دراسة مقارنة في المملكة المغربية ودولة قطر

ذ. سالم محمد سعيد الأسود

طالب باحث بسلك الدكتوراه

جامعة محمد الخامس بالرباط

مقدمــة

تتعدد الفرضيات التّي تُنهي الرابطة الوظيفية بين الموظّف العمومي والإدارة المستخدمة في إطار النّظام القانوني للوظيفة العمومية، من ثم قد تتجه الإدارة إلى تسريحه بناء على الخطأ التأديبي المرتكب من قبله، وهنا نتحدث عما يطلق عليه (التسريح التأديبي)، فقد تقوم الإدارة ولسبب ما بتسريح الموظّف وذلك من خلال الطريق غير التأديبي، بناء على حالات استثنائية مختلفة، كعدم اللّياقة الصحية، أو عدم الكفاءة المهنية، أو إلغاء الوظيفة أو فُقدان الجنسية، أو بسبب حكم جزائي، بحيث تعد صور التسريح غير التأديبي من الخدمة ترجمة للشُّروط القانونية المتطلبة للدخول للوظيفة العمومية.

ولتحقيق الحماية للموظّف العمومي، تولّت التشريعات المقارنة القطري والمغربي والفرنسي بيان مقتضيات التسريح التأديبي، والتسريح بالطريق غير التأديبي في صدد إنهاء الرابطة الوظيفية التي تربطُ كل من الموظّف والإدارة، حيث يؤسس التسريح بالطريق غير التأديبي على التسريح الإداري المتّخذ من جانب الإدارة بناء على أوضاع قانونية يفقد فيها الموظّف حقه في الاستمرار في الوظيفة كعدم اللّياقة الصحية، والتّخلي عن المنصب، وفُقدان الجنسية…إلخ، في حين يؤسس التسريح التأديبي بناء على درجة الخطأ الوظيفي الجسيم، كما قد يصدر التسريح القضائي إذا ما ارتكب الموظّف العمومي جريمة من جرائم القانون العام وصدور حكم جزائي نهائي بتوقيع عقوبة تكميلية تثبت إدانة الموظّف بجنحة أو جناية، مما يستلزم تسريحه حفاظاً على نزاهة وشرف الوظيفة العمومية.

وعليه فالتسريح يعد من أخطر القرارات التي تمس الموظّف العمومي في مركزه القانوني، لذا كان من الضروري إرساء الضمانات القانونية والقضائية التي تكفُلُ تطبيقاً سليماً لمقتضيات المشروعية بما يجسد تطبيقها العملي لتظهر الموازنة المطلوبة بين الفاعلية الإدارية والضمان، وتعد هذه القرارات من أخطر الاشكاليات التي تطرح في مجال منازعات الوظيفة العمومية، كونها تصيب الإدارة والموظّف العمومي على حد سواء، فالإدارة تكون مضطرة لمواجهة الموظّف العمومي وإصدار قرار التسريح إذا توافر سبب التسريح، وبالتّالي تفقُد أحد موظّفيها من كادرها الوطيفي، كما ويفقد الموظّف صفته ومركزه القانوني في الإدارة، مما يؤدي إلى خسائر مادية ومعنوية لكلا الطرفين.

وتأسيساً على ما تقدم سيتناول الباحث موضوع الدراسة من خلال المبحثين التاليين:

المبحث الأول: ماهية التسريح من الوظيفة العامة وصوره

المبحث الثاني: ضمانات تسريح الموظف العمومي في التشريع والقضاء المقارن

المبحث الأول: ماهية التسريح من الوظيفة العامة وصوره

على الرغم من أن الوظيفة العامة تعتبر مهنة ينقطع لها الموظف العام، إلا أنه لا يستطيع أن يشغلها مدى الحياة، فالرابطة بين الموظف والإدارة ليست رابطة أبدية، بل هي رابطة مؤقتة بالمدة التي يحددها المشرع، أو لأسباب أخرى قد تقتضيها المصلحة العامة.

 ومن البديهي أن تنتهي خدمة الموظف بالوفاة، إلا أنها قد تنتهي قبل ذلك بأحد الأسباب التي يضعها المشرع على سبيل الحصر، إما لمصلحة العمل، أو استجابة لرغبة الموظف أو كجزاء عن مخالفة جسيمة ارتكبها الموظف، أو لفقده أحد الشروط الجوهرية التي كانت لازمة عند تعيينه، وبذلك يكون المشرع قد قيد سلطة الإدارة في هذا الشأن بحيث لا يجوز لها أن تقوم بإنهاء خدمة الموظف دون أن تسلك السبل المقررة لها في هذا الصدد.

ونظراً لتعدد أسباب وأشكال التسريح من الخدمة، فإن إعطاء تعريف للتسريح في نطاق الوظيفة العمومية، أمرفي غاية الصعوبة، ذلك أن بعض أسباب التسريح قد تقيد الإدارة المستخدمة حين إصدار قرار التسريح، في حين أن بعضها الآخر يترك لها السلطة التقديرية لكي تُفاضل بين الاحتفاظ بالموظّف أو تسريحه، ناهيك على أن التّمييز بين التسريح التأديبي والتسريح غير التأديبي يصعب على السلطة الإدارية إثباته في بعض الأحيان في ظل التّذرع بمصلحة الخدمة، خاصةً في ظل تداخل بعض التّصرفات بين صورة التسريح التأديبي والتسريح غير التأديبي كالخطأ التأديبي وعدم الكفاءة المهنية.

وعليه ووفقاً لما تقدم سيتم بيان الإطار القانوني في التسريح الموظف العام في التشريعات المقارنة، من خلال بيان صور التسريح من خلال المطلبين التاليين:

المطلب الأول: تسريح الموظف العمومي بالطريق التأديبي

تستند الوظيفة العامة إلى فكرة التلازم الحتمي بين حقوق الموظفين من جهة وواجباتهم من جهة أخرى، بمعنى أن هناك التزام من قبل الدولة بأداء حقوق الموظف والتزام من قبل الموظف بالقيام بواجباته الملقاة على عاتقه، مما يترتب على ذلك أنه إذا أخل الموظف بواجب من واجباته الوظيفية، أو أتى عملاً يتنافى مع مقتضيات هذه الوظيفة قام حق الدولة في استخدام وسائلها –المتاحة والفعالة- في عقابه عن طريق السلطة الإدارية المخولة قانوناً بذلك.

وعليه، فقد أقرت التشريعات الوظيفية في معظم الدول، ومنها التشريع الفرنسي والمغربي والقطري، ما يسمى بأنظمة تأديب الموظفين، على أساس أن النظام التأديبي جزء لا يتجزأ من النظام الوظيفي، يهدف إلى تقويم السلوك الإداري لدى الموظف العام والمحافظة على كيان الوظيفة وهيبتها، وذلك ضماناً لحسن سير المرافق العامة بانتظام واضطراد، فالتأديب -وإن كان يستهدف العقاب كما يبدو من ظاهر الأمور- إلا أنه في جوهره يستهدف كشف العيوب في البناء الإداري تمهيداً لإصلاحه بما يمنع ارتكاب المخالفات مستقبلاً ولهذا فإن الأحكام التأديبية تعتبر مصدراً ثرياً لتوجيه الإدارة، ومن ثم فإن القضاء التأديبي ليس أكثر من قضاء متخصص في نطاق القضاء الإداري. ([1])

ويلاحظ على التشريعات المقارنة القطري والمغربي والفرنسي في هذا المجال أنها لم تقنن الأفعال التي يرتكبها الموظف وتشكل جريمة تأديبية نظراً لصعوبة تحديد الواجبات الوظيفية بصفة عامة، فكل طائفة تحدد لها واجبات خاصة بها وفقاً للاعتبارات الوظيفية المحيطة بها، مما يعني أن القاعدة المسلم بها في مجال القانون الجنائي وهي قاعدة “لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص” لا تنطبق في مجال الجرائم التأديبية، وإنما تحكم فقط العقوبات التأديبية بمعنى أنه “لا عقوبة تأديبية إلا بنص”.

وعليه فإذا ما ثبت أن الموظف قام بفعل أو بالامتناع عن القيام بفعل لا يتفق ومقتضيات وظيفته فإنه يكون محلاً للجزاء التأديبي، وهو ما أخذ به المشرع القطري في المادة 82 من قانون الموارد البشرية، والتي نصت على أنه ” كل موظف يخالف الواجبات أو يرتكب المحظورات المنصوص عليها في هذا القانون أو يخرج على مقتضى الواجب في أعمال وظيفته، يجازى تأديبياً، وذلك مع عدم الإخلال بمسؤوليته المدنية أو الجنائية عند الاقتضاء”. وبذات الاتجاه سار المشرع المغربي في الفصل السابع عشر من الظهير، حيث ورد في هذا الفصل “وكل هفوة يرتكبها الموظف في تأدية وظيفته او عند مباشرتها تعرضه لعقوبة تأديبية زيادة أن اقتضى الحال عن العقوبات التي ينص عليها القانون الجنائي”.

هذا وقد تنوعت العقوبات التأديبية، كما تدرجت من حيث شدتها بين البساطة والجسامة التي قد تصل أحياناً إلى حد إنهاء خدمة الموظف إذا وصلت المخالفة التي ثبت ارتكاب الموظف لها قدراً من الجسامة يستوجب مثل هذه العقوبة، ولكن ضمن إجراءات وضوابط معينة أوجب المشرع على السلطة المختصة –التي أنيط بها قانوناً مهمة توقيع تلك العقوبات- مراعاتها والعمل بها، حمايةً لحقوق الموظف في عدم تعسف هذه السلطات في ممارستها لصلاحياتها المخولة لها قانوناً، وكل ذلك تحت رقابة القضاء في إلغاء مثل هذا القرار.

وفقاً لما تقدم سيعرض الباحث في الفروع التالية لماهية التسريح التأديبي والأحكام الناظمة له، وفقاً للأتي:

الفرع الأول: ماهية التسريح التأديبي

مما لا شك فيه، فإن “التسريح” يعد من أخطر العقوبات التي تلحق بالموظف العام، مما يؤدي إلى إنهاء خدمته الوظيفية، ويلاحظ في هذا المقام أن التشريعات المقارنة القطري والمغربي والفرنسي لم تتطرق إلى تعريف التسريح، بالمقابل اتجه المشرع الفرنسي إلى استعمال مصطلحين للدلالة على إنهاء العلاقة الوظيفية للموظف العمومي وهما :”التسريح” و”العزل”، وهو ما يظهر بوضوح في نُصوص قانون الوظيفة العمومية في فرنسا، حيث أقرت المادة 66 من قانون رقم 84/16 ،على أن: “تُصنف العقوبات التأديبية إلى أربع درجات…….الدرجة الرابعة (العزل).

في حين تبنى المشرع الفرنسي في نصوص أخرى للقانون السالف ذكره مصطلح “التسريح “للدّلالة على التسریح غیر التأدیبي، حيث قضت المادة 70 بتسريح الموظّف العمومي لعدم الكفاءة المهنية.

يضاف إلى ذلك تبني المشرع الفرنسي مصطلح “التسريح”، في نطاق التسريح الجماعي الذي يتم في المؤسسات الاقتصادية، بسبب عجزها في مسايرة نشاطها الاقتصادي.

 وعليه فمن الواضح أن المشرع الفرنسي ميز بين مصطلح “التسريح” و”العزل”، حيث أطلق مصطلح العزل للدلالة على معنى العزل التأديبي، أما مصطلح التسريح فقد قصد به التسريح بالطريق غير التأديبي.

فالتسريح وفقا للقانون الفرنسي طريقاً غير تأديبي لإنهاء خدمة الموظّف العمومي باقتراح من طرف الإدارة المستخدمة ومرد التسريح في هذه الوضعية لأسباب عديدة، من بينها إلغاء الوظيفة أو عدم الكفاءة المهنية…إلخ، في حين أسس المشرع الفرنسي العزل على معايير وإجراءات تأديبية بحتة، يقتضي فيها الأمر إخطار الموظف بالإجراءات المتخذة حياله لكي تقوم الإدارة المستخدمة بوضع حد لإنهاء مهام الموظف العمومي.

بالمقابل تبنى المشرع القطري مصطلح الفصل للدلالة على التسريح بالطريق التأديبي، حيث نصت المادة 89 من قانون الموارد البشرية القطري ” الجزاءات التأديبية التي يجوز للهيئة التأديبية توقيعها على الموظف هي:

أولاً: بالنسبة لشاغلي وظائف الدرجات من الثانية فما دونها:”1..2…3..9-الفصل من الوظيفة مع حفظ الحق في المكافأة والمعاش”

ثانياً: بالنسبة لشاغلي وظائف الدرجات من وكيل وزارة مساعد إلى الأولى أو ما يعادلها من الراتب

:”1..2…3..9-الفصل من الوظيفة مع حفظ الحق في المكافأة والمعاش”

كما نصت المادة 107 من ذات القانون على أنه “تنتهي خدمة الموظف لأحد الأسباب الآتية:

1-   بلوغ سن الستين

2-   انتهاء مدة العقد

3-   الاستقالة

4-   عدم اللياقة للخدمة طبياً

5-   الفصل بقرار تأديبي”.

ونصت المادة 114 من ذات القانون على أنه “مع مراعاة حكم المادة (102) من هذا القانون، إذا تقرر فصل الموظف تأديبياً استحق راتبه الإجمالي حتى تاريخ إبلاغه بقرار الفصل”.

وبدوره تبنى المشرع المغربي مصطلح “العزل” للدلالة على ذات المعنى، حيث ورد في الفصل 66 من الظهير ما يلي “تشمل العقوبات التأديبية المطبقة على الوظيفة …

6- العزل من غير توثيق حق التقاعد.

7- العزل المصحوب بتوثيق حق التقاعد”.

وبالرغم من تعدد المصطلحات الواردة في تشريعات الوظيفة العامة في مجال العقوبات التأديبية،([2]) إلاّ أن الفقه في فرنسا قد استقر على استعمال مصطلح “licenciement “للدلالة على التسريح الإداري المتّبع بطريق غير التأديبي، واستعمل أيضاً لفظ “révocation “للدلالة على إنهاء خدمة الموظف العمومي بالطريق التأديبي.

ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن القضاء الإداري بفرنسا، قد استعمل هو الآخر في العديد من قراراته لفظ التسريح  “licenciement”للتّعبير عن التسريح بالطّريق غير التأديبي، حيث ذهبت محكمة الاستئناف الإدارية “بنانت” في إحدى أحكامها على المصادقة لمشروعية تسريح الموظّف العمومي لسبب عدم الكفاءة المهنية.

أما مصطلح “العزل”، فقد ذهبت المحكمة الإدارية “بران” في إحدى أحكامها إلى عدم مشروعية العزل “révocation “للعون الإداري، الذي قام بالطّعن ضد قرار عزله، وعلى إثر ذلك ألغت المحكمة الإدارية قرار العزل نظراً لتركيبة المجلس التأديبي غير المشروعة،وتسبيبه غير الكافي في قرار عزل العون الإداري. من هذا المنطلق يتبين جلياً أن القضاء الإداري الفرنسي غالباً ما كان يتجه إلى استعمال مصطلح التسريح للدلالة على إنهاء خدمة الموظّف العمومي بالطّريق غير التأديبي، ومصطلح العزل للدلالة على إنهاء مهام الموظّف بإتباع الإجراءات التأديبية أي بالطريق التأديبي.

وتجدر الإشارة إلى أن المشرع القطري حاول أن يحافظ على استعمال مصطلح واحد لإنهاء خدمة الموظف وهو الفصل سواءً بإتباع الطريق التأديبي أو الطريق غير التأديبي.

الفرع الثاني: الأحكام الناظمة للتسريح التأديبي للموظف العام

تتقيد السلطة التأديبية بمبدأ الشرعية وتخضع في توقيع العقوبة التأديبية إلى الحدود المرسومة من قبل المشرع، بحيث لا يجوز لها بأي حال من الأحوال الخروج عن مقتضى ذلك، وعليه فإن السلطة المختصة بممارسة صلاحيات التسريح لا تملك أن تفوض اختصاصها إلا في الحدود المرسومة قانوناً، ذلك أن القضاء الإداري يفرض رقابته الصارمة، ويلجأ للتقدير الضيق في إطار توقيع العقوبة التأديبية على الموظف العمومي. ([3])

هذا وتمثل سلطة تسريح الموظّف العمومي أحد مظاهر السلطة الرئاسية، لأن الإدارة هي التي تملكها كاختصاص أصيل ممنوح لها بقوة القانون، من ثم فإن سلطة إحالة المخالفة للتحقيق وتقدير العقوبة هي من اختصاص الرؤساء الإداريين كنتيجة حتمية وطبيعية للعلاقة الوظيفية التي تربط كل من الرئيس بالمرؤوس، وهو ما يفرض على الرئيس الإداري اتخاذ الإجراءات الكفيلة لدى ارتكاب أي خطأ تأديبي من قبل الموظف العام، وذلك حفاظاً على حسن سير المرفق العام الذي يديره بانتظام.([4])

ويلاحظ أن المشرع المغربي بين الأحكام الناظمة للتسريح في الفصل 65 من التشريع المغربي حيث “تختص بحق التأديب السلطة التي لها حق التسمية وتقوم اللجان الإدارية متساوية الأعضاء بدور المجلس التأديبي ويغير حينئذ تركيبها وفقاً لمقتضيات الفصل الخامس والثلاثين”.

كما ميز الفصل 66 من ذات التشريع بين طائفتين من العقوبات بصدد استصدار قرار التأديب، حيث أن العقوبات التي يتدرج من ضمنها قرار العزل وفقاً للفصل 66 ” يقع الإنذار والتوبيخ بمقرر معلل تصدره السلطة التي لها حق التأديب من غير استشارة المجلس التأديبي ولكن بعد استدلاء بيانات المعني بالأمر، أما العقوبات الأخرى فتتخذ بعد استشارة المجلس التأديبي الذي تحال عليه القضية من طرف السلطة التي لها حق التأديب وذلك بتقرير كتابي يتضمن بوضوح الأعمال التي يعاقب عليها الموظف وإن اقتضى الحال الظروف التي ارتكبت فيها”.

واتجه كذلك المشرع الفرنسي إلى تطبيق النّظام التأديبي الرئاسي وفقا للقانون رقم 83/634، حيث نصت المادة 19 منه على أن: “السلطة التأديبية مخولة إلى سلطة التّعيين…” وعليه فالسلطة الرئاسية التي تملك تعيين وتأديب الموظّفين، يختص بها كل من رئيس الجمهورية، والوزير الأول، والوزراء، ورؤساء المؤسسات العمومية ويمكن لهم القيام بالتّفويض لممارسة صلاحيات التأديب.

وبالرجوع إلى قانون الموارد البشرية القطرية رقم 15 لسنة 2016، فقد عرفت المادة الأولى منه الهيئة التأديبية بأنها المجلس الدائم للتأديب أو اللجنة التأديبية بحسب الأحوال، ووفقاً للمادة 90 من ذات القانون ” تُشكل بقرار من الرئيس، في كل جهة حكومية، لجنة تُسمى “اللجنة التأديبية” من رئيس وعضوين لا تقل درجة أي منهم عن الدرجة الثانية، ويكون أحد العضوين ممثلاً عن الإدارة، والآخر ممثلاً عن الوحدة الإدارية المختصة بالشؤون القانونية، وتختص اللجنة بما يلي

1-   تأديب شاغلي وظائف الدرجات الثانية فما دونها، وتوقيع الجزاء المناسب عليهم

2-   النظر في إيقاف الموظفين المحالين للمساءلة أمامها، وتمديد إيقافهم سواء كان الإيقاف صادراً بقرار منها أم بقرار من الرئيس التنفيذي

ولا يكون انعقاد اللجنة صحيحاً إلا بحضور رئيس اللجنة والأعضاء. وتصدر اللجنة قراراتها بأغلبية الآراء.”

ووفقاً للمادة 92 من ذات القانون “يشكل المجلس الدائم للتأديب برئاسة الوزير، ووكيل الوزارة نائباً للرئيس، وعضوية كل من

1-   قاض بمحكمة الاستئناف، يختاره رئيس المجلس الأعلى للقضاء

2-   ممثل عن ديوان المحاسبة، لا تقل وظيفته عن مدير إدارة، يختاره رئيس ديوان المحاسبة

3-   ممثل عن وزارة العدل لا تقل وظيفته عن مدير إدارة، يختاره وزير العدل ولا يكون انعقاد المجلس صحيحاً إلا بحضور الرئيس أو نائب الرئيس والأعضاء

ويصدر المجلس قراراته بأغلبية الآراء وعند التساوي يرجح الجانب الذي منه الرئيس

ويكون مقر المجلس بالوزارة، وتخصص له أمانة سر من موظفيها

ويصدر بتسمية الأعضاء الممثلين للجهات المعنية، وتحديد مكافأة رئيس وأعضاء المجلس وأمانة السر، قرار من رئيس مجلس الوزراء كل ثلاث سنوات”.

وعليه ومن وجهة نظر الباحث فإن التشريعات المقارنة قد أحسنت صنعاً في هذا الخصوص من جهة تبنيها للمجالس التأديبية باعتبارها تؤدي إلى الفصل بين سلطة الاتهام وسلطة الحكم، بإلزام سلطة التأديب بأن تأخذ برأي لجنة لها دور فعال في تحديد الخطأ، مما يؤدي بالضرورة إلى تحقيق ضمانات هامة للموظّف العمومي والحد من هيمنة و تعسف السلطة الرئاسية في اتخاذ قرار التسريح.

الفرع الثالث: الضمانات القانونية والقضائية للتسريح التأديبي

لكي يؤدي النّظام التأديبي الهدف الذي يرمي إليه في مساءلة الموظف العام، فإن الأمر يتطلب إشراف السلطة التأديبية من خلال الرئيس الإداري على متابعة الموظفين وتوجيههم تحقيقاً المصلحة العامة، مما يستلزم على الإدارة عدم ممارسة التسريح التأديبي، إلا وفقاً لأسس وضوابط صحيحة لكي ينتج آثاره([5])، حيث يتعين عليها عدم اتخاذ هذا القرار إلا بناء على جسامة الخطأ المبرر لذلك، وذلك كي تتحقق مسؤولية الموظف الناجمة عن الخطأ والآثار التي يشملها التسريح التأديبي.([6])

ولم يتعرض قانون الموارد البشرية القطرية رقم 15 لسنة 2016 لتعريف الخطأ التأديبي وبمقتضى ذلك تستقل الإدارة في تكييف الخطأ بما يتناسب والصور التأديبية، حيث نصت المادة 82 من ذات القانون على أن ” كل موظف يخالف الواجبات أو يرتكب المحظورات المنصوص عليها في هذا القانون أو يخرج على مقتضى الواجب في أعمال وظيفته، يجازى تأديبياً، وذلك مع عدم الإخلال بمسؤوليته المدنية أو الجنائية عند الاقتضاء” وهذا ما جسده المشرع المغربي في الفصل 17 من ظهير شريف 008-58-1 حيث ورد فيه ” كل هفوة يرتكبها الموظف في تأدية وظيفته أو عند مباشرتها تعرضه لعقوبة تأديبية زيادة إن اقتضى الحال، عن العقوبات التي ينص عليها القانون الجنائي.          وعند متابعة أحد الموظفين من طرف الغير بسبب هفوة ارتكبها في عمله، يتعين على المجتمع العمومي أن يتحمل الغرامات المالية المحكوم بها عليه مدنيا.”

ومع ذلك وبالرغم من أن التشريعين المغربي والقطري لم يعرفا الخطأ التأديبي، إلا أن ذلك لم يمنعهما من تصنيف بعض الأخطاء التأديبية التي تطبق على الموظف العام، كما ورد في الفصلين 16 و17 من التشريع المغربي، والمادتان 79 و80 من التشريع القطري، بالمقابل فإنقانون الوظيفة العمومية الفرنسي لا يتضمن أي تصنيف أو تقسيم قابل لتحديد الخطأ التأديبي، مقارنة بالقانون الجنائي الذي تضمن مبدأ ” شرعية الجرائم”، واكتفى المشرع الفرنسي بالنص صراحة بموجب المادة 29 من قانون الوظيفة العمومية على أن:” كل الأخطاء المرتكبة من طرف الموظف في الوظيفة، أو بمناسبتها أو في إطار شغل وظيفته، تفرض عليه توقيع العقوبة التأديبية بدون الإخلال بالمتابعة الجزائية المنصوص عليها في قانون العقوبات”.

ومفاد ذلك أن السلطة المختصة بتوقيع العقوبة التأديبية تقدر الخطأ وفقاً لمعايير منطقية لتسبيب العقوبة التأديبية التي اتخذتها([7])، مع التأكيد على خضوع قراراتها لرقابة القضاء الإداري، لاسيما إذا ثبت أن الخطأ الذي ارتكبه الموظف لا يتطابق مع طبيعة العقوبة التأديبية المتخذة، فإن الأمر يقتضي خطأ الإدارة في تكييفها للخطأ، ما يؤدي إلى إلغاء قراراتها([8])، وقد ذهبت محكمة الاستئناف الإدارية بفرنسا في هذا الصدد، إلى رفض الدعوى المعروضة أمامها من طرف الإدارة، نظراً لأن العقوبة التأديبية المتخذة من الدرجة الثالثة لا تتناسب إطلاقاً مع الأفعال المرتكبة ودرجة العقوبة المتخذة، لذا تعين رفض الدعوى لعدم التّأسيس([9]).

وعليه فإنه من غير المقبول قيام السلطة الإدارية بتوقيع العقوبة التأديبية على أي فعل، بل يتعين أن يكون مشتملاً على خطأ معين وفقاً لقاعدة عامة، سواءً كان مصدرها القانون أو اللائحة أو القرار التنظيمي أو غير ذلك، لذلك يستوجب تحديد ضوابط الخطأ التأديبي وفقاً للأسس الآتية:

–      عدم مشروعية الفعل المرتكب من قبل الموظف .

–      تكييف الخطأ بمعيار موضوعي وبمنأى عن جميع البواعث الشخصية التي من شأنها التأثير في تقدير العقوبة، مع الأخذ بعين  الاعتبار الظروف الخارجية كظروف العمل والزمان والمكان.

–      تحديد الخطأ وفقاً للأوضاع الوظيفة العمومية، والالتزامات الواقعة على عاتق الموظّف وطبيعة الوظيفة التي يشغلها والأهداف التي يسعى إلى تحقيقها المرفق العام، ودرجة الموظف على مستوى وظيفته.

–      يتأثر تكييف الخطأ التأديبي من طرف السلطة التأديبية بالظُّروف العادية       أو الاستثنائية التي أدت إلى ارتكاب الخطأ.

–      أن يكون الخطأ الذي ارتكبه الموظف دون مبرر شرعي.([10])

تأسيساً على ذلك فإنه يقتضي توافر الأعمال التنفيذية المرتكبة من طرف الموظف العام التي تتضمن الإخلال بالواجبات والقيام بالمحظورات الممنوعة قانوناً، ما يؤدي بصورة قطعية إلى ثبوت الخطأ التأديبي.([11])

وترتبط المسؤولية التأديبية ارتباطاً وثيقاً بالخطأ الذي ارتكبه الموظف العمومي، حيث لا يسأل هذا الأخير إلا عن الأخطاء المرتكبة من طرفه، بالتالي إذا أدى الواجبات التي تقتضيها الوظيفة العمومية طبقاً لتوجيهات رئيسه الإداري، فإنه لا يسأل عن عمل غيره، وأما إذا ساهم في ارتكاب الخطأ المهني، فإنه يعتبر شريكاً في الخطأ وهذا ما قد يعرضه للمسؤولية التأديبية، لذا يقتضي إثبات إدانة الموظف العمومي بالخطأ المرتكب وتحديد حالات التنافي لمقتضيات الوظيفة العمومية أو إثبات مساهمته في الخطأ التأديبي، فإذا انعدم السلوك الإداري الذي يؤدي إلى الإخلال بالواجب الوظيفي، فلا يكون ثمة خطأ وهذا ما يعفي الموظف من المسؤولية التأديبية.

وتختص الإدارة التي يتبعها الموظف العمومي بتوقيع العقوبة التأديبية المتضمنة قرار التسريح باعتبارها الجهة التي يتبعها وقت وقوع الخطأ التأديبي بغض النظر ما إذا كانت تبعيته للإدارة المستخدمة قد تمت عن طريق نقله، أو تعين فيها حديثاً، لذا لا يمكن وقف تنفيذ عقوبة التسريح لأن الأصل في المجال التأديبي هو نفاذ العقوبة حال توقيعها، بخلاف القانون الجنائي الذي يتضمن في طياته وقف تنفيذ العقوبة، بالتالي تنقطع العلاقة الوظيفية الرابطة بين الإدارة والموظف العمومي مباشرة بعد اتخاذ عقوبة التسريح.

ووفقاً للفصل 75 مكرر التشريع المغربي” اذا انصرم أجل سبعة أيام عن تاريخ تسلم الإنذار ولم يستأنف المعني بالأمر عمله فلرئيس الإدارة صلاحية إصدار عقوبة العزل من غير توقيف الحق في المعاش أو العزل المصحوب بتوقيف حق المعاش وذلك مباشرة وبدون سابق استشارة المجلس التأديبي.

إذا تعذر تبليغ الإنذار أمر رئيس الإدارة فورا بإيقاف أجرة الموظف المؤاخذ بترك الوظيفة.

إذا لم يستأنف هذا الأخير عمله داخل أجل ستين (60) يوما ابتداء من تاريخ اتخاذ قرار إيقاف الأجرة وجب تطبيق العقوبة المنصوص عليها في الفقرة الثالثة أعلاه، وفي حالة ما إذا استأنف الموظف عمله داخل الأجل المذكور عرض ملفه على المجلس التأديبي.

وتسري عقوبة العزل في الحالات المنصوص عليها في هذا الفصل، ابتداء من تاريخ ترك الوظيفة.”

كما أكد المشرع القطري في المادة 102 من قانون الموارد البشرية على أنه  ” إذا قررت الهيئة التأديبية فصل الموظف وكان موقوفاً عن عمله، انتهت خدمته من تاريخ وقفه عن العمل، ما لم تقرر الهيئة التأديبية غير ذلك”.

ووفقاً للمادة 114 من قانون الموارد البشرية فإنه إذا تقرر فصل الموظف تأديبياً استحق راتبه الإجمالي حتى تاريخ إبلاغه بقرار الفصل.

المطلب الثاني: تسريح الموظف العمومي بغير الطريق التأديبي

أجمعت أغلب التشريعات الوظيفية المقارنة على حق الدولة الثابت في إنهاء خدمات موظفيها اتباع الإجراءات التأديبية، إذا قدرت أن الصالح العام يقتضي ذلك، كما استقر القضاء الإداري على هذا المبدأ.

ويستند هذا الحق الأصيل للدولة في فصل الموظفين بغير الطريق التأديبي، على حق الدولة الطبيعي في تسيير المرافق العامة، على الوجه الذي يحقق الصالح العام فالموظفون هم عمال هذه المرافق، وهذا يقتضي أن يكون للدولة الحرية في اختيار من ترى فيهم الأهلية لشغل الوظيفة العامة، وفصل من هو غير أهل ذلك، أما حقها التشريعي فتستمده من التشريعات الوظيفية –المنظمة لجميع شؤون الموظفين- والتي دأبت في أغلبها على منح هذا الحق للدولة كطريق استثنائي لإنهاء خدمات الموظفين، لا يمارس إلا في حالات محددة يحددها المشرع.

وبالرغم من اتفاق معظم التشريعات الوظيفية المقارنة بحق الدولة في فصل موظفيها دون اتباع الإجراءات التأديبية عن طريق ما يسمى (بالفصل غير التأديبي) إلا انها اختلفت بعض الشيء في تحديد الحالات التي تنتهي بها خدمة الموظف بهذا الطريق الخطر من طرق إنهاء خدمة الموظف العام، نظراً لاختلاف ظروفها التشريعية والسياسية، مما يترتب عليه اختلافها في تقسيم حالات انتهاء خدمة الموظفين بشكلها العام، بمعنى اختلاف الإطار العام لحالات انتهاء خدمة الموظفين العاميين.

وفي هذا المطلب سيعرض الباحث إلى ماهية تسريح الموظف العمومي بغير الطريق التأديبي، مبيناً موقف التشريعات المقارنة منه، عارضاً لأسبابه في تلك التشريعات في الفرعين التاليين:

الفرع الأول: ماهية تسريح الموظف العمومي بغير الطريق التأديبي

عرف جانب من الفقه تسريح الموظف بغير الطريق التأديبي بأنه “إنهاء خدمة الموظف بقرار إداري في غير الحالات العادية لإنهاء الخدمة التي يحددها القانون”([12]).

كما عرفه جانب من الفقه الفرنسي، بأنه:” إجراء إداري يضع حد لوظيفة الموظف لأسباب غير تأديبية وهو ما يفضي إلى عدم الحصول على التقاعد”([13]).

والحقيقة أن التسريح بغير الطريق التأديبي يختلف عن الحالات الطبيعية التي تنتهي بها خدمة الموظّف كالاستقالة، والتّقاعد، والإحالة على الاستيداع، ذلك أن هذه الحالات تتضمن علاقة وثيقة الصلة بإرادة الموظف وطلبه لها، كما يختلف أيضاً عن حالة التسريح التأديبي والذي يتم بناء على الخطأ المرتكب من قبل الموظف، وهو ما يحدث غالباُ نتيجة لإخلاله بالتزاماته الوظيفية.

لذلك تمتلك الإدارة المستخدمة الحق في ممارسة التسريح الإداري وفقاً لحالات وأسباب لديها صلة مباشرة غالباً بشخص الموظف، وهو ما يعد مظهراً من مظاهر السلطة الرئاسية التي يتسم بها الرئيس الإداري المباشر، باعتباره المختص في تقدير توافر هذه الحالات والأسباب من عدمها، والتي تؤدي في النهاية إلى اتخاذ قرار التسريح الإداري،  تحقيقاً للمصلحة العامة، وبعيداً عن مظاهر الانحراف في استعمال السلطة، وعليه فالتسريح الإداري ليس بجزاء أو عقوبة،([14]) بل هو إجراء خوله القانون للسلطة الرئاسية لإبعاد الموظف نتيجة عدم صلاحيته للقيام بأعباء الوظيفة، أو من قامت به حالة تجعله غير أهل لشرف الانتماء إليها.

الفرع الثاني: أسباب تسريح الموظف العمومي بغير الطريق التأديبي في التشريعات المقارنة

بالرغم من أن النظام القانوني للوظيفة العمومية يعتبر حامياً للموظفين، إلاّ أنّه خول للإدارة العمومية انهاء الرابطة الوظيفية من خلال إجراء إداري، ولأسباب تتصل غالباً بشخص الموظف أو بأداءه لوظيفته، أو تحقيقاً للمصلحة العامة، لذا يعد التسريح الإداري طريقاً من طرق إنهاء مهام الموظف العمومي تتخذ فيه الإدارة إجراء التسريح بمنأى عن الخطأ التأديبي بما يبرر المصلحة العامة، الأمر الذي يترتب عليه انقضاء الرابطة الوظيفية وزوال صفة الموظف.

هذا وقد نظمت التشريعات المقارنة أسباب أسباب تسريح الموظف العمومي بغير الطريق التأديبي في أماكن متفرقة من تشريعاتها والتي تتمحور حول عدم اللياقة الصحية وعدم الكفاءة المهنية وفقد الجنسية، وتالياً سيعرض الباحث بإيجاز لكل سبب من أسباب التسريح بغير الطريق التأديبي الوارد في التشريعات المقارنة.

وجدير بالذكر أن المشرع القطري والمغربي والفرنسي قد طبق مبدأ المساواة بين جميع الموظفين في مسألة التسريح الإداري دون أية تفرقة بينهم، وبالتالي يسري على كل من يشغل وظيفة عليا، وكذلك على الموظف الذي يشغل وظيفة عادية على حد سواء. وحسناً فعلت التشريعات المقارنة على عكس ما ذهب إليه المشرع المصري الذي اقتصر ذلك على الفئات الوظيفية العليا.

البند الاول: عدم اللياقة الصحية

من المسلم به أن الوظيفة العامة مسؤولية وأمانة تقع على عاتق كل من يوكل إليه القيام بمهامها، فأداء العمل ركن من أهم أركان العلاقة الوظيفية، وحتى يتمكن الموظف من النهوض بأعباء ما أوكل إليه القيام به فلا بد من تمتعه بحد أدنى من اللياقة الصحية والبدنية.

وتحقيقاً لذلك اتفقت التشريعات المقارنة على ثبوت لياقة الموظف الصحية لأداء أعباء الوظيفة المرشح لها،، ووفقاً للفصل 21 من التشريع المغربي فإنه ” لا يمكن لأي شخص أن يعين في إحدى الوظائف العمومية إن لم تتوفر فيه الشروط الآتية:

1.    أن تكون له الجنسية المغربية ؛

2.    أن يكون متمتعا بالحقوق الوطنية، وذا مروءة ؛

3.    أن يكون مستوفيا لشروط القدرة البدنية التي يتطلبها القيام بالوظيفة”.

وهو ما تبناه المشرع القطري في المادة 13/6 من قانون الموارد  البشرية رقم 15 لسنة 2016، ووفقاً للمادة 107 من ذات القانون ” تنتهي خدمة الموظف لأحد الأسباب الآتية:

4.    بلوغ سن الستين

5.    انتهاء مدة العقد

6.    الاستقالة

7.    عدم اللياقة للخدمة طبياً”.

كما نظم المشرع القطري في المادتين 71 و113من ذات القانون، وكذلك المشرع المغربي في الفصل 45 و45 مكرر الضوابط والإجراءات المتعلقة بإنهاء الخدمة لعدم اللياقة الصحية. حيث نصت المادة 71 من قانون الموارد البشرية القطري على أن ” مع عدم الإخلال بحكم المادتين السابقتين، يمنح الموظف الذي تلحق به إصابة عمل            أو مرض مهني إجازة مرضية براتب إجمالي لمدة لا تجاوز سنتين لا تحسب من إجازاته الدورية أو المرضية، فإذا انتهت هذه المدة دون شفائه، يحال إلى الجهة الطبية المختصة للنظر في إنهاء خدمته إذا كان غير قطري، أو منحه إجازة مرضية لمدة سنة أخرى براتب إجمالي إذا كان قطري، فإذا انتهت هذه المدة دون شفائه يتم إحالته للتقاعد لعدم اللياقة الطبية

ويقصد بإصابة العمل في تطبيق أحكام هذا القانون، أي إصابة تقع نتيجة حادث أثناء تأدية العمل أو بسببه بغير خطأ أو إهمال من الموظف، أو الإصابة بأحد الأمراض المهنية

ويعتبر في حكم إصابة العمل كل حادث يقع للموظف خلال فترة ذهابه لمباشرة عمله أو عودته منه

ويقصد بالمرض المهني المرض الذي تكثر الإصابة به بين المشتغلين في مهنة               أو مجموعة من المهن دون غيرهم، وذلك وفقاً للجدول رقم (3) المرفق بهذا القانون”.

 كما نصت المادة 113 من ذات القانون على أن ” تثبت عدم اللياقة الطبية للخدمة بموجب تقرير من الجهة الطبية المختصة بناءً على طلب الموظف أو جهة عمله التابع لها، ولا يجوز إنهاء خدمة الموظف لعدم لياقته طبياً قبل نفاد الإجازات المستحقة له قانوناً إلا بموافقته، وتعويضه عنها قبل إنهاء خدمته”.

بالمقابل حرص المشرع الفرنسي على توافر شرط اللياقة البدنية لممارسة الوظيفة العمومية، حيث نص القانون 84/53، في المادة 35، على: شرط توافر اللياقة البدنية للموظف، والذي أشارت إليه أيضاً المادة 5 من القانون رقم 83/634 ،على أن:”لا تمنح 376 العمومي صفة الموظف ل: 5- من لم تكتمل فيه شروط اللياقة البدنية المتطلبة لممارسة الوظيفة، ويأخذ بعين الاعتبار إمكانية تعويض المعاقين”.([15])

تبعاً لذلك نظم المشرع الفرنسي في قانون 11 جانفي 1984 ،بموجب المادة 34 على أن:” 4 -العطلة الطويلة المدى في حالة الأمراض الجسيمة كالسل، والأمراض العقلية والسرطان، تحدد بمدة ثلاث سنوات للأمراض التي تستحق مداومة دائمة للتداوي والعلاج، “وسنتين للأمراض التي تستحق مداومة عادية للتداوي والعلاج”.

ومن خلال استعراض التشريعات أعلاه، فإن هذه التشريعات قد سلمت بأن هناك أسباباً عديدة تؤدي إلى عجز الموظف وفقد لياقته الصحية وهي الأمراض التي تحول دون قيام الموظف بمهام وظيفته بانتظام، ويتطلب علاجه زمناً طويلاً حتى يمكن شفاءه من هذا المرض، أو أن تستقر حالته الصحية استقراراً يمكنه من العودة إلى مباشرة أعمال وظيفته.

ويتم إثبات عدم اللياقة الصحية –الناتج عن المرض المزمن أو المستعصي- عن طريق الجهة الطبية الموكول لها قانوناً صلاحية تقدير الحالة الصحية للمريض والتي على أساس قرارها هذا يمكن إنها خدمات الموظف ضمن الضوابط والإجراءات المحددة قانوناً.

وهي الأمراض والإصابات التي تؤدي إلى منع الموظف من القيام بأعباء ومهام وظيفته باقتدار وانتظام، ولكنها أمراض أو إصابات تنشأ عن العمل الذي يمارسه الموظف بمعنى أن تكون هناك صلة مباشرة بين المرض أو الإصابة التي أصيب بها الموظف وبين العمل الذي يؤديه شرط ألا يكون هناك أي إهمال أو تقصير من قبل الموظف في أدائه لعمله، فإذا ما ثبت عجز الموظف الكامل عن القيام بمهام العمل الموكل له قانوناً، عن طريق التقرير الطبي المعتمد رسمياً فإنه لا بد من إصدار قرار بإنهاء خدمات هذا الموظف من قبل الجهة المختصة قانوناً بذلك.

وقد حرصت التشريعات محل المقارنة على منح الموظف إجازة تحدد مدتها الجهة الطبية المختصة وذلك وفقاً للوضع الصحي للموظف وللمدة التي ترى اللجنة الطبية المختصة أنها لازمة وضرورية له، بناءً على التقرير الطبي الذي ينظم لهذه الغاية والذي يحدد المدة التي قد تكون أو يتوقع أن تكون كافية لشفاء الموظف من مرضه..، ويستمر تجديد إجازة الموظف مرة وثانية وثالثة طالما أن مرضه قابل للشفاء ولكنه لا يزال في مرحلة غير قادر فيها على القيام بمهام وظيفته، وذلك بعد كل إعادة فحص يتم من قبل اللجنة الطبية المختصة والذي يلي الإجازة السابقة والتي لا تقل عن أربعة أشهر في كل مرة.

وقد منحت هذه اللجان صلاحية تقدير الحالة الصحية وإصدار قرارها بعدم لياقة الموظف المريض وعجزه الصحي الذي بناء عليه يصدر قرار الإدارة بإنهاء خدماته دون أي تحديد للفترة الزمنية التي يصدر قرار هذه اللجان فيها.

إلا أنه يتوجب على الإدارة الالتزام بتمكين الموظف الذي ثبت عجزه الصحي المؤقت عن العمل من استنفاذ إجازته المستحقة له قانوناً دون أن يكون لها الحق بإنهاء خدماته قبل أن يثبت عجزه الصحي الدائم بتقرير اللجنة الطبية المختصة الذي يوجب عليها فوراً إصدار القرار بإنهاء خدمات هذا الموظف وذلك بعد أن يكون قد أعطي إجازة مرضية براتب كامل مع العلاوات كحد أدنى ابتداءً من التاريخ الذي تحدده اللجنة الطبية المختصة.

ومما لا شك فيه أن أهم أثر يترتب على إنهاء خدمة الموظف لعدم اللياقة الصحية هو انقطاع كل صلة للموظف العام بالوظيفة العامة، وفي هذا المقام فإنه لا بد في إنهاء خدمة الموظف لعدم اللياقة الصحية من التمييز بين العجز الشامل الذي يمنع من القيام بمهام الوظيفة والعجز النسبي الذي قد لا يمنع من القيام بمهام وظيفة أخرى تتناسب مع وضعه الصحي الجديد.

جدير بالذكر أن الموظف الذي أنهيت خدماته لعدم اللياقة في التشريعات المقارنة القطري والمغربي والفرنسي يستحق جميع حقوقه المالية.

البند الثاني: نقص الكفاءة المهنية

قد تنتهي خدمة الموظف العام بالفصل لنقص الكفاءة الوظيفية (في حالتين) لا ينص عليها عادة في المادة المتعلقة ببيان أسباب انتهاء الخدمة وإنما ينص عليه في النظام الوظيفي ككل، وهما: حالة فصل الموظف خلال فترة التجربة، وحالة الفصل نتيجة هبوط مستوى أداء الموظف العام، الثابت بتقارير تقييم الأداء.

وقد نظمت التشريعات المقارنة القطري والمغربي والفرنسي هذا السبب من أسباب التسريح، وأوردت ضمانات تشريعية لضمان عدم استغلال هذا السبب من قبل الإدارة دون رادع، حيث نصت المادة 43 من قانون الموارد البشرية القطري على أنه “إذا تم تقييم أداء الموظف بمستوى ضعيف لمرتين متتاليتين، جاز نقله إلى وظيفة أخرى مناسبة في الجهة الحكومية دون تخفيض راتبه، فإذا قُدم عنه تقرير ثالث بمستوى ضعيف تالٍ مباشرة للتقريرين السابقين، جاز إنهاء خدمته دون المساس بحقه في المعاش أو مكافأة نهاية الخدمة”.

كما نظم المشرع المغربي إنهاء خدمة الموظف بسبب عدم الكفاءة المهنية في الفصل 31 من ظهير شريف النظام الأساسي العام للوظيفة العامة، بالمقابل أخذ المشرع الفرنسي بمسلك التسريح الإداري لسبب عدم الكفاءة المهنية، حيث نص بموجب القانون رقم 84/16 ،المتضمن قانون الوظيفة العمومية، في المادة 70 على أن” :التسريح لعدم الكفاءة المهنية يتم بعد مراعاة الإجراءات التي يتطلبها الجانب التأديبي، وللموظف المسرح لسبب عدم الكفاءة المهنية الحق في التعويض بمقتضى الشروط المحددة بمرسوم”، لذا يعد التسريح لسبب عدم الكفاءة المهنية تسريحاً إدارياً (تسريح بالطّريق غير التأديبي) يتوجب إحاطته بضمانات الإجراءات التأديبية.

والملاحظ أن التشريعات المقارنة قد نظمت تقييم أداء الموظفين من خلال التقارير السنوية التي تنظم من قبل السلطات الرئاسية والتي توضح مستوى أداء الموظف خلال السنة التقريرية (السنة الميلادية المنصرمة)، فإذا ما أظهر هذا التقرير مستوى سيء في القيام بالمهام الموكلة إليه، مع تكرار الحصول على هذا المستوى من التقارير فإنه قد يؤدي بالإدارة إلى إنهاء خدماته.

وحسناً فعل المشرع المغربي في تقدير الباحث من حيث إحاطته لجملة من الضمانات الواردة في الفصل الواحد والثمانون، والتي تكفل عدم الانحراف بالسلطة من قبل الإدارة لدى تبنيها لهذا السبب من أسباب التسريح، حيث أكدت على أن المرجع المختص وهو الوزير في هذا الصدد، إضافة وجوب ثبوت عدم كفاءته مهنياً، كما شدد المشرع المغربي على الإدارة في معرض اتخاذها قرارها بالتسريح سنداً لهذا السبب بأن لا يكون لديها سبيل سوى ذلك بمعنى أن لا يكون يمكن إدراجه في أسلاك الإدارة أو مصلحة أخرى، مع إمكانية منحه تعويض في حالة اتخاذ القرار بالتسريح.

البند الثالث: فقد الجنسية

تعرف الجنسية بأنها علاقة سياسية قانونية تربط الفرد بالدولة، فهي علاقة سياسية لكونها تنسب وترد كل فرد للدولة التي ينتمي إليها، ولكونها تنشأ عنها حقوق والتزامات متقابلة لطرفي العلاقة، فالدولة ليست غاية بحد ذاتها وإنما هي وسيلة لتحقيق غاية، ألا وهي حماية حقوق وحريات الأفراد الأساسية داخل الدولة وخارجها، مقابل الخضوع والولاء من جانب الأفراد الذين تربطهم بالدولة رابطة روحية اجتماعية هي رابطة الانتماء التي فرضتها مقتضيات نشأة المجتمع السياسي والتي ظهرت وتبلورت في العصر الحديث بشكلها المعروف بالجنسية.

وهي علاقة قانونية كونها تنظم بقواعد خاصة تحدد كيفية اكتساب الجنسية وفقدها وآثار ذلك بما يتفق في النهاية ومصالحها السياسية والاجتماعية، وهنا يظهر لنا مدى ما تتمتع به هذه العلاقة من أهمية خاصة في حياة الدولة والأفراد على حد سواء.

وتعتبر الجنسية المعيار الأساسي للتفريق بين الوطني والأجنبي، فالوطني هو الذي يقع على عاتقه وبموجب مواطنته، العديد من الواجبات يقابلها العديد من الحقوق التي تقع على عاتق الدولة– المعترف لها بالشخصية القانونية- تحقيقها ما دامت هذه العلاقة مستمرة، فإذا ما تفككت عراها كان أطرافها في حل من مقتضيات هذه الرابطة.

ويترتب على فقد الجنسية اعتبار الشخص أجنبياً من جميع الوجوه، مما يمنعه من التمتع بالحقوق الخاصة بالمواطنين. وقد تبنت معظم التشريعات المقارنة هذا الشرط للتعيين في الوظيفة العمومية، حيث لا يمكن أن يعين شخص بموجب الفصل 21 من التشريع المغربي إذا لم يتمتع بالجنسية المغربية، وبالمقابل تنتهي خدمة الموظف في التشريع القطري وبموجب المادة 107 من قانون الموارد البشرية لأحد الأسباب التالية “… 8- فقد الجنسية”.

بالمقابل تضمن القانون الفرنسي شرط توافر الجنسية للدخول للوظيفة العمومية وهذا ما أكدته المادة 5 من القانون المتضمن حقوق وواجبات الموظف العمومي، حيث نصت، على أنه:” لا يمكن اكتساب صفة الموظف ما لم تتوافر الجنسية الفرنسية”، كما أقر القانون السالف ذكره على أن: “الإنهاء النهائي للوظيفة في إطار توقيف وفقد صفة لموظّف تنتج عن: …فقدان الجنسية الفرنسية… ويدمج الموظف في وظيفته باسترجاع الجنسية الفرنسية”([16]).

إلا أن ذلك لم يمنع المشرع الفرنسي بإيراد استثناءات على الدخول لبعض الوظائف إذا تطلب الأمر ذلك كوظيفة الأستاذ الباحث، وهذا ما أكدته المادة 56 من قانون التعليم العالي الصادر بتاريخ 26 جانفي 1984، كما أجاز قانون التربية الفرنسي بموجب المادة 952/6، للاشخاص الذين لا يملكون الجنسية الفرنسية، باستطاعتهم في الحدود المقررة بمرسوم صادر عن مجلس الدولة أن يعينوا في سلك الأستاذ الباحث. ([17])

وفي سياق ذلك أبدى مجلس الدولة الفرنسي رأيه بتاريخ 17 ماي 1973 على أنه: “لا توجد أي أحكام قانونية أو مبدأ في القانون العام، ما يمنع بصفة عامة من توظيف الأجنبي كعون من أعوان الدولة بصفة تعاقدية أو مؤقتة”([18]).

يستخلص مما تقدم، أن شرط الجنسية هو شرط مرتبط بالولاء للدولة، يقتضي توافره للدخول للوظيفة العمومية والاستمرار فيها، والاستثناء هو تولي الأجانب الوظائف العمومية بشروط خاصة ومحددة تتولى الدولة المستقبلة تحديدها كالتوظيف التعاقدي أو المؤقت، وهو أمر جوازي تتطلبها حاجة الدولة إلى بعض الكفاءات والخبرات الفنية على مستوى الوظيفة العمومية.

المبحث الثاني: الضمانات القضائية لتسريح الموظف العمومي في القضاء المقارن

يتطلب القضاء الإداري أن يكون سبب قرار الإلغاء جدياً وحقيقياً وليس صورياً أو وهمياً، فالآثار السلبية –مادياً ومعنوياً- الذي تنعكس على الموظف الذي تلغى وظيفته دون ذنب أو سبب من جهته، تفرض على القضاء أن يكون المعين الأول للمشرع، للحيلولة دون إلحاق الضرر الذي يمكن أن يقع من جراء إلغاء صوري أو وهمي.

ويعد قرار التسريح في نطاق الوظيفة العمومية واحداً من تلك القرارات الإدارية، وعليه فإنه يتعين إحاطته بجملة من الضمانات،التي تسعى إلى تحقيق الملائمة بين حق الإدارة في ممارسة وظيفتها، من جهة ،وحق الموظف في تحقيق ضماناته التي تحميه من تعسف الإدارة من جهة أخرى، خاصة وأن الإدارة تمتلك سلطات واسعة في اللجوء لتسريح الموظف تحقيقاً للمصلحة العامة التي تهدف إلى تحقيقها، سواء كان ذلك بطريق تأديبي، أو بالطريق غير التأديبي.

ولما كان تسريح الموظف يعد من أخطر العقوبات والإجراءات التي تمس مركزه القانوني والوظيفي، فان الأمر يستدعي سن التشريعات اللازمة التي توضح حقوق الموظف وواجباته، فإذا ما خرج عن هذا النطاق وارتكب خطأً جسيماً أو فقد أحد مقومات الصلاحية للاستمرار في الوظيفة، فإن من شأن ذلك أن يعرضه للتسريح وفقاً للشروط والضوابط التي نصت عليها التشريعات كضمانات إدارية يستوجب على الإدارة اتباعها حتى لا تحيد عن نطاق المشروعية وتحقق الفاعلية المتطلبة لذلك. ([19])

وتمثل الرقابة القضائية ضمانة هامة يتم بواسطتها التأكد من سلامة تطبيق القانون في إطار إضفاء التوازن المطلوب بين طرفي النزاع، ولا يمكن للقضاء الإداري أن يصدر حكماً بإلغاء قرار التسريح في مواجهة الموظف العمومي إلا إذا حاد عن مبدأ المشروعية، لذا إذا شاب قرار التسريح عيب في أحد أركانه ومقوماته، اتسم بعدم المشروعية، الأمر الذي يعرضه للطعن بالإلغاء أمام القضاء الإداري([20])، والذي بدوره سيقوم بفحص توافر شروط الطّعن بالإلغاء والوقوف على مدى تحقيق المشروعية المتطلبة لقرار التسريح الصادر من الإدارة في مواجهة الموظف العمومي.

وفي نطاق رقابة القضاء الإداري على عيب عدم الاختصاص في تسريح الموظف العام، فقد اتجه مجلس الدولة الفرنسي إلى إلغاء قرار صادر عن رئيس المجلس الشعبي البلدي تضمن عزل حارس بلدي champêtregarde، لأن السلطة الإدارية غير مختصة وترجع للمحافظ، كما اتجهت المحكمة الإدارية في إحدى قضاياها على أن “مدير المستشفى لا يمكن له أن ينهي مهام الطبيب المتعاقد بدون موافقة مفتش العمل، وهذا لأن مدير المستشفى غير مختص بتعيين الطبيب إلا بموافقة مفتش العمل، من ثم فإن إنهاء مهامه يتطلب أيضاً موافقة هذا الأخير”.

كما اتجهت المحكمة الإدارية بفرنسا الى أن الوزير غير مختص بتعديل المعايير الخاصة بممثلي النقابة للإدارة التي يرأسها، من ثم استوجب إلغاء القرار([21])،

بدوره راقب القضاء الإداري في دولة قطر ركن الاختصاص، حيث قضت محكمة التمييز القطرية في حكم لها رقم 139/2013 في 5/11/2013 – الموارد الإدارية، والتي تتلخص وقائعها بأن الطاعن أقام على المطعون ضده بصفته الدعوى رقم 113لسنة2011 أمام المحكمة الابتدائية- الدائرة الإدارية- للحكم بإلغاء قرار إنهاء خدمته وما يترتب على ذلك من آثار وصرف راتبه من تاريخ وقفه فـي شهر مايو 2011 وإجراء التقييم له حتى يتسنى ترقيته، وإلزام المطعون ضده باستكمال إجراءات الحصول على السكن الحكومي فئة متزوج. وقال بياناً لذلك إنه بتاريخ 17/6/2010 باشر عمله لدى محكمة التمييز بوظيفة باحث شئون إدارية وقد تقدم للمطعون ضده بصفته بشكوى ضد مدير إدارة الشئون الإدارية والمالية إزاء سوء معاملته له إلا أنه فوجئ بتاريخ 1/5/2011 بصدور قرار من المشكو فـي حقه بإنهاء خدمته وقد تظلم من هذا القرار ولم يتلق رداً. وإذ جاء القرار المطعون فـيه مخالفاً للقانون ذلك أنه لم ينقطع عن العمل ولم يخطر على عنوانه الصحيح بواقعة الانقطاع، كما أن مُصدر القرار المطعون فـيه غير مختص بإصداره مما يعيب القرار بإساءة استعمال السلطة وعدم الاختصاص، وحيث إن الطعن أقيم على سببين ينعي بهما الطاعن على الحكم المطعون فـيه الخطأ فـي تطبيق القانون والقصور فـي التسبيب والفساد فـي الاستدلال والإخلال بحق الدفاع، وفـي بيان ذلك يقول إنه لم ينقطع عن العمل وقد قدم المستندات الدالة على ذلك منها كشف الحضور والانصراف واستلام الطاعن لراتبه وشهادة تفـيد أنه كان على رأس عمله خلال الفترة المدعي بانقطاعه عن العمل خلالها وتقديم طلب إجراء إداري خلال هذه الفترة، كما أنه لم يخطر بانقطاعه عن العمل وطعن بالتزوير على المستندات الدالة على هذا الإخطار، فضلاً عن صدور القرار المطعون فـيه من مدير إدارة الشئون المالية والإدارية رغم أنه غير مختص. وإذ قضى الحكم المطعون فـيه بإلغاء الحكم الابتدائي وبرفض الدعوى ولم تحقق المحكمة الطعن بالتزوير على إخطاره بالانقطاع ولم تجبه إلى طلبه بسماع شهود وفصلت فـي طلب الرد المبدي منه لقضاة الدائرة التي أصدرته دون إحالته لدائرة أخرى، فإنه يكون معيباً بما يستوجب تمييزه.

وحيث إن هذا النعي فـي غير محله… ذلك أن النص فـي المادة (163) من القانون رقم (8) لسنة 2009 بإصدار قانون إدارة الموارد البشرية على أن « يعتبر الموظف مقدماً استقالته فـي الحالات الآتية: 1- إذا انقطع عن عمله بغير إذن خمسة عشر يوماً متتالية ولو كان الانقطاع عقب إجازة مرخصاً له بها مالم يقدم خلال الخمسة عشر يوماً التالية ما يثبت أن انقطاعه كان بعذر مقبول وفـي هذه الحالة يجوز اعتبار مدة الانقطاع من نوع الإجازة المرخص له بها إذا كان رصيده يسمح بذلك وإلا تعين حرمانه من راتبه عن هذه المدة فإذا لم يقدم الموظف أسباباً تبرر الانقطاع أو قدم هذه الأسباب ورفضت اعتبرت خدمته منتهية من تاريخ انقطاعه عن العمل. 2-…… 3- …… 4-…..»، يدل على أن الاستقالة الحتمية التي يفترضها المشرع ويترتب عليها انتهاء خدمة الموظف بقوة القانون لا تقوم إلا بتوافر شرطين الأول: انقطاع الموظف عن عمله خمسة عشر يوماً متتالية بدون إذن، والثاني إخفاقه فـي تقديم أسباب انقطاعه خلال الخمسة عشر يوماً التالية            أو تقديمه أسباباً ترفض الإدارة الأخذ بها أو التعويل عليها، واجتماع هذين الشرطين يعتبر قرينة على الاستقالة، وهذه القرينة ليست مقررة لصالح الموظف وإنما لصالح الجهة الإدارية، وإنهاء خدمة الموظف لانقطاعه عن العمل المدة المذكورة دون إذن أو إبداء عذر مقبول يقوم على افتراض أن هذا الموظف يعد فـي حكم المستقيل لما يدل عليه هذا الانقطاع من رغبة ضمنية فـي ترك العمل، ومن المقرر أن لمحكمة الموضوع سلطة تقدير أدلة التزوير ولا يلزمها القانون بإجراء تحقيق متى اطمأنت إلى عدم جدية الادعاء بالتزوير ووجدت فـي وقائع الدعوى ومستنداتها ما يكفـي لاقتناعها بصحة الورقة المدعي بتزويرها، كما أن النص فـي المادة(106) من قانون المرافعات على أن « يحصل الرد بتقرير يودع قلم كتاب المحكمة التي يتبعها القاضي المطلوب رده يوقعه الطالب بنفسه أو وكيله المفوض بتوكيل خاص يرفق بالتقرير ويجب أن يشتمل تقرير الرد على أسبابه وأن ترفق به الأوراق والمستندات المؤيده له. وعلى الطالب أن يودع عند التقرير بالرد ثلاثة آلاف ريال على سبيل الكفالة وتتعدد الكفالة بتعدد القضاة المطلوب ردهم»، يدل على أن المشرع رسم طريقاً معيناً لرد القضاة وتطلب فـي شأنه إجراءات محددة فأوجب أن يحصل بتقرير فـي قلم الكتاب وأن يحمل التقرير توقيع الطالب بنفسه أو توقيع وكيل مفوض عنه بتوكيل خاص وأن يكون التقرير مشتملاً على أسباب الرد مرافقاً له ما يسانده من أوراق مصاحباً له أيضاً إيداع الكفالة، وقد استهدف المشرع من وضع هذه القيود فـي إجراءات رفع طلب رد القضاة تحقيق الصالح العام لكي يحول دون إسراف الخصوم فـي استعمال الحق فـي هذا الطلب لأسباب غير جدية أو الإساءة فـي استعماله وصولاً إلى تعويق السير فـي الدعوى المنظورة أمام المحكمة أو بغية إقصاء القاضي بغير مسوغ مشروع عن نظرها، الأمر الذي يوجب القضاء بعدم قبول الطلب إن تخلف أي من هذه الإجراءات، ومن المقرر أيضاً أن طلب إجراء التحقيق ليس حقاً للخصوم وإنما هو من الرخص التي تملك محكمة الموضوع عدم الاستجابة إليه متى وجدت فـي أوراق الدعوى ومستنداتها ما يكفـي لتكوين عقيدتها دون أن تلتزم ببيان سبب الرفض. لما كان ذلك، وكانت محكمة الموضوع بمالها من سلطة فـي بحث الدلائل والمستندات المقدمة فـي الدعوى قد خلصت إلى أن الطاعن قد نُقل من العمل بقلم كتاب محكمة التمييز للعمل بقسم الخدمات العامة بإدارة الشئون الإدارية والمالية اعتباراً من 13/1/2011 وتم إخطاره بهذا النقل ثم انقطع عن العمل بالجهة المنقول إليها مدة تجاوزت المدة المتطلبة لاعتباره مستقيلاً رغم إخطاره بهذا الانقطاع ولم يقدم أسباباً تبرر انقطاعه، ومن ثم فقد أُعدت مذكرة تم عرضها على المطعون ضده بصفته تضمنت التوصية بإنهاء خدمة الطاعن، الأمر الذي يكون معه القرار المطعون فـيه قائماً على سببه المبرر له قانوناً، ولا ينفـي انقطاعه إصراره على الحضور إلى مقر عمله المنقول منه رغم علمه بنقله إلى قسم الخدمات العامة بإدارة الشئون الإدارية والمالية، كما أن اكتفاءه بالتوقيع الالكتروني دون حضوره بالإدارة المنقول إليها يجعل هذا التوقيع غير منتج لأثره فـي مباشرته لعمله وهو ما يجعل ادعائه بتزوير الإخطار المرسل إليه بتاريخ 4/4/2011 وكذلك مذكرة العرض على المطعون ضده بصفته بواقعة انقطاعه عن العمل والتوصية بإنهاء خدمته غير منتج فـي النزاع إزاء ثبوت انتفاء تزوير المستندين المطعون فـيهما فـي ضوء ظروف الدعوى وملابساتها بحسبان أن شواهد التزوير التي ساقها الطاعن جاءت على خلاف الثابت من أوراق الدعوى ومستنداتها مما لا حاجة معه إلى تحقيق الادعاء بالتزوير، وكان هذا الذي خلص إليه الحكم المطعون فـيه يتفق وصحيح القانون وله أصله الثابت بالأوراق ويكفـي لحمل قضائه وفـيه الرد الضمني المسقط لكل حجة مخالفة، وكان الطاعن لم يتخذ الإجراءات التي رسمها القانون فـي طلب رد أعضاء الدائرة التي أصدرت الحكم المطعون فـيه رغم إمهاله أجلاً تلو الأجل لاتخاذ تلك الإجراءات، وكان لا يكفـي لتحققها مجرد إبداء طلب الرد بمذكرته المقدمة أمام محكمة الاستئناف، فإنه لا يُقبل منه تعييب الحكم بما أثاره فـي هذا الخصوص، كما لا يعيب الحكم المطعون فـيه التفاته عن طلب الطاعن إحالة الدعوى إلى التحقيق طالما وجدت فـي أوراق الدعوى ومستنداتها ما يكفـي لتكوين عقيدتها بشأن وجه الحق فـي النزاع، ومن ثم يكون النعي برمته على غير أساس.

ولما تقدم يتعين رفض الطعن”.

وراقب القضاء المقارن مدى احترام الإدارة للقواعد الشكلية والإجراءات المقررة في القوانين أو اللوائح الصادرة المتعلقة بتسريح الموظف العمومي، سواءً مخالفة كلية  أو جزئية، حيث فرضت محكمة الاستئناف الإدارية في فرنسا رقابتها في تطبيق الضمانات الإجرائية للموظّف المتربص، حيث أقرت في مبادئها على أنه: “… لا يمكن للسلطة المختصة أن تصدر قرار التسريح تجاه مربي للأعمال البدنية، إلا بتقرير صادر عن رئيس المركز الوطني للوظيفة العمومية المرفقية، بالتالي فالقرار المتخذ غير مشروع، مما يستلزم إلغاءه.([22])

كما كرست محكمة الاستئناف الإدارية بفرنسا رقابتها على مشروعية إجراءات تثبيت الموظف المتربص، حيث ذهبت إلى وجوب تقييم إمكانيات ومؤهلات الموظف المعاق قبل رفض تثبيته، لذا تم إلغاء قرار رفض التثبيت لعدم الكفاءة المهنية نتيجة عدم توافر إجراء التقييم الدقيق لمؤهلات وإمكانيات هذا الأخير.([23])

وسار القضاء المغربي في ذات الاتجاه، فقد ورد في القرار الإداري رقم 24 الصادر في 8 مايو  1970 ما يلي: “حيث إن خديجة بوزكري العلمي تطلب بسبب الشطط في استعمال السلطة،إلغاء القرار الصادر في 27 مارس 1969 عن وزير التعليم الابتدائي والقاضي بعزلها،ابتداء من 18 فبراير 1969،عن وظيفتها كمعلمة متدربة، لعلة تركها الوظيف بدون مبرر قانوني.

وحيث تعيب الطالبة على المقرر المطعون فيه خرقه للفصل 65 و ما يليه من القانون الأساسي للوظيفة العمومية، وذلك أن الإدارة لم تستشر المجلس التأديبي قبل إنزال العقوبة المتخذة في حقها، و حيث إنه من الثابت أن للمدعية صفة الموظفة المتدربة و أن مقتضيات الفصلين 66 و 67 من ظهير 24 يبراير 1958 المعد بمثابة قانون أساسي عام للوظيفة العمومية التي تطبق على الموظفين المتدربين بمقتضى المرسوم الملكي المؤرخ في 17 ماي 1968،تفرض على الإدارة استشارة المجلس التأديبي قبل اتخاذ عقوبة العزل في حق المعنين بالأمر.

و حيث إن المرسوم الملكي المؤرخ في 17 دجنبر 1968 و المتمم لظهير 24 يبراير 1958 السالف الذكر لا يبيح عدم استشارة المجلس التأديبي في حالة ترك الوظيفة إلا شرط أن ينذر الموظف بالالتحاق بعمله بالإدارة في أجل سبعة أيام من يوم التبليغ، وحيث إن الرسالة الموجهة للمدعية في 21 يبراير 1969 و التي تنذرها فيها الإدارة بالالتحاق بمقر عملها في 48 ساعة القادمة،غير مطابقة للقانون.

و حيث إن عدم مراعاة أجل الإنذار القانوني بأكمله يعتبر إغفالا لإجراء جوهري ترتب عليه إهدار للضمانات التأديبية التي كفلها القانون للموظف”.

ولم يحد القضاء في دولة قطر عما استقر عليه الاجتهاد في كل من فرنسا والمغرب، ففي الطعن رقم 364 لسنة 2017 الصادر عن محكمة التمييز القطرية – الموارد الإدارية في الجلسة 19/12/2017، والتي تتلخص وقائعها في أن المطعون ضدها أقامت على الطاعن بصفته الدعوى بعد قيدها برقم… لسنة 2014 إداري كلي بطلب الحكم بإلغاء القرار الإداري الصادر من الطاعن بفسخ عقد العمل وإعادتها إلى وظيفتها بعد تحرير عقد عمل لها، وإلزامه بأن يؤدي لها مبلغ 500،000 ريـال تعويضاً تأسيساً على أنها كانت تعمل في وظيفة “موثقة بيانات” بمركز …… التابع للطاعن اعتباراً من 9/10/2013 تحت الاختبار لمدة ثلاثة أشهر وبتاريخ 7/1/2014 صدر القرار بإنهاء خدمتها بعد مرور 91 يوماً من بدء العمل، وبعد انتهاء فترة الاختبار المنصوص عليها في المادة (15) من قانون إدارة الموارد البشرية رقم 8 لسنة 2009 مما يبطل معه القرار الصادر بإنهاء خدمتها، وقد أصابتها من جراء ذلك أضرار مادية ومعنوية تستحق عنه تعويضاً بالمبلغ المطالب به فقد أقامت الدعوى بطلباتها سالفة البيان، حكمت المحكمة برفض الدعوى، استأنفت المطعون ضدها هذا الحكم بالاستئناف رقم…. لسنة 2015، وبتاريخ 29/5/2017 قضت المحكمة بتعديل الحكم المستأنف بإلغاء القرار المطعون فيه مع ما يترتب على ذلك من آثار، ورفضت ما عدا ذلك من طلبات، طعن الطاعن في هذا الحكم بطريق التمييز وعرض الطعن على هذه المحكمة- في غرفة المشورة – فحددت جلسة لنظره.

وحيث إن الطعن أقيم على سببين ينعى الطاعن بالسبب الأول منهما على الحكم المطعون فيه مخالفة القانون والخطأ في تطبيقه وفي بيان ذلك يقول إن قرار الجهة الإدارية بإنهاء خدمة المطعون ضدها المعينة تحت الاختبار عقب انتهاء مدة اختبارها لا يعتبر قراراً إدارياً يخضع لدعوى الإلغاء التي تختص بنظره المحكمة الإدارية حسبما نص عليه في المادة (3) من القانون رقم 7 لسنة 2007 بشأن المنازعات الإدارية، باعتبار أن الموظف تحت الاختبار ليس موظفاً بالمعنى القانوني المنصوص عليه في هذه المادة إذ إنه لا يتمتع في فترة الاختبار بالميزات الوظيفية المقررة للموظف المثبت. وإذ خالف الحكم المطعون فيه ذلك وقضى في الدعوى على اعتبار أنها دعوى إلغاء بالطعن على قرار إداري فإنه يكون معيباً بما يستوجب تمييزه .

وحيث إن هذا النعي غير سديد،ذلك بأن النص في المادة الثالثة من القانون رقم 7 لسنة 2007 بشأن المنازعات الإدارية على أن “مع مراعاة حكم المادة 3 من قانون السلطة القضائية المشار إليها” تختص الدائرة الإدارية دون غيرها بنظر المنازعات الإدارية التالية 1)….. 2) الطلبات التي يقدمها ذوو الشأن بإلغاء القرارات الإدارية النهائية الصادرة بترقية الموظفين من الدرجة الأولى فما دونها وما يعادلها أو إنهاء خدمتهم والقرارات التأديبية الصادرة بشأنهم ” وقد عرفت المادة الأولى من قانون المواد البشرية رقم 8 لسنة 2009 الموظف على أن “كل من يشغل إحدى الوظائف طبقاً لأحكام هذا القانون” والنص في المادة الثانية منه على أن” يسري أحكام القانون المرفق على الموظفين المدنيين بالوزارات والأجهزة الحكومية الأخرى والهيئات والمؤسسات العامة….” والنص في المادة 15 على أنه “يقضى الموظف المعين لأول مرة فترة اختبار مدتها ثلاثة أشهر قابلة للتجديد لمدة مماثلة تبدأ من تاريخ مباشرة العمل يتم خلالها تقدير مدى صلاحيته بموجب تقرير يعده مدير الإدارة المعنية ويعتمد من الرئيس التنفيذي فإذا ثبت عدم صلاحيته انتهت خدمته، ويجوز للموظف طلب إنهاء خدمته خلال فترة الاختبار، بإخطار كتابي للجهة الحكومية مدته خمسة عشر يوماً على الأقل سابقة على تاريخ ترك العمل، ويعتبر الموظف مثبتاً في الوظيفة إذا انقضت فترة الاختبار بنجاح وتحسب تلك الفترة ضمن مدة خدمته….” ومفاد ذلك أن القانون قد حدد اختصاص الدائرة الإدارية بطلبات إلغاء القرارات الإدارية النهائية الصادرة بترقية الموظفين من الدرجة الأولى فما دونها أو ما يعادلها أو إنهاء خدمتهم واعتبر المعينين لأول مرة تحت الاختبار هم موظفون مؤقتون بالمعنى المفهوم قانوناً وفقاً لسياق نصوص مواد القانونين سالفي الذكر لإطلاق لفظ كلمة “الموظف” عليهم خلال فترة الاختبار، إلا أن هذه الفترة سوف تحسب ضمن مدة خدمتهم الوظيفية في حال تثبيتهم في الوظيفة بعد صلاحيتهم لها فيتمتعون بكافة المزايا الوظيفية للموظف عن هذه الفترة بعد ضمها لمدة خدمتهم، كما أوجب على الجهة الإدارية عند تعيينهم في شغل الوظيفة لأول مرة بوضعهم تحت الاختبار لمدة ثلاثة أشهر- قابلة للتجديد- تبدأ من تاريخ تسلم العمل وتقرر صلاحيتهم خلال مدة الاختبار وإذا ثبت عدم صلاحيتهم انتهت خدمتهم بموجب سلطتها التقديرية مشروطة استنادها في ذلك إلى أصول ثابتة تقود إلى نتيجة قرارها، وأن قرارها في هذا الشأن بإنهاء خدمة المعينين تحت الاختبار هو قرار إداري صدر من جهة إدارية لعدم صلاحية الموظف لشغل الوظيفة، ويترتب على هذا التكييف خضوع هذا القرار لدعوى الإلغاء التي تختص بنظرها دون غيرها الدائرة الإدارية وفقاً لقانون المنازعات الإدارية سالف الذكر، وإذ التزم الحكم الابتدائي المؤيد بالحكم المطعون فيه هذا النظر فإنه يكون قد أصاب صحيح القانون ويضحى النعي عليه بهذا السبب على غير أساس”.

وعليه ووفقاً لما تقدم من اجتهادات قضائية في كل من فرنسا والمغرب وقطر،  يتبين جلياً أن إتباع الشكل و الإجراءات من مقتضيات المشروعية لتجسيد المساءلة العادلة، باعتبار أن إغفالها يؤدي إلى إلغاء قرار التسريح الصادر من الإدارة في مواجهة الموظّف العام.

من جهة أخرى تتمتع الجهة الإدارية بقدر من الحرية في نطاق تكييف قرارات التسريح تحقيقاً للمصلحة العامة، بالتالي يستدعي أن يؤسس و يستند قرار التسريح على أسباب صحيحة وكافية تبرر اتخاذه، كما يتطلب أن يتضمن في طياته الحالة القانونية   أو الواقعية، والمادية بما يتناسب والفعل المرتكب من طرف الموظف حتى يسوغ للإدارة المستخدمة توقيعه.

تبعاً لذلك تمتد رقابة القاضي الإداري في القضاء المقارن على الوجود المادي للوقائع في قرار التسريح للتأكد من وجود الوقائع المادية التي استندت إليها الإدارة في إدانة الموظف العمومي، باعتبارها أول درجة من درجات الرقابة القضائية.

وفي هذا الاتجاه ذهبت محكمة التمييز القطرية رقم 188 لسنة 2012 في الجلسة 5/2/2013:  تخلص فـي أن الطاعن أقام قبل المطعون ضده بصفته الدعوى رقم 91/2010 أمام الدائرة الابتدائية بطلب إلغاء القرار الصادر بإنهاء خدمته للانقطاع اعتباراً من 20 /10/2009 مع إلزامه بأن يؤدي له مبلغاً مقداره ثلاثة ملايين ريال قطري على سبيل التعويض الجابر للضرر المادي والأدبي مع إلزام الجهة الإدارية بأن تؤدي له كافة رواتبه ومستحقاته عن فترة إيقافه مع ترقيته إلى الدرجة التي يستحقها اعتباراً من شهر يناير 2009، وقال شرحاً لدعواه إنه التحق بالعمل لدى الجهة الإدارية التي يمثلها المطعون ضده منذ 19 عاماً سابقة وتدرج بالوظائف حتى وصل للدرجة الخامسة وفوجىء بصدور قرار بنقله إلى إدارة أخرى وأنه قد تضرر من ذلك القرار ولم يقم بتنفـيذه نظراً لظروف خاصة فتم التحقيق معه بصدد عدم تنفـيذ قرار النقل واستمر يداوم فـي عمله حتى فوجىء بوقف راتبه اعتباراً من النصف الثاني من شهر ديسمبر 2009 وتضرر من ذلك للسيد الوزير المختص إلى أن صدر قرار بإنهاء خدمته رغم عدم إخطاره كتابة بذلك فـي المواعيد المقرر طبقاً لنص المادة (163) من قانون الموارد البشرية ولم يتم عرضه على هيئة تأديبيـة عملاً بنص المادة ( 138) من القانون سالف الذكر. حكمت المحكمة بجلسة 24/11/2011 بإلغاء القرار المطعون فـيه فـيما تضمنه من إنهاء خدمة المدعي للانقطاع اعتباراً من20/10/2009 مع ما يترتب على ذلك من آثار وفروق مالية ورفضت طلب التعويض، وبالنسبة لدعوى الترقية بعدم القبول . استأنف الطاعن برقم 69/2011 واستأنف المطعون ضده بصفته برقم 1/2012 وقررت المحكمة ضم الاستئنافـين وبجلسة 29/5/2012 حكمت المحكمة برفض الاستئناف رقم 69/2011 وفـي الاستئناف رقم 1/2012 بإلغاء الحكم المستأنف فـيما قضى به من إلغاء قرار إنهاء الخدمة وما يترتب على ذلك من آثار وفروق مالية . طعن الطاعن فـي هذا الحكم بطريق التمييز بالطعن رقم 188/2012 . وإذ عرض الطعن على هذه المحكمة – فـي غرفة المشورة – حددت جلسة لنظره.

وحيث إن هذا النعي مردود، ذلك أن المقرر- فـي قضاء هذه المحكمة- أن لمحكمة الموضوع السلطة التامة فـي تحصيل وفهم الواقع فـي الدعوى وتقدير القرائن والمستندات المقدمة فـيها وترجيح ما تطمئن إليه منها واستخلاص ما تراه متفقاً مع الواقع شريطة أن يكون استخلاصها سائغاً وله أصل ثابت بالأوراق وأن حسبها بيان الحقيقة التي اقتنعت بها وإقامة قضائها على أسباب سائغة تكفـي لحمله دون أن تكون ملزمة بالرد على كل قول أو حجة أو مستند يقدمه الخصوم أو إحالة الدعوى للتحقيق لأنه من الرخص التي تملك محكمة الموضوع عدم الاستجابة إليه متى وجدت بالأوراق ما يكفـي لحمله. كما أنه من المقرر وفقاً لنص المادة (163) من قانون الموارد البشرية رقم 8/2009 يعتبر الموظف مقدماً استقالته فـي الحالات الآتية:-

1-إذا انقطع عن عمله بغير إذن خمسة عشر يوماً متتالية ولو كان الانقطاع عقب إجازة مرخص له بها ما لم يقدم خلال الخمسة عشر يوماً التالية ما يثبت أن انقطاعه كان بعذر مقبول وفـي هذه الحالة يجوز اعتبار مدة الانقطاع من نوع الإجازة المرخص له بها إذا كان رصيده منها يسمح بذلك وإلا تعين حرمانه من راتبه عن هذه المدة. فإذا لم يقدم الموظف أسباباً تبرر الانقطاع أو قدم هذه الأسباب ورفضت اعتبرت خدمته منتهية من تاريخ انقطاعه عن العمل، والمستفاد من حكم هذا النص أن مجال إعماله باعتبار خدمة الموظف منتهية للانقطاع عن العمل إنما تكون فـي حالتين الأولى : هي التي لم يقدم فـيها الموظف أسباباً تبرر انقطاعه عن العمل، والثانية : إذا قدم فـيها الموظف هذه الأسباب ورفضته جهة الإدارة كعذر يبرر الانقطاع. لما كان ذلك، وكانت القرينة القانونية الواردة بالمادة المذكورة وإن كانت مقررة لصالح جهة الإدارة التي لها أن تقدر الأسباب المبررة لانقطاع الموظف أو ترفضها إلا أن سلطتها التقديرية فـي ذلك تجد حدها فـي ألا يشوبها إساءة فـي الممارسة أو انحراف بالغاية منها الأمر الذي من شأنه إخضاع تلك السلطة لرقابة المشروعية.

وحيث إنه بإعمال مقتضى نص هذه المادة والمبادئ المتقدمة على واقعة المنازعة وكان الثابت من الأوراق أن الطاعن قد صدر قرار نقله من الإدارة عمله إلى فرع وزارة العمل بمنطقة ( ) وأرسلت إدارة الموارد البشرية بالوزارة كتابها المؤرخ 6/10/2009 تخطره بالنقل وبذات التاريخ أرسلت كتاباً آخر إلى الإدارة المنقول إليها الطاعن بذات السياق وأنه بتاريخ 20/10/2009 ورد كتاب الإدارة الأخيرة يفـيد أنه بالاتصال به أبدى عدم رغبته العمل، وبتاريخ 26/10/2009 قرر السيد الوزير بإحالته للشئون القانونية للتحقيق حيث باشرت معه التحقيق وأرجع عدم تنفـيذ النقل إلى ظروف خاصة به، وبتاريخ 10/11/2009 أعدت الشئون القانونية مذكرة بما أسفر عنه التحقيق وانتهت إلى مجازاته بالإنذار مع توجيهه بضرورة تنفـيذ النقل، وبتاريخ 27/1/2010 أرسل كتاب جهة العمل للطاعن بإخطاره بانقطاعه عن العمل اعتباراً من 20/10/2009 وأنه فـي حالة عدم إبدائه أسباباً مقبولة فإنه سيتم اعتبار ذلك استقالة ضمنية، وبتاريخ 11/3/2010 تم إعداد مذكرة تتضمن واقعة الانقطاع عن العمل وتأشر عليها من السيد الوزير بالموافقة على إنهاء خدمته اعتباراً من20/10/2009.

لما كان ذلك، وكان البين مما تقدم أن الطاعن قد أدار مع الجهة الإدارية معركة للهروب من عمله مع الاحتفاظ بوظيفته مبيتاً النية على التخلص من أعبائها                    أو الاضطلاع بمسئوليتها مع الإبقاء على ثمارها المادية والأدبية مستغلاً الضمانات التي يقررها القانون للعامل استغلالاً سيئاً لا يقبله المنطق أو العقل فانقطع عن عمله ولم ينفذ قرار نقله متعللاً بظروف خاصة وصعوبة ذهابه إلى منطقة ( ) يومياً، الأمر الذي يكون معه طعن الطاعن لا أساس له من الواقع ولا يعدو أن يكون حلقة فـي سلسلة بدأها منذ صدور قرار نقله إلى منطقة ( ) للتحايل لعدم تنفـيذ هذا القرار واستمر هذا الوضع وهو الأمر الذي يقطع بأنه منذ نقله قد عقد عزمه واستقرت نيته فـي واقع الأمر على هجر الوظيفة وتوالى انقطاعه تحت ستار ظروف خاصة وصعوبة التوجه لمقر عمله الجديد يومياً وهو ادعاء لا يسوغ التعويل عليه بأي حال من الأحوال بحسبانه ستاراً يخفى مع عزوفه عنصر الاضطلاع بأعباء الوظيفة ويكون للجهة الإدارية إذا لم تقبل هذا العذر والتفتت عنه واعتبرت الطاعن مقدماً استقالته وأصدرت قرارها بإنهاء خدمته على هذا الأساس قد أعملت صحيح القانون وما يخولها نص المادة (163) من سلطات فـي هذا الخصوص، ولا ينال من ذلك نعى الطاعن على القرار الصادر بنقله بأنه صدر ممن لا يملكه وعدم اتباع جهة عمله إجراءات النقل القانونية فإنه أيضاً كذلك هو لم يسلك السبل القانونية للطعن على هذا القرار إلى أن قامت الجهة الإدارية بإخطاره باعتباره مستقيلاً كأثر من آثار الانقطاع عن العمل وكان ذلك بأسباب سائغة لها أصلها الثابت بالأوراق وتكفـي لحمل قضائه، ولا يعيبه – من بعد – التفاته عن طلب إحالة الدعوى للتحقيق بعد أن وجدت المحكمة بالأوراق ما يكفـي لتكوين عقديتها، ومن ثم يضحى الطعن برمته على غير أساس متعيناً رفضه”.

كما راقب القضاء الإداري مدى صحة الوصف القانوني الذي يقوم عليه قرار التسريح الصادر من الإدارة في مواجهة الموظّف العمومي وذلك من خلال مراعاة التكييف القانوني للخطأ التأديبي وظروف ارتكاب الأفعال وليس لإثبات وجودها المادي، من ثم فهي رقابة تتعدى فحص الأفعال المادية([24])، لذا يتعين على القاضي أن يراعي صحة الوصف القانون للفعل المرتكب، وما إذا كان الفعل يتسم بجسامة يبرر قرار التسريح الصادر من الإدارة.([25])

تطبيقاً لذلك اتجهت المحكمة الإدارية بفرنسا على أن التبرير الطبي المغشوش لعدم الالتحاق بالمنصب لا يمكن الاعتداد به، وهو ما يبرر مشروعية العزل في مواجهة المدعي للتخلي عن المنصب، كما ذهب مجلس الدولة الفرنسي إلى إلغاء قرار المجلس الوطني للجامعة الذي أقر رفض تسجيل المترشح في قائمة التأهيل للأساتذة المحاضرين بناء على أن الملف العلمي غير كافي مع تقدم المترشح في السن، حيث ذهب مجلس الدولة إلى أنه لا توجد أي أحكام أو تنظيم للاعتماد على معيار السن في دراسة ملف المترشح للتأهيل، مما يعيب سبب الإدارة في اتخاذ القرار.

وفي هذا الاتجاه قضى المجلس الأعلى في المحكمة المغربية وفقاً للقرار رقم 23 الصادر في 8 مايو  1970 والذي ورد فيه: “و فيما يخص مشروعية المقرر المطعون فيه: حيث يطلب بوراي سعيد ميمون- بسبب الشطط في استعمال السلطة – إلغاء مقرر رفض بمقتضاه وزير الداخلية مراجعة وضعيته الإدارية ككاتب مترجم خلال الفترة المتراوحة ما بين تاريخ عزله ( 4 يناير 1958 ) و تاريخ إرجاعه إلى وظيفته ( فاتح يناير 1965 ) و ذلك أنه بعدما حكمت عليه محكمة العدل في 31 يناير 1959 بخمس سنوات حبسا لمشاركته في قضية عدي أوبيهي، عزل عن وظيفه بوزارة الداخلية بقرار مؤرخ في 2 ماي 1961 ابتداء من 8 يناير 1958 أي من تاريخ إيقافه عن العمل بدون أجرة و بعد ذلك صدر ظهير شريف في 20 يونيو 1963 يقضي بالعفو الشامل فيما يخص الأفعال موضوع حكم 31 يناير 1959 السالف الذكر،فأرجع إلى وظيفه ككاتب مترجم ابتداء من فاتح يناير 1965 ليس إلا،فطلب من وزير الداخلية مراجعة وضعيته الإدارية و ترقيته باعتبار أن ظهير العفو ينص على إلغاء الحكم المذكور أعلاه و على إلغاء آثاره،فرفض وزير الداخلية طلبه برسالة مؤرخة في 23 ماي 1968 لعلة أن ليس لظهير العفو الشامل مفعول رجعي.

لكن حيث إن ظهير 20 يونيو 1963 نص على إلغاء الحكم الجنائي السالف الذكر و حدد – أعمالا للفصل 51 من القانون الجنائي – ما يترتب عن هذا العفو الشامل من مفعول،بإلغائه آثار الحكم كلية،مع استثناء واحد و هو عدم المساس بحقوق الغير.

و حيث إنه يستخلص من عناصر الملف أن الإدارة لم تتخذ مقررها بعزل بواري سعيد،تأسيسا على الأفعال المنسوبة إليه و التي أدت إلى محاكمته،حتى يكون الجزاء التأديبي مستقلا عن المعاقبة الجنائية،بل استنادا إلى الحكم الجنائي نفسه الذي نتجت عنه إدانة الطالب،بحيث ارتبطت به عقوبة العزل و ترتبت عنه كعقوبة إدارية تبعية،مما يجعل مفعول العزل يجري مع الحكم الجنائي وجودا  وعدما، فإذا انمحى الحكم و آثاره – كما في النازلة – أصبح العزل كأنه لم يكن.

و حيث إن تنفيذ ظهير العفو هذا يقتضي تصحيح الوضع الإداري بالنسبة للمدعي بإعادته إلى وظيفته ابتداء من تاريخ عزله كما لو كان قرار العزل لم يصدر قط،و إجراء ترقيته وفقا للأقدمية التي يحددها القانون و لسائر الإجراءات و الشروط المتطلبة في الترقية بالاختيار،دون المساس بحقوق الغير.

لهذه الأسباب قضى المجلس الأعلى بإلغاء المقرر المطعون فيه”.

استناداً إلى ذلك فرض القضاء الإداري الفرنسي رقابته على ضمانة التسبيب، حيث ذهبت محكمة الاستئناف الإدارية الفرنسية إلى: “عدم مشروعية العقوبة المسلطة على المدير العام للخدمة في البلدية، وهذا نظراً لأن التوقيف المؤقت الصادر في حقه لم يكن مسبباً تسبيبا كافياً، فضلاً عن ذلك فرضت محكمة الاستئناف الإدارية الفرنسية بمرساي رقابتها على تسبيب إجراء التخلي عن المنصب، حيث ذهبت إلى:” عدم مشروعية شطب أو تنحية الإطارات للتخلي عن المنصب بعد التصريح الطبي الذي يثبت عدم القدرة نهائياً على مزاولة المهام الموظف”.

كما واكب القضاء في دولة قطر رقابة الملائمة في قرارات فصل وتسريح الموظف، حيث ذهب في الطعن رقم 11 لسنة 2014 الصادر عن محكمة التمييز القطرية – الموارد الإدارية والتي تتلخص وقائعها بأن الطاعن أقام الدعوى رقم …. /2012 إداري كلي بطلب إلغاء قرار إنهاء خدمته وما يترتب على ذلك من آثار، وإلزام المطعون ضده بصفته بأن يؤدي له ثلاثة ملايين ريال تعويضاً عما أصابه من أضرار، واحتياطيا إلزام المطعون ضده بتقديم مستندات وإجراءات إعادة تعيينه، ومستندات الموافقة على سلف لكل من…، …بعد إعادة تعيينهما، وسماع شهادة المطعون ضده لإثبات الخلاف بينه وبين أمين عام مجلس الوزراء، وقال بياناً لدعواه إنه في شهر أغسطس سنه 2011 أعيد تعيينه بوظيفة سكرتير تنفيذي بإدارة الشؤون المالية والإدارية بالأمانة العامة لمجلس الوزراء، وبتاريخ 12/12/2011 تقرر إنهاء خدمته إثر مشادة بينه وبين أمين عام مجلس الوزراء فتظلم من القرار بتاريخ 21/12/2011 ولما لم يتلق رداً فأقام الدعوى. وبتاريخ 23/5/2013 قضت المحكمة بقبول الدعوى شكلاً وفي الموضوع بإلغاء القرار المطعون عليه بإنهاء خدمة الطاعن مع ما يترتب على ذلك من آثار وإلزام جهه الإدارة المدعي عليها بأن تؤدي له مائة ألف ريال. استأنف المطعون ضده برقم …. لسنة 2013، وبتاريخ 4/2/2014 حكمت المحكمة بإلغاء الحكم المستأنف وفي موضوع الدعوى برفضها. طعن الطاعن على هذا الحكم بطريق التمييز.

وحيث إن الطاعن ينعى على الحكم المطعون فيه بباقي الأسباب بالخطأ في تطبيق القانون والفساد في الاستدلال والقصور، وحاصل ذلك أن الحكم قد خالف صحيح القانون رقم(8) لسنة2009 بشأن الموارد البشرية الذي أوجب وضع الموظف تحت الاختبار عند تعيينه لأول مرة ولم يوجب ذلك في حالة إعادة التعيين مادام قد ثبتت صلاحيته في الفترة الأولى، وإذ كان الطاعن قد عمل لدى وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية وثبتت صلاحيته ثم جرى إعادة تعيينه بالمجلس الأعلى للقضاء ثم جرى إعادة تعيينه بالجهة المطعون ضدها فإنه لا يسوغ وضعه تحت الاختبار مرة أخرى ويكون الحكم إذ خالف ذلك وعول على ما ذهبت إليه تلك الجهة من أن الطاعن كان تحت الاختبار ويحق لها إنهاء خدمته لعدم الصلاحية فإنه يكون قد أخطأ في تطبيق القانون بما يستوجب تمييزه.

وحيث إن هذا النعى مردود، بأن النص في الفقرة الأولى من المادة (15) من القانون رقم (8) لسنة 2009 بإصدار قانون إدارة الموارد البشرية على أن «يقضي الموظف المعين لأول مرة فترة اختبار مدتها ثلاثة أشهر قابلة للتجديد لمدة مماثلة، تبدأ من تاريخ مباشرة العمل، يتم خلالها تقدير مدى صلاحيته بموجب تقرير يعده مدير الإدارة المعنية ويعتمد من الرئيس التنفيذي، فإذا ثبت عدم صلاحيته أنهيت خدمته»، مفاده أن القانون أوجب أن يوضع المعينون لأول مرة تحت الاختبار لمدة ثلاثة أشهر – قابلة للتجديد – تبدأ من تاريخ تسلمهم العمل، وتتقرر صلاحيتهم خلال مدة الاختبار فإذا ثبت عدم صلاحيتهم أنهيت خدمتهم، والسلطة المختصة هي التي تستقل بتقدير صلاحية        أو عدم صلاحية الموظف للوظيفة على أن تستند في ذلك إلى أصول ثابتة تقود الى نتيجة قرارها، والأصل أن وضع الموظف تحت الاختبار لا يكون إلا في حالة التعيين لأول مرة، فإذا كان للموظف مدة خدمة سابقة تزيد على الفترة المقررة للاختبار ثم أعيد تعيينه فلا يستتبع ذلك وضعه تحت الاختبار مرة ثانية شريطة أن تكون الوظيفة السابقة واللاحقة على نفس المستوى والمسئوليات، أما إن اختلفت الوظيفتان في الطبيعة، أو كانت تنتمي لنظام قانوني مغاير فإنه يتعين أن يقضي الموظف فترة اختبار جديدة في الوظيفة الجديدة. وإذ كان ما تقدم، وكان قرار إنهاء الخدمة لعدم الصلاحية أثناء فترة الاختبار ليس قراراً تأديبياً يقوم على أساس مجازاة الموظف عن خطأ معين، وإنما هو كقرار إداري لعدم صلاحية الموظف لتولي الوظيفه، ويترتب على هذا التكييف أنه لا يلزم إجراء تحقيق مع الموظف قبل اتخاذ ذلك القرار، وكان الثابت بالأوراق أن الطاعن كان يشغل وظيفة باحث شرعي وليس وظيفة سكرتير تنفيذي أو باحث إداري وهما وظيفتان تختلف طبيعة كل منهما عن الأخرى مما يجيز وضعه تحت الاختبار لمدة جديدة عن شغله لوظيفة سكرتير تنفيذي لدى الجهة المطعون ضدها، وكان المقرر أن فهم الواقع في الدعوى وتقدير الأدلة فيها واستخلاص مشروعية سبب القرار الإداري هو مما تستقل محكمة الموضوع بتقديره واستخلاصه متى كان ذلك لأسباب سائغة تؤدي إليه وله معينه من الأوراق وكان ما انتهى اليه الحكم من صحة قرار إنهاء خدمة الطاعن قام على أسباب سائغة تؤدي إليه ولها أصلها بأوراق الدعوى يكون قد قام على سند صحيح، ويضحى النعي على الحكم بهذه الأسباب على غير أساس. ولما تقدم يتعين رفض الطعن”.

وأكد القضاء في دولة قطر على ذلك في العديد من أحكامه، وهذا ما ورد في الطعن رقم 364/2017 الصادر من محكمة التمييز – الموارد الإدارية: ” وحيث إن الطاعن ينعى بالسبب الثاني على الحكم المطعون فيه مخالفة القانون والخطأ في تطبيقه والفساد في الاستدلال ومخالفة الثابت بالأوراق، وفي بيان ذلك يقول إن قانون الموارد البشرية منح الجهة الإدارية سلطة مطلقة في التعيين بالمؤسسة الحكومية بعد تقييم الموظف أو إنهاء خدمته بالشكل التي تراه أثناء فترة الاختبار بعد تحديد مدى صلاحيته للقيام بأعباء الوظيفة وما إذا كان جديراً بالاستمرار في ممارسة عمله بعد فترة الاختبار   أو إنهاء خدمته. فإذا ما أصدرت قرارها بإنهاء خدمته بعد أن رأت بأنه غير جدير بالاستمرار في شغل الوظيفة فإنها لا تكون قد أساءت استخدام سلطتها في ذلك،وإذ خالف الحكم المطعون فيه ذلك وقضى بإلغاء القرار الإداري بإنهاء خدمة المطعون ضدها تأسيساً على أن الموقع تقرير التقييم غير مختص بتوقيعه وهي شكليات قانونية ثانوية لا تؤثر في سلامة صحة القرار بإنهاء خدمة المطعون ضدها تحت الاختبار، وخلو الأوراق من الدليل على صدور هذا القرار من غير مختص في إصداره فإنه يكون معيباً بما يستوجب تمييزه.

وحيث إن هذا النعي في محله، ذلك بأنه لما كان الأصل في القرارات الإدارية صحتها وأنها بذاتها دليل على هذه الصحة وعلى توافر الأركان القانونية الموجبة للصحة وأن الغاية فيها المصلحة العامة، ما لم يقدم المتضرر من القرار الإداري عكس هذه القرينة، ومن ثم يكون عبء الإثبات عليه، وكان النص في المادة 15 من القانون رقم 8 لسنة 2009 بشأن الموارد البشرية على أن “يقضي الموظف المعين لأول مرة فترة اختبار مدتها ثلاثة أشهر قابلة للتجديد لمدة مماثلة، تبدأ من تاريخ مباشرة العمل، يتم خلالها تقدير مدى صلاحيته بموجب تقرير يعده مدير الإدارة المعنية، ويعتمد من الرئيس التنفيذي، فإذا ثبت عدم صلاحيته انتهت خدمته” مفاده أن المشرع حرصاً منه على ضمان التأكد من حسن اختبار الموظف للاضطلاع بمهام وأعباء الوظيفة العامة، ورغبة منه في التثبت من مدة صلاحية الموظف لشغل هذا الوظيفة فقد قرر وضعه تحت الاختبار عند تعيينه لأول مرة لمدة ثلاثة أشهر- قابلة للتجديد لمدة أخرى مماثلة- تبدأ من تاريخ مباشرته للعمل ويظل مصيره الوظيفي معلقاً أثناء تلك الفترة إذ لا يستقر وضعه القانوني في الوظيفة إلا بعد قضاء فترة الاختبار وهي فترة زمنية فعلية أراد المشرع منها أن يظل الموظف خلالها تحت رقابة الجهة الإدارية وإشرافها المباشر لإمكان الحكم على مدى صلاحيته للقيام بالعمل الوظيفي المسند إليه وهو شرط مقرر للمصلحة العامة بما يستتبعه من مسئوليات وما يتطلبه من استعداد وتأهل خاص لاتصاله بالوظيفة المعين فيها وعلى كيفية النهوض بمسئولياتها، وأن بقاء الموظف في الوظيفة بعد تعيينه فيها يكون مشروطاً بقضائه فترة الاختبار بنجاح وثبوت صلاحيته لأعمال هذه الوظيفة، ويكفي لصحة القرار بإنهاء خدمته أن يثبت عدم صلاحيته للعمل خلال فترة الاختبار إذ بذلك يتخلف شرط من الشروط المعلق عليها مصير تعيينه خلال الفترة المذكورة وهو صلاحيته، وأن المرد في النهاية في تقدير صلاحية الموظف تحت الاختبار هو إلى السلطة التي تملك التعيين فلها وحدها حق تقدير صلاحيته أو عدم صلاحيته للوظيفة وذلك بالاستناد إلى تقرير الصلاحية أو من أي عناصر أخرى تستمد منها قرارها وهي تستقل بهذا التقدير بلا معقب عليها ما دام قرارها قد تغيا وجه المصلحة العامة وخلا من شائبة إساءة استعمال السلطة، وما دامت قد بنت تقديرها على أصول ثابتة في الأوراق تؤدي إلى النتيجة التي انتهت إليها بالقرار المطعون فيه، لما كان ذلك، وكان البين من الأوراق أن المؤسسة الطاعنة قد عينت المطعون ضدها في وظيفة موثق بيانات لديها تحت الاختبار لمدة ثلاثة أشهر على أن تبدأ العمل من تاريخ 9/10/2013، وبانتهاء هذه المدة أصدرت قرارها في 7/1/2014 بإنهاء خدماتها بعد أن ارتأت عدم استمرار المطعون ضدها في عملها لكونها لم تجتز فترة الاختبار المطلوبة التي اشترطتها الجهة الإدارية وفق المعايير التي تنتهجها، استناداً إلى تقرير الصلاحية المُعد والموقع من القائم بمهام مدير الإدارة، والمعتمد من الرئيس التنفيذي للمؤسسة الطاعنة، وعجز المطعون ضدها عن إثبات سوء استعمال السلطة من جانب الطاعنة أو مخالفة قرارها لما نصت عليه القوانين واللوائح، ومن ثم فإن قرار الجهة الإدارية المطعون عليه بإنهاء خدمة المطعون ضدها بعد فترة الاختبار يكون جاء صحيحاً مستوفياً لكافة أركانه وشروط صحته مما يتعين تأييده، وإذ خالف الحكم المطعون فيه هذا النظر فإنه فضلاً عن مخالفته للقانون يكون معيباً بمخالفة الثابت بالأوراق بما يوجب تمييزه”.

تأسيساً لما سبق ذكره يتبين بأنه غالباً ما تتجه الإدارة إلى استعمال سلطتها التقديرية في تبرير قرار التسريح، لذا يتطلب الامر مراعاة  تطبيق الوصف المادي والقانوني للوقائع، وتحقق التناسب بين قرار التسريح والخطأ المرتكب من طرف الموظف العمومي، حتى يتجسد مبدأ سيادة القانون، فإن حادت عن ذلك تعرض قرارها للإلغاء لعيب السبب.

يستشف مما تقدم من أحكام أن القضاء المقارن في كل من قطر والمغرب وفرنسا، أنها قد كرست رقابتها على حالة التسريح لعدم الكفاءة المهنية، لذا فإن مهمة السلطة الإدارية لن تكون سهلة حينما يتعلق الأمر بوصف وقائع عدم الكفاءة المهنية وسيعود لها أمر إثبات أن الموظف قد أظهر عدم كفاءته وعدم القدرة على الخدمة ويدخل في هذا المجال العمل الرديء في مختلف المهام الموكلة بما يشكل سبباً لاضطراب المرفق العام.

من جهة أخرى كرس القضاء المقارن في كل من قطر والمغرب وفرنسا رقابته على المخالفة المباشرة لمحل قرار التسريح، حيث اتجه مجلس الدولة الفرنسي إلى “إلغاء قرار توظيف الأساتذة الباحثون لعيب في محل القرار، حيث كان يقتضي على لجنة الانتقاء أن تُحدد لكُل مترشح تقريرين مختلفين، باعتبار أن النصوص المطبقة تستوجب تقريرين مختلفين، لذا فإن تصنيف قرار التّوظيف الصادر من مجلس إدارة الجامعة بعد انتقاء لجنة الانتقاء ومرسوم التّعيين الصادر عن رئيس الجمهورية ملغى لعدم مشروعيته”([26]).

كما كرست المحكمة الإدارية بفرنسا رقابتها على المخالفة غير المباشرة لمحل قرار التسريح الإداري، حيث فرضت الرقابة عن تحقيق ضمانات إلغاء الوظيفة، وإعادة تصنيف الموظف في وظيفة جديدة، لذا تم إلغاء قرار التعيين نتيجة عدم استيفاء الحجم الساعي الكامل للموظف بسبب خرق أحكام المادة 97 من القانون الصادر بتاريخ 26 جانفي 1984 ،من ثم يستلزم دمج الموظف في وظيفة تستوفي الحجم الساعي الكامل لهذا الأخير.

وذهب القضاء في دولة قطر إلى ذات الاتجاه حيث قضت محكمة التمييز في الطعن رقم 171/2017 جلسة 16/5/2017 – الموارد الإدارية في دعوى تتلخص وقائعها في إن الوقائع تتحصل في أن المطعون ضده أقام على الطاعنين بصفتيهما الدعوى رقم …. لسنة 2015 إداري كلي بطلب الحكم بإلغاء القرار المطعون فيه فيما تضمنه من إنهاء خدمته مع ما يترتب على ذلك من آثار أخصها اعتبار خدمته متصلة، وبأحقيته في صرف راتبه شاملاً الحوافز والبدلات حتى عودته للعمل، وبإلزامهما متضامنين بأن يؤديا له مبلغ خمسة ملايين ريال تعويضاً عن الأضرار الأدبية، وقال بياناً لذلك إنه يعمل لدى الطاعن الثاني بصفته بوظيفة مشرف أول خدمات لوجستية وبتاريخ 25/2/2015 صدر القرار المطعون فيه بإنهاء خدمته بزعم انقطاعه عن العمل فتظلم من هذا القرار لاستناده إلى ثلاث فترات انقطاع رغم تقدمه بشهادات مرضية تم تحويلها إلى اللجنة الطبية المختصة كما أن القرار مشوب بعيب إساءة استعمال السلطة لسبق إقامته دعوى بطلب إلغاء قرار نقله، إلا أنه أُخطر بتاريخ 13/4/2015 برفض تظلمه ومن ثم فقد أقام الدعوى . دفع الطاعنان بصفتيهما بعدم قبول الدعوى لرفعها على غير ذي صفة بالنسبة للطاعن الأول بصفته وبعدم قبولها لعدم سبق التظلم من القرار المطعون فيه قانوناً، قضت محكمة أول درجة برفض الدفعين، وبإلغاء قرار إنهاء خدمة المطعون ضده، مع ما يترتب على ذلك من آثار أخصها اعتبار خدمته متصلة، ورفض طلبيه الثاني والثالث، استأنف المطعون ضده هذا الحكم بالاستئناف رقم …. لسنه 2015 إداري، كما استأنفه الطاعنان بصفتيهما بالاستئناف رقم …. لسنة 2015 وبعد أن ضمت المحكمة الاستئنافين حكمت بتاريخ 30/1/2017 في الاستئناف الأول بعدم قبول طلب المطعون ضده صرف راتبه عن مدة إجازته المرضية، ورفض الاستئناف فيما عدا ذلك، وفي الاستئناف الثاني برفضه، طعن الطاعنان بصفتيهما في هذا الحكم بطريق التمييز وإذ عرض الطعن على المحكمة – في غرفة المشورة – فحددت جلسة لنظره.

وحيث إن مما ينعاه الطاعنان بصفتيهما على الحكم المطعون فيه الخطأ في تطبيق القانون، والقصور في التسبيب، والفساد في الاستدلال، إذ استند في قضائه بإلغاء القرار المطعون فيه صدوره دون إخطار المطعون ضده قانوناً بمدد انقطاعه عن العمل وتجاوزه المدة المقررة للانقطاع والتنبيه عليه بالعودة إلى العمل وإبداء ما لديه من أعذار رغم تقديم الطاعنين ما يفيد ثبوت استلام المطعون ضده لهذا الإخطار بتاريخ 8/2/2015 وقيامه بالرد عليه عن طريق بريده الالكتروني في 9/2/2015 . واستيفاء هذا الإخطار الشروط التي نصت عليها المادة (163) من قانون الموارد البشرية وفي الموعد المحدد قانوناً، بما يعيب الحكم ويستوجب تمييزه.

وحيث إن هذا النعي في محله ذلك أنه لما كان المقرر – في قضاء هذه المحكمة – أن النص في المادة (163) من قانون إدارة الموارد البشرية الصادر بالقانون رقم 8 لسنه 2009 – المنطبق على واقعة النزاع – على أن يعتبر الموظف مقدماً استقالته في الحالات الآتيه:1- إذا انقطع عن عمله بغير إذن خمسة عشر يوماً متتالية، ولو كان الانقطاع عقب إجازة مرخص له بها، ما لم يقدم خلال الخمسة عشر يوماً التالية ما يثبت أن انقطاعه كان بعذر مقبول، وفي هذه الحالة يجوز اعتبار مدة الانقطاع من نوع الإجازة المرخص بها إذا كان رصيده منها يسمح بذلك، وإلا تعين حرمانه من راتبه عن هذه المدة، فإذا لم يقدم الموظف أسباباً تبرر الانقطاع أو قدم هذه الأسباب ورُفضت، اعتبرت خدمته منتهية من تاريخ انقطاعه عن العمل، 2- إذا انقطع عن العمل بغير إذن تقبله جهة عمله أكثر من ثلاثين يوماً غير متصلة في السنة، وتعتبر خدمته منتهية في هذه الحالة من اليوم التالي لاكتمال هذه المدة ،3- وفي الحالات الثلاث السابقة يتعين إخطار الموظف كتابةً بعد انقطاعه لمدة سبعة أيام في الحالة الأولى، وخمسة عشر يوماً في الحالتين الثانية والثالثة” يدل على أن المشرع جاء بقرينة قانونية ضمنية مستفادة من انقطاع الموظف عن عمله تدلل على عدم رغبته في الاستمرار بها، وهذه القرينة مقررة لصالح جهة الإدارة التي يتبعها الموظف إن شاءت أعملتها في حقه واعتبرته مستقيلاً، وإن شاءت تغاضت عنها ولم تعمل أثرها رغم توافر شروط إعمالها ويتعين تفسير هذه القرينة الضمنية في نطاقها الضيق وإحالتها بالضمانات والقيود التي تطلبها المشرع لصحة التعويل عليها فالاستقالة الحكمية شأنها شأن الاستقالة الصريحة تقوم على إرادة الموظف في هجر وظيفته، وهذه الإرادة تستخلص من الانقطاع عن العمل المدد التي حددها المشرع بما ينبئ عن زهده في الوظيفة وعدم حرصه عليها، ويتمثل ذلك في عدم الحضور للعمل والانصراف عنه، ومن ثم اشترط القانون مدة معينة متصلة وأخرى غير متصلة لقيام تلك القرينة، وألزم المشرع الجهة الإدارية إخطار الموظف كتابة بعد انقطاعه لمدة سبعة أيام في الحالة الأولى وخمسة عشر يوماً في الحالتين الثانية والثالثة، وهذا الأجل الأخير يجب أن يكتمل قبل توجيه الإخطار، فلا يجوز لجهة الإدارة توجيه الإخطار قبل انقضائه، وإلا أضحى باطلاً حابط الأثر، كما أن المشرع لم يحدد موعداً حتمياً يجب أن يتم هذا الإخطار خلاله طالما أن الموظف لم ينتظم في عمله، وأن العلة من هذا الإجراء وذلك الميعاد ألا تتربص جهة الإدارة اكتمال مدة التغيب المحددة في القانون، وإعمال قرينة الاستقالة الحكمية قبل التثبت من تحقق موجبها، وفي الوقت ذاته منح الموظف فرصة الاختيار بين الانتظام في العمل وعدم التغيب بغير إذن وتبصيره بعبارات صريحة جازمة بأن جهة الإدارة سوف تعمل في حقه أثر القرينة القانونية المستفادة من الانقطاع واعتباره في حكم المستقيل، وهو ما لا يتأتى الوقوف عليه إلا بثبوت توجيه إخطار كتابي للمنقطع قبل إصدار قرار إنهاء الخدمة متضمناً تحذيره من مغبة الانقطاع، وبأن الجهة الإدارية سوف تقوم بإنهاء خدمته باعتباره مستقيلاً من العمل، وثبوت وصول الإخطار إليه واتصال علمه به، وأنه ولئن كان تضمن عبارات الإخطار إعمال جهة الإدارة لقرينة الاستقالة الحكمية المستفادة من الانقطاع عن العمل في حق الموظف من عدمه من سلطة محكمة الموضوع إلا أن ذلك مشروط بأن يكون هذا الاستخلاص سائغاً ولا يخرج عما يؤدي إليه مدلول تلك العبارات. لما كان ذلك، وكان الحكم المطعون فيه قد أقام قضاءه بإلغاء القرار المطعون فيه على ما أورده بمدوناته من أن الإخطار المرسل للمطعون ضده لا يعدو كونه مجرد إخطار له للمثول أمام لجنة التحقيق عن واقعة انقطاعه عن العمل بدون عذر، وأن الغرض من هذا الإخطار أن جهة الإدارة بصدد اتخاذ الإجراءات التأديبية قبله، فضلاً عن أنه قد جاء بعد الميعاد المقرر قانوناً والقيام به وذلك على الرغم من أن عبارات الإخطار المعلن للمطعون ضده بتاريخ 8/2/2015 قد تضمنت تحديداً لمدد انقطاعه عن العمل وتواريخها. دون عذر مقبول، وتحذيره بصيغة صريحة جازمة بأنه في حال استمرار انقطاعه عن العمل فإن جهة الإدارة سوف تُعمل في حقه أثر القرينة القانونية المستفادة من ذلك، وأنه سيتم اتخاذ الإجراءات القانونية بما في ذلك إنهاء خدمته وفقاً لنص المادة (163) من قانون الموارد البشرية– المتعلقة بإعمال قرينة الاستقالة الحكمية- بما تتوافر معه لهذا الإخطار الشروط التي تطلبها المشرع، كما أنه قد تم بعد انقضاء المدة التي يتعين على جهة الإدارة أن تتربص اكتمالها قبل إرساله إلا أن الحكم المطعون فيه استلزم إتمام هذا الإخطار خلالها فحجبه ذلك عن بحث أسباب انقطاع المطعون ضده عن العمل واعذاره إن صحت، ومدى قيام قرينة الاستقالة الحكمية في حقه بما يعيبه بالفساد في الاستدلال الذي جره إلى الخطأ في تطبيق القانون بما يوجب تمييزه لهذا السبب دون حاجة لبحث باقي أوجه الطعن”.

يستشف مما ورد اعلاه من اجتهادات قضائية في القضاء المقارن محل الدراسة،  أنه إذا حادت الإدارة عن تطبيق القانون في تسريح الموظف العمومي، فإن قرارها يعتبر خروجاً عن مبدأ المشروعية لعيب في جوهره، مما يعرضه للإلغاء من طرف القاضي الإداري.

الخاتمة

تشكل الرقابة القضائية- بما تتمتع به من حيادية واستقلالية- الضمانة الحقيقية لحقوق الأفراد وحرياتهم، كما انها تقيم حماية وضمانة لحقوق الإدارة والمصلحة العامة،و تشكل رقابة القضاء الإداري على أعمال الإدارة المظهر الفعلي لحماية المشروعية، إذ تكفل هذه الرقابة تقيد السلطات العامة بقواعد القانون، كما تكفل رد هذه السلطات إلى حدود المشروعية إن هي فكرت في أن تتجاوز هذه الحدود، أو تجاوزتها بالفعل.

وقد جاءت هذه الدراسة كمحاولة للوقوف على رقابة القضاء الإداري على
إنهاء الخدمة (الطرد أو التسريح) من الوظيفة العامة، حيث انتهج الباحث ابتداءً المنهج الوصفي من خلال وصف مدى توافر مثل هذه الرقابة من عدمها، والتعرف على مضمونها ومدى كفايتها، كما اعتمدت الدراسة على المنهج التحليلي من خلال الوقوف على التشريعات والاجتهادات القضائية في القضاء الإداري في الدول المقارنة، وقد عمد الباحث إلي تقسيم الدراسة إلى مبحثين تناول في الأول ماهية التسريح من الوظيفة العامة وصوره،وافرد الثاني لبيان ضمانات تسريح الموظف العمومي في التشريع والقضاء المقارن،، وقد خلصت الدراسة إلى ما يلي:

·     نظراً لتعدد أسباب وأشكال التسريح من الخدمة، فإن إعطاء تعريف للتسريح في نطاق الوظيفة العمومية، أمر في غاية الصعوبة، ذلك أن بعض أسباب التسريح قد تقيد الإدارة المستخدمة حين إصدار قرار التسريح، في حين أن بعضها الآخر يتركلها السلطة التقديرية لكي تُفاضل بين الاحتفاظ بالموظّف أو تسريحه، ناهيك على أن التّمييز بين التسريح التأديبي والتسريح غير التأديبي يصعب على السلطة الإدارية إثباته في بعض الأحيان في ظل التّذرع بمصلحة الخدمة، خاصةً في ظل تداخل بعض التّصرفات بين صورة التسريح التأديبي والتسريح غير التأديبي كالخطأ التأديبي وعدم الكفاءة المهنية.

·     يلاحظ على التشريعات المقارنة القطري والمغربي والفرنسي أنها لم تقنن الأفعال التي يرتكبها الموظف وتشكل جريمة تأديبية نظراً لصعوبة تحديد الواجبات الوظيفية بصفة عامة، فكل طائفة تحدد لها واجبات خاصة بها وفقاً للاعتبارات الوظيفية المحيطة بها، مما يعني أن القاعدة المسلم بها في مجال القانون الجنائي وهي قاعدة “لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص” لا تنطبق في مجال الجرائم التأديبية، وإنما تحكم فقط العقوبات التأديبية بمعنى أنه “لا عقوبة تأديبية إلا بنص”.

·     أحسنت التشريعات المقارنة صنعاً من جهة تبنيها للمجالس التأديبية باعتبارها تؤدي إلى الفصل بين سلطة الاتهام وسلطة الحكم، بإلزام سلطة التأديب بأن تأخذ برأي لجنة لها دور فعال في تحديد الخطأ، مما قد يساهم في تحقيق ضمانات هامة للموظّف العمومي والحد من هيمنة و تعسف السلطة الرئاسية في اتخاذ قرار التسريح.

·     وفقاً لما تقدم في الدراسة من اجتهادات قضائية في كل من فرنسا والمغرب وقطر،  يتبين جلياً أن اتباع الشكل و الإجراءات من مقتضيات المشروعية لتجسيد المساءلة العادلة، باعتبار أنإغفالها يؤدي إلى إلغاء قرار التسريح الصادر من الإدارة في مواجهة الموظّف العام.

·     يستنتج من الاجتهادات القضائية التي وردت في القضاء المقارن محل الدراسة،  أنه إذا حادت الإدارة عن تطبيق القانون في تسريح الموظف العمومي، فإن قرارها يعتبر خروجاً عن مبدأ المشروعية لعيب في جوهره، مما يعرضه للإلغاء من طرف القاضي الإداري.

·     لما كان تسريح الموظف يعد من أخطر العقوبات والإجراءات التي تمس مركزه القانوني والوظيفي، فان الأمر يستدعي سن التشريعات اللازمة التي توضح حقوق الموظف وواجباته، فإذا ما خرج عن هذا النطاق وارتكب خطأً جسيماً أو فقد أحد مقومات الصلاحية للاستمرار في الوظيفة، فإن من شأن ذلك أن يعرضه للتسريح وفقاً للشروط والضوابط التي نصت عليها التشريعات كضمانات إدارية يستوجب على الإدارة اتباعها حتى لا تحيد عن نطاق المشروعية وتحقق الفاعلية المتطلبة لذلك.


([1])  سليمان الطماوي، قضاء التأديب، الكتاب الثالث، دار الفكر العربي، القاهرة، 1995، ص 295.

([2])  سليمان الطماوي، قضاء التأديب، مرجع سابق، ص 300.

([3])  سليمان الطماوي، قضاء التأديب، مرجع سابق، ص 415.

([4]) أنور أحمد أرسلان، التحقيق الإداري والمسؤولية التأديبية، الطبعة الثانية، مطبعة كلية الحقوق، جامعة القاهرة، 2003، ص 72-73.

([5]) عبد العظيم عبد السلام عبد الحميد، القضاء الإداري، قضاء التأديب، بدون دار نشر، 2004، ص7 وما بعدها.

([6])عبد العزيز عبد المنعم خليفة، ضمانات تأديب الموظف العام، الجزء الرابع، دار محمود للنشر والتوزيع، القاهرة، 2007 ،ص 3.

([7])- Loi n° 84-16, portant dispositions statutaires relatives à la fonctionpublique de l’Etat, OP.cit. -DE LAUBADERE André, GAUDMET Yves, OP.cit, p p 199-200. – LACHAUME Jean François, La fonctionpublique, Dalloz, Paris, 1992, p 79..

([8]) – C.E 21/07/1995, in DE LAUBADERE André, GAUDMET Yves, OP.cit, p 200.

([9])C.A.A, Marseille, N° 10MA03422, 18/01/2011, in A.J.F.P, N°04, Paris, Juillet-Aout 2011, p 221.

([10])مغاوري محمد شاهين، القرار التأديبي وضماناته ورقابته القضائية بين الفاعلية والضمان، مكتبة الإنجلو مصرية، القاهرة، 1986، ص 257.

([11])مغاوري محمد شاهين، القرار التأديبي وضماناته ، المرجع السابق، ص 135.

([12]) أنور أحمد أرسلان، التحقيق الإداري والمسؤولية التأديبية، مرجع سابق، ص 72-73.

([13])AUBY Jean Marie, AUBY Jean Bernard, Droit de la fonctionpublique, 2ème édition, Dalloz, Paris, 1993, p 127..

([14]) مغاوري محمد شاهين، القرار التأديبي وضماناته ورقابته القضائية بين الفاعلية والضمان،مرجع سابق، ص 609.

([15])-Loi n° 83-634 du juillet 1983, portantdroits et obligations des fonctionnaires, OP.cit. -SALON Serge, SAVIGNAC Jean Charles, Code de la fonctionpublique, 8ème édition, OP.cit, p 40.

([16])Loi n° 83-634 du juillet 1983 portantdroits et obligations des fonctionnaires, OP.cit. -DIDIER Jean Pierre, OP.cit, p 144.

([17])- DIDIER Jean Pierre, OP.cit, p 39.

([18])- AUBIN Emmanuel, Droit de la fonctionpublique, 4ème édition, OP.cit, p 145.

([19]) فهد عبد الكريم أبو العثم، القضاء الإداري بين النظرية والتطبيق، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، 2005، ص 4.

([20]) مغاوري محمد شاهين، القرار التأديبي وضماناته، المرجع السابق، ص. 707.

([21]) “un ministren’a pas compétence pour modifier les critère de représentativesyndicale au sein de son administration”, T.A, Paris, N° 0914951, 20/10/2011, in A.J.F.P, N° 01, Paris, Janvier-Février, 2012, p 32..

([22])-C.A.A Nantes, N°10NT01047, 18/02/2011, in A.J.F.P, N°05, Paris, SeptembreOctobre, 2011, p 306..

([23])-C.A.A, Nancy, N° 09NC00993, 17/06/2010, in A.J.F.P, N°06, Paris, NovembreDécembre 2010, p 329

([24])LAURIE Frédéric, L’appréciation de la fautedisciplinairedans la fonctionpublique, Thèse de doctorat en droit, Faculté de droit et sciences politique, Université de droit, d’économie et des sciences, Aix-Marseille, 2001, p 361 ..

([25])ROSE Hubert, STRUILLOU Yves, Droit du licenciement des salariés protégés, 4ème édition, Economica, Paris, 2011, p 1178..

([26])”le classementarrêté par délibération au conseild’administration de l’universitésur la proposition du comité de sélection et le décret de nomination du président de républiquesontannulés”, C.E, N° 330366, 330367, 11/07/2012, in A.J.F.P, N°05, Paris, SeptembreOctobre 2012, p 242..

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading