مركزه وضماناته
د. عبد المجيد الكتاني
أستاذ الشريعة والقانون بجامعة القرويين
كلية الشريعة فاس
مقدمة:
يكتسي موضوع توثيق التصرفات العقارية أهمية بالغة في مجال المعاملات العقارية؛ لما للعقار من حضور وازن في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وكلما كانت عملية توثيق التصرفات العقارية مستوفية الأركان والشروط، كلما كانت محصنة ومنيعة، وعم الأمن والأمان، وكلما شاب العملية عيب أو خلل، كلما فقدت التصرفات حصانتها ومناعتها، وسادت النزاعات والخصومات، وضاعت الحقوق والمصالح، وعمت الفوضى والتسيب وعدم الاطمئنان والاستقرار، ومن ثم فإن عملية توثيق التصرفات العقارية ينبغي أن تحاط بسياج منيع من القواعد والضوابط القانونية تحفظ لمختلف الأطراف حقوقهم وتضمن قيامهم بواجباتهم وتوفر لهم دواعي الأمن والاطمئنان.
وقد خص المشرع المغربي العقار وما يرتبط به من تصرفات بإطار قانون تشكلت تضاريسه على امتداد مائة سنة تقريبا -أي منذ عهد الحماية إلى يومنا هذا – وهو إطار قانون قد يم ومشتت ومفرق في نصوص قانونية متباعدة زمانياً من حيث تواريخ إصدارها؛ إذ تعود بعض القوانين المراحل الأولى لفترة الحماية الفرنسية بالمغرب. وبعد سبات عميق استيقظت المؤسسة التشريعية في المغرب أخيراً، وقامت سريعاً – وعلى عجل- بتعديل بعض النصوص القانونية وإلغاء بعضها الآخر وإحلال نصوص جديدة محلها، وإقرار نصوص تشريعية حديثة، في إطار تجديد وتحديث المنظومة التشريعية المتعلقة بالعقار، وتوثيق التصرفات الجارية عليه.
والأسئلة المطروحة هي: إلى أي حد ساهمت هذه النظم وهذه التشريعات في تأطير عملية توثيق التصرفات العقارية.بما يضمن تحقيق الأمن القانون والقضائي في مجال العقار؟، وإلى أي مدى تستطيع هذه التشريعات والنظم أن تتكيف مع المستجدات والتغيرات والتطورات التي تعرفها الساحة الدولية والوطنية على كافية المستويات وعلى المستوى العقاري خصوصا؟، وهل هذه المنظومة التشريعية قادرة على مواكبة واستيعاب التحولات العميقة الق يعرفها العقار ببلادنا؟، وما هو مركز توثيق التصرفات العقارية من هذه المنظومة؟، وما في التطورات التي عرفتها عملية توثيق التصرفات العقارية من خلال هذه المنظومة التشريعية المغربية؟، وهل استطاعت هذه المنظومة التشريعية على مستوى توثيق التصرفات العقارية من إزالة كل العوائق التي تحول دون إدماج العقار بشق أنواعه وأنماطه في النسيج التنموي والدورة الاقتصادية للبلاد؟.
إن الجواب عن هذه الأسئلة وغيرها هي المحور الذي يدور حوله هذه البحث، والذي نتناول فيه مركز توثيق التصرفات العقارية في أهم التشريعات المغربية (مبحث أول) وتوثيق التصرفات العقارية بين المحررات الرسمية والمحررات الثابتة التاريخ (مبحث ثان).
المبحث الأول توثيق التصرفات العقارية في أهم التشريعات المغربية
نتحدث في هذا المبحث عن مركز توثيق التصرفات العقارية في كل من قانون الالتزامات والعقود وقانون التحفيظ العقاري وقوانين الأصفار –القانون22-00 والقانون18-00 والقانون51-00 (مطلب أول) وعن مركز توثيق التصرفات العقارية في كل من قانون خطة العدالة وقانون التوثيق ومدونة الأوقاف ومدونة الحقوق العينية (مطلب ثان)([1]).
لا يكاد يخلو تشريح من التشريعات المغربية من إثارة إلى أمر توثيق التصرفات العقارية، حيث نجد الكتابة حاضرة بشكل صريح في فصول ومواد هذه التشريعات، سواء كانت هذه الكتابة عن طريق محرر رسمي أو محرر ثابت التاريخ، بالإضافة إلى بعض الشكليات والخصوصيات الأخرى التي تتطلبها العملية التوثيقية، تبعاً لنوع التصرفات العقارية ونوع العقار ونوع النظام القانون الذي يخضع له.
فما هو مركز توثيق التصرفات العقارية في أهم التشريعات المغربية؟ ذلك ما نتناوله في المطلب الموالي:
المطلب الأول: مركز توثيق التصرفات العقارية في قانون الالتزامات والعقود وقانون التحفيظ العقار وقوانين الأصفار (44-00و 18-00و 51-00)
أولاً: مركز توثيق التصرفات العقارية في قانون الالتزامات والعقود.
إن ظهير الالتزامات والعقود الصادر بتاريخ 9 رمضان 1333، (12 غشت 1913) بالرغم من مقاومته للتآكل الزمني، حيث يعتبر الوحيد من بين الظهائر الذي ما زال قائما في حالته الأصلية وإن كانت قد عدلت بعض فصوله أو أضيفت إليه فصول أخرى اقتضتها طبيعة التغيرات والتطورات التي عرفها المغرب، وأبرز هذه التعديلات والإضافات هي كالتالي:
- إضافة الفرع الرابع المتعلق ببيع العقارات في طور الإنجاز ابتداء من الفصل (618-1 إلى 618-20) وذلك بموجب القانون رقم 00-44.([2])
- إضافة مجموعة من الفصول .بمقتضى القانون المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم: 129-07-1 بتاريخ 19 من ذي القعدة 1228 (30 نوفمبر 2007)([3])
وتتجلى علاقة قانون الالتزامات والعقود بالإطار القانون العام للتوثيق من خلال تمييزه بين الوثيقة الرسمية والوثيقة العرفية على مستوى الإنشاء والطعن والآثار (الفصول 416 إلى426)، وبيانه لأحكام الوثيقة المحررة على دعامة إلكترونية (الفصول 417-1 و 417-2و 417-3)([4])، وبيانه لكيفية ثتبوت التاريخ بالنسبة للوثيقة العرفية (الفصل 425)، ولتوثيق التزامات الأشخاص الأميين (الفصل 427) ولأحكام البرقيات (الفصول من428 إلى 430)، ولأحكام المحررات الأخرى التي تكون الدليل الكتابي مل دفاتر التجار (الفصول من433 إلى 439)، ولأحكام نسخ الوثائق المأخوذة من أصول وثائق رسمية أو عرفية([5]).
وبخصوص توثيق التصرفات العقارية فإن قانون الالتزامات والعقود ينظم التصرفات سواء انصبت على العقارات أو الحقوق العقارية أو المنقولات أو غيرها، والسؤال المطروح هو: كيف تعامل هذا القانون مع مسألة توثيق البيع الذي يجري على العقار أو الحقوق العقارية على اعتبار أن البيع من أهم التصرفات العقارية؟.
إن القاعدة العامة بشأن انعقاد البيع هي الرضائية حسب مقتضيات الفصل 488 من ق ل ع، والاستثناء هو أن البيع إذا تعلق بعقار أو حقوق عقارية أو أشياء يمكن رهنها رهنا رسمياً فإنه يجب أن يجري كتابة، وهذا ما نص عليه الفصل 489 بقوله: ” إذا كان المبيع عقاراً أو حقوقاً عقارية أو أشياء أخرى يمكن رهنها رهناً رسمياً، وجب أن يجري البيع كتابة في محرر ثابت التاريخ، ولا يكون له أثر في مواجهة الغير إلا إذا سجل في الشكل المحدد بمقتضى القانون” ([6])
ويعتبر ما جاء في هذا النص خطوة هامة في مجال التوثيق عن طريق الكتابة؛ وذلك بالنظر إلى تاريخ هذا النص وهو 1913، فهي بادرة من المشرع آنذاك لاستقرار المعاملات العقارية وثبوتها وإبعادها عن المنازعات، ولمآرب أخرى ليس هذا محلها.
وقد اختلف الفقه والقضاء في طبيعة الكتابة المنصوص عليها في الفصل 489هل هي للانعقاد (شرط صحة) أم للإثبات؟ خصوصاً إذا كان العقار غير محفظ، فعلى مستوى اجتهاد قضاء المجلس الأعلى (محكمة النقض حالياً) تباينت مواقف الغرف من طبيعة هذه الكتابة من غرفة إلى أخرى، حيث رأت كل من الغرفة المدنية والغرفة الاجتماعية أن هذه الكتابة هي للانعقاد وليست للإثبات فقط، في حين رأت الغرفة الشرعية أن عقد البيع المنصب على عقارغير محفظ يبقي خاضعا لأحكام الفقة الإسلامي الذي يعتبر هذا العقد رضائياً، تأسيساً على أ، الفقه الإسلامي لا يعرف شكلية العقود، ومن ثم فإن الكتابة المنصوص عليها في الفصل 489 هي وسيلة إثبات فقط وليست ركناً شكلياً (أي ليست شرط صحة)([7]) .
وقد كان لاختلاف الاجتهاد القضائي في طبيعة الكتابة المنصوص عليها في الفصل 489من ق.ل.ع صداه في اختلاف فقهاء القانون حيث إن منهم من رأى أن الكتابة للإثبات فقط ومنهم من رأى أنها للانعقاد وليست للإثبات فقط ([8]).
ومهما يكن من اختلاف في هذه المسألة، فقد أصبح ذلك الآن من الماضي بعدما تم حسم الأمر في مدونة الحقوق العينية. بموجب المادة الأولى والمادة الرابعة.
وإذا كان توثيق أهم تصرف عقاري وهو البيع العقاري تحضر فيه الكتابة بهذا الزخم، فإن قانون الالتزامات والعقود -فيما يتعلق بشكل هذه الكتابة- أبقى باب الخيار مفتوحا على كل من الكتابة بالطريقة الرسمية والكتابة بالطريقة العرفية.
ثانيا: مر كز توثيق التصرفات العقارية في القانون وقم: 44 -00 المتعلق بيع العقار في طور الإنجاز.
إن أحكام الفصلين (618-3) و(618-16) من ق.ل.ع تبين بشكل لا مزيد عليه مركز توثيق التصرفات العقارية من هذا القانون حيث ينص الفصل 618-3 على ما يلي: “يجب أن يحرر العقد الابتدائي للعقار في طور الإنجاز إما في محرر رسمي أو بموجب عقد ثابت التاريخ يتم تحريره من طرف مهني ينتمي إلى مهنة قانونية منظمة ويخول لها قانونها تحرير العقود وذلك تحت طائلة البطلان…”.
وينص الفصل 618-16 على أنه: “يبرم العقد النهائي طبقا لمقتضيات الفصل 618-3 المشار إليه أعلاه وذلك بعد أداء المبلغ الإجمالي للعقار أو للجزء المفرز من العقار محل عقد البيع الابتدائي”([9])
والجديد الذي جاء به المشرع في القانون رقم 44-00 هو تأكيده على وجوب كتابة البيوع العقارية الواردة على العقارات في طور الإنجاز تحت طائلة البطلان سواء كانت هذه العقارات محفظة أو غير محفظة.
والكتابة في هذا النوع من البيوع هي كتابة للانعقاد (شرط صحة) بحيث إذا تخلفت يعتبر العقد باطلاً، وهو ما يمكن معه القول: إن المشرع في هذا القانون وقت صدوره ربما قصد قطع دابر الجدل الفقهي والقضائي بشأن شكلية ورضائية بيع العقارات، وهو ما جاءت مدونة الحقوق العينية لتحسمه بشكل نهائي من خلال ما نصت عليه في مادتها الرابعة.
وقد أبقى المشرع أيضا في هذا القانون الباب مشرعا في وجه هذه الكتابة إما في محرر رسمي أو عرفي ([10]).
وقد أحب المشرع المغربي أن يطلق على المحرر العرفي في هذا القانون اسم “المحرر ثابت التاريخ” – وفي القوانين الأخرى التي جاءت بعده-، والواقع أن المشرع لم يبين بشكل واضح طبيعة المحرر الثابت التاريخ، هل يعني به المحرر العرفي في أم محرراً من نوع خاص؟ ([11]) وسيرا على هدي ما تقتضيه المبادئ العامة للقانون المدني وقواعد الإثبات التي تميز عادة بين المحرر الرسمي والمحرر العرفي، فإننا نؤيد قول من يرى أن المشرع يقصد المحرر العرفي لكن مع بعض الخصوصيات التي تمت إضافتها شأن ضرورة كتابته من قبل مهن مسموح له بكتابة المحررات بحكم مهنته([12]).وتقديرا منا لمشاعر المشرع المغربي فإنا سنسير على نهجه ونتشبث بهذه التسمية.
والجديد في هذا القانون هو أن المشرع نص على أن هذا المحرر يتم تحريره طرف مهني ينتمي إلى مهنة قانونية منظمة ويخول لها قانونها تحرير العقود، وأن لائحة يحددها وزير العدل سنوياً من المهنيين المقبولين لتحرير العقود ستصدر بهذا الشأن، وسنعود إلى هذه النقط في ضوء ما جاء في المادة 4 من مدونة الحقوق العينية.
ثالثا: مركز توثيق التصرفات العقارية في قانون التحفيظ العقاري
([13])
.تكمن علاقة توثيق التصرفات العقارية بقانون التحفيظ العقاري من خلال المراحل المتعددة التي تمر منها مسطرة التحفيظ العقاري، ومما له ارتباط ببحثنا ما يلي:
- أن طالب التحفيظ يقدم مع مطلبه أصول ونسخ رعية للرسوم والعقود والوثائق التي من شأنها أن تعرف بحق الملكية وبالحقوق العينية المترتبة على الملك. (الفصل 14 كما تم نسخه وتعويضه بالقانون 14.07).
- المتعرض على مطلب التحفيظ عليه مبدئيا أن يدلي بالرسوم والوثائق التي تعزز تعرضه.
- تحفيظ العقار بعد إجراء مسطرة للتطهير يترتب عنها تأسيس رسم عقاري وبطلان ما عداه من الرسوم، وتطهير الملك من جميع الحقوق السالفة غير المضمنة به. (الفصل 1كما وقع تعديله وتتميمه بالقانون 14.07).
- إن الرسم العقاري نهائي ولا يقبل الطعن، ويعتبر نقطة الانطلاق الوحيدة للحقوق العينية والتحملات العقارية المترتبة على العقار وقت تحفيظه دون ما عداها من الحقوق غير المقيدة. (الفصل62 كما وقع تعديله وتتميمه بالقانون 14.07)([14]).
كما يمكن تلمس مركز توثيق التصرفات العقارية في قانون التحفيظ العقاري أيضا من خلال مؤسسة التسجيل أو التقييد، فإذا رجعنا إل الفصل 489 من ق.ل.ع – والذي لا خلاف فيه أن ينطبق على العقار المحفظ- نجد أن المشرع لم يقف عند حدود الكتابة فقط؛ بل نص على أن هذا البيع وإن أجري كتابة فإنه: ” لا يكون له أثر في مواجهة الغير إلا إذا سجل في الشكل المحدد بمقتضى القانون”.
فمجرد كتابة البيع الوارد على عقار محفظ ينتج آثاره فيما بين الأطراف المتعاقدة فقط، ولا يكون له أثر في مواجهة الغير إلا بتسجيله في الرسم العقاري، فالتسجيل في الرسم العقاري هو نوع من الإشهار؛ لأن الحقوق العينية هي نوع من الحقوق التي يحتج بها ضد الكافة.
ولم يكتف قانون التحفيظ العقاري كما وقع تعديله وتتميمه بموجب القانون07-14 بهذا؛ بل نص في الفصل 66 كما وقع تعديلاً وتتميه على أن: “كل حق عيني متعلق بعقار محفظ يعتبر غير موجود بالنسبة للغير إلا بتقييده، وابتداء من يوم التقييد في الرسم العقاري من طرف المحافظ على الأملاك العقارية.
لا يمكن في أي حال التمسك بإبطال هذا التقييد في مواجهة الغير ذي النية الحسنة”. وجاء في الفصل 67 كما وقع تعديله وتتميمه ما يلي: “إن الأفعال الإرادية والاتفاقات التعاقدية، الرامية إلى تأسيس حق عيي أو نقله إلى الغير أو الإقرار به أو تغييره أو إسقاطه، لا تنتج أي أثر ولو بين الأطراف إلا من تاريخ التقييد بالرسم العقاري([15])، دون الإضرار بما للأطراف من حقوق في مواجهة بعضهم البعض وكذا بإمكانية إقامة دعاوى فيما بينهم بسبب عدم تنفيذ اتفاقاتهم”([16]).
هذا دون أن ننسى أن مقتضيات الفصول 72([17]) و 73([18]) و 74([19]) كلها تكرس العلاقة التكاملية بين قانون التحفيظ العقاري وعملية توثيق التصرفات العقارية.
رابعاً: مركز توثيق التصرفات العقارية في القانون 18-00 المتعلق بالملكية المشتركة
([20])
.جاء هذا القانون في إطار مواكبة التطورات والتحولات التي عرفها العقار والتي عحز القانون الصادر بتاريخ 16 نوفمبر 1946 المتعلق بالملكية المشتركة الملغي عن استيعابها ومواكبتها؛ إذ كان قد أبان مع مرور الزمن عن قصور في العديد من جوانبه مما أثر سلبا على استقرار المعاملات في هذا النوع من العقارات وهذا ما أدى إلي صدور القانون 18-00وإلغاء القانون القديم.
يطبق القانون 18-00 على العقار المحفظ والعقار في طور التحفيظ والعقار غير المحفظ حسبما تنص عليه الفقرة الأخيرة من المادة الأولى، أما القانون الملغي فلم يكن يطبق على العقار غير المحفظ.
وبالرجوع إلى المادة 12 من هذا القانون نجدها تنص على أنه: “يجب أن تحرر جميع التصرفات المتعلقة بنقل الملكية المشتركة أو إنشاء حقوق عينية عليها أو نقلها أو تعديلها أو إسقاطها بموجب محرر رسمي أو محرر ثابت التاريخ يتم تحريره من طرف مهني ينتمي إلى مهنة قانونية ومنظمة يخولها قانونها تحرير العقود وذلك تحث طائلة البطلان”.
تصرح هذه المادة بوجوب توثيق جميع التصرفات التي تحري على الملكية المشتركة كتابة، وتركت الباب مفتوحا أما طريقة هذه الكتابة إما أن تجري في محرر رسمي وإما أن تجري في محرر ثابت التاريخ.
إن التقدم الذي يسجل لهذا القانون هو أنه وإن أبقى على المحررات الثابتة التاريخ منتجة في العملية التوثيقية إلا أنه لم يسمح بالفوضى والتسيب الذي كان يطبع قطاع التوثيق العرفي، فقصر هذا القانون تحرير المحررات الثابتة التاريخ على لائحة من المهنيين المقبولين لتحرير العقود، يحددها وزير العدل سنويا. وسنعود إلى هذه النقط في أوانها مستنيرين.بما جاء في المادة 4 من مدونة الحقوق العينية.
خامساً: مركز توثيق التصرفات العقارية في القانون 51-00 المتعلق بالإيجار المفضي إلى تملك العقار([21]).
من أهم الأهداف التي سعى هذا القانون إلى تحقيقها، هو إيجاد آلية جديدة تساعد على ولوج شريحة من المواطنين ذوي الدخل المحدود إلى ملكية العقار عبر أداء عن البيع في شكل أقساط متفق عليها بالتراضي بين البائع والمكتري المتملك الذي ينتفع بالعقار إلى حين حلول أجل الملكية.
يطبق هذا القانون على العقارات المنجزة والمعدة للسكني حسبما نصت عليه المادة الأول منه ومن ثم فإنه لا يطبق على العقارات المخصصة للصناعة أو التجارة أو الاستعمال المهني([22]).
على غرار ما جاء في كل من القانون 44-00 والقانون 18-00 فقد تبنت المادة 4 من القانون 51-00 تقريبا نفس الصياغة الواردة في القانونين السابقين فنصت على ما يلي: “يجب أن يحرر عقل الإيجار المفضي إلى تملك العقار .بموجب محرر رسمي أو محرر ثابت التاريخ، يتم تحريره من طرف مهني ينتمي إلى مهنة قانونية ومنظمة يخولها قانونها تحرير العقود، وذلك تحت طائلة البطلان”.
وتجدر الإشارة إلى أن العقل المشار إليه أعلاه ينبغي أن يوثق في محرر رسمي أو محرر ثابت التاريخ بداية ونهاية، سواء تعلق الأمر بعقل الإيجار المفضي إلى تملك العقار أو بالبيع النهائي الخاص بالإيجار المفضي إلى تملك العقار، وقد نصت المادة 16 على هذه المقتضيات بقولها: “لا يتم إبرام عقد البيع النهائي إلا بعد أداء المبلغ المتبقي من ثمن البيع المتفق عليه في عقد الإيجار المفضي إلى تملك العقار.
يبرم العقد وفق الكيفية التي تم إبرام عقد الإيجار المفضي إلى تملك العقار كما هو مبين في المادة 4 من هذا القانون”.
وقد سلك هذا القانون نفس المسلك الذي سلكه كل من القانون 44-00 والقانون 18-00 فأبقى على ازدواجية التوثيق بين المحرر الرسمي والمحرر الثابت التاريخ، كما قصر بدوره تحرير المحررات الثابتة التاريخ على المنتمين إلى مهنة قانونية يخول لها قانونها تحرير العقود، وأن وزير العدل سيحدد سنويا قائمة لائحة هذه المهن.
ولنا عودة إلى هذه النقط مستحضرين مقتضيات المادة 4 من مدونة الحقوق العينية.
المطلب الثاني: مركز توثيق التصرفات العقارية في قانون خطة العدالة وقانون التوثيق ومدونة الآوقاف ومدونة الحقوق العينية.
أولا: مركز توثيق التصرفات العقارية في قانون خطة العدالة وقانون التوثيق
إن قانون خطة العدالة وقانون التوثيق هما قطب الرحى الذي تدور عليه عملية توثيق التصرفات العقارية، حيث إن أحكام القانونين تصب كلها في إطار إحاطة العملية التوثيقية بسياج منيع من ضمانات الضبط والأمن والثقة والمحافظة على مصالح بيع الأطراف المتدخلين في العملية التوثيقية، وذلك من خلال ما ضمنه المشرع في كل من القانونين من أحكام تخص كلا من العدل والموثق، وشكليات وكيفيات إجراء العملية التوثيقية بشكل عام. ومن ثم فإن كل القوانين التي تؤطر العقار إلا وتنص بشكل أو بآخر على الرسمية في توثيق التصرفات العقارية ابتداء وإن لم تغلق المحال أمام التوثيق بالمحررات الثابتة التاريخ.
ولابد من التذكير في هذا المقام أن الساحة التوثيقية الرسمية قد تعززت مؤخرا بمستجدات هامة جاء جاء بها قانون التوثيق 09-32، والتي حاول فيها المشرع تجاوز المعوقات التي كان يعرفها تطبيق القانون الملغي والذي كان يعود إلى 1925، وهذه المستجدات عديدة ليس هذا مكان تقييم كل منها على حدة([23])، ولكن يمكن القول إجمالاً إنها استجابت لمتطلبات الأمن القانون والقضائي، وتلافت كثيرا من السلبيات التي أفرزتها الممارسة العملية لقانون 1925 الملغي ([24])، كما استجابت في عمومها لكثير من المطالب الوطنية بخصوص قانون التوثيق ومغربته وضبط عملية الولوج إليه بكل مرونة وشفافية، وإعادة تنظيمه وهيكلته على أسس وطنية واضحة المعالم، ورفض كل هيمنة عليه من أية جهة أو لوبيات معينة، كما راعت ما كان يعتمل في الساحة القانونية من جدل وسجال ونقاش فقهي وقانون وقضائي بشأن هذا التوثيق وهويته وما له وما عليه.
إن الحديث عن مركز توثيق التصرفات العقارية في قانون خطة العدالة وقانون التوثيق هو حديث ذو شجون؛ لأن توثيق هذه التصرفات توجد في قلب هذين القانونين؛ بل هما المدار الذي تدور عليه العملية التوثيقية بالطريقة الرسمية برمتها. ولنا عودة إلى هذين القانونين.بمناسبة الضمانات التي توفرها المحررات الرسمية.
ثانيا: مركز توثيق التصرفات العقارية في مدونة الأوقاف([25]).
لقد خصت مدونة الأوقاف العدول وحدهم بتلقي الإشهاد على الوقف، وهذا هو الأصل، والاستثناء هو أنه إذا تعذر تلقى هذا الإشهاد من العدول فإنه يكتفي بوثيقة الوقف الموقعة من قبل الواقف شريطة أن يكون مصادقا على صحة توقيعها طبقا للقانون. هذا ما صرحت به المادة 25 من مدونة الأوقاف، وزادت في فقرتها الثالثة. أنه: يجب على قاضي التوثيق أن يبعث نسخة من المحرر المتضمن للوقف، أيا كان نوعه، عند مخاطبته عليه إلى إدارة الأوقاف، مصحوبة بالوثائق المثبتة، وعلى أبعد تقدير داخل أجل ثمانية أيام من تاريخ المخاطبة.
هذا على مستوى إنشاء الوقف، أما على مستوى إثباته فقد نصت المادة 48 على أنه: ” يمكن إثبات الوقف بجميع وسائل الإثبات. وتعتبر الحوالات الحبسية حجة على أن الأملاك المضمنة بها موقوفة إلى أن يثبت العكس.
وإذا كانت القاعدة العامة أن العقارات المحبسة غير قابلة للتفويت، فإن إمكانية بيعها أو معاوضتها قد أجازته المدونة، حيث أجازت بيعها على أن يشترى بذلك الثمن عقار آخر بدلا عنه([26])، وإن كانت هذه العملية بيعا في الحقيقة، فقد سمتها المدونة بـ “المعاوضة النقدية”([27]) كما أجازت المدونة معاوضة عقارات الأحباس المحبسة حبسا عاما بعقارات أخرى بدلاً عنها، وسمت هذه العملية بـ”المعاوضات العينية”([28]).
وتجدر الإشارة إلى أن هذه المعاوضات تتم بناء على مبادرة من إدارة الأحباس أو بناء على طلب كتابي من الشخص الذي يريد أن يجري المعاوضة([29])، ويقدم هذا الطلب إلى وزارة الأوقاف عن طريق النظارة التي يقع العقار في دائرة نفوذها.
ولحمة الكلام عندنا فيما يتعلق بمركز توثيق التصرفات العقارية في مدونة الأوقاف هو أن المادة 75 منها نصت بالحرف على أنه: “يجب أن يضمن عقد المعاوضة العينية في محرر رسمي”.
وهو نفس المنحنى الذي تبنته كل من المادة 115 فيما يتعلق بالمعاوضة التي تجري على الوقف المعقب والمادة 129 فيما يتعلق بالوقف المشترك([30]).
ثالثاً: مركز توثيق التصرفات العقارية في مدونة الحقوق العينية
صدرت مدونة الحقوق العينية بتاريخ 25 من ذي الحجة 1432 (22 نوفمبر 2011)، ونشرت بالجريدة الرسمية بتاريخ 27 ذو الحجة 1432 (24 نوفمبر 2011).
ودخلت حيز التنفيذ بتاريخ 24 ماي 2012 ([31]) وهي بذلك تعد زمنيا آخر النصوص القانونية الحديثة المتعلقة بالعقار. فإلى أي حد أن نردد على لسان حال هذه المدونة في مجال توثيق التصرفات العقارية قول الشاعر:
إني وإن كنت الآخر زمانه * * * لآت بما لم تأت به الأوائل؟
وهل تستطيع مدونة الحقوق العينية أن تسد الثغرات التي كانت تعتري التشريع المغربي عامة، وفي مجال العقار وما يتعلق به من حقوق وتصرفات جارية عليه خاصة؟.
إن الذي دعاني إلى طرح هذه الأسئلة هو أن آمالا عريضة كانت معقودة على هذه المدونة لحل كثير من الإشكالات، وتجاوز العديد من المعيقات التي عرفتها الممارسة التطبيقية للمقتضيات التشريعية المؤطرة للعقار، لا سيما وقد عرف المغرب – شأنه باقي الدول- عدة متغيرات وتحولات اجتماعية واقتصادية وثقافية وتطورات متلاحقة، غذتها التأثيرات الكبيرة التي أفرزتها العولمة، وكان طبيعيا أن ينعكس ذلك كله على الميدان العقاري بالمغرب.
وقد كان من جملة المشاكل التي يتخبط فيها العقار، المشاكل المرتبطة بتوثيق التصرفات العقارية، التي عرفت تسيبا وفوضى عارمة فيما يتعلق بتحرير التصرفات الجارية على العقار، ولا سيما على مستوى تحرير المحررات العرفية، وإن كانت بعض القوانين كما أشرنا إليه أعلاه حاولت التقليل ما أمكن من هذا التسيب، وذلك بالنص على أن بعض التصرفات ينبغي تحريرها في محررات رسمية أو محررات ثابتة التاريخ شريطة تحريرها من منتمين إلى مهنة قانونية ومنظمة يخولها قانونها تحرير العقود، وذلك تحث طائلة البطلان، وأنه في كل سنة تحدد لائحة من المهنيين المقبولين لتحرير العقود.
إن ما نصت عليه هذه القوانين في نظرنا يبقي محدودا: لأنه يتعلق بأنواع خاصة من العقار (بيع العقار في طور الإنجاز، الملكية المشتركة، الإيجار المفضي إلى تملك العقار). يضاف إلى ذلك المشاكل التي نجمت عن ممارسة المقتضيات القانونية التي جاءت بهذه القوانين فيما يتعلق بمن له صلاحية تحرير المحررات العرفية، فحسب علمي لحد الآن قوائم المهن المسموح لها بتحرير المحررات الثابتة التاريخ كما وعد بذلك.
وأمام هذه الانتظارات وهذه المشاكل المشار إلى بعض منها أعلاه، لم يجد مشرع مدونة الحقوق العينية بدا من حسم الأمر بقواعد آمرة فنص في المادة 4 من المدونة على أنه: “يجب أن تحرر – تحت طائلة البطلان- جميع التصرفات المتعلقة بنقل الملكية أو بإنشاء الحقوق العينية الأخرى أو نقلها أو تعديلها أو إسقاطها. بموجب محرر رسمي، أو بمحرر ثابت التاريخ يتم تحريره من طرف محام مقبول للترافع أمام محكمة النقض ما لم ينص قانون خاص على خلاف ذلك.
يجب أن يتم توقيع العقد المحرر من طرف المحامي والتأشير على جميع صفحاته من الأطراف ومن الجهة التي حررته.
تصحح إمضاءات الأطراف من لدن السلطات المحلية المختصة ويتم التعريف بإمضاء المحامي المحرر للعقد من لدن رئيس كتابة الضبط بالمحكمة الابتدائية التي يمارس بدائرتها”.
وتجدر الإشارة إلى أن مقتضيات مدونة الحقوق العينية تسري على الملكية العقارية والحقوق العينية ما لم تتعارض مع تشريعات خاصة بالعقار، كما أن مقتضيات ظهير الالتزامات والعقود تطبق في ما لم يرد به نص في المدونة، فإن لم يوجد نص فيه فإنه يرجع إلى الراجح والمشهور وما جرى به العمل من المذهب المالكي كما نصت على ذلك المادة الأولى من مدونة الحقوق العينية.
وقد أبقت هذه المادة على الازدواجية في توثيق التصرفات العقارية بين المحررات الرسمية والمحررات الثابتة التاريخ، إلا أن الجديد في هذه المسألة هو أن تحرير المحررات الثابتة التاريخ أصبح مقصورا على المحامين المقبولين للترافع أمام محكمة النقض، بشروط محددة في الفقرة الثانية من المادة 4 أعلاه. فلم يعد هناك مجال لمهنيين آخرين ولا إلى لائحة يحددها وزير العدل وغيره. وهذا ما سنناقشه في المبحث الموالي.
المبحث الثاني: توثيق التصرفات العقارية عن طريق المحررات الرسمية والمحررات الثابتة التاريخ.
نتناول في هذا المبحث الحديث عن توثيق التصرفات العقارية عن طريق المحررات الرسمية وضماناتها (مطلب أول) وعن توثيق التصرفات العقارية عن طريق المحررات الثابتة التاريخ بين مدونة الحقوق العينية والتشريعات الخاصة الأخرى (مطلب ثان).
المطلب الأول: توثيق التصرفات العقارية عن طريق المحررات الرسمية وضماناتها.
إن المتمعن في النصوص القانونية الق أشرنا إليها أعلاه يلحظ أن المشرع قد سار فيها سيراً حثيثا نحو وجوب تحرر جميع التصرفات العقارية كتابة، وتوثيق هذه التصرفات بشكل رسمي في المقام الأول، وبشكل عرفي في المقام الثاني، كما يلاحظ أن المشرع كان يجنح إلى الرسمية بشكل عام والحد من العقود العرفية والتضييق من مجالها قدر المستطاع في المجال العقاري، ويتجلى هذا المنحى من خلال النصوص المنظمة لبعض أنواع العقارات، والتي حوت عدة مقتضيات تتعلق برسمية العقود وقد أشرنا إلى هذه المقتضيات أعلاه.
والسؤال المطروح هو ما الحامل للمشرع المغربي على سلوك هذا المنحى؟.
إن الجواب عن هذا السؤال سيتم من خلال الحديث عن المشاكل والأخطار الناجمة عن التوثيق العرفي (فرع أول) والضمانات الق يوفرها التوثيق الرسمي (فرع ثان).
الفرع الأول: المشاكل والمخاطر الناجمة عن التوثيق العرفي
يمتاز التوثيق العرفي بالبساطة وبتكريس مبدأ حرية التعاقد، ورغم ذلك فإنه يطرح عدة مشاكل على مستوى الواقع العملي؛ إذ ليس كل من يتصدى لتحرير المحررات العرفية يتوفر على المؤهلات والشروط المطلوبة للتحرير من خبرة وكفاءة وتكوين قانوني، مما قد يولد محررات عرفية معيبة ومحرفة لعدة حقائق ولوضعية قانونية يصعب على المحافظ العقاري تسجيلها بالرسم العقاري. فبعض العقود العرفية قد تتحول إلى مصدر لمشاكل لا حصر لها ومنازعات قضائية طويلة الأمد؛ بل إن منها ما قد يعرض حقوق المتعاقدين للضياع في كثير من الأحيان.
كما أن التسيب والفوضى الذي يعرفه ميدان التوثيق العرفي أفرز مجموعة من الظواهر كالنصب والاحتيال في مجال الملكية والعقارية والتي تتم بواسطة عقود عرفية تم تحريرها من طرف مدلسين لا يقدرون مسؤولية ما يقومون به، لأن المحررين للمحررات العرفية لا يتحملون مسئولية الأخطاء التي يرتكبونها..
كما قد ينجم عن التوثيق العرفي التهرب أو التملص من أداء الرسوم والضرائب المتطلبة؛ مما يرتب على ذلك جزاءات مقررة عن التأخير في دفع الرسوم والضرائب.
ولعل هذا من جملة المبررات التي استعملها بعض المهنيين في الدعوة والمطالبة بفرض الرسمية على العقود العقارية، وقد أيدهم بعض الفقه؛ بحجة حماية المتعاقدين من أخطار العقود العرفية ([32])، وقد أثارت هذه الدعوات احتجاجات وانتقادات من طرف كل الفئات التي تمارس تحرير العقود العرفية في الميدان العقاري، وعارضت بشدة فرض رسمية العقود، وهذه المعارضة كانت مبنية في الغالب على الجانب الاجتماعي وأحيانا على الجانب المصلحي ([33]).
وفي إطار حرص المشرع على ضبط العملية التوثيقية للعقار والموازنة – قدر الإيمان- بين المصالح العامة والخاصة بين هذه الدعوات والانتقادات والاحتجاجات، سار بخطى تدريجية حثيثة نحو رسمية توثيق التصرفات العقارية، وسمح في الوقت نفسه بمكنة الترخيص لبعض المهنيين بناء على معايير محددة، وقد تبلور ذلك في قوانين الأصفار (44-00و 18-00و 51-00) التي مرت معنا أعلاه، حيث إنها تنص كلها حرفيا على قاعدة واحدة يمكن تلخيصها كالآتي: إن العقود المتعلقة بنقل الملكية أو بإحدى الحقوق العينية أو المرتبطة بها هي إما عقود رسمية (يحررها العدول أو الموثقون) أو عقود ثابتة التاريخ يحررها من هو مؤهل قانونا لتحريرها (محامون ولائحة المهنيين بقرار وزيري).
ولم يقف المشرع عند هذا الحد في ضبطه للتوثيق العرفي؛ بل بحده في مدونة الحقوق العينية كان أكثر جرأة في الأخذ برسمية العقود المنصبة على العقار وعلى كثير من الحقوق العينية، حيث اشترط رسمية العقود لبعض التصرفات العقارية كالعمرى (المادة 106) والرهن الحيازي (المادة 147) والمغارسة (المادة 268) والحق العيني المترتب عن المغارسة (المادة 272) والهبة (المادة 274) والصدقة (المادة 291). وقد اعتبر هذا الأمر هاما وإيجابيا؛ لما يوفره من ضمانات ومن أمن قضائي وقانوني ومن استقرار في المعاملات، غير أنه لوحظ أن المشرع لم يعمم هذا الإجراء، ولم يذهب إلى أبعد مدى في إقرار رسمية كل العقود المتعلقة بالمعاملات العقارية، حيث يمكن أن يكون المحرر رسميا كما يمكنه أن يكون محررا في محرر ثابت التاريخ يحرره محام وفق الشروط المنصوص عليها في المادة 4 من مدونة الحقوق العينية.
فمدونة الحقوق العينية ضيقت باب الولوج إلى التوثيق العرفي إل أقصى الحدود، وحصرت بل قصرت حق تحرير المحرر الثابت التاريخ على المحامين المقبولين للترافع أمام محكمة النقض دون باقي المهنيين المنتمين إلى مهن قانونية منظمة، والتي يتولى تحديد لائحتها سنوياً وزير العدل، وقد أضيف إليه وزى الفلاحة والتنمية القروية والوزير المنتدب لدى الوزير الأول، كما ورد في المراسيم التطبيقية هذه القوانين.
وأعتقد أن المشرع بالإضافة إلى المبررات والمسوغات التي تمت الإشارة إليها أعلاه، نحى نحو الرسمية في توثيق التصرفات العقارية ؛ لاقتناعه بأهمية الكتابة الرسمية في الحد من المنازعات بين الأفراد في المجال العقاري؛ ولما يوفره هذا النوع من التوثيق من ضمانات سواء كان بواسطة العدول أو الموثقين؛ ويتجلى ذلك في الضمانات المشترطة فيمن يقوم بتحرير المحرر الرسمي (العدول أو الموثق) أو الضمانات المتبلورة على مستوى الوثيقة الرسمية ذاتها.
هذه الضمانات سنقف عند بعضها حسب ما يسمح به المكان والإمكان في الفرح الموالي:
الفرع الثاني: الضمانات التي يوفرها التوثيق الرسمي للتصرفات العقارية
هذه الضمانات يمكن توزيعها بين الضمانات المتعلقة بمحرر المحرر الرسمي سواء كان عدلا أو موثقا وبين الضمانات المتعلقة بالمحرر الرسمي ذاته سواء حرره العدول أو الموثقون (ب).
أ- الضمانات المتعلقة بالعدل والموثق لتحرير المحرر الرسمي لتوثيق التصرفات العقارية:
إن هذه الضمانات كثيرة ومتعددة، نقتصر منها في هذا المقام على ما يتعلق بشروط الترشح للمهنة من أخلاق وكفاءة ومؤهلات علمية، وما يتعلق بالواجبات الملقاة على عاتق كل من العدل والموثق.
- شروط المرشح لمهنة العدالة: تعتبر خطة العدالة محوراً أساسيا في المنظومة القضائية، هدفها الأساسي توثيق الحقوق والمعاملات الق تمكن القضاء من فض النزاعات والفصل في الخصومات، بالإضافة إلى المساهمة في التنمية العقارية والاجتماعية وتحصيل الموارد وضبط الواجبات المفروضة على المعاملات العقارية وغيرها كما جاء في ديباجة القانون 16.03 المتعلق بحطة العدالة، ونظرا لمكانة هذه الخطة فإنه يشترط فيمن يترشح لها مجموعة من الشروط تم النص عليها المادة 4 من القانون المذكور، منها ما يلي:
- أن يكون مسلما مغربيا مع مراعاة قيود الأهلية المشار إليها في قانون الجنسية المغربية؛
- أن يكون متمتعا بحقوقه الوطنية وذا مروءة وسلوك حسن؛
- ألا يكون قد حكم عليه من أجل جناية مطلقا أو بحبس منفذ أو موقوف التنفيذ من أجل جنحة تتعلق بالأموال؛
- ألا يكون مشطبا عليه بقرار تأديبي يمس شرف المهنة أو الوظيفة المشطب عليه منها؛
- أن ينجح في مباراة تنظم لولوج الخطة ما لم يعفه القانون منها.
أما عن المؤهلات العلمية فقد نصت عليها المادة 6 وهي أن يكون من حملة الإجازة المحصل عليها المغرب من إحدى كليات الشريعة أو اللغة العربية أو أصول الدين أو الآداب فرع الدراسات الإسلامية أو الحقوق فرع القانون الخاص أو العام.
هذا بالنسبة للفئات التي نص المشرع المغربي على ضرورة اجتيازها للمباراة والتمرين والامتحان المهني، أما الفئات المعفاة من ذلك فتتمثل في قدماء القضاة وقدماء العدول الذين انقطعوا عن ممارسة المهنة وكل بشروط محددة. أما الفئات المعفاة من المباراة ومن الامتحان المهني مع وجوب قضاء فترة تمرين لمدة 3 أشهر بمكتب عدلي، فتشمل بعض قدماء القضاة الذين لم يزاولوا مهام التوثيق، وحملة شهادة العالمية المسلمة من جامعة القرويين، وحملة الدكتوراه من دار الحديث الحسنية أو من إحدى كليات الشريعة أو اللغة العربية أو الدراسات الإسلامية أو الحقوق أو ما يعادلها.
أما المنتدبون القضائيون السابقون الذي قضوا بهذه الصفة مدة 10 سنوات فيعفون من المباراة مع قضاء فترة التمرين واجتياز الامتحان المهني، وهذا ما نصت عليه المادة 9.
شروط الترشح لمهنة التوثيق: نصت المادة 3 من قانون التوثيق على أنه ينبغي أن تتوفر في المرشح لمهنة التوثيق مجموعة من الشروط نقتطف منها في هذا المقام ما يلي:
- أن يكون مغربيا مع مراعاة قيود الأهلية المشار إليها في قانون الجنسية المغربية([34])؛
- أن يكون حاصلا على الإجازة في الحقوق من إحدى كليات الحقوق المغربية أو ما يعادلها([35])؛
- أن يكون متمتعا بحقوقه الوطنية والمدنية وذا مروءة وسلوك حسن([36]).
- أن يكون غير محكوم عليه من أجل جناية أو جنحة، باستثناء الجنح غير العمدية، ولو رد اعتباره؛
- غير صادر في حقه في إطار الوظيفة العمومية أو المهن الحرة عقوبة نهائية تأديبية أو إدارية بالإقالة أو التشطيب أو العزل أو الإحالة على التقاعد أو سحب الإذن أو الرخصة؛
- غير محكوم عليه بإحدى العقوبات المتخذة ضد مسيري المقاولة المنصوص عليها في القسم الخامس من الكتاب الخامس من مدونة التجارة، ولو رد اعتباره؛
- قد اجتاز بنجاح مباراة الانخراط في مهنة التوثيق([37]).
كما تجدر الإشارة إلى ما جاء في المادة الثانية من قانون التوثيق فيما يتعلق بالجانب الأخلاقي وهو كالتالي:”يتقيد الموثق في سلوكه المهني بمبادئ الأمانة والنزاهة والتجرد والشرف وما تقتضيه الأخلاق الحميدة وأعراف وتقاليد المهنة”.
صفوة القول: إن الشروط المشار إليها أعلاه إذا توفرت فإنها تشكل ضمانة قوية تبعث على الثقة والاطمئنان والأمان فيمن يتصدى لتحرير المحررات الرسمية عدلاً كان أم موثقا.
الواجبات الملقاة على عاتق كل من العدل والموثق.
إن الواجبات الملقاة على عاتق كل من العدل والموثق -كل في إطار مهنته- متعددة نقتصر في هذا المقام على ما له علاقة مباشرة بتوثيق التصرفات العقارية وذلك على الشكل التالي:
- وجوب تحلي العال بالأمانة والوقار والحفاظ على شرف المهنة والإخلاص في مهامه وكتمان السر المهني أثناء تأدية واجبه كما صرحت بذلك المادة 2 من القانون 03-16 بقولها: “يتعين على عدل عدل التحلي بالأمانة والوقار والحفاظ على شرف المهنة وأسرار المتعاقدين”.
- يتعين على العدل أن يسلك مسلك العدل المخلص الأمين كما هو صريح القسم الذي يردده بعد ترسيمه (المادة 10).
- يتعين على العدل أن يفتح لكل شهادة ملفا خاصا مرقما يضم المستندات الإدارية اللازم حفظها بمكتبة (المادة 21).
وباقي الواجبات الأخرى الملقاة على كاهل العدل مبسوطة في المواد من 12 إلى 21. أما ما يمنع عنه وها لا يمنع فمنصوص عليه في المواد من 23 إلى 26.
ومن واجبات الموثق حسب ما حاء في قانون التوثيق أنه: يلزم بالمحافظة على السر المهني ماعدا إذا نص القانون على خلاف ذلك، ويقع نفس الإلزام على المتمرنين لديه وأجرائه حسبما نصت عليه المادة 24 من نفس القانون.
ومن الواجبات الهامة التي يلزم بها الموثق هي الالتزام بتبصير الزبون، حيث جاء في المادة 37 أنه: “يجب على الموثق إسداء النصح للأطراف كما يجب عليه أن يبين لهم ما يعلمه بخصوص موضوع عقودهم وأن يوضح لهم الأبعاد والآثار التي قد تترتب عن العقود التي يتلقاها”.
كما يتحمل الموثق مسؤولية الأضرار المترتبة عن أخطائه المهنية والأخطاء المهنية للمتمرنين لديه وأجرائه وفق قواعد المسؤولية المدنية ويلزم كل موثق بالتأمين عن هذه المسؤولية (المادة 26)؛ بل ويتحمل الموثق مسؤولية كل ما يضمنه في العقود والمحررات من تصريحات وبيانات يعلم مخالفتها للحقيقة أو كان بإمكانه معرفتها أو العلم بها (المادة 27).
أما عن بقية الواجبات وما يجب على الموثق وما يمنع عليه، فقد أسهبت في ذكرها المواد من 25 إلى 34 من قانون التوثيق، فمن تاقت نفسه إليها فليراجعها في محلها.
ولا يسع مقام هذا البحث ذكر كل الضمانات التي طرق بها المشرع من يتصدى لتحرير المحرر الرسمية سواء كان من العدول أو الموثقين، وما اقتصرنا عليه أعلاه من الضمانات، يعتبر غيضاً من فيض، وهي كلها ضمانات تبعث على الثقة والاطمئنان والأمن والأمان، مما يشكل ضمانات قوية ودعامات أساسية لعملية التوثيق الرسمية للتصرفات العقارية عن طريق العدول والموثقين.
ب– الضمانات المتعلقة بالمحرر الرسمي لتوثيق التصرفات العقارية:
تعتبر المحررات الق يحررها العدول أو الموثقون محررات رسمية([38])، وحججا قاطعة لا يطعن فيها كأصل عام إلا بالزور([39]). وهذه من الضمانات الهامة التي تضاف التي بقية الضمانات الأخرى الكثيرة والمتنوعة، ونقتصر منها في مقامنا هذا على ما تمس الحاجة إليه، وهذه الضمانات تتمثل في ضوابط تحرير المحرر الرسمي وفق ما ينص عليه القانون، سواء على مستوى الضوابط التي ينبغي أن تكتب وتحرر وفقها المحررات الرسمية التي تصدر عن العدول، وكذا التي تصدر عن الموثقين وفق ما يتطلبه القانون بشكل عام، ووفق الضوابط التي يتطلبها قانون كل من خطة العدالة وقانون التوثيق، وهذه الضوابط مبسوطة في كل من قانون خطة العدالة وكذا قانون مهنة التوثيق، كل في محله، بداية من مرحلة تأسيس المحرر إلى أن يستوي على سوقه يعجب الزراع.
فبالنسبة للمحرر العدل يبدأ بالتلقي والأصل فيه أن يكون ثنائيا من العدلين، والاستثناء أن يكون فرديا كما نصت على ذلك المادة 27، ويجب على العدول عند التلقي التقيد بحدود الاختصاص المكاني داخل دائرة المحكمة المنتصبين فيها.
وتكتب الشهادة وجوبا باللغة العربية وينص فيها على اللغة الأجنبية أو اللهجة التي تم بها التلقي إذا تعلق الأمر بغير لغة الكتابة (المادة 30).
وزيادة في ضمانات المحرر العدلي اشترط القانون وجوب اشتماله على الهوية الكاملة للمشهود عليه، وحقه في التصرف في المشهود فيه، وكونه يتمتع بالأهلية القانونية لهذا التصرف، فضلا عن تعيين المشهود فيه تعيينا كافيا، كما نصت على ذلك المادة 31.
وعند تحرير الوثيقة العدلية، فإنه يجب على العدول أن يقوموا بذلك وفقا لإرادة الأطراف المتعاقدة، ويجب تحرير الشهادة في وثيقة واحدة دون انقطاع أو بشر أو إصلاح أو إقحام أو إلحاق أو تشطيب أو استعمال حرف إضراب.
تذيل الوثيقة بتوقيع عدليها مقرونا باسميها مع التنصيص دائما على تاريخ التحرير، كما تنص على ذلك المادة 33.
كما تخضع الوثيقة العدلية لرقابة القاضي المكلف بالتوثيق، حيث يخاطب هذا الأخير على الشهادات بعد إتمام الإجراءات اللازمة، والتأكد من خلوها من النقص، وسلامتها من الخلل، وذلك بالإعلام بأدائها ومراقبتها، كما يتعين عليه ألا يخاطب على الشهادات الخاضعة لواجبات التسجيل إلا بعد تأديتها. ولا تعتبر الوثيقة تامة إلا إذا كانت مذيلة بخطابه، حسب مقتضيات المادة 35 من قانون خطة العدالة([40]).
وبالنسبة للمحرر الذي يصدر عن الموثق فتتجلى ضماناته في ضوابط تحريره وما ينبغي أن يحتوي عليه هذا المحرر من بيانات موضوعية أو شكلية أو إجراءات تصاحب تحريره، وقد تم النص على ذلك كله بتفصيل في قانون التوثيق في مجموعة من المواد (من المادة 36 إلى المادة 44)([41]) أما عن حفظ العقود وتسليم النظائر والنسخ وما إلى ذلك، فقد تم النص عليه في المواد (من 50 إلى 58)([42]).
يضيق مجال الحديث عن كل هذه المقتضيات؛ لاسيما والحديث عن الضمانات التي توفرها المحررات الرسمية سواء الصادرة عن العدول أو الموثقين حديث ذو شجون، ويصعب التفصيل والوقوف في مثل هذا المقام عن كل ضمانة من الضمانات على حدة في مقال محدد الصفحات([43])، وكل ما يمكن القول بشأنها إجمالاً هي أنها ضمانات هامة وقوية تحصن العملية التوثيقية بحصن حصين وحرز متين يقيها ويدفع عنها غوائل الزيغ وعوامل التدليس والتحايل وعدم الضبط، ضمانات تحيط العملية التوثيقية بسياج آمن من الضوابط والشكليات والإجراءات توفر للعملية أسباب الأمن الأمان والثقة والاطمئنان، وتضفي الحماية وتبسطها على مختلف الأطراف المتدخلين في العملية التوثيقية، ويكفل للجميع الحقوق والواجبات وفق ما يقتضيه القانون؛ وبذلك استحقت هذه المحررات الرسمية أن ترتقي إلى معارج الحج القاطعة التي لا يطعن فيها إلا بالزور حسبما ينص على ذلك الفصل 419 من ق. ل. ع ولعل هذا يفسر الثقة والمكانة التي يحظى بها المحرر الرسمي في العملية التوثيقية.
بقيت الإشارة إلى أن توثيق التصرفات العقارية فيما يتعلق بقوانين الاصفار ( 44-00و 18-00و 51-00) سواء كانت عن طريق المحررات الرسمية أو المحررات الثابتة التاريخ، اشترطت هذه القوانين أن تتضمن بيانات محددة وفق ما هو منصوص عليه فى الفصل 318-3 من ق.ل.ع .بموجب القانون44-00 المتعلق ببيع العقار في طور الانجاز، وحسب المادة 7 من القانون 51-00 المتعلق بالإيجار إلى تملك العقار.
فالملاحظ بهذا الشأن أن المشرع من خلال المثالين أعلاه أصبح يقر قواعد آمرة تستعيض عن إرادة الأطراف، من خلال قائمة البيانات الواجب إدراجها في العقد، ولعل هذا ناجم عما يحف توثيق هذا النوح من التصرفات من خطورة، وما قد ينجم عن ذلك من نزاعات تثقل كاهل القضاء، وبهذه التنصيصات حاول المشرع تفادى تلك المشاكل والمخاطر ما أمكن، خصوصاً إذا علمنا أن جل المقبلين على هذا النوع من التصرفات هم من محدودي الدخل، في مجابهة لوبيات العقار من تماسيح بعض المنعشين العقاريين وبعض كبار الملاك، حيث أن كل المقتضيات التي نصت عليها هذه القوانين ترمي وتهدف إلى تجنب الحيف الذي قد يتعرض له المقتني غير المحترف للعقار – والذي يوجد في مركز ضعيف مقارنة مع مركز المنعش العقاري – من جراء عقود الإذعان والشروط التعسفية التي قد يفرضها عليهم كبار المنعشين العقاريين.
المطلب الثاني: توثيق التصرفات العقارية عن طريق المحررات الثابتة التاريخ بين مدونة الحقوق العينية والتشريعات الخاصة الأخرى.
لقد نصت مدونة الحقوق العينية في مادتها الرابعة كما سبقت الإشارة على أنه: “يجب أن تحرر – تحت طائلة البطلان- جميع التصرفات المتعلقة بنقل الملكية أو بإنشاء الحقوق العينية الأخرى أو نقلها أو تعديلها أو إسقاطها بموجب محرر رسمي، أو بمحرر ثابت التاريخ يتم تحريره من طرف محام مقبول للترافع أمام محكمة النقض ما لم ينص قانون خاص على خلاف ذلك”.
والأسئلة المطروحة هي: هل المحامون المقبولون للترافع أمام محكمة النقض هم وحدهم الذين أصبح لهم حق تحرير المحررات الثابتة التاريخ المتعلقة بالتصرفات العقارية حتى في بيع العقار في طور الإنجاز والملكية المشتركة والإيجار المفضي إلى تملك العقار؟ أم أن المهنيين الآخرين المشار إليهم في القوانين السالفة الذكر 44-00 و 18-00و 51-00 يبقى لهم الحق أيضا في تحرير المحررات الثابتة التاريخ المتعلقة بالتصرفات العقارية التي تنظمها هذه القوانين؟.
وهل نسخت أو خصصت أو قيدت المادة 4 من مدونة الحقوق العينية فيما يتعلق بالمحررات الثابتة التاريخ كلا من أحكام المادة 12 من قانون الملكية المشتركة وأحكام الفصلين 618-3 و 618-16 من قانون بيع العقار في طور الانجاز، وأحكام المادتين 4 و 16 من قانون الإيجار المفضي إلى تملك العقار ؟وبالتالي لا تقبل في هذه القوانين إلا المحررات الرسمية التي يحررها الموثقون أو العدول أو المحررات الثابتة التاريخ التي يحررها المحامون وفق الشروط والكيفيات المنصوص عليها في المادة 4 مدونة الحقوق العينية؟.
أعتقد أن الجواب عن هذه الأسئلة وغيرها رهين بالفهم السليم لمدونة الحقوق العينية عموما، وللسياق الذي جاءت فيه كل من المادة الأول والرابعة منها خصوصا، حيث إن الأولى تنص في فقرتها الأولي على أنه: “تسري مقتضيات هذا القانون على الملكية العقارية والحقوق العينية ما لم تتعارض مع تشريعات خاصة بالعقار”.
أما المادة 4 فجاء في فقرتها الأول كما سلفت الإشارة إلى أنه: “يجب أن تحرر – تحت طائلة البطلان- جميع التصرفات المتعلقة بنقل الملكية أو بإنشاء الحقوق العينية الأخرى أو نقلها أو تعديلها أو إسقاطها .بموجب محرر رسمي، أو بمحرر ثابت التاريخ يتم تحريره من طرف محام مقبول للترافع أمام محكمة النقض ما لم ينص قانون خاص على خلاف ذلك”.
فبخصوص هاتين المادتين تطرح الأسئلة التالية: ما المقصود بعبارة: “ما لم تتعارض مع تشريعات خاصة بالعقار” الواردة في الفقرة الأولى من المادة أعلاه؟ وما المقصود بعبارة: “ما لم ينص قانون خاص على خلاف ذلك” الواردة في الفقرة الأولى من المادة 4 أعلاه؟
إن الذي قد يفهم من هاتين العبارتين، هو أن أحكام مدونة الحقوق العينية تبسط رداءها على مختلف أشكال الملكية العقارية الموجودة بالمغرب وما قد ينشأ عنها من حقول عينية، طالما أنها لا تتعارض مع أحكام تشريعات خاصة بنوع من أنواع العقارات بالمغرب وبالحقوق العينية الق تترتب عليها.
ويفهم من ذلك أيضا أن مدونة الحقول العينية لا يمكن تطبيقها على عقارات الأحباس؛ لأن هناك قانون خاص ينظم هاته العقارات ألا وهو مدونة الأوقاف الحالية؛ بل إن هذا ما تؤكده حتى المادة 130 من مدونه الحقوق العينية ([44]). ونفس الشيء يمكن أن يقال في الأنواع الأخرى من العقارات التي تنظمها قوانين خاصة مثل:
- الأملاك العامة المنظمة بظهير 3 يوليوز 1914؛
- الأملاك الخاصة بالدولة المنظمة بظهير 3 يناير 1916م؛
- الأملاك الغابوية المنظمة بظهير 10 أكتوبر 1917؛
- الأراضي الجماعية أو السلالية المنظمة بظهير 27أبريل 1919م.
فمن الواضح أن مدونة الحقول العينية لا تسري على هذه الأنواع من العقارات الق تنظمها هذه القوانين الخاصة.
ولنأخذ نموذجا على سبيل المثال لا الحصر يؤيد الفهم الذي ذهبنا إليه، وهو أن عقد الوقف هو تصرف عقاري ينشئ حقا عينيا على عقار وهو حق الحبس، وقل جاء في المادة 26 من مدونة الأوقاف ما يلي: “يتلقى العدول الإشهاد على الوقف.
وإذا تعذر تلقي هذا الإشهاد، اكتفي استثناء بوثيقة الوقف الموقعة من قبل الواقف مصادقا على صحة توقيعها طبقا للقانون”.
فهذه المادة لم تنص لا على الموثقين ولا على المحامين ولا على غيرهم في توثيق التزام الوقف، وإنما قصرته على العدول؛ نظراً لطبيعة وخصوصية فذا التصرف التبرعي، وفي نفس الوقت فإنه في الحالة التي يتعذر فيها الإشهاد العدلى على الوقف، فإنه يُكتفَى بمحرر عرفي موقع من الواقف ومصادق على توقيعه.
فهذا المحرر لم تحدد المادة 25 من مدونة الأوقاف محرره لا محاميا ولا غيره، فقد يكون الواقف نفس هو المحرر وقد يحرره له أشخاص آخرون وليسوا بالضرورة من أصحاب المهن القانونية المنظمة.
فهذه مقتضيات مخالفه لما ورد بالمادة 4 من مدونه الحقوق العينينة، وهذه المقتضيات قد وردت في قانون خاص وتشريع خاص بالعقار الحبسي، ومن ثم فإن مقتضيات المادة 4 لا تنسحب ولا تطبق على العقارات الحبسية التي تخضع أحكامها إلى مدونة الأوقاف.
والأسئلة المطروحة هي: هل تعتبر قوانين الأصفار: 44- 00 و 18-00 و 51- 00 قوانين خاصة تنظم أنواعاً خاصة من التصرفات التي تقع على أنواع خاصة من الملكيات العقارية التي تخضع لأنظمة خاصة؟ وبالتالي إذا تعارضت مقتضياتها مع مقتضيات مدونة الحقوق العينية، فأنها لا تطبق عليها ولا على التصرفات المتعلقة بها؟.
وهل يعد ما جاء بقوانين الأصفار المشار إليها أعلاه فيما يتعلق بالمؤهلين لتحرير المحررات الثابتة التاريخ يتعارض مع ما ورد بالمادة 4 من مدونة الحقوق العينية بهذا الشأن؟.
ألا يمكن القول إن مدونة الحقوق العينة نص متأخر زمنياً، وقوانين الأصفار قوانين متقدمة زمنيا، وأن المتأخر ينسخ المتقدم؟، لكن ألا يتطلب هذا أن تكون هذه القوانين في نفس المرتبة ومنصبة على نفس الأنواع العقارية حتى يمكن إعمال النسخ؟.
إن لهذه الأسئلة بعض مسوغاتها، خصوصا وقد لوحظ على مدونه الحقوق العينية أنها أطرت فقط موضوع المعاملات العقارية كما هي في ظهير 2 يونيو 1915 الملغي، وتعاملت باحتشام مع المجالات الأخرى كالتعمير والملكية المشتركة وغيرها من النصوص المرتبطة بالعقار، حيث بقيت تقريباً مستبعدة من نطاق تطبيق هذا النص، وبذلك تكون المدونة قد اتخذت موقفاً سلبياً من النصوص الخاصة وتركتها على ما هي عليه وبالتالي فأهمية هذه المدونة تبقى محدودة.
أما الرأي الذي نميل إليه في هذه المسألة فهو ترجيح كفه ما جاء في المادة 4 من مدونه الحقوق العينية والوقوف عند مقتضياتها.
وقد بنينا رأينا هذا على مجموعة من الأمور هي كالتالي:
- المعطيات التي أشرنا إليها أعلاه، والسياق العام والخاص الذي جاءت فيه كل هذه القوانين .مما فيها مدونة الحقوق العينية، كلها توحي بأن المشرع يتجه نحو الرسمية والتضييق من مجال المحررات العرفية.
- ما كان يدور في الساحة من نقاش فكري وسجال وجدال فقهي وقانون بشأن توثيق التصرفات العقارية كان يتبرم من التسيب والفوضى الق يعرفها قطاع التوثيق العرفي في مجال العقار وأن ذلك هو السبب في كثير من المشاكل ومن ثم ينبغي ضبط هذا الوضع وتنظيمه.
- إن اللائحة الموعود بإصدارها في قوانين الأصفار الثلاثة أعلاه لم تصدر إلى حد الساعة؟ مما جعل الرسمية بالنسبة للعقود المنجزة في إطار النصوص المذكورة أعلاه أضحت واقعا معيشا أو تكاد تكون كذلك؟ نظراً لفرض مؤسسات القروض والأبناك استعمال المحرر الموثق بالشكل الرسمي.
خاتمة:
إن العقار هو الأساس والمنطلق للمشاريع الاقتصادية والإنتاجية والإسكانية، وهو المحرك لعجلة التنمية، وإن توثيق التصرفات العقارية يُيَسر تداول العقار بكل أمن وأمان ويضمن حفظ الحقوق لأصحابها.
إن توثيق التصرفات العقارية يرتبط ارتباطا مباشراً بالأمن القانوني والقضائي، وقد سعى المشرع المغربي جاهداً إلى تحقيق هذا الأمن، فعمل على تأطير العقار والتصرفات الجارية عليه بإطار قانون بناه على امتداد قرن من الزمن لبنة لبنة. وقد عمل المشرع في الآونة الأخيرة على تحديث وتجديد تشريعاته العقارية ليؤهلها لمواكبة واستيعاب التحولات والتطورات التي يعرفها العقار بالمغرب وتبلور ذلك من خلال ما يلي:
- تعزيز الساحة القانونية في الآونة الأخيرة بمدونتين هامتين ها: مدونة الأوقاف ومدونة الحقوق العينية في تجربة مغربية خالصة صفق لها الجميع بحرارة.
- تنظيم بعض الأنواع من الملكيات العقارية وبعض التصرفات الجارية عليها كما هو شأن القانون 44- 00 و 18-00 و51-00.
- تعهد بعض التشريعات القديمة بالترميم والتعديل والتتميم لبعض مقتضياتها كشأن التعديلات التي أدخلت على قانون الالتزامات والعقود وقانون التحفيظ العقاري.
- إلغاء قوانين ترجع إلى الحقبة الاستعمارية أظهرت الممارسة العملية أنها لم تعد صالحة لمغرب اليوم، وتعويضها بتشريعات جديدة كما هو شأن قانون التوثيق.
والملاحظ من خلال ما سطرناه أعلاه أن القاسم المشترك يين هذه القوانين هو حماية التصرفات العقارية، والحرص على إجرائها طبقا للقوانين وتوثيقها بالكيفيات المنصوص عليها([45]).
والملاحظ أن المشرع المغربي حسم في توثيق بيع التصرفات العقارية، حيث جعل الكتابة شرطا للانعقاد وحصرها في المحررات الرسمية والمحررات الثابتة التاريخ، وإن كان إلى الرسمية أميل؛ بل ما فتئ يضيق من مجال المحررات الثابتة التاريخ حق قصرها أخيراً على المحامين المقبولين للترافع أمام محكمة النقض وفق مقتضيات المادة 4 من مدونة الحقوق.
وخلاصة القول: إن المشرع المغربي قد نجح إلى حد ما في تجاوز السلبيات التي أفرزتها الممارسة العملية للعديد من المقتضيات القانونية – التي تم تعديلها أو تتميمها أو نسخها وتعويضها-، وفي استيعاب كثير من التحولات التي عرفها العقار، ومازالت تنتظره كثير من التحديات والرهانات لتحقيق الأمن القانون والقضائي بشأن توثيق التصرفات العقارية، فهل سيكسب المشرع المغربي هذه الرهانات بما أعده من تشريعات؟.
إن الجواب عن هذا السؤال سابق لأوانه للاعتبارات التالية:
- إن القوانين مهما كانت مثالية فإنها لا تحقق غاياتها إلا بحسن تتريلها على الواقع وذلك رهين .بمن يقوم هذا التنزيل والتطبيق([46]).
- إن كثيراً من التشريعات المتعلقة بالعقار مازالت حديثة عهد بمجال التطبيق والتنزيل على أرض الواقع([47])، مما لا يسمح بالتنبؤ.بمدى قدرتها على تحقيق هذا الأمن، وأعتقد أن الممارسة العملية ووضعها على محك الواقع هو الكفيل بالجواب عما هو جيد من هذه التشريعات وما يحتاجه منها إلى تعديل أو إصلاح.
وأعتقد من جهة أخرى أنه إذا حسنت النيات وقام الكل بدوره أجهزة وأفرادا فإن هذه القوانين ستكون لها كلمتها في تحقيق الأمن القانون والقضائي المنشود.
وأختم بقولة مشهورة لأبي حنيفة النعمان رحمه الله: “ علمنا هذا جاءنا بأحسن منه قبلنا٥“.
والله الموفق والهادي إلى الصواب.
[1] إن هذا التقسيم هو لاعتبارات إجرائية اقتضتها ضرورة حفظ التوازن بين المطب الأول والمطلب الثاني على مستوى عدد الصفحات. وهو تقسيم لا تتحكم فيا أية مبررات موضوعية
[2] منشور بالجريدة الرسمية عدد، 5054، بتاريخ 7 نوفمبر 2002، ص: 3183
[3] منشور بالجريدة الرسمية عدد 5584 بتاريخ 25 ذو القعدة 1428 (6 ديسمبر 2007)، ص: 3879-3888.
[4] أضيفت هذه المقتضيات بموجب القانون رقم 05-53 المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية الصادر بتنفيذ الظهير الشريف رقم 129.07.1 بتاريخ 30 يونيو 2007، الجريدة الرسمية عدد 5584 بتاريخ 6 ديسمبر 2007، ص 3879-3888.
[5] راجع الفصول من 416 إلى 442 من ق.ل.ع. أنظر د. محمود الكشبور مدى حجية الوثيقة العدلية غير المخاطب عليها، مقال منشور بمجلة المناهج القانونية العدد المزدوج: 15/16 السنة 2011م، ص:15.
[6] نفس الحكم ورد في الفصل 620 من ق.ل.ع وهو وجوب إجراء المعارضة متى كان محلها عقارات أو أشياء يمكن رهنها رهناً رسمياً كتابة وهو ما يفهم من إحالة الفصل 620 على أحكام الفصل 489، ينص الفصل 620 على ما يلي: ” تتم المعارضة بتراضي المتعاقدين إلا أنه إذا كان محل المعارضة عقارات أو أشياء أخرى يجوز رهنها رهناً رسمياً وجب تطبيق أحكام الفصل 489″.
[7] لمزيد من التوسع حول اجتهاد قضاء المجلس الأعلى بشأن طبيعة الكتابة المنصوص عليها في الفصل 489، يرجى الرجوع إلى د. محمد الكشبور، بيع العقار بين الرضائية والشكل، سلسلة الدراسات القانونية المعاصرة رقم 1، مطبعة النجاح، الطبعة الأولى: 1997، ص:59 وما يليها.
[8] للإطلاع على آراء الفقه بتفصيل يرجع إلى: د. إبراهيم فكري، تمام بيع العقار وما يترتب عليه من حقوق وأشياء في ق.ل.ع والتوثيق العصري والتوثيق العدلي في نظر الأصل والاجتهاد القضائي وآراء الفقه الحديث، مقال منشور ضمن أعمال ندوة توثيق التصرفات العقارية، التي نظمها مركز الدراسات القانونية المدنية والعقارية بكلية الحقوق القاضي عياض بمراكش يومي 11و 12 فبراير 2005، سلسلة الندوات والأيام الدراسية العدد 23 الطبعة الثانية، ص: 202 وما يليها.
[9] راجع شأن هذين النصين المرسوم رقم 853-03-2 الصادر في 18 من ربيع الآخر 1425 (7 يونيو 2004) بتطبيق أحكام الفصلين 618-3 و 618، منشور بالجريدة الرسمية عدد: 5222 بتاريخ 17 يونيو 2004، ص: 2640
[10] لم يعرف المشرع المغربي المحرر العرفي رغم أنه قد عرف المحرر الرسمي في الفصل 418 من ق. ل. ع.
وقد عرف د. الكشبور الورقة العرفية بأنها هي التي لا يكتبها أشخاص أو موظفون عموميون لهم صلاحية التوثيق قانوناً، فقد يكون الطرفان أو من ينوب عنهم شريطة توقيعها شريطة توقيعها من المعنيين بالأمر. (بيع العقار بين الرضائية والشكل، مرجع سابق، ص:67 هامش 63)، وعرفها د العلوي العبدلاوي بقوله:”الورقة العرفية هي التي تصدر من ذوي الشأن بوصفهم أشخاصاً عاديين ويوقع عليها أحدهم لأن كون دليلا كتابياً “(د. العلوي العبدلاوي، وسائل الإثبات في التشريع المدلي المغربي، مطبعة فضالة المحمدية، الطبعة الأولى 1977، ص84).
وتقضي مقتضيات الفصل 423 من ق.ل.ع بأن المحرر العرفي هو الذي يكون موقعا من أطراف العلاقة التعاقدية الذين لهم مصلحة في ذلك المحرر، ولكي تنتج الورقة العرفية آثارها القانونية في مواجهة الغير من حيث تاريخها يبغى أن تتوفر فيها ما نص عليه الفصل 425من ق.ل.ع من أن: “المحررات العرفية دليل على تاريخها بين المتعاقدين وورثتهم وخلفهم الخاص حينما يعمل كل منهم باسم مدينه.
ولا تكون دليلا على تاريخها لير مواجهة الغير إلا:
- من يوم تسجيلها سواء كان ذلك في المغرب أم الخارج؛
- من يوم إيداع الورقة بين يدي موظف عمومي…”.
أنظر الشرح المفصل لهذا الفصل عند: د. محمد الكشبور، بيع العقار بين الرضاية والشكلية، مرجع سابق، ص: 76 إلى 95.
[11] لمعرفة كيف بثبت تاريخ الورقة العرفية وفق ما حدده الفصل 425، انظر: د. محمد الكشبور، المرجع السابق، ص: 87 وما يليها.
[12] د عبد الكريم الطالب، توثق الإيجار المفضي إلى تملك العقار، مقال منشور بمنشورات كلية الحقوق مركز الدراسات القانونية المدنية والعقارية مراكش، سلسلة الندوات والأيام الدرامية العدد: 23، أشغال الندوة العلمية الوطنية التي نظمها المركز المذكور بكلية الحقوق بمراكش يومي 11و 12 فبراير 2005، تنسيق د محمد بونبات ود محمد مومن، الطبعة الثانية، ص: 155بتصرف.
[13] خضع ظهير 09رمضان 1331 (12 غشت 1913) المتعلق بالتحفيظ العقاري لمجموعة من التعديلات في فترات متفرقة على امتداد قرابة قرن من الزمن كان أولها سنة 1916 وآخرها سنة 2011 بموجب القانون رقم 14.07 المغير والمتمم للظهير المذكور الصادر بتنفيذه الظهير الشريف المؤرخ في 22 نوفمبر 2011 والذي بموجبه عرف الظهير المذكور تعديلات جوهرية همت لجميع الفصول بدون استثناء مع الاحتفاظ بتاريخية النص وهيكلته.
[14] انظر د. محمد الكشبور؛ التطهير الناتج عن تحفيظ العقار، تطور القضاء المغربي، مطبعة النجاح الجديدة بالدار البيضاء طبعة 2005، ص:15 وما يليها.
[15] يلاحظ أن المشرع قد استبدل لفظة “التسجيل” التي كانت واردة في الفصلين 66و 67 قبل تعديلهما بلفظة “التقييد” بل قيد هذه اللفظة ب “التقيد بالرسم العقاري”، وذلك بعد تعديلهما وتتميمهما بمقتضى القانون 07-14. ويبدو أن المشرع قصد بذلك حسم الخلاف الذي كانت تثيره لفظة “التسجيل” من اختلاف هل المقصود بها التسجيل بإدارة الضرائب أم بالمحافظة العقارية، وبعد هذا التعديل أصبح المقصود واضحا وهو التقييد بالرسم العقاري في المحافظة العقارية. كما أكد ذلك الفصلان 66 و67بعد تعديلهما وتتميمهما.
[16] لمزيد من المعلومات يرجى الرجوع إلى د. محمد مؤمن، مفهوم التسجيل الوارد في الفصل 489 من قانون الالتزامات والعقود، منشور ضمن أشغال ندوة توثيق التصرفات العقارية، مرجع سابق، ص:337.
[17] ينص هذا الفصل على ما يلي: “يتحقق المحافظ على الأملاك العقارية، تحت مسؤوليته، من هوية المفوت وأهليته وكذا من صحة الوثائق المدلي بها للطلب شكلاً وجوهراً” لمزيد من المعلومات حول مفهوم هذا الفصل يرجى الرجوع إلى: د محمد أمفار: تأكد المحافظ على الأملاك العقارية من صحة الوثائق المدلى بها وآثاره على تداول العقارات والحقوق العينية، منشور ضمن أشغال ندوة توثيق التصرفات العقارية، مرجع سابق، ص: 387 وما يليها.
[18] ينص هذا الفصل على أنه: “تعتبر هوية كل طرف وصفته وأهلته محققة إذا استند الطلب على محررات رسمية وتعتبر هويته محققة إذا كانت التوقيعات الموضوعة بالطلب وبالعقود المدلى بها مصادقا عليها من طرف السلطات المختصة”.
[19] ينص هذا الفصل على أنه: “يجب على المحافظ على الأملاك العقارية أن يتحقق من أن التقييد موضوع الطلب لا يتعارض مع البيانات المضمنة بالرسم العقاري ومقتضيات هذا القانون وأن الوثائق المدلى بها تجيز التقييد”.
[20] صدر بشأنه الظهير الشريف رقم 298-02-01 بتاريخ 25 رجب 1423 (3 أكتوبر 2002) بتنفيذ القانون رقم 00-18 المتعلق بنظام الملكية المشتركة للعقارات المبنية منشور في الجريدة الرسمية عدد: 5054 الصادرة بتاريخ 2 رمضان 1423 (7 نوفمبر 2002)، ص: 3175.
[21] صدر بتنفيذه الشريف رقم: 202-03-1بتاريخ: 16 رمضان 1424 (11 نوفمبر 2003) منشور بالجريدة الرسمية عدد: 5172 بتاريخ 25 دجنبر 2003، ص: 4375-4377.
[22] د العربي مياد، الإيجار المفضي إلى التملك، مقال منشور لمجلة القضاء المدني، عدد: 2، السنة 2010، ص: 39
[23] من هذه المستجدات. إحداث معهد التكوين المهني للتوثق (المادة 6). تكوين لجنة لها دور استشاري مكلفة بإبداء الرأي في تعيين الموثقين (المادة 11). إمكانية تنظيم شراكة بين الموثقين (المواد 59 إلى 64) وضع مسطرة دقيقة لإجراء المتابعات التأديبية ضد الموثقين عند الاقتضاء (المواد 72 إلى 93) هيكلة المهنة هيكلة المهنة من خلال إحداث مجلس وطني ومجالس جهوية. (المواد 97 إلى 126). التنصيص على التحرير باللغة العربية وجوبا إلا إذا اختار الأطراف لغة أخرى (المادة 42).
[24] ولعل من أبرز هذه السلبيات أن هذا الظهير كان يفرض على الموثق أن يكون حاملا للجنسية الفرنسية، وأنه يحيل على نصوص فرنسية صادرة في القرن التاسع عشر لم تعد معتمدة حتى في فرنسا نفسها؛ بل إنه يتضمن مقتضيات تمس بهويتنا الإسلامية، زد على ذلك أن الوثائق المنجزة في إطاره كانت تحرر باللغة الفرنسية حيادا على مقتضيات الدستور، انظر بشأن الانتقادات الموجهة لقانون التوثق الملغى. د محمد خيري، تعميم رسمية التصرفات العقارية رهين بتحديث القوانين المنظمة للتوثيق، مقال منشور ضمن أشغال ندوة توثيق التصرفات العقارية، مرجع سابق، ص: 28وما يليها.
[25] مدونة الأوقاف صدر بشأنها الظهير الشريف رقم 1.09.2396 بتاريخ 23 فبراير 2010، منشور بالجريدة الرسمية عدد 5847، بتاريخ 14 يونيو 2010، ص: 3154 وما يليها.
[26] تنص المادة 63 من المدونة على أنه: يمكن معاوضة الأموال الموقوفة وفقاً عاما بمبادرة من إدارة الأوقاف، أو بناء على طلب مكتوب ممن يهمه الأمر، ويجب أن تخصص الأموال المتآتية من معاوضة الأموال الموقوفة وقفاً عاماً لاقتناء بدل عنها أو استثمارها بهدف الحفاظ على أصل الوقف وتنمية مداخلية وفق أحكام المادة 60 أعلاه”.
[27] لمعرفة أحكام هذه المعاوضات النقدية انظر المواد من 63 إلى 71 من مدونة الأوقاف.
[28] لمعرفة أحكام المعاوضات العينية أنظر المواد من 72 إلى 75 من مدونة الأوقاف.
[29] المادة 63 والمادة 73 من مدونة الآوقاف.
[30] جاء في المادة 115 ما نصه: ” تطبق الأحكام المتعلقة بمعاوضة المال الموقوف وقفا عاما على معاوضة المال الموقوف وقفا معقباً، وجاء في المادة 129 ما نصه، ” يخضع الوقف المشترك لنفس الأحكام المطبقة على الأموال الموقوفة وقفا عاما … “.
[31] تطبيقا لمقتضيات المادة 334 من مدونة الحقوق العينية.
[32] يرى بعض الباحثين أن مطالبة بعض المهنيين مؤيدين ببعض الفقه بفرض الرسمية على العقود العقارية كان بهدف الاستفادة من هذا الاقتراح، وأن الحكومة قد تأثرت بهذ٥ المطالبة واستجابت لها في العديد من المشاريع إلا أن البرلمان لم يسايرها لما يؤدي إليه هذا الموقف من احتكار حيث أجاز استعمال المحرر العرفي إلى جانب المحرر الرسمي دون إقرار منافسة حقيقية بينهما إذ إن تحرير الأول جاء حصرا على فئة من المحامين المقبولين للترافع أمام المجلس الأعلى والمهن القانونية المنظمة يتولى تحديد لائحتها وزير العدل، وقد أضيف إليه وزير الفلاحة والتنمية القروية والوزير المنتدب لدى الوزير الأول. (د محمد هومير، رسمية المحررات التوثيقية الواقع والآفاق، مقال منشور ضمن أعمال ندوة توثيق التصرفات العقارية، مرجع سابق، ص: 66.
[33] د. محمد خيري، مرجع سابق، ص: 26.
[34]() فقد زال من هذا القانون شرط الجنسية الفرنسية، كما يلاحظ أن هذا المقتضى يفتح المجال للمغربي مسلما أو غير مسلم، أما خطة العدالة فمقصورة على المسلمين.
[35]انظر تعليق د عبد المجيد بوكير على هذه الشرط، التوثيق العصري المغربي، مكتبة دار السلام، الطبعة الثانية: 1431/2010، ص 52-53.
[36] انظر معنى الحقوق الوطنية عند: د عبد المجيد بوكير، نفس المرجع، ص:53.
[37] أما بخصوص فترة التمرين ومدتها ومكانها فانظر بشأنها المادة 6 من قانون التوثيق، وهناك فئات أخرى من المرشحين لمهنة التوثيق تم إعفاؤهم من المباراة أو من المباراة والتمرين والاختبارات والامتحان المهني، وقد تم النص عليهم في المادة 8 والمادة 9.
[38] حسب مقتضيات الفصل 418 من ق.ل.ع والمادة 35 من قانون 03-16 المتعلق بخطة العدالة. والمادة 48 من القانون رقم 09-32 المتعلق بمهنة التوثيق.
[39] حسب مقتضيات الفصل 419 من ق.ل.ع من أجل التفصيل انظر: محمد جميل، التوثيق والإثبات بالكتابة في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي، مطبعة النجاح الجديدة، طبعة 2000، ص: 300 وما يليها.
[40] انظر ضوابط الوثيقة العدلية عند: د عبد السلام الزياني: شروط الموثق وضوابط تحرير الوثيقة العدلية مقال منشور ضمن أشغال ندوة توثيق التصرفات العقارية، مرجع سابق، ص: 291 وما يليها. وكذا د. عبد السلام العسري، بيانات وثيقة المعاملات العقارية والتعابير الاحترازية المطلوبة، مقال منشور بنفس المرجع ص: 249 وما يليها. وذ عبد السلام البورينى، ضمانات الوثيقة العدلية في توثيق التصرفات العقارية، مقال منشور فمن أشغال ندوة توثيق التصرفات العقارية، مرجع سابق، ص: 278 وما يليها.
[41] تنص المادة 36 على ما يلي : “تتضمن العقود التي يتلقاها الموثق على الخصوص:
الأسماء الكاملة للأطراف بما فيها اسم الأب والأم وباقي الموقعين على العقد … وبيان موطنهم وتاريخ ومكان ولادتهم وجنسيتهم ومهنتهم ونوع الوثيقة الرسمية التي تثبت هويتهم ومراجعها وحالتهم العائلية والنظام المالي للزواج بالنسبة للأطراف عند الاقتضاء!
- بيان أركان وشروط العقد مع تعيين محله تعيينا كاملا؛
- بيان المراجع الكاملة للوثائق التي استند عليها في إبرام العقد!
- كتابة المبالغ المالية بالحروف والأرقام.
وتنص المادة 41 على أنه: “يحرر العقد تحت مسؤولية الموثق دون انقطاع أو بشر أو إصلاح في صلبه أو إقحام أو كتابة بين السطور أو إلحاق أو تشطيب أو ترك بياض باستثناء ما يفصل بين الفقرات والبنود وفي هذه الحالة يوضع خط على البياض.
ترقم جميع الصفحات ويشار إلى عددها في آخر العقد.
يجب تصحيح الأخطاء والإغفالات بواسطة إحالات تدون إما في الهامش أو في أسفل الصفحة…”
وتنص المادة 43 على أنه” تذيل أصول العقود – تحت طائلة البطلان – بالأسماء الكاملة وتوقيعات الأطراف والترجمان والشهود إن وجدوا، ثم الموثق وخاتمه.
يوقع الأطراف على كل صفحة من صفحات العقد ويكتب تاريخ توقيع كل طرف كما يؤثر الموثق على كل صفحة.
يكتب تاريخ وساعة توقيع الأطراف والموثق بالأرقام والحروف…..؛
تكون التأشيرات والتوقيعات دائما بحط اليد وبمداد غير قابل للمحو …”.
[42] تنص المادة 50 على أنه: ” يجب على الموثق أن يحفظ تحت مسؤوليته أصول العقود والوثائق الملحقة بها وصور الوثائق التي تثبت هوية الأطراف”.
[43] الحديث بتفصيل عن كل ضمانة من هذه الضمانات يستحق أن يكون موضوع رسالة جامعية.
[44] تنص هذه المادة 130 من مدونه الحقوق العينية على أن تطبق على حق الحبس الأحكام الواردة في مدونه الأوقاف”.
[45] وهذه الكيفيات نصت عليها القوانين بالتوثيق، ونظراً لأهمية بعض التصرفات وخطورتها، فقد أعاد المشرع النص عليها وتأكيدها في قوانين خاصة ببعض المعاملات العقارية من قبيل ما نص عليه القانون 44-00 في الفصل (618-3) في الفقرة 7 ومن قبيل ما نصت عليه المادة 7 من القانون 51-00 المتعلق الإيجار المفضي إلى تملك العقار.
[46] لذلك يقال: ” إن العدل في ضمير القاضي وليس في قانون”، وبالمناسبة فإننا نستبشر خير بالورش المفتوح لإصلاح منظومة القضاء.
[47] بل إن بعض القوانين لم تدخل حيز التنفيذ بعد رغم أنه مضى على نشرها بالجريدة الرسمية ما يقرب من ثلاث سنوات لارتباط ذلك بصدور جميع النصوص التطبيقية كما هو حال مدونة الأوقاف.


