السياسية بالمغرب
د. عبد الرفيع بوداز
مفتش إقليمي، رئيس سابق بالمديرية العامة للضرائب
، باحث في المالية العمومية، كلية الحقوق أكدال– الرباط
لقد ظلت الطبقة السياسية في المغرب ترفع وتردد شعارات كثيرة من قبيل تخليق الحياة العامة، ترشيد النفقات، محاربة الرشوة، مقاومة مظاهر التبذير والفساد، إرساء دعائم دولة القانون، وقد جاء دور مفهوم الحكامة الذي أخذ يتكرر بمناسبة وأحيانا كثيرة بدون مناسبة.
إلا أن الحقيقة اليومية تؤكد، مما لا يدع مجالا للشك، أنه لا توجد إرادة سياسية حقيقية لإنجاز هذه الشعارات وتطبيقها على أرض الواقع. ولعل المفارقة الكبرى تكمن في أن ممثلي الأمة بالبرلمان هم الذين يعرقلون -أحيانا -إنجاز هذه الشعارات، بل يمارسون ضغوطا قوية في إطار لوبيات معروفة، لإفشال أي مخطط حكومي يرمي إلى تهديد مصالحها، أو المس بامتيازاتها.
كل ذلك بشكل يسئ إلى الديمقراطية، كمبادئ وقيم ترتكز أساسا على مفاهيم العدالة، والمساواة وسمو القانون، كما يلحق بالغ الضرر بالمؤسسة التشريعية ويذهب بما تبقى لديها من مصداقية واحترام لدى الرأي العام ([1]).
لقد سبق للوزير الأول الأسبق، السيد إدريس جطو التأكيد أن الفساد في المجال الجبائي، من رشوة وتهرب ضريبي، إنما مرده تعقد المساطر، وغموض النصوص ([2]). وكثرة الثغرات القانونية التي تحفل بها النصوص الجبائية وذلك بالنظر إلى كثرة التعديلات وغياب الانسجام مما يحتم تطبيع العلاقة بين النص الضريبي والملزم، باعتباره المعنى الأول والمباشر بمقتضيات ومضمون هذا النص واعتباره شريكا لا غنى عنه في إعداد وصياغة نصوص ضريبية ذات جودة عالية، مع تبسيط في الأسلوب وتوضيح للمقاصد.
إذا كانت الأمثلة لا تعوزنا في هذا المجال، فإن مبدأ تجريم الغش الضريبي كان حدثا تاريخيا. ذلك أن الحكومة كانت سباقة إلى عرضه على أنظار البرلمان والدفاع عنه في وقت مبكر، وقد كان امتحانا فشل فيه النواب في التعبير عن وطنيتهم وعن صدق شعاراتهم. غير أنه يتعين أن نعرف مفهوم الغش الضريبي وطبيعته.
- مفهوم الغش الضريبي
يستند النظام الجبائي المغربي إلى خاصية الإدلاء بالإقرار (أو التصريح الجبائي) ([3])، كقاعدة أساسية تم تكريسها بواسطة الإصلاح الضريبي لسنة1984 ، إلا أن هذه الخاصية تفرض على الطرفين، الإدارة والملزم، عدة التزامات، منها:
على مستوى الملزم
. تقديم الملزم لإقراره الضريبي طبقا للشروط المنصوص عليها في القانون؛
. التعامل مع مضمون التصريح بحسن نية،
.الاقتناع بان الملزم أصبح شريكا للإدارة في تأسيس الضريبة.
على مستوى الإدارة
. أن تفترض الإدارة بأن القرار سليم، وأن البيانات المتضمنة به تعد صحيحة؛
.أن تحتفظ لنفسها بحق المراقبة والفحص،
.أن تطالب بالإدلاء بالمزيد من الوثائق والمعطيات والبيانات.
هذه المراقبة، جعلها المشرع مقترنة بالعديد من الجزاءات والعقوبات في حالة ثبوت مخالفات أو خروقات في حق الملزمين الذين يلجأون إلى أساليب احتيالية أو تدليسية للتهرب من أداء الضريبة، أو الإنقاص من مبالغها.
إلا أنه يجدر بنا، قبل التطرق إلى ظاهرة الغش الضريبي، أن نميز بينه وبين التملص أو التهرب الضريبي. فالغش الضريبي هو إخفاء جزء أو كل المادة الخاضعة للضريبة في محاولة لعدم خضوعها للضريبة، وهو عمل غير قانوني وغير مشروع يستعمل أساليب احتيالية وتدليسية مختلفة ([4]).
أما التملص فهو استعمال وسائل قانونية للإفلات من الخضوع للضريبة، كتقسيم ملكية عقار مثلا بين أفراد الأسرة الواحدة عن طريق بيع صوري (وهو عمل قانوني)، وذلك لتفادي الخضوع للضريبة الحضرية، ولا تملك الإدارة إزاء هذا النوع من الممارسات أي شيء ما دام الأمر يتمثل في استغلال الثغرات القانونية، أو مكامن الخلل في النص الضريبي لعدم الخضوع للضريبة ([5]).
- مبدأ تجريم الغش الضريبي
شكل الفصل 27 من مشروع قانون الإطار للإصلاح الضريبي سنة 1984، ثورة في حد ذاته، وهو الفصل الذي طرحته الحكومة في جرأة نادرة، ومبادرة غير مسبوقة، حيث نص على: “سيجعل من الغش في ميدان الضرائب جنحة يعاقب عليها القانون الجنائي …”.
إلا أن موقف البرلمان إزاء هذا الفصل كان مفاجئا، حيث تم سحبه من طرف الحكومة تحت ضغط الجميع ([6])، ذلك أنه رفض بالإجماع، بما فيها فرق المعارضة التي كان موقفها هذا يناقض خطابها السياسي الرامي في جزء منه، إلى المطالبة بتفعيل آليات المراقبة، وترشيد النفقات العمومية، وضرورة معاقبة مختلسي المال العام.
وقد انتظرت الحكومة مرور أزيد من 13 سنة عن هذا ” الحادث “، لتعود إلى طرح نفس المقتضيات مع تعديلات هامة حيث تم اعتبار، ولأول مرة، الغش الضريبي “مخالفة ” يعاقب عليها القانون بغرامات مالية وعقوبات حبسية.
وقد تم تحديد طبيعة المخالفة الضريبية بواسطة نص قانوني تم دمجه ضمن القوانين المنظمة للضرائب الرئيسية الثلاث: (المادة 49 المكررة من القانون رقم 86-24 المحدث للضريبة على الشركات، والمادة 49 المكررة من القانون رقم 30-85 المنظم للضريبة على القيمة المضافة، والمادة 111 المكررة من القانون رقم 89-17 المنظم للضريبة العامة على الدخل).
وقد اقتصر المشرع على هذه الضرائب مستثنيا باقي أنواع الضرائب الأخرى بدون تقديم أي تبرير أو تعليل واضح لذلك ([7]).
وقد أورد المشرع لائحة المخالفات المعنية على سبيل الحصر وهي:
- البيع بدون فاتورات بصفة متكررة،
- تقديم أو تسليم فاتورات صورية،
- تقديم تقييدات محاسبية مزيفة أو صورية،
- اختلاس مجموع أو بعض أصول الشركة أو المنشأة، أو الزيادة بصورة تدليسية في خصومها قصد
افتعال عسرها، - إخفاء أو إتلاف وثائق الحسابات المطلوبة قانونا،
وقد ربط المشرع أيضا المقاصد التي يمكن أن تدفع الملزم لارتكاب هذه المخالفات، وذلك في محاولة لإثبات القصد الجنائي لدى الملزم وهي:
- الإفلات من الخضوع للضريبة،
- أو الحصول على خصم منها،
- أو التملص من دفعها.
كما يتعين أن تعرض الشكاية التي ترمي إلى تطبيق العقوبة من طرف السيد وزير المالية أو من ينوب عنه، على لجنة تسمى “لجنة المخالفات الضريبية ” وهي لجنة يرأسها قاضي، وتضم ممثلين اثنين عن إدارة الضرائب، وممثلين اثنين عن الملزمين.
ولعل إحدى إبداعات السادة النواب هو ألا يتم ضبط هذه المخالفات إلا في إطار مسطرة المراقبة أو الفحص الضريبي ([8])،كشرط أساسي لصحة مسطرة المتابعة، علما بأن هناك العديد من الضمانات قد خولها القانون للملزم في إطار كتاب المساطر الجبائية ([9])، وهى عديدة مثل:
- ضمان حق الاعتراض
حيث تم تجاوز مساطر الربط التلقائي للضريبة التي كانت تنهجها الإدارة سابقا بدون توجيه إنذار مسبق.
حيث يظل الملزم محتفظا بحقه في الطعن في الأسس التي اعتمدتها الإدارة، وإثبات قدرته التكليفية بجميع الوسائل.
- حق اللجوء إلى القضاء
وهو ناتج عن حق الاعتراض، وهو مسطرة يتم تفعليها بعد رفض الإدارة الرد أو رفض الاقتراحات التي أدلى بها الملزم داخل أجل 6 أشهر، ويؤكد التراكم في الأحكام الصادرة عن القضاء في المادة الضريبية مدى وعى الملزم بحقوقه، والاستماتة في الدفاع عنها.
- ضمان استرداد ما دفع بغير وجه حق
ويعنى إرجاع المبالغ التي تم تحصيلها لفائدة الخزينة بطريق الخطأ (سواء أداء مزدوج، أو الزيادة في مبلغ الضريبة المقرر، الخ.) ([10]).
هذا إضافة إلى الضمانات الخاصة بمسطرة المراقبة والفحص التي نحن بصددها، ذلك أن الإدارة تتوفر على الحق في ممارسة الرقابة على الإقرارات التي يقدمها الملزم، وذلك للتأكد من سلامتها كما سبقت الإشارة إلى ذلك، وقد حدد المشرع آجالا لتطبيق هذه المسطرة بصرامة ودقة متناهية في جميع مراحلها، أي مرحلة ما قبل الفحص وأثناءه، وبعد إنجازه أيضا.
- مرحلة ما قبل الفحص
(المادة 42 من الضريبة على القيمة المضافة، المادة 33 من الضريبة على الشركات المادة 105 من الضريبة على الدخل ).
يتعين إشعار الملزم بالمراقبة تحت طائلة بطلان المسطرة برمتها بواسطة رسائل مضمونة مع إشعار بالتسلم مع الإشارة إلى البيانات المتعلقة بعملية المراقبة (الضرائب المشمولة بالفحص، الفترة غير المتقادمة، اسم المفتش/ المحقق، الخ.)، وذلك مدة 15يوما، قبل بدء عملية الفحص. فعنصر المباغتة لم يعد معمولا به، مما يدفع إلى التساؤل عن جدوى القيام بعملية الفحص أصلا.
- خلال عملية الفحص
يتعين أن تتم عملية الفحص داخل مقر الشركة أو المقاولة مع ضمان السر المهني، وكذا عدم إمكانية التصرف بأية وثيقة أو مستند خارج مقر الشركة بدون إذن مسبق من القائمين عليها ([11]).
- بعد نهاية فترة الفحص
بعد نهاية عملية الفحص والمراقبة التي يتعين ألا تتجاوز مدة سنة وفق مقتضيات قانون المالية لسنة 2004 ([12])، يتوجب أن يخبر المفتش الخاضع للضريبة بانتهاء عمليات الفحص، مع نتائج التحقيق معللة ومفصلة مع الإشارة إلى المراجع القانونية التي اعتمدها المفتش ومنح أجل 30 يوما للملزم لتقديم جوابه، إلى غير ذلك من الضمانات الأخرى (كعدم إقدام الإدارة على فحص نفس المقاولة بالنسبة لنفس الفترة أو نفس الضرائب مثلا).
إن كل هذه الضمانات وغيرها تؤكد بما لا يدع مجالا للشك بأن المشرع الجبائي قد أخذ كل الاحتياطات الضرورية لحماية الملزم من شطط الإدارة، وقد بالغ في هذه الاحتياطات لدرجة أصبحت معها الإدارة مقيدة في القيام بممارسة مهامها، وهي حقوق أقرها القانون لفائدة الإدارة. وهنا تتجلى مفارقة ذات أهمية بالغة، فضعف البرلمان على مستوى المراقبة، لا يقابله سوى “قوة ” النواب في حماية مصالح اللوبيات، وإفراغ جميع القوانين التي تهدف المساس بأوضاعهم المالية من محتواها.
فأثناء مناقشة مشروع تجريم الغش الضريبي، ارتأت لجنة المالية بالبرلمان، أن تخضع العقوبة المقررة للمبادئ الأساسية التالية:
- التدرج في العقوبة،
- مبدأ العود،
- تحديد نوعية المخالفات موضوع المتابعة،
- إرجاع المسؤولية للمرتكب الفعلي،
- مراجعة المساطر المتبعة.
وفعلا، فقد تمت المصادقة على المشروع بعد الاستجابة لرغبات النواب، وتم تعديله بالشكل الذي أصبح معه “منسجما مع محيط المقاولة “، ووفقا للمبادئ المذكورة. وبخصوص العقوبة المقررة، فإنها تشمل الغرامة والحبس، فبالنسبة للغرامة فهي تتراوح ما بين 5.000,00 درهم إلى 50.000,00 درهم.
أما بالنسبة للعقوبة الحبسية، فقد اشترط المشرع أربعة شروط مجتمعة لتحقيقها وهي:
- أن يكون مرتكب المخالفة ([13]) قد حكم عليه بالغرامة،
- أن يكون قد مضى على هذا الحكم مدة 5 سنوات،
- أن يعود بعد انصرام هذه المدة، الطويلة نسبيا، إلى ارتكاب نفس المخالفة (حالة العود)،
- أن يكون الحكم نهائيا ومكتسبا لقوة الشيء المقضي به.
بعد ذلك فقط، يمكن معاقبة مرتكب المخالفة بالحبس من شهر إلى ثلاثة أشهر، لا غير. ويتولى إثبات المخالفة مأموران بإدارة الضرائب لا تقل درجتهما عن درجة مفتش محلفين ومنتدبين خصيصا بهذا الغرض وذلك بواسطة محضر يحرر لهذه الغاية.
- حدود الآليات القانونية لتجريم الغش الضريبي
يبدو من خلال ما سبق، أن المشرع الضريبي قد تعامل ببساطة كبيرة مع ظاهرة الغش الضريبي ووضع شروطا تعجيزية لتطبيق المقتضيات القانونية التي تبناها كمؤسسة تشريعية.
إن الحيلولة دون زجر المخالفات في المجال الجبائي يعكس غياب إرادة سياسية حقيقية ليس لتطبيق القانون -على علاته -فحسب، بل والتصدي بحزم لهذه الظاهرة، كما هو الشأن بالنسبة للعديد من الدول ([14])، والدليل على ذلك أنه بعد مرور ما يزيد عن عشر سنوات عن تبنى قانون تجريم الغش الضريبي بالمغرب لم يتم تفعيله لحد الآن، بعد أن حالت كل التعقيدات المسطرية والتقنية دون تنفيذه.
لعله من المفيد إجراء مقارنة بين المشروع الأصلي الذي تقدمت به الحكومة، والصيغة النهائية التي اعتمدت من طرف البرلمان خلال دورة أبريل 1996، (أنظر الجدول).
| النص الأصلي/المشروع | الصيغة المعتمدة\النص النهائي |
| أ -العقوبة الحبسية:من شهر إلى سته اشهر | العقوبة الحبسية:من شهر إلى ثلاثة اشهر |
| ب – الغرامة المالية:من 3.000,00 درهم إلى 50.000,00 درهم | ب – الغرامة المالية:من 5.000,00 إلى 50.000,00 درهم |
| ج – النص على عقوبات جنائية على عدم الادلاء بالإقرارات برسم الضريبة على الشركات والضريبة العامة على الدخل والضريبة على القيمة المضافة | جـــــ – تم إلغاء هذا التدبير. |
| د – من حيث الاثبات:لا يوجد نص على ضرورة ضبط المخالفةفي اطار فحص ضريبي | د – من حيث الاثبات:تم إقرار هذا الشرط، واعتبر اساسيا. |
| ه-في حالة ارتكاب المخالفة من طرف شخص معنوي: تحميل المسؤولية للشخص الطبيعي الذي ارتكب المخالفة. | هـ-في حالة ارتكاب المخالفة من طرف شخص معنوي:تمت إضافة مساءلة المسؤول عن الشركة، إذا ما ارتكبت المخالفة بموافقته، أو تنفيذا لتعليماته. |
| و -من حيث المشاركة أو المساهمة:لا وجود لهذا النص. | و-من حيث المشاركة أو المساهمة:تم إقرار عقوبة حبسية في حق كل شخص تثبتمشاركته في الأفعال المجرمة. |
| ز-على مستوى تحريك الدعوى:يوجه وزير المالية أو الشخص المفوض إليهمن لدنه لهذا الغرض الشكوى إلى وكيلالملك المختص بحكم المكان المرتكبةفيه المخالفة. | ز-على مستوى تحريك الدعوى:يجب ان تعرض الشكاية التي ترمي إلى تطبيق العقوبة من طرف السيد وزير المالية او من ينوب عنه لهذا الغرض على لجنة تسمى “لجنة المخالفات الضريبية “، وتصدر رأيا استشاريا. |
ملاحظة: الجدول تركيب شخصي
صحيح أنه كان هناك تخوف من شطط الإدارة في تطبيق القانون، إلا أن المبالغة في هذا “التخوف “، جعلت القانون غير ذي معنى، فقد تبنى المشرع عدة تدابير -مع العلم -أنها سوف تعيق التطبيق السليم للنص، وتؤكد الانطباع السائد بتساهل المؤسسة التشريعية عندما يتعلق الأمر بحماية المال العام، ومن ضمن هذه التدابير:
- قد تم “إقصاء“ العديد من الضرائب من مجال التجريم، وتم الاقتصار على الضرائب الرئيسية الثلاث
الكبرى كما أسلفنا. فهل هذا يعنى بأن أنواع الضرائب الأخرى لا تعرف مخالفات تستوجب الزجر؟ فعلى مستوى رسوم التسجيل -مثلا -لا يتم التصريح بالثمن الإجمالي الحقيقي لاقتناء عقار في عقد البيع، وذلك نظرا لمطالبة المستثمرين العقاريين بإخفاء نسبة معينة من ثمن البيع تتراوح ما بين 15 و30% للتملص من أداء الضريبة. وبغض النظر عن كون هذا السلوك هل يعد تهربا أو غشا، فقد اتضح –بالنظر إلى ازدهار هذا القطاع -أنه يضيع على خزينة الدولة مبالغ مالية طائلة. وقد اعترف وزير المالية بوجود هذه الظاهرة، وأكد مدير الضرائب عجز الإدارة للتصدي لها. وبالنظر إلى استحالة تطبيق قانون تجريم الغش الضريبي، فقد وعد وزير المالية بضرورة تبني إجراءات جبائية خاصة ضمن قانون المالية (2009) للحد من هذه الظاهرة ([15]).
هذا، إضافة إلى لجوء العديد من الملزمين إلى التحايل على القانون قصد الإفلات من الضريبة، تفويت عقار بين الأصول والفروع بواسطة عقد هبة بدل عقد البيع، وذلك للاستفادة من التعريفة المخفضة المقررة للهبات بين الأصول والمحددة في 1%، بدل الخضوع للتعريفة العادية المحددة في 5% المقررة لفائدة عمليات بيوع العقارات ([16]).
- لقد قام المشرع بتحديد لائحة المخالفات على سبيل الحصر، وهو امر لا يستقيم مع الواقع المعقد والمتشابك، للعمليات التي تعرفها الممارسات التجارية والمهنية والصناعية، بل لقد تم إقصاء بعض المخالفات الواردة ضمن المشروع الأصلي (كما هو مبين في الجدول)، كعدم تقديم الإقرار الجبائي، وإخفاء المادة الخاضعة للضريبة، وعدم مسك محاسبة منتظمة، إخفاء الطبيعة الحقيقية للتصرفات القانونية، افتعال وضعيات غير قانونية وغير حقيقية ([17])، وهي ممارسات شائعة لدى الملزمين، وكان الأجدر أخذها بعين الاعتبار.
- ربط المشرع تجريم المخالفات المحددة بثبوت قصد الغش الضريبي لدى الملزم، وهو أمر غاية في الصعوبة، بل مستحيل التحقيق، سيما مع غياب اجتهاد قضائي في الموضوع. حيث كان ممكنا إثارة نقاش فقهى حول مفهوم الغش أو التملص الضريبي. فهل يتمثل الغش الضريبي في كل تملص باعتبار انعكاساته على خزينة الدولة؟ وهل يشترط لتوفر الغش الضريبي اقتران التملص من الضريبة بمخالفة نص جبائي؟ من شأن هذا النقاش أن يغني الحقل الدلالي للمفهوم ويساعد-بالتالي-على وضع إطار قانوني دقيق وواضح.
- الطابع الرمزي للعقوبات المقررة، إن تحديد مبلغ الغرامة في 50.000,00 درهم كحد أقصى لا معنى له، وقد كان أفيد الاستناد إلى تقارير الإدارة الضريبية بشأن المبالغ التي تضيع على خزينة الدولة، -لأخذ فكرة ولو تقريبية -عن الارباح التي يجنيها المتملصون من أداء الضريبة. ولعل المفارقة الكبرى تكمن في أن مدونة التحصيل الجديدة قد أقرت عدة جزاءات لمجرد تأخير الملزم المدين بالضريبة، عن الأداء، وتتراوح بين فرض غرامات مالية على التأخير ([18])، واللجوء إلى حجز ممتلكات الملزم وبيعها، أو حبسه في إطار الاكراه البدني، الخ.
كما أن القانون الضريبي يتضمن العديد من الجزاءات المالية تطبق على مستوى جميع المساطر الضريبية، كفرض الضريبة بصفة تلقائية عقابا للملزم الذي يتعمد عدم الإدلاء بإقراره الضريبي، وقد تطبق غرامة بنسبة 25 %، ويمكن أن تصل إلى نسبة 100% إذ تبث سوء نية الملزم (المادة 28 من الضريبة على القيمة المضافة) مثلا.
أما بخصوص العقوبة الحبسية، والتي تتراوح مدتها ما بين شهر واحد وستة أشهر، فهي أيضا لا تمثل إجراءا زجريا حقيقيا اتجاه ممارسي الغش الضريبي. خاصة وأن بعض الدول تصل فيها العقوبة الحبسية إلى عشر سنوات ([19]).
ويستدعي هذا الموقف عدة ملاحظات أساسية منها:
أولا، أن ربط تطبيقها لحالة العود، يعتبر حالة فريدة في القانون، ذلك أن حالة العود تكون مناسبة لتشديد العقوبة، وليس شرطا لتطبيقها، بالإضافة إلى اشتراط أن يتم العود قبل انقضاء فترة خمس سنوات، -يعني عمليا -استحالة تطبيق العقوبة، لاستحالة تجميع هذه الشروط، كافة. ومادام المشرع قد اشترط إثبات المخالفة في إطار عملية الفحص، فإن هذا يعنى -ضمنيا -خضوع الملزم لعمليتين للفحص داخل أجل خمس سنوات، وهو الأمر المستحيل حدوثه على مستوى الواقع العملي. وذلك بالنظر إلى عدة إكراهات منها قلة عدد المفتشين/ المحققين ([20])، وكثرة المقاولات المرشحة للفحص وضعف الآليات والإمكانيات المادية والبشرية التي تتوفر عليها الإدارة الضريبية، الخ.
بالإضافة إلى أن العقوبة تعتبر موحدة بالنسبة لكل المخالفات بدون مراعاة مبدأ التدرج في العقوبة تبعا لخطورة المخالفة، حيث لم يربط المشرع بين فداحة عملية الغش ومبلغ الغرامة المالية المقررة.
ثانيا، ولعل إحدى طرائف هذا القانون، في مجال العقوبات، أنه أقر عقوبات أكثر تشددا في حق كل شخص تبث أنه ساهم أو شارك في ارتكاب الأفعال المشار إليها أعلاه، أو ساعد أو أرشد الأطراف في ارتكابها. فبعد أن أخضعه لنفس العقوبات المطبقة على الفاعل الأصلي، فإنه أضاف عقوبة خاصة للمشارك والمساهم. علاوة على كونها تطبق مباشرة بدون أية مسطرة للمتابعة وهكذا، فقد نص على:
“يعاقب بغرامة لا تقل عن 1000 درهم، ولا يتجاوز 100 % من مبلغ الضريبة المتملص من دفعها، كل شخص تبث أنه مشارك في أعمال تحايل ترمي إلى التملص من دفع الضريبة، أو ساعد أو أرشد شركة (أو شخصا طبيعيا) في القيام بأعمال من قبيل ذلك “.
(المادة 50 من القانون السالف الذكر) كما قام بتوسيع مجال الإثبات، حيث أكد أنه يمكن إثبات المخالفات بجميع وسائل الإثبات القانونية العادية.
ثالثا، لم يتم تشكيل اللجنة الخاصة بالمخالفات الضريبية التي نص عليها قانون تجريم الغش الضريبي إلا بعد انقضاء مدة خمس سنوات، وهو ما يعكس غياب الجدية في التعامل مع قضية شائكة ظلت تراوح مكانها طيلة عقود. وبالرغم من ذلك، فإنه لم يتم تحديد مسطرة عمل هذه اللجنة، ولا كيفية إحالة الشكايات عليها.
رابعا، بتاريخ فاتح يونيو سنة 2000 يصدر القانون رقم 15-97 بمثابة مدونة لتحصيل الديون العمومية (السالف الذكر)، ومن بين المقتضيات التي تضمنها، اعتبار تنظيم العسر وافتعاله مخالفة تشدد المشرع في معاقبتها، في الوقت الذي يعامل فيه المشرع مع نفس المخالفة -في إطار تجريم الغش الضريبي-بتساهل كبير (غرامة من 5000 درهم إلى 50.000 درهم، وعقوبة حبسية من شهر إلى 6 أشهر، مع توفر شروط مستحيلة التحقيق)، نجده أقر في إطار المدونة عقوبة أكثر تشددا.
- غرامة مالية من 5000 إلى 100.000,00 درهم،
- . عقوبة حبسية من سنة إلى سنتين،
- . مضاعفة العقوبة في حالة العود.
مع تبسيط إجراءات تحريك الدعوى العمومية حيث خول هذا الاختصاص مباشرة إلى المحاسب المكلف بالتحصيل ([21]).
الرغم من الحمولة الأخلاقية للخطاب السياسي سواء لدى الأحزاب السياسية، أو الحكومات المتعاقبة، فإنه لا يتم التصدي بحزم وفعالية لمظاهر الفساد كاختلاس المال العام، والرشوة والغش الضريبي، واستغلال النفوذ، والمحسوبية، مما جعل هذه المظاهر تتفاحش، وتعرف نموا مضطردا بدل تقليصها بهدف القضاء عليها. ذلك أن محاربة الغش الضريبي ليس مسألة أخلاقية، ما متطلبات أساسية تفرضها مقتضيات تأهيل الاقتصاد الوطني، والرفع من قدرته التنافسية، كما أن للغش الضريبي انعكاسات سلبية عدة على مستويات مختلفة، فهو يؤدي-مثلا -:
- إلى إنقاص الموارد العمومية، مما يدفع إلى تخفيف حجم الاستثمارات العمومية، والنفقات العمومية،
- اللجوء إلى القروض الخارجية والداخلية، مما يرفع حجم المديونية، ويضر بالتنمية بالنظر إلى امتصاص خدمة الدين لجزء أساسي من الميزانية العامة للدولة،
- إلى الرفع من العبء الجبائي نتيجة الرفع المتزايد لأسعار الضرائب حفاظا على التوازنات المالية ([22]).
صحيح أن الإحساس بالظلم الجبائي لدى فئات واسعة من الملزمين (خاصة الصغار منهم)، هو الذي يدفع إلى اعتبار الغش الجبائي “سلوكا طبيعيا” لمقاومة القهر الضريبي. ذلك أن منح امتيازات جبائية دائمة لفئات اجتماعية معينة، وتخويلها العديد من الوسائل للدفاع عن مصالحها، ينعكس سلبا على نفسية الملزمين الصغار الذين لا يعكس التشريع الجبائي انتظاراتهم ومطالبهم. لذا فإنهم يلجئون إلى التملص والغش واستغلال الثغرات القانونية للانتقام لأنفسهم من حيف اجتماعي لا سبيل إلى مقاومته. إن نفور الملزم، واشمئزازه من التقنيات الضريبية ومن الإدارة الجبائية، يشجعه على التملص من الضرائب دفاعا عن نفسه في مواجهة جهاز ضريبي يتصرف بعشوائية مع مصالحه، وغير عادل ([23]) بشكل يجعل ممارسة التهرب من الضريبة لا تثير لدى الملزم أي إحساس بانتهاك القانون، بل تصحيح لوضعية تداخلت عدة عوامل في اختلالها.
مما يقوي هذا التوجه لدى الملزمين هو ضعف المساءلة، وتكريس سياسة الإفلات من العقاب، وضعف آليات المراقبة. كل ذلك وغيره أدى إلى خلق قطيعة بين المواطن والدولة، بل بين المواطن والمنظومة الأخلاقية التي تعتبر الوفاء بالالتزامات الضريبية اتجاه خزينة الدولة أحد المؤشرات القوية، على وجود روح المواطنة، وشكل من أشكال المساهمة في تحمل الأعباء العامة ([24]).
إن عجز الدولة عن مواجهة ظاهرة الغش الضريبي، هي التي أدت إلى تفاقمه وما لجوء الدولة إلى إقرار سلسلة من عمليات العفو الضريبي (أكثر من 3 مرات في ظرف 15سنة) إلا دليل على بلوغ هذه الظاهرة درجة من الاستفحال لا يمكن للإدارة الضريبية -مهما كانت النوايا حسنة -للحد منها، بغض النظر عن الآليات الموضوعة رهن إشارتها (تشريعية، تقنية إدارية، الخ).
وقد بات من الضروري اليوم العمل على رفع الوعى الجبائي لدى الملزم، وإشراكه في عملية صناعة القرار الجبائي الذي يعنيه، وتبسيط المساطر والإجراءات الخاصة بالمنازعات الجبائية، وتعزيز الضمانات القانونية المخولة قانونا للملزم في مواجهة الإدارة، وتخفيف العبء النفسي والجبائي الذي يعانى منه والعمل أيضا على إشراك فعاليات المجتمع المدني ووسائل الإعلام المختلفة، لتقريب صورة الإدارة الضريبية كجهاز في خدمة الملزم، وليس أداة لترهيبه أو ابتزازه، وخلق تواصل بين مفتش الضرائب والملزم من أجل إرساء دعائم ثقة متبادلة، بدل الحذر والشك المبالغ فيهما القائم بين الطرفين ([25]).
إلا أن خصوصيات القانون الضريبي جعلته يتميز بمستويات مختلفة في التعامل مع الملزمين، فبالرغم من الطابع الشمولي للقاعدة الضريبية، إلا أن تطبيقاتها تكون شديدة الخصوصية، وذلك بالنظر إلى جملة من الشروط المتداخلة (تقنية، إدارية، مالية، اقتصادية، الخ.) والتي تجعل من الملزمين أنواعا وفئات مختلفة، مما يحتم تعاملا ضريبيا مميزا ([26]).
فهناك -مثلا -فئات الملزمين الصغار والمتوسطين الذين لا ينازعون -غالبا -في مبالغ الضريبة، بل لا يفهمون مضمونها التقني البالغ التعقيد. أما الملزمون الكبار فلديهم من الإمكانيات والخبرة ما يجعلهم يتابعون عن كتب مناقشة نص ضريبي، بل بإمكانهم التأثير في توجهاته بما يتلاءم ومصالحهم الاقتصادية والمالية. ويتوفرون على عدة وسائل للضغط في هذا الاتجاه أو ذاك ([27]). مما يضيف خاصية أخرى للقانون الضريبي، وهو أنه قانون “متفاوض بشأنه ” ([28]). فالتفاوض في المجال الضريبي أصبح ممارسة عادية، سيما وأن السلطات المالية تخشى إثارة ردود فعل سلبية نتيجة اتخاذ تدابير جبائية جديدة، قد لا تلقى ترحيبا من لدن فئة الملزمين الذين تستهدفهم في الوقت الذي أصبحت فيه العديد من المنظمات المهنية تتوفر على قنوات للحوار والتشاور مع صانعي القرار الضريبي، وذلك استباقا لاتخاذ إجراءات قد تمثل تهديدا لمصالحهم، أو تمس بامتيازاته
[1] قام أعضاء مجلس النواب بالتدخل لمنع بث تحقيق تلفزيوني عن أحداث العنف التي عرفتها مدينة سيدى إيفني، وذلك بالرغم من تشكيل لجنة لتقصى الحقائق حول الأحداث المذكورة.
[2] فالنص التشريعي الغامض خطر على الضريبة.
[3] الظهير الشريف رقم 77-96-1 الصادر في 12 صفر 1417 ( 21يونيو1996) بتنفيذ القانون المالي رقم 96-8 للسنة المالية1996-1997(الجريدة الرسمية عدد 4391 بتاريخ فاتح يوليوز1996).
[4] كافتعال العسر الذي نص عليه المشرع في المادة 84 مدونة تحصيل الديون العمومية
[5] الغش الضريبي، يحيي الصافي وآخرون، مرجع سابق.
[6] خاطب أحد نواب الاغلبية وزير المالية قائلا: سوف تضطر الى سحب مشروعك وكذلك كان ..
[7] ويبدو بأن الأمر يتعلق بالضرائب التي يتم تقديم إقرار في شانها من قبل الملزم دون غيرها.
[8] -.يمكن تعريف الفحص الضريبي: “أنه مجموعة من العمليات التي تقوم بها الادارة الضريبة من أجل التحقق في عين المكان (أو داخل المقاولة) من المحاسبة والوثائق المؤيدة لها التي تمسكها المقاولة ومقارنتها مع التصريحات المودعة لدى الإدارة، أو المعلومات أو المعطيات المادية التي قام بها المفتش/المحقق.
[9] هو كتاب المساطر الجبائية، الصادر بالجريدة الرسمية عدد 5278 بتاريخ 17 ذو القعدة1425 ( 30ديسمبر 2004).
[10] هذا بالإضافة إلى العديد من الضمانات الأخرى: الحماية القانونية للملزم، الحق في الاستعلام الضريبي، الحق في المساعدة الضريبية، الخ.
[11] لا نرغب في التوسع في الجوانب التقنية لعمليات المراقبة والفحص، لكون المجال لا يسمح بذلك، نظرا لكثرتها وتشعبها.
[12] والمادة -13-من كتاب المساطر الجبائية السالف الذكر.
[13] تفادى المشرع وصف الغش الضريبي بالجريمة أو الجنحة، واكتفى بوصفه ب “المخالفة ” مما يعكس قصده في إقرار عقوبات خفيفة.
[14] كمصر وتونس والجزائر – مثلا-.
[15] لم يتم الوفاء بهذا الوعد على الإطلاق.
[16] يحي الصافي، الوجيز في نظرية وتطبيق ضريبة التسجيل بالمغرب، الهلال العربية، الرباط 1991.
[17] كافتعال العسر مثلا الذي نصت عليه المادة 48 من مدونة تحصيل الديون العمومية، للمزيد من التفاصيل راجع عبد الرحمان أبليلا وعبد الرحيم الطور، تحصيل الضرائب والديون على ضوء المدونة الجديدة مطبعة الأمنية، 2000، الرباط.
[18]5 % عن الشهر الأول، و0.50 عن كل شهر تأخير أو جزء من الشهر.
[19] كما هو الشأن بالنسبة للقانون الفرنسي الذي أضاف عقوبات تكميلية أكثر تشددا كالتشطيب من المهنة، الحرمان من المشاركة في الصفقات العمومية، إشهار العقوبة، الخ.
[20] لا يتجاوز عدد المفتشين المحققين 300 مفتشا، في الوقت الذي يتجاوز فيه عدد المقاولات المرشحة للفحص أكثر من 70 ألف.
[21] ولم يقيده إلا بالحصول على إذن رئيسه المباشر.
[22] راجع ما كتب عن العبء الجبائي بالقسم الأول
[23] عبد السلام أديب، السياسية الضريبية وإستراتيجية التنمية، دراسة تحليلية للنظام الجبائي المغربي 1999-2000، إفريقيا الشرق، 1998، ط. 1.
[24] صباح نعوش، المالية العامة، ومالية الدول النامية.
[25] إن مقولة “لا يعذر أحد بجهله القانون ” تفقد مدلولها بالنسبة للقانون الضريبي بالنظر لتعقيد نصوصه وكثرتها ناهيك
عن ارتفاع نسب الأمية لاسيما وسط الملزمين الصغار.
[26] لقد تم استثناء بعض المهن من ضمنها المحاماة، مثلا، من المراقبة الجبائية بحجة الحفاظ على السر المهني (انظر الفصل 39 من ظهير 20 دجنبر 1985 المتعلق بالضريبة على القيمة المضافة).
[27] محمد شكيري، القانون الضريبي المغربي، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، 2005.
[28] محمد شكيري، نفس المرجع السابق.