في عصر المعلوماتية والذكاء الاصطناعي كيف تستخدم الأدوات الاقتصادية
في تحقيق أغراض سياسية

لواء دكتور/ سيد أحمد محمدين

موضوع هذا المقال يستهدف التعرف علي كيفية استخدام أدوات الاقتصاد في تحقيق أغراض سياسية وأيضا كيف يتم استخدام أدوات السياسة في تحقيق أغراض اقتصادية؟. والهدف الأسمى المبتغى في كل الحالات هو تعزيز القوة السياسية.

والمقصود باقتصاد أي دولة من الدول هنا هو مجمل الموارد الاقتصادية للدولة المعنية، وحصيلتها، وإنتاجها من السلع والخدمات، وتجارتها الدولية من صادرات وواردات، يضاف إليها المعرفة العلمية والقدرة التكنولوجية لهذه الدولة. أما السياسة الدولية، فالمقصود بها هو مجمل العلاقات التي تربط بين الدول بشأن القضايا الدولية والإقليمية والداخلية التي تجتمع هذه الدول أو تختلف بشأنها، وهي تشمل إلى جانب المسائل الإقليمية الملموسة العلاقات الاقتصادية فيما بين الدول وفيما بين الشركات والفاعلين غير الحكوميين في كل منها. السياسة الدولية تتضمن أيضا الاتفاقيات والقواعد المنظمة للعلاقات بين أطرافها.

موضوع هذا المقال يستهدف التعرف على كيفية استخدام أدوات الاقتصاد في تحقيق أغراض سياسية وأيضا كيف يتم استخدام أدوات السياسة في تحقيق أغراض اقتصادية؟. والهدف الأسمى المبتغى في كل الحالات هو تعزيز القوة السياسية.

والمقصود باقتصاد أي دولة من الدول هنا هو مجمل الموارد الاقتصادية للدولة المعنية، وحصيلتها، وإنتاجها من السلع والخدمات، وتجارتها الدولية من صادرات وواردات، يضاف إليها المعرفة العلمية والقدرة التكنولوجية لهذه الدولة. أما السياسة الدولية، فالمقصود بها هو مجمل العلاقات التي تربط بين الدول بشأن القضايا الدولية والإقليمية والداخلية التي تجتمع هذه الدول أو تختلف بشأنها، وهي تشمل إلى جانب المسائل الإقليمية الملموسة العلاقات الاقتصادية فيما بين الدول وفيما بين الشركات والفاعلين غير الحكوميين في كل منها. السياسة الدولية تتضمن أيضا الاتفاقيات والقواعد المنظمة للعلاقات بين أطرافها.

والقوة السياسية أخيرا يقصد بها ما تستخلصه دولة من الدول من تعاملاتها من نفوذ يمكنها من التأثير على قرارات بقية الدول المنخرطة في السياسة الدولية وحملها على أن تسلك السبل التي تريد لها أن تختارها.

ويمكن التصدي لهذا الموضوع من زوايا عديدة ولكننا هنا سوف نتناول تداخل العلاقات السياسية والاقتصادية بين القوى الكبرى في عالمنا، وننتهي ببضع كلمات عن حالتنا.

فعلي سبيل المثال، في شهر مارس من العام الماضي أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن عزم إدارته على فرض رسوم جمركيةعلى وارداتها من الصلب والألومينيوم تبلغ ٢٥% على السلعة الأولى ١٠% على الثانية، زاعما وقتها أن هذه الواردات تهدد الأمن القومي للولايات المتحدة ومستندا في ذلك إلى المادة الحادية والعشرين من الاتفاقية العامة للتجارة والتعريفات لسنة ١٩٤٧ التي تتيح للأطراف المتعاقدة اتخاذ «أي إجراءات تراها ضرورية لحماية مصالح أمنها الأساسية». اضطرب الأوروبيون من هذا الإعلان وناشد الاتحاد الأوروبي الولايات المتحدة إعادة النظر فيه، فكانت استجابة الولايات المتحدة أنها أعلنت عن مهلة تبلغ ثلاثة أشهر، تعلن بعدها في الأول من يونيو ٢٠٢٠ عما ستفعله بشأن الصادرات الأوروبية من السلعتين إليها. بعض المسئولين الأوروبيين تعجبوا لأن الصادرات الأوروبية من السلعتين ليست بالحجم الذي يهدد الأمن الأمريكي، ومنهم من اعتبر أن هذا «استعراض طفولي للقوة» وأنه مجرد ورقة انتخابية قبل انتخابات منتصف المدة في شهر نوفمبر الماضي ٢٠٢٠. تساءل الأوروبيون عما سيفعله الرئيس الأمريكي، فهل يعفيهم من الرسوم؟ الرد جاءهم قبل الأول من يونيو بيوم واحد بفرض الرسوم كاملة عليهم، وعلى كندا والمكسيك، وهو ما أثار غضبهم الشديد وجعلهم يستعدون لفرض رسوم انتقامية على عدد من وارداتهم الأمريكية. الرئيس الأمريكي لم يتوقف عند الصلب والألومينيوم، بل فتح بعدها معركة جديدة إذ طلب من مستشاريه أن يتحققوا مما إذا كانت واردات الولايات المتحدة من السيارات لا تهدد الأمن القومي الأمريكي، وهو ما وشى بتفكيره وقتها في فرض رسوم جمركية جديدة على السيارات أيضا.

في هذه الحقبة الزمنية، كان الرئيس الأمريكي السابق قد لوح باستخدام أدوات الاقتصاد في مجال سياسي تماما ألا وهو الاتفاق النووي المنعقدمع إيران والذي أعلن انسحاب الولايات المتحدة منه في بداية الأسبوع الثاني من مايو الماضي. ٢٠٢٠، في إعلان الانسحاب تهديد مباشر وتلويح هو بمثابة التهديد غير المباشر. ليس ما يعنينا وقتها هو التهديد المباشر الموجه لإيران وإنما التلويح بالعقوبات الثانوية التي ستفرض على كل الشركات والمصارف التي تتعامل معها. فهذا تهديد غير مباشر للشركات الأوروبية التي عقدت الصفقات مع إيران واستعدت للاستثمار فيها. هذه البنوك والمصارف كانت مهددة في حال لم تقطع علاقاتها بإيران بأن يمنع عليها دخول السوق الأمريكية والتعامل بأي شكل من الأشكال مع المصارف والشركات الأمريكية. في الصناعة العالمية الحالية حيث تنتشر سلاسل الإنتاج في دول عديدة وقارات مختلفة، وحيث لا تنتج سلعة إلا بمدخلات من هنا وهناك، وهنالك يصعب على أي شركة كبرى أن تنتج من دون مورديها. وكلما ارتفعت القيمة المضافة لمنتج ما كان احتمال وجود مدخلات أمريكية في صناعته أكبر. ولنأخذ طائرات «إيرباص» المنافسة للطائرات «بوينج» الأمريكية مثالا:

في الطائرات «الإيرباص» مدخلات مصنوعة في الولايات المتحدة، إن لم توافق الحكومة الأمريكية على تصديرها للشركة المنتجة، توقف إنتاجها. جون بولتون مستشار الرئيس الأمريكي للأمن القومي وقتها كان واضحا تماما عندما أعلن أن الولايات المتحدة ستستخدم كل قوتها التكنولوجية في تطبيق العقوبات على إيران. في هذا الصدد يذكر أن هناك كان من يعتقدون أن العقوبات غير المباشرة مقصودة في حد ذاتها. في أعقاب الاتفاق النووي الإيراني في يوليو ٢٠١٥ وإسباغ الشرعية الدولية عليه بقرار صادر عن مجلس الأمن نص أيضا على الرفع التدريجي للعقوبات التي كان المجلس قد فرضها على إيران، سارعت الشركات الأوروبية، خاصة الفرنسية والألمانية، إلى إيران لعقد الصفقات معها وفيها، فالسوق الإيرانية واسعة وجذابة وفيها قوى عاملة يعتد بها. غير أن الولايات المتحدة لم ترفع العقوبات التي كانت قد فرضتها من جانب واحد على إيران، وبذلك لم تنزل الشركات الأمريكية بنفس شكل نظيراتها الأوروبية على السوق الإيرانية. ثمة من يقول إن من بين ما كان يقصده الرئيس الأمريكي السابق بفرض العقوبات غير المباشرة أن يحرم المنافسين الأوروبيين من المزايا التي حققوها على نظرائهم الأمريكيين في السوق الإيرانية. في هذه الرؤية هو كان يريد أن تكون الولايات المتحدة أول المستفيدين من السوق الإيرانية عندما تنجح العقوبات في تحقيق هدفه وهو الإطاحة بالنظام الإيراني.

إذن.. باستخدام الأدوات الاقتصادية عمل الرئيس الأمريكي السابق على إخضاع حلفائه الأوروبيين وتعميق التراتيب في التحالف الأطلسي وتبديد ما قد يكون قد تراءى للبعض عن المشاركة في اتخاذ القرار داخل هذا التحالف. هذا تطور يعتد به في السياسة الدولية إن قبله الأوروبيون، لأن غيرهم قد يستخلص من ذلك أنهم في سبيلهم ولو بعد حين إلى أن يفقدوا تماما الوزن الذي كان لهم في السياسة الدولية في القرون الأخيرة. الرئيس الأمريكي السابق كان يرمى إلى تعزيز قوته السياسية على حساب الأوروبيين ليستطيع تحقيق الأهداف التي يحددها هو وحده.

الطرفان الكبيران الآخران في السياسة الدولية، وهما روسيا والصين، كانا أمرهما مختلف. الاقتصاد الروسي ليس كثيف التشابك مع الاقتصادالأمريكي، ولذلك فإن قدرة الولايات المتحدة على التأثير عليه محدودة. بل ربما انتفعت روسيا من العقوبات الثانوية، بأن تستفيد مثلا من سوق النفط والغاز الإيرانيين. علاوة على ذلك فإن لروسيا وزنها السياسي والعسكري المستقل عن الولايات المتحدة والذي تستغله في الشرق الأوسط مثلا، وهي منطقة تحرص الولايات المتحدة على عدم التصادم فيها مع روسيا. في حالة الأخيرة، فإن أدوات السياسة قد تنفعها في الاقتصاد، فتضيف إلى قوتها السياسية.

الصين في أقوى المواقف. عندما أعلن الرئيس الأمريكي السابق عن الرسوم الجمركية على الصلب والألومينيوم، ردت هي أيضا بأنها يمكن أن تتخذ إجراءات انتقامية من الإنتاج الزراعي الأمريكي بفرض رسوم على وارداتها من فول الصويا مثلا، والولايات المتحدة هي أول مورديه إلى السوق الصينية. وكان الرئيس الأمريكي السابق قد هدد أيضا بفرض رسوم على ما يساوى ٥٠ مليار دولار من الصادرات الصينية إلى السوق الأمريكية غير أن الطرفين الأمريكي والصيني توصلا إلى ما يشبه الهدنة، عندما وعدت الصين في الأسبوع الثالث من مايو العام الماضي، مجرد وعد، بأن تشترى المزيد من المنتجات الأمريكية، الزراعية ومنتجات الطاقة خصوصا، دون أهداف محددة لهذا المزيد، وبأن تخفض الرسوم على وارداتها من السيارات. الولايات المتحدة أرادت أن تتوصل إلى عقود متعددة السنوات تتقيد بها الصين. فأصبحت الولايات المتحدة في وضع من يطلب من الصين. الفارق صارخ مع الأوروبيين الذين يتخوفون أيضا من أن تؤدى التفاهمات الأمريكية الصينية إلى تقلص السوق الصينية أمام منتجاتهم. الاعتماد المتبادل بين الولايات المتحدة والصين أكثر توازنا منه بينها وبين أوروبا. هل يمكن لأي طرف منهما أن ينسى أن استثمار الصين في أذون الخزانة الأمريكية قد ارتفع في عام ٢٠١٧ وحده بمقدار ١٢٦,٥ مليار دولار ليبلغ إجمالي هذا الاستثمار ١,١٨ تريليون دولار؟ هذا الاستثمار يدعم العملة الأمريكية ويسند مستوى المعيشة الأمريكي، وهو يكسب بذلك للصين قوة سياسية. في حالة الصين، الاقتصاد أدى إلى قوة سياسية والقوة السياسية أفضت إلى مكاسب في الاقتصاد.

المكسب المرحلي شيء والأثار بعيدة المدى على المكانة السياسية للولايات المتحدة شيء آخر.

ولكن ما سبق كان عن الكبار في كل من الاقتصاد والسياسة الدوليين. فماذا عنا نحن؟ للاقتصاد عمله أيضا في السياسة الإقليمية. تصعد الدول وتهبط حسب حالة عوامل الاقتصاد في كل منها. اقتصادات بلداننا العربية بسيطة في بنيتها، والبارز فيها هي موارد النفط والغاز الطبيعي حيث توجد، وبالتحديد حيث يقترن وجودها بحجم محدود للسكان الوطنيين. الفائض من إيرادات النفط والغاز منح نفوذا لمن يملكونه في المنطقة تناقصت في مقابله قوة غيرهم الذين يعدمون مثل هذه الإيرادات ولا يوفرون بديلا عنها على اقتصادات متنوعة نشطة مرتفعة الإنتاجية والقيمة المضافة

في مصر، في عصر المعلوماتية والذكاء الاصطناعي، لا بد أن نعيد بناء اقتصادنا على أساس العلم والمعرفة والابتكار. على هذا الأساس وحده وليس بالطوب والحجر سنرفع مستوى معيشة المائة وخمسة مليون مصري ونكفل لأنفسنا مكانا في السياسة الإقليمية والدولية يعيننا على تحقيق أهدافنا.

https://powderencouraged.com/zht6b3bs66?key=8523542c4aaf6f083ce56f74bd271319
https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من فضاء المعرفة القانونية -espace connaissance juridique

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة