د. أحمد أجعون
أستاذ التعليم العالي بكلية الحقوق
جامعة ابن طفيل القنيطرة
مقدمة:
تعتبر عملية تقييم الأداء من العمليات البالغة الأهمية التي تقوم بها إدارة الموارد البشرية لكونها تساهم في تدبير جيد للكفاءات وفي قياس وتقييم أداء وسلوك الأفراد.
والمغرب – كغيره من الدول – سعى منذ وقت مبكر، سواء في قانون الوظيفة العمومية لسنة 1958[1] أو المرسوم الملكي الصادر بتاريخ 17 ماي 1967 المتعلق بتحديد مسطرة التنقيط وترقي موظفي الإدارات العمومية في الرتبة والدرجة[2]، إلى اعتماد نظام رسمي للتنقيط السنوي كوسيلة أساسية لتقييم أداء الموظفين. لكن هذا النظام اتسم بالعديد من السلبيات والاختلالات نذكر منها اعتماده على الأقدمية كمعيار للترقية وغياب منهجية لضبط ومعرفة مواطن الضعف والقصور لدى الموظفين بالإضافة إلى غياب آليات دقيقة تسمح بقياس المردودية. . .
أمام هذا الوضع، تدخلت الدولة لسن نظام جديد للتنقيط بمقتضى المرسوم رقم 2.05. 1367 الصادر بتاريخ 2 دجنبر 2005 المتعلق بتحديد مسطرة تنقيط وتقييم موظفي الإدارات العمومية[3]، استهدف بالأساس إعادة النظر في منظومة التنقيط من خلال توسيع سلم التنقيط وعناصره للسماح بتقييم المؤهلات المهنية والأعمال المنجزة من طرف الموظفين بقدر من الموضوعية والشفافية والمصداقية.
فإلى أي حد يمكن النظام الجديد من تقدير النشاط المهني للموظفين انطلاقا من النتائج المحصل عليها بالمقارنة مع الأهداف المسطرة مسبقا؟
تتفرع عن هذه الإشكالية الرئيسية تساؤلات فرعية من قبيل:
- ما هي مستجدات النظام الحالي للتقييم؟
- ما هي مكامن القوة ونقط الضعف التي تميز نظام تقييم الأداء الحالي؟
- ما هي المبادئ والمرتكزات الأساسية لنظام تقييم الأداء الحالي ؟
- ما هي الضمانات التي يكرسها النظام الحالي لحماية الموظف من تعسف الإدارة في مجال تقييم الأداء؟
- ما مدى فعالية النظام الحالي في التقييم الحقيقي لمردودية وكفاءة الموظفين؟
إن معالجة الموضوع – والجواب على الإشكاليات المذكورة – تستدعي تقسيمه إلى فصلين مستقلين على النحو الآتي:
الفصل الأول: أسس ومرتكزات النظام الحالي لتقييم أداء الموظفين بالمغرب
الفصل الثاني: تقدير النظام الحالي لتقييم أداء الموظفين بالمغرب
الفصل الأول: أسس ومرتكزات النظام الحالي لتقييم أداء الموظفين بالمغرب
ينبني النظام الحالي لتقييم أداء الموظفين على عدة مرتكزات استهدفت تجاوز سلبيات النظام السابق لتقييم الأداء (المبحث الأول)، تبرز معالمها بشكل جلي في العناصر المعتمدة للتنقيط والتقييم (المبحث الثاني).
المبحث الأول: مرتكزات النظام الحالي لتقييم أداء الموظفين بالمغرب
يرتكز نظام التنقيط والتقييم الحالي على مبادئ أساسية تتمثل فيما يلي:
– الإنصاف عن طريق تحديد معايير واضحة وموضوعية تأخذ بعين الاعتبار الأهداف المحددة وفق مؤشرات حصرية هي: إنجاز الأعمال المرتبطة بالوظيفة – المردودية – القدرة على التنظيم – السلوك المهني – البحث والابتكار. وقد تم تجزيء هذه العناصر إلى مؤشرات فرعية لتدقيق التقدير وتجاوز الغموض الذي كان يميز عناصر التقييم في القانون القديم وهو ما سيوسع من مجال التنقيط في اتجاه مزيد من العدالة والإنصاف بحسب الكفاءة والاستحقاق.
– الاستحقاق عن طريق الاعتراف بمجهودات الموظف وتثمينها من خلال استثمار نتائج التنقيط والتقييم في تحسين الوضعية الإدارية والاجتماعية للموظف سواء في الترسيم أو الترقية أو التحفيز.
-المشاركة في تحقيق النتائج وذلك بنهج مقاربة تدبيرية ترتكز على تحقيق الأهداف وتجاوز المنطق الإداري المحض الذي يجعل التقييم بمثابة جزاء. فالنظام الجديد يرتكز على النتائج المحققة بالنظر إلى الأهداف المسطرة أي تقييم الحصيلة. غير أن الإشكال يبقى مطروحا بخصوص مدى إمكانية تطبيق نظام الإدارة بالأهداف؟ وهل جميع الإمكانيات والوسائل والظروف متوفرة للموظف؟
– التشاور والحوار وذلك باعتماد المقابلة كآلية جديدة تمكن الرئيس من إجراء حوار/ تشاور مع مرؤوسيه حول كيفية أداء العمل والمهام الواجب القيام بها والمعيقات والمقترحات.
فهو نظام يؤسس للحوار والتشاور والتنسيق والتواصل بين الرؤساء والمرؤوسين ضمانا لدينامية ومصداقية أفضل للنظام[4].
فالرئيس مطالب بإجراء مقابلة تقييمية مع الموظف حول كيفية أدائه العمل ومناقشة المشاكل التي تعتري أداءه للمهام الموكولة إليه بالشكل الأمثل. ومن طبيعة الحال فهذا الأسلوب التشاركي في التقييم في تقبل الخاضع للتقييم لنتائجه. فالشرط الأساسي الذي يجعل من عملية التقييم كاملة ومتكاملة هو إعلان نتائجها ومناقشة أثارها وجميع الإمكانيات التي تتيحها هذه النتائج سواء للموظف أو للإدارة. [5]
– الشفافية وذلك بالسماح للموظف من جهة بتقديم آرائه وملاحظاته حول مقابلة التقييم ونتائجها ومن جهة أخرى بممارسة حق التظلم. وارتكاز النظام الجديد على الشفافية يقتضي توضيح جميع مبادئه وأهدافه والأسس والمعايير التي سيرتكز عليها التقييم.
المبحث الثاني: عناصر التنقيط والتقييم في النظام الحالي لتقييم أداء الموظفين
بالرجوع إلى مرسوم 2005 المتعلق بمسطرة التنقيط والمنشور الوزيري[6] الذي أعقبه، يلاحظ أن نظام التقييم الحالي حافظ على تقنية التنقيط التي كانت معتمدة في النظام السابق، لكن بكيفيات جديدة وبمعايير وعناصر للتنقيط أكثر تفصيلا.
المطلب الأول: عناصر التنقيط
يقوم الرئيس بتنقيط الموظفين انطلاقا من معايير للتقدير وسلم للتنقيط حيث تمنح النقطة السنوية بناء على النقط الجزئية المقابلة لكل عنصر على حدة وفق الشكل التالي:
- النقطة من 0 إلى 5 عن الأعمال المرتبطة بالوظيفة
- النقطة من 0 إلى 5 عن المردودية
- النقطة من 0 إلى 3 عن القدرة على التنظيم
- النقطة من 0 إلى 4 عن السلوك المهني
- النقطة من 0 إلى 3 عن البحث والابتكار
وتخول النقطة السنوية إحدى الميزات التالية:
- ممتاز للموظف الذي حصل على نقطة عددية تتراوح بين 18 و20
- جيد جدا للموظف الذي حصل على نقطة عددية تساوي أو تتجاوز 16 و تقل عن18
- جيد للموظف الذي حصل على نقطة عددية تساوي أو تتجاوز 14 وتقل عن 16
- متوسط للموظف الذي حصل على نقطة عددية تساوي أو تفوق 10 و تقل 14
- ضعيف للموظف الذي حصل على نقطة عددية تقل عن 10
ويؤخذ بعين الاعتبار في تقرير ترقي الموظف معدل النقط المحصل عليها برسم السنوات في الترقية وذلك حسب الأنساق التالية:
- نسق ترقي سريع بالنسبة للموظف الذي حصل على معدل يساوي أو يفوق 16
- نسق ترقي متوسط بالنسبة للموظف الذي حصل على معدل يساوي أو يفوق 10 ويقل عن 16.
- نسق ترقي بالأقدمية بالنسبة للموظف الذي حصل على معدل يقل عن 10
يلاحظ إذن أن المشرع وسع من هامش التنقيط والتقدير الممنوح وفق خمسة عناصر تأخذ بعين الاعتبار مختلف مناحي السلوك والمؤهلات التي يتوفر عليها الموظف.
إلا أن هذه القاعدة تعرف استثناء مرتبطا بخصوصية بعض الوظائف حيث يمكن لرئيس الإدارة، عند الاقتضاء، أن يغير النقطة الجزئية المطابقة لعناصر التنقيط، شريطة أن يساوي مجموع النقط الجزئية حاصل مجموع النقط المطابقة لعناصر التقييم[7].
وتحدد شبكة التنقيط في سلسلة من الجداول الخاصة بالعناصر الخمسة للتنقيط:
- إنجاز الأعمال المرتبطة بالوظيفة وتضم المعايير التالية: استعمال المعارف الإدارية والتقنية والمهنية – جودة العمل – احترام الآجال – القدرة على تشخيص وحل المشاكل.
- المردودية وتضم المعايير التالية: الإنتاجية في العمل – الكفاءة في العمل – الفعالية في العمل – المثابرة والمجهود.
- القدرة على التنظيم وتضم المعايير التالية: التخطيط – التنظيم والتنسيق – الإدارة والمراقبة – التأقلم مع المتغيرات.
- السلوك المهني وتضم المعايير التالية: التواصل والعلاقات بين الموظفين – الاستقلالية – احترام الالتزامات – الاعتناء بالعمل والسلوك إزاء الوسط المهني.
- البحث والابتكار وتضم المعايير التالية: القدرة على التحليل والتركيب – القدرة على الابتكار – الموضوعية – حس المبادرة واتخاذ القرار.
ويتم تدقيق معايير التقييم من خلال مؤشرات تمكن الرؤساء من التمييز بين الموظفين حسب مستوياتهم في الجدية والكفاءة والسلوك[8].
المطلب الثاني: مرتكزات عملية التقييم
بالإضافة إلى مسطرة التنقيط، استحدث المشرع المغربي نظاما جديدا للتقييم يتم مرة واحدة على الأقل كل سنتين ووجوبا كلما تعلق الأمر بموظف تتوفر فيه الشروط النظامية للترقي في الدرجة وبموظف متمرن مقبل على الترسيم على أساس أن تتم هذه العملية قبل انتهاء مدة التمرين[9].
وترتكز عملية التقييم على إعداد تقرير من طرف الرئيس المباشر بعد إجراء مقابلة مع الموظف وذلك لتقدير المؤهلات المهنية للموظف بالمقارنة مع المهام الموكولة إليه قصد إبراز مدى حاجته لإعادة التأهيل والحركية ومدى استحقاقه للترسيم أو الترقي في الدرجة. وبصفة عامة يمكن إجمال هذه المرتكزات فيما يلي:
- وضع حصيلة للنتائج المحصل عليها خلال فترة التقييم وتحليل الفوارق بينها وبين الأهداف المحددة مسبقا من طرف الإدارة.
- إجراء مقابلة مع الموظف المعني واطلاعه على المعطيات التي تبرزها حصيلة النتائج ومناقشتها وإبداء رأيه حولها.
- وضع تقرير نهائي للتقييم مع الإشارة إلى حاجيات الموظف لإعادة التأهيل أو الحركية ومدى استحقاقه للترسيم والترقية.
يلاحظ إذن أن مرسوم 2 دجنبر 2005 عمل على تدقيق معايير التقييم من خلال مؤشرات تمكن الرؤساء من التمييز بين الموظفين حسب مستوياتهم في الجدية والكفاءة والسلوك.
الفصل الثاني: تقدير النظام الحالي لتقييم أداء الموظفين بالمغرب
إن تقدير النظام الحالي لتقييم أداء الموظفين بالمغرب يقتضي بيان الأهداف التي يستهدفها والضمانات التي يمنحها (المبحث الأول) قبل التعرض لايجابياته وسلبياته وآفاق تعديله (المبحث الثاني).
المبحث الأول: أهداف وضمانات النظام الحالي لتقييم أداء الموظفين
المطلب الأول: أهداف النظام الحالي لتقييم أداء الموظفين
استهدف النظام الجديد قياس مدى اتفاق الأداء الفعلي مع الأداء المطلوب أو المنتظر وأيضا تحسين وتطوير أداء الموظفين وخلق منافسة بينهم للرفع من فعالية الإدارة. ومن تم فالنظام له هدفين مزدوجين بالنسبة للإدارة والموظف على السواء لأنه يرمي إلى:
أولا تخطيط سياسة توقعية لتدبير الموارد البشرية عن طريق تحديد الحاجيات العددية والنوعية من العنصر البشري لاتخاذ التدابير اللازمة لوضع الموظف المناسب في المكان المناسب. فتحليل ودراسة تقييم أداء الموظفين تمكن من رسم سياسة توقعية لتدبير الموارد البشرية.
ثانيا تدبير الحياة الإدارية للموظفين باستثمار معطيات التقييم في عمليتي الترقية والتعيين في مناصب المسؤولية. فالإدارة بوقوفها على التقدم الذي يحرزه الموظف في أدائه لوظيفته تعمل على مكافأته بالترقية أو منحه منصب القيادة و المسؤولية. وبالمقابل تعمل على الضغط على الموظف المتهاون لتغيير سلوكه سواء عن طريق نقله من مصلحة إلى أخرى أو محاولة تكييفه مع المتطلبات الوظيفية.
ثالثا تمكين الرئيس من التتبع والإشراف المستمر على سير العمل والمساهمة في توطيد علاقات الثقة والتعاون بين الرئيس والمرؤوسين وتحسين ظروف العمل. فكلما كان نظام التقييم والتنقيط عادلا وموضوعيا كلما ساد جو من التفاهم والتعاون بين الموظفين ورؤسائهم. وبالمقابل فنظام التقييم يمكن الموظف من معرفة نقط القوة ومكامن القصور في أدائه لمهامه لمحاولة تجاوزها ورأي رئيسه المباشر حول سلوكه ومردوديته.
وأخيرا هندسة التكوين والتكوين المستمر لأن التقييم الحقيقي والدقيق سيمكن من الوقوف على مكامن ضعف المهارات والمعارف اللازمة لأداء الوظيفة ومن تم برمجة تكوينات ملائمة للحاجيات[10].
المطلب الثاني: ضمانات عدم التعسف في استعمال نظام التقييم الحالي
تتمثل الضمانات التي يمنحها التقييم الحالي لمنع التعسف في استعماله بحرمان بعض المرؤوسين من الترقية أو تأخيرها أو تفويت فرص تحمل المسؤولية، في مؤسسة اللجان الإدارية المتساوية الأعضاء[11] وإمكانية اللجوء إلى القضاء الإداري.
فاللجان الإدارية المتساوية الأعضاء تتكون من ممثلي الإدارة والموظفين على السواء وتلعب دورا استشاريا في تقييم أداء الموظفين وذلك بمناسبة التقرير في الترقيات ولها أن تطلب من الرئيس الإداري في حدود اختصاصها إعادة النظر في النقطة العددية الممنوحة لأحد الموظفين وإمكانية الاطلاع على التقدير العام من طرف هذه اللجان.
أما بالنسبة للقضاء الإداري فيعتبر قرارات التنقيط، وإن كانت تندرج في إطار السلطة التقديرية للإدارة، فإنها بمثابة قرارات إدارية صادرة عن سلطات إدارية ومؤثرة في المراكز القانونية للمعنيين، ومن تم فهي خاضعة لرقابته متى كانت مشوبة بعيب الانحراف في استعمال السلطة أو متى أعلنت الإدارة عن أسباب إصدارها لقراراتها. فقد قضت المحكمة الإدارية بأكادير بأن السلطة التقديرية في تقويم عمل المرؤوس وتنقيطه ليست مطلقة بل تعتبر مقيدة ولقاضي المشروعية سلطة مراقبة مدى تقويم وتنقيط الرئيس المباشر لعمل مرؤوسيه[12].
المبحث الثاني: آفاق تعديل النظام الحالي لتقييم أداء الموظفين
لكل نظام إداري أنصار يرددون ايجابياته ومنتقدين يسلطون الضوء على عيوبه وسلبياته (المطلب الأول). لذلك يبقى كل نظام في حاجة إلى التعديل والإصلاح لتدارك مختلف الاخلالات التي تبرزها الممارسة (المطلب الثاني).
المطلب الأول: ايجابيات وسلبيات النظام الحالي لتقييم أداء الموظفين
يتميز النظام الحالي بمجموعة من المميزات يمكن إجمالها فيما يلي:
- محاولة توضيح وتدقيق وتوسيع العناصر المعتمدة في نظام التنقيط والتقييم حيث تم تنويعها لتشمل جميع جوانب العمل الإداري وتجزيئها إلى مؤشرات فرعية للتقدير مضمنة في شبكة التنقيط.
- إضفاء المرونة حيث منح إمكانية تغيير النقط الجزئية المطابقة لعناصر التنقيط شرط أن يساوي مجموع هذه النقط الجزئية حاصل مجموع النقط المطابقة لعناصر التنقيط وبموافقة السلطة الحكومية المكلفة بتحديث القطاعات العامة.
فعدم تجانس واجبات ومسؤوليات كل وظيفة لا يتفق مع توحيد أساليب التقييم بالنسبة لمختلف الموظفين باختلاف مراتبهم والقطاعات التي ينتمون إليها.
- ربط نظام التنقيط والتقييم بالمسار المهني للموظف حيث تم ربطه بباقي أساليب تدبير الموارد البشرية في اتجاه تدبير محكم يطور كفاءات الموظف العمومي ويرفع من أدائه الإداري.
وبالرغم من هذه الايجابيات التي تضمنها مرسوم 2 دجنبر 2005 المتعلق بتقييم أداء الموظفين، فإن الممارسة العملية والتطبيقية أبانت عن مجموعة من الثغرات ومكامن الضعف التي يمكن إجمالها في القصور الذي يشوب العملية على عدة مستويات:
- قصور على مستوى مجال التنقيط: فرغم توسيع هامش التنقيط الممنوح للرئيس الذي كان يتراوح ما بين 0 و3 ليصبح ما بين 0 و 20، فإنه مع ذلك يبقى قاصرا على استيعاب الفروق في الأداء بين الموظفين خصوصا في الإدارات التي يتواجد بها عدد كبير من الموظفين. فعلى سبيل المقارنة يمنح النموذج المصري لتقييم الأداء إمكانيات أوسع للمشرفين عليه تمكنهم من التمييز أكثر بين مختلف المرؤوسين حسب الكفاءة والاستحقاق والمر دودية وفق عناصر متعددة بمجال أوسع للتنقيط يتراوح بين 0 و 100[13].
- عدم ربطه بسياسة التعويضات والمكافآت
- قصور على مستوى مبدأ السنوية: إن محافظة النظام الحالي على مبدأ سنوية التنقيط كثيرا ما كان مثار انتقاد على أساس أن تقييم أداء الموظف مرة واحدة في السنة يعد غير كافي لتقدير مجهودات الموظفين. وقد برزت بهذا الخصوص مطالب بضرورة اعتماد نظام التنقيط الفصلي (مرتين أو ثلاث مرات في السنة) وذلك على غرار ما تنهجه بعض الأنظمة المقارنة كالقانون السوري الذي يجمع بين التقويم نصف السنوي المتعلق بمتابعة الأداء بشكل دوري وبين التقويم الذي يجرى مرة في كل سنتين لاتخاذ قرار الترقية أو عدمه والذي يستند على نتائج التقويم الأول[14] .
- قصور على مستوى معايير التنقيط: يلاحظ غموض وتداخل بين بعض العناصر والمؤشرات مثلا: المردودية والإنتاجية والكفاءة والنجاعة والفعالية وأيضا مؤشر إنجاز العمل بشكل متقن ومؤشر الإنجاز السليم للمهام بالدقة المطلوبة مع تجنب الوقوع في الخطأ ومؤشر الاهتمام والاعتناء بتنفيذ المهام المرتبطة بالوظيفة هي مؤشرات متداخلة وصعبة التمييز في إطار معيار جودة العمل المندرج في عنصر إنجاز الأعمال المرتبطة بالوظيفة. . .
ويبقى الإشكال الكبير حول استيعاب هذه العناصر من طرف الرؤساء الإداريين ومدى ملاءمتها مع واقع وظروف الإدارة العمومية المغربية فعلى سبيل المثال كيف يمكن تقييم عنصر البحث والابتكار الذي يضم المعايير التالية: القدرة على التحليل والتركيب – القدرة على الابتكار – الموضوعية – حس المبادرة واتخاذ القرار. وأيضا كيف يمكن تقييم معيار الاستقلالية في عنصر السلوك المهني انطلاقا من المؤشرات التالية: القدرة على التصرف انطلاقا من القناعة والإمكانيات الشخصية – أهلية التعبير عن الرأي بعزم – الثقة في النفس ورفع التحدي.
- قصور الضمانات المتعلقة بالتقويم: بالرجوع إلى المرسوم الحالي لتقييم أداء الموظفين، يلاحظ غياب الضمانات التي تمنع من التعسف في استعمال التنقيط للانتقام أو الانحراف بها إلى غايات مجانبة للمصلحة العامة. فحتى بالنسبة لضمانتي اللجان الإدارية المتساوية الأعضاء واللجوء إلى القضاء الإداري لم تتم الإشارة إليهما في المرسوم المذكور، وإنما تقريرهما كان بنصوص قانونية أخرى. ومن تم فالضرورة تقتضي منح ضمانات أكبر للموظف سواء عبر إلزام الرئيس الإداري بضرورة تعليل القرار الذي يصدره في موضوع التنقيط عندما لا يكون في صالح المعني به أي الموظف والقيام بإعلامه بذلك حتى يتسنى له الطعن فيه أو التظلم بشأنه أمام الجهة الرئاسية لمصدر القرار.
- عدم فعالية آلية المقابلة: في غالب الحالات لا يلتزم المسؤولون الإداريون بإجراء المقابلة ويكتفون فقط بتعبئة تقارير صورية للتقييم إما بسبب خشيتهم من ردود فعل المرؤوسين أو بسبب عدم توفرهم على المؤهلات اللازمة للقيام بهذه العملية ناهيك عن صعوبة تحقيق أهداف هذه الآلية.
- محدودية كفاءة القائمين على التقويم: إن ضعف كفاءة المشرفين على التنقيط والتقييم وجهلهم بالمقتضيات التفصيلية للإطار القانوني لنظام التقييم يشكل إحدى الأسباب الحقيقية لعدم نجاح النظام الحالي خصوصا بالنسبة للحالات التي يكون فيها الرؤساء الإداريون هيئات منتخبة لا يشترط فيها المشرع مستوى دراسي معين كما هو الشأن بالنسبة لرؤساء الجماعات الترابية (الجماعات الحضرية والقروية – العمالات والأقاليم – الجهات) مما يفتح المجال للمحسوبية وعدم الموضوعية وبالتالي غياب الإنصاف بالنظر للحضور القوي لذاتية المشرفين على التقييم.
- حضور ذاتية القائمين على التقويم: يعمد العديد من الرؤساء الإداريين إلى تجاوز العناصر المحددة للتقييم والمقابلة وإحضار ذاتيتهم سواء للتحيز للبعض دون البعض أو التشدد أو التساهل في عملية التقييم مما يشكل انحرافا تترتب عنه نتائج سلبية. فالتشدد والصرامة المطلقة تولد الإحباط خصوصا لدى الموظفين المجدين كما أن التساهل المفرط بمنح نقط جيدة للجميع تساهم في تكريس الوضع القائم وعدم التحفيز على بذل المجهود المضاعف أو تغيير السلوكات الإدارية السائدة.
المطلب الثاني: نحو إقرار نظام عادل وفعال لتقييم أداء الموظفين
إن تعديل نظام تقييم أداء الموظفين أصبحت مسألة ملحة أكد عليها الاتفاق المتعلق بالحوار الاجتماعي بين الحكومة والنقابات الأكثر تمثيلية بتاريخ 26 أبريل 2011. غير أن الاتفاق على تعديل النظام الحالي لتقييم أداء الموظفين لم يحل دون الاختلاف بين يدعو إلى التعديل الجذري لهذا النظام وذلك في إطار إصلاح شمولي عن طريق اعتماد إحدى الطرق الحديثة للتقييم، وبين من ينادي بمراجعة الجوانب الناقصة التي تشكل مكامن الضعف فيه.
أولا: اعتماد إحدى الطرق الحديثة للتقييم
تتعدد الطرق الحديثة المعتمدة في ميدان تقييم أداء الموظفين، لذلك سنكتفي بالإشارة إلى طريقتين أصبحتا موضوع إشادة وتقدير، يتعلق الأمر بطريقة الإدارة بالأهداف وطريقة 360 درجة.
– طريقة الإدارة بالأهداف: تقوم على إشراك الموظفين في وضع الأهداف وتقويمهم على أساس تحقيقها. وتتطلب هذه الطريقة أولا تحديد الأهداف والنتائج المطلوب تحقيقها وثانيا قيام الرئيس بمساعدة مرؤوسيه على تحقيق الأهداف ومتابعة تحقيق النتائج وثالثا تقويم النتائج التي تحققت (مقارنة ما تم تحقيقه مع ما تم الاتفاق عليه).وعموما فهذه الطريقة تتميز بالموضوعية لاعتمادها على الأداء الفعلي وارتكازها على نوع من التعاقد بين الرئيس والمرؤوس الذي يضمن الفعالية وتحقيق أهداف الإدارة.
– طريقة 360 درجة: وهي طريقة حديثة تهدف إلى تفادي سلبيات الطرق الأخرى والتي كانت تمنح سلطة التقييم للرئيس الإداري فقط. وترتكز على تقييم الموظف من زوايا متعددة ومن طرف عدة أشخاص داخل محيط عمله ( الرئيس – المرؤوس – الموظفين الذين يوجدون في نفس مستواه الوظيفي – المرتفقين الذين يتعاملون معه) ليتم بعد ذلك احتساب المتوسط الحسابي لهذه التقويمات. وعليه فهذه الطريقة تضمن شفافية أكبر وموضوعية إضافية بعيدا عن الولاءات والمحاباة.
ثانيا: ضرورة اعتماد تدابير موازية
إن مراجعة النظام الحالي لتقييم أداء الموظفين يجب أن يأخذ بعين الاعتبار عددا من التدابير الضرورية لتفعيله وجعله أكثر عدالة وموضوعية:
- ضرورة تفعيل آلية المقابلة وتحديد خطواتها المنهجية[15].
- ضرورة التوفر على دليل مرجعي للكفاءات: إن التوفر على دليل مرجعي للمؤهلات المطلوبة يجب أن يشكل إطارا يتم على أساسه اختيار معايير التقييم. كما أن التقييم الحقيقي لأداء الموظف لا يجب أن يتوقف عند مقارنة النتائج المحققة مع التقديرات المنتظرة وإنما يتعين أن يتجاوز ذلك إلى الأخذ بعين الاعتبار للظروف والعوامل المؤثرة في عمله والإمكانيات التي يتوفر عليها وبصيغة أدق دراسة العلاقة بين النتائج والأهداف والإمكانات المتاحة على حد تعبير الأستاذ كريستيان باطال[16].
- ضرورة ارتكاز التكوين على نتائج التقويم لأن من شأن هذا الأخير إبراز حاجيات الموظفين لنوع التكوين. فالتقييم والتكوين يستهدفان غاية مشتركة هي الرفع من مردودية الموظف وتأهيله للاستجابة لمتطلبات التغيير بالإدارة العمومية.
- ضرورة تدعيم نظام التنقيط والتقييم بتعميم الإدارة بالأهداف: وذلك بالعمل على تحديد الأهداف بدقة والوظائف والأنشطة الكفيلة بتحقيقها ورسم مخططات العمل مع الجدولة الزمنية لتنفيذها ثم بتوضيح وعلانية الأهداف والتعليمات للمرؤوسين من خلال التحديد الممنهج والدقيق للمسؤوليات المسندة إليهم عند بداية كل سنة حتى يكونوا على بينة بما هو مطلوب منهم أداؤه، تحقيقا لمبدأ العدالة والإنصاف في عملية التقييم[17].
- ضرورة ارتكاز الحركية والتحفيز على نتائج التقويم لأن شعور الموظف بأن نظام الترقية يقيد طموحاته ولا يقدر كفاءاته يجعله محبط كما أن نجاح أي نظام للتقييم مرتبط بمدى اقترانه بنظام الحوافز المادية والمعنوية(الأجر – الترقية – الاعتراف والتقدير. . . ).ويجب أيضا أن تكون نتائج التقييم المرجع الأساسي في عمليات إعادة انتشار الموظفين سعيا لتحقيق قاعدة “الرجل المناسب في المكان المناسب” فكفاءة الموظف وميولا ته وتطلعاته بالإضافة إلى مردود يته وسلوكه المهني سوف تحدد بدون شك مدى الاحتفاظ به في منصبه أو تحديد المنصب أو المهمة الجديدة التي ستوكل إليه. فكلما اعتمدت الحركية على نتائج التقييم كلما دفعت الموظفين إلى تحسين مستوى أدائهم.
- ضرورة تكوين المشرفين على التقويم لأن نجاح هذا النظام متوقف على مدى استيعابه من طرف المشرفين عليه والمطبقين له وأيضا المخاطبين به. من هذا المنطلق يتعين تدريب وتكوين الرؤساء الإداريين على مناهج تطبيق النظام الخاص بالتقييم حتى يتمكنوا من فهمه وحسن تطبيقه.
خاتمة:
في الختام يمكن القول أن تدبير الموارد البشرية عملية متكاملة ومتناسقة يلعب فيها نظام التقييم دورا أساسيا تتوقف عليه باقي السياسات الأخرى. لذلك لا مناص من اعتماد إصلاح إداري شامل بأبعاده القانونية والتدبيرية يأخذ بعين الاعتبار كل المقتربات المتعلقة بالتكوين والتحفيز والتقييم العادل والموضوعي للموظف بناء على مهاراته وخبرته وسلوكه وإبداعه ومدى انسجامه في الوسط الإداري لتحقيق الأهداف المرسومة. فتقييم الأداء ليس غاية في حد ذاته وإنما وسيلة للتتبع قصد العمل على تنمية الإدارة.
وعليه فنظام التقييم الناجع يتعين أن يرتكز على مبادئ الدقة والوضوح في العناصر والمعايير المعتمدة في التقييم – الشفافية والمصداقية في العملية عن طريق إشراك المعنيين وتكريس مبدأ العلنية في التقارير مع تخويل المتضررين إمكانية الطعن في التقديرات – المرونة في نظام التقويم أخذا بعين الاعتبار اختلاف المهام وظروف العمل – ربط المسار المهني للموظف (من أجر وتعويضات وتحفيز وانتشار وتكوين. . . ) بنتائج التقويم.
[1] – الظهير الشريف رقم 1. 58. 008 الصادر بتاريخ 24 فبراير 1958 بمثابة النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، ج. ر عدد 2372 بتاريخ 11 أبريل 1958 كما تم تعديله وتتميمه
[2] – المرسوم الملكي رقم 68. 988 الصادر بتاريخ 7 ماي 1968 المتعلق بتحديد مسطرة التنقيط وترقي موظفي الإدارات العمومية في الرتبة والدرجة، ج.ر عدد 2890 بتاريخ 22 ماي 1968 ص 1049.
[3] – المنشور بالجريدة الرسمية عدد 5379 بتاريخ 19 دجنبر 2005 ص 3528.
[4] – وزارة تحديث القطاعات العامة “دليل تنقيط وتقييم موظفي الإدارات العمومية” شتنبر 2006 ص 7
[5]-Christian Batal: « la gestion des ressources humaines dans le secteur public: Evaluer ses ressources, anticiper ses besoins , construire des politiques de GRH, Tome2 , édition d’organisation – Paris,2éme édition 2000 , P 72
[6] – المنشور رقم 4 و. ع الصادر بتاريخ 25 شتنبر 2005 عن الوزير المكلف بتحديث القطاعات العامة
[7] – المادة الرابعة من مرسوم 2005
[8] – راجع بتفصيل هذه المؤشرات التجزيئية لكل عنصر في “دليل تنقيط وتقييم موظفي الإدارات العمومية ” الذي أصدرته وزارة تحديث القطاعات العامة شتنبر 2006 ص 12 وما بعدها
[9] – Pour plus de détails sur l’expérience française voir Christian Batal op ;cité p 139 et s
[10] – بالمناسبة صدر مرسوم التكوين المستمر لفائدة موظفي وأعوان الدولة في نفس التاريخ الذي صدر فيه المرسوم المتعلق بتحديد مسطرة تنقيط وتقييم موظفي الإدارات العمومية يتعلق الأمر بالمرسوم رقم 1366.05.2 بتاريخ 2 دجنبر 2005 ج. ر عدد 5386 بتاريخ 12 يناير 2006
[11] – راجع المرسوم رقم 0200. 59. 2 الصادر في 5 ماي 1959 بتطبيق الفصل 11 من الظهير الشريف بمثابة النظام الأساسي للوظيفة العمومية بخصوص اللجان الإدارية المتساوية الأعضاء ج. ر عدد 2429 ص 1522.
[12] – حكم المحكمة الإدارية بأكادير عدد 192/2008 بتاريخ 2 يوليوز 2008
[13] – راجع القانون رقم 47 لسنة 1978 المتعلق بالعاملين المدنيين بالدولة المصرية
[14] – راجع المرسوم رقم 322 بتاريخ 27 /7/2005
[15] – راجع بتفصيل مقترحات الخطوات اللازمة لإنجاح نظام المقابلة علي محمد عبد الوهاب “تقييم الأداء – دراسة تحليلية” منشورات المنظمة العربية للعلوم الإدارية، 1984 ص 39 وما بعدها
[16] – Christian Batal: op cit p 94
[17] – عبد الغني اعبيزة “المقاربة الجديدة لنظام تقييم أداء الموظفين على ضوء المرسوم رقم 1367. 05.2 الصادر بتاريخ 2 دجنبر 2005 ” مقال منشور بالمجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية عدد مزدوج 76 – 77 شتنبر – دجنبر 2007





