1/ آليات مكافحة الفساد الإداري والمالي
د/ حنان أحمد يونس
وكيل نيابة- نيابات أمدرمان
المقدمــة:
تعد ظاهرة الفساد الإداري والمالي من أهم الظواهر التي تواجه البلاد وبالأخص الدول النامية إذ أنها تؤثر في أمن الدول ومايتبعها ذلك من شلل كامل في عملية البناء والتنمية الاقتصادية مما يؤدي ذلك بدوره إلى تدمير الاقتصاد والقدرة المالية والإدارية وبالتالي عجز الدولة على مواجهة تحديات الإعمار والبناء للبنية التحتية وغيرها من المتطلبات.
وقد لاقت مشكلة الفساد كثيراً من الإهتمام من جانب الباحثين والمهتمين بالأمر وذلك لإيجاد وضع وتأسيس إطار عمل مؤسسي الغرض منه تطويق المشكلة وعلاجها وذلك من خلال خطوط جديدة ومحددة لمكافحة الفساد بكل مصادره ومظاهره ومن أهم الوظائف للدولة اليوم هي الوظيفة الإدارية التي تتمثل في تلبية الإحتياجات العامة للمواطنين بإنشاء المرافق العامة وتكليف الأمناء بإدارتها بعيداً عن المحسوبية وإستغلال النفوذ وكل مظاهر الفساد تطبيقاً لقوله تعالى على لسان بنت نبي الله شعيب في شأن سيدنا موسى عليه السلام ( يا أبت إستأجره إن خير من إستأجرت القوي الأمين) صورة القصص الآية رقم ” 26 “.
وقد بذلت الدولة ممثلة في وزارة العدل جهوداً مضنية في صياغة القوانين والتشريعات التي تؤدي إلى مكافحة الفساد وإجتثاث الظاهرة كقانون غسل الأموال وقانون الإجراءات المالية والمحاسبية وغيرها من القوانين التي تكافح الفساد وتضبط المال العام.
ووجود الأجهزة العدلية وهيئة مكافحة الفساد يعد صمام الأمان في عملية المكافحة لذا فأن إهتمامنا بالظاهرة وإعداد البحوث والدراسات للتشخيص والمتابعة ثم المعالجة للفساد الإداري الذي يتبعه حتماً الفساد المالي هو حجز الزاوية في هذه المرحلة التي أصبح فيها لدى الناس ظواهر سلوكية غير قويمة تمثلت في عدم النزاهة ومما يثور معه التساؤل هل هنالك فعلاً فساد إداري ومالي في الدولة ؟ وهل تم تشخيص أسبابه ؟ وماهي الحلول الناجعة للقضاء عليه ؟
تعريف الفساد :
الفساد مصطلح يتضمن معاني عديدة في طياته وهو موجود في كل القطاعات الحكومية منها والخاصة وفي أي تنظيم يكون للشخص فيه قوة إحتكار على سلعة أو خدمة أو صاحب قرار وتكون هناك حرية في تحديد الأفراد الذين يستلمون الخدمة أو السلعة أو تمرير القرار لفئة دون الأخرى.
أما تعريف الفساد الإداري والمالي :
حسب تعريف موسوعة العلوم الاجتماعية فهو سوء إستخدام النفوذ العامة لتحقيق أرباح خاصة مما يعني أن التعريف يكون شاملاً لرشاوي المسئولين في القطاع العام أو السياسي مستبعداً رشاوي القطاع الخاص.
ويعرفه صندوق النقد الدولي بأنه علاقة الأيدي الطويلة المعتمدة التي تهدف إلى إستحصال الفوائد من هذا السلوك لشخص واحد أو مجموعة ذات علاقة بين الأفراد.
وقد يتضمن الفساد الإداري محاور منها :
1-الفساد السياسي :
وهو يتمثل في الإنحراف عن المنهج المحدد للمنظومة السياسية والحزب أو بيع المبادئ الموضوعية للكتل الدولية أو الإقليمية كالخيانة والتواطؤ والإذعان والضغط وغيرها.
2-الفساد الإداري :
ويتمثل في الإنحراف الإداري أو الوظيفي والذي يصدر من الموظف العام لموقعه وصلاحيته للحصول على مكاسب غير مشروعة.
3-الفساد المالي :
وأمثلته الإنحراف المالي بالمخالفة للأحكام والقواعد المنظمة للدولة إدارياً ومخالفة ضوابط الرقابة المالية.
4-الفساد الأخلاقي :
وأمثلته الإنحراف الأخلاقي وذلك بتصرفات الأفراد وسلوكياتهم غير المنضبطة بدين أو عرف أو تقليد اجتماعي.
أنواع الفساد الإداري :
- الفساد الصغير (فساد الدرجات الوظيفية الدنيا) وهو الفساد الذي يمارس من فرد واحد من الموظفين دون تنسيق مع الآخرين لذا فهو ينتشر بين صغار الموظفين عن طريق الرشاوي من الأخرين وغيرها.
- الفساد الكبير (فساد الدرجات الوظيفية العليا) وهو يكون من كبار الموظفين أو المسئولين لتحقيق مصالح مادية أو اجتماعية كبيرة وهو أهم وأشمل وأخطر لوقوعه فيما يفترض أنهم قدوة ويكلف الدولة مبالغ ضخمة.
أسباب الفساد :
أسباب سياسية :
أبرزها غياب الحريات والأنظمة الديمقراطية التي تقوم على مبادئ الشورى والعدل وضعف الإعلام والرقابة.
أسباب اجتماعية :
الحروب وأثارها والتدخلات الخارجية وعدم إستقرار الأوضاع وتخوف البعض من المجهول مما يؤدي بهم إلى جمع المال بأي وسيلة لمواجهة المستقبل.
أسباب اقتصادية :
الوضع الاقتصادي المتردي… لسلوك طريق الفساد وكذلك الإرتفاع الجنوني لتكاليف المعيشة.
أسباب إدارية تنظيمية :
غموض التشريعات وتعددها أو عدم العمل بها. البروقراطية في المؤسسات وعدم إعتماد المؤسسات على الكفاءات في الجوانب الإدارية مما يؤدي إلى تفشي الرشوة والمحسوبية والمحاباة والوساطة والإبتزاز والتزوير ونهب المال العام والتباطؤ في إنجاز المهمات والمعاملات.
ولمجابهة كل الحالات المذكورة لابد من البحث عن آليات ناجعة وفاعلة لمكافحة الفساد الإداري والمالي ولإجتثاث الظاهرة نذكر منها :
- وضع المناهج التربوية والثقافية عبر وسائل الإعلام المختلفة لترسيخ ثقافة النزاهة وحرمة المال العام وتحقيق الولاء بين المواطن والدولة إذ أن القانون وحده ليس هو الرادع وإنما التمسك بالقيم والثقافة هو صمام الأمان.
- وضع منهج دراسي لكل المراحل لتلبية الحرص على المال العام والنزاهة في التعامل ولتقليص الأنانية والسمو بالروح الجماعية.
- إصدار القوانين الصارمة واللوائح لمنع هدر المال العام والفساد الإداري مع العقوبة الرادعة وعدم إعمال الإستثناءات التي يستحقها المتهم أو المحاكم في جرائم تستحق هذه المعاملة إذ أن الجرائم الواقعة من الموظف العام على المال العام لا يجوز فيها الصلح وتتضاءل سلطة رئيس الجمهورية عن العفو في هذه الجرائم وتقل سلطات النيابة في توجيه الوعد بوقف العقوبة أو عدم الرغبة في السير فيها ويجب أن يمتد التفعيل بصورة قوية إلى قانون المراجعة القومي والقوانين المالية الأخرى المتعلقة بالمشروعات الحكومية وقوانين الخدمة العامة التي تعاقب وتفصل الموظف أو العامل الذي يعتدي على المال العام… قانون مكافحة الثراء الحرام والمشبوه بشأن الثراء مجهول المصدر (من أين لك هذا) والجرائم التي ترتكب من الموظف العام في الفقرات أ/ب/ج من المادة (6) حتى تتمكن الدولة من رد كل الأموال إلى خزينة الدولة أو تقديم المتهمين إلى المحاكم الجنائية المختصة وغير ذلك من القوانين كقانون محاربة الفساد وقانون المراجع العام وقانون الإجراءات المالية والمحاسبية وقانون غسل الأموال…..الخ.
- تفعيل دور الأجهزة العدلية والأمنية والكوادر المساعدة إذ تحتاج هذه الأجهزة للدعم والمساندة من قبل الدولة حتى تستطيع أداء دورها كاملاً في التحري والتحقيق وكشف الجرائم لأحكام الرقابة والحد من التصرف في المال العام.
- على الدولة ومؤسسات المجتمع المدني أن تسعى لمكفاحة البطالة والتضخم عن طريق توفير فرص العمل الجاد للشباب وذلك بإيجاد خطط تنموية تستوعب مقدرات الشباب وطاقاتهم.
- التعاون مع دول الجوار لإحكام الرقابة على الحدود لمنع التهريب وللحد من تهريب الأموال المتحصلة عن طريق الفساد وإعادتها إلى أوطانها الأصلية.
- إحكام الرقابة الداخلية على كل المؤسسات والمشروعات العامة والتي تعني مجموعة من الإجراءات والوسائل التي تتبناها إدارة المشروع بهدف حماية الممتلكات من سوء التصرف وتوفير الصدق والدقة في البيانات التي تظهرها السجلات والتقارير مع المساهمة في رفع مستوى أداء العمليات وضمان تطبيق العاملون للأوامر والخطط والتشريعات بدقة مع تحسين القوانين التي تهتم بالإدارة المالية ومواكبتها للقوانين الدولية.
- كفاءة الموظفين وأمانتهم… إختيار الموظفين الأكفاء هو من أهم الركائز القوية التي يعتمد عليها نظام الرقابة الداخلية داخل المؤسسة.
- تدريب العاملين في مكافحة الفساد في كل الأجهزة العدلية والأمنية والمؤسسات الأخرى على الأسس العلمية والنظم الإدارية السليمة وما ينتج عنها من الحكومة والرقابة والمسألة مع الدورات الخارجية بالإستفادة من تجارب الدول الأخرى كالتجربة اليمنية وغيرها من البلدان.
- الربط الشبكي بين المؤسسات المالية ومؤسسات مكافحة الفساد لتسهيل الحصول على معلومة وإيجاد المتابعة الدائمة وذلك بتأسيس نظام معلومات كامل لموظفي الدولة وذلك لتكون مرجعاً سريعاً للحصول على المعلومات الدقيقة عنهم فيما يتعلق بمواردهم ومايطرأ عليه من تغيرات.
- تفعيل الدور الرقابي للبرلمان عبر لجانه في الرقابة على المال العام. وبما أنه هو الجهة المختصة بتشريع القوانين الرادعة وإصدار التشريعات المواكبة للجرائم التي أضرت بالاقتصاد وأدت إلى تهريب الكثير من الأموال إلى الخارج.
- التحري الدقيق من قبل الجهات المختصة بمكافحة الفساد وأجهزة الإعلام حتى لا تكون قضايا الفساد هي قضايا رأي ويكون القصد منها هو التشفي والهدم دون التأكد من الواقعة مما يؤدي إلى إرهاق الدولة والأجهزة العدلية بقضايا النشر وإشانة السمعة وقضايا التعويض الخرافي من قبل المتضررين.
- الشفافية بين مؤسسات وأجهزة الدولة المختلفة. وهذا يعني جعل المعلومات والحقائق متاحة للجميع وأن يعلم المواطن القرار الذي يؤثر عليه وبالتالي يلجأ إلى الجهات المختصة لرفع الظلم عنه. وهي من الآليات الناجعة في محاربة الفساد والمحسوبية والقصور في أجهزة الدولة المختلفة. وقد دعا إلى الشفافية الدستور وكل الاتفاقيات التي أبرمتها الدولة إلا أن مبدأ الشفافية لا يفهم على إطلاقه إذ أن هناك معلومات وأسرار يمنع القانون نشرها والإفضاء بها إلا بأذن من الجهة المختصة أو المحكمة كالأسرار المتعلقة بأمن الدولة وحماية البلاد من التجسس وتحليل المعلومات وأيضاً منها ما هو شخصي يتعلق بسمعة الأشخاص وكيانهم وأعراضهم وحقوق الأخرين والمسائل المتعلقة بالنظام العام.
- الرقابة الذاتية للموظين بالدولة إذ أنها من أهم الموانع الدارئة من التعدي على المال العام.
- تفعيل دور منظمات المجتمع المدني وذلك عبر مؤسساته وجمعياته المختلفة ولجانه المجتمعية وذلك بإنشاء جمعيات للرقابة والشفافية لتتبع مواطن الخلل من التصرفات الصادرة من الحكومة وبيان مواطن الفساد إذ أن كشف الأخطاء يرقي لدرجة العقوبة ويؤدي إلى ارتداع كل من تسول له نفسه التلاعب بالمال العام.
- الترقيات غير المرتبطة بالكفاءة والمؤهل.. المكافات، المرتبات، والنظر في أمرها بعين خاصة ودقيقة وبصورة مواكبة للغلاء الطاحن والحوجة المتزايدة لدى العاملين لأن استفحال الفقر وإنخفاض رواتب الموظفين في الخدمة العامة وإطلاق يد البعض جعل الضعف يستفحل في النظام الإداري للدولة ومع ضعف المبادئ الأخلاقية جعل الفساد مستشرياً وسوء استغلال المال العام هو القاعدة والنزاهة هي الإستثناء فلابد من وقفة ومراجعة حتى يعطى كل ذي حق حقه ويرد المال العام إلى الدولة.
- دعوة الدولة إلى تحسين قوانينها الوطنية بما يتماشى مع القوانين والمواثيق الإتفاقية بين الدول حتى لا يهرب شخص أو يفلت مجرم من عقاب.
- مكافحة الرشوة في التعامل مع المؤسسات الدولية.
- تشخيص المعوقات والمشاكل التي تمنع الجهات الرقابية من مكافحة الفساد ودعم النظام الرقابي باللوائح التوضيحية للتدقيق في وضع المؤسسات.
- البت السريع والناجز في قضايا الفساد إذ أن التحقيق في المخالفات والقضايا لفترة زمنية طويلة يساهم في تمييع القضايا الجنائية وهروب البعض الآخر تحت مسميات شتى كالعلاج أو الاستشفاء بالخارج أو الهروب غير المعلن لبعض الأشخاص لذا فإن السرعة والدقة في الإنجاز بعد الاستيثاق والتأكد تعد من أهم الآليات ويجب الحرص عليها.
- ومن أهم الآليات أيضاً تلقي إقرارات الذمة وفقاً للمادة (5) من قانون مكافحة الثراء الحرام والمشبوه من الأشخاص المذكورين في المادة 9/1 والقيام بفحص تلك الإقرارات من قبل اللجان المشكلة لهذا الغرض للتثبت ما إذا كان أياً من مقدمي الإقرارات قد أثرى ثراء حراماً أو مشبوهاً في فترة توليه لمنصبه أي توليه الوظيفة العامة في الدولة وهم رئيس الجمهورية حتى الموظفين العموميين وفقاً للتفسير الممنوح لهذه الوظائف لقانون الخدمة العامة لسنة 1995م.
- تفعيل قانون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذ أنه صدر منذ عام 1983م وضمن فقراته النهي عن التسيب في العمل الوظيفي أياً كان مركز الشخص المتسيب وأياً كانت وظيفته وينهي عن أكل أموال الناس بالباطل وأن يتم ذلك بالأسلوب الرفيق بالحكمة والموعظة الحسنة.
- الحث على الإحتساب أو التبليغ وحماية الدولة لهم بشرط أن يكون المحتسب أو المبلغ بالغاً رشيداً سليم العقل نزيهاً أميناً غير فاسد الأخلاق.
- من الآليات المهمة تلقي البلاغات والشكاوي في قضايا الفساد عن طريق الخطوط الساخنة وصناديق الشكاوى داخل المؤسسات أو الصناديق البريدية الواضحة بشرط التأكد من قبل الجهات الرسمية من الشخص المبلغ وعنوانه مع العقوبة الرادعة في حالات البلاغات الكاذبة والكيدية.
ختاماً أرجو أن أكون قد وفقت في إبراز وتوضيح بعض الآليات الهامة في مكافحة الفساد الإداري والمالي.
والحمدلله رب العالمين ،،،