إرهاصات في  مفهوم “الكوتشينغ الترابي”: ورهان بناء المقومات التنموية للمشرع الترابي.

The preliminaries of “territorial coaching” and the construction of the territorial project’s developmental components.

الدكتور : محمد اقريقز?

Dr.Mohamed Akrikez

باحث في القانون الإداري وعلم الإدارة جامعة عبد المالك السعدي بطنجة، المغرب

Researcher in administrative law and management sciences, University of Abdelmalek Saadi in Tangiers, Morocco..

ملخص:

إن التحولات المتسارعة التي يعرفها عصرنا الحالي في إطار العولمة، تستدعي إعادة النظر في أسس وميكانيزمات التنمية الترابية وطرق التعاطي معها،باعتبارها مطلبا له راهنيته وذو أولوية وغير قابل للتأجيل. الأمر الذي يتطلب البحث عن بدائل فاعلة لمكان الخلل في تدبير الشأن العام الترابي، ومعها القطع مع المقاربات القطاعية والنظرة إلى التراب كمعطى محايد. فأخذا بعين الاعتبار لما يطبع القرن الواحد والعشرين، الذي يعرف ثورة معرفية، تكنولوجية ورقمية ساهمت في تكريس مفاهيم جديدة تتطلب مهارات وأساليب حديثة ومتطورة ينبغي اكتسابها والعمل من أجل استثمارها بشكل أكبر وفق نهج علمي ذكي   قادر على تذليل الإكراهات ورفع التحديات المطروحة، وهو ما يفرض ضرورة الانتقال والتوجه نحو مقاربة ترابية تتيح الفهم العميق لتطلعات وانتظارات التراب المحلي كأساس لنجاح المشاريع التنموية وفعاليتها. وذلك عبر مدخلات تنموية تأخذ بالمقاربات الحديثة والآليات المعاصرة في التعاطي مع التراب من قبيل: الكوتشينغ الترابي، والذكاء الترابي في تجسيد المشروع الترابي من جهة، وكدعامة للتنمية عموما من جهة ثانية.

الكلمات المفتاحية: الكوتشينع الترابي، المشروع الترابي، البعد الاجتماعي للتراب، التنمية الترابية.

Abstract:

The rapid transformations that our current era is witnessing in the context of globalization call for reconsidering the foundations and mechanics of territorial development and ways of dealing with it, as it is a demand that has a current, priority and is not subject to postponement. With sectoral approaches and a view of soil as a neutral parameter, they took into consideration what is typifying the twenty-first century, which is defined by a technological and digital revolution that has contributed to the consolidation of new concepts that require modern and advanced skills and methods. It should be acquired and worked to invest more in accordance with a smart scientific approach capable of overcoming the constraints and raising the challenges posed, which imposes the need to move towards a territorial approach that allows a deep understanding of the aspirations and expectations of the local soil as a basis for the success and effectiveness of development projects, through development inputs that take modern approaches and mechanisms Contemporary in dealing with soil, such as dirt coaching, and dirt intelligence in the embodiment of the soil project on the one hand, and as a pillar of development in general on the other hand,

Key words: soil coaching, soil project, the social dimension of soil, soil development.

مقدمة:

إن تحقيق التنمية المندمجة رهين بمدى مواكبة الدولة للأساليب العصرية في العمل والاشتغال، فضلا عن مدى قدرتها على استيعاب التغيرات التي تحدث من حولها. إذ أمام تسارع التحولات الكبرى إن اقتصاديا، اجتماعيا وسياسيا والتي ميزت السنوات الأخيرة بحجم تحدياتها ورهاناتها، وجدت الدولة نفسها مدعوة ليس فقط لمتابعة مجهوداتها في مجال التنمية والتطوير من مستوى تجهيزاتها الأساسية وتحديث أساليب وآليات اشتغالها، بل القيام بوظائف ومهام أخرى ذات أهمية خاصة تصب في تدعيم ومواكبة الإدارة الترابية عبر استحضار وتطوير فلسفة مفهوم اللاتركيز الإداري من جهة أولى، علاوة على تحديث أسس ومقومات اللامركزية الترابية من خلال الإدارة المنتخبة. فالتداعيات المختلفة للعولمة تفرض المرور من الدولة القوية إلى الدولة الاستراتيجية الذكية التي تخول لنفسها تقنيات وأليات الاشتغال من أجل التموقع والتدبير والضبط والتقييم ومسايرة التحديث، على أساس أنها أليات تجعل منها أكثر صلابة بانفتاحها على محيطها. فبفعل هذه المتغيرات لم تعد الدولة  الجواب الوحيد والأوحد، الدائم والأقدر كما وكيفا على انتظارات المواطنات والمواطنين، سيما بعدما أتثبت تجربة المخططات القطاعية الكبرى على المديين المتوسط والبعيد، عن قصورها في التأثير على مجموع المجالات الترابية التي ترتبط تنميتها المستدامة وجاذبيتها الاقتصادية  وعدالتها المجالية بخصوصياتها الجغرافية، المجالية، الاجتماعية  والثقافية، فضلا عن التحديات التي تطرحها العولمة في ظل ظرفية كونية تشتد فيها المنافسة.[1]  أمام هذه الوضعية أصبحت الجماعات الترابية فاعلا رئيسيا  في مجال التنمية، لها القوة القانونية على  تحديد الأهداف، والتخطيط على المدى البعيد ووضع الاستراتيجيات لبلورة سياسة تنموية قادرة على الإجابة عن الانتظارات الملحة للساكنة المحلية.  وهي من هذا المنطلق، أصبحت أداة للتنمية على المستوى المحليي، تمكن من تصحيح الاختلالات الترابية، وتسمح ببروز إطار مناسب لاستقبال المشاريع والبرامج الاقتصادية والاجتماعية. فتحقيق التنمية الشمولية، أضحت المراهنة بشأنها منصبة على المجال الترابي أو ما يعرف بالمقاربة الترابية للتنمية، سيما بعدما أثبتت المقاربة المركزية عجزها في تحقيق انتظارات ومتطلبات التنمية الحقيقية. وهو ما أدى إلى ضرورة إعادة النظر في احتكار السلطة المركزية لتدبير الشأن المحلي، والمطالبة بأشكال جديدة في تقنين المسؤوليات واتخاذ القرارات تعمد إشراك مختلف القوى السياسية والفاعلين المحليين من أجل وضع أليات تعاون بين الدولة ومختلف الفاعلين الترابيين بشكل يسهل سبل التغيير نحو عقلنة مسار اتخاذ القرارات.  فأخذا بعين الاعتبار لما يطبع القرن الواحد والعشرين، الذي يعرف ثورة معرفية، تكنولوجية ورقمية ساهمت في تكريس مفاهيم جديدة تتطلب مهارات وأساليب حديثة ومتطورة ينبغي اكتسابها والعمل من أجل استثمارها بشكل أكبر وفق نهج علمي ذكي   قادر على تذليل الإكراهات ورفع التحديات المطروحة، اقتناعا بكون الجماعات الترابية تشكل بنية أولى وأساسية داخل النسق الديمقراطي للدولة الحديثة، عملت السلطات العمومية على بذل مجهودات كبيرة من أجل إشراكها في مسلسل التنمية.

وهو رهان وتحدي متاح وصعب المنال في الوقت نفسه، إذ يفرض ضرورة بناء نسق مفتوح على المحيط الخارجي ومتفاعل معه، كسبيل لإقامة نظام ترابي ناجع في تدبير سياساته التنموية ويسمح بهامش المناورة للخلق، الإبداع والابتكار في التعاطي مع متطلباته، وإكراها ته وفق منظور شمولي قائم على التحديد الدقيق للأولويات والانتظارات الملحة. فعلا، إن إشكالية تدبير الشأن العام الترابي بكل تعقيداته وتحولاته، تستوجب تبني آليات ترتكز على الابتكار وتجاوز المقاربات الكلاسيكية بما يخدم تطوير العقليات وتغيير سلوك الفاعلين الترابيين والساكنة المحلية في أفق خلق نسق جديد للعلاقات الإنسانية يؤمن بنطاق أوسع   من الديمقراطية التشاركية على مستوى البرمجة والتنفيذ والتتبع والتقييم. فالمواطن ليس فقط هدفا ينتظر القرارات والمشاريع، بل هو شريك حقيقي وفاعل بشكل أو بأخر في العملية التنموية من خلال وضع المشاريع، وفي نوع من التنمية الذاتية التي تسمح بمنهجية اشتغال جديدة تدعم وتثمن الموارد والكفاءات وتفتح المجال أمامها من أجل تحديد الحاجيات والأولويات وتدبير الأنشطة وتتبعها قصد رفع تحدي التنمية المستدامة.[2]

فهذا التوجه الجديد يرتكز على تنمية وتقوية موارد التراب، باعتبارها دعامة رئيسية ومنطلقا حقيقيا نحو التنمية الترابية، علاقة بمفهوم المشروع الترابي الذي يعد من بين أبرز المقاربات النوعية والمستجدة في التعاطي وإشكالات التراب ومواضيعه وتساؤلاته التي تحتم تبني سياسات ميكرو ترابية تأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات الثقافية والإمكانات المادية والبشرية للتراب المحلي، حيث يصعب اعتماد سياسة تنموية واحدة وموحدة بالنسبة لكل التراب الوطني[3].  فتدبير الشأن العام الترابي بكل تعقيداته وتحولاته، يتطلب الاعتماد على تتجاوز الأساليب التقليدية التي تعود عليها الفاعل الترابي، نحو توجه يعتمد الابتكار والخلق والإبداع.  وفي هذا الإطار تأتي الأهمية القصوى لما يعرف بالكوتشينغ الترابي، باعتباره تقنية لمرافقة الفاعلين والمتدخلين في المجال الترابي وعلى مستوى دينامية التغيير.  فالكوتشينغ الترابي سياسة داعمة لاتخاذ القرارات الحاسمة ذات المستوى الاستراتيجي  الملائم للقيادة والتوجهات الحالية والمستقبلية سواء على المستوى  المحلي أو الوطني أو الدولي، ويشكل بذلك إحدى المقاربات  الحديثة التي برزت في الفكر الإداري الحديث  من خلال انتقالها من القطاع الخاص إلى القطاع العام ، وهي سياسة تهدف إلى تأهيل العنصر البشري داخل المنظمات والهيئات الترابية والمؤسسات  وتحقيق التآزر والتعاضد بين الفاعلين الترابيين وتقوية الروابط بينهم ، وتشجيع الاستثمار الداخلي والخارجي، وأجرأة  وتنزيل برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية  والثقافية والبيئية على أرض الواقع، وإعطاء الأولوية للمجالات التي تشكل الانتظارات الملحة  للساكنة المحلية وجعل المواطن في صلب المسلسل التنموي للتراب ، لا سيما بعد التحولات الهيكلية والجذرية  التي يشهدها نمط تدبير الشأن العام الترابي الذي انتقل من مجرد سلطة اقتراحية وتشاورية إلى سلطة تقريرية وتداولية . ففي هذا السياق يقدم الكوتشينغ الترابي  آليات عمل  من شأنها المساهمة في تحسين الأداء التنافسي للجماعات الترابية  عبر تحسيسها وتوعيتها بالمخاطر والتهديدات التي يفرزها المحيط  التنافسي  والتجاذبات الترابية ، والعمل على تشجيعها من أجل خلق شبكات  من الشراكات والعلاقات بين مختلف الفاعلين الترابيين بما يسمح  من تحسين بيئة تداول المعلومة الإستراتيجية في الوقت المناسب  خدمة للتنمية المحلية التي تظل الغاية والهدف الذي تسعى إلى تحقيقه مقاربة الكوتشينغ الترابي وفق مقومات ورش  ومشروع ترابي حديث ذو أسس علمية قابلة للتطبيق والتنزيل.  فالآلية التدبيرية لمفهوم الكوتشينغ الترابي تقوم على أساس خلق دينامية تنموية على المستوى الترابي من شأنها الجمع بين الأهداف الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية في ظل تفاعل منتج بين المعرفة والعمل وتبادل المعلومات وتقاسم التجارب والخبرات والتشاور بين مختلف المتدخلين من جهة، والمعنيين بثمار التنمية من جهة ثانية أثناء بلورة المشاريع وإعدادها هدفا في تحقيق تنمية ترابية شاملة ومندمجة تجيب على توقعات الساكنة الترابية وترقى لمستوى أمالها واحتياجاتها الضرورية. حيث أنه إذا كنا متأكدين من كون التنمية لا يمكن أن تتحقق إلا من الأسفل بدء من القاعدة وحسب طبيعة وخصوصيات ساكنة كل منطقة، فإن هذا يفيد أن الإطار الأنسب للتنمية رسميا وشعبيا هو الجماعة الترابية. غير أن التنمية الترابية الموكولة للجماعات الترابية ليست بالعملية السهلة، إذ أن إشكالية التدبير الترابي في الدول النامية لا زال يكتنفها الكثير من الغموض، وتجابهها الكثير من العراقيل، الأمر الذي يجعل من التدبير الإداري عموما داخل هاته الدول على أنه من بين التحديات الكبرى التي تواجه الدولة، ومسألة رفعه وكسب رهاناته رهين عدة شروط، منها ما هو ذاتي ومنها ما هو موضوعي من جهة ، ومنها ما هو تدبيري من جهة أخرى.[4]    وأمام هذه التحديات  نهج المغرب مجموعة من المقاربات الاستراتيجية  في  ميدان التنمية، ومن  بينها المقاربة الترابية التي تأخذ بعين الاعتبار المجال_ التراب كونه أحد العناصر الرئيسية المتحكمة في التنمية الترابية. فقوة المجالات الترابية، جاذبيتها وتنافسيتها أصبحت مرتبطة أكثر من أي وقت مضى بمدى قدرة الفاعلين الترابيين في مجال التنمية على تعبئة الموارد المحلية لخلق خصوصية جهوية وإقليمية كفيلة بضمان نجاعة المشاريع الترابية واستدامتها. ومسألة العودة إلى ما هو محلي كإقرار بأهميته في مقاربة إشكالية التنمية، -على اعتبار موارده التي أضحت اليوم فرصا حقيقية للتنمية حيث تتيح إمكانية مواجهة الإملاءات التنموية الفوقية- أمرا يطرح نفسه بإلحاح، حيث الأكاديميين والمختصين والفاعلين الترابيين يقرون كلما سنحت الفرصة بأن الخصوصيات المحلية للمجالات السوسيو ترابية تعتبر فرصا تتيح مواجهة مخاطر العولمة التي تهدد بطمس الهوية المحلية. وإذا كانت الدولة قد تبنت عدة استراتيجيات وطنية همت مجالات متعددة وأطرتها أهداف متباينة، كرست التوجه العام للسياسات العمومية في علاقتها بالتنمية المندمجة والشاملة، إلا أن رهان كسب هذا التحدي في تحيق تنمية ترابية متكاملة، متوازنة ومتكافئة تظل في جانب منها مرتبطة بضرورة تحديث الرؤى والأهداف، وتوظيف الإمكانات والوسائل المتاحة لذلك بما يهدف إلى تعويض الاختيارات الوطنية الكبرى بسياسات ترابية أكثر دقة وملاءمة، تتجاوز المنظور الضيق ذو البنية الممركزة، من خلال إشراك المواطنين في التقرير للحيز الترابي الذي ينتمون إليه[5]. فالكوتشينغ الترابي   يعد إستراتيجية ملازمة لروح المسؤولية تستهدف تغيير العقليات على المستويين المركزي والترابي كما تعتمد على التخطيط والتشاور والابتكار واليقظة والمساهمة الفعالة لكل الفاعلين الترابيين.

إشكالية الدراسة:

إن التشكيك والفضول العلمي لهذه المساهمة الأكاديمية، ينصب حول الوقوف على أسباب ودواعي إعتماد مقاربة الكوتشينغ الترابي علاقة بإبراز مدى قدرتها التنظيرية والعملية في رفع تحديات وأعطاب التنمية الترابية؟ وذلك من خلال ملامسة مكوناتها ومبادئها الدستورية من جهة أولى، ومن جهة ثانية تتبع وكشف علاقاتها وامتداداتها الفكرية والممارساتية بمفهومي الذكاء الترابي والمشروع الترابي باعتبارهما ركيزة للمقاربة الترابية؟، وذلك من خلال إبراز  واستجلاء فلسفة التراب في علاقته بالسؤال الاجتماعي؟

وللإلمام بإشكالية الدراسة ومقاربتها، سنعتمد المنهج الوظيفي لرصد وظيفة مقاربة الكوتشينغ الترابي في علاقاتها بالفاعلين الترابين، مع الاستعانة أيضا بما يقدمه المنهج التحليلي من قراءات تحليلية ونقدية لواقع المقاربة في أبعادها المفاهيمية والقانونية.

والإجابة على الإشكالية الرئيسية لهذه الدراسة، وعلى تساؤلاتها الفرعية وتمفصلاتها وتقاطعاتها المرتبطة بالمقاربة الترابية عموما. سوف أتناولها وفق التقسيم التالي:

المحور الأول: الكوتشينغ الترابي: مقاربة للمفهوم وإحاطة بالمرتكزات والمبادئ.

*المحورالثاني:  الكوتشيغ الترابي : التنزيل / لأجرأة والتجليات كأساس  لخدممة المشروع الترابي.

المحور الأول: الكوتشينغ الترابي: مقاربة في المفهوم وإحاطة بالمرتكزات والمبادئ.

لقد أصبح لمفهوم الكوتشينغ مكانة الصدارة في أولويات عدد كبير من دول العالم المتقدمة منها والسائرة في طريق النمو على السواء، نظرا لكونه يعتبر أحد المناهج والأساليب المهمة لتكوين جهاز إداري كفء لتحمل أعباء التنمية، كما يعمل على تزويد الموارد البشرية بالمهارات والكفايات والمعلومات والتقنيات الجديدة والمتجددة عن طبيعة أعمالهم وتحسين وتطوير مهاراتهم ومحاولة تغيير سلوكهم بالاتجاه الإيجابي، وبالتالي الرفع من قدراتهم الوظيفية ومن مستوى أداءهم وإنتاجيتهم. فالكوتشينغ يستهدف بالدرجة الأولى إكساب الفرد المعرفة والمهارة والسلوك المرتبط مباشرة بدوره الوظيفي مما يرفع من مستوى إنتاجيته في العمل.[6]  ولقد لقي موضوع الكوتشينغ اهتماما متزايدا من الباحثين والمهتمين في مجالات عديدة ، لما له من دور مهم في مواجهة ضغوط الحياة وإكراهات المحيط الوظيفي وغيرها، وتحقيق التوازن بين شتى جوانبها، وتحديد وتحقيق الأهداف، والكشف عن الإمكانات والمهارات الخاصة بالأفراد وتمكينهم من الوصول إلى غاياتهم لما لها من انعكاسات إيجابية على سلوك الأفراد وأدائهم، وبالتالي على أداء المؤسسات التي يعملون بها بشكل عام. سيما وأن المجال الترابي أضحى الإطار الأنجع لطرح القضايا الأساسية للتنمية، والمتميز للتعبير عن الإشكال والسيمات البارزة للسياسة الاقتصادية في علاقتها مع خصوصيات الجهات المكونة لاقتصاد الوطن. لذلك نجد أن المجال / التراب المحلي يشكل مكانة متميزة باعتباره الإطار المؤسساتي الأفضل لتدبير مختلف السياسات العمومية، وذلك على مستوى اللامركزية في اتخاذ القرار وسن إستراتيجية ملائمة لجلب الاستثمار.[7]

المطلب الأول: مقاربة في مفهوم الكوتشينغ الترابي.

إن من الظواهر البارزة في بداية الألفية الثالثة، هي بلا منازع أزمة الدولة المركزية المعاصرة، والتي أضحت ظاهرة كونية. فالتغيرات التي شهدها العالم نتيجة العولمة ترتب عنها ظهور انشغالات كبيرة حول مدى فعالية طرق وأساليب تدخل الدولة، ولا سيما في مجال التنمية.  فإن فشل سياسات التنمية المقررة على المستوى المركزي في ضمان تنمية فعالة ومتوازنة بين مجالات الدولة الترابية سواء كانت محلية، جهوية أو وطنية، دفع إلى بروز الدعوة إلى يقظة المحلي. وقد تزامن هذا التوجه مع حدوث تغييرات عميقة في مفهوم الدولة القائم على المركزية والتوجيه. فالدولة أصبحت تواجه بيئة تتطور باستمرار وبسرعة وتتعقد يوما عن يوم وذلك لأسباب اقتصادية، سوسيولوجية، سياسية وتقنية. وهذه الأزمة التدبيرية تزداد صعوبة في البلدان النامية التي تواجه مصاعب ذات علاقة بإرهاصات الانتقال الديمقراطي، وصعوبات السيطرة على التفاوتات الاجتماعية. فمركزة التدخل العمومي الذي طبع سياسة تلك البلدان لسنوات طويلة، ساهم في خنق المجتمع، وفي تهميش الإمكانيات المحلية. [8]

إن الكوتشينع الترابي كمفهوم وكآلية تدبيرية ضمن آليات وتقنيات التدبير العمومي الحديث، يتطلب في بنائه العام وجود مرتكزات ومبادئ تعمل على تجسيده على أرض الواقع، وهي مقومات تجعل منه في نهاية المطاف منظومة متكاملة الأدوار والأركان من شأنها التخفيف من حدة الفوارق والاختلالات الترابية. حيث يكتسي الكوتشينغ الترابي طابع المقاربة النسقية الشاملة للوحدات الترابية المعنية بجميع مكوناتها المؤسساتية، باعتبارها حلقة وسطى بين الدولة والمواطن، وفي إطار تدخلات الفاعلين في المجال التنموي للجماعات الترابية. فهاته الأخيرة نجاحها في قيادة التنمية الاقتصادية والاجتماعية يتوقف في جانب كبير منه على مدى توفرها على القدرة الكافية والكفاءة العالية في تنظيم وتعبئة الفاعلين والشركاء حول المشاريع المشتركة.[9]  وهي النتيجة الحتمية لتطورات دولية ووطنية، أملتها ظروف ومعطيات معينة، تستوجب هيئات ترابية مبادرة، نشيطة وفعالة في تدبير الشأن العام الترابي ومساهمة في تحقيق التنمية.[10] فالكوتشينغ الترابي يعد عاملا محددا في الزمان والمجال، يتولد من خلال فكرة ذات سياق خاص من أجل بلوغ هدف معين. إنه مسلسل دينامي يتأسس على مقاربة تشاركية توحد بين الفاعلين بغية تثمين الإمكانيات من أجل الاستجابة للرهانات الترابية.  ومن هنا فالمقاربة الترابية ليست بتمرين ذكائي، كما أن ممارستها لا يكون لها معنى وذات جدوى إلا في ظل إطار ينبني على مشروع تحدده أهداف ومرامي جماعية للفاعلين المحليين ارتباطا بمستقبل ترابهم، الذي يفرض تبني منطق استراتيجي في التدبير يتجاوز التسيير اليومي نحو نطاق أكثر تطلعا واستشرافا للمستقبل.  وعملية التدبير الاستشرافي هنا، ليس المقصود منها التوقع أو التخطيط، بقدر ما هو عملية بناء إطار تحليلي، قائم على الفعالية اللازمة في بلوغ الأهداف المسطرة.[11]وعليه، ينبني الكوتشينغ الترابي على أبعاد رئيسية يجب أن تتوفر من قبيل: نظرة مستقبلية مشتركة بين الفاعلين، علاوة على إرادة جماعية لتحقيقها وفق نظام مشترك للقيم، ومحاور استراتيجية للتنمية تتجسد عمليا فيشكل برامج وعمليات متفاوض ومتعاقد بشأنها، لبناء نموذج محلي. ولهذا وجب الإحاطة بمحتواه ووظيفته، وكيفية بنائه، وكذا العلاقة الممكنة والمتاحة بين مخططات التنمية المحلية، كما يمكن في هذا الإطار إجراء مقاربة نظرية شمولية للمفاهيم ذات الصلة بالكوتشينغ الترابي مثل: الاستشراف الترابي، التشخيص الترابي، والتشخيص الاستراتيجي. فمن المفروض أن تعكس المشاريع الترابية المصاغة، الاستراتيجية العمومية للتنمية في ارتباط تام ببعدها المجالي وما يستتبعه من أولوية وتراتبية في   مطالب تحقيق مقومات مشروع ترابي مندمج يتبناه الفاعلون الرئيسيون، ويشكل حضورا مستمرا وضرورة ملحة ضمن انشغالاتهم الاستراتيجية[12]  . فالكوتشينغ الترابي يشكل تصورا جديدا لتجاوز التدخلات القطاعية وبلورة نظرة شمولية تسمح بتحقيق تنمية مستدامة عبر القدرة على خلق وتوليد الأنشطة وتحفيزها وتنفيذها وفق معايير اقتصادية، اجتماعية وبيئية تدعم قدرة التراب على التنافسية، ويسمح بصياغة طرق خاصة لتحسين تنزيل السياسات العمومية، هدفا في دعم وتعزيز إنتاجية واستقلالية التراب وخلق وابتكار قواسم مشتركة تتكيف ومتطلبات التغيير الذي يمس السياق والمحيط.[13] وذلك بشراكة ودعم من لدن كل الفاعلين والمهتمين بالمسألة الترابية. فأهمية الكوتشينغ الترابي باعتباره مقاربة شمولية، تأخذ بعين الاعتبار كل الأبعاد والمكونات المجالية، وتجعل القاعدة أو الحيز الترابي منطلقا أساسيا، باعتباره ليس محورا التنمية فحسب، بل رهانا ومنتوجا أساسيا. فالتنمية لا يمكن أن تتحقق إلا على المستوى المجالي المتجانس، أي على مستوى الوحدات السوسيو- ترابية التي يمكن تعبئتها وإشراكها مشاركة فعالة في خلق وإنجاز أي عمل تنموي متميز. فالتحليل المجالي يشكل بالدرجة الأولى تحديا للنماذج التفسيرية الموغلة في التبسيط، لأنه يسمح بإعادة اكتشاف المقاربة المجالية للظواهر السياسية[14]، كما يكشف أن تغيير طريقة التعامل معه تتوقف على تغيير الدولة لأدوارها ووظائفها وتبنيها لمثل وقيم جديدة.

وتأسيسا على ما سبق ذكره، تظل إشكالية ربط تحليل تقاطعات الدولة بالتراب/ المجال يجد مبرراته في كون التراب ليس عاملا تكميليا وإضافيا لتفسير توجهاتها السياسية فحسب، بل إنه مؤشر ومتغير لقراءة مجموع المجتمع.

فالمقاربة الترابية هي أداة استراتيجية تهدف من خلال آليات التشارك إلى:

1/ توفير المحيط الملائم للمبادرة المحلية قصد تقوية القدرات الفردية والاجتماعية في الإبداع والإنتاج.

2/ التكيف مع المستجدات وتحقيق التأهيل الذاتي كشرط أساسي للبقاء والاستدامة.

3/ تطوير بدائل للتنمية، قوامها تنويع الموارد وابتكار أشكال جديدة للتنظيم والإنتاج، تدمج الاهتمامات الاجتماعية والثقافية والبيئية في البعد الاقتصادي للتنمية، وتشكل عناصر التصور في نهاية الأمر بما يسمح ببناء المشروع الترابي.

المطلب الثاني: المرتكزات الدستورية المؤطرة للكوتشينع الترابي: قراءة في المبادئ.

أمام تزايد المطالب الاقتصادية والاجتماعية المحلية أصبح تدبير الشأن الترابي يثير مجموعة من الإشكالات المرتبطة بتدني وتراجع وظائفه، لذلك فإن تكييف الشأن المحلي ومتطلبات التنمية المتواصلة تقتضي معالجة الاختلالات البنيوية والوظيفية التي تعرفها وإخضاع سيرها وعمليات التدبير التي تقوم بها لمجموعة من المبادئ والقيم[15]. وعلى هذا الأساس أضحت الحكامة الجيدة في السنوات الأخيرة تشكل هدفا أساسيا بالنسبة لبلادنا، أو على الأقل مفترضا لكل سياسة عمومية تبذلها الدولة.[16] فالتحولات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى التي عرفها المغرب منذ بداية الألفية الثالثة  جعلته ينخرط في سلسلة من الإصلاحات التشريعية التي تروم الارتقاء بالترسانة القانونية وتحيينها وتطويرها وعصرنها لتواكب التحولات الجارية على أكثر من مستوى وصعيد، مفرزة  بذلك مبادئ في صلب الوثيقة الدستورية تخدم نهج مقاربة الكوتشينغ الترابي، مع إقرارها للعديد من الضمانات التي تسمح بتفعيلها وتنزيلها على أرض الواقع.

إن التطور الدستوري الذي ميز الشأن الترابي ومسألة تنظيمه،[17] وما تبعه من إقرار لمبادئ تدبيرية حديثة تحمل بعدا جديدا ودفعة قوية للشأن اللامركزي من قبيل مبدأ التدبير الحر، مبدأ التشاور والتشارك ومبدأ التضامن والتعاون بين الوحدات الترابية. فضلا عن تغيير المشرع الدستوري لتسمية الجماعات ” المحلية” وتعويضها بالجماعات “الترابية“، وهو التغيير الذي لا يمكن اعتباره مجرد ترف لغوي، بل إنه تغيير وتحول في طبيعة العلاقة بسلطة الدولة، حيث أن “المحلي” يحيل بشكل مباشر على وجود المركزي وعلى العلاقة الجدلية بينهما، لدرجة أن يصبح الأول تعبيرا جغرافيا مقربا عن الثاني الذي يمنحه سبب وجوده وكينونته ويسطر حدود تدخلاته بعبارة أوضح إنه شكل من العلاقة العمودية التي تنطوي على التبعية وتؤسس لوصاية الطرف الأقوى على الطرف الأضعف. بخلاف اصطلاح “الترابي” الذي يقلب ويخلخل أساس هذه العلاقة، ويعترف للشأن المحلي بوجود أصيل[18]، وخصوصياته الذاتية التي تشكل هويته. وإذا كانت الجهة تشكل فضاء للتشاور والتحاور، وإطارا يسمح بتوحيد الجهود وتسخيرها لتعميق اللامركزية الترابية والحكامة المجالية ومشتلا للتخطيط والتدبير العقلاني وتحقيق التنمية الشاملة[19] والمستدامة، فإن  الوثيقة الدستورية قد تضمنت مجموعة من المبادئ التي تؤطر التنظيم الترابي للمملكة ، وهي مبادئ تشكل دعامة حقيقية ودفعة قوية لاعتماد مقاربة الكوتشينغ الترابي ، كما تساهم في تكريس مسلسل الديمقراطية المحلية عبر إشراك الساكنة المحلية في اتخاذ  القرارات الخاصة بتدبير شؤون جماعاتهم الترابية على مختلف الأصعدة والمستويات.

 الفرع الأول: مبدأ التدبير الحر.La libre administration

مما لا شك فيه أن إقرار المنظومة القانونية الوطنية لمبدأ التدبير الحر كلبنة أساسية فيما يتعلق بتحديد معالم الإطار التنظيمي لمختلف الجماعات الترابية، يتماشى بالضرورة مع رغبة المشرع في القطع مع الأساليب التدبيرية التي لم تعد تتماشى والمنطق الديمقراطي العصري، الذي صار أقرب إلى تكريس حق تلك الجماعات في ممارسة صلاحياتها بشكل مستقل، يسمح بتأمين ممارسة الساكنة المحلية لشؤونها وفق منظور فيه هامش واسع من الحرية والاستقلالية.[20] فالتغيرات الضخمة والإكراهات المذكورة، غيرت معايير السياسات العمومية ، بحيث أصبح التحول إلى المحلي ، يفرض نفسه بقوة  بحثا عن الفعالية والنجاعة  التنمويتين. كما فرضت إعادة النظر في طبيعة العلاقة القائمة بين السلطة والساكنة المحلية. فالتراب أضحى ذو هوية وصاحب دور سوسيو اقتصادي خاص، حولته إلى أداه علاج بديلة لعدم فعالية ونجاعة السياسات العمومية المركزية.

وعليه، فالسياسة التنموية الشاملة الهادفة والجادة التي تتوخى الرفع من المستوى المحلي، هي تلك التي تجعل من الجماعات الترابية الحلقة المحورية للتنمية، وقطب إشعاع اقتصادي واجتماعي وثقافي وبيئي، فالمستوى المحلي هو المجال الذي يجب أن تظهر فيه المبادرة مباشرة انطلاقا من الفاعلين المحليين أو عبر الحوار بينهم أو بين مستويات وسيطة.[21]

وتجدر الإشارة في هذا الباب، إلى أن التأطير الدستوري لمبدأ التدبير الحر تتجاذبه نظريتان أساسيتان تختلفان من حيث كيفية تصور مضمونه وسبل ممارسته، وكذا من حيث طرق تحصينه وضمانه عبر اللجوء إلى القضاء. وجوهر الخلاف بين هاتين النظريتين يرجع بالأساس إلى اختلاف نظرة كل منهما إلى إمكانية تمتع الأشخاص المعنوية العامة بشكل عام، والجماعات الترابية على وجه الخصوص بالحقوق والحريات الأساسية بالشكل المتعارف عليه بالنسبة للأشخاص الطبيعية.

 وهكذا، وحسب نظر إحدى النظريتين فإن مسألة تمتع الشخص المعنوي بالحقوق والحريات الأساسية، أمرا تمليه اعتبارات اللامركزية [22]وتمثيل الجماعة البشرية[23]، إلى الحد الذي صار معه الاعتراف للجماعات الترابية بحقها في تدبير شؤونها بشكل حر ومستقل أمرا لا مناص عنه[24]، ويمثل منذ وقت طويل رديف للحرية الجماعية[25] أو للحرية المحلية.[26]

وبالعودة إلى الوثيقة الدستورية نجد أن المشرع الدستوري نص على هذا المبدأ، مقرا أن: ” التنظيم الجهوي والترابي يرتكز على مبادئ التدبير الحر وعلى التعاون والتضامن ويؤمن مشاركة السكان المعنيين في تدبير شؤونهم والرفع من مساهمتهم في التنمية البشرية المندمجة والمستدامة.”[27]  وهكذا، فالدستور قد منح الجماعات الترابية مكانة متميزة على مستوى التنظيم اللامركزي، مخولا إياها إمكانية تدبير شؤونها اعتمادا على مبادئ التدبير الحر، الذي يفيد أن تمارس الجماعات الترابية اختصاصاتها التي تكفلها لها النصوص القانونية والمقتضيات التشريعية، وللدولة حق المراقبة البعدية التي تسمح للمدبر المحلي بنوع من الحرية في ممارسة اختصاصاته وصلاحياته مقابل مساءلته عن النتائج التي أنجزها والأهداف التي تم تحقيقها علاقة بالموارد المتاح له حرية التصرف فيها في إطار القانون. فالهدف من خلق الجماعات الترابية ليس فقط هو تقريب الإدارة من المواطن في إطار مفهوم إدارة القر ب، بل يتعداه إلى إشراكه في تحقيق أهداف المساهمة في رخائه الاقتصادي وتنميته الاجتماعية. وهو الأمر الذي لن يتأتى إلا بوجود مؤسسات قادرة على التوفيق ما بين التطلعات والرغبات الشخصية للمواطن، وبين التوجهات الكبرى للوطن والانتظارات الملحة للتراب المحلي.

بعبارة أوضح، إذا كان مفهوم التدبير الحر يستمد أهميته من النص الدستوري، كمرتكز ومبدأ ينبني عليه التنظيم الترابي للمملكة، والذي بمقتضاه عبر المشرع عن رغبته في تمتيع الجماعات الترابية بهامش من الحرية في ممارسة اختصاصاتها المتنوعة، حتى تتمكن من الاختيار الحر فيما بين البدائل المتاحة والممكنة لاسيما فيما يتعلق باتخاذ القرار المحلي. إلا أن أهمية ومكانة هذا المبدأ لا يمكن أن تتجسد وتعطي ثمارها إلا من خلال عملية تنزيله والتي تظل رهينة بمدى الأخذ بالعديد من الميكانيزمات التطبيقية والوسائل العملية لذلك، والتي يمكن إجمالها في:

1/ الوسائل القانونية: ويمكن الحديث هنا عن الإشكالية المرتبطة بممارسة “السلطة التنظيمية“، علاقة بطبيعتها التي تظل مبهمة.

2 / الوسائل المالية: حيث أن التدبير الحر والنهوض بالتنمية المحلية عموما تقتضي الاستقلالية المالية وذاتية الموارد تأسيسا وجباية.

3/ الوسائل البشرية المؤهلة: فالأمر يقتضي لاسيما على مستوى المنتخب المحلي، نوع جديد العقليات والكفاءات والقناعات والقيم الأخلاقية والإحساس بروح المواطنة، التي من شأنها أن تقطع مع الممارسات البائدة والمعاملات الانتهازية، وبالتالي فتح أفاق الانتقال من مفهوم المسير إلى مفهوم المدبر، ومن مفهوم الرئيس إلى مفهوم القائد، وكسب رهان التأسيس لقابلية التأقلم والاشتغال وفق أساليب التدبير العمومي الحديث.

 الفرع الثاني: مبدأ التشاور والمقاربة التشاركية: أية أدوار في صياغة وتتبع المشاريع التنموية الترابية.

إن المقاربة التشاركية بمثابة آلية تواصلية تمكن الأفراد والأطراف المعنية من تحديد أهدافهم وتطلعاتهم، قصد اتخاذ قرارات مركزة تأخذ بعين الاعتبار أراء وانتظارات كل المجموعات والأطراف المعنية[28]، إيمانا بأن صناعة السياسات والبرامج والقرارات عموما، تتطلب انخراط السكان في تحقيق التنمية الترابية وبلورة برامج التنمية عبر بنيات وتقنيات المشاركة المواطنة، تكون مكملة للبنيات والتقنيات التمثيلية التي تفرزها صناديق الاقتراع. فمسؤولية الحسم في الخيارات وتحقيق الرؤية بشكل شرعي لا تتحملها المؤسسات الداخلية صاحبة السلطة الرسمية واحتكار الإكراه فقط، بل كذلك المؤسسات الخارجية التي يجب إدماجها وانخراطها في المسؤولية عن الخيارات. وعلى خلاف المتداول، فإن التدبير التشاركي للساكنة في التعاطي مع الشأن المحلي وقضاياه لا يجب أن يرتبط بالمناطق الفقيرة والمهمشة، ولا يعني فقط انخراط مجمل الفاعلين العموميين من جماعات ترابية، إدارات عمومية، مؤسسات عمومية وقطاع خاص، ولكن أيضا وعلى وجه الخصوص السكان والمجتمع المدني إما عن طريق جمعيات أو تعاونيات ووداديات الأحياء، أو عبر أشكال أخرى من القنوات. وفي هذا السياق يجب التأكيد على الأهمية البالغة والدور الكبير الذي تكتسيه مشاركة الجمعيات في تدبير الشأن الجماعي وفي صياغة الاستراتيجية التنموية المحلية اعتبارا لاحتكاكها المباشر والمتواصل بالمواطنات والمواطنين. هذا الاحتكاك الذي يمكنها من حمل قاعدة واسعة من وجهات النظر ومن المعلومات والآراء التي تعكس التطلعات الحقيقية للساكنة. فالمقاربة التشاركية يمكن اعتبارها بمثابة أسلوب للتدبير يفسح المجال من أجل استغلال القدرات الإبداعية التشاركية لمختلف الهيئات والفاعلين، وأداة لتجسيد مقاربة النوع الاجتماعي في المخططات التنموية المستقبلية.[29]  فالمشاركة هنا تعطي للمشروع وجها ومضمونا يتجاوز ما هو تقني إلى ما هو سياسي[30]  ذو حمولة تعاقدية. وقد عمل المشرع الدستوري[31] على إيلاء مبدأ المشاركة مكانة مرموقة داخل الهندسة الدستورية، نظرا لتطور الحياة المجتمعية التي جعلت منها أمرا ضروريا في بلورة القرار والفعل التنموي المحلي وتنفيذه ومتابعته. فالمقاربة التشاركية تمكن من التحديد الدقيق وبالشكل المطلوب للاحتياجات الحقيقية للسكان وما يتطلب الاهتمام المتزايد به من مشاريع، فضلا عن تمكين الخبراء والمهتمين من رصد مدى أهمية المشاريع المقترحة والوقوف على فعاليتها وكذا إمكانية نجاحها من عدمه.[32]  وعلاوة على ذلك، نجد أن القوانين التنظيمية المتعلقة بالجماعات الترابية قد أطرت ونصت مقتضياتها القانونية على آليات للتشاور والحوار  من أجل تيسير وتسهيل السبل والطرق أمام مساهمة  المواطنات والمواطنين وجمعيات المجتمع المدني في إعداد برامج التنمية وبرامج العمل  وتتبعها وتقييمها طبقا للكيفيات القانونية والتنظيمية الجاري بها العمل.

انطلاقا مما سبق، وهدفا في ضمان فعالية ومردودية الأهداف المحددة لعمل الجماعات الترابية، والتي لن تتأتى إلا بفعالية المشروع التنموي الترابي والأخذ بعين الاعتبار مدى تحقيق المردودية والجودة والإنتاجية واعتماد مبدأ الانفتاح، أي توفر القدرة على تنفيذ المشاريع التي تستجيب لحاجيات المواطنين وانتظاراتهم على أساس إدارة عقلانية تأخذ على عاتقها هاجس ترشيد الموارد.  إذ أن فعالية المشروع التنموي الترابي رهين بدرجة مساهمة النتائج المتوخاة منه في تمكين الساكنة المحلية من القدرات الأساسية وتوسيع نطاق خياراتهم الاقتصادية أو الاجتماعية أو غيرها…[33]  . إلا أن ما يجب الانتباه له، هو قضية مستويات المشاركة، حيث أن هذه الأخيرة خضعت لتطورات بدء من المشاركة السلبية (الخضوعية) والتي لا ترقى فعلا لمستوى المشاركة، مرورا بالمشاركة المادية والتي تشكل الساكنة بشأنها وسيلة دورها تنفيذ المشاريع المقدمة لها، ثم المشاركة التشاورية وصولا للمشاركة التقريرية التي تتميز بالحضور المكثف للساكنة طيلة مسلسل المشروع وعبر كل محطاته، من تشخيص ووضع المشروع والتخطيط والتنفيذ تم التتبع والتقييم.  بشكل أخر يمكن الحديث عن أحد أوجه ” يقظة المحلي”[34] الذي تمت الدعوة له جراء فشل السياسات التنموية المقررة على المستوى المركزي. وهو التوجه الذي تزامن مع حدوث تغييرات عميقة في مفهوم الدولة القائم على المركزية والتوجيه[35].

 الفرع الثالث: مبدأ التضامن والتعاضد والتعاون بين الوحدات الترابية.

إن الضغوطات التي أصبح يتحملها التراب، سواء من الناحية الكمية أو الكيفية، أفرز ت إكراهات حالت دون تحقيق تدبير تشاركي سليم، وهو ما ساهم في تكريس التفاوتات المجالية والاختلالات الترابية.  من هنا يعتبر مبدأ التضامن بمثابة أداة ترتكز في فلسفتها على تصحيح الاختلالات بشكل تضامني بين المجالات الترابية، والتخفيف من الأعطاب التي يفرزها التقطيع الترابي وتأثيراته السلبية لنطاق ترابي على حساب نطاق ترابي أخر. فهذا المبدأ يسمح بإعادة النظر في توزيع الأنشطة والأفراد علاقة بقضية توزيع الثروات على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والبيئي…

ونظرا للأهمية التي يكتسيها  التضامن والتعاون ، بادر المشرع الدستوري [36] إلى إقرار مفهوم التضامن الترابي، والذي هو جزء لا يتجزأ من التركيبة الفلسفية والبنية  التصورية لسياسة القرب، والذي  ظل لمدة طويلة بعيدا عن الاهتمام الممنهج لسياسات تنمية التراب، إذ أن الحكامة الترابية بمفهومها الحديث  وأدواتها الاستشرافية والعملية لم تشكل جزءا من منطق إعداد التراب، إلا على نحو متأخر .وهو الأمر الذي وجب تداركه وأخذه بالحسبان في عملية إحقاق التوازنات المجالية والحد من الأعطاب التنموية للتفاوتات والفوارق المجالية، قصد ضمان مقومات التنافسية الترابية، وإحداث توازن بين المشاريع التنموية دعما للتأصيل السليم لمبدأ الإنصاف الترابي على مستوى مختلف المناطق الترابية. ومن باب التذكير، فإن الذكرى تنفع المؤمنين، أن التأخر على مستوى الأخذ بهذا المنطق وتبني مرتكزاته أسهم في خلق أسلوب تدبير غلب عليه ضعف النظرة الاستشرافية والتصور المستقبلي للمجال الترابي، وبالتالي السماح بظهور مضاربات وخروقات متعددة.[37]  ووعيا من المشرع المغربي بدور التضامن والتأهيل الترابي في تحقيق التنمية، فقد خصه باهتمام قانوني تجسد في اعتماد صندوقي التأهيل الاجتماعي وصندوق التضامن بين الجهات، هدفا في تحقيق توزيع متكافئ للموارد من أجل تصحيح التفاوتات والاختلالات على مستوى الموارد والوسائل. وتأتي أهمية اعتماد هاتين الآليتين كجرس إنذار على حجم التفاوتات المجالية على المستوى الاقتصادي والاجتماعي الذي تعرفه جهات المملكة بالرغم مما تزخر به مؤهلات ضخمة وموارد طبيعية، وهو ما ينبغي معه تفعيل هاته الأليات من أجل تكريس التكامل والتلاحم بين مختلف جهات المغرب. [38] فإن مرتكزي أو مبدأي التعاون والتضامن أصبحا من المفاهيم الحديثة والمنهجية العصرية للتدبير الترابي، بالنظر إلى دعمهما وترسيخهما لتعميم الوسائل والإمكانيات بين الهيئات الترابية لمحاولة تجاوز سلبيات التقطيع الترابي وأعطابه التنموية. فالمشرع الدستوري قد عمل على تكريس مبدأ التعاون والتعاضد من خلال الفصل 144 من الدستور في إطار مؤسساتي عبر مجموعة الجماعات الترابية قصد ترسيخ التعاضد والتعاون في الوسائل والبرامج.

 المحور الثاني: للكوتشينغ الترابي: التاصيل، الأجرأة /التنزيل، والتجليات كأساس لخدمة المشروع الترابي.

يواجه المغرب كباقي دول المعمور تحديات في المجالات الاقتصادية، الاجتماعية السياسية والبيئية… وغيرها. وأمام هذه التحديات وما يترتب عنها من تعميق للفوارق بين الشرائح الاجتماعية واختلالات مجالية، فضلا عن تزايد الضغط على الموارد الطبيعية المتاحة، نتيجة ضعف فعالية التدبير العمومي وغياب سياسة حقيقية لإعداد المجال. وهو ما يفرض نهج مجموعة من المقاربات الاستراتيجية والتوجهات المعتمدة في بناء خارطة تنموية فعالة وملائمة للتنمية المجالية، الأمر الذي يقتضي التعجيل بتحديد الرهانات الكبرى للتنمية وتطوير أساليب التدبير الترابي وتوطيد البناء الديمقراطي على أسس متينة. وإن اعتماد منهج الحكامة ضمن أساليب التدبير العمومي الحديث، يصل مبتغاه وفعاليته حين يشمل مختلف المستويات القطاعية والمجالية من خلال تعبئة الطاقات والقدرات الترابية وتسخير تقنيات التواصل قصد بناء جسور الثقة بين مختلف القوى الحية بما يضمن نجاعة برامج المشروع الترابي وأثرها وانعكاساتها على الساكنة المحلية، وبما يخدم مؤشرات التنمية المستدامة.[39]

المطلب الأول: مقاربة الكوتشينغ الترابي: بين التأصيل  والتنزيل.

الكوتشينغ الترابي باعتباره مشروع ترابي جديد، وكل مشروع ترابي يقتضي العمل على ترجمة خصوصياته التي تميزه في قالب تنموي شبائكي العلاقات بين المجال والمتدخلين والسلطة ومفتوح على محيطه السوسيو تنموي. والحقيقة أن تشخيص هذه العلاقة وهذا الترابط هو الكفيل بتوضيح مشروعية المشروع الترابي من جهة، ومدى قابليته للتطبيق وتنزيله على أرض الواقع من جهة ثانية، بعيدا عن المقاربة التقنية الصرفة والمجردة وغير المندمجة مع المعيش ومع الخصوصيات الاجتماعية والنفسية المحلية.[40] حيث إن كل مشروع ما هو إلا تعبير عن الاختلافات القائمة بين مختلف المجالات الترابية. لذا لا يمكن تبني سياسة تنموية موحدة بعيدة عن مراعاة الخصوصيات السوسيو ثقافية لكل منطقة وإلمام بإمكانياتها المادية، البشرية منها والطبيعية. فالاهتمام بالخصوصية الترابية قد يؤدي إلى خلق إحساس جماعي بالانتماء لمجال ترابي معين، وبالتالي مساعدة الفاعلين على تملك التراب، والدفع بهم إلى الانخراط في مسلسل التنمية المحلية. وفي هذا الإطار ينبغي استحضار العديد من التجارب السابقة على مستوى المشاريع الترابية، والتي أتثبت محدوديتها على مستوى الحكامة الترابية، وظلت غير قادرة على تحقيق غاياتها الأساسية في إفراز ممارسات ديمقراطية ترابية حقيقية، بل على العكس من ذلك أنتجت في الكثير من الحالات تفاوتات سوسيو مجالية عميقة وأزمة شمولية، تعددت امتداداتها وانعكست سلبا على المستوى الترابي والاجتماعي، لا سيما مسألة الشعور بالانتماء والهوية الجماعية.

فالكوتشينغ الترابي كتطبيق فعلي استراتيجي، يقوم على الرغبة السياسية القوية، وعلى شراكة اجتماعية حقيقية، وهي الوحيدة القادرة على منحه المشروعية السياسية والإدارية على الرغم من قضايا السلطة والصراعات السياسية والمؤسساتية، فالمسؤولية مشتركة، وهذا ما يتطلب نهج جديد ووسيلة ناجعة لتشجيع المبادرة المحلية من خلال مشاركة الجهات الفاعلة على المستوى الاجتماعي والمهني والمواطنين، وتعزيز التعاون بين الجماعات الترابية، وتنظيم العلاقات بين الأقاليم. وهكذا يمكن دمج السياسات القطاعية المختلفة في تصور شمولي ومتماسك واستراتيجي من خلال زوايا ثلاث: زاوية الاستراتيجية، زاوية التنمية المستدامة (وفق مقاربة تشاركية)، ثم الزاوية الترابية (في إطار الهوية المحلية).

إن تنزيل الكوتشينغ الترابي في حد ذاته يتعلق بالدرجة الأولى بمدى دقة التشخيص الترابي لحيز ترابي معين، حيث يشكل التشخيص الترابي طريقة لدراسة وتحليل المجال الترابي وإبراز شخصيته الخاصة وهويته الذاتية التي تميزه عن باقي المجالات من خلال تقسيم عناصر القوة، ومكامن الضعف بالنسبة له، وإبراز الفرص المتاحة والمخاطر المحذقة بتطوره أي ما يعرف بنموذج SWOT  كما أن التشخيص يتيح رصد الفاعلين والمتدخلين، والتطلع لرهاناتهم التنموية واستراتيجيتهم في التعاطي مع الشأن التنموي والطريقة العملية لتنزيلها، وهو ما يسمح بإخراج العملية من إطارها التشخيصي إلى تسطير المحاور الكبرى والاستراتيجية للتنمية وتصور   واضح ودقيق لتوجهات الكوتشينغ الترابي.

وتخضع الأجرأة الاستراتيجية للكوتشينغ الترابي لعملية لولبية تصاعدية، تبدأ بالمبادرة، وتخضع باستمرار لعملية التقييم. فالتنمية المحلية هي مفهوم جديد للتنظيم الذي يجب أن يكون عليه الحيز الترابي داخل التصور والمشروع، إذ يجب أن نحقق الانتقال من تنمية لأجل مجال ترابي إلى مجال ترابي من أجل التنمية.

ومسألة تنزيل أي مشروع ترابي مشروط بعدة محددات أساسية من قبيل:

-القدرة على خلق دينامية تنموية.

-أن يسمح المشروع بتعزيز ودعم القدرة التنافسية للمجال الترابي.

-الانخراط الإيجابي والمسؤول للمتدخلين والفاعلين المحليين.

-التطبيق الواسع النطاق لأسلوب التعاقد والإحاطة بأوجهه المتعددة.

-مراعاة الأبعاد الجوهرية للتنمية المستدامة وتطبيقاتها.

 وفي هذا السياق، فإن التنمية المحلية وما تجسده من العودة نحو المحلي ومعطياته السوسيو تنموية، انطلاقا من تعبئة الموارد والمقومات الخاصة للمجالات الترابية، بفاعليها المحليين واستراتيجياتهم، والتي فرضت نفسها ببلادنا كنتيجة حتمية للتحولات، وكرد فعل ضد مؤثرات خارجية ذات صلة بإكراهات العولمة وما فرضته من تحديات داخلية، كألية للاندماج ضمن الأنساق الشمولية.  تظل مقاربة الكوتشينغ الترابي صعبة المنال في بلد ديمقراطيته فتية، ولامركزيته محدودة ومؤسساته هشة ووحداته الترابية تبدو غير قادرة على العيش والاستمرارية بمفردها، لكنها ممكنة جدا. ويهتم هذا الجزء من الدراسة بمحاولة تجريبية لنموذج الكوتشينغ الترابي على أرض الواقع عبر طرح عناصر وأدوات المقاربة المنهجية لتطبيقه على مجال ترابي يحمل صفات وحدة سوسيو ترابية متجانسة وقابلة لحمل وتقبل مشروع ترابي. واقتناعا بكون الجماعات الترابية بنية أولى وأساسية في البناء الديمقراطي للدولة الحديثة، وأمام أهميتها كجوهر دولة المؤسسات القائمة على إشراك ومشاركة كل المواطنين في تدبير شؤونهم المحلية من خلال مؤسسات ومجالس منتخبة ديمقراطيا، عملت السلطات العمومية المغربية على بذل مجهودات كبيرة من أجل إشراكها في مسلسل التنمية. وهو الوضع الذي جعلها واعية بالتحول الكبير الحاصل على مستوى المحددات والضوابط التي تحكم علاقة عملها بالرهانات الآنية والمستقبلية الواجب رفع تحدياتها. فهي لم تعد تلك الوحدات الإدارية والترابية الكفيلة بالتسيير اليومي لمتطلبات المواطنات والمواطنين وفق السير العادي المحض المتسم بالكثير من الارتجالية والظرفية. بل هي اليوم مطالبة بوضع استراتيجية واضحة المعالم وذات أهداف مبنية على تشخيص الإمكانيات وتحديد عقلاني للأولويات والحاجيات.

كل هذا في إطار تبني آليات التخطيط الاستراتيجي التي تسمح للتراب المحلي بأن يرسم رؤية واضحة، يكون من خلالها قادرا على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية المرتبطة بالتنمية عموما، والتنمية الاقتصادية والاجتماعية خصوصا، وبالتالي أن تضع لنفسها موطئ قدم داخل مكونات الفاعل الاقتصادي القادر على تقديم أداء أفضل لتنفيذ القرار التنموي المحلي. وتجب الإشارة إلى أن تزايد الطلب التنموي على الجماعات، لا يواجه فقط إكراهات التدخل المركزي، وإنما وأساسا تدخل باقي مستويات الهيئات الترابية، وخصوصا مؤسسة الجهة، التي أضحت إطارا للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في المغرب، ولا سيما في ظل دستور 2011، الذي منحها زخما كبيرا في ظل ورش الجهوية المتقدمة. غير أنه على الرغم من الأولوية التي منحها المشرع والدولة للمؤسسة المذكورة على مستوى الصلاحيات والإمكانيات، والتي خولتها سموا قانونيا وعمليا على باقي أصناف الوحدات الترابية، إلا أن الجماعات مع كل ذلك، تظل بسبب مفهوم “تنمية القرب” الذي تتحمل مسؤولية تجسيده على المستوى المحلي، رقما مهما في معادلة التنمية الترابية بالمغرب.

وفي هذا الصدد، يمكن الإقرار بأن التطور القانوني المتعاقب والمستمر للتنظيم الجماعي منذ ظهير 30 شتنبر 1676 إلى   القوانين التنظيمية ل 15 يوليوز 2015، قد أكد على الأساس والبعد الترابيين للتنمية، مع اعتبار الجماعة الخلية الأساسية لها.  فالإدارة المركزية لم تعد تحتكر تنفيذ برامج التنمية على الصعيد المحلي، وما يرتبط بذلك من تجاهل الوضع الترابي الناتج عن عدم الإلمام الكافي بالحاجيات الحقيقية للساكنة المحلية. فالمكانة الدستورية التي أصبحت تتمتع بها الجماعات الترابية في ظل دستور 2011، أعطت التنظيم الإداري والجماعات الترابية بمستوياتها الثلاث   تصورا جديدا، يتلاءم ومكانة كل مستوى منها ضمن الهندسة الترابية الجديدة، حيث أضحت أنظمتها ترسخ لمبدأ الحداثة في التدبير والنجاعة في التدخلات والجودة في الخدمات. ومن أبرز ما تضمنته الوثيقة الدستورية، مجموعة من المبادئ التدبيرية التي تدخل في خانة قواعد التدبير العمومي الترابي الحديث، عكسته مقتضيات القوانين التنظيمية لهذه الجماعات، فهذه الهندسة الترابية الجديدة بكل تجلياتها، تهم تدبير جميع مناحي الشؤون العامة الترابية الإستراتيجية والتدبيرية، تمت بلورتها على شكل اختصاصات وأدوار تنموية تقوم على أساسها هاته الجماعات بتسطير برامجها ورسم سياساتها التنموية. وبالرغم من أن الوثيقة الدستورية حددت مستويات هذه الوحدات الترابية، وزكتها قوانينها التنظيمية التي فصلت في الاختصاصات الممنوحة لكل مستوى ترابي معين، إلا أن هناك نقطة التقاء تجمعهم في اختصاص مشترك تمثله التنمية الجهوية والإقليمية والمحلية. ولعل الارتباط القائم بين برامج العمل والتنمية الجهوية والإقليمية، لدليل على طبيعة التكامل بين هذه المستويات الترابية الثلاث. ومن الصلاحيات الأساسية التي تتوفر عليها الجماعات في علاقتها بالتنمية، هناك الدور التأطيري. ذلك أن متطلبات التنمية الترابية أصبحت تفرض تنظيما توقعيا للأنشطة والبرامج والمبادرات التنموية بشكل يستشرف المستقبل، ويقلل من مخاطر الفشل فيه. وإن التخطيط كآلية وكمنهجية عملية ووظيفية، تعتبر بمثابة أسلوب في التفكير والتدبير وتنظيم التصرفات والتوفيق بين الموارد والاحتياجات. أما التخطيط التنموي فيعتمد بالأساس على آليات التدبير الاستراتيجي للتنمية الذي يقوم على إدماج أدوات التخطيط والنظرة الاستراتيجية للمدى المتوسط والطويل مع تحديد الأهداف الإستراتيجية والوسائل الملائمة لتحقيقها. فعموما أخذ التخطيط الاستراتيجي للدولة توجها جديدا في تدبير الشؤون الإدارية والمالية، وبالنسبة للجماعات الترابية من خلال برامج العمل وبرامج التنمية أصبح ينبني على مقاربتين: مقاربة تشاركية عبر إشراك مختلف الفاعلين سواء في مرحلة الإعداد أو التنفيذ، وكذلك من خلال مقاربة التخطيط التعاقدي بشكل يسمح للمعنيين بالنشاط المالي والتدبيري الترابي بالتدخل والمساهمة بكيفية متناسبة والوظائف التنموية للجماعات الترابية. فالقرارات المتعلقة بالارتقاء بالتدبير الترابي أصبحت من القرارات السياسية الهامة في فلسفتها وجوهرها، وتقتضي مسلسلا متواصلا من الإصلاح العميق الذي يحتم بالضرورة تجديد أدوار الدولة عبر إعادة تشكيل النظام الترابي في اتجاه تحويل أكبر للصلاحيات وصناعة القرار من المركز إلى التراب المحلي والهيئات الترابية وفق منظومة جديدة للاشتغال تقوم على أساليب جديدة للشراكة والتعاقد بين الدولة ومحيطها الترابي[41]

المطلب الثاني: تجليات مقاربة الكوتشينغ الترابي والسؤال الاجتماعي للمشروع الترابي؟

إذا كان المغرب قد تبنى عدة استراتيجيات وطنية همت ميادين مختلفة وذات أهداف متباينة، عكست التوجه العام للسياسات العمومية ونظرتها للتنمية المستدامة والشاملة، فإن الفلسفة للترابية في الدول المتقدمة والديمقراطية التي نضجت فيها المقاربة التشاركية بجميع أنواعها، أضحى التراب كمفهوم وممارسة يشكل آلية أساسية في بناء الهوية الاجتماعية المحلية، وإبراز البعد الاجتماعي في السياسات العامة من خلال منتوج المجتمع في شموليته وبعنصريه المادي والرمزي، علاقة بالفعل الترابي. وهذا الأمر ليس بالسهل، بل يتطلب حبل متين من التماسك الاجتماعي واستعادة الروابط الاجتماعية والوعي ومنسوب كافي من الثقة المتبادلة. كما أن هذه الاستراتيجية الجديدة للسياسات الترابية- الاجتماعية، تنبني على ركيزتي: التكامل والتنمية المحلية.  لكن مع كامل الأسف لا زالت هذه الاستراتيجية بعيدة المنال عن فكر وواقع أغلب الدول النامية، نظرا للأزمة التي تعرفها البنية الثقافية لمجتمعاتها، فضلا عن غياب رأسمال اجتماعي مؤهل، فاعل ومؤثر على المستوى الترابي والمحلي. وبالتركيز على مجال البحث في جل هذه الاستراتيجيات الوطنية للمشروع الترابي . فالحضور المتصاعد والكثيف للدولة بأجهزتها المتنوعة ووسائها المتعددة في المجال والمجتمع، مقابل تنامي حدة المطالب الاجتماعية وارتفاع سقفها من أجل التحديث  والدمقرطة  وضمان شروط العدالة الاجتماعية[42] والحياة الكريمة، مسألة التوفيق بين أقطاب هذا الواقع، مسؤولية مشتركة بين الدولة، والمؤسسات، والسلطات والمنتخبين، والنقابات والمجتمع المدني  لتطوير المشروع الترابي بما يخدم النهج الحديث في التعاطي مع مكوناته وترابطاته السوسيو اجتماعية  هدفا في تشجيع المبادرة المحلية وتعزيز سبل التعاون بين الأنساق الترابية المختلفة.  غير أنه يبقى التخطيط الاستراتيجي (فرع أول)، والذكاء الترابي (فرع ثاني) أهم تجليات هاته السياسات العمومية الداعمة للكوتشينغ الترابي كمقاربة حكماتية مستجدة على المستوى الترابي.

الفرع الأول: التخطيط الاستراتيجي الترابي: أية مقومات مشروع ترابي ملم بواقعه.

يعتبر التخطيط الاستراتيجي تقنية مهمة في تأمين التدبير العمومي الجيد وعنصرا أساسيا في إنجاح أية سياسة عمومية. ومن بين الأسباب الرئيسية التي ساهمت في الأخذ بالتدبير الاستراتيجي ضمن المقاربة الترابية، هي التغيرات العالمية وتأثيراتها على توجهات المؤسسات الدولية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، فضلا عن الأسباب والدواعي الاقتصادية التي يتطلبها التراب من أجل القيام بدوره التنموي وفق مقاربة شمولية متعددة الأبعاد والجوانب.

ويعرف التخطيط الاستراتيجي على أنه ” رؤية استراتيجية لإعادة بناء معاملات سياسية اجتماعية اقتصادية ثقافية وسلوكية، تكشف عن القدرات الذاتية للخلق والإبداع الكامنة في ذخيرة المجتمع في لحظة استنفار التحدي، سعيا إلى كسب رهان المستقبل”.[43]كما تعرفه الوكالة الأمريكية للتنمية الدوليةUSAID بأنه ” مقاربة تدعو إلى التفكير العميق في المستقبل، وتسمح بكشف حاجيات السكان الأنية والمستقبلية، وتمكن من التنبؤ بالمتغيرات التي يمكن أن تحدث ،وذلك وفق التأسيس والتحديد لرؤية مشتركة للمستقبل، فضلا عن كونها تفسح الطريق أمام استكشاف الاستراتيجيات الملائمة من أجل تلبية تطلعات الساكنة والاستجابة لانتظاراتهم”.  ويساعد التخطيط الاستراتيجي الإدارة على أن تزود تنظيماتها بالكفاءات المطلوبة ذات الخبرة العالية لتولي الوظائف، والقيام بالمهام المنوطة بها لتحقيق الأهداف المرسومة، في ظل رؤية كبرى تهدف إلى الرفع من كفاءة التنظيم الإداري وفعاليته والزيادة في إنتاجيته، إضافة إلى تجويد أنماط الاتصال وعمليات اتخاذ القرار.[44]

ولقد ارتبط التخطيط الاستراتيجي في بدايته بموضوع تطوير الإدارة والتدبير المقاولاتي لتجنب الإخفاقات والعثرات التي قد تعترض مسار التنمية الإدارية، ومواجهة التغييرات الداخلية والخارجية.

ويشكل التخطيط الاستراتيجي الترابي مقاربة تدعو إلى التفكير العميق في المستقبل، لبناء ميكانيزمات تهدف لدعم المدبر أو المسؤول عن صناعة القرار الترابي، كي يكون واعيا بأهدافه ووسائله، من أجل تقديم عمل أفضل، من خلال ما يقدمه من مساعدات تصب في تركيز نظرة الوحدات الترابية وأولوياتها من أجل الاستجابة للتغييرات والتحولات المحيطة بها، مع ضمان رؤية موحدة للفاعلين داخل المؤسسة باتجاه تحقيق نفس الأهداف. ويقصد بكلمة استراتيجي إضفاء صفة النظرة الطويلة الأمد والشمول على التخطيط. كما يعتبر التخطيط الاستراتيجي الترابي مقاربة تدعو إلى التفكير العميق في المستقبل، حيث يسمح بكشف حاجيات الفئات المستهدفة الآنية والمستقبلية، ويمكن من التنبؤ بالمتغيرات التي يمكن أن تطرأ. إنه بعبارة أخرى مقاربة نحو تحسين التدبير، من خلال الانكباب على الأولويات واستكشاف البنيات والوسائل الملائمة من أجل تنسيق وتدبير التدخلات في قالب دقيق لتتبع المشاريع التنموية وفق مؤشرات قابلة للمعاينة والقياس، وذلك على أساس الحجج الضرورية لتعبئة تمويل المشاريع المبرمجة.

فالتخطيط الاستراتيجي هو عملية منظمة وواعية لاختيار أفضل الحلول الممكنة لمشاكل تم إبرازها من خلال تشخيص الوضعية الراهنة، إنها عملية تقوم بترتيب الأولويات على ضوء ما يتاح لها من إمكانيات مادية وبشرية، وفق مسار زمني مستمر لوضع خطط وبرامج تنموية محددة زمانيا ومكانيا للوصول إلى أهداف معينة، فهو بذلك يشكل أداة مناسبة لاستشراف المستقبل والتطلع إليه بناء على دراسات منهجية تعتمد التنبؤ العلمي، وتسمح لأصحاب القرار برسم التوجهات وتنظيمها.[45]كما يعتبر  من الوسائل الرئيسية التي تدعم دور  الجماعات الترابية على المستوى الوطني من إمكانية تشخيص الوضع الراهن لمجال ترابي معين ومحيطه الخارجي بناء على مجموعة من المعطيات والمعلومات التي يتم جمعها وتنظيمها وتحليلها بطريقة تشاركية ، أخذا بعين الاعتبار ” الثوابث المجالية” المرتبطة بمؤهلات المجال  الجغرافية منها والجيو استراتيجية والطبيعية والبشرية والثقافية وكذا المناخ السياسي ، في إطار رؤية وتوجه للإلمام والإحاطة بالأسباب وراء الاختلالات المجالية والفوارق الاجتماعية والترابية ، لفهم الرهانات التي تترجم تطلعات مختلف مكوناته. [46]والتخطيط الاستراتيجي نوعين: الأول مجالي توقعي، والثاني تنموي توجيهي، يعنى بالأفكار أو ما يعرف بأدوات تحقيق التوقعات وتوطين التوجهات، وهاته الأخيرة قد تكون في شكل مشاريع مهيكلة وكبرى، مهمتها معالجة الفوارق الاجتماعية والاختلالات المجالية الخطيرة، من خلال تفعيل مبدأي التضامن المجالي والاندماج الاجتماعي، كما قد تأخد شكل عقد برنامج باعتباره التزام يجمع بين الدولة والجماعات الترابية وباقي الشركاء من أجل تنزيل السياسة الترابية وفق آليات الشراكة والتعاون لتحقيق التنمية المستدامة.

عموما، فإن التخطيط الاستراتيجي، بمثابة آلية لخدمة مقاربة الكوتشينغ الترابي في دراسة وتحليل الأسس الاقتصادية للمجالات الترابية ومقومات جاذبيتها وتنافسيتها بناء على المعلومات الكافية والحقيقية المرتبطة بمحيطها وسياقاتها المستقبلية، ورسم صورة واقعية وبالملموس عن وضعيتها ومتطلباتها التنموية عبر هندسة محكمة للمستقبل المأمول، ترتكز على تطوير الخطوات الفعالة والناجعة لتحقيقه بعيدا عن الحدس والبديهة في إنجاز وتنزيل الأهداف.

وتبقى للمقاربة الاجتماعية وقضاياها الملحة، مكانتها المرموقة التي يجب أن يحسب لها ألف حساب علاقة بتطوير المشاريع التنموية الترابية، حيث أن مفهوم البعد الاجتماعي وإطاره الاصطلاحي ومشروعيته في التنزيل لا تتجزأ عن التنمية المستدامة ولا سيما على مستوى تطوير أدوات التشخيص الترابي المحلي، علاوة على أن مسألة إدماج القضايا المرتبطة بالبعد الاجتماعي، تستند في مشروعيتها إلى مبررين اثنين: المبرر الاستراتيجي للمشروع الترابي ،المبنية على أساس المقاربة التنموية من الأسفل نحو الأعلى، في إطار التعاقد والشراكة كإحدى أسس المقاربة التشاركية كما تم توضيحها أعلاه. بهدف إعادة صياغة العلاقة بين المركزي والترابي، ثم مبرر الحكامة الترابية، من خلال تعزيز مفاهيمها الجوهرية والتي تتمثل في: القرب، الإنصاف، الفعالية والجودة.

الفرع الثاني: الذكاء الترابي بين سؤال النجاعة وقابلية التطبيق.

لقد هيمن الهاجس الأمني على تدبير التراب لعقود طويلة، ومعه تم التعامل مع التنمية على أساس مقاربة قطاعية محكومة بمنطق المردودية الاقتصادية، وبناء على مقاربة تجزيئية للمسألة الترابية. وهي المقاربة التي اتسمت بالطابع التوجيهي للمشاريع الترابية المفروضة من الأعلى، والتي أتثبت على محدوديتها وعجزت عن تحقيق غاياتها المرجوة، بل كرست لتفاوتات سوسيو-ترابية عمقت من مظاهر الهشاشة الترابية. ومسألة معالجة هشاشة التراب، باعتباره حامل لأنشطة الساكنة المحلية وموارده الطبيعية تشكل الرأسمال المحرك لديناميتها، تستدعي الفهم والتدخل العاجل من أجل تصحيح ما يمكن تصحيحه. وهو ما يتطلب القدرة على الفهم الدقيق والسليم لميكانيزمات اشتغال التراب وحركيته العامة، عن طريق التشخيص، ودرجة عالية من المهارات الفنية والتقنية. بعبارة أوضح، إنها عملية تنظيم شروط التنمية لرفع تحديات ومعيقات التنمية الترابية.

 في هذا السياق المتأزم، شكل الذكاء الترابي أحد المقاربات الجديدة التي ظهرت في الفكر الإداري الحديث، والتي عرفت طريقها من القطاع الخاص، من عالم المقاولات والشركات نحو القطاع العام. ويعتبر سياسة داعمة لاتخاذ القرارات الحاسمة ذات السمة الاستراتيجية المناسبة للقيادة والتوجهات المستقبلية، إن على المستوى المحلي أو الوطني أو الدولي. ويهدف الذكاء الترابي إلى جعل المجال الترابي قادرا على إبراز مقدراته وتوجيهها بفعالية نحو الإقلاع الاقتصادي و تحسين الأداء التنافسي للمجالات الترابية من خلال تحسيسها بالمخاطر والتهديدات التي يفرزها المحيط التنافسي، وحثها على تبني الوسائل الكافية لبناء  منظومة  متكاملة من الشراكات تسمح بتدفق  المعلومة الاستراتيجية، وتتشكل أبرز عناصرها من: اليقظة، التشخيص، تنسيق العمل، الشراكات، المعرفة، الابتكار، التأثير والحماية.[47]فالذكاء الترابي هو  المعرفة المتعددة التخصصات والتي تساعد على الفهم الجيد للتراب وامتداداته وديناميته، قصد تسخيرها في شكل أليات عمل وأدوات اشتغال بيد الفاعلين الترابيين هدفا في التنمية المستدامة للمجال الترابي، من خلال إبراز  معالمه القوية وإعطاء  صورة  إيجابية عن مكوناته والارتقاء بها من رقعة مجالية إلى  فضاء للتفاعلات وتوطين السياسات التنموية التي تصبو إليها كل التوجهات المهيكلة والأوراش الإصلاحية الكبرى[48].  وبالمزاوجة بين المصطلحين “الذكاء” و ” التراب“، نجد الأول عبارة عن قدرات ذهنية استنتاجية واستدلالية تكتسب من خلال تراكم المعرفة والخبرة والنظر في دلالات حركية الأشياء وتغيير الظواهر في الحياة، ومصطلح الذكاء تتجاذبه ثلاث مفاهيم ذات صلة هي: الإبداع، التحليل ثم التطبيق. في حين يشير مفهوم “التراب ” إلى بناء عقلاني، متحرك  ومتطور، فضفاض، غامض، وغير محدد[49]، وهناك من المهتمين والباحثين من يعتبره ذلك المستوى الذي يمكننا من تقدير أو تقييم التبادلات بين المادة والمعلومة وبين المجتمعات ومحيطها.[50]فالتراب لم يعد مجالا للتجاذبات السياسية أو تعبيرا عن المجال الطبيعي المادي الذي يستوطنه مجموعة من السكان ، بل أصبح يشكل منتوجا ذو علاقات تفاعلية تحتم التعامل معه بعقلانية للحفاظ عليه، وتأهيله لجعله قادرا على خدمة وظائفه الجديدة، مما يحتم التعامل معه بالذكاء الذي يستحقه، ثم تسويق ما يزخر به من إمكانات  بالشكل الذي يمكنه من استقطاب وجذب منافع اقتصادية.[51]إن تحقيق تنمية متكافئة وشاملة على المستوى الترابي ، لن تتم إلا من خلال تحديث الرؤى وتوسيع أفاق التطلعات والمطامح، وتوظيف الوسائل والإمكانات المتاحة من موارد مالية وبشرية وأنظمة معلوماتية متطورة، وعلى ضوء هذا التفاعل بين المقدرة الذهنية والإمكانات المادية التي يوفرها المجال، يبقى الذكاء الترابي الحل الأمثل للحد من الفوارق المجالية وخلق البيئة المناسبة لتنمية متوازنة ومتضامنة بين مختلف المناطق الترابية، على أساس أن الذكاء الترابي استراتيجية ملازمة لروح المسؤولية وتستهدف تغيير العقليات على المستويين المركزي والترابي.

وفي الأخير، تجدر الإشارة إلى أن مسألة تحديد مفهوم دقيق وحصري لمفهوم الذكاء الترابي ليس بالأمر السهل، بل هي مهمة صعبة المنال نظرا لتعدد معانيه علاقة بتعدد الحقول المعرفية له وتشعبها. فهو المصطلح الذي مر منذ صياغته بعدة مراحل، تظل سمته الجوهرية أنه لازال في طور التشكل.[52] كما أن مفهوم الذكاء الترابي يتضمن دعامتين أساسيتين، الأولى تتعلق “بالذكاء الاقتصادي” كمقاربة ومناهج وأدوات عمل خاصة بعالم المقاولات، والتي يتم تكييفها مع متطلبات التنمية الترابية لمجال معين، فيما الدعامة الثانية تنصب حول المعارف والكفاءات والخبرات المكونة لحيز ترابي محدد، وهو مفهوم الذكاء الجماعي لذاته[53].

إن التراب فضاء عمومي مشترك، يفرض الاستغلال الأمثل للموارد عبر المكان والزمان لتحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وإضفاء طابع الإنصاف والملاءمة عليها. كما أن الدينامية الترابية ذات ارتباطات متشابكة وممتدة في النسق السوسيو- ثقافي للمجال، مرتبطة بالقوى السياسية مركزيا ومحليا، وتخضع لقراراتها وتعكس تصوراتها ونوعية وأسلوب تدخلاتها. وضمن الرهان على حكامة التدبير الترابي وتحقيق التنمية المحلية من خلال سياسات عمومية ترابية فعالة، تتموقع عملية صنع القرار التي تعد محور كل سياسة. وهنا يجب الإشارة ولو بشكل سريع لمسألة التقطيع الترابي التي تعد غاية في الأهمية علاقة بالتنمية الترابية، حيث إن نجاعة التقطيع الترابي رهين بإنتاج مناطق ترابية متكاملة اقتصاديا وجغرافيا، ومتناغمة ثقافيا ومنسجمة اجتماعيا. فالتقطيع الترابي يشكل مفتاح نجاح أو فشل ورش التنمية الترابية، وسيف ذو حدين. فمن أجل رفع رهان الحكامة الترابية وتحقيق التنمية الشاملة، من الضروري الحرص ضمن دواليب صناعة القرار العمومي، على البناء لتقطيع ترابي يراعي التوازنات السوسيو اقتصادية والمجالية، وينئى قدر الممكن عن الاعتبارات الإدارية، والأمن -سياسية.

نظرا للوضعية التي يعيشها التراب والتي يمكن تسميتها “بأزمة التراب”، وأمام التطلعات الموضوعة والمنتظرة حتى لا تبقى التنمية الترابية بمختلف أدواتها الذهنية المعرفية والعملية من تخطيط استراتيجي وتدبير تشاركي ومقومات مفهوم الكوتشينغ الترابي … كمادة دعائية وشعارات المرحلة، فإن قدر تنزيلها واقعيا لن يكون إلا نتيجة تبني استراتيجيات واتخاذ سياسات عمومية يكون فيها الإنسان في صلب الاهتمام وحجر الزاوية فاعلا ومضمونا، وأن يتم تجاوز التفكير والتعامل مع التراب على الأداء الاقتصادي فحسب، بل من أجل تحقيق التماسك الترابي  وتآزر المجال والإنسان  والزمن لبناء أنساق تخدم الإنتاجية الترابية وتضمن استدامة موارده، وتعمل من أجل  تأكيد هويته واستقلاليته. فإشكالية نهج مقاربات للمشروع الترابي وفق أدواته المتعددة، ذات صلة بالخصوصيات الترابية اجتماعيا وثقافيا وقيميا… ورسم تصور شمولي يتطلب اعتماد استراتيجية لتحسين الشروط والظروف التي في ظلها تتم التنمية الترابية، التي أصبحت إحدى رهانات مغرب القرن 21 قصد التحكم في التحولات التي تعرفه مختلف مجالاته الترابية، وفق التركيز على الرأسمال الاجتماعي للتراب الذي من شأنه أن يعزز من تماسكه، توازنه، تضامنه وتكامل وحداته، بما يحفظ هويته وخصوصياته من تداعيات العولمة ونمط الكونية.

خاتمة:

لقد كان من مظاهر القصور التي عبر عنها جلالة الملك في إحدى خطبه السامية الداعية إلى مراجعة النموذج التنموي، أنه أبان عن عجزه في مواكبة الحاجيات الملحة للمغاربة، وعدم قدرته على الحد من الفوارق والتفاوتات المجالية.

وعليه، فمسألة تجاوز نقائص التجارب التنموية السابقة، وتعزيز مقومات نجاح النموذج التنموي الجديد، رهين في جزء كبير منه برفع تحديات الاختلالات المجالية والفوارق الاجتماعية وتكريس العدالة المجالية والإنصاف الترابي.

إنه سؤال القطيعة والاستمرارية في مقاربة الدولة عبر سياساتها العمومية وأوراشها المهيكلة للتدبير الترابي والمجتمعي، ارتباطا بثنائية علائقية بين المركزي والمحلي وآفاق وحدود دمقرطة التدبير اللامركزي. سيما وأن التحولات المتسارعة التي يعرفها التراب تفرض مدخلات جديدة للتنمية، ومفهوم الكوتشينغ الترابي واحدا منها وعنصرا أساسيا لخلق إطار موحد ومتناسق، وتمكين العنصر البشري بالمهارات والخبرات والمعلومات والأساليب المختلفة والمتجددة عن طبيعة اشتغاله وعمله بهدف تطوير مهاراته وتغيير سلوكه من أجل نجاعة الأداء والرفع من الإنتاجية.

وختاما، يجب القول بأن مقاربة الكوتشينغ الترابي كسياسة ترابية لا زالت  فكرة جنينية وإرهاصات أولية تتلمس طريق الكينونة ضمن أجندات أصحاب القرار، وذلك لعدة معطيات راهنية تشكل نوعا من التحدي والقصور في مواجهة تنزيل وإرساء مقومات مفهوم الكوتشنغ الترابي، لا يسمح المجال للتفصيل فيها.

–         المراجع والمصادر

– ادريس جردان: تطور التنظيم القانوني للمشاركة والتشاور من أجل تنمية بشرية مستدامة للجماعات الترابية بالمغرب، الديمقراطية المحلية وأفاق التنمية الترابية بالمغرب، دراسات متكاملة، مركز تكامل للدراسات والأبحاث، 2020، مطبعة قرطبة، أكادير.

– الشريف الغيوبي: إدارة القرب: ألية التضامن الترابي، مساهمة في كتاب إدارة القرب: المفهوم والانعكاسات، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، الطبعة الأولى،2006.

– إسماعيل صفاحي: دور الحكامة في تدبير الشأن المحلي في ظل الدستور الجديد، المجلة المغربية للقانون الإداري والعلوم الإدارية، عدد مزدوج 2-3 السنة الثانية، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، 2017 .

– لبنى الوزاني الشاهدي: “الذكاء الترابي رافعة للتنمية الجهوية،” رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون العام، جامعة سيدي محمد بن عبد االله، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، فاس، السنة الجامعية 2018-2019، ص.

– إسماعيل صفاحي: دور الحكامة في تدبير الشأن المحلي في ظل الدستور الجديد، المجلة المغربية للقانون الإداري والعلوم الإدارية، عدد مزدوج 2-3 السنة الثانية، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، 2017.

–  المهدي الفحصي: قراءة في بعض مظاهر اختلالات التدبير الإداري ومعيقات التنمية الترابية والحكامة الجيدة، المجلة المغربية للقانون الإداري والعلوم الإدارية، السنة الثانية، عدد مزدوج، التدبير الإداري والمالي للجماعات الترابية، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط،2017.

– أطروحتنا لنيل الدكتوراه في القانون العام، حول موضوع: ” الإدارة الاقتصادية اللامركزية: أية رهانات تنموية للجماعات الترابية”، جامعة عبد المالك السعدي، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة، السنة الجامعية 2016- 2017.

– الفصول 136- 137و 139 من دستور المملكة.

– إدريس الكراوي: الاقتصاد المغربي – التحولات والرهانات- دار النشر المغربية،1996.

– بنمختار رشيد: تنمية الجهات بواسطة المعرفة والتكنولوجيا، تحد جديد من أجل إنتاج الثروة والتشغيل من خلال استغلال الخصوصيات الترابية، الذكاء  الترابي والتنمية الجهوية بواسطة المقاولة تجارب دولية مقارنة، أعمال الملتقى الدولي للداخلة…، منشورات جمعية الدراسات والأبحاث من أجل التنمية،2012.

– بدر الدين بلمكي: الحكامة الترابية بالمغرب، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون العام، جامعة مولاي إسماعيل، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، مكناس، السنة الجامعية 2013- 2014.

– بكشوا محمد: “الجهوية المتقدمة وإعداد التراب”، الحكامة الترابية من الجهوية المتقدمة إلى الحكم الذاتي، مجلة مسالك في الفكر والسياسة والاقتصاد، العدد 31-32، 2015، مطبعة النجاح الجديدة.

– خليل القاسمي: البعد التنموي المحلي-دراسة في الأسس والمقومات المالية للتنمية الجهوية، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، العدد 16، 1998.

– شفيق الصنهاجي: التنمية الترابية من خلال المشاريع المهيكلة الكبرى- إقليم الفحص أنجرة نموذجا، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة، السنة الجامعية 2017.

– زهير لخيار: “المجتمع المدني والحكامة: نحو تقوية القدرة التفاوضية للعمل الجمعوي”، مجلة مسالك في الفكر والسياسة والاقتصاد، العدد الثامن،2008، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء.

–  صباح الشرايبي: الذكاء الترابي ورهانات الأمن الاقتصادي – حالة الدار البيضاء-، منشورات جمعية الدراسات والأبحاث من أجل التنمية، طبعة 2012 .

–   فتيحة بشطاوي: الحكامة والتنمية، مثال منظومة الرقابة والتدقيق على الصعيد المحلي، مجلة مسالك في الفكر والسياسة والاقتصاد، العدد الثامن،2008، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء.

– عطا الله محمد، تيسير طافش الشرعة: استراتيجية التدريب وأثرها على أداء العاملين في الشركات المساهمة العامة الصناعية الأردنية، الأكاديمية العربية للعلوم المالية والمصرفية، الكرك، الأردن، 2008.

–  عز العرب العناني: الجهوية المتقدمة بين متطلبات بناء المشروع الترابي المندمج ومقومات التماسك الاجتماعي القوي، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، العدد 115، مارس – أبريل 2014.

– عماد أبركان: النموذج المغربي للتنمية المحلية ومتطلبات الحكامة الترابية، ضمن مؤلف المسألة الترابية ورهان التنمية المستدامة، منشورات مجلة العلوم القانونية، العدد 6، مطبعة الأمنية،2017 .

– عبد المولى المسعيد: المنطلقات الدستورية للتدبير الترابي اللامركزي بالمغرب، المجلة المغربية للرصد القانوني والقضائي، العدد الرابع 2020 .

– عبد الكريم حيضرة: علاقة الجهة بالسلطة المركزية: مابين الرقابة والوصاية، المجلة المغربية للقانون الإداري والعلوم الإدارية، عدد مزدوج 2-3 السنة الثانية، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، 2017.

– عبد العزيز أشرقي: الجهوية الموسعة نمط جديد للحكامة الترابية والتنمية المندمجة، الطبعة الأولى 2011، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء.

– عبد العلي عدنان: مقاربة دستورية لحدود ومضمون مبدأ التدبير الحر: الجهة نموذجا، المجلة المغربية للقانون الإداري والعلوم الإدارية، عدد مزدوج 2-3 السنة الثانية، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، 2017 .

– ماريو سندوفال: الذكاء الاقتصادي الترابي رهان وبراديغما، منشورات جمعية الدراسات والأبحاث من أجل التنمية، طبعة سنة 2012.

– محمد اليعكوبي: تأملات حول الديمقراطية المحلية بالمغرب، مطبعة فنون الطباعة والإشهار، فاس، الطبعة الأولى، 2004.

– مصطفى الكثيري: تأملات في التغيير والإصلاح، دار النشر المغربية،2002.

– مصطفى اللوزي:” التنمية الإدارية”، دار وائل للنشر، الطبعة الثانية،2002.

–  محمد زين الدين: الحكامة مقاربة ابستمولوجية في المفهوم والسياق، مجلة مسالك في الفكر والسياسة والاقتصاد، العدد 8، 2008، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء.

– مصطفى الكثيري: تأملات في التغيير والإصلاح، دار النشر المغربية،2002.

–   محمد اغزيف: الدولة وإكراه تدبير المجال الترابي: بين الهاجس السياسي المركزي والبعد التنموي اللامركزي، الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري: قراءات متقاطعة. منشورات المجلة المغربية للأنظمة القانونية والسياسية، العدد الخاص رقم: 15، الطبعة الأولى 2019، مطبعة الأمنية – الرباط.

–   محسن إدالي: المشروع الترابي وجدلية الممارسة والتنظير، مقال منشور بالموقع الإلكتروني ل هيسبريس، الأربعاء 02 يناير 2019.

لائحة المراجع باللغة الأجنبية:

– Mallowan Monica Marcon Christian : « Intelligence économiques et Territoire Au Service d’une Stratégie de Développement Régional : La Délicate Question de la formation des acteurs »,p :9, document pdf disponible sur le lien : https//hal.inria.fr/.

– Chakor Abdelatif : Le Marketing territorial Au service de la Bonne Gouvernance Locale, publication de la Revue marocaine d’administration locale et de développent, N° 5 2004

– Jean Jacques Jirardot : Intelligence et gouvernance territoriale, p : 10, document pdf disponible sur le lien : www.foad-mooc.auf.org.

– Joyal André : L’Intelligence Territoriale Au Service des PME Innovantes En Régions non Métropolites, Expériences Canadiennes et Brésiliennes, in intelligence Territoriale et Développement Régional par l’entreprise, sous la direction de Driss Guerraoui et Clerc Philippe, L’Harmattan, 2012.

– Driss Guerraoui et Clerc Philippe, L’Harmattan, 2012.

– Ali SEDJARI : Partenariat Public -Privé et renouveau de l’action publique -gouvernance et conduite de l’action publique, GRET 2002, Imprimerie El Maarif Al Jadida.

– SEDJARI (A) : « Le Développement économique local entre le discours et la pratique », Revue du Droit et d’Économie, N° 9, 1993.

– Said HANTI : Les dynamiques économiques des collectivités locales, Imprimerie Tafoukte, Edition, 1998, p : 45.

–   J. Barthélémy : Les tendances de la législation sur l’organisation administrative depuis un quart de siècle, in Revue de droit public,1990, pp : 150-151.

–   L. Favoreu : La problématique constitutionnel de libre administration des collectivités territoriales, in Revue française de droit administratif,1990, p :400.

–   Constantinos Bacoyannis : principe constitutionnel de libre administration des collectivités territoriales, éditions : Economica -PUAM,1993.

–   M. Bourjol : in Jurisclasseur des Collectivités locales, V, Constitution, n°46, p :98.

  André Roux : La libre administration des collectivités territoriales : une exception française ? in existe-t-il une exception française en matière de droit fondamentau . M. Fatin-Rouge Stefanini et G. Scoffoni, Les Cahiers de l’Institut Louis Favoreu, n°2, PUAM2013.


[1] بنمختار رشيد: تنمية الجهات بواسطة المعرفة والتكنولوجيا، تحد جديد من أجل إنتاج الثروة والتشغيل من خلال استغلال الخصوصيات الترابية، الذكاء الترابي والتنمية الجهوية بواسطة المقاولة تجارب دولية مقارنة، أعمال الملتقى الدولي للداخلة…، منشورات جمعية الدراسات والأبحاث من أجل التنمية،2012، ص: 27.

[2] ادريس جردان: تطور التنظيم القانوني للمشاركة والتشاور من أجل تنمية بشرية مستدامة للجماعات الترابية بالمغرب، الديمقراطية المحلية وأفاق التنمية الترابية بالمغرب، دراسات متكاملة، مركز تكامل للدراسات والأبحاث، 2020، مطبعة قرطبة، أكادير، ص: 14.

[3] بكشوا محمد: “الجهوية المتقدمة وإعداد التراب”، الحكامة الترابية من الجهوية المتقدمة إلى الحكم الذاتي، مجلة مسالك في الفكر والسياسة والاقتصاد، العدد 31-32، 2015، مطبعة النجاح الجديدة، ص: 59 -65.

[4] المهدي الفحصي: قراءة في بعض مظاهر اختلالات التدبير الإداري ومعيقات التنمية الترابية والحكامة الجيدة، المجلة المغربية للقانون الإداري والعلوم الإدارية، السنة الثانية، عدد مزدوج، التدبير الإداري والمالي للجماعات الترابية، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط،2017، ص: 77.

[5] خليل القاسمي: البعد التنموي المحلي-دراسة في الأسس والمقومات المالية للتنمية الجهوية، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، العدد 16، 1998، ص: 13

[6] عطا الله محمد، تيسير طافش الشرعة: استراتيجية التدريب وأثرها على أداء العاملين في الشركات المساهمة العامة الصناعية الأردنية، الأكاديمية العربية للعلوم المالية والمصرفية، الكرك، الأردن، 2008، ص: 7.

[7] إدريس الكراوي: الاقتصاد المغربي – التحولات والرهانات- دار النشر المغربية،1996، ص:61.

[8] CHAHID (F) : « Territorialisation des Politiques Publiques », publications de la REMAD, Collection Manuels et Travaux Universitaires, N° 63,2005, p :17.

[9] محمد زين الدين: الحكامة مقاربة ابستمولوجية في المفهوم والسياق، مجلة مسالك في الفكر والسياسة والاقتصاد، العدد 8، 2008، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ص: 31.

[10]عماد أبركان: النموذج المغربي للتنمية المحلية ومتطلبات الحكامة الترابية، ضمن مؤلف المسألة الترابية ورهان التنمية المستدامة، منشورات مجلة العلوم القانونية، العدد 6، مطبعة الأمنية،2017، ص: 11.

[11]ZAIR (T) : « La Gestion Décentralisée du Développement Économique au Maroc » Thèse pour le Doctorat en Droit Public, université des sciences sociales, Toulouse 1,2006, p : 481.

[12] GUERIN (P) : « Réflexions sur les fondements du Management Public », IAE, Université de Droit, d’Économie et des sciences d’Aix Marseille, 1975, p :1. Cité par : ZAIR (T), op cit, P :481.

[13]أنظر أطروحتنا لنيل الدكتوراه في القانون العام، حول موضوع: ” الإدارة الاقتصادية اللامركزية: أية رهانات تنموية للجماعات الترابية”، جامعة عبد المالك السعدي، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة، السنة الجامعية 2016- 2017، ص: 248.

[14]  Jacques Lévy : « Espace et Politique, quelle relation ? »in espace, jeux et enjeux, ouvrage coordonnée par Franck AURIACE et Roger BRUNET ; Fondation Diderot, lib. Fayard, Paris, p :252.

[15]إسماعيل صفاحي: دور الحكامة في تدبير الشأن المحلي في ظل الدستور الجديد، المجلة المغربية للقانون الإداري والعلوم الإدارية، عدد مزدوج 2-3 السنة الثانية، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، 2017، ص: 64.

[16] عماد أبركان والمصطفى قريشي: القانون التنظيمي للجماعات تنفيذ للخطاب السياسي وتقييم للواقع الممارساتي، سلسلة الدراسات الدستورية والسياسية، منشورات مجلة العلوم القانونية، مطبعة الأمنية، العدد4، 2015، ص:87.

[17] أنظر الفقرة الأخيرة من الفصل 1 من دستور المملكة.

[18]عبد الكريم حيضرة: علاقة الجهة بالسلطة المركزية: مابين الرقابة والوصاية، المجلة المغربية للقانون الإداري والعلوم الإدارية، عدد مزدوج 2-3 السنة الثانية، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، 2017، ص: 23.

[19]عبد العزيز أشرقي: الجهوية الموسعة نمط جديد للحكامة الترابية والتنمية المندمجة، الطبعة الأولى 2011، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ص:117.

[20] عبد العلي عدنان: مقاربة دستورية لحدود ومضمون مبدأ التدبير الحر: الجهة نموذجا، المجلة المغربية للقانون الإداري والعلوم الإدارية، عدد مزدوج 2-3 السنة الثانية، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، 2017، ص: 139.

[21]Said HANTI : Les dynamiques économiques des collectivités locales, Imprimerie Tafoukte, Edition, 1998, p : 45.

[22]J. Barthélémy : Les tendances de la législation sur l’organisation administrative depuis un quart de siècle, in Revue de droit public,1990, pp : 150-151.

[23] L. Favoreu : La problématique constitutionnel de libre administration des collectivités territoriales, in Revue française de droit administratif,1990, p :400.

[24] Constantinos Bacoyannis : principe constitutionnel de libre administration des collectivités territoriales, éditions : Economica -PUAM,1993.

[25] M. Bourjol : in Jurisclasseur des Collectivités locales, V, Constitution, n°46, p :98.

[26] André Roux : La libre administration des collectivités territoriales : une exception française ? in existe-t-il une exception française en matière de droit fondamentaux ? dir. M. Fatin-Rouge Stefanini et G. Scoffoni, Les Cahiers de l’Institut Louis Favoreu, n°2, PUAM2013, p :181.

[27] أنظر الفصل 136 من دستور المملكة.

[28]بدر الدين بلمكي: الحكامة الترابية بالمغرب، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون العام، جامعة مولاي إسماعيل، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، مكناس، السنة الجامعية 2013- 2014، ص: 34.

[29] صباح الشرايبي: الذكاء الترابي ورهانات الأمن الاقتصادي – حالة الدار البيضاء-، منشورات جمعية الدراسات والأبحاث من أجل التنمية، طبعة 2012، ص: 503.

[30] ادريس جردان: مرجع سابق، ص: 15.

[31]أنظر الفصول 136- 137و 139 من دستور المملكة.

[32] زهير لخيار: “المجتمع المدني والحكامة: نحو تقوية القدرة التفاوضية للعمل الجمعوي”، مجلة مسالك في الفكر والسياسة والاقتصاد، العدد الثامن،2008، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ص: 27.

[33] فتيحة بشطاوي: الحكامة والتنمية، مثال منظومة الرقابة والتدقيق على الصعيد المحلي، مجلة مسالك في الفكر والسياسة والاقتصاد، العدد الثامن،2008، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ص: 64 و65.

[34]محمد شاووش: “أبعاد التنمية ورهان الحكامة وإعداد التراب المحلي “، المجلة المغربية للتدقيق والتنمية، عدد 38، 2014، ص: 5.

[35] SEDJARI (A) : « Le Développement économique local entre le discours et la pratique », Revue du Droit et d’Économie, N° 9, 1993, p :29.

[36] أنظر الفصلين 136 و142 من دستور المملكة.

[37] الشريف الغيوبي: إدارة القرب: ألية التضامن الترابي، مساهمة في كتاب إدارة القرب: المفهوم والانعكاسات، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، الطبعة الأولى،2006، ص: ج.

[38] عادل تميم: قراءة قانونية حول صندوق التأهيل الاجتماعي وصندوق التضامن بين الجهات على ضوء القانون التنظيمي 111.14 المتعلق بالجهات، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد مزدوج،134-135، ماي غشت 2017، ص: 286.

[39]Ali SEDJARI : Partenariat Public -Privé et renouveau de l’action publique -gouvernance et conduite de l’action publique, GRET 2002, Imprimerie El Maarif Al Jadida, P :247.

[40] محسن إدالي: المشروع الترابي وجدلية الممارسة والتنظير، مقال منشور بالموقع الإلكتروني ل هيسبريس، الأربعاء 02 يناير 2019.

[41]عبد المولى المسعيد: المنطلقات الدستورية للتدبير الترابي اللامركزي بالمغرب، المجلة المغربية للرصد القانوني والقضائي، العدد الرابع 2020 ص:17.

[42] محمد اغزيف: الدولة وإكراه تدبير المجال الترابي: بين الهاجس السياسي المركزي والبعد التنموي اللامركزي، الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري: قراءات متقاطعة. منشورات المجلة المغربية للأنظمة القانونية والسياسية، العدد الخاص رقم: 15، الطبعة الأولى 2019، مطبعة الأمنية – الرباط، ص: 147.

[43] مصطفى الكثيري: تأملات في التغيير والإصلاح، دار النشر المغربية،2002، ص: 214.

[44] مصطفى اللوزي:” التنمية الإدارية”، دار وائل للنشر، الطبعة الثانية،2002، ص: 241.

[45] لبنى الوزاني الشاهدي: “الذكاء الترابي رافعة للتنمية الجهوية،” رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون العام، جامعة سيدي محمد بن عبد االله، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، فاس، السنة الجامعية 2018-2019، ص:43.

[46] عز العرب العناني: الجهوية المتقدمة بين متطلبات بناء المشروع الترابي المندمج ومقومات التماسك الاجتماعي القوي، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، العدد 115، مارس – أبريل 2014، ص:164.

[47]Mallowan Monica Marcon Christian : « Intelligence économiques et Territoire Au Service d’une Stratégie de Développement Régional : La Délicate Question de la formation des acteurs »,p :9, document pdf disponible sur le lien : https//hal.inria.fr/.

[48]Chakor Abdelatif : Le Marketing territorial Au service de la Bonne Gouvernance Locale, publication de la Revue marocaine d’administration locale et de développent, N° 5 2004, p :25.

[49]Jean Jacques Jirardot : Intelligence et gouvernance territoriale, p : 10, document pdf disponible sur le lien : http://www.foad-mooc.auf.org.

[50] محمد اليعكوبي: تأملات حول الديمقراطية المحلية بالمغرب، مطبعة فنون الطباعة والإشهار، فاس، الطبعة الأولى، 2004، ص: 181-182.

[51] شفيق الصنهاجي: التنمية الترابية من خلال المشاريع المهيكلة الكبرى- إقليم الفحص أنجرة نموذجا، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة، السنة الجامعية 2017، ص:86.

[52] Joyal André : L’Intelligence Territoriale Au Service des PME Innovantes En Régions non Métropolites, Expériences Canadiennes et Brésiliennes, in intelligence Territoriale et Développement Régional par l’entreprise, sous la direction de Driss Guerraoui et Clerc Philippe, L’Harmattan, 2012, p :163.

[53]ماريو سندوفال: الذكاء الاقتصادي الترابي رهان وبراديغما، منشورات جمعية الدراسات والأبحاث من أجل التنمية، طبعة سنة 2012، ص: 513.

https://powderencouraged.com/zht6b3bs66?key=8523542c4aaf6f083ce56f74bd271319
https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من فضاء المعرفة القانونية -espace connaissance juridique

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة