في ضوء أحكام مرسوم الضابط العام للبناء
د. محمد عمري
باحث في القانون العام
تقديم
- المحور الأول: مرسوم الضابط العام للبناء: قراءة في السياق والشكل
أولا: السياق
ثانيا: الشكل
- المحور الثاني: مرسوم الضابط العام للبناء بين مظاهر التبسيط وعوائق التنزيل
أولا: مظاهر التبسيط
ثانيا: عوائق التنزيل
خلاصة
تقــــــديـــــــم
يشكل التعمير عموما، منظومة متكاملة يلعب التعمير العملياتي فيها دورا كبيرا، باعتباره ميدانا لبلورة وتنفيذ الاختيارات الواردة في وثائق التعمير وترجمتها على أرض الواقع، لكونه يروم حل المشاكل والانشغالات اليومية. غير أن فعالية التدخل العمومي بهذا الخصوص تعترضها عقبات جمة، سياسية واقتصادية وقانونية وسوسيو- مجالية.
وتكتسي القواعد الإجرائية الخاصة بتسليم الرخص والوثائق المختلفة في ميدان التعمير والتجزئات العقارية أهمية قصوى بالنسبة للمرتفقين المقبلين على طرق باب الإدارة قصد الحصول على تلك الرخص باعتبارها أوراشا عمرانية ذات وقع اقتصادي واجتماعي. وتعتبر مرونة مسطرة تسليم تلك الرخص والأذون مقياسا لمعرفة مدى فعالية المؤسسات الإدارية المعنية من حيث سرعة التجاوب مع الطلبات في ظرف زمني معقول وبجودة أكبر.
في هذا السياق،وبعد طول انتظار، صدر المرسوم القاضي بالموافقة على ضابط البناء العام المحدد لشكل وشروط تسليم الرخص والوثائق المقررة بموجب النصوص التشريعية المتعلقة بالتعمير والتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات والنصوص الصادرة لتطبيقها[1] حيز التنفيذ، يبدو أنه من المفيد جدا، القيام بمساءلة مدى مساهمة هذا النص، على ضوء التطبيق العملي لمقتضياته، في تيسير وتبسيط مسطرة حصول أصحاب الشأن على الرخص والأذون في ميدان التعمير، وتجاوز التأخير المسجل في معالجة الملفات. أخذا بعين الاعتبار المستجدات التشريعية اللاحقة وذات الصلة بميدان التعمير، المتمثلة أساسا في اعتماد القوانين التنظيمية المؤطرة لاختصاصات الجماعات الترابية، خاصة القانون التنظيمي الجماعي رقم 113.14[2].
ومن المعلوم أن هذا المرسوم جاء بهدف تفعيل المادتين 59 و60 من قانون 90/12 المتعلق بالتعمير[3]، وهو بهذا قد يشكل قفزة نوعية لتجاوز الإشكالات المرتبطة بتباين واختلاف القراءات بشأن مساطر وشكليات التراخيص في ميدان التعمير. كما يمكن اعتباره إجراءا تنظيميا لتحسين مناخ الأعمال والإستثمار، وجواب عن رد الفعل الإجتماعي الذي طالما ألصق بالإدارة سمة التعقيد والإنغلاق واحتكار المعلومة. وهو ما يطرح التساؤل حول أثر المرسوم وجدواه في تبسيط المساطر ومجابهة التأثيرات السلبية للبطء والتعقيد الإداريين اللذين يسمان واقع التدبير العمراني من خلال تراكم مجموعة من الإختلالات، يمكن حصرها في بطء مسطرة اتخاذ القرار واعتماد مسالك ومساطر لا تستند في كثير من الحالات على أساس تشريعي أو تنظيمي بالإضافة إلى ضعف التنسيق بين مختلف البنيات الإدارية المكلفة بدراسة الملفات ذات الصلة بميدان التعمير (المحور الثاني).
ثم إنه إذا كان المرسوم الجديد يعتبر دليلا مسطريا، بحجية قانونية، لا مجال للتحلل من ضوابطه وأحكامه، الغاية منه توحيد مساطر وشكليات وآجال التراخيص عن طريق تحديد شكل وشروط وآجال إيداع ودراسة طلبات تسليم مختلف الرخص والأذون الجاري بها العمل في مجال التعمير، فإن تسليط الضوء على خصوصيات السياق الذي جاء فيه، بالإضافة إلى البناء الشكلي الذي صيغ به يعتبران من المداخل الأساسية المساعدة على فهم الخيوط الناظمة للموضوع (المحور الأول).
المحور الأول: مرسوم الضابط العام للبناء : قراءة في السياق والشكل
لعل ما يثير انتباه الباحث في ميدان التعمير والمتتبع لمسار التطور التشريعي والتنظيمي في هذا المجال هو طبيعة الأسباب والعوامل التي يمكن من خلالها تفسير طول الفترة الزمنية التي تم انتظارها لصدور مرسوم بهذه الأهمية، والتي تجاوزت العشرين سنة. فهل استعصى على القائمين على تدبير القطاع استصدار مرسوم تنظيمي لتحديد شكل وشروط تسليم رخص البناء والتجزيء والوثائق ذات الصلة (أولا)؟ ثم هل استطاع المرسوم الجديد، في شكله وبنائه العام احترام الخصائص المتعارف عليها في الضوابط العامة للبناء؟ (ثانيا).
أولا : السياق
عندما يتعلق الأمر بميدان حساس كالتعمير، فإن الإدارة تكون مطالبة ببذل مجهود أكبر على مستوى التأطير القانوني والتنظيمي لهذا المجال درءا لكل المشاكل المرتبطة بسوء استعمال المجال. ولأن الوضع لم يكن دائما في خدمة هذا التوجه، فقد أثير التساؤل المنطقي التالي : لماذا هذا التأخر في إصدار هذا المرسوم؟ ما هي أسبابه؟ وما هي نتائجه؟ وهل كانت هناك محاولات سابقة لتنظيم المواضيع التي يؤطرها المرسوم الجديد؟ وبصيغة أخرى هل كان الأمر يتعلق بفراغ تنظيمي أم أن الإدارة وفرت صيغا معينة لتأطير المجالات التي تضمنها المرسوم الجديد؟ وهل يمكن ادراج استصدار هذا المرسوم في إطار التهافت لتحقيق مكاسب سياسية؟
من المفيد بداية التأكيد على أن التأخر في إصدار النصوص القانونية والتنظيمية التي تروم تكملة وتفصيل مضامين وجزئيات بعض النصوص الأساسية، هو موضوع أثار عدة نقاشات فقهية وقانونية كثيرة خاصة وأن الأمر يرتبط أساسا بدولة القانون ومدى احترام قواعد الشرعية والمشروعية من طرف المؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية داخل البلاد، واختبار مدى قدرة “الآلة” التشريعية على إنتاج النصوص القانونية بمختلف أنواعها، في الوقت المناسب وبالجودة والدقة المطلوبتين طالما أن عدم إصدار النصوص المكملة أو التأخر في إخراجها يؤدي إلى تعطيل استفادة المرتفقين من مجموعة من الحقوق، كما يقيد سلطة الإدارة في بسط رقابتها على شكل وطرق الإستفادة من تلك الإمتيازات والحقوق.
في هذا الإطار، ولاعتبارات منهجية، يمكن الحديث عن السياقات التالية :
- السياق السوسيو-اقتصادي، ويتمحور حول رغبة القائمين على الشأن التعميري جعل هذا القطاع رافعة للإستثمار ومحفزا له من خلال تسهيل المساطر في وجه حاملي المشاريع الإستثمارية في قطاع البناء والعقار من جهة، ومن جهة ثانية تيسير مأمورية المواطنين في الولوج القانوني للسكن عبر توخي المرونة واليسر في دراسة طلبات البناء والتجزيء، خاصة بعدما أفرز الواقع العملي توصل مختلف المصالح والإدارات المعنية بالعديد من الشكايات والتظلمات التي تحمل الإدارة مسؤولية سوء التعاطي مع الملفات بالجدية والسرعة المطلوبتين.
- السياق السياسي يراهن عبره الفاعلون السياسيون الموجودون على رأس إدارة ميدان التعمير اغتنام فرصة مسكهم مسؤولية تدبير هذا القطاع لتحقيق مكاسب ونجاحات سياسية بواسطة إصدار عدة نصوص لتدعيم حصيلة تدخلاتهم على هذا المستوى بشكل لا يعكس دائما حاجة الإدارة والمجتمع الفعلية لتلك النصوص محاولين الإجتهاد في تمرير المراسيم لمجابهة الركود الذي يعرفه التشريع في ميدان التعمير، خاصة بعدما لم تتمكن الحكومات السابقة من اعتماد عدة مشاريع لتعديل الترسانة القانونية المعمول بها في ميدان التعمير، الأمر الذي يمكن معه اعتبار إصدار هذا المرسوم بمثابة اعتراف ضمني بجدوى التشريع المعمول به من جهة، كما يمكن قراءته كرغبة السلطات العمومية في القطع مع تناسل “الدوريات” في تنظيم المجالات التي لميؤطرها تشريع التعمير، وما يشكله ذلك من مساس بمبدإ تدرج القوانين.
وفي هذا السياق يمكن استغلال المناخ الحالي الداعم، حيث نسجل إيجابية تعاطي الحكومة المغربية مع الجانب التشريعي، من خلال التأسيس لسياسة تشريعية واضحة. فقد أدرجت في برنامجها- ولأول مرة – طريقة جديدة في الإشتغال مع الجانب القانوني، من خلال بلورة مخطط للإنتاج التشريعي للولاية الحكومية، كوثيقة مرجعية للعمل الحكومي في المجال التشريعي برسم الولاية التشريعية التاسعة، إيمانا من الحكومة بما لمثل هذا العمل من أهمية بالغة في تنزيل الحقوق والمفاهيم والمؤسسات الدستورية الجديدة التي يجب أن تجد لها امتدادا في المنظومة التشريعية الوطنية، كما أن تنفيذ البرنامج الحكومي يستدعي التعجيل باعتماد عدد كبير من النصوص القانونية الجديدة وتحيين أو إعادة النظر في القوانين القديمة. وقد وصل عدد النصوص القانونية المقترحة في المخطط التشريعي المتعلقة بوزارة السكنى والتعمير وسياسة المدينة[4] إلى 12 مشروعا[5]. وإن كنا نسجل بالمقابل عدم الإلتزام مع الأسف الشديد، إلى حدود كتابة هذه المساهمة، بهذا المخطط فيما يتعلق بالمشاريع التي كان متوقعا اعتمادها في مجال التعمير والعقار والقطاعات ذات الصلة، الأمر الذي أفرغ المخطط من أي محتوى على مستوى الجوانب المرتبطة بالسكنى والتعمير وسياسة المدينة.
في السياق نفسه يمكن أن نسجل نوعا من الارتباك السياسي، ففي الوقت الذي نجد فيه القانون 12 _ 90 يندرج برمته ضمن مشاريع القوانين المزمع تعديلها في إطار المخطط التشريعي،تفاجئنا الحكومة بإصدار المرسوم المذكور الذي يعتبر نصا تطبيقيا للمادة 60 من القانون السالف الذكر ليس إلا. فهل هذا يعني أن هناك ضرورة ملحة لا يمكن معها انتظار الموافقة على مشروع القانون المتعلق بتغيير القانون 12 _ 90؟ وما هي هذه الضرورة؟ أم أن المخطط التشريعي لا يعدو أن يكون سوى أحلام ومتمنيات للاستهلاك السياسي؟ أم أن الأمر يفهم منه عدول الحكومة عن تعديل القانون المذكور؟
- السياق القانوني/ الحقوقي، ويجد تفسيره في رغبة القائمين على تدبير القطاع في التعاطي الإيجابي مع المستجدات التي جاءت بها الوثيقة الدستورية كالحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة واحترام مبدأ المساواة وغيرها من المضامين الرامية إلى تفعيل حقوق المواطنين في مواجهة الإدارة، من جهة، وتزايد الدعوات إلى ضرورة إعادة النظر في المنظومة القانونية والتنظيمية المعمول بها في ميدان التعمير،من جهة أخرى، وبخاصة فيما يتعلق بالجوانب المتعلقة بتبسيط المساطر وتجاوز البطء والتعقيد في دراسة طلبات الرخص، إضافة إلى تقوية آليات الرقابة القبلية، خاصة بعدما اتضح أن غياب المراقبة حينا، وضعفها في أحيان كثيرة أدى إلى عدة كوارث بسبب كثرة الانهيارات والحرائق وما خلفه ذلك من سقوط قتلى وجرحى أقلقت الرأي العام ودقت ناقوس الخطر في أكثر من مناسبة.
وفي نفس السياق يمكن اعتبار المرسوم الجديد بمثابة إشارة قوية من القائمين على ميدان التعمير بأهمية المقاربة الوقائية، وذلك بعدما أبانت التجربة العملية أن صلابة المساطر وثقلها أدى بالكثير من أصحاب الشأن لسلك طريق الخيار السيء و”السهل”، أي تجاوز القوانين وخرقها في تشييد الأبنية بعيدا عن شكليات الإدارة ومساطرها، بمبرر تعقد وجمود هذه الأخيرة.
وإذا كنا قد نتفق أو نختلف بشأن تقدير السياقات السالف ذكرها، فإن الشكل الذي صدر به المرسوم يطرح أكثر من تساؤل.
ثانيا: الشكل
يتكون مرسوم الموافقة على ضابط البناء العام من ستة أبواب و46 مادة، فضلا على 8 ملحقات. وتتوزع هاته الأبواب بين الغرض ونطاق التطبيق ومذكرة المعلومات التعميرية وتسليم الإذن بالتجزيء وإحداث المجموعات السكنية وتقسيم العقارات وتسليم رخص البناء والسكن وشهادة المطابقة ومساطر التدبير اللامادي للملفات وأخيرا مقتضيات عامة (الباب السادس).
إن مرسوم الموافقة على ضابط البناء العام الذي نحن بصدد دراسته، وإن كان يحترم في بنائه العام من الناحية الشكلية القواعد المعروفة في ما يخص حبكة المراسيم التطبيقية بشكل إجمالي، باعتبارها نصوصا تنظيمية ترتبط بنص تشريعي قائم الغاية منها وضع القواعد التفصيلية اللازمة لتيسير تنفيذ القانون، فإنه يطرح بالمقابل عدة تساؤلات تتعلق أساسا بمدى احترام واضعيه للمقتضيات القانونية التي يتأسس عليها والمتمثلة في أحكام الفصل الرابع من الباب الثالث من قانون التعمير 90/12، وهو الفصل المخصص لضوابط البناء.
فبالعودة إلى المادتين 59 و60 من قانون التعمير، وبمقارنتها بمضمون المرسوم، تتضح ضرورة وأهمية طرح بعض التساؤلات من قبيل :
- هل يتعلق الأمر بضابط للبناء العام وفق المفهوم الذي يقدمه قانون التعمير؟ أم أن الأمر يتعلق بمجرد إضفاء الحجية القانونية على مضامين منشور وزاري سابق (منشور السيد وزير إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان والبيئة عدد 2000/1500 بتاريخ 6 أكتوبر 2000) الذي ينظم جل ما جاء به المرسوم، واعتبار هذا الأخير مجرد تحصيل حاصل؟ خاصة مع عدم التنصيص الصريح على إلغاء المنشور المذكور بموجب مواد المرسوم؟ أم أن الأمر ليس كذلك خاصة عندما يتعلق الأمر بالمواضيع المذكورة في الدورية التي لم يشملها المرسوم بالتنظيم كما هو الشأن مثلا بالنسبة لمسطرة الأشغال الطفيفة؟
- كيف يمكن تفسير التفاوت المسجل بين مضمون المادتين 59 و 60 من قانون التعمير، أخذا بعين الاعتبار دقة المصطلحات والمفاهيم التشريعية ووضوحها، حيث تشير المادة 59 إلى ضوابط البناء العامة بصيغة الجمع، في حين يفهم من صياغة المادة 60 أن الأمر يتعلق بمرسوم واحد ينظم مجموع ضوابط البناء العامة على اختلافها؟ علما أن استحضار مضمون المادة 39 من المرسوم التطبيقي لقانون التعمير ينهض دليلا قويا في ترسيخ الفهم الأول، ناهيك على أن المجلس الحكومي صادق في نفس اليوم الذي تم فيه اعتماد مشروع المرسوم بمثابة ضابط الباء العام على مشاريع مراسيم أخرى متصلة بضوابط البناء كما هو الحال بالنسبة لمشروع المرسوم رقم 666- 12- 2 بالموافقة على ضابط البناء المضاد للزلزال المطبق على المباني المنجزة بالطين وبإحداث اللجنة الوطنية للمباني المنجزة بالطين، وكذا مشروع المرسوم رقم 682 – 12 – 2 بتغيير المرسوم الصادر بتاريخ 22 فبراير 2002 المتعلق بضابط البناء المضاد للزلزال ؟
- ما موقع ضوابط التهيئة المنصوص عليها في وثائق التعمير، خاصة تصاميم التهيئة السارية المفعول بالمجال الحضري، وتصاميم التنمية بالعالم القروي إذا ما أخذنا بعين الإعتبار أحكام المادة 61 من قانون التعمير 90/12 التي تعطي أولوية التطبيق لضوابط البناء العامة وضوابط التهيئة على ضوابط البناء الجماعية ؟ خاصة في حالة تباين أحكامهما (ضوابط البناء العامة وضوابط التهيئة).
فالمادة 59 من قانون التعمير تنص على أن ضوابط البناء العامة تحدد جانبين أساسيين، هما :
- شكل وشروط تسليم الرخص وغيرها من الوثائق المطلوبة بمقتضى هذا القانون والنصوص التشريعية المتعلقة بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات والنصوص الصادرة لتطبيقها؛
- ضوابط السلامة الواجب مراعاتها في المباني والشروط الواجب توافرها فيها لما تستلزمه متطلبات الصحة والمرور والمتطلبات الجمالية ومقتضيات الراحة العامة[6].
إننا نرى أن إطلاق تسمية ضابط البناء العام على هذا المرسوم تحتاج إلى تدقيق. فبالإستناد على المبادئ المتعارف عليها على مستوى التشريعات المقارنة التي رسخت مثل هذه الضوابط في تجاربها، نؤكد أن ضوابط البناء العامة تروم بالأساس تحديد وبدقة، مجموعة من القواعد التقنية والجمالية التي يجب توفرها في البنايات المختلفة، من قبيل : أنواع البناءات المحظورة، قياس العلو، المصاعد، المطابخ، التمييز بين المباني لأغراض السكن، التجارة…إلخ. وهو ما لم يستعرضه المرسوم الجديد الذي اكتفى بتحديد شكل وشروط تسليم الرخص والوثائق المقررة بموجب النصوص المتعلقة بالتعمير والتجزئات والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات. مما يجعلنا نؤكد أن هذا المرسوم لم يعمل في الحقيقة على تنظيم ضوابط البناء، وإنما جاء ليقعد مضامين المنشور عدد 2000/1500 حول تبسيط مساطر ومسالك دراسة رخص البناء والتجزيء[7]والإرتقاء به إلى مصاف النصوص القانونية الملزمة بهدف تجاوز الإختلالات التي مست منظومة التدبير العمراني على هذا المستوى.
وتثير المادة 59 من قانون التعمير، مسألة غياب التحديد الدقيق لكل من مجال الأبنية ومجال التجزئات العقارية خاصة في ظل عدم وجود قانون للبناء على غرار تشريعات دول أخرى، وكان من الأجدى استعمال تعبير ضوابط التعمير كصيغة تمكن من احتواء جميع المجالات المرتبطة بالموضوع. وهنا يجب التأكيد على ضرورة العودة للتفكير في وضع مدونة للتعمير كنص جامع لشتات الترسانة القانونية المتفرقة بين عدة نصوص يصعب الإلمام بها.
بعد الوقوف على السياق والشكل الذي صدر عليه المرسوم يحق لنا أن نتساءل عن مدى وجود مظاهر التبسيط بهذا المرسوم وعن الآثار التي يمكن أن ترتبها على التدبير العمراني عموما.
المحور الثاني: مرسوم الضابط العام للبناء بين مظاهر التبسيط وعوائق الفعالية
يتوخى هذا المحور إبراز المستجدات الإيجابية التي حبل بها المرسوم الجديد فيما يتعلق بتبسيط مسطرة الحصول على الرخص والوثائق المتعلقة بالتعمير (أولا) وبيان المعيقات التي تقف في وجه تحقيق السرعة والنجاعة في الإستجابة لطلبات المواطنين بخصوص رخص التعمير والوثائق المرتبطة بها (ثانيا).
أولا: مظاهر التبسيط
تضمن المرسوم الجديد العديد من المستجدات الرامية إلى تبسيط مسطرة الحصول على الرخص والأذون، وتتجلى أساسا في مراجعة الهياكل التنظيمية المرتبطة بمسطرة تسليم رخص التعمير، ووضع آجال صريحة ومعقولة وكافية لهياكل الدراسة للبث في الملفات، ناهيك عن ضبط وعقلنة مسألة اتخاذ القرار.
ففي إطار رغبة واضعي المرسوم تجاوز المظاهر الإدارية السلبية التي كانت تواجه أصحاب الطلبات والمتجلية في البطء في الحصول على مختلف الرخص والأذون وكثرة المتدخلين وضعف التنسيق فيما بين البنيات المكلفة بالبث في الملفات وما نجم عن ذلك من نتائج سلبية تجلت أساسا في رفض العديد من الطلبات والمشاريع الإستثمارية…إلخ، فقد عمد واضعي المرسوم إلى إقرار هيكل جديد لدراسة طلبات الرخص والوثائق (اللجن الإقليمية) ومأسسة وتقنين أخرى موجودة (الشباك الوحيد) بهدف الرفع من آداء إدارة التعمير.
هكذا أوكل المرسوم الجديد، في إطار تحديد كيفية مسطرة البث في ملفات طلبات الترخيص، دراسة ملفات طلبات الرخص بالشباك الوحيد وباللجان الإقليمية، وذلك بتكوين لجان الدراسة من أعضاء غير دائمين وأعضاء دائمين يمثلون مصالح العمالة أو الإقليم، الجماعة والوكالة الحضرية. وفي حالة دراسة المشاريع في إطار مسطرة المشاريع الكبرى، ينضاف للأعضاء الدائمون ممثلو المديرية العامة للوقاية المدنية وممثلوا المصالح المختصة في مجال الربط بشبكات الإتصالات السلكية واللاسلكية، وكذا ممثلو الأجهزة المكلفة بتسيير مختلف الشبكات.
واشترط المرسوم الجديد في إطار مهام تحديد كيفية دراسة ملفات طلبات رخص التعمير والتجزئات العقارية على أن لا تتم الإستعانة في أشغال اللجنة بالأعضاء المؤطر مجال تدخلهم بنصوص تنظيمية، إلا بطلب صريح من رئيس المجلس الجماعي، وفي حالة تعذر فهم أو تباين الآراء بشأن كيفية تنفيذ أحكام هذه النصوص التنظيمية.
غير أن المرسوم أقر في المادة 22 منه ستثناءا على تركيبة اللجنة المكلفة بدراسة ملفات طلبات الرخص المتعلقة بملفات التقسيم تم بموجبه اعتبار إدارة المحافظة على الأملاك العقارية عضوا دائما عند دراسة طلبات رخص تقسيم العقارات، غير أنه يجدر بنا التساؤل حول ما إذا كان تأكيد المرسوم الجديد على حضور مصلحة المحافظة العقارية يعبر عن وعي بضرورة تجاوز سلبيات واقع الممارسة العملية الذي أفرز عدم حضور ممثل المحافظة العقارية في غالب الأحيان، وعدم إدلائها بملاحظاتها حول ملفات التقسيم كون هذه العمليات تقع غالبا على عقارات غير محفظة ولا توجد في طور التحفيظ، بالرغم من وضوح مقتضيات المادة 20 من المرسوم التطبيقي للقانون 25.90. فهل يرمي واضعوا المرسوم إلى إعادة التأكيد على أهمية حضور مؤسسة المحافظة العقارية أم أن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد اجترار ليس إلا؟
على مستوى الآجال، حرص واضعوا المرسوم الجديد على ضمان مصالح أصحاب الطلبات بتجاوز التعقيدات المسطرية وثقلها على المواطنين والمستثمرين عن طريق تحديد آجال صريحة يجب على الإدارة احترامها والتقيد بها في دراسة الملفات وإبداء الرأي ومنح الرخص حسب كل مشروع سعيا لتجاوز الإنتقادات الكثيرة المرتبطة بعدم دقة الآجال وضبابية المقتضيات القانونية وعدم تجانسها، ويتعلق الأمر بوجود نوعين من الموافقة، موافقة صريحة وأخرى ضمنية، وأحيانا تعايش النوعين معا في نص واحد.
هكذا ينص قانون التعمير 12.90 في المادة 48 على أن سكوت رئيس المجلس الجماعي عند فوات أجل شهرين من تاريخ تقديم طلب الحصول على رخصة البناء يعتبر بمثابة موافقة ضمنية. وهو نفس المقتضى الوارد في الفصل السابع من ظهير 25 يونيو 1960 المتعلق بتوسيع نطاق العمارات القروية. فيما يتم تنظيم رخص التجزئات بمقتضيات متباينة وذلك حسبما إذا تعلق الأمر بالتجزئات الخاضعة للقانون 25.90 و التجزئات التي ينظمها ظهير تنمية العمارات القروية.
فأحكام المادة الثامنة من قانون 25.90 تعطي للمجزىء إمكانية الحصول على الترخيص الضمني بإحداث تجزئة عقارية وذلك في حالة سكوت الإدارة لمدة ثلاثة أشهر، تبتدئ من تاريخ إيداع الطلب. بينما يشكل سكوت الإدارة خلال نفس المدة، حسب مضمون المادة 11 من ظهير 25 يونيو 1960، رفضا ضمنيا يسمح لصاحب الشأن بعرض الأمر على أنظار عامل الإقليم الذي يتوفر بدوره على أجل ثلاثة أشهر يتحول بمقتضاها سكوته إلى قرار ضمني بالموافقة.
ويتضح نزوع واضعي المرسوم الجديد نحو تجاوز الإشكالات المرتبطة بالآجال من خلال التنصيص على ضرورة تسليم وصل الإيداع وترقيمه وتأريخه واعتباره بمثابة شهادة تسلم الملف سواء تعلق الأمر بمكتب ضبط الجماعة أو مكتب ضبط الشباك الوحيد مع مراعاة الأحكام الخاصة المتعلقة بطلبات الإذن بإحداث التجزئات العقارية التي أوجب المرسوم إيداعها بمقر العمالة أو الإقليم المعني في حالة تواجد العقار بالنفوذ الترابي لأكثر من جماعة ترابية[8]، وذلك انسجاما مع أحكام المادة الثالثة من القانون 25.90 المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات[9].
في نفس السياق تم ضبط الآجال التي يتوجب على هياكل الدراسة احترامها حين دراسة الطلبات، وحسب الملفات. فإذا تعلق الأمر بمسطرة المشاريع الصغرى، تحال الملفات للتو على أنظار اللجنة الإقليمية أو الشباك الوحيد، بحسب الحالة، للبث فيها في حينه (المادة 19). وقد توفق واضعوا المرسوم في إيراد هذا المقتضى بالنظر إلى أن واقع التجربة العملية أبان أن النسبة الغالبة في الملفات المعروضة على أجهزة الدراسة تندرج ضمن خانة المشاريع الصغرى (السكن الفردي، العمارات المتواجدة داخل التجزئات، دكاكين التجارة…إلخ) كما أن هذه النوعية من المشاريع هي التي كثيرا ما أدى البطء في دراستها بذوي الشأن، و”اضطرهم” إلى خرق القانون أمام ثقل المساطر وتعقدها. الأمر الذي يمكننا معه استنتاج اقتناع واضعي المرسوم بأهمية سرعة البث في مثل هذه المشاريع ضمانا للفعالية والنجاعة ودرءا لكل الذرائع المرتبطة بطول المسافة الزمنية التي تقطعها طلبات المرتفقين .
أما فيما يتعلق بمسطرة المشاريع الكبرى، وإن كانت في الحقيقة تحتاج لمدة أطول للدراسة أخذا بعين الإعتبار تعقد معطياتها التقنية وأهميتها الإستثمارية وما يتطلبه ذلك من ترو ودقة حين دراستها، فقد تعامل واضعوا المرسوم بشكل إيجابي مع هذه النوعية من الملفات فيما يخص الآجال، حيث تحال الطلبات المندرجة في هذا الإطار على لجنة الدراسة في ظرف لا يتعدى 3 أيام مفتوحة ليتم البث فيها في أجل لا يتعدى 15 يوما، على أنه وبعد انتهاء أشغال لجن الدراسة يتعين تحرير محضر يتضمن الآراء الفردية لأعضائها ويوجه مرفوقا بالوثائق اللازمة إلى رئيس المجلس الجماعي المعني لاتخاذ القرار بشأنه داخل أجل لا يتعدى 3 أيام مفتوحة تحتسب من تاريخ انعقاد اجتماع لجنة الدراسة (المادة 34).
خطاطة توضيحية لآجال دراسة الملفات حسب نوعية المشاريع
ومن مظاهر التبسيط الأخرى التي يجدر بنا الوقوف عليها عدم اشتراط إبداء رأي اللجنة في الملفات بالأداء المسبق للخدمات المقدمة (الوقاية المدنية، الوكالة الحضرية) إلا بعد موافقة اللجنة على المشروع وقبل تسليم الرخصة، مما يعني التخفيف على صاحب الشأن على مستوى الكلفة المالية والمتاعب التي كان يتحملها في السابق، سواء تم البث بالقبول أو بالرفض في طلبه.
على صعيد متصل بتجليات عقلنة اتخاذ القرار، نسجل إيجابية الحرص على جودة التمثيلية، من خلال تأكيد المرسوم على ضرورة اختيار أشخاص أكفاء ومؤهلين لإبداء الرأي خلال دراسة ملفات طلبات الرخص داخل اللجن، وذلك لتيسير عملية اتخاذ القرار بعدما أبانت التجربة العملية عدم قدرة ممثلي بعض الإدارات في حظيرة لجن البث في الملفات وترددهم في اتخاذ القرار الحاسم، والتذرع بضرورة الرجوع من جديد إلى الإدارة وهو ما كان يؤثر بشكل سلبي على النظر في الملفات بالسرعة والجودة المطلوبين، خاصة في ظل حرص بعض المصالح على ضمان التمثيلية الشكلية (الصورية) لها لا غير، متذرعة حينا بعدم وجود العنصر البشري الكافي ومختبئة أحيانا أخرى بوجود إدارات أخرى تعتبر صاحبة الاختصاص والتخصص[10]، مما نجم عنه كثرة الآراء المتعاقبة avis en cascade وما يعنيه ذلك من إطالة وتمديد في الآجال.
ودرءا لكل استغلال غير مشروع لبعض المقتضيات القانونية عن طريق سوء تأويلها، عمد واضعوا المرسوم إلى إيراد مقتضى على قدر كبير من الأهمية – وإن كان سيطرح بالمقابل بعض الإشكالات كما سنأتي على ذلك لاحقا- وهو المتعلق بالقيد القانوني المرتبط بوجوب الحصول على الرأي المطابق للوكالة الحضرية قبل تسليم الرخصة[11] التي يشترط أن تكون كل وثائق الملف المتعلق بها متضمنة لعبارة “غير قابل للتغيير”non variature، مما يعني أن جميع المصالح الإدارية وغيرها ملزمة بالتقيد بمضمون الرخص المسلمة الحاملة للعبارة السالفة الذكر ، والتعامل معها باعتبارها الوثائق القانونية الرسمية مع ما يعنيه ذلك من ضرورة وجوب مراجعة الإدارة للقيام بأي تعديل على الرخص المسلمة وفق المساطر المتبعة في تسليم الرخص الأصلية احتراما لمبدإ توازي الشكليات.
وبالرغم من المظاهر الإيجابية التي أتينا على استعراضها، فإن هذا النص التنظيمي يفرض على جميع المعنيين بمقتضياته مجهودات كبيرة لمواجهة العوائق المعروفة والمحتملة التي يمكن أن تقف في وجه التنزيل السليم لمقتضياته، مع ما يتطلبه ذلك من ضمانات موازية لحسن تنزيله.
ثانيا: عوائق التنزيل
بالرغم من المضامين الإيجابية الكثيرة التي جاء بها المرسوم الجديد بمثابة ضابط البناء العام، فإن التنزيل السليم لمقتضياته يستلزم توافر مجموعة من الضمانات، سواء على مستوى تعبئة الوسائل المالية والبشرية الكافية، لما لذلك من تأثير مباشرعلى عملية تثبيت الهياكل المكلفة بدراسة الملفات، ناهيك عن المجهود الذي ينتظر الإدارة على مستوى تجاوز البطء الذي يشوب عملية تفعيل مساطر التدبير اللامادي للملفات عن طريق وضع قواعد المعطيات الرقمية التفاعلية ضمانا لنجاعة تدخلات الفاعلين وسلاسة تداول المعطيات فيما بينهم من جهة، ووضع المعلومة في متناول أصحاب الطلبات وتمكينهم من تتبع ملفاتهم بسهولة.
هكذا سمحت المدة التي ميزت بداية التنزيل الفعلي لمضامين المرسوم الجديد من الوقوف على أهم الصعوبات البشرية واللوجيستيكية التي تعترض التطبيق السليم لهذا النص، حيث تم تسجيل عدة مشاكل مرتبطة أولا بضعف العنصر البشري المرصود لأغراض دراسة الملفات وفق المساطر والشكليات الجديدة مما أدى إلى الاكتفاء في أغلب الأقاليم بإحداث لجنة إقليمية واحدة لتغطية مجموع الجماعات المنضوية داخل المجال الترابي للعمالة أو الإقليم.
فإذا كان إحداث اللجن الإقليمية بموجب قرارات عاملية لم يطرح أية صعوبات تذكر، عدا ما تعلق بالضغط الذي أفرزته الممارسة العملية فيما يخص الكم الهائل من الملفات التي يتوجب على اللجنة الإقليمية البث فيها، أخذا بعين الإعتبار عدم توفر معظم الأقاليم على أكثر من لجنة واحدة، كما سلفت الإشارة إلى ذلك، فإن الوضع لم يكن بنفس السرعة والسلاسة فيما يخص وثيرة تنصيب الشبابيك الوحيدة، حيث لم يتم إحداث سوى 18 شباكا وحيدا من بين 99 شباكا لرخص التعمير محددة بموجب القرار المشترك رقم 3213.13 الصادر بتاريخ 14 نونبر 2013[12]، فيما يوجد 28 شباكا في طور الإحداث حسب الدورية المشتركة لوزير التعمير وإعداد التراب الوطني ووزير الداخلية الموجهة إلى ولاة الجهات وعمال عمالات وأقاليم ومقاطعات المملكة ومديري الوكالات الحضرية حول أجرأة المرسوم القاضي بالموافقة على ضابط البناء العام المحدد لشكل وشروط تسليم الرخص والوثائق المقررة بموجب النصوص التشريعية المتعلقة بالتعمير والتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات والنصوص الصادرة لتطبيقها من خلال تكثيف الجهود والتنسيق بين مختلف مكونات المنظومة المحلية بهدف تجاوز التأخير المسجل في هذا الباب والحرص على التسريع من وثيرة إحداث هذه الشبابيك[13].
ولا يخفى، في نفس السياق، الانعكاس السلبي الذي يترتب عن البطء في إحداث هياكل الدراسة على تحقيق الهدف المرتبط بتقريب الإدارة من المرتفقين، وتقيدها بالآجال الصارمة الواردة في المرسوم. فقد يتعذر إن لم نقل يستحيل في بعض الحالات على الإدارة احترام الآجال بالنظر إلى الصعوبات المتعلقة بضمان ديمومة عمل الشبابيك الوحيدة، وبشكل أكثر اللجان الإقليمية بالنظر إلى بعد مقر أو مقراتها جغرافيا عن أغلب الجماعات (القروية على الخصوص) مما يتعذر معه الالتزام بالآجال المقررة.
هكذا، أفرزت الممارسة العملية أنه عند إيداع ملفات طلبات الرخص بمكتب ضبط بعض الجماعات من طرف أصحاب الشأن أو من ينوب عنهم، لا تسلم لهم وصولات إيداع مرقمة ومؤرخة كما تنص على ذلك المادة 30 من المرسوم، ناهيك أن الملفات بعد إيداعها لدى المصالح الجماعية المعنية، لا تحال على اللجنة الإقليمية للتعمير داخل الأجل القانوني المحدد في 3 أيام حسب مضمون المادة 18 من نفس المرسوم ، كما لا تبلغ الملاحظات إلى المعنيين بالأمر كتابة، بل تسلم لهم نسخ من محاضر اللجنة الإقليمية للتعمير المتضمنة لهذه الملاحظات، علما أن تلك المحاضر تعتبر وثيقة إدارية داخلية لا تسلم للمواطنين.
يضاف إلى ذلك ما ينجم عن تباين مواقف الإدارات المختصة الممثلة في حظيرة الشبابيك واللجن المكلفة بدراسة الملفات من تعطيل للآجال وعرقلة لتسليم الرخص والأذون لأصحابها داخل الآجال القانونية المنصوص عليها بسبب الخلل الذي يشوب تركيبة اللجن من جهة، ونتيجة للتراتبية في قوة الآراء التي كرسها المرسوم، من جهة أخرى.
فبالعودة إلى تركيبة اللجن، يتضح أن المرسوم يميز، بشكل عام، بين نوعين من الأعضاء داخل هياكل الدراسة : أعضاء دائمون وأعضاء غير دائمون تتم دعوتهم بحسب نوعية الملفات، إلا أن قراءة متأنية ورصينة لمكونات اللجن المذكورة كفيلة بكشف مدى عدم ارتكاز تحديد تركيبة اللجن على معايير وجيهة، وعليه وإذا ما استثنينا إضافة ممثل المحافظة العقارية واعتباره عضوا دائما عندما يتعلق الأمر بطلب رخص تقسيم العقارات، بالإضافة إلى ممثل العمالة وممثل الجماعة وممثل الوكالة الحضرية، فإن الإكتفاء بإضافة ممثلوا المصالح المختصة في مجال الربط بشبكات الإتصالات السلكية واللاسلكية وكذا ممثلوا الأجهزة المكلفة بتسيير مختلف الشبكات عند دراسة المشاريع في إطار مسطرة “المشاريع الكبرى” لم يكن مسلكا سليما طالما أن النظر في بعض الطلبات المندرجة في خانة المشاريع الصغرى قد تقتضي لزوما الأخذ برأي إحدى الأجهزة والمصالح السالفة كما هو الحال مثلا عندما يتعلق الأمر ببناء مجاور للطرق العمومية أو وجود المبنى المزمع إنشاؤه بمحاذاة أعمدة الكهرباء ذات الضغط المرتفع مما يقتضي أخذ رأي مصالح التجهيز ومصالح المكتب الوطني للكهرباء والماء.
أما على مستوى طبيعة الآراء التي يصدرها ممثلوا المصالح الإدارية المكلفة بالدراسة، فقد أعاد تأكيد واضعي المرسوم، على إلزامية تقيد رؤساء المجالس الجماعية بالرأي المطابق الذي يبديه ممثل الوكالة الحضرية، بعث النقاش من جديد بخصوص حدود الإختصاص بين طرفي اللامركزية الترابية والمرفقية في ميدان تسليم رخص التعمير.
إن رغبة واضعي المرسوم في كبح المد المتزايد نحو نزوع رؤساء الجماعات إلى تجاهل الآراء المطابقة للوكالات الحضرية هو ربما ما جعل ” مهندسي” هذا النص الجديد يصرون على تأكيد الطابع الإجباري لأخذ رأي الوكالة الحضرية بعين الاعتبار، بل وأكثر من ذلك يمكن القول أن المادة 35 من المرسوم، وبعدها المادة 101 من القانون التنظيمي الجماعي[14]، لم تعملا على حسم الجدل الذي كان قد أثير في السابق نتيجة لتباين الصياغتين العربية والفرنسية للبند الرابع من المادة الثالثة من الظهير المحدث للوكالات الحضرية، حيث يشير النص العربي إلى الرأي الملزم، فيما يتحدث النص الفرنسي عن الرأي المطابق. بل لقد أضافتا غموضا آخر حيث يتحدث المرسوم عن الرأي المطابق، فيما يستعمل القانون التنظيمي الجماعي مفهوم الرأي الملزم. مما يعني انتصار هذا الأخير للنص العربي، وبالتالي للدستور الذي يعتبر العربية والامازيغية اللغتين الرسميتين للمملكة[15]. فهل يا ترى تنبه واضعوا المرسوم إلى المشاكل التي ستنجم عن تعارض المواقف بخصوص الملفات المعروضة؟ وهل من جدوى، أمام هذا الوضع، لمسألة التنصيص عن الآراء والمواقف الفردية التي يتوجب تضمينها بمحاضر اجتماعات اللجن؟
وارتباطا بالعوائق المؤثرة على تحقيق أهداف تبسيط المساطر، هناك عدة إشكالات تثيرها بعض المواد من شأنها الحد من الوقع الإيجابي للمرسوم، من ذلك الإلتباس الذي تثيره المادة السادسة بخصوص مذكرة المعلومات، ويتعلق الأمر على وجه التحديد بالمراد بـــ”الملكية العقارية”، فهل ينصرف القصد إلى الملكيات المحفظة المتوفرة على رسم عقاري أم أن ذلك يمتد ليشمل جميع الوثائق الأخرى التي تثبت تملك المعني بالأمر، أو من ينيبه أو يوكله عنه، للعقار موضوع طلب مذكرة المعلومات (عقود استمرار، إراثة، رسم ملكية..)؟ علما أن الممارسة العملية في حظيرة لجن الدراسة أبانت أن وضوح النص قد لا يعفي صاحب الطلب من تعقيدات الإدارة التي تجتهد في كثير من الأحيان وتتشدد في اشتراط تملك المعني بالأمر للعقار ملكية صريحة وواضحة، حيث قد يسهل الأمر بالنسبة للوسط الحضري المؤطر في غالب الأحيان بوثائق التعمير المرتكزة على دراسات عقارية، فيما يتعذر ذلك، إن لم نقل يستحيل توفره بالوسط القروي المعروف أكثر بتنوع الأنظمة العقارية وذيوع حالات الشياع وغيرها من الإشكالات العقارية الأخرى. وبالتالي فهذا الوضع لا يخدم غايات التبسيط والمرونة بقدر ما يزيد الوضع تعقيدا ويضرب في العمق مرامي وأبعاد هذا النص. ناهيك على أنه يدفع إلى التساؤل عن الدوافع الكامنة وراء عدم تنظيم الترخيص في العالم القروي بمقتضيات أكثر يسرا وسهولة، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار تولد قناعة السلطات العمومية ووعيها بهذا الموضوع. وهو ما تجلى بوضوح في إصدار الدورية عدد 21536 بتاريخ 25 دجنبر 2012 حول تبسيط مسطرة الترخيص بالبناء في العالم القروي التي أوصت بعدم إلزام المواطنين بوثائق تقنية وإدارية غير ضرورية، والاكتفاء بالحد الأدنى منها وعدد النسخ المطلوبة في تكوين ملف طلبات الرخص، إضافة إلى تأكيدها على التعامل مع العقار بالمرونة اللازمة أخذا بعين الاعتبار خصوصيات الجهات والمناطق ونوعية العقارات، وعدم التشدد في اشتراط وسيلة إثبات الملكية أو حق التصرف[16].
على صعيد متصل، وإذا كان واضعوا المرسوم الجديد توفقوا في تحديد آجال صريحة ومعقولة جدا لتسليم مذكرة المعلومات، حدد في يومين، كما تقضي بذلك أحكام المادة السابعة من المرسوم، فإن التساؤل يثور حول الغموض الذي يلف المواقف التي ستتخذها الإدارة عند تلقيها لطلب الحصول على بطاقة المعلومات في الحالة التي لا توجد فيها وثيقة للتعمير سارية المفعول، أو في حالة وجود تلك الوثيقة قيد الدراسة، علما أن استحضار مضمون المادة السادسة ومقابلته بما جاء في المادة الثامنة يوحي بعدم وضوح توجه واضعي المرسوم بهذا الخصوص.
فإذا كانت المادة السادسة من المرسوم قد ميزت بشكل صريح بين حالة وجود وثيقة تعمير مصادق عليها، ومنحت لأي كان الحق في الحصول على مذكرة المعلومات، وقيدت بالمقابل ذلك الحق في حالة غياب تلك الوثيقة، إذ لم تمكن إلا أشخاصا محددين من تقديم طلب الحصول على مذكرة المعلومات حصرتهم في مالك العقار أو كل شخص يدلي بموافقة هذا الأخير أو بوثيقة تبرر الحصول على مذكرة المعلومات كقرار الإعلان عن المنفعة العامة، فإن المادة الثامنة، التي تطرقت لمضمون مذكرة المعلومات التعميرية، لا يمكن قراءتها إلا في وجود وثيقة للتعمير مصادق عليها. يضاف إلى ذلك إحجام واضعي المرسوم عن تبيان موقف الإدارة في حالة وثائق التعمير الموجودة في طور الدراسة.
خلاصة
كيفما كان الحال، فإن هذا المرسوم يأتي في إطار تبسيط مسطرة منح رخص البناء والتجزيء لمواكبة السياسة العمومية للدولة الرامية إلى تنظيم المجال العمراني ببلادنا وتوفير الشروط الملائمة لمكافحة ظاهرتي البناء غير القانوني والتجزيء السري اللتين مازالتا تتناميان بوثيرة سريعة وتتخذا صورا خطيرة أخلت بشروط ومتطلبات التنمية العمرانية المتوازنة وساهمت في انتشار أحياء غير مهيكلة تنعدم فيها شروط السكن اللائق وسلامة وأمن المواطنين، فضلا عن تقويض المجهودات التي ما فتأت تبذل من طرف أجهزة إنفاذ القوانين من أجل القضاء على ظاهرة البناء العشوائي التي أبان الواقع بما لا يدع مجالا للشك إسهام تعقد وطول مساطر الترخيص في إفرازها.
كما يمكن القول أن التفعيل الجيد للمرسوم يظل رهينا بوجود إرادة قوية من لدن الفاعلين المعنيين، بدءا بتوفير الوسائل البشرية واللوجيستيكية الضرورية لضمان التنزيل السليم لمقتضياته، ومرورا بالاجتهاد أكثر في إيجاد أنسب الصيغ لتقوية التنسيق بين المتدخلين في مسار تسليم الرخص والأذون المختلفة، وأخيرا وليس آخرا، الإسراع في تطبيق مساطر التدبير اللامادي كأساس للتوفر على إدارة حديثة في ميدان التعمير، مواكبة للتطورات التكنولوجية المتسارعة، خدمة للمرتفقين ولمصداقية الإدارة على السواء.
[1] – مرسوم رقم2.13.2013 صادر في 13 من رجب 1434 (24 ماي 2013) بالموافقة على ضابط البناء العام المحدد لشكل وشروط تسليم الرخص والوثائق المقررة بموجب النصوص التشريعية المتعلقة بالتعمير والتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات والنصوص الصادرة لتطبيقها، ج. ر عدد 6155 بتاريخ 16 رجب 1434 (27 ماي 2013) ص : 4306.
[2] – ظهير شريف رقم 1.15.85 صادر في 20 من رمضان 1436 (07 يوليو 2015) بتنفيذ القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات. ج.ر عدد 6380 بتاريخ 23 يوليو 2015، ص 6660.وقد وردت الإشارة إلى الضابط العام للبناء بموجب المادة 237 من القانون التنظيمي الجماعي عند استعراضها لاختصاصات رؤساء مجالس المقاطعات في المدن الخاضعة لهذا النظام.
[3] – القانون رقم 12.90 المتعلق بالتعمير الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.92.31 صادر في 15 من ذي الحجة 1412 (17 يونيو 1992) ج.ر عدد 4159، بتاريخ 15 يوليوز 1992، ص 887.
[4] – وذلك قبل أن يتم تحميل مسؤولية تدبير قطاع الإسكان والتعمير في التعديل الذي طرأ على حكومة عبد الإله بنكيران، إلى وزارتين : وزارة التعمير وإعداد التراب الوطني، ثم وزارة الإسكان وسياسة المدينة.
[5] – يتعلق الأمر بالمشاريع التالية :
– مشروع قانون يتعلق بتغيير القانون رقم 12.90 المتعلق بالتعمير؛
– مشروع قانون يتعلق بتغيير القانون رقم 25.90 المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات؛
– مشروع قانون يتعلق بالتعاونيات السكنية؛
– مشروع قانون بتغيير الظهير المعتبر بمثابة قانون المتعلق بإحداث الوكالات الحضرية؛
– مشروع قانون بتغيير القانون رقم 44.00 المتعلق ببيع العقار في طور الإنجاز؛
– مشروع قانون يتعلق بمراقبة وزجر المخالفات في ميدان التعمير والبناء؛
– مشروع قانون يتعلق بالبنايات الآيلة للسقوط؛
– مشروع قانون يتعلق بتغيير القانون رقم 18.00 المتعلق بنظام الملكية المشتركة؛
– مشروع قانون بتغيير وتتميم القانون رقم 16.89 المتعلق بمزاولة الهندسة المعمارية وبإحداث هيئة المهندسين المعماريين الوطنية؛
– مشروع قانون بإحداث الوكالة الوطنية لتأهيل الأنسجة العتيقة والمباني الآيلة للسقوط؛
– مشروع قانون يتعلق بالمدن الجديدة؛
– مشروع قانون يتعلق بمدونة البناء. أنظر المخطط التشريعي برسم الولاية التشريعية التاسعة كما وافق عليه مجلس الحكومة المنعقد بتاريخ 22 نونبر2012، ص: 53.
[6]– من قبيل :
- قواعد استقرار المباني ومتانتها؛
- مساحة المحلات وحجمها وأبعادها؛
- شروط تهوية المحلات، خصوصا فيما يتعلق بمختلف الأحجام والأجهزة التي تهم الصحة والنظافة ؛
- الحقوق التي يتمتع بها في الطرق العامة أصحاب العقارات المجاورة لها ؛
- مواد وطرق البناء المحظور استخدامها بصورة دائمة ؛
- التدابير المعدة للوقاية من الحريق ؛
- طرق الصرف الصحي والتزود بالماء الصالح للشرب ؛
- الإلتزامات المتعلقة بصيانة الأملاك العقارية والمباني .
[7] – منشور الوزير المكلف بإعداد التراب الوطني و التعمير والإسكان والبيئة رقم 1500بتاريخ 6 أكتوبر 2000يتعلق بتبسيط مسالك ومساطر دراسة طلبات رخص البناء وإحداث التجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات.
[8] – المادة 30 من المرسوم بمثابة ضابط البناء العام .
[9] – ج.ر عدد 4159، بتاريخ 15 يوليو 1992، ص ، 880 .
[10] – المادة 26 من المرسوم.
[11] – المادة 35 من المرسوم.
[12] – ج.ر عدد 6219 بتاريخ 6 يناير 2014، ص: 67 .
[13] – الدورية المشتركة بين وزارة الداخلية (عدد 2925 D) ووزارة التعمير وإعداد التراب الوطني (عدد 4499) بتاريخ 29 ماي 2014الموجهة إلى ولاة الجهات وعمال عمالات وأقاليم ومقاطعات المملكة ومديري الوكالات الحضرية.
[14]– تنص المادة 101 من القانون التنظيمي الجماعي على ما يلي “يقوم رئيس مجلس الجماعة في مجال التعمير بما يلي:
– السهر على تطبيق القوانين والأنظمة المتعلقة به طبقا للتشريع والأنظمة الجاري بها العمل، وعلى احترام ضوابط تصاميم إعداد التراب ووثائق التعمير؛
– منح رخص البناء و التجزئة والتقسيم ، وإحداث مجموعات سكنية، ويتعين على الرئيس، تحت طائلة البطلان، التقيد في هذا الشأن بجميع الآراء الملزمة المنصوص عليها في النصوص التشريعية الجاري بها العمل ولا سيما الرأي الملزم للوكالة الحضرية المعنية؛
– منح رخص السكن وشهادات المطابقة طبقا للنصوص التشريعية والأنظمة الجاري بها العمل، وذلك مع مراعاة الأحكام المنصوص عليها في المادة 237 من هذا القانون التنظيمي”.
[15] – أنظر الفصل الخامس من دستور المملكة. ج.ر عدد 5952 مكرر بتاريخ 14 رجب 1432 ( 17 يونيو 2011)، ص : 2938 .
[16]– تجدر الإشارة إلى أن المشرع الدستوري تراجع بموجب الفصل 135 عن التمييز بين الجماعات الحضرية والجماعات القروية الذي كان معمولا به في ظل دستور 13 شتنبر 1996 حسب الفصل 100 منه. ويبدو أن أسباب حذف ذلك التمييز تروم إخضاع الجماعات لنظام قانوني موحد على مستوى التدبير، إلا أنه سيطرح بالمقابل صعوبات وتعقيدات بالنسبة لقانون التعمير الذي لا زال يتأسس على الفصل بين الجماعات الحضرية والقروية، علما أن دستور 1992 كان أول نص دستوري استعمل تعبير الجماعات الحضرية والقروية عوض الجماعات التي دأبت على استعمالها في كل الدساتير السابقة ، وذلك للتأكيد على أن نسيج الجماعات لا يتشكل من صنف واحد من الجماعات موحدة على مستوى المؤهلات والحاجيات والاكراهات. للمزيد أنظر د. عبد العالي بنلياس “تطور رؤية المشرع الدستوري للجماعات الترابية” مجلة القانون والاقتصاد –طنجيس، العدد 13، 2014، ص : 97.


