قراءة في قرار المجلس الدستوري بخصوص القانون التنظيمي

المتعلق بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي

ذ. سليمان العمراني

نائب برلماني

كرس دستور 2011 فصوله من 129 إلى 134 من بابه الثامن للمحكمة الدستورية، حيث تناول الفصلان 132 و133 اختصاصات هذه المحكمة التي خولا لها بصفة خاصة البت في صحة انتخاب أعضاء البرلمان وعمليات الاستفتاء، والتصريح بمطابقة القوانين التنظيمية للدستور (وهو الاختصاص الذي أكد عليه الفصل 85)، وكذا الأنظمة الداخلية لكل من مجلس النواب ومجلس المستشارين قبل الشروع في تطبيقهما لتبت في مطابقتها للدستور، وكذلك البت في مطابقة القوانين للدستور بناء على إحالة من الملك ،أو من رئيس الحكومة أو من رئيس مجلس النواب أو من رئيس مجلس المستشارين أو من خُمس أعضاء مجلس النواب أو من أربعين عضوا من أعضاء مجلس المستشارين، فضلا عن اختصاصها بالنظر في كل دفع متعلق بعدم دستورية قانون أثير أثناء النظر في قضية، وذلك إذا دفع أحد الأطراف بأن القانون، الذي سيطبق في النزاع، يمس بالحقوق وبالحريات التي يضمنها الدستور.

وفي إطار ممارسة هذه الاختصاصات ،صدر عن المجلس الدستوري في الفترة الأخيرة عدة قرارات أهمها تلك المتعلقة بالنظر في مطابقة النظام الداخلي لمجلس النواب للدستور والنظر في طعن المعارضة بمجلس النواب على قانون المالية لسنة 2014 والقرار المتعلق بالنظر في الطعن في اقتراع دائرة مولاي يعقوب وقراره الأخير المتعلق بفحص دستورية مشروع القانون التنظيمي رقم 128.12 المتعلق بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.

وقد أثارت هذه القرارات نقاشا عموميا ومؤسساتيا مهما بالنظر لما يمكن أن يسجل من عمق بشأن بعضها ومن ملاحظات بشأن التعليل الذي استند عليها بعضها الآخر، ومن هذه القرارات المثيرة للملاحظة القرار رقم 14/932 م. د، المتعلق بفحص دستورية مشروع القانون التنظيمي رقم 128.12السالف الذكر، وتقديرنا أن المجلس بقراره المذكور إذا كان قد أكد دستورية العديد من مقتضيات مشروع القانون التنظيمي المعني بما يفيد انسجام الإرادة التشريعية للبرلمان مع الدستور، فإنه في المقابل ومن خلال تحفظه على بعض مقتضيات المشروع أو تأكيده لدستورية بعضها الآخر يكون قد وجه ملاحظات للحكومة ولمجلسي البرلمان ولنفسه أيضا..

لذلك سنساهم في النقاش الذي أثاره قرار المجلس الدستوري من خلال هذه القراءة التي تتوخى مقاربة الموضوع من خلال زاويتين، وذلك من خلال الإجابة على سؤالين:

  • ما هي تجديدات مشروع القانون التنظيمي التي أكد المجلس الدستوري مطابقتها للدستور؟
  • ما هي أهم الملاحظات «النقدية» التي يمكن أن يثيرها قرار المجلس الدستوري؟
  1. تجديدات مشروع القانون التنظيمي

إن مشروع القانون التنظيمي رقم 128.12المتعلق بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي هو مشروع للملاءمة مع أحكام الدستور الجديد، باعتبار أن الفصل 86 من الدستور أوجب عرض مشاريع القوانين التنظيمية التي نص عليها قصد المصادقة عليها من قبل البرلمان، في أجل لا يتعدى مدة الولاية التشريعية الأولى التي تلي صدور الأمر بتنفيذ الدستور الجديد، ومن جهة ثانية، فمشروع القانون التنظيمي المذكور يعتبر تحيينا للقانون التنظيمي رقم 09.60 ([1]) الذي صدر بناء على أحكام الفصل 95 من دستور 1996، ويمكن بمقارنة نصي القانون التنظيمي60.90 ومشروع القانون التنظيمي 128.12 التأكد من تشابه أغلب مقتضياتهما، ويرجع سبب ذلك إلى التطابق التام بين المقتضيات المرجعية للنصين المذكورين في دستوري 1996 و2011، حيث خصص كل واحد منهما بابا من ثلاثة فصول للمجلس الاقتصادي والاجتماعي، ولا نجد فرقا بين الدستورين إلا في إضافة دستور 2011 لفظة البيئي لتسمية المجلس، وكون هذا الأخير يدلي برأيه حسب نفس الدستور في التوجهات العامة للاقتصاد الوطني والتنمية المستدامة في مقابل استعمال دستور 96 للعبارة «الاتجاهات العامة للاقتصاد الوطني والتكوين»، ويتجلى الفرق الثالث في استعمال الفصل 153 من دستور 2011 للعبارة «يحدد قانون تنظيمي تأليف المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، وتنظيمه، وصلاحياته، وكيفيات تسييره» في مقابل عبارة الفصل 95 من دستور 96: «يحدد قانون تنظيمي تركيب المجلس الاقتصادي والاجتماعي وتنظيمه وصلاحياته وطريقة تسييره ».

غير أن ذلك التطابق شبه التام بين المقتضيات الدستورية المرجعية وذلك التشابه الكبير بين القانون التنظيمي 09.60 ومشروع القانون التنظيمي 128.12 لا ينفي أن هذا الأخير قد تضمن العديد من المقتضيات التشريعية الجديدة، سواء تلك التي أتى بها المشروع المحال على البرلمان من لدن الحكومة أو تلك أدمجها المشرع، وقد صرح المجلس الدستوري بمطابقتها كلها للدستور ما عدا ثلاثة مقتضيات سيأتي الحديث عنها لاحقا..

فإذا كانت التعديلات التي أدخلت على القانون التنظيمي رقم 90.60 الساري المفعول بموجب مشروع القانون التنظيمي رقم 128.12  تعد بالعشرات، فسوف نكتفي بالإشارة إلى أهمها والتي تحمل نفسا تجديديا وإبداعيا التقت حولها إرادة المشرع والمجلس الدستوري، ومن أهمها:

  1. النشر التلقائي في الجريدة الرسمية لكل الآراء التي يدلي بها المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بمبادرة منه تطبيقا لأحكام المادة 6 من مشروع القانون التنظيمي 128.12، في حين ينص القانون التنظيمي 09.60 في مادته السادسة على أن الحكومة تعمل على نشر تلك الآراء ما لم يطلب المجلس عدم النشر بقرار من جمعيته العامة، وقد انتصر المشرع لهذا الاختيار لباعثين أولهما صيانة الحق في المعلومة الذي نص عليه الفصل 27 من الدستور، وثانيهما لرفع التمييز في النشر بين الآراء التي يدلي بها المجلس بمبادرة منه وتلك التي يدلي بها بطلب من الحكومة أو من أحد مجلسي البرلمان، حيث إن النص الحالي للقانون التنظيمي 09.60 يلزم الحكمة بنشر هذا النوع الثاني من الآراء وجوبا بالجريدة الرسمية.
  2. تنصيص مشروع القانون التنظيمي 128.12 على توجيه رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي لتقريره السنوي الذي يرفعه للملك ،أيضا إلى رئيس الحكومة ورئيسي مجلسي البرلمان قبل نشره في الجريدة الرسمية، وذلك تعميما للقاعدة التي نص عليها الفصل 148 من الدستور لكون رئيس المجلس الأعلى للحسابات يوجه لرئيس الجهاز التنفيذي ورئيسي مجلسي البرلمان التقرير السنوي الذي يرفعه للملك.
  3. اشتراط معايير التجربة والخبرة والمؤهلات العلمية في أعضاء المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي الذين يمثلون النقابات، والهيئات والجمعيات المهنية الممثلة للمقاولات والمشغلين العاملين في ميادين التجارة والخدمات والصناعة والسيد البحري والطاقة والمعادن والبناء والأشغال العمومية والصناعة التقليدية، وهي معايير غابت عن القانون التنظيمي 09.60 واقتضاها حسن تطوير الممارسة والانتصار لمنطق الكفاءة والاستحقاق على الاعتبارات التي لا تخدم المصلحة العامة.
  4. اشتراط تمثيلية المغاربة المقيمين بالخارج عملا بأحكام الفصل 18من الدستور، وإعمال مقتضيات الفصل 19من الدستور بمراعاة تحقيق مبدأ المناصفة بين الرجال والنساء، وذلك في تعيين أعضاء الفئات الأربع الأولى التي يتكون منها المجلس.
  5. توسيع نطاق الأعضاء في المجلس بالصفة بإدراج رؤساء سبع هيئات منصوص عليها في الباب الثاني عشر من الدستور، وهي هيئات حماية حقوق الإنسان والنهوض بها وهيئات النهوض بالتنمية البشرية والمستدامة والديمقراطية التشاركية.
  6. توسيع نطاق التنافي بين عضوية المجلس مع عضوية هيئات أخرى، بإضافة مهام رئيس مجلس الجهة ومسؤول ديبلوماسي وقاض.
  7. جواز تفويض رئيس المجلس بعض مهامه لأعضاء مكتب المجلس، حيث أظهرت التجربة الحاجة الماسة لهذا المقتضى ولإنهاء أي ممارسة للإدارة للاختصاصات الموكولة لرئاسة المجلس أو مكتبه.
  8. منح الإمكانية لرئيس المجلس بتعيين موظفي المجلس عن طريق الوضع رهن الإشارة، تعزيزا لمسطرة تعيين هؤلاء الموظفين عن طريق التوظيف أو الإلحاق التي نص عليها القانون التنظيمي 60.09
  9. الإلزام بإصدار النظام الأساسي الخاص لموظفي المجلس داخل أجل سنة من تاريخ صدور القانون التنظيمي.
  10. منع التعويص عن المهام عن أعضاء المجلس الذين يمثلون بالصفة المؤسسات والهيئات المنصوص عليها في البند «ه» من مشروع القانون التنظيمي.
  11. تنصيص النظام الداخلي للمجلس، الذي يحال على المحكمة الدستورية للبت في مطابقته للدستور ولأحكام القانون التنظيمي، على التدابير التي يتعين اتخاذها في شأن الحضور المنتظم لأعضاء المجلس في أشغال جميع أجهزته، ذلك ان الممارسة أبانت عن بعض الإكراهات والاختلالات وجبت معالجتها بموجب النظام الداخلي للمجلس.

تلك أهم التطويرات التشريعية التي قام بها المشرع ملاءمة للقانون التنظيمي 09.60 مع أحكام الدستور الجديد الذي لا تختلف – كما مر – مقتضياته المتعلقة بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي مع نفس مقتضيات دستور1996، غير أن المثير في الموضوع بعض ما خلص إليه قرار المجلس الدستوري من عدم دستورية بعض مقتضيات مشروع القانون التنظيمي رقم128.12، وهو ما سنتصدى له في المحور الموالي.

  1. مـلاحظات على قرار المجلس الدستوري

أصدر المجلس الدستوري بتاريخ 30/1/2014، قراره رقم 14/932 م.د ([2]) المتعلق بمشروع القانون التنظيمي رقم 128.12 المتعلق بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، وهو المشروع الذي جرى التداول بشأنه في المجلس الوزاري بتاريخ 7/3/2013 عملا بأحكام الفصل 49 من الدستور، ثم أحيل من قبل رئيس الحكومة على مكتب مجلس النواب بتاريخ 22/3/2013 عملا بأحكام الفصل 78 من الدستور ،حيث صادق عليه مجلس النواب في قراءة ثانية بتاريخ 17/2)/2013 وفقا لأحكام الفصلين 84 و85 من الدستور.

وقد صرح المجلس الدستوري في خاتمة قراره بأن كل مواد مشروع القانون التنظيمي ليس فيها ما يخالف الدستور ما عدا ثلاثة مقتضيات وهي:

  • تنصيص المقطع ما قبل الأخير من البند «د» من المادة 11 من مشروع القانون التنظيمي من أنه يراعى في تعيين أعضاء المجلس من الفئات الأربع الأولى تمثيلية الخبراء المهتمين بقضايا الهجرة استنادا للفصل 18 من الدستور؛
  • تنصيص البند «5» من المادة 11 المذكورة على تمثيل رؤساء كل من الهيئة العليا للاتصال السمعي
  • البصري ومجلس المنافسة والهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، في المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي؛
  • تنصيص الفقرة الأولى من المادة 29 من مشروع القانون التنظيمي على أن الأمين العام للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي يعين بمرسوم.

فإذا كان تحفظ المجلس الدستوري على تمثيلية الخبراء المهتمين بقضايا الهجرة وكذا عضوية هيئات الحكامة الثلاث المشار إليها أعلاه في المجلس لا يثير في تقديرنا أي ملاحظة جوهرية، فإننا سنركز حديثنا على مقاربة التعليلات التي استند إليها اجتهاد المجلس الدستوري للحكم باستقلالية المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي وبالتالي الحكم بعدم دستورية تعيين أمينه العام بمرسوم، كما سنثير في مقام ثان الموقف غير المتحفظ للمجلس الدستوري بشأن البند الأول من المادة 3 من مشروع القانون التنظيمي.

2.1 استقلالية المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي

خص قرار المجلس الدستوري حيزا معتبرا للمادة 29 من مشروع القانون التنظيمي رقم 128.12، حيث خلص إلى كون المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي مستقل مؤسساتيا عن الجهات التي تطلب رأيه وهي الحكومة ومجلسا البرلمان، رغم عدم التنصيص الصريح للدستور على استقلال المجلس على غرار مؤسسات أخرى – كما ورد في منطوق قرار المجلس الدستوري – وقد علل المجلس الدستوري استقلالية المجلس بناء على الاعتبارات الآتية:

  • إفراد الدستور بابا خاصا للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي هو الباب الحادي عشر؛
  • إسناد الدستور تحديد قواعد تأليف المجلس وتنظيمه وصلاحياته وكيفيات تسييره إلى قانون تنظيمي؛
  • تنصيص الدستور أن للحكومة ولمجلس النواب ولمجلس المستشارين أن يستشيروا المجلس في جميع القضايا التي لها طابع اقتصادي واجتماعي وبيئي، كما له أن يدلي برأيه في التوجهات العامة للاقتصاد الوطني والتنمية المستدامة؛

وقد أكد المجلس الدستوري بناء على الاعتبارات الثلاثة المذكورة على« أن الهدف هو إحداث مؤسسة مؤهلة لتقديم آراء وتحليلات موضوعية ومحايدة ومجردة من شأنها تنوير كل من الحكومة والبرلمان بخصوص القضايا ذات الطابع الاقتصادي والاجتماعي والبيئي»، وبناء عليه خلص المجلس إلى أنه: «بدون توفر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي على الاستقلال عن الجهات الدستورية التي تطلب رأيه، تنتفي الغاية التي من أجلها نص الدستور على إحداثه».

والمهم في متن قرار المجلس الدستوري أنه لم يقف عند حدود النتيجة التي خلص إليها بخصوص استقلالية المجلس، بل استعمل تلك النتيجة أداة للدلالة على كون «الأمين العام للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي لا يمكن تعيينه إلا من طرف سلطة أعلى تتمثل في الملك رئيس الدولة»، باعتبار المجلس «مؤسسة لا تخضع لا للسلطة الرئاسية للحكومة ولا لوصايتها».

إن الحيثيات الثلاث التي استند إليها قرار المجلس الدستوري للانتصار لاستقلالية المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي عن الحكومة والبرلمان، تستدعي الملاحظات الآتية:

  • لم يتوسع قرار المجلس الدستوري في بيان دلالات استقلالية المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي عن الجهازين التشريعي والتنفيذي، فهل هو الاستقلال الإداري والمالي وفي العضوية، وهو الاستقلال المضمون بنص مشروع القانون التنظيمي؟ ،أم هو مستوى آخر من الاستقلالية لم يكشف عنه منطوق القرار المذكور، وإن كان يستشف أن المقصود هو عدم إمكانية تعيين الأمين العام للمجلس بمرسوم؛
  • إفراد باب خاص للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي لا يقوم دليلا مقنعا على استقلاليته ،باعتبار أن الدستور خص مثلا الباب التاسع للجهات والجماعات الترابية الأخرى، ولم يقل بصريح النص أن الجماعات الترابية مستقلة بل تبقى خاضعة لنظام الوصاية كما هو معمول به في الأنظمة اللامركزية الترابية في العالم؛
  • ليس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي المؤسسة الدستورية الوحيدة التي أسند الدستور لقانون تنظيمي مهمة تحديد قواعد تأليفها وتنظيمها وصلاحياتها وكيفيات تسييرها، بل نجد اللجان النيابية لتقضي الحقائق المنصوص عليها في الفصل 67 من الدستور وهي غير مستقلة عن البرلمان، كما نجد المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية المنصوص عليه في الفصل 5 من الدستور، الذي أسند الدستور تحديد صلاحياته وتركيبَته وكيفيات سيره لقانون تنظيمي، ولم يقل باستقلاليته؛

الذي يثير الملاحظة أكثر أن الدستور حدد بشكل صريح المؤسسات والهيئات المستقلة وهي السلطة القضائية والمجلس الأعلى للحسابات والهيئات المكلفة بالحكامة الجيدة والتقنين (الهيئة العليا للاتصال السمعي-البصري ومجلس المنافسة والهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها) والمجلس الوطني لحقوق الإنسان ومؤسسة الوسيط، فهل يتصور التوسع في مجال استقلالية الهيئات والمؤسسات الدستورية خارج ما نصت عليه الوثيقة الدستورية ،أم هو علاج لبياض كشف عنه فحص القانون الأسمى للبلد؟، ثم أليس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي هيئة استشارية بصريح الدستور شأنه في ذلك شأن المجلس الاستشاري للأسرة والطفولة والمجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي والمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي والمجلس الاستشاري للأسرة والطفولة والمجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي؟

يبدو أن انتصار المجلس الدستوري لاستقلالية المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي عن الحكومة والبرلمان لا يصمد أمام ما نصت عليه المادة 11 من مشروع القانون التنظيمي رقم 128.12 من مقتضى لم يقل المجلس الدستوري بعدم مطابقته للدستور، وهو كون رئيس الحكومة ورئيسي مجلسي البرلمان هم من يعين أعضاء هذا المجلس الممثلين للنقابات والهيئات والجمعيات المهنية والهيئات والجمعيات النشيطة في مجالات الاقتصاد الاجتماعي والعمل الجمعوي، وبالرغم من كون هذا التعيين يقع بناء على اقتراحات من الهيئات المذكورة إلا أن ذلك التعيين يمتلك صفة رمزية لا تخفى، فكيف يستقيم القبول بتعيين هؤلاء وعددهم 64 عضوا من أصل العدد الإجمالي لأعضاء المجلس وهو 105(61 % تقريبا) ،أليس هذا مسا باستقلالية المجلس؟ ثم ما هو الأكثر مساسا باستقلالية المجلس، هل هذه التعيينات أم تعيين الأمين العام للمجلس بمرسوم؟

ما هي الغاية من تنصيص مشروع القانون التنظيمي 128.12في مادته 26 على أن رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي يخبر رئيس الحكومة ورئيسي مجلسي البرلمان بجدول أعمال الجمعية العامة وببرنامج عمل اللجان الدائمة؟ وما هي الغاية أيضا من تنصيص المادة 27 من نفس المشروع أنه يمكن لأعضاء الحكومة أو من ينتدبون من قبلهم وأعضاء اللجان الدائمة لمجلسي البرلمان الحضور بصفة ملاحظين لجلسات الجمعية العامة للمجلس، والاستماع إليهم من لدن هذه الأخيرة أو من لدن اللجان الدائمة للمجلس بطلب منهم؟ ألا تصطدم استقلالية المجلس عن الجهازين التشريعي والتنفيذي مع هذه المقتضيات المنصوص عليها في المادتين 26 و27 أعلاه؟

هذه بعض الملاحظات على اجتهاد المجلس الدستوري بشأن استقلالية المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي عن الحكومة والبرلمان، وهو اجتهاد يتعين أن يستفز على مزيد من البحث والدراسة أوسع مما تتيحه الملاحظات السابقة المبداة…

2.2 الإحالة الواجبة على المجلس من لدن البرلمان والحكومة

إذا كان المجلس الدستوري قد استدرك على المشرع في بعص المقتضيات التشريعية التي أقرها في صلب نص مشروع القانون التنظيمي وشرح بعدم مطابقتها للدستور ،إلا أنه في المقابل صرح – وكما سبق بيانه – بدستورية باقي المقتضيات، ومن ضمن هذه المقتضيات الأخيرة المادة 3 من مشروع القانون التنظيمي الذي يعتبر موقف المجلس الدستوري بشأنه استدراكا على المجلس الدستوري نفسه، وهذا ما سنبينه بعده.

فقد نصت المادة 3 المذكورة وكما أحيلت على المجلس الدستوري على ما يلي: «باستثناء مشاريع قوانين المالية، للحكومة ولمجلس النواب ولمجلس المسشارين، كل فيما يخصه ،أن يستشير المجلس حول: أ – مشاريع ومقترحات القوانين التي تضع إطارا للأهداف الأساسية للدولة في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. ب – المشاريع المرتبطة بالاختيارات الكبرى للتنمية ومشاريع الاستراتيجيات المتعلقة بالسياسة العامة للدولة في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والبيئية». وبالرجوع لمنطوق المادة 3 من القانون التنظيمي 90.60 الذي صدر تطبيقا لأحكام دستور 1996 نجد الصيغة الآتية: «باستثناء مشاريع قوانين المالية، تحيل الحكومة ومجلس النواب ومجلس المسشارين، كل فيما يخصه ،وجوبا على المجلس قصد إبداء الرأي: أ – مشاريع ومقترحات القوانين التي تضع إطارا للأهداف الأساسية للدولة في الميادين الاقتصادية وفي مجال التكوين. ب – المشاريع المرتبطة بالاختيارات الكبرى للتنمية ومشاريع الاستراتيجيات المتعلقة بالسياسة العامة للدولة في الميادين الاقتصادية وفي مجال التكوين»، ويظهر من خلال مقارنة نصي المادتين أن الأولى منحت الإمكانية للحكومة ولمجلسي البرلمان لاستشارة المجلس حول المشاريع والمقترحات المذكورة، في حين ألزم نص الثانية على وجوب إحالة النصوص المعنية على المجلس قصد إبداء الرأي بشأنها.

وبالرجوع للدستور الذي تستمد منه المادة 3 المذكورة مرجعيتها، نجد أن البند الأول من الفصل 94من دستور 1996 نص بالحرف على أن: «للحكومة ولمجلس النواب ولمجلس المستشارين أن يستشيروا المجلس الاقتصادي والاجتماعي في جميع القضايا التي لها طابع اقتصادي واجتماعي. يدلي المجلس برأيه في الاتجاهات العامة للاقتصاد الوطني والتكوين»، وهي نفس القاعدة التي وردت في الصيغة التي صيغ بها الفصل 152 من دستور 2011حيث قال: «للحكومة ولمجلس النواب ولمجلس المستشارين أن يستشيروا المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في جميع القضايا، التي لها طابع اقتصادي واجتماعي وبيئي. يدلي المجلس برأيه في التوجهات العامة للاقتصاد الوطني والتنمية المستدامة».

فإذا كان الفصل 94 من دستور 1996 والفصل 152من دستور 2011 قد كرسا نفس القاعدة وهي الإحالة الاختيارية للمشاريع والمقترحات المذكورة على المجلس من قبل الحكومة والبرلمان، فإن المادة 3 من القانون التنظيمي 60.09 ونفس المادة من مشروع القانون التنظيمي128.12 قد تناقضتا في تطبيق أحكام الدستور، وقد تدخل المشرع لرفع هذا التناقض بتعديله لمضمون المادة 3 في القانون التنظيمي 60.09، غير أن المثير للملاحظة والذي قد يبدو تناقضا صريحا في موقف المجلس الدستوري بشأن المادة 3 من القانون التنظيمي 60.09 والمادة 3 من مشروع القانون التنظيمي 128.12.

ذلك أنه في تصديه لبيان دستورية مقتضيات هذا المشروع الأخير صرح المجلس الدستوري بكون المادة 3 منه مطابقة للدستور، بما يفيد أن الاختيار الذي سلكه المشرع بتنصيصه على الإحالة الاختيارية سليم دستوريا، غير أن المجلس الدستوري حين فحصه لدستورية المادة 3 من القانون التنظيمي 60. 09 ذهب مذهبا مخالفا، حيث جاء قراره رقم 786/10م.د متضمنا للموقف الآتي: «حيث إنه يبين من تحليل أحكام هذه المادة( أي المادة 3) ما يلي: 1. فيما يخص وجوب إحالة الحكومة ومجلس النواب ومجلس المستشارين، مشاريع ومقترحات القوانين المذكورة في هذه المادة على المجلس قصد إبداء الرأي ،يتضح من جهة ،إنه لئن كانت استشارة المجلس من لدن الحكومة ومجلسي البرلمان، طبقا لمقتضيات الفقرة الأولى من الفصل 94 من الدستور، اختيارية ،إلا أنه يستفاد من الفقرة الثانية من نفس الفصل التي تنص على: «ويدلي المجلس برأيه في الاتجاهات العامة للاقتصاد الوطني والتكوين ،»أنه فيما يخص الاتجاهات العامة للاقتصاد الوطني والتكوين، دون سواها، يمكن أن تكون استشارة المجلس وجوبية ،وبإمعان النظر في نوعية المشاريع والمقترحات الواردة ضمن المادة المذكورة التي تتعلق كلها بمجالات ذات طبيعة استراتيجية كبرى، يتبين أنها تندرج عموما في الاتجاهات العامة للاقتصاد الوطني والتكوين ،ومن جهة أخرى ،إن الفصل 95 من الدستور، كما سلف بيانه، يخول للقانون التنظيمي تحديد صلاحيات المجلس الاقتصادي والاجتماعي، الأمر الذي يبيح لهذا القانون التنظيمي أن يعتبر استشارة هذا المجلس في بعض هذه الصلاحيات إلزامية، وهو ما لا يخالف الدستور (…) وحيث إنه تبعا لذلك، تكون أحكام المادتين 2 و3 من الباب الثاني كما تم فحص فحواهما أعلاه ،(…) لها طابع قانون تنظيمي، وليس فيها ما يشوب دستوريتها »([3]).

ويتضح من صلب هذا القرار أن المجلس الدستوري استند لمقتضيات البند الثاني من الفصل 94 من الدستور للقول بوجوب إحالة الحكومة والبرلمان للنصوص المعنية على المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، والحال أنها نفس القاعدة المنصوص عليها في البند الثاني من الفصل 152 من دستور 2011، فهل يتعلق الأمر بتصحيح المجلس الدستوري لموقفه السابق بشأن وجوب الإحالة والانتصار للإرادة الصريحة للمشرع الدستوري الذي قال بالإحالة الاختيارية؟ أم بتناقض في بناء الفصل 94 من دستور 1996 سعى المجلس الدستوري إلى معالجته بهذا القرار؟ أم بشيء آخر؟ على كل حال يبدو قرار المجلس الدستوري الأخير بشأن مشروع القانون التنظيمي 128.12 أقرب إلى الانسجام مع روح الدستور .

خاتمة

إذا كانت «قرارات المحكمة الدستورية لا تقبل أي طريق من طرق الطعن، وتلزم كل السلطات العامة وجميع الجهات الإدارية والقضائية» كما نص على ذلك الفصل134من الدستور، فإن هذا لا يمنع من التفاعل الإيجابي مع قرارات هذه المحكمة بالبحث والدراسة والتحليل ،لأن من شأن ذلك أن يطور الممارسة الديمقراطية والتشريعية والمؤسساتية في بلادنا ويمكن جميع الفاعلين المعنيين من الإسهام الإيجابي في تنزيل أو تفسير المقتضيات الدستورية، وهذه الدراسة محاولة في هذا الاتجاه..


[1]الجريدة الرسمية عدد 5820، بتاريخ 11/3/2010، ص .924-946.

[2]صدر القرار عن المجلس الدستوري وهو متألف من محمد أشركي رئيسا وعضوية كل من حمداتي شبيهنا ماء العينين وليلى المريني وأمين الدمناتي وعبد الرزاق مولاي رشيد ومحمد الصديقي ورشيد المدور ومحمد أمين بنعبد الله ومحمد قصري ومحمد الداسر وشيبة ماء العينين ومحمد أتركين .

[3]صدر القرار عن المجلس الدستوري وهو متالف من محمد أشركي رئيسا وعضوية كل من عبد القادر القادري وعبد الأحد الدقاق وهاني الفاسي وصبح الله الغازي وحمداتي شبيهنا ماء العينين وليلى المريني وأمين الدمناتي وعبد الرزاق مولاي رشيد ومحمد الصديقي ورشيد المدور ومحمد أمين بنعبد الله .

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
https://hilltopads.com/?ref=356389
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading