مكانة الاتفاقيات الدولية في الدستور الجديد

Written by

·

نعيمة البالي

أستاذة باحثة – كلية الحقوق – وجدة

الاتفاقيات الدولية هي اتفاق بين شخصين أو أكثر من أشخاص القانون الدولي، بقصد إحداث آثار أو أوضاع قانونية معينة تخضع لقواعد القانون الدولي. وللاتفاقية الدولية، بغض النظر عن تسميتها: معاهدة أو اتفاق أو اتفاقية أوبروتكول جانبا ن: الأول يتصل بالقانون الدولي، والثاني يتعلق بالقانون الوطني.

تعتبر العلاقة بين الاتفاقيات الدولية والدستور من المواضيع الحساسة والدقيقة . فالاتفاقيات الدولية – لم تعد تقتصر علي تنظيم المجالات الكلاسيكية كقانون البحار والقانون الدبلوماسي والنزاعات المسلحة، بل أصبحت تنظم معالم الحياة كلها: التجارة الاستثمار، الهجرة، التحكيم التجاري، حقوق الإنسان ،حماية المستهلك، وكانت هذه مواضيع – والي عهد قريب – حكرا علي القانون الخاص، واذا بالقانون الدولي يتطاول عليها ويتناولها، وهذا التزايد والاتساع علي مستوي دائرة اهتمامه تجعل مناطق الصدام بينه وبين الدساتير الوطنية تتعدد خصوصا وأن الدساتير نفسها أصبحت تضم تفاصيل كثيرة.

فهما ينظمان نفس المواضيع، فمنطقة ما كان يسمي بالمجال المحفوظ للقانون الوطني أصبحت تتآكل وتتسع في المقابل مجالات اهتمام القانون الدولي، فعندما تكون هذه العلاقات علاقات تكامل لا يطرح أي مشكل، ولكن عندما يكون هناك تعارض وتنافر تطرح إشكالية مكانة الاتفاقيات الدولية في الدستور.

ينص القانون الدولي من جهته علي سمو الاتفاقيات الدولية علي التشريع الوطني إذ أن القسم الغالب من الفقه الدولي يري أن قواعد النظام الدولي تقيد وتحكم قواعد النظام الوطني لكون القانون الدولي هو الذي يحدد اختصاصات الدولة التي يجب عليها ألا تخرج عن إطار هذه الاختصاصات .

واستقر القضاء الدولي علي سمو المعاهدات الدولية علي التشريعات الوطنية، وهو ما يظهر من خلال مجموعة من القضايا، التي تقر بسمو المعاهدة علي الدستور (قضية مونتجو 1985، قضية دانتزج الحرة 1932)، وفي قضايا أخري نصت الأحكام علي أن المعاهدات الدولية تعلو علي القانون الداخلي في حالة تعلق الأخير بالنظام العام ) كقضية برشلونة تركشن 1970، والحكم في النزاع بين ليبيا وتشاد بخصوص قطاع اوزو سنة 1994).

وفي نفس السياق جاء الدستور الجديد بمجموعة من التعديلات تمس العلاقة بين الاتفاقيات الدولية والمنظومة القانونية الوطنية المغربية . فهل استطاع المغرب أن يبدد الغموض الذي كان يكتنف هذه العلاقة ؟ وفي غياب نص صريح لقضي بتحديد العلاقة بينهما يمكننا أن نستنتج هذا السمو (المطلب الأول) كما يمكننا أن نستنتج سمو المنظومة القانونية الوطنية علي الاتفاقيات الدولية (المطلب الثاني)

المطلب الأول: سمو الاتفاقيات الدولية علي المنظومة القانونية الوطنية

كانت العلاقة بين الاتفاقيات الدولية والمنظومة القانونية الوطنية في الدستور السابق غير واضحة بتاتا، إذ أن صياغة دستور 1996 كانت غامضة وان كان المغرب قد اعترف ولأول مرة في دستور 1992 بتشبثه بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دوليا وهو تجديد هام جدا لكنه جاء في ديباجة الدستور والتي كانت في ظل ذلك الدستور تثير جدلا حول قيمتها القانونية، إذ لم تكن واضحة . وكانت الفصول التي تؤطر الاتفاقيات الدولية قليلة من حيث الكم أي عدد المرات التي ذكرت في الدستور ولا من حيث النوع، فلا نجد الإشارة للاتفاقيات الدولية إلا في الفصل 31 ([1]).

كما كان الدستور المغربي يحفظ امتياز المصادقة علي المعاهدات الدولية للملك والجهاز الحكومي عامة، ويبقي دور البرلمان مقتصرا علي الموافقة بقانون علي الاتفاقيات التي تترتب

عليها تكاليف تلزم مالية الدولة . وان كان مفهوم الاتفاقيات التي تلزم مالية الدولة نفسه مفهوم غير واضح يصعب تحديده.

فالاستنتاج الذي توصلنا له هو أن الدساتير المغربية السابقة لم تحدد العلاقة بين الاتفاقيات الدولية والمنظومة القانونية الوطنية . ومن أجل تحديد العلاقة بينهما كان من الضروري البحث في نصوص قانونية أقل درجة من الدستور بالإضافة لموقف القضاء والفقه.

تنص مجموعة من القوانين الوطنية صراحة علي سمو الاتفاقيات الدولية علي التشريع الوطني، ومنها قانون الجنسية لسنة 1958، وكذا القانون الخاص بتسليم المجرمين، والقانون المتعلق بمغربة بعض المؤسسات لسنة 1973 والقانون المتعلق بمهنة المحاماة، وقانون حقوق المؤلف لسنة 2002 وقوانين أخري فكلها قوانين نصت صراحة علي سمو الاتفاقيات الدولية علي التشريع الوطني حين التعارض فيما بينهما.

أما القضاء المغربي فلم يكون اتجاها واحدا بل كانت له اتجاهات مختلفة . وكانت له قرارات متناقضة أحيانا. فأحيانا كانت مواقف القضاء تعطي الأولوية للتشريع الوطني علي الاتفاقيات الدولية، وتارة أخري العكس، أي كانت ترجع الاتفاقيات الدولية علي التشريع الوطني . وموقف ثالث اتخذه المجلس الأعلى للقضاء وهو موقف وسط انطلاقا من تأويل المادة 11 من الميثاق الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966 حيث قضي المجلس الأعلى بسمو الاتفاقيات الدولية علي التشريع الوطني حينما لا يتعارض موضوعها مع الدين الإسلامي . وهو نفس الموقف الذي تبناه الفقه المغربي.

أما عن العلاقة بين الاتفاقيات الدولية والدستور المغربي فإن منطوق الفصل 31 الفقرة الثانية ينص ” تقع المصادقة علي المعاهدات التي يمكن أن تكون غير متفقة مع نصوص الدستور باتباع المسطرة المنصوص عليها فيما يرجع لتعديله.

ويفهم من هذه الصياغة أن المعاهدات الدولية أسمي من الدستور المغربي لأنهما حينما يتعارضان يجب تعديل الدستور.

ونجد نفس ما كان موجودا في الدستور السابق وهو المقتضي الذي جاء في الفقرة الأخيرة من الفصل 55 والتي تنص علي أنه عندما يكون التزام دولي يتضمن بندا يخالف الدستور، فإن المصادقة علي هذا الالتزام لا تقع إلا بعد مراجعة الدستور. وهذا ما قد يجعلنا نستنتج كما في الدستور السابق صراحة سمو الاتفاقيات الدولية علي التشريع المغربي.

ونجد في الدستور الجديد لسنة 2011 مجموعة من الإضافات منها تطور عدد المرات التي ذكرت فيها الاتفاقيات الدولية، فنجد في كل الفصول التالية ذكر للاتفاقيات الدولية وان كان تارة نجد مصطلح اتفاقي دولية وتارة تعهدات المغرب الدولية وتارة بطريقة ضمنية، فنجد الفصول 19، 55، 42، 49، 92، 132 تشير للاتفاقيات الدولية، وارتفاع عدد الفصول التي تهم الاتفاقيات الدولية يوازيه توسع من الناحية النوعية، فنوع الاتفاقيات التي ينص عليها الدستور الجديد تهم اتفاقيات :

* السلم أو الاتحاد

* رسم الحدود

* ومعاهدات التجارة

* أو تلك التي تترتب عنها تكاليف تلزم مالية الدولة

* أو يستلزم تطبيقها اتخاذ تدابير تشريعية

* أو بحقوق وحريات المواطنات والمواطنين، العامة أو الخاصة

ويضيف نفس الفصل، أي الفصل 55 إمكانية وجود أنواع أخري من الاتفاقيات الدولية التي يعرضها الملك علي البرلمان قبل المصادقة عليها.

حسم الدستور المغربي الجديد الأمر فيما يتعلق بمسألة سمو الاتفاقيات الدولية علي التشريع المغربي الأقل درجة من الدستور، حيث نصت ديباجة الدستور المغربي علي سمو الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب، وفي نطاق أحكام الدستور، وقوانين المملكة، وهويتها الوطنية الراسخة، تسمو، فور نشرها، علي التشريعات الوطنية، والعمل علي ملاءمة هذه التشريعات، مع ما تتطلبه تلك المصادقة.

كما ينص الدستور الجديد علي استمرار المغرب في الانفتاح علي عالمية حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا.

وهو ما تؤكده ديباجة الدستور الجديد والذي يشترط بأن الاندماج في عالمية حقوق الإنسان يتم باحترام مقتضيات الدستور المغربي أولا واحترام قوانين المملكة والهوية الوطنية والثوابت الوطنية، والثوابت الوطنية هي طبعا كما جاءت في الفقرة الثالثة من الفصل الأول من الدستور: الدين الإسلامي، والوحدة الوطنية متعددة الروافد، والملكية الدستورية، والاختيار الديمقراطي ويعتبر الملك في الدستور الجديد الضامن لاحترام التعهدات الدولية للمغرب ([2]). والنص صراحة علي سمو الاتفاقيات الدولية علي التشريع الوطني وان جاء في ديباجة الدستور المغربي إلا أن للأمر أهمية خاصة لأن مكانتها أصبحت محددة فيه بخلاف الدساتير السابقة . حيث تم رفع الغموض حول القيمة القانونية لديباجة الدستور، فلها اليوم نفس قوة باقي فصوله طبقا لما نص عليه من أنه” يشكل هذا التصدير جزءا لا يتجزأ من هذا الدستور”.

ومن الإضافات التي جاء بها الدستور المغربي الجديد هو توسيع مجال المعاهدات التي لا يصادق عليها الملك إلا بعد الموافقة عليها بقانون ([3]). فطبقا لمقتضيات للدستور المغربي الملك هو الذي يختص بالمصادقة علي الاتفاقيات الدولية ولم يكن يعرض علي البرلمان في الدساتير السابقة إلا الاتفاقيات التي تكلف مالية الدولة، أما الأن فهو يعرض اتفاقيات أخري في مجالات متعددة .

وتعني المصادقة علي الاتفاقيات الدولية المسطرة التي بواسطتها تعترف الدولة بالاتفاقية الدولية؛ ولا تتناقض هذه الممارسة المتبعة من طرف المغرب مع ما ينص عليه القانون الدولي، فتقديرا منه للاختلافات الموجودة بين الدول المكونة للمجتمع الدولي فهو يترك لكل دولة سلطة تحديد الأجهزة المختصة في إبرام الاتفاقيات الدولية طبقا لقانونها الداخلي، ويجيز لها إمكانية التحفظ علي المقتضيات التي لا تتلاءم مع تشريعها الوطني، عبر ميثاق الأمم المتحدة صراحة علي هذا، حيث نص علي أن تتم المصادقة عليه من طرف الدول طبقا لقواعدها الدستورية ([4]).

وعلي الرغم من أن المواضيع التي ذكرت فيها الاتفاقيات الدولية قد ارتفع عددها في الدستور الجديد بالمقارنة مع الدساتير السابقة إلا أن موضوع مكانة الاتفاقيات الدولية في الدستور الجديد لا يزال غامضا وتبقي فرضية سمو المنظومة القانونية المغربية علي الاتفاقيات الدولية مطروحة.

المطلب الثاني: سمو المنظومة القانونية الوطنية علي الاتفاقيات الدولية

يعتبر الدستور تعبير عن الإيديولوجية السياسية الاقتصادية والاجتماعية للحكم في المغرب، له ثوابت ترفع بنيانه كالدين الإسلامي وكذا الالتزام بالمواثيق الدولية والمبادئ ذات القيمة الدستورية من قبيل مبدأ المساواة ومبادئ أخري هامة لحقوق الإنسان ويطلق علي كل هذه المكونات الكتلة الدستورية أو المجال الدستوري ولها قوة توازي باقي مقتضيات الدستور المغربي طبقا لمقتضيات الدستور الجديد، بعد أن أصبحت جزء لا يتجزأ منه كما يسمو الدستور داخل التنظيم القانوني المغربي وهذا السمو داخل التنظيم القانوني يعود بالدرجة الأولي لطريقة وضعه وتعديله.

يمكننا أن نستنتج سمو الدستور المغربي علي الاتفاقيات الدولية من خلال عدة نقط منها:

*الدستور هو مصدر قوة المعاهدات الدولية فهو الذي مكنها من قوتها وكان يمكنه ألا يفعل.

*وضعت الدستور المغربي لجنة تضم مختلف فعاليات المجتمع المغربي، لم تتقيد بأية اعتبارات قانونية، لأنها ليست سلطة عامة تخضع للقانون ولا تخضع لرقابة القضاء وبعد صياغته تم عرضه علي استفتاء شعبي.

* تتم مراجعة الدستور المغربي بطريقة محددة بمبادرة إما من الملك أو رئيس الحكومة أو رئيس مجلس النواب أو رئيس مجلس المستشارين، أو عضو أو أكثر من أعضاء أحد مجلسي البرلمان. وتعرض مشاريع ومقترحات مراجعة الدستور، بمقتضي ظهير علي الشعب قصد الاستفتاء. ولا تكون المراجعة نهائية إلا بعد إقرارها بالاستفتاء. وتتم هذه العملية تحت مراقبة المحكمة الدستورية التي تراقب صحة إجراءات هذه المراجعة، وتعلن نتيجتها. لكن التعديلات لا يمكنها أن تمس الأحكام المتعلقة بالدين الإسلامي، وبالنظام الملكي للدولة، وباختيارها الديمقراطي، وبالمكتسبات في مجال
الحريات والحقوق الأساسية المنصوص عليها في الدستور المغربي . فهذه المسطرة الخاصة التي يخضع لها تعديل الدستور تكسبه الجمود والصلابة.

* من أجل أن تصبح الاتفاقية الدولية نافذة في المغرب وفي مرتبة أسمي من التشريع لابد وأن تتم المصادقة عليها وتمر بعدد من المراحل القانونية الدستورية التي تدرسها وتقف علي مدي ملاءمتها مع الدستور المغربي والكتلة الدستورية. ولا يمكن إذا للاتفاقيات الدولية أن تخالف مقتضيات الدستور المغربي والكتلة الدستورية، والا سوف يتم إيقاف مسطرة المصادقة عليها حفاظا علي مرتكز السيادة الوطنية . وبخضوع الاتفاقيات الدولية لأحكام الدستور فإنها تحترم هويته الراسخة وما هذا إلا مظهر من مظاهر سمو الدستور وتجسيد له.

*يتم إخضاع الاتفاقيات الدولية لرقابة المحكمة الدستورية بحيث نص الدستور الجديد الفصل 55 الفقرة الثالثة علي أنه يمكن أن تعرض علي المحكمة الدستورية الاتفاقيات الدولية لفحصها والتأكد من أنها لا تتضمن بندا يخالف الدستور، وفي حالة إذا ما إذا صرحت المحكمة الدستورية بوجود ما يخالف الدستور فإن المصادقة لا تقع .وتتم الإحالة علي المحكمة الدستورية من طرف الملك أو رئيس مجلس النواب، أو رئيس مجلس المستشارين، أو سدس أعضاء المجلس الأول، أو ريع أعضاء المجلس الثاني .وهو نقل لما هو منصوص عليه صراحة في الدستور الفرنسي لسنة 1958 المادة 53 كما تم تعديلها في 23 يوليوز 2008.

وهذا الأسلوب للرقابة السابقة حين المصادقة علي الاتفاقيات الدولية هو المتبع في كل من فرنسا إسبانيا البرتغال وهنغاريا وبلغاريا وهو الأسلوب الذي ينسجم مع المادة 27 و 46 من معاهدة المعاهدات لسنة 1969.

وهذه الرقابة القبلية تعتبر أكثر احتراما لمقاصد القانون وحين وجود اختلاف بين الاتفاقية الدولية والمنظومة القانونية الوطنية يجيز القانون الدولي تقنيات لتجاوزها منها اللجوء إما للتحفظ أو مراجعة الدستور أو رفض الاتفاقية، وقد اختار المغرب كما هو الحال بالنسبة للعديد من الدول الأوروبية طريقة مراجعة الدستور وهو ما تنص عليه المادة 55 من الدستور المغربي الجديد لسنة 2011 والتي تشبه المادة 54 من الدستور الفرنسي والمادة 95 الفقرة من الدستور الإسباني. وهذا ما يفهم منه من جهة سمو الاتفاقيات الدولية علي الدستور المغربي إذ تتم المراجعة بسبب مخالفة مقتضيات الاتفاقية الدولية، وننتهي بإدماج أحكام الاتفاقيات الدولية في القاعدة الدستورية . لكن قراءة متأنية للدستور المغربي من جهة ثانية تجعلنا نستنتج فرضية سمو الدستور المغربي علي الاتفاقيات الدولية لأن المغرب وان كان منفتحا علي عالمية حقوق الإنسان إلا أنه يتحفظ علي الاتفاقيات الدولية التي تتعارض مع الدين الإسلامي، وطبقا للدستور الجديد لا يمكن أن يوافق المغرب علي ما يتعارض مع الدين الإسلامي لأنه من مكونات الهوية المغربية والتي لا يمكن أن يطالها التعديل طبقا لمقتضيات الدستور المغربي نفسه.

نلاحظ أن الدستور المغربي الجديد أغفل وضعية البروتوكولات التي تضاف للاتفاقيات الدولية التي يكون المغرب قد صادق عليها، فهل يتم التعامل معها علي أنها اتفاقيات جديدة تتطلب المصادقة؟ وكمثال علي ذلك نتساءل عن مسطرة الالتزام بالبرتوكول الاختياري الملحق باتفاقية حقوق الطفل والمتعلق بتقديم البلاغات والذي وقعه المغرب في شهر مارس من سنة 2012 ([5]

وأغفل الدستور الجديد وضعية التحفظات التي يقوم بها المغرب حين تعارض الاتفاقية الدولية مع الدستور المغربي . فهل يتم عرض الاتفاقية ثانية علي البرلمان حين يقرر المغرب رفعها تنفيذا لتوصيات دولية أم لا؟

ومن يكون له اختصاص رفعها خصوصا أن للتحفظات أهمية خاصة إذ أنها تقنية يجيزها القانون الدولي لتجاوز كل خلاف بين المنظومة القانونية الوطنية والاتفاقية الدولية. من هنا تمارس دول العالم حق التحفظ الذي يكفله القانون الدولي بموجب اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات الصادرة سنة 1969 علي بعض البنود التي تري الدولة من وجهة نظرها، أنها لا تتوافق وقوانينها الداخلية . وانطلاقا من كون المغرب بلدا إسلاميا تحفظ علي مجموعة من المعاهدات، الغير منسجمة مع المرجعية الإسلامية للدولة، خاصة المادة الثانية من اتفاقية القضاء علي كل أشكال التمييز ضد المرأة، والتي عبر عن استعداده لتطبيق أحكامها بشرط “ألا تمس متطلبات الدستور، التي تنظم قواعد وراثة عرش المملكة المغربية أو أن لا تتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية.”

نص الدستور المغربي الجديد صراحة علي أن المعاهدات الدولية لكي تسمو علي المنظومة القانونية الوطنية فلا بد ألا تتجاوز بعض الحدود وهي خطوط حمراء، وهذه الحدود أساسا هي الهوية الإسلامية للمجتمع المغربي، وما لم تكن مقتضيات تلك المواثيق الدولية تتعارض ومقومات الدولة المغربية فإنها تسمو علي القوانين الداخلية، وقد تحفظ المغرب علي اتفاقية مناهضة جميع أشكال التمييز ضد المرأة ([6])، ثم عاد ليرفع تحفظه فهل الظروف التي دفعته للتحفظ لم تعد قائمة ؟ فكيف سيدبر المغرب الأمر؟ طرح هذا الموضوع مجموعة من التساؤلات ألم يكن من الأجدى عرض مسألة رفع هذه التحفظات علي البرلمان ؟ ألا يعتبر هذا منافيا للكتلة الدستورية التي تفرض احترام مقتضات الدين الإسلامي والتي تجعل فرضية سمو الدستور المغربي واردة بقوة؟

من خلال ما سبق نقول بأن الدستور المغربي قد خطي خطوة إلي الأمام فيما يتعلق بنصه علي سمو الاتفاقيات الدولية علي التشريع المغربي، لكنه لم يبدد الغموض فيما يتعلق بمسألة سمو الدستور علي الاتفاقيات الدولية وهو ما يدعو القضاء والفقه للعمل بجدية في هذا الموضوع الهام، والي ذلك الحين تصدق كل هذه الفرضيات التالية:

1-سمو الدستور علي الاتفاقية الدولية،

2- سمو الاتفاقية الدولية علي الدستور المغربي .


[1] الفصل 31 من دستور 1996: يوقع الملك المعاهدات و يصادق عليها غير أنه لا يصادق علي المعاهدات إلي تترتب عليها تكاليف تلزم مالية الدولة إلا بعد الموافقة عليها بقانون . تقع المصادقة علي المعاهدات التي يمكن أن تكون غير متفقة مع نصوص الدستور باتباع المسطرة المنصوص عليها فيما يرجع لتعديله.

[2] الفقرة الأولي من الفصل 42 من الدستور المغربي لسنة 2011″ الملك، رئيس الدولة، وممثلها الاسمي، ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها، والحكم الاسمي بين مؤسساتها، يسهر علي احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية، وعلي صيانة الاختيار الدمقراطي، وحقوق وحريات المواطنين والمواطنات والجماعات، وعلي احترام التعهدات الدولية للمملكة”.

[3] الفصل 55

يعتمد الملك السفراء لدي الدول الأجنبية والمنظمات الدولية، ولديه يعتمد السفراء، وممثلو المنظمات الدولية.

يوقع الملك علي المعاهدات ويصادق عليها، غير أنه لا يصادق علي معاهدات السلم أو الاتحاد، أو التي تهم رسم الحدود، ومعاهدات التجارة، أو تلك إلي تترتب عنها تكاليف تلزم مالية الدولة، أو يستلزم تطبيقها اتخاذ تدابير تشريعية، أو بحقوق وحريات المواطنات والمواطنين، العامة أو الخاصة، إلا بعد الموافقة عليها بقانون .

للملك أن يعرض علي البرلمان كل معاهدة أو اتفاقية أخري قبل المصادقة عليها. إذا صرحت المحكمة الدستورية، إثر إحالة الملك أو رئيس مجلس النواب، أو رئيس مجلس المستشارين، أو سدس أعضاء المجلس الأول، أو ربع أعضاء المجلس الثاني، الأمر إليها، أن التزاما دوليا يتضمن بندا يخالف الدستور، فإن المصادقة علي هذا الالتزام لا تقع إلا بعد مراجعة الدستور.

[4] المادة 110 من ميثاق الأمم المتحدة .

[5] بعدما كان المغرب في السابق يرفض رفضا تاما لجوء مواطنيه للمحاكم الدولية في حالة تضررهم بخرق حقوقهم، لأنه كان يعطي الأسبقية لسيادته الوطنية مكتفيا بالطرق الداخلية إلي تمكنه من حماية حقوقه ومن أهم هذه الطرق اللجوء للقضاء. لكن منذ انخراط المغرب في البروتوكول الاختياري الأول للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في فبراير 2005 أصبح من الممكن للجنة حقوق الإنسان المنشأة بموجب أحكام الجزء الرابع من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية باستلام الرسائل المقدمة من الأفراد الذين يدعون أنهم ضحايا أي انتهاك لأي حق من الحقوق المقررة في العهد بعد أن يكونوا قد استنفدوا طرق الطعن الداخلية.

[6] اتفاقية القضاء علي جميع أشكال التمييز ضد المرأة التي اعتمدتها الجمعية العامة في 18 دجنبر 1979 وصادق عليها المغرب في 21 يونيو 1993 ونشرها في الجريدة الرسمية عدد 4866 بتاريخ 18 يناير 2001

https://powderencouraged.com/zht6b3bs66?key=8523542c4aaf6f083ce56f74bd271319
https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من فضاء المعرفة القانونية -espace connaissance juridique

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading