتشغيل والصحة لنؤكد أن المرأة تتطور تطورًا ملحوظًا وسريعًا في المجتمع. والتقدم السريع المنتظم يفتح أمامها آفاقًا للوصول إلى الدور الذي يمكن أن تقوم به في المجتمع. وهو دور لا يمكن أن يوفره إلا التعليم وإذا كان التعليم مضمونًا بنسبة رفيعة في الحاضرة، وبنسبة محدودة في البادية – وهذا يعود إلى المشكلة الاجتماعية والاقتصادية في العلم القروي – فإن المرأة تسير دون عراقيل قانونية، وبعراقيل إدارية أقل – إلى الاندماج الكامل في المجتمع.
أعتقد أن إدماج المرأة إدماجًا كاملاً في المجتمع لا يتعلق بقانون تصدره الحكومة أو إجراءات إدارية تتخذها، ولكنه متعلق بالمرأة نفسها كلما كان الأمر لا يهم حيزًا قانونيًا أو إداريًا. وعلى المرأة أن تطرق الأبواب التي تقفل في وجهها وتناضل لتفتحها، مثلها مثل الرجل سواء بسواء. ولعل هذه الأبواب لا تتعلق جميعها بالرجل، ولكنها تتعلق برواسب اجتماعية متخلفة عن الماضي، الرجل نفسه ضحيتها فكريًا واجتماعيًا.
تثار في المجتمعات العربية والإسلامية، والمغرب من بينها، قضايا أساسية بمقدار ما هي جانبية: بعضها يتصل بالأحكام الشرعيي والفقهية، وبعضها من تقاليد ما تزال تتحكم في المجتمع. القضايا الشرعية أو الفقهية كلها تتصل بعقد الزواج والطلاق الإرث. ومن المؤكد أنها قضايا غير معقدة، ما دام با الاجتهاد مفتوحًا بحيث يتيح لعالم كعلال الفاسي أن يؤكد أن تعدد الزوجات يؤدي إلى الظلم. وقال: في كتابه التقريب في شرح مدونة الأحوال الشخصية يمكن للطائفة الإسلامية إذا تأكدت من أن تعدد الزوجات يؤدي إلى الظلم داخل البيوت أو إلى ظلم المجتمع الإسلامي بتصويره أمام خصومة والمذبذبين من أبنائه بصورة شوهاء غير متفقة مع الحقيقة الإسلامية أن تقرر تقييد التعدد، وحصره في الواحدة مثلاً بقانون مبني على المصلحة العامة التي أرشد إليها القرآن بقوله: (فَإنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً). وأما إبقاء القضية مطلقة إعتمادً على ضمائر الناس، أو تقييدها بما يراه القاضي في كل دزئية فهو ما لا ينطبق عليه أمر الإرشاد القرآني. يقول في كتاب مقاصد الشريعة: ولا شك أن عدم منع الأفراد من تعدد النساء إضرارًا في العصر الحاضر بالمسلمين عمومًا لما يحدثه من مشاكل لا تحصر. كما أنه إضرارًا بالإسلام نفسه، لأن تطور المرأة وصل إلى درجة لا تقبل معها مثل ذلك النظام الذي كان سابقًا في بعض عهود الحضارة. وتحميلها ذلك يؤدي بها إلى الطعن في الدين، أو الالتجاء إلى المطالبة بتشريعات منافية للدين.
وقد بين في الكتابين مفهوم العدل في قوله تعالى: (فَإنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا) بمعنى العدل العام الذي لا يؤدي إلى ظلم أي كان: الزوجات أو غيرهن فأحرى إذا كان هذا الظلم يؤدي إلى المساس بالدعاية الإسلامية، نظرًا للجو الذي يحدثه نظرة الناس إلى المرأة.
هذا الاجتهاد في قضية شائكة كتعدد الزوجات يؤكد لنا أن معظم القضايا التي يثيرها المعترضون على التشريعات الإسلامية والفقهية قابلة للاجتهاد. كقضية الولاية عند الزواج والطلاق وقضية حق المرأة في طلب الطلاق، وقد حلت كثيرًا من الإشكالات في هذه القضية، وقضية النفقة، ولم تعد هذه مشكلة. تبقى فقط قضية الإرث. ورغم أني لا أعتقد أنها قابلة للاجتهاد في النص القرآني فإن التعليل الذي يقدمه المفسرون وعلماء الشريعة كفيل بأن يقلل من حدتها.
أستخلص أن إثارة بعض قضايا التشريع في وجه تحرر المرأة قضية غير ذات موضوع. ولذلك لا يمكن أن تكون سببًا في تقسيم المجتمع بين الحدثيين الذي يثير بعضهم هذه القضايا – ربما عن جهل – لاتخاذها ذريعة للإساءة لسمعة الإسلام ولكونه قيمة دينية وحضارية.
وبعض هذه القضايا الأساسية التي تثار في المجتمعات الإسلامية، مشرقية ومغربية، قضايا إدارية أو حكومية من مثل التساؤل: عن نسبة عضوات المجالس المنتخبة، وعضوات الحكومة وعضوات المديرات في مراكز القرار، وعضوات السفيرات، والواليات العاملات ومديرات الأمن العام وكل المناصب التي ما يزال حظ الرجال فيها أكثر من حظ النساء. والموضوع ليس خاصًا بالمجتمعات العربية والإسلامية ولا بالمغرب. ولكنه عام في المجتمعات الأروبية والأمريكية والأسيوية والإفريقية على السواء.
وأعتقد أنها قضية غير ذات موضوع. فقد كان المغرب سباقًا في الستينات إلى تعيين سفيرة. وسباقًا إلى تعيين أربع سيدات في منصب الوزارة، وفي المناصب العليا في القضاء. وعلى رأس إدارات تقنية مهمة كمكتب الأبحاث المعدنية. وإذا لم يكن هناك قانون يمنع المرأة من أن تصل إلى منصب الوزير الأول وبقية المناصب العليا فستصل، لأنها تنافس في مجال التعليم والعمل. ولأن أحدًا لا يقف في وجهها ووجه القانون ليمنعها من ذلك. ستصل إلى منصب الوزيرة الأول ولو متأخرة في الزمان كما وصلت فرنسا متأخرة بمائتي عام على الثورة، وكما وصلت إنجلترا متأخرة بأكثر من ثلاثة قرون، وكما لم تصل دول أمريكا وكندا واليابان، ولو متأخرة بقرون.
وتثار عدة قضايا تقف فيها بعض شرائح المجتمع الرجالي ضد المرأة كاستعمال العنف، والطلاق المتعسف وترك المطلقة – وحتى المتزوجة أحيانًا – بدون نفقة وتشغيل الفتيات الصغيرات دون سن العمل في بعض المعامل أو في البيوت بأجور بسيطة ومع استعمال العنف ضدهم، والتمييز في الأجور بين الرجال والنساء في بعض المعامل، وعدم تمتيعهن بالضمان الاجتماعي، وغير ذلك من مظاهر الظلم الذي تتعرض له النساء.
وما من شك في أن كثيرًا من هذه المظالم صحيحة. والدولة لا تستطيع أن تواجهها لأنها من جملة المظالم التي يتعرض لها المجتمع عمومًا، بعضها يمس الرجال وبعضها يمس النساء. ولكن المواجهة تأتي من التنظيم الاجتماعي للعمل وجميع العاملين نساء ورجالاً في صفوف النقابات. فحيثما وجدت النقابة إنتفى الظلم إلى حد ما. ويتصل التنقب بالوعي الاجتماعي. أما العنف والظلم ضد الزوجات فهو مظهر اجتماعي يمكن مقاومته بتوعية المرأة وتعليمها. وأغلب ما يحدث ذلك في البيئات غير المتعلمة. ولذلك فالقضايا الاجتماعية المتعلقة بالمرأة مترابطة تعالج جماعيًا.
ويبدو لي أن التفكير في شؤون المرأة بشكل استفزازي إنما هو رد فعل – ربما – لما عاناه الإنسان، فمثلاً في الرجل والمرأة والطفل، في مختلف العصور من ظلم سياسي واقتصادي واجتماعي. ورغم أن حرية المرأة قد جاءت متأخرة عن تحرر الرجل في مجالي التعليم والعمل والمشاركة الديمقراطية، إلا أنها خطت خطوات واسعة البعد في النصف الثاني من القرن العشرين، وهي تسير أكثر من السرعة التي سار بها الرجل على مدى قرون لتحقق وجودها في كلا المجالات، دون عراقيل تذكر، إلا بعض العراقيل الفكرية عند بعض الشرائح الاجتماعية للرجال دون أن تقف في وجه اقتحامها.
ويمكن أن ألخص إلى نتيجة وهي أن المشكلة التي تجد أصداء لها في الدول المتقدمة والدول النامية على السواء مشكلة تخلف المرأة وظلم الرجل وبالتالي ظلم المجتمع وعدم حصولها على حقوقها المدنية والسياسية والعائلية، مشكلة مصطنعة، يستغلها النساء لتأكيد الذات، ويصطنعها الرجال لتأكيد الفكر التحرري، وكان يمكن تأكيد ذلك بأسلوب أخر، أو يستغلونها لأسباب إنتخابية.
وتبقى المشكلة الأساسية مشتركة بينهما – وهي المشكلة الإنسانية الحقيقية – مشكلة التنمية الفكرية والجسدية، والاقتصادية والاجتماعية. هي مشكلة الجميع. وحينما تحل المشكلة، ولو بشكل جزئي، تحل مشكلة الإنسان دون النظر إلى جنسه، وتتلاشى الفروق بين عالمي الرجل والمرأة من ذاتها دون حاجة إلى مؤتمرات وقرارات. وواضح أن حقوق حواء في الحياة، وفي فرض رأيها لم تأخذه عن طريق مؤتمر أو قوانين حكومية، وإنما أخذته عن طريق الطبيعة التي تكن تغرقها في العمل وتحمل المسؤولية عن آدم، ولم يحاول أن يفرض عليها سلطانه إلا حينما بدأت تتقبل، كما فرض قابيل على هابيل سلطاته حتى القتل لأنه تقبل، لا لأنه ذكر وأخوه أنثى.
في العالم كله نجد حملة لإنصاف النساء من القانون ومن المجتمع ومن الرجال.
ويعود ذلك في نظري إلى أزمة ضمير بعض الرجال والرغبة في الانتقام من الماضي عند كثير من السيدات. فقد تغيرت وضعية المرأة عالميًا في النصف الثاني من القرن الماضي، وحصلن على كثير من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وحقوق الحرية عمومًا مما لم يحصل عليه الرجل في مدى قرون. وقد قررت المساواة في معظم دساتير العالم. وبمقتضى هذه المساواة تتطور المرأة في حريتها وعملها مشاركتها في التنمية. ومع ذلك فالمرأة إمرأة. ولا يمكن أن تكون رجلاً. فالفارق الجنسي والبدني لابد أن يبقى له تأثيره مهما تطورت المرأة ولن تكون رجلاً على كل حال. ولكنها تعمل جاهدة في المغرب، كما في بقية أنحاء العالم المتحضر لتكون ندا للرجل في مختلف دروب الحياة. وعليها وعلى الرجل أن يبتعدا عن هذه الضجة العالمية المفتعلة للدفاع عن حقوق غير مهضومة أو المطالبة بحقوق تتحقق تدريجيًا كلها كانت المرأة مستعدة تعليميًا واجتماعيًا للتمتع بهذه الحقوق.