بنية توزيع السلطة في الدستور المغربي الجديد

Written by

·

 يعتبر الدستور المستفتي حوله في فاتح يوليو/يوليوز 2011 ([1]) السادس بعد دساتير سنوات 1962، 1970، 1972، 1992، 1996. فخلال خمسة وخمسين عاماً على استقلال المملكة المغربية صدرت ست وثائق دستورية، أي بمعدل دستور على رأس كل تسع سنوات، وهو متوسط له دلالته من الناحيتين الدستورية والسياسية. فمن جهة، هناك حاجة متجددة إلى تنقيح ومراجعة الوثيقة الدستورية، الأمر الذي يعكس حيوية المجال السياسي وحركية فاعليه السياسيين والاجتماعيين.

بيد أن اللجوء المنتظم إلى إعادة النظر في الوثيقة الدستورية وتعديل أحكامها قد يعبر، من جهة أخرى، عن صعوبة استقرار فكرة التعاقد الاجتماعي التي يعتبر الدستور أسمى تجسيد لها ([2]). والواقع أن المطلب الدستوري ظل قضية مفصلية في جدلية التقارب والتباعد بين مكونات الحقل السياسي المغربي، بل شكل أحد أبرز مصادر الاختلاف لحظة وضع أسس بناء الدولة الوطنية الحديثة بعد الاستقلال [1961-1956]، كما ظل مكمن التوتر بين المؤسسة الملكية والأحزاب سليلة الحركة الوطنية ([3])، لما يزيد عن ثلاثة عقود من الزمن [1996-1962] ([4]).

يختلف نظر المغاربة حول ما إذا كانت التواريخ المشار إليها أعلاه ]1962، 1970، 1972، 1992، 1996، 2011 [ يعبر كل واحد منها عن صدور دستور جديد، أم لا تعدو أن تكون مجرد “مراجعات دستورية” ضمن نفس النسق الدستوري، الذي حدد فلسفته ومنطلقاته العامة الدستور التأسيسي للعام 1962، ويتساءلون، من جهة أخرى، حول ما إذا كانت الوثيقة الدستورية الأخيرة ]2011[ نقلة نوعية متضمنة فلسفة دستورية جديدة تقطع مع الإرث الدستوري السابق، وتؤسس لمنطق دستوري جديد، يختلف في مبناه ومعناه عن المنطق الذي حكم الحياة الدستورية والسياسية مدة ما يقرب من نصف قرن ] 1962-2011[ ؟.

تنطلق الدراسة من أن المغرب شهد دستورين اثنين، هما: الدستور التأسيسي لعام 1962، والوثيقة الموافق عليها في استفتاء فاتح يوليوز 2011، أما بقية التواريخ المشار إليها سلفا، فلا تعدو أن تكون مجرد تعديلات ومراجعات دستورية، إما تراجعت عن دستور 1962، كما حصل سنة 1970، أو ظلت ضمن سقفه العام ولم تتجاوزه، كما هو حال وثائق 1972، 1992، 1996. وتشدد الدراسة، من جهة ثانية، إلى أن استفتاء فاتح يوليوز 2011، وإن جاءت وثيقته متضمنة العديد من الأحكام والمقتضيات الدستورية الجديدة، وحبلى بالمبادئ والقواعد غير مألوفة في ما سبقها من نصوص دستورية، فقد كرس اتجاه التغيير ضمن الاستمرارية، ولم يمس البنية العميقة لتوزيع السلطة، ما يعني أننا لسنا أمام فلسفة دستورية جديدة تقطع مع تلك التي رسمها الدستور التأسيسي لعام 1962، وتصوغ أخرى من شأنها التأسيس لمرحلة سياسية نوعية في علاقة الدولة بالمجتمع… إنها الملاحظة الجوهرية التي نروم البرهنة عليها عبر قراءة داخلية لهندسة الوثيقة الدستورية الجديدة، وما تضمنت من أحكام ومقتضيات.

فهكذا، سمحت لنا القراءة الفاحصة للدستور المغربي الجديد، في ضوء التحديد أعلاه، بالإقرار بأن الوثيقة وضعت في مبناها ومعناها على فلسفة دستورية تروم التغيير ضمن الاستمرارية. فمن التصدير وإلى غاية أحكام الباب الثالث عشر ]ف. 175[، ثمة مقتضيات جديدة لم تتضمنها المراجعات الدستورية السابقة، بما فيها الدستور التأسيسي الصادر في 14 دجنبر 1962 ([5])، وإلى جانبها هناك تحويرات دققت، ووضحت، وأزالت الغموض الذي اكتنف العديد من الأحكام، بسبب اقتضاب نصوصها، أو عدم دقة صياغتها. وقد تم الإبقاء، في مستوى ثالث، جزئيا أو كليا على فصول كثيرة من وثيقة 1996 ([6])، وهذا أمر يحدث في العديد من التجارب الدستورية غير المصاغة على فكرة القطيعة، مع الإشارة إلى أن مجهودا واضحا بذل لتشذيب لغة الصياغة وتحسينها، وتجاوز العديد من الهنات مقارنة مع النصوص الدستورية السابقة، بل إن الوثيقة المصوت عليها في استفتاء فاتح يوليوز 2011 تضمنت مصفوفة من المفاهيم والمصطلحات العصرية المألوفة في التداول الدولي، وأدبيات المنظمات الدولية.

يمكن ملامسة فلسفة التغيير ضمن الاستمرارية في طبيعة التوزيع “الجديد” للسلطة ضمن هندسة الوثيقة الدستورية. فمن جهة، لم يحدث تغير جوهري في مكانة الملك في نص الدستور قياسا مع الدساتير السابقة، حيث استمرت المؤسسة الملكية متمتعة بمجمل الصلاحيات والسلط اللازمة لقيادة البلاد وضمان استقرارها واستمرارها، ولا يجد قارئ الوثيقة الجديدة أي عناء في استخراج المفاتيح التي ضمنها المشروع الجديد للملك لممارسة سلطة فعلية. ومن جهة ثانية، تم تفويض صلاحيات ظل الملك يمارسها في الدساتير السابقة فهي سلط مفوضة وليست مفوتة، أو متنازلاً عنها نهائيا، ما يعني أن المفوض له، طبقا لنظرية التفويض، يمارسها وفق الحدود المرسومة له سلفا من قبل المفوض. وقد نلاحظ، في مستوى ثالث، إزالة بعض الصلاحيات نتيجة التحويرات الجديدة، أو تفويتها نظرا لمحدودية قيمتها الاستراتيجية في الهندسة الدستورية للوثيقة الجديدة. ونميل إلى الظن أن مصدر حصول تغير ضمن الاستمرارية ضمن التوزيع الجديد للسلطة في الوثيقة الدستورية راجع بدرجة أساسية إلى طبيعة الجغرافيا السياسية والاجتماعية المغربية. فواقع النخب السياسية، ودرجة الوعي الديمقراطي للمجتمع، وطبيعة الثقافة السياسية الناظمة لمؤسسات الدولة ونسيج المجتمع…كلها متغيرات جعلت التغيير ضمن الاستمرارية الخيار الأنسب والأمثل لمسار الإصلاح الدستوري، كما جسدته الوثيقة المصوت عليها شعبياً بالإيجاب في فاتح يوليوز 2011.

  • استمرار الملكية فاعلا استراتيجيا. تحظى الملكية بمكانة محورية في النسيج التاريخي والاجتماعي والسياسي المغربي، ولعل ذلك ما يفسر ديمومتها واستمرارها مؤسسة فاعلة ومميزة عن مثيلاتها من الملكيات، أو الأشكال الشبيهة بها على الصعيد العربي الإسلامي. بيد أن الملكية المغربية لا تستمد قوة استمرارها من قدرتها على إعادة إنتاج المشروعية وتجديد أشكال التواصل مع نخب المجتمع ومكوناته فحسب، بل تنهل ذلك أيضا من تعدد أنماط المشروعية وتعددها، وتداخلها، وانصهارها. فالمتابع لتطور النظام السياسي المغربي، على امتداد أكثر من خمسة عقود على الاستقلال، يجد صعوبة في فهم مفارقة وجود ملكية وفية للماضي، محافظة على التقليد وموظفة له، ميالة إلى الانفتاح المحدود والمراقب، إلى جانب نخبة وطنية تجهد من أجل بناء دولة عصرية، على صعيد المؤسسات وأليات الممارسة السياسية ([7]).

بيد أن النظام السياسي المغربي، وعلى الرغم من قدرته على المحافظة على التوازن والإشراف على مختلف مكوناته السياسية والاجتماعية، لم ينج من حركات النقد والاعتراض على أدائه، بل إن أصواتا متزايدة ما انفكت تطالب بتجديد المؤسسة الملكية، وعصرنتها، ونزع طابع التقليد والقداسة عنها، من خلال إصلاح الوثيقة الدستورية أولا، وعبر بث روح الحداثة في طقوس المؤسسة الملكية وقواعد ممارستها ثانيا. ومن الجدير بالإشارة أن موجة الاحتجاج الاجتماعي التي ظهرت في سياق ما أصبح يسمى “الربيع العربي “، أي “حركة 20 فبراير”، وإن اختلفت عن نظيراتها من الحركات في العالم العربي من حيث عدم رفعها شعار “إسقاط” النظام، فقد طالبت بتحويل الملكية من “ملكية تنفيذية حاكمة” إلى “ملكية برلمانية ديمقراطية”، ما يعني إعادة تقسيم السلطة على فلسفة جديدة، وتحد من سلطة المؤسسة الملكية، وتعيد، بالمقابل، الاعتبار للبرلمان وتقوي شخصية الحكومة وتمنحها السلطات اللازمة لتمكينها من وضع السياسات العمومية وتنفيذها وتحمل مسؤولية نتائجها.

تتبوأ الملكية في بنية الهندسة الدستورية الجديدة منزلة بين المنزلتين، فلا هي استمرت “ملكية تنفيذية”، كما كان عليه الأمر قبل صدور الدستور الجديد ]1962-2011[ ولا هي تحولت بشكل واضح ونهائي إلى ملكية برلمانية ديمقراطية، كما طالب قطاع من النخبة السياسية بذلك.. فقد حدد الفصل الأول من الدستور الجديد طبيعة الملكية بالقول: “نظام الحكم بالمغرب نظام ملكية دستورية ديمقراطية برلمانية واجتماعية”. ففي الواقع، لم يأت الفرق كبيرا على صعيد الصياغة بين الدساتير السابقة والوثيقة المصوت عليها في استفتاء فاتح يوليوز 2011. فالفصل الأول من دستور 1996 كان يقضي بأن “نظام الحكم بالمغرب نظام ملكية دستورية ديمقراطية واجتماعية”، أما نظيره في الدستور الجديد فأضاف كلمة “برلمانية” لتصبح “ملكية دستورية، ديمقراطية برلمانية واجتماعية”. فهل معنى ذلك أننا بصدد تغيير جوهري في مفهوم الملكية، ومكانتها، وطبيعة علاقتها بالمؤسسات الدستورية الأخرى؟، وهل تسعفنا قراءة وثيقة الدستور في تأكيد هذا المنحى؟.

من الجدير بالإشارة أن ثمة فهما خاصا للملكية في المغرب، يبتعد في معناها ومبناه عن التصورات التي ألت إليها تجارب الملكيات في أوروبا، حيث أصبحت في مجملها مؤسسات سائدة لا حاكمة. ومع ذلك لابد من التنبه إلى أن الملكيات الأوروبية، وعلى الرغم من تراجعها التدريجي في التاريخ لصالح البرلمانات والحكومات، مازالت الدساتير تحتفظ لها، وإن بدرجات متفاوتة من نظام إلى أخر، بالكثير من الصلاحيات على الصعيد الدستوري والنظري، كما هو حال دستور بلجيكا، الذي يعد أقدم الدساتير الأوروبية، ودستور مملكة الدنمرك (1953)، والدستور الإسباني (1978)، باعتباره أخر دساتير أوروبا في القرن العشرين. لذلك، ليس مهما، في تقديرنا، تجريد الملكيات من سلطاتها وتحويلها إلى أريكة فارغة، بل الأهم أن تكون الديمقراطية خيارا لا رجعة فيه، وأن توضح قواعد اللعبة، وتعزز بضمانات وأليات تجعل ممارستها فعلية وسليمة، وأن يتم توزيع السلطة بقدر كبير من التوازن والتكامل الفعال في الأدوار والمسؤوليات، وأن تصبح الثقة المتبادلة قيمة سياسية ومجتمعية منبثة في الثقافة السياسية للدولة والمجتمع… والحقيقة أن هذا الأمر حاصل في أوروبا منذ مدة، وهو الذي يفسر التراكم الهائل في فعالية النظم السياسية ونجاعة أداء مؤسساتها الدستورية.

استمرت الملكية في المغرب، خلافا لما تم توضيحه أعلاه، مؤسسة حاكمة، وحاضرة بقوة في المجال السياسي. فمن جهة الدساتير التي تعاقبت منذ صدور أول وثيقة عام 1962، تبوأت الملكية مكانة الصدارة في الهندسة الدستورية، كما تقوت بفعل تعدد أنماط مشروعيتها التاريخية، والدينية، والدستورية ([8])، ومن الزاوية السياسية، أثبتت الممارسة أن المؤسسة الملكية فاعل أساسي، بل ظلت الفاعل الأكثر تحكما في توازنات الحقل السياسي المغربي. لذلك، لم يتردد الملك الحسن الثاني، حين سئل في أعقاب الاستفتاء على دستور 1962 عن دوره في المنظومة الدستورية والسياسية، في القول: “إن السؤال يجعل منا حكما، وأنا متيقن أن الكثيرين قالوا إن سلطات الملك ضخمة، ولكن، أيها السادة، ليعلموا بكل بساطة أن الملك لم يأخذ إلا ما يلزمه ليتمكن من التدخل إذا تعثر سير الأمور، أو للمساعدة على سيره، وسأقول لهم أخيرا، وكمثال بسيط، تخيلوا فرقتين لكرة القدم في ملعب، وانزعوا من الحكم سلطة التصفير وطرد لاعب، والعبوا أيها السادة…”([9]). والحقيقة أن “التحكيم” في مفهوم الملكية الحاكمة يحافظ للملك على دوره التاريخي في التدخل والتواصل مع مختلف مكونات المجتمع، بغية إقرار قدر من التوازن، والانسجام، والمواءمة، وهو ما أكدته، ودافعت عن رجاحته أنماط من التأليف التاريخي الوطني المغربي ([10])، وناكفته العديد من الكتابات الأجنبية ([11]).

تتجلى المكانة الوسطى للملكية في الهندسة الجديدة في الإمكانيات التي تضمنتها الوثيقة الدستورية، حيث حافظت للملك، كما سبقت الإشارة، على عصب الاختصاصات التي درجت الدساتير السابقة على إسنادها إياه، وفي الوقت ذاته أقرت مبادئ وقواعد جديدة من شأنها تقوية السلطة التشريعية، وتعزيز دور الحكومة ورئيسها، وبث روح المساءلة والمحاسبة. فما يجب أن يكون حاضراً في وعينا، ونحن نفحص الوثيقة الدستورية الجديدة لمعرفة ما إذا كانت أحكامها تنحو إلى القطع مع الملكية التنفيذية، هو أن الانتقال إلى الملكية البرلمانية، كما حصل في مصادرها الأصلية (بريطانيا على سبيل المثال) راجع بدرجة أساسية إلى التغيرات المفصلية الحاصلة في الجغرافيا السياسية والاجتماعية الإنجليزية، أي الانتقال التدريجي من المشروعية التاريخية والتقليدية المجسدة في مؤسسة التاج أولاً، والمؤسسة الملكية لاحقا، إلى المشروعية الديمقراطية النابعة من إرادات الناس وسيادتهم، وقد تكاملت مع هذا الانتقال وعضدته التغيرات العميقة التي طالت نظام الأحزاب وفلسفة الانتخاب وارتفاع درجة الثقافة السياسية الديمقراطية لعموم الشعب البريطاني… إنها في الظن المصدر الحاسم في ميلاد الملكية البرلمانية الديمقراطية في بريطانيا على سبيل المثال. والواقع أننا حين نشير إلى هذا النموذج التاريخي، لا يعني اعتماده مفهوما إرشاديا للاستنساخ، بقدر ما نتوخى من استخلاص أهمية التطور التدريجي، والنضج والوعي والثقافة السياسية في الاستقرار على نمط معين للحكم دون غيره. لذلك، فالملكية البرلمانية في المغرب إن ارتضاها المغاربة ووافقوا عليها في المستقبل لن تكون إلا من صنعهم وحدهم، ما يعني أن أي تغير عميق يطال جغرافيتهم السياسية والاجتماعية سيكون حاسما في الانتقال إلى هذا النمط من الحكم.

يمكن الفصل إجرائيا بين مجالين في قراءة مكانة الملكية في الهندسة الدستورية الجديدة، وهو ليس، في كل الأحوال، فصلاً قطعيا، لأن المستويين معا يتكاملان في إبراز مكانة المؤسسة الملكية في المنظومة الدستورية والسياسية. يتعلق المجال الأول بما له صلة بـــ “المشروعية الدينية” وتوابعها، في حين يخض الثاني الاختصاصات ذات العلاقة بــــ “المشروعية الدستورية” أو “الديمقراطية”، التي يتمتع بها مجمل الرؤساء في النظم السياسية المعاصرة.

– لم يشذ الدستور المغربي الحالي (2011) ([12]) عما سبقه من الدساتير من حيث تكريسه للمكانة الدينية للملك. وعلى الرغم من الانتقادات والاعتراضات التي طالت الأحكام الدستورية ذات الصلة بـــ “المشروعية الدينية”، وفي صدارتها الفصل 19 ([13])، فقد تم تثبيت المقتضيات نفسها مع بعض التحويرات غير الجوهرية. فما هو لافت للانتباه في الصياغة الجديدة للدستور أن الرقم 19، الذي ظل هو نفسه على امتداد الدساتير السابقة، قد تغير وأصبح يحمل رقم 41 و42، ولعل من شأن هذا التغيير في الترقيم أن يساعد المغاربة نسبيا على إعادة تشكيل وعيهم حيال هذا الفصل، وصياغة فهم جديد لقيمته في الوثيقة الدستورية، وإدراك أهميته المركزية في الحياة السياسية والمؤسساتية إجمالاً. والحقيقة أعطيت حمولة كبيرة وثقيلة للشق الأول من الفصل التاسع عشر، الذي يقضي بأن “الملك أمير المؤمنين…” ([14])، إلى حد ارتهنت فصول دستورية كثيرة بالتأويلات التي طالت مبناه ومعناه، علما أن واضعي هذا الفصل في الدستور التأسيسي لسنة1962 لم يكن وارداً في خلدهم أن يكتسي الأبعاد التي عرفها منذ عامي 1982 و1983 ([15])، بل امتدت دائرة التأويلات لتضعف عمل بعض المؤسسات (البرلمان تحديداً)، أو تحل محلها، وهذا ما يفسر، في الواقع، الجدل الذي ناله هذا الفصل في العقدين الأخيرين. ونعتقد أن الشق الأول من الفصل التاسع عشر ]19[ الخاص بالمكانة الدينية للملك، أي لقب أمير المؤمنين، لم يكن في مكنه إثارة أي جدل أو خلاف لو بقي محصورا في نطاق المعاني والدلالات الطبيعية التي كانت وراء إصرار واضعي دستور 1962 على تضمين هذا اللقب في نص الوثيقة الدستورية ([16]). فالمأمول إذن في أفق تفعيل مقتضيات الدستور الجديد، أن نعود إلى ما فكر فيه واضعو الفصل التاسع عشر، ونقطع مع التأويل المضر بروح الدستور، البعيد عن المعاني الرمزية التشريفية والبروتوكولية لمفهوم “إمارة المؤمنين”.

لذلك، أعتقد أن الدستور الجديد يعتمد هذا المنحى من خلال الصياغة المغايرة للمقتضيات ذات الصلة بالمكانة الدينية للمؤسسية الملكية. فمن جهة، ميز بين “المشروعية الدينية” للملك، كما هو متضمن في الفصل الحادي والربعين (41)، ومشروعيته الدستورية كملك للبلاد ورئيس للدولة، وهو ما قضى به الفصل الثاني والأربعون (42)، والحال أن القصد من هذه الصياغة، كما يمكن أن يستنتج أي قارئ للدستور المغربي، يروم فصل المجال الديني عن نظيره السياسي أو المدني، ما يعني أن لكل مجال مقتضياته الخاصة، التي لا تسمح بالتداخل، كما لا تجيز الخلط والمزج. ثم إن الوثيقة الدستورية جاءت واضحة في دسترتها العديد من المبادئ والقواعد والمرتكزات التي من شأنها درء مخاطر التأويل المومإ إليه أعلاه، لعل أهمها دسترة مبدأ فصل السلطات، واعتماد، لأول مرة، الخيار الديمقراطي ثابتا رابعا للمملكة إلى جانب “الدين الإسلامي، والوحدة الترابية، والملكية”، والأكثر قضى الدستور في الفقرة الثالثة من الفصل الثاني والأربعين بأن يمارس الملك “السلطات المخولة له صراحة بنص الدستور”. علاوة على ذلك، واستكمالاً لتوضيح سلطات الملك الدينية، تمت دسترة “المجلس العلمي الأعلى”، الذي أسندت إليه حصرا وظيفة الإفتاء المعتمدة رسميا، علما أن رئاسة هذه الهيئة من حق الملك وفق الفقرة الثانية من الفصل الحادي والأربعين: “يرأس الملك، أمير المؤمنين، المجلس العلمي الأعلى، الذي يتولى دراسة القضايا التي يعرضها عليه”.

إلى جانب “إمارة المؤمنين”، وما ترتب عن توظيفها من إشكاليات دستورية وسياسية، وفي صدارتها تأويل مقتضيات الفصل التاسع عشر لتوسيع مجالات تدخل الملك، أثيرت قضية “القداسة”، وتكريس أحكام الدستور لها. فما يمكن ملاحظته في الدستور الجديد حذف كلمة “مقدس” أو “قداسة”، التي وردت في الفصل الثالث والعشرين من دستور 1996 ) شخص الملك مقدس لا تنتهك حرمته)، وإعادة صياغتها في الفصل السادس والأربعين (46)، كالتالي: “شخص الملك لا تنتهك حرمته، وللملك واجب التوقير والاحترام”. ثم إن خطبا ملكية عديدة ما انفكت تستعمل كلمة “الملكية المواطنة”، و”الملك المواطن”، لعل أخرها خطاب 17 يونيو 2011، حين أشار إلى تكريس مشروع الدستور لـــ “الملكية المواطنة، والملك المواطن “، وعدد مظاهر هذا التكريس في التغيير الحاصل في الفصل السادس والأربعين، الذي لم يتضمن كلمة “مقدس” حين حديثه عن شخص الملك، ورفع سن رشده إلى ثمانية عشرة سنة [18]([17]) إسوة بباقي المغاربة، وأناط رئاسة مجلس الوصاية إلى رئيس المحكمة الدستورية، باعتبارها مسؤولة عن احترام الدستور.

  • تضمنت الهندسة الدستورية الجديدة، إلى جانب الأحكام الخاصة بالمكانة الدينية للملك، جملة من الصلاحيات، منها ما كان موجودا في الدساتير السابقة، لاسيما وثيقة 1996، وأخرى تم تحويرها دون المساس بجوهره، وثالثة أحدثت لأول مرة في سياق الدسترة الجديدة لبعض المبادئ والمؤسسات.
  • فمن الاختصاصات التي عرفت تحويرات في الدستور الجديد، سلطة تعيين الوزير الأول. إذ خلافا لما كان يقضي به الفصل الرابع والعشرون (24) ([18])، ألزم الفصل السابع والأربعون (47) الملك بتعيين الوزير الأول الذي أصبح يسمى في الوثيقة الدستورية الجديدة رئيس الحكومة من “الحزب الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها، ويعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها”. والواقع أن التحوير الجديد فصل في جدل دستوري ما انفك يعرض أراء النخبة السياسية إلى الاختلاف والانقسام، لاسيما بعد التعديلات التي طالت الدستور عامي 1992 و1996، حيث أصبح الوزير الأول يشارك في اقتراح أعضاء حكومته على الملك، وغدا مجبرا على تقديم برنامجه السياسي أمام البرلمان من أجل الموافقة عليه. إلى جانب ذلك، سمح الدستور الجديد لرئيس الحكومة باقتراح “إعفاء عضو أو أكثر من أعضاء حكومته ” على الملك، كما سمح له بطلب انعقاد المجلس الوزاري، الذي يمكن للملك، وفقا للفصل الثامن والأربعين (48) أن يفوض إياه رئاسة اجتماعاته، الأمر الذي لم يكن جائزا دستورياً من قبل، وإن التمست بعض الأحزاب الوطنية هذا المطلب في إحدى المذكرات المرفوعة إلى الملك ([19]). وفي السياق نفسه، سمح الفصل الرابع والخمسون من الدستور الجديد للملك بتفويض رئاسة اجتماع “المجلس الأعلى للأمن” لرئيس الحكومة على أساس جدول أعمال محدد ([20])، إضافة إلى توليه ]رئيس الحكومة[ اقتراح التعيين في الوظائف المدنية من قبيل: والي بنك المغرب، السفراء، والولاة والعمال، والمسؤولين عن الإدارات المكلفة بالأمن الداخلي، والمسؤولين عن المؤسسات والمقاولات العمومية الإستراتيجية، وذلك بمبادرة من الوزراء المعنيين.
  • علاوة على الاختصاصات التي أصبحت مفوضة من الملك لرئيس الحكومة، استمر الملك، وفقا للهندسة الدستورية الجديدة، يمارس مجموعة من الصلاحيات الخاصة به كرئيس للدولة، ومنها: رئاسته للمجلس الوزاري، الذي يتداول، وفقا للفصل التاسع والأربعين، في النصوص والقضايا الاستراتيجية، ومنها: التوجهات الاستراتيجية لسياسة الدولة، ومشاريع مراجعة الدستور، ومشاريع القوانين التنظيمية، والتوجهات العامة لمشروع قانون المالية، ومشاريع القوانين، ومشروع قانون العفو العام، ومشاريع النصوص المتعلقة بالمجال العسكري، وإشهار الحرب. كما احتفظ، أسوة بباقي رؤساء دول العالم، بحق “إصدار الأمر بتنفيذ القانون”، وإن كانت أحكام الدستور منذ تعديل 1992، قد حددت أجله في شهر، وحق حل مجلسي البرلمان، وحقه في خطابة البرلمان، دون أن يكون خطابه موضوع مناقشة، وقيادته العليا للقوات المسلحة الملكية، ورئاسته للمجلس الأعلى للأمن، واعتماده السفراء والقناصل، ورئاسته المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وممارسة حق العفو، ناهيك عن حقه في الإعلان عن حالة الاستثناء، وفقا للفصل التاسع والخمسين من الدستور الحالي ([21]).
  • برلمان متأرجح بين العقلنة والتطوير. يتسم الدستور المغربي الجديد بكونه تضمن، إلى جانب محافظته على المكانة السامية للمؤسسة الملكية، تعديلات إيجابية كثيرة بخصوص موقع كل من البرلمان والحكومة ورئيسها، دون أن تصل نوعية هذه التحويرات إلى درجة الانتقاص من الحضور الوازن والمقرر للملك في المنظومة الدستورية والسياسية، أو تخلق سلطة موازية له أو منافسة لمكانته، ونميل إلى الظن أن السقف غير القابل للتجاوز كان واضحا بالنسبة للجنة الاستشارية المعهود لها بوضع دستور جديد، وإن شدد خطاب 9 مارس 2011 المعلن عن مشروع الإصلاح الدستوري، على ضرورة إعمال “الاجتهاد الخلاق” حين الإعداد لمشروع الوثيقة الدستورية الجديدة، ما يعني حفز اللجنة على التأويل الإيجابي للمرتكزات السبعة الموجهة لعملية الإصلاح المتضمنة في نص الخطاب الملكي سالف الذكر.

فهكذا، لم تقطع الوثيقة الدستورية الجديدة نهائيا مع مبدأ “العقلنة البرلمانية”، الذي درجت كل دساتير المغرب على الأخذ به، استلهاما من التجربة الدستورية للجمهورية الفرنسية الخامسة ([22])، وإن توسعت اختصاصات البرلمان لتمتد إلى مجالات جديدة. غير أن التعديلات التي طالت مؤسسة الحكومة ورئيسها تضمنت عناصر جديدة، إما ترددت الدساتير السابقة في الحسم في دسترتها، كما هو حال تعيين رئيس الحكومة من الحزب صاحب الأغلبية في مجلس النواب، أو لم تقع الاستجابة إليها نهائيا من قبل الإصلاحات الدستورية السابقة.

تأرجحت الوثيقة الدستورية المغربية الجديدة بين الاستجابة نسبيا للدعوات المطالبة بإقرار “الملكية البرلمانية” ([23])، والسعي إلى تطوير المؤسسة التشريعية من خلال تقوية صلاحياتها، ودسترة بعض المبادئ المعززة لمكانتها. فهكذا مثلا، أضيفت، لأول مرة، كلمة برلمانية في الفصل الأول من الدستور، حين حدد طبيعة نظام الحكم على أنه “…ملكية، دستورية، ديمقراطية برلمانية واجتماعية”. ليؤكد في فقرته الثانية على أن النظام الدستوري للمملكة، يقوم على “…أساس مبدأ فصل السلط وتوازنها وتعاونها…”. ومع ذلك، لا تعبر هذه الإضافات الجديدة في دستور 2011 عن انعطاف النظام السياسي المغربي نحو “البرلمانية” بمعناها الكلاسيكي، فالخصائص الأصيلة للنظام البرلماني، كما تكونت في التاريخ الدستوري والسياسي المقارن، مازالت ضعيفة وشاحبة. ونقدر أن تضمين الدستور الجديد ما يمكن أن يوحي بأخذ المغرب بالنظام البرلماني، أملته الظروف المواكبة لوضع الدستور الجديد، فقد علت أصوات، خصوصا مطالب “حركة 20 فبراير”، لتنادي باستبدال الملكية التنفيذية، السائدة لعقود، بملكية برلمانية، يكون الحكم فيها للمؤسسات المنتخبة، أما الملكية فيقتصر دورها على التحكيم، والبقاء فوق الصراعات. والحقيقة أن المشرع الدستوري المغربي تجنب اعتماد هذا المنحى، الذي يروم تحويل “الملكية إلى أريكة فارغة”، فحتى في الملكيات الأكثر ديمقراطية، يشاطر الملوك المؤسسات الدستورية مجموعة من الاختصاصات، ويحافظون في الآن معا على درجة رفيعة من التوازن والتعاون فيما بينها جميعا. فالدستور الدانمركي ([24])، على سبيل المثال، لم يمنع المؤسسة الملكية من ممارسة سلطاتها التنفيذية، ومشاطرة البرلمان (Folketing) بعض صلاحياته ([25]).

تسمح القراءة الفاحصة لدستور 2011، لاسيما الأحكام ذات الصلة بالبرلمان، وإلى حد ما بالملكية في علاقتها بباقي المؤسسات، باستنتاج مفاده حرص المشرع الدستوري على التوفيق بين تقوية الطابع البرلماني للنظام السياسي المغربي، دون المساس بالمكانة الدستورية السامية للملكية. ولذلك، ستحرص الصياغة الجديدة للدستور على توسيع مجالات تدخل المؤسسة التشريعية، دون أن يفضي بها ذلك إلى التقليص من سلطات الملك.

  • لم يقطع الدستور الجديد مع ظاهرة العقلنة البرلمانية، المستلهمة من دستور الجمهورية الخامسة الفرنسية (4 أكتوبر 1958). أي تحديد صلاحيات البرلمان واختصاصاته على سبيل الحصر، مع ترك المجال التنظيمي أو مجال اللائحة مفتوحا. وعلى الرغم من أن العقلنة مبدأ دخيل على الحياة الدستورية والسياسية المغربية، وأنه صناعة فرضها التاريخ البرلماني الفرنسي، خلال الجهوريتين الثالثة (1940-1875)، والرابعة (1958-1946). فقد تم الاحتفاظ به منبثا في ثنايا الوثيقة الدستورية الجديدة، كما هو واضح في الفصل الحادي والسبعين (ف. 71)، الذي حدد على سبيل الحصر اختصاصات البرلمان، وترك المجال التنظيمي مفتوحا وفقا للفصل الموالي له (ف.72) ([26]).

تجدر الإشارة إلى أن مبدأ العقلنة البرلمانية شكل، منذ تنظيم أول انتخابات تشريعية في مايو 1963، موضوع نقد واعتراض من قبل الأحزاب سليلة الحركة الوطنية ([27])، والمعارضة السياسية بشكل عام. أما مصدر عدم قبول المبدأ والمطالبة بإخراجه من الحياة الدستورية المغربية، فيكمن في كون العقلنة ليست شيئا أخر سوى تقييد قدرة البرلمان على مزاولة وظائفه الأصيلة في التشريع والمراقبة، وفرض نوع من الرقابة المقننة بمقتضى الدستور على أنشطته، وإضعاف أدائه، وفعالية تأثيره في سير المؤسسات ونجاعتها. والحقيقة أن استلهام المبدأ من التجربة الفرنسية وتضمينه في الدساتير المغربية المتعاقبة ما بين 1962 و2011، يجد مبرره في الواقع الفرنسي، أكثر مما تسمح به الحالة المغربية. فمن المعروف أن الفرنسيين عاشوا فصولا من عدم استقرار المؤسسات الدستورية، وتجاذبات غير متناهية بين مختلف مكونات المجال السياسي الفرنسي، ضعف معها الحفاظ على توازن السلطات وتعاونها، ولاسيما بين البرلمان والحكومة خلال الجمهورية الرابعة، الأمر الذي عجل بفشل هذه الأخيرة، وحفز على التفكير في صياغة أسس فلسفية ودستورية جديدة، فكان ميلاد الجمهورية الخامسة، التي رسم رئيسها الأول “الجنرال ديغول” (1958-1970). أهم قسماتها منذ خطابه الشهير في مدينة “بايو” (Bayeux) عام 1946 ([28]). لذلك، تعتبر “العقلنة البرلمانية” جواباً عن حاجة داخلية فرنسية، وليس مبدأ عاما قابلا للاستلهام، ولا حتى للاستئناس… إنه في الواقع المغربي ألية دستورية لتقييد عمل المؤسسة التشريعية، وإضعاف أدائها في مجالي التشريع والمراقبة. فهكذا، حصر الفصل الحادي والسبعون اختصاصات البرلمان في ثلاثين ميدانا، شملت التشريع في مجالات “الحقوق والحريات الأساسية”، المنصوص عليها في التصدير وفي فصول أخرى من الدستور، الأنظمة الخاصة بـــ “القضاء”، و”الصحة”، و”الوظيفة العمومية”، و”الانتخابات”، و”الجماعات الترابية”، و”الجنسية”، وإلى ذلك من الأنظمة والقضايا ذات العلاقة بالحياة العامة للمواطنين. ثم إن الفصل نفسه أشار في فقرته الأخيرة على أن “للبرلمان، بالإضافة إلى الميادين المشار إليها في الفقرة السابقة منه، صلاحية التصويت على قوانين تضع إطاراً للأهداف الأساسية لنشاط الدولة، في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية”.

لا تتوقف صلاحيات البرلمان عند وظيفة التشريع في الميادين المحددة حصرا من قبل الفصل الحادي والسبعين المحال عليه أعلاه، بل يزاول، علاوة على ذلك، سلطة مراقبة الحكومة، وقد تضمن الدستور المغربي الجديد (2011) مجمل الآليات التقليدية المألوفة في النظم السياسية المعاصرة، من قبيل “الأسئلة”، بشقيها الشفهي والمكتوب، وملتمس الرقابة )لائحة اللوم / ف. (105. و”ملتمس طرح الثقة”، و”التصويت على الثقة”، و”الموافقة على البرنامج الحكومي”، غير أن الدساتير المغربية لم تأخذ بألية “الاستجواب” منذ الوثيقة الأولى الصادرة عام 1962، وإن أقرت دستوريا “إحداث لجان برلمانية لتقصي الحقائق “، منذ دستور 1992. وتجدر الإشارة، في هذا السياق، إلى أن الدستور الجديد عزز الوظيفتين التقليديتين المناطتين بالبرلمان، أي التشريع والمراقبة، بوظيفة ثالثة لم تتضمنها الدساتير السابقة، تتعلق بـــ “تقييم السياسات العمومية”، حيث نصت الفقرة الثانية من الفصل السبعين (70) على ما يلي: “يصوت البرلمان على القوانين، ويراقب عمل الحكومة، ويقيم السياسات العمومية”. ومن المهام البرلمانية الجديدة الواردة في وثيقة 2011،  يمكن الإشارة إلي أليتين مهمتين؛ تتعلق الأولى بـــ “التنصيب البرلماني”، حيث لم تعد الحكومة منصبة بمجرد تعيينها من قبل الملك، كما تواتر العمل بذلك على امتداد الدساتير السابقة، بل غدت، بمقتضى الدستور، في حاجة إلى غطاء أو رداء برلماني، ما يعني أن شرعيتها الدستورية لا تتوقف على التعيين الملكي وحده، وإن اعتبره الفصل السابع والأربعون من الدستور حقا حصريا للملك، بل تكتمل بمصادقة البرلمان على البرنامج الحكومي الذي يعقب عملية التعيين، كما نص على ذلك بشكل صريح الفصل الثامن والثمانون. وتعتبر جميع هذه المقتضيات، في تقديرنا، بالغة الأهمية، لاعتبارات عديدة، أبرزها، إقرار الفصل السابق (47) بإلزامية تعيين رئيس الحكومة من الحزب الفائز بالأغلبية في انتخابات مجلس النواب، وهو ما يتناغم، في الواقع، مع روح الدستور، ويتلاءم مع منطق السياسة، حيث يشترط من رئيس الحكومة، وهو يقود حكومة مسؤولة، أن يكون مسنودا بأغلبية برلمانية، تقوي مكانته، وتعزز العمل الجماعي لحكومته، ولاسيما أن الدستور المغربي الجديد ربط، منذ الديباجة، بين المسؤولية والمساءلة والمحاسبة. ثم لم يعد بمستطاع المغرب، الذي اعتبرت سلطاته العليا (خطاب 9 مارس 2011) الدستور الجديد ميثاقاً اجتماعياً جديداً، أن يكون رئيس الحكومة منفصلاً عن جسدها، أي غير منتسب إلى أغلبيتها، كما كان عليه الأمر في السابق. أما الآلية الثانية، فتتعلق بما ورد في الفصل مائة (100) من الدستور، الذي قضت فقرته الثانية بأن “تخصص كل شهر جلسة، يقدم خلالها رئيس الحكومة أجوبة على الأسئلة المتعلقة بالسياسة العمومية”، و”تخصص جلسة سنوية من قبل البرلمان لمناقشة السياسات العمومية وتقييمها”، كما نصت على ذلك الفقرة الثانية من الفصل الموالي له (101) …
لم تكن المحافظة على العقلنة البرلمانية السمة المميزة وحدها للوثيقة الدستورية الجديدة (2011)، بل أبقي، إلى جانبها، على “الثنائية المجلسية” (bicaméralisme)، بعد أن أدخل عليها المشرع الدستوري بعض التننقيحات، مقارنة مع ما كان عليه الأمر في دستور 1996. فهل يمكن قراءة هذه التعديلات بوصفها ترشيدا لنظام الغرفتين، الذي منح مجلس المستشارين (الغرفة الثانية) وضعا دستوريا غير مألوف في الدساتير المعاصرة، حين أمده بصلاحيات شبه متساوية مع مجلس النواب (الغرفة الأولى)، علما أن المجالس الأولى تحظى بمكانة متميزة في كل البلدان التي تأخذ بالثنائية المجلسية، لكونها منتخبة مباشرة من قبل المواطنين، وهي التي تعبر عادة عن تطلعات الناس وأمالهم، أما نظيراتها الغرف الثانية، فتبقى عموما ممثلة للجهات، والجماعات الترابية، والفئات الاقتصادية والاجتماعية واللغوية والثقافية. علاوة على أن طرق انتخابها، تكون عموما غير مباشرة، وهو ما يعني أن الأعضاء فيها لا يستمدون سيادتهم من الشعب مباشرة، كما هو حال نظرائهم في المجالس النيابية، بل بشكل غير مباشر بواسطة هيئة ناخبة حدد الدستور مكوناتها ([29]).

  • حكومة بصلاحيات تنفيذية. اعتبر الباب الخامس من الدستور المغربي الجديد الحكومة “سلطة تنفيذية”، بل إن الفصل التاسع والثمانين نص صراحة على أن “تمارس الحكومة السلطة التنفيذية”. فهل يفهم من هذا أن الدستور الجديد كرس ثنائية السلطة التنفيذية، أي الملكية والحكومة، كما هو مألوف في النظم السياسية المقارنة، ولاسيما ذات المنحى البرلماني؟ لا تساعد القراءة الفاحصة لوثيقة الدستور الجديد على الإقرار بأننا أمام ثنائية تنفيذية متمايزة ومتكاملة، كما هو الحال في البرلمانيات الديمقراطية، حيث تتجاور الملكية مع الحكومة المنبثقة من الأغلبية البرلمانية. فالملكية التي وردت مرتبة في الباب الثالث، بعد الأحكام العامة والحريات والحقوق الأساسية، حافظت على مكانتها السامية، كما ظلت خارج التقسيم الأفقي للسلطات الدستورية الثلاث. ويؤكد هذا الاستنتاج استمرار التأويل السائد لمبدأ فصل السلطات، الذي يخرج الملكية من دائرته، ويضعها في منأى عن نتائجه، كما هو مفهوم ومألوف في النظم السياسية المقارنة. وتظل الأحكام السلطانية أقرب لفهم دلالات فصل السلطات في النظام السياسي المغربي، منها إلى نظرية فصل السلطات، كما صاغها مونتيسكيو. ومع ذلك، تضمنت الوثيقة الدستورية الجديدة مجموعة من المستجدات هدفت إلى تقوية مركز رئيس الحكومة، وتعزيز العمل الجماعي التضامني لفريقه.
  • لم يأخذ الدستور الجديد بالتسمية التي ألفتها الدساتير السابقة، أي الوزير الأول، بل استبدلها بلقب “رئيس الحكومة”، وقد اعتبرت مجمل التحليلات المواكبة لصياغة دستور 2011، هذا المستجد إضافة نوعية في اتجاه تعزيز وضع المؤسسة الحكومية، ومنحها القدرة على الاجتهاد والفعل. فهكذا، لم يعد رئيس الحكومة معينا من خارج الأغلبية، كما جرى العمل به في السابق، بل أصبح، وفقا للفصل السابع والأربعين (47)، منبثقا من الأغلبية الفائزة في انتخابات مجلس النواب ([30]). والواقع، أن بهذا التنصيص الواضح يكون الدستور المغربي قد قطع مع الممارسات المترددة السائدة في السابق، التي كانت تجنب رؤساء الوزراء أي شكل من أشكال المسؤولية والمحاسبة، وكانت تؤمن لهم، في الغالب، أغلبيات برلمانية، تسندهم، وتدعم برامجهم وأداءهم الحكومي. وقد أبقى الدستور الجديد، بالمقابل، على تعيين الملك لأعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها. ويمكن له إعفاءهم من مهامهم، فرادى أو جماعة، بمبادرة منه، بعد استشارة رئيس الحكومة، الذي يحق له، هو الآخر، أن يطلب من الملك إعفاء عضو أو أكثر من أعضاء الحكومة، من تلقاء نفسه، أو بناء على استقالتهم الفردية أو الجماعية. وحين يستقيل رئيس الحكومة، يتم إعفاء الحكومة برمتها من مهامها.
  • يمكن أن نضيف، إلى جانب مستجد استبدال تسمية رئيس الوزراء باسم رئيس الحكومة، قاعدة جديدة، شكلت على الدوام موضوع تضارب واختلاف، تتعلق بـــ “التنصيب البرلماني للحكومة”. فقد دأبت الدساتير المغربية قبل إصدار وثيقة العام 2011 على اعتبار الحكومة منصبة بمجرد تعيينها من قبل الملك، وأن انتظار تصويت البرلمان على برنامجها السياسي ليس شرطا لاكتمال تنصيبها، بما تفيد أن التنصيب أحادي (من جانب الملك فقط)، وليس مزدوجا أو ثنائيا (من قبل الملك والبرلمان). فالفقرة الأخيرة من الفصل الثامن والثمانين من الدستور وردت واضحة، حين قضت بالتالي: “تعتبر الحكومة منصبة بعد حصولها على ثقة مجلس النواب، المعبر عنها بتصويت الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم، ولصالح البرنامج الحكومي.”([31]).

تجدر الإشارة إلى أن المقتضيات الواردة في الفصل الثامن والثمانين، ولاسيما في فقرته الأخيرة، وإن حسمت بشكل واضح وقطعي ارتباط تنصيب الحكومة بموافقة مجلس النواب على برنامجها بالأغلبية المطلقة، وهو ما لم يكن وارداً في الدساتير السابقة، فقد جاءت مع ذلك غير مكتملة من زاوية توضيحها لما يمكن أن يترتب من أثار في حالة عدم تصويت الغرفة الأولى على برنامج الحكومة بالأغلبية المطلوبة… فهل يؤدي التصويت السلبي وجوبا إلى تعديل البرنامج في ضوء الملاحظات التي أبداها مجلس النواب، والعودة إليه مجددا لالتماس كسب الثقة، كما قضت بذلك بعض الدساتير المقارنة، ومنها دستور إسبانيا لعام 1978، الذي سمح للحكومة باللجوء إلى جولة ثانية، وحينها يحق للملك تعيين الحكومة وإن حصلت على أغلبية نسبية فقط ([32]). وإذا كانت هذه الإمكانية غير واردة في الدستور المغربي الجديد، فهل يحق للملك، عند استعصاء التصويت بالأغلبية المطلقة على برنامج الحكومة، اللجوء إلى حل مجلس النواب والدعوة إلى انتخابات جديدة، بغية الحصول على أغلبية قادرة على انتزاع ثقة البرلمان؟.

ستكون الإجابة بالنفي، طالما أن الفصل الحادي والخمسين، الذي سمح للملك بحل مجلسي البرلمان أو أحدهما، استلزم، بمقتضى الفصل السادس والتسعين، ضرورة استيفاء قرار الحل مجموعة من الشروط الشكلية، من ضمنها إخبار رئيس الحكومة بمبادرة الإقدام على الحل، مما يفيد أن الحكومة تكون وجوبا قائمة، أي منصبة، وهو ما لا يدخل ضمن أحكام الفصل الثامن والثمانين الذي يحدد شروط التصويت على برنامج الحكومة قصد تنصيبها من قبل مجلس النواب ([33]). تجدر الإشارة، في هذا السياق، إلى أن دستور 1996، وإن لم يقر صراحة بالتنصيب البرلماني للحكومة، فقد ربط بين مواصلة هذه الأخيرة مهامها والتصويت بالأغلبية المطلقة على برنامجها من قبل مجلس النواب ([34])، الأمر الذي تحاشى الدستور الجديد الإشارة إليه، بدليل أن الربط الذي أقامه دستور 1996 بين عدم منح الثقة للحكومة المنصبة واستقالتها جراء ذلك، لم يأخذ به الدستور الجديد (2011) بصريح منطوق الفصل الثالث بعد المائة (103)، حيث ورد ما يلي: “يمكن لرئيس الحكومة أن يربط لدى مجلس النواب، مواصلة الحكومة تحمل مسؤوليتها بتصويت يمنح الثقة بشأن تصريح يدلي به في موضوع السياسة العامة، أو بشأن نص يطلب الموافقة عليه. لا يمكن سحب الثقة من الحكومة، أو رفض النص، إلا بالأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم مجلس النواب. لا يقع التصويت إلا بعد مضي ثلاثة أيام كاملة على تاريخ طرح الثقة. يؤدي سحب الثقة إلى استقالة الحكومة استقالة جماعية”([35]).

  • يتبين مما سبق بيانه أن الوثيقة الدستورية المغربية الجديدة اعتبرت الحكومة سلطة تنفيذية، تستمد شرعيتها من الانتخابات، التي يؤكدها التنصيب البرلماني، من خلال المصادقة اللازمة على البرنامج الحكومي بالأغلبية المطلقة.

لذلك، نصت الفقرة الأولى من الفصل التاسع والثمانين بوضوح على أن “تمارس الحكومة السلطة التنفيذية”. قبل أن تحدد إطار هذه الممارسة في الفقرة الثانية من الفصل نفسه، بقولها: “تعمل الحكومة تحت سلطة رئيسها، على تنفيذ البرنامج الحكومي وعلى ضمان تنفيذ القوانين، والإدارة موضوعة تحت تصرفها، كما تمارس الإشراف والوصاية على المؤسسات والمقاولات”.

لابد من الإشارة إلى أن الباب الخامس الخاص بالسلطة التنفيذية، الذي تضمن ثمانية فصول، أفرد فصلا شبه فريد لمجالات ممارسة السلطة التنفيذية، يتعلق الأمر بالفصل الثاني والتسعين، الذي حصر أحد عشر بندا لتدخل العمل الحكومي، أبرزها التداول في قضايا: السياسة العامة للدولة قبل عرضها على المجلس الوزاري، السياسات العمومية، السياسات القطاعية، القضايا المرتبطة بحقوق الإنسان والنظام العام. وتعيين الكتاب العامين ومديري الإدارات المركزية بالإدارات العمومية ورؤساء الجامعات والعمداء، ومديري المدارس والمؤسسات العليا. بيد أن الفصل نفسه أناط بالحكومة اختصاصات التداول في قائمة من النصوص، منها: مشاريع القوانين، ومن بينها قانون المالية، مراسيم القوانين، مشاريع المراسيم التنظيمية، المعاهدات والاتفاقيات الدولية قبل عرضها على المجلس الوزاري. وقد ألزمت الفقرة الأخيرة من الفصل ذاته رئيس الحكومة باطلاع الملك على خلاصات مداولات مجلس الحكومة. يذكر أيضا أنه إذا كان “مجلس الحكومة” بمثابة مطبخ للسياسات العمومية، فإن المجلس الوزاري، الذي يترأسه الملك بمقتضى الدستور، هو المؤسسة الدستورية المخولة بالنظر في جوهر القضايا الخاصة بساسة الدولة وتوجهاتها الاستراتيجية. فالفصل التاسع والأربعون من الدستور جدد، على سبيل الحصر، المجالات التي يختص المجلس الوزاري بالتداول فيها وعددها أحد عشر ([36])، من قبيل التداول في “التوجهات الاستراتيجية لسياسة الدولة”، و”التوجهات العامة لقانون المالية”، ناهيك عن تحكمه في السياسات التشريعية، حيث يتداول مجلس الحكومة في مشاريع مراجعة الدستور ([37])، ومشاريع القوانين التنظيمية، ومشاريع القوانين، لاسيما المجالات المشار إليها في الفصل الحادي والسبعين (71)، أي التي تدخل حصرا في مجال القانون. تضاف إليها مشروع قانون العفو العام، ومشاريع النصوص المتعلقة بالمجال العسكري، وإعلان حالة الحصار، وإشهار الحرب.

  • دسترة استقلال القضاء وحقوق المتقاضين. أفردت الوثيقة الدستورية المغربية الجديدة بابا مكونا من واحد وعشرين فصلا (ف. 107-128) للسلطة القضائية، التي اعتبرها الفصل السابع بعد المائة (107) سلطة “مستقلة عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية”، ويعتبر الملك، وفقا للفقرة الثانية من الفصل نفسه، ضامنا لهذه الاستقلالية. والواقع أن ثمة أحكاما متناثرة في نص الوثيقة الدستورية تعزز مبدأ الاستقلالية الواردة في عنوان هذا الباب. فالفقرة الثانية من الفصل الأول من الدستور قضت بأن “يقوم النظام الدستوري للمملكة على أساس فصل السلط وتوازنها وتعاونها…”، كما أن الفصل الحادي والأربعين أناط بالملك، في فقرته الأولى، مهمة “السهر على احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية “، وهو ما يفسر، كما ألمحنا، لماذا جعل منه الدستور ضامنا لاستقلال القضاء.
  • أولى الدستور الجديد أهمية واضحة لاستقلال القضاة من خلال خمسة فصول (ف. 108-111). فمن جهة، أشار إلى أن “عزل القضاة أو نقلهم لا يتم إلا بقانون” (ف. 108). مما يفيد أن أي ضغط على القضاة بغية التأثير سلباً على استقلاليتهم محظور بمقتضى الدستور، وأن القرارات ذات الصلة بأوضاعهم المهنية (العزل والنقل)، يتوجب لزاما أن تكون مطابقة للشرعية القانونية. وهو في الواقع ما أعاد التأكيد في الفصل الموالي له (ف. 109)، بالقول: “يمنع كل تدخل في القضايا المعروضة على القضاة. ولا يتلقى القاضي بشأن مهمته القضائية أي أوامر أو تعليمات، ولا يخضع لأي ضغط”. بل إن الفقرتين الأخيرتين من الفصل ذاته، أضافت تدقيقات بخصوص استقلالية القاضي، حين خولت للقضاة حق إحالة أمورهم إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية كلما لمسوا أن استقلالهم معرض لأي شكل من أشكال التهديد. قبل أن تعتبر إخلالهم بواجب الاستقلال والتجرد خطا جسيما يعرضهم للمحاسبة وفق أحكام القوانين ذات الصلة بالمهنة. وتأكيدا لهذه الاستقلالية، ألزم الفصل العاشر بعد المائة القضاة بتطبيق القانون، والتقيد بعدالته، كما أجبر قضاة النيابة العامة على احترام السلطة التسلسلية لرئيسهم، أي وزارة العدل. أما على صعيد حقوق وحريات القضاة، التي من شأنها أن تعزز استقلالهم وتجردهم، فقد دققها الفصل الحادي عشر بعد المائة، حين اعترف لهم بحرية التعبير في الحدود التي تحترم واجب التحفظ والأخلاقيات المهنية، والانخراط في الجمعيات، مع احترام واجبات التجرد والاستقلال، وفي الآن معا حظر عليهم الانتماء إلى الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية.

جدير بالإشارة أن الدستور الجديد أناط مهمة السهر على تطبيق الضمانات الممنوحة للقضاة بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، الذي أفردت له الوثيقة أربعة فصول (ف. 113-116). فهو الذي يسهر، وفقا للفصل الثالث عشر بعد المائة (113) على تطبيق الضمانات الخاصة بــــ “استقلال القضاة وتعيينهم وترقيتهم وتقاعدهم وتأديبهم”، ويعد، في هذا الصدد، تقريرا عن وضعية القضاء ومنظومة العدالة، ويصدر التوصيات الملائمة ذات الشأن. كما يمكنه إصدار أراء مفصلة، بطلب من الملك أو البرلمان أو الحكومة، حول كل مسألة تتعلق بالعدالة، شريطة مراعاة مبدا فصل السلطات.

  • من الأحكام الجديدة الواردة في وثيقة 2011 الفقرة الخاصة بـــ “حقوق المتقاضين وقواعد سير العدالة، التي أفرد لها الدستور اثنى عشر فصلاً (ف. 117-128). فوفقا لهذه المقتضيات، يتولى القاضي “حماية حقوق الأشخاص والجماعات وحرياتهم وأمنهم القضائي، وتطبيق القانون” (ف. 117). كما أن “حق التقاضي مضمون”، والبراءة هي الأصل إلى أن تثبت الإدانة، و”لكل شخص الحق في محاكمة عادلة”، و”التقاضي مجاني في الحالات المنصوص عليها قانونا لمن لا يتوفر على موارد كافية للتقاضي”، كما “يحق لكل من تضرر من خطا قضائي الحصول على تعويض تتحمله الدولة “. أما الأحكام فتكون علنية، ومعللة، وملزمة للجميع ([38]).

علاوة على ما سبق بيانه، استبدل الدستور المغربي الجديد المجلس الدستوري بالمحكمة الدستورية، كما قضى بذلك الفصل 129: “تحدث محكمة دستورية”. وقد أدخل تغييرات على صعيد العضوية ([39])، مع الإبقاء على نفس العدد الذي كان يأخذ به المجلس الدستوري، أي اثنى عشر عضوا، علما أن لأول مرة أصبح نصف أعضاء المحكمة الدستورية منتخبين من قبل مجلسي البرلمان، بعدما كانوا يعينون في دستور 1996. إضافة إلى أن العضوية أصبحت مقيدة بالشروط الواردة في الفقرة الأخيرة من الفصل 130، ومنها أن يتم اختيارهم من “الشخصيات المتوفرة على تكوين عال في مجال القانون، وعلى كفاءة قضائية أو فقهية أو إدارية، والذين مارسوا مهنتهم لمدة تفوق خمس عشرة سنة، والمشهود لهم بالتجرد والنزاهة “. أما على صعيد الاختصاصات، فلم يتضمن الدستور الجديد مجالات مختلفة عما كان معمولاً به في الدستور الذي سبقه (1996)، اللهم ما ورد في الفصل 133، القاضي بأن “تختص المحكمة الدستورية بالنظر في كل دفع متعلق بعدم دستورية قانون، أثير أثناء النظر في قضية، وذلك إذا دفع أحد الأطراف بأن القانون، الذي سيطبق في النزاع، يمس بالحقوق وبالحريات التي يضمنها الدستور” ([40]).

  • دستور بمفاهيم ديمقراطية جديدة. يسجل للدستور المغربي للعام 2011 اعتماده مفاهيم ومصطلحات لم تألفها مجمل دساتير العالم، بما فيها تلك التي ظهرت خلال موجة الانتقالات الديمقراطية التي شهدها الربع الأخير من القرن العشرين، أي ما سماه ص. هنتغتون “الموجة الثالثة”، أبرزها مفهوم الحكامة الجيدة. فمن اللافت للانتباه أن يخصص المشرع الدستوري باباً كاملا لهذا المفهوم ومؤسساته وهيئاته، تضمن ثمانية عشر فصلا، أي عشر مواد الدستور، تبتدئ من الفصل 154 وتنتهي في الفصل 171.

فمن جهة أولى، تمت دسترة مجموعة من المبادئ اللازمة لقيام الحكامة الجيدة وتحققها في الممارسة. فهكذا، قضى الفصل الرابع والخمسون بعد المائة (154) بأن “يتم تنظيم المرافق العمومية على أساس المساواة بين المواطنات والمواطنين في الولوج إليها، والإنصاف في تغطية التراب الوطني، والاستمرارية في أداء الخدمات”. وقد أخضعت الفقرة الثانية من الفصل نفسه المرافق العمومية “لمعايير الجودة والشفافية والمحاسبة والمسؤولية “، في حين يخضع تسييرها للمبادئ والقيم الديمقراطية التي أقرها الدستور.

وحيث أن تحقيق الحكامة الجيدة يستلزم قدرا عاليا من الشفافية في التدبير المالي، فقد ألزم الفصل 156 من الدستور المرافق العمومية بتقديم “الحساب عن تدبيرها للأموال العمومية”، وأخضعها في الآن معا للمراقبة والتقييم. وفي المصب نفسه، ألزم الفصل الثامن والخمسون بعد المائة (158) كل الأشخاص الممارسين للمسؤولية العمومية، أكانوا منتخبين أم معينين، تقديم تصريح كتابي بالممتلكات والأصول التي في حيازتهم، عند بداية مزاولة مهامه وفي نهايتها.

تضمن الدستور المغربي الجديد، من جهة ثانية، مقتضيات خاصة بالمؤسسات والهيئات المنصوص عليها في الفصول 161 إلى 170، التي أجبرها الفصل 160 على تقديم تقرير عن أعمالها مرة كل سنة، حيث يشكل موضوع مناقشة من قبل البرلمان. أما المؤسسات والهيئات العشر الواردة ما بين الفصل 161 و170، فقد غطت مجمل المجالات ذات الصلة بأحوال المواطنين وشؤونهم، والتي يستلزم نجاحها توفير شروط تطبيق مبادئ الحكامة الجيدة.

يمكن التمييز، في نطاق المؤسسات والهيئات العشر التي تولت الوثيقة الجديدة دسترتها، بين الهيئات الخاصة بحماية حقوق الإنسان، ومؤسسات الحكامة، وهيئات النهوض بالتنمية البشرية. فهكذا، تئم التنصيص في الفصلين 161 و162 على هيئتين أساسيتين لحقوق الإنسان، هما: المجلس الوطني لحقوق الإنسان، الذي يتولى “النظر في جميع القضايا المتعلقة بالدفاع عن حقوق الإنسان والحريات وحمايتها، وبضمان ممارستها الكاملة والنهوض بها وبصيانة كرامة وحقوق وحريات المواطنات والمواطنين، أفرادا وجماعات”. وإلى جانبه، تمت دسترة مؤسسة الوسيط، بوصفها مؤسسة وطنية مستقلة ومتخصصة، تتولى “الدفاع عن الحقوق في نطاق العلاقات بين الإدارة والمرتفقين، والإسهام في ترسيخ سيادة القانون، وإشاعة مبادئ العدل والإنصاف، وقيم التخليق والشفافية في تدبير الإدارات والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية والهيئات التي تمارس صلاحيات السلطة العمومية”. والواقع أن المشرع الدستوري لم يتوقف عند هاتين الهيئتين، بل أضاف إليهما أخرى، كما هو حال “مجلس الجالية المغربية بالخارج”، الذي يتولى، علاوة على إبداء أرائه حول توجهات السياسات العمومية ذات الصلة، ضمان حقوقهم وصيانة مصالحهم…”، و”الهيأة المكلفة بالمناصفة ومحاربة جميع أشكال التمييز”، التي أناط بها الدستور استنادا إلى الفصل التاسع عشر (19) ([41]) مهمة الحفاظ على الحقوق المعترف بها للنساء في إطار المناصفة مع الرجال.

تضمن الدستور المغربي الجديد ثلاث مؤسسات ذات علاقة بالحكامة الجيدة، هي على التوالي: “الهيأة العليا للاتصال السمعي البصري”، و”مجلس المنافسة”، و”الهيأة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة”، والواقع أن المؤسسات الثلاث وإن كانت موجودة من قبل، فإن الدستور أضفى عليها قيمة دستورية بالتنصيص عليها صراحة ما بين الفصول 165-167. فهكذا، أنيطت بالمجلس الأعلى السمعي البصري مهمة “السهر على احترام التعبير التعددي لتيارات الرأي والفكر، والحق في المعلومة في الميدان السمعي البصري…”. أما مجلس المنافسة، فتولى السهر على “ضمان الشفافية والإنصاف في العلاقات الاقتصادية خاصة من خلال تحليل وضبط وضعية المنافسة في الأسواق، ومراقبة الممارسات لمنافية لها والممارسات التجارية غير المشروعة وعمليات التركيز الاقتصادي والاحتكار”. في حين تولت “الهيأة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة”، استنادا على الفصل السادس والثلاثين من الدستور ([42])، مهام المبادرة والتنسيق والإشراف وضمان تنفيذ سياسات محاربة الفساد، وتلقي ونشر المعلومات في هذا المجال، والمساهمة في تخليق الحياة العامة، وترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة، وثقافة المرفق العام، وقيم المواطنة المسؤولة”.

علاوة على الهيئات والمؤسسات المبينة أعلاه، نص الدستور على ثلاث هيئات للنهوض بالتنمية البشرية والمستدامة والديمقراطية، تعلقت أساسا بقطاع التعليم، حيث نص الفصل الثامن والستون بعد المائة (168) على إحداث “مجلس أعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي”، الذي سيتولى مهمة ” إبداء الآراء حول كل السياسات العمومية، والقضايا الوطنية التي تهم التربية والتكوين والبحث العلمي”. وإلى جانبه، تم إقرار إحداث “المجلس الاستشاري للأسرة والطفولة”، بغية “تتبع وضعية الأسرة والطفولة…”، وكذلك نص في الفصل السبعين بعد المائة (170) على تأسيس “المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي”، قصد حماية الشباب والنهوض بتطوير الحياة الجمعوية.

  • استنتاجات أولية. سيكون سابقا لأوانه تقديم خلاصات قطعية عن الوثيقة الدستورية المغربية الجديدة (2011)، لاعتبارات علمية أبرزها أن الدستور المستفتي حوله في فاتح يوليو 2011 في حاجة إلى استكمال تدقيق أحكامه وتتميمها بالقوانين التنظيمية والعادية التي أحالت عليها الوثيقة الدستورية نفسها في أكثر من مقام. ويتعذر هذا الأمر، من جهة ثانية، لأسباب موضوعية مرتبطة بالممارسة، أي بالحاجة الملحة لقدر من الوقت لاختبار إعمال الفاعلين السياسيين لأحكام الوثيقة الدستورية، وطبيعة تجاوب المجتمع بكافة مكوناته معها. ومع ذلك، أتاحت لنا القراءة الدستورية في الهندسة العامة للوثيقة استنتاجين مركزيين، هما:
  • ينبهنا الاستنتاج الأول على أن دستور 30 يوليو 2011 كرس التغيير ضمن الاستمرارية. وهو ما يعني، كما ألمحنا في أكثر من مقطع من هذه الدراسة، أن الوثيقة الدستورية الجديدة لم تمس جوهريا توزيع السلطة كما جاء به الدستور التأسيسي الأول (1962)، وحافظت عليه المراجعات الدستورية اللاحقة (1970، 1972، 1992، 1996)، على الرغم من التحويرات الجديدة التي شملت مؤسستي البرلمان والحكومة، وأحدثت هيئات لم تكن موجودة من قبل، وأقرت دستوريا مبادئ بالغة الأهمية بالنسبة لسير المؤسسات وحماية الحقوق والحريات العامة. وإذا كانت قطاعات وازنة من الرأي العام ترى في تكريس الدستور الجديد للتغيير ضمن الاستمرارية اختيارا أملته الجغرافية الاجتماعية والسياسية المغربية، أي واقع حال الفاعلين السياسيين ودرجة وعيهم، وطبيعة الثقافة السياسية السائدة، فإننا نميل إلى التأكيد على أنه اختيار مفتوح على التطور نحو الأفضل إن توفرت له شروط الإنضاج والتعميق أكثر، وتكاتفت الجهود من أجل استثمار كافة الإمكانيات التي تتيحها الوثيقة الدستورية الجديدة، وعلى رأسها الصلاحيات الجديدة التي لدى البرلمان، ومؤسسة الحكومة، والقضاء بصفة عامة، والقضاء الدستوري على وجه التحديد، وهيئات حماية حقوق الإنسان والحكامة الجيدة… إن إرادة الفاعلين السياسيين واستعدادهم للاستثمار الفعال والعقلاني للمتاح في الدستور، سيعمقان إيجابيا الاختيار الرئيس للوثيقة الدستورية الجديدة، أي التغيير ضمن الاستمرارية، كما أن التفاف المجتمع حول الدستور والنضال من أجل فرض احترام شرعيته، سيعزز منسوب نجاح هذا الاختيار.
  • يقنعنا الاستنتاج الثاني بأن الاستفتاء على الدستور، وإقراره بنسبة مرتفعة عبر التصويت خطوة أولى على طريق التوافق على وثيقة جديدة، يتطلع جل المغاربة لأن تكون فاتحة مرحلة جديدة تجب ما سبقها من مراحل، وتقطع مع ممارساتها، لاسيما في مجالي “حقوق الإنسان والحريات العامة”، و”العدالة الاجتماعية”. وإذا كان الدستور الجديد، كما أبرزنا في كل مقاطع الدراسة، أدخل تحويرات نوعية لتقوية أداء المؤسسات الدستورية، فإن المنتظر والمطلوب أن توفق النخبة البرلمانية التي أفرزتها انتخابات 25 نونبر 2011، في إعداد القوانين التنظيمية التي ستمنح الوثيقة الدستورية روحها العامة، أي النصوص التي ستدقق المبادئ والقواعد العامة الواردة في الدستور، والتي وصل عددها تسعة عشر، غطت كل مفاصل الوثيقة الدستورية ([43]). صحيح أن الدستور الجديد حدد، بشكل واضح، المدة التي يتوجب على البرلمان إصدار النصوص التنظيمية التسعة عشر خلالها وهي الولاية التشريعية الحالية (2011-2016) ([44])، وهو ما لم تأخذ به الدساتير السابقة، إلا أن عملية إعداد هذه السلسلة من النصوص بالغة الأهمية، تستلزم من النخبة البرلمانية، والطاقم الحكومي مجهودا كبيرا لصياغة قوانين تنظيمية جيدة كفيلة بإعطاء مضامين عميقة للوثيقة الدستورية. وحيث أن الدستور الجديد اعتبر الاختيار الديمقراطي ثابتا رابعا إلى جانب الثوابت الثلاثة التي يجسدها شعار المملكة (الله، الوطن، الملك)، فإن المضمون المطلوب من النصوص المقبلة المعمقة للدستور والمدققة لأحكامه لا يمكن أن تكون إلا ديمقراطية، الأمر الذي يتطلب من الأغلبية الحاكمة أن تشتغل إلى جانب المعارضة، وأن تنصت أيضا لمطالب المجتمع المدني عبر تعبيراته المختلفة، أما إذا اشتغلت بمنطق الأغلبية الرقمية أو العددية، وتجاهلت المصادر الأخرى اللازمة لصناعة النصوص المقبلة، فإنها دون شك، لن تستطيع إنتاج قوانين في مستوى روح الدستور الجديد (2011).
  • ومع ذلك، تسمح العديد من المؤشرات-باستنتاج مفاده أن ثمة وعياً متنامياً داخل الطبقة السياسية بأهمية الرهان الذي ينتظر الحكومة الحالية في استكمال الشوط الثاني من عملية الدسترة التي أنجز المغرب لحظتها الأم عبر استفتاء فاتح يوليوز 2011، وينتظر أن ينجز شوطها الثاني بوضع الترسانة من القوانين التنظيمية والعادية المشار إليها في صدر هذه الدراسة. فالشوطان معا متكاملان، وهما معا اللذان سيضعان المغرب على سكة التحول الديمقراطي من عدمه… فإما أن تنجح النخبة السياسية المغربية، أغلبية ومعارضة، في إعطاء روح ديمقراطي للوثيقة الدستورية بوضع قوانين جيدة، يتكاتف الجميع من أجل وضعها بواسطة الحوار والتوافق البناء، وإما تتعثر في تحقيق هذا الرهان، وحينها ستصبح الوثيقة الدستورية، التي جنبت المغرب عواصف الحراك الذي دب في أكثر من قطر عربي، مجرد قوقعة فارغة، الأمر الذي قد يفتح البلاد على احتمالات يصعب استشراف طبيعتها على وجه اليقين.

[1] للاطلاع على نص الدستور، أنظر الأمانة العامة للحكومة، مديرية المطبعة الرسمية، المملكة المغربية، سلسلة “الوثائق القانونية المغربية”، 2011.

[2] نشير، من باب المقارنة العمودية، إلى أن الدستور الأمريكي لعام 1787 لم يشهد أكثر من عشرين تعديلاً أدخلت جلها خلال السنوات الأولى من دخوله حيز التطبيق، والملاحظة نفسها تنسحب على دستور الجمهورية الفرنسية الخامسة [4 تشرين الأول/أكتوبر 1958)، الذي شهد تعديلاً جوهرياً في العام 1962.

[3] يتعلق الأمر بشكل أساسي بـــ “حزب الاستقلال” [1943]، و”الاتحاد الوطني للقوات الشعبية [1959]، ويعده “الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” [1975]، و”حزب التقدم والاشتراكية” [1974]، الذي يشكل امتداداً تاريخياً لـــ “الحزب الشيوعي المغربي [1945] .

[4] أي منذ الاستفتاء على الدستور التأسيسي الأول (7 كانون الأول/دجنبر 1962، وحتى المراجعة الدستوري في 13 شتنبر 1996، التي حظيت بما يشبه الإجماع من قبل الشعب المغربي).

[5] عرف المغرب صدور أول دستور عام 1962. تمت الموافقة عليه في استفتاء عام بتاريخ 7 شتنبر 1962، وحظي بمشاركة 84.20% وقبول 97.86% من المصوتين الفعليين في الاقتراع… للاطلاع على نص الدستور، أنظر الجريدة الرسمية العدد 2616، الصادر بتاريخ 19 دجنبر 1962… ولمعرفة مضامينه، يراجع د. امحمد مالكي، في “القانون الدستوري والمؤسسات السياسية”، خصوصاً القسم الثاني/ النظام السياسي المغربي، ص. 289 وما بعد.

[6] للاطلاع على نص قرار المجلس الدستوري المعلن عن دستورية نتائج الاستفتاء على دستور 1996، أنظر الجريدة الرسمية عدد 4420 بتاريخ 10 أكتوبر/تشرين الأول 1996، ص 2293. ولفهم مضامين الإصلاح الدستوري لعام 1996، تراجع دراسة د. امحمد مالكي ود. عبد المالك الوزاني، “الإصلاح الدستوري والسياسي في المغرب: المقارنة والتأويل”، ضمن أشغال ندوة، الإصلاحات الدستورية والسياسية في المغرب العربي، مركز الدراسات الدستورية والسياسية، كلية الحقوق، مراكش، 1999.

[7] Cf. Tozy M., Monarchie et Islam politique au Maroc, FNSP, Paris, 1999, p. 15.

[8] للاستزادة، أنظر، د. امحمد مالكي، الوجيز في القانون الدستوري والمؤسسات السياسية، مراكش، المطبعة والوراقة الوطنية، ط.1، 2011 (لاسيما القسم الثاني/ النظام السياسي المغربي، ص. 238 وما بعدها).

[9] نقلا عن د. محمد معتصم، التطور التقليدانى للدستور المغربي، أطروحة دكتوراه دولة، كلية الحقوق، الدار البيضاء، 1988. ص. 287.

[10] من ضمن هذه الكتابات نشير إلى المؤرخين: جرمان عياش وعبد الله العروي.

[11] استناداً إلى المقترب الانقسامي Approche segmentariste تذهب جل الدراسات الأنجلوساكسونية إلى اعتماد فكرة تدخل الدولة [المخزن] بالعنف لبث روح الانشقاق والتنازع والصراع بين القبائل للتمكن من السلطة والبقاء قوية. انظر على سبيل المثال كتابات كل من Ernest GelIner و John Waterbury.

[12] للاطلاع على نص الدستور الصادر بمقتضى ظهير رقم 1.11.91 بتاريخ 29 يوليوز 2011، أنظر الجريدة الرسمية عدد 5964، بتاريخ 30 يوليوز 2011، ص. 3600.

[13] نشير إلى أن الرقم 19 ظل ثابتاً في كل دساتير المغرب [1996.1992.1972.1970.1962]..

[14] يرجع البحث التاريخي بداية تداول “لقب أمير المؤمنين” في الحقل السياسي العربي الإسلامي إلى عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حين أناطه أحد قادة جيشه بهذا الاسم عوض خليفة الرسول كما كان سائدا وقتئذ.، ليتواتر الأخذ به في مشرق العالم العربي ومغربه، بدرجات مختلفة، وعبر فترات متقطعة، وعلى أسس متباينة، ليصار إلى تأسيس هذا اللقب عند العباسيين [1258-750] أولا، والفاطميين لاحقا على قاعدة الانتساب إلى آل البيت والانحدار منه، لينقل بعد ذلك إلى المغرب العربي على عهد المرابطين [1145-1073] والموحدين [1262-1130]، والحفصيين [1346-1207]. أما العلويون [1635]، فأسسوا نظام حكمهم على النسب والشرافة، أي الانتساب إلى آل البيت.

[15] Cf. El Mossadeq Rkia, Acteurs politiques dans l’espace constitutionnel, Imp. Najah El Jadida Casablanca, 2011, 143 p.

[16] يذكر “جاك روبير”، مؤلف كتاب الملكية المغربية عام 1963، أن “عبد الكريم الخطيب” هو من طلب، بإيحاء من علال الفاسي، من مجلس الدستور تضمي لقب أمير المؤمنين في نص الفصل التاسع عشر، أنظر:

Robert (J.), la Monarchie marocaine, LGDJ, Paris, 1963.

[17] نشير إلى أنه منذ التعديل الدستوري لعام 1980. خفض سن رشد الملك إلى ستة عشرة سنة ]16[، خلافاً لباقي المغارية الذين حصرت آخر التعديلات القانونية سن رشدهم في 18 سنة. فهكذا نص الفصل الحادي والعشرون [21] على ما يلي: “يعتبر الملك غير بالغ سن الرشد قبل نهاية السنة السادسة عشرة من عمره”.

[18] نص الفصل الرابع والعشرون من دستور 1996 على ما يلي “يعين الملك الوزير الأول”. بمعنى أن سلطة الملك جاءت مطلقة في تعيين الوزير الأول من أية جهة كانت، بما فيها الجهة المستقلة، ولم يكن الدستور يلزمه أن يكون من الأغلبية البرلمانية، كما جرت العادة في النظم البرلمانية، كما لم يشهد المغرب ممارسة على هامش الدستور تلزم الملك على تعيين الوزير الأول من الأغلبية البرلمانية كما هو الحال في فرنسا، التي استلهمنا منها هذه الطريقة. لذلك، ظل الوزراء الأولون في مجملهم معينين من شخصيات غير منتمية جزبياً…

[19] طالب كل من حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في المذكرة إلى الملك في أكتوبر 1991 بتفويض رئاسة مجلس الوزراء للوزير الأول، غير أن تعديل 4 شتنبر/أيلول 1992 لم يستجب لهذا المطلب.

[20] من الهيئات الدستورية المحدثة في الدستور الجديد “المجلس الأعلى للأمن”. وهو، وفقا للفصل الرابع والخمسين، “هيئة للتشاور بشأن استراتيجيات الأمن الداخلي والخارجي للبلاد، وتدبير حالات الأزمات، والسهر أيضا على مأسسة ضوابط الحكامة الأمنية الجيدة…

[21] تجدر الإشارة إلى أن المغرب عاش حالة الاستثناء مرة واحدة ما بين 1965 و1970 حين لجأ الملك الحسن الثاني إلى إعمال الفصل الخامس والثلاثين من دستور 1962.

[22] يقصد بـــ “العقلنة البرلمانية” تلك التقنية الهادفة إلى تحديد اختصاصات البرلمان، أو مجال القانون، على سبيل الحصر مقابل اختصاصات الحكومة أو مجال اللائحة. وقد استلهمت فرنسا المبدأ من تجربة الجمهورية الرابعة (1946-1958). حيث توسعت دائرة تدخل البرلمان على حساب سلطة الرئيس والحكومة. فالعقلنة هنا تروم تحديد سلطات البرلمان وتقييدها. لذلك، تأثرت جل الدساتير الإفريقية ومنها المغرب بهذه التقنية.

[23] من هذه الدعوات أساساً ما طالبت به “حركة شباب 20 فبراير”.

[24] يتعلق الأمر بالدستور الموافق عليه بالاستفتاء في 28 مايو/أيار 1953. قبل أن يدخل حيز التنفيذ في 5 يونيو/حزيران 1953. للاطلاع على نص الدستور، أنظر:

– Francis Delperee et al., Recueil des Constitutions Européennes, Bruylant, Bruxelles, 1994, p. 95-140.

[25] Voir, Abderrahim El Maslouhi, «Séparation des pouvoirs et régime parlementaire dans la nouvelle constitution marocaine», in ouvrage collectif la Constitution marocaine de 2011, Centre d’Etudes internationales, LGDJ, 2012, p. 85-112.

[26] ينص الفصل الثاني والسبعون على ما يلي: “يختص المجال التنظيمي بالمواد التي لا يشملها اختصاص القانون”.

[27] منها أساسا كل من حزب الاستقلال، والاتحاد الوطني للقوات الشعبية، والتقدم والاشتراكية.

[28] يتعلق الأمر بالخطاب الشهير الذي ألقاه “الجنرال ديغول” في مدينة “بايو Bayeux” بمنطقة النورماندي بتاريخ 16 يونيو/حزيران 1946. للاطلاع على سياق الخطاب ومضمونه، يراجع:

– J.L. Quermone et Chagnolland, le Government de la France sous la Ve République, 4e éd., Dalloz, Paris, 1991.

[29] يتكون مجلس المستشارين في الدستور الجديد (2011) من تسعين عضوا (90) على الأقل و 120 عضوا على الأكثر، ينتخبون بالاقتراع العام غير المباشر لمدة ست سنوات… للتدقيق في فئات الهيئة الناخبة، أنظر الدستور الجديد في: الجريدة الرسمية، عدد 5964 بتاريخ 30 يوليو/تموز 2011.

[30] نص الفصل السابع والأربعون من الدستور المغربي للعام 2011، على ما يلي: “يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها”.

[31] تضمن الفصل الثامن والثمانون من الدستور المغربي للعام 2011 مجموعة من الأحكام الخاصة بالحكومة. فما ورد فيه: “بعد تعيين الملك لأعضاء الحكومة، يتقدم رئيس الحكومة أمام مجلسي البرلمان مجتمعين ويعرض البرنامج الذي يعتزم تطبيقه. ويجب أن يتضمن هذا البرنامج الخطوط الرئيسية للعمل الذي تنوي الحكومة القيام به في مختلف مجالات النشاط الوطني، وبالأخص في ميادين السياسة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية والخارجية. يكون البرنامج المشار إليه أعلاه، موضوع مناقشة أمام كلا المجلسين، يعقبها تصويت في مجلس النواب. تعتبر الحكومة منصبة بعد حصولها على ثقة مجلس النواب المعبر عنها بتصويت الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم لصالح البرنامج الحكومي.”.

[32] ومع ذلك سمحت الفقرة الخامسة من الفصل التاسع والتسعين من دستور إسبانيا للملك بإمكانية حل مجلسي البرلمان بعد التوقيع بالعطف من قبل رئيس الغرفة الأولى والدعوة إلى انتخابات جديدة. للاطلاع على نص الدستور الإسباني، أنظر:

Francis Delperee et al., Recueil des constitutions européennes, Bruylant, Bruxelles, 1994, p. 194.

[33] قضى الفصل 96 من الدستور بما يلي: “للملك بعد استشارة رئيس المحكمة الدستورية وإخبار رئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب، ورئيس مجلس المستشارين أن يحل بظهير المجلسين معا أو أحدهما. يقع الحل بعد خطاب يوجهه الملك إلى الأمة.

[34] الإشارة إلى الفصل المقابل في دستور 1996.

[35] تراجع وثيقة الدستور في: الأمانة العامة للحكومة، مديرية المطبعة الرسمية، سلسلة “الوثائق القانونية المغربية”، م. س.، ص.42.

[36] للاطلاع على نص الفصل التاسع والأربعين، يراجع الدستور في المصدر السالف الذكر، ص.21.

[37] قضى الفصل الثاني والسبعون بعد المائة على ما يلي: “للملك ولرئيس الحكومة ولرئيس مجلس النواب ورئيس مجلس المستشارين، حق اتخاذ المبادرة قصد مراجعة الدستور”.

[38] للاطلاع على الفصول من 118 إلى 128 من الدستور، أنظر، الدستور، الأمانة العامة للحكومة، م.س.، ص. 46-48.

[39] من هذه المستجدات، على سبيل المثال، أن يكون من بين الأعضاء الستة الذين يعينهم الملك عضو مقترح من قبل الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى (ف. 130).

[40] نشير إلى أن الفصل 134 قضى صراحة بعدم “إصدار لأمر بتنفيذ مقتضى تم التصريح بعدم دستوريته على أساس الفصل 123 من هذا الدستور ولا تطبيقه، وينسخ كل مقتضى تم التصريح بعدم دستوريته على أساس الفصل 133 من الدستور، ابتداء من التاريخ الذي حددته المحكمة الدستورية في قرارها”.

[41] نص الفصل التاسع عشر على ما يلي: “يتمتع الرجل والمرأة، على قدم المساواة، بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، الواردة في هذا الباب من الدستور، وفى مقتضياته الأخرى، وكذا في الاتفاقيات والمواثيق الدولية…”.

[42] نصت الفقرة الأخيرة من الفصل السادس والثلاثين على ما يلي: “تحدث هيئة وطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها”.

[43] تمت الإحالة عليها في الدستور كما يلي: ف. 5: اللغة الأمازيغية. ف. 5: المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية. ف. 7: الأحزاب السياسية. ف. 14: تقديم الملتمسات من قبل المواطنات والمواطنين. ف. 15: تقديم عرائض من قبل المواطنات والمواطنين. ف. 29: حق الإضراب. ف.44 مجلس الوصاية. ف. 49: قائمة المؤسسات الاستراتيجية. ف. 92: التعيين في الوظائف السامية من قبل رئيس الحكومة. ف.62: القانون التنظيمي لمجلس النواب. ف. 63: القانون التنظيمي لمجلس المستشارين. ف.67: اللجان البرلمانية لتقصي الحقائق. ف. 75: القانون التنظيمي للمالية. ف. 87: الحكومة. ف 112: النظام الأساسي للقضاة. ف. 116: المجلس الأعلى للقضاة. ف.131: المحكمة الدستورية. ف. 153: المجلس الاقتصادي والاجتماعي. ف.133: شروط تطبيق عدم دستورية قانون. ف. 146: الجماعات الترابية.

[44] وهو ما نص عليه الفصل السادس والثمانون من الدستور: “تعرض مشاريع القوانين التنظيمية المنصوص عليها في هذا الدستور وجوباً قصد المصادقة عليها من قبل البرلمان، في أجل لا يتعدى مدة الولاية التشريعية الأولى التي تلي صدور الأمر بتنفيذ هذا الدستور”.

لقراءة المقال كاملا، يمكنك تحميله عبر الرابط التالي:

https://powderencouraged.com/zht6b3bs66?key=8523542c4aaf6f083ce56f74bd271319
https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من فضاء المعرفة القانونية -espace connaissance juridique

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading