الجرائم المالية:

إلى أين؟

إدريس الضحّاك

‏تعني الجريمة المالية بصفة عامة (ودون الدخول في التفاصيل والمناقشات الفقهية) استيلاء غير مشروع على المال. ويختلف المنظور إلى المال باختلاف الأديان والإيديولوجيات. بالنسبة للأحلام لا ينظر إليها إلا في إطار شامل إذ لا يمكن تصوّر مفهومها إلا إذا ربطت بتصوّر الإسلام في العقيدة والخلق ومصير الكون. وهكذا فإن الكون كله لله، وأن الله سبحانه دلل الكون للإنسان الذي هو مستخلف فيه يملك المنفعة دون الرقبة، عليه أمانات أوكلت إليه تتطلب منه الرعاية وحُسن الأداء. من هذا الاستخلاف العام يخرج الاستخلاف الخاص ومنه ما يوجد تحت يده من أملاك وأموال، ولذلك يأمر الله بالإنفاق منه لوجهه (وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ) فالإنسان وكيل على المال ‏يتصرف بما أمر به الموكِّل سبحانه، ولذلك كانت نسبة المال للبشر نسبة ظاهرية فقط لإشباع رغبة البشر في الاستحواذ على المال ولأن شيوع المال مدعاة للضياع لذلك قال تعالى (وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ). إذن فملكية المال هي ملكية إدارة وملكية منفعة وليست ملكية مطلقة، ‏بل إنها مجرد أمانة واستخلاف، تقاس التصرفات فيها طبق مقاييس العدل والصّدق والإنصاف. هذه الرؤية الإسلامية مع الأسف الشديد لم تعد مسيطرة حتى في العالم الإسلامي، فهاجس الحصول على المال وإن كان قديماً قدم الإنسان فإنه سعي مشروع بالقدر الذي لا يُلهي القلب للتفرّغ للعبادة، وبالتالي فإن كسب المال هو بذاته عبادة إذا كان مشروعاً، ‏إذ لا يتفرّغ القلب للعبادة إلا به، ‏وما يتوصّل به إلى العبادة فهو عبادة، ‏والمبالغة في كسب الدنيا تكون عائقاً أمام تفرّغ الإنسان لعبادة الله وهي محظورة ديناً لأنها تؤدي إلى الاحتكار وإلى انعدام الصدق في التّعامل وإلى الغشّ ولذلك قيل أن الجاري مرزوق والمحتكر ملعون، ‏ولا يحتكر إلا خاطئ.

هذه النظرة المعنوية للمال هي الحصّارات الحقيقية التي توجد لدى كلّ مؤمن بدين معّين سواء كان الإسلام أو غيره. وإلى عهدٍ قريب كانت هذه الحصّارات تقلل من عدد الأشخاص الذين يسعون إلى مخالفة ذلك وإلى الاتجاه نحو المال واعتباره هدفاً يتجاوز المنفعة، لكن تغير فسيطرت اللهفة نحو المال على القيم الأخلاقية فنتج عن ذلك الانحراف الاجتماعي الذي رافقه انحراف قانوني. وأهمية المال هذا حملت كل الحضارات على التعامل معه بأسلوب يختلف من مدنية إلى أخرى. فبالنسبة للرّومان وصل بهم الحال إلى تفضيله على كرامة الجسم الأدنى وذلك بتمزيق جسم المدين وتوزيعه على الدائنين وهو الأمر ‏الذي ترك آثاره السيّئة على بعض القوانين بعد ذلك، وانسحب على المغرب فيما عُرف بالإكراه البدني، بحيث إن المدين يُحرم من حرّيته نتيجة دين خصوصي أو عمومي عليه، ومن حسن الحظ أن القانون الذي يقضي بالإكراه المدني كان إلى عهد قريب منفّذا في المغرب حتى ألغاه اجتهاد المجلس الأعلى في أحد أحكامه حيث اعتمد على اتفاقية دولية وهي الفصل الحادي عشر من العهد الدولي لسنة 1966 حول الحقوق السياسية والمدنية للإنسان واعتبر أن الاعتداء على جسم الإنسان أو حريته نتيجة مال مدين به يخالف حقوق الإنسان، وطبق الاتفاقية ضدا على القانون الوطني الذي لا يزال العمل به جارِ إلى حدّ الآن بالنسبة للديون العمومية وخاصة الضرائب.

‏انحراف الإنسان عن هاته المقتضيات الدينية والأخلاقية له عوامل متعدّدة وعلى رأسها الفقر الذي تزداد الهوّة فيه اتّساعاً بيه وبين عالم الغني. وقد قلت في إحدى التدخلات أن 285 ‏شخصاًَ في العالم يملكون ثروة ثلث سكانه، وأن دخل 500 ‏شخص في الدول الأكثر غنى يعادل دخل 416 ‏مليون شخص من الدول الأكثر فقراً كما ورد في تقارير برنامج منظمة الأمم المتحدة للتنمية عن التنمية البشرية لسنة 2006، ‏ناهيك عن ازدياد الفقر في العالم وارتفاع نسبة من يتقاضى أقل من دولارين التي وصلت هذه النسبة 40% من سكان العالم، ‏وزاد الأمر استفحالاً ما تعرفه العولمة من تقليص كل شيء وتسريع التاريخ، والإنسان يحاول التكيّف معها في أعماله الشرعية أو في تنفيذ رغباته غير المشروعة ومنها الحصول على المال الخبيث، إنها مغامرة التاريخ المشترك التي تهيّؤها للألفية الثالثة التي نجهل نتائج عيشنا فيها خصوصاً في الأسواق المالية بشطريها الشرعي وغير الشرعي تلك الأسواق التي لم تعد الشمس تغرب عنها كما قال “فيلييي الخامس”. عند اكتشاف أمريكا.

‏ويعطي البنك الدولي في أحد تقاريره مثالاً لذلك فيشير إلى نسبة الاستثمارات الأجنبية حول العالم وإلى نسبة الجزء غير القانوني منها، هكذا يجري تحويل 500 ‏مليار دولار إلكترونيا يومياً، ‏ويصعب في هذا التحويل اليومي مراقبة ما هو شرعي وما هو غير شرعي، ‏ويكفي أن أشير إلى أن من بين هذه المبالغ 300 ‏مليار دولار في السنة يجرى تحويلها بمجرد الضغط على زر أو بمجرد نقر على الفأرة التي هي جزء من الحاسوب، ففي بضع ثوان تكون مبالغ هائلة تجول العالم بأسره في سرعة الضوء، وهذا الأمر زاد الوضع استفحالا فيما يتعلّق بالمراقبة. ومما ساعد أيضاً على انتشار المال الخبيث أو غير المشروع الشبكات الإرهابية في العالم، ‏تلك الشبكات التي جعلت سلطات الأمن في جميع أنحاء العالم تتجه لمحاربة الإرهاب وتترك المجال فسيحاً للمال الخبيث وتداوله عبر أنحاء الدنيا وكان من نتيجة ذلك أن ازدادت نسبة ذلك المال بالنسبة للمخدّرات بالقياس إلى سنة 1960 حوالي 300 مرّة.

‏ولم يعد الأمر مقتصراً على غسل الأموال أو الرشوة أو غيرهما من الجرائم المالية وإنما وصل الأمر إلى عالم السياسة بحيث أصبح هؤلاء المرتكبين لجرائم الأموال يخوضون عالم السياسة وعالم الاقتصاد ويسيطرون على أصحاب القرار في الميدان الاقتصادي والسياسي. وهذا الأمر ليس مقتصراً على الدول الفقيرة أو السائرة في طريق النمو بل يشمل الدول الغنية والفقيرة، المتقدّمة والمتخلّفة على حد سواء من ثمّة نجد نماذج من الفساد المالي في إيطاليا واليابان وغانا وفنزويلا والباكستان والهند وطايلاندا واندونيسيا والبرازيل وغيرها من الدول. وبالأمس أطاحت عمليات الفساد برؤوس مسؤولين كبار في اليابان وإيطاليا وهولاندا. فرئيس حكومة اليابان أُلقي عليه القبض وحوكم جنائياً نتيجة تناوله الرشوة من شركة “لوكهيد” للطائرات بمبلغ 25‏مليون دولار، ‏وكذلك الأمر بالنسبة لمسوولين كبار آخرين كالرئيس “إيتي” سنة 1992و “وكولاس ناجاري أركمان” سنة 1995، و”لوغان” سنة 1995 و”مانجيد” سنة 1996 وغيرهم. وأصبحت ظاهرة الرشوة أو الحصول على المال الخبيث منتشرة في العالم بل إنه وفي الصفقات الكبرى، فإن الراشين يوجدون في الدول المتقدمة والمرتشين في الدول المتخلفة. ومن جراء ذلك نجد قوانين بعض الدول المتقدّمة تشجّع على الرشوة صراحة لكن بطريقة ملتوية، فمثلاً أصبح من المعروف أن لمصطلح الرشوة أكثر من مقابل، فهي بقشيش عند البعض، أو قهوة أو إكرامية عند آخرين، وظروف حمراء في الصين وهي “بروﭘينا” في إسبانيا وأمريكا اللاتينية وهي “ﭘودوﭬان” في الدول الفرنكوفونية وهي “ﭘايولا” في الفليبين، هذه الرشوة بمختلف مرادفاتها أثّرت بشكل خطير في الاقتصاد العالمي سواء كانت صغيرة أو كبيرة، ويقدّر البنك الدولي أن مبلغها يقارب مائة مليار دولار في السنة بينما تقدّرها منظمات أخرى بأكثر من 150 مليار دولار في السنة. وإذا كانت الرشوة قديمة كما قال السيد “صمويل ﭘﻴﭘيس” وهو أول لورد بريطاني ولد سنة 1633 وتوفى سنة 1730، قال في وقتها إنه لا يرى بأساً في رشوة تُعطي تحت الطاولة، هذه الرشوة التي أحازها اللورد البريطاني تجيزها الآن كثير من الدول المتقدّمة في قوانينها، بل وأحياناً تسمح بها حتى بعض محاكمها خصوصاً بعد الستينات من القرن الماضي، وكما قال أحد وزراء الشتاد سنة 1999 أنه يجب أن يكون هناك إثنان لرقص “الصامبا” بما يعني أن طرفاً من العالم الثالث وطرفاً ثانياً في العالم المتقدّم.

ولقد أدّى الأمر منذ سنوات السبعين إلى أن كثير من الدول في العالم المتمدّن رضيت على دفع الرشوة وذلك في شكل عمولات تتراوح أحياناً ما بين 5% إلى 30% خصوصاً في تجارة الأسلحة وقد قُنّن لهذه العمولات وأصبح في الإمكان دفع الضرائب عنها، ‏بل أصبحت وزارة المالية ومجلس الدولة الفرنسي ومجلس الدولة في أقطار أخرى يعتبرونها أمراً عادياً تدخل تحت اسم “F.C.E” أي المصارف التجارية الاستثنائية، ولقد ساير القضاء في فرنسا مثلا هذا الأمر وأصدر سنة 1983 حكماً قضي بأن هذه المبالغ يؤخذ بها إذا كان دفعها لصالح المقاولة، ‏أو كان قال “جاك بيرن” وهو برلماني فرنسي إنها ضدّ المصلحة العامة وضدّ الأخلاق لكن بالمعنى الضيّق يمكن اعتبارها في مصلحة المقاولة، بل إن شركة التأمين تعمل على تأمين هذا النوع من العمولات، ‏وتعتبرها الدولة (خصوصاً بالنسبة لبيع الأسلحة) من أسرار الدفاع، ‏بالرغم من أن العقد هو عقد عادي. وهكذا أصبحت العمولة المتضمنة للرشوة هي القاعدة في عقود السلاح، والأدهى من ذلك أنها تمر بواسطة مؤسسات الدولة، ‏سواء أتعلق الأمر بسلاح الجوّ أو سلاح البر أو السلاح البحري. والغريب في الأمر أن كل الدول الأوروبية كانت لا تعاقب الرشوة التي تعطي لعنصر أجنبي، تعاقب فقط مواطنيها. لذلك فإن قضايا الرشوة التي اكتشفت في أوروبا كانت بسبب أن من أخذ الرشوة في دول العالم النّامي سلّم جزءاً منها لأحد مواطني الدولة الرّاشية، ‏مثلاً في قضية “دوما” لشركة “إلف”وهو وزير الخارجية ورئيس المجلس الدستوري بفرنسا، كذلك في قضية بيع سفن حربية لطايوان سنة 1991، قدّمت فيها رشوة مرتفعة، ‏والذي تسلم الرشوة وكان رئيساً لدرة آنذاك بعث بجزء منها للفرنسيين فخضع هؤلاء للعقاب طبقاً للقانون الداخلي واكتشفت الرشوة وأدّى الأمر إلى فتح ملف جنائي في الموضوع. كما أنه في الولايات المتحدة الأمريكية وبمناسبة قضية “لوكهيد” التي أشرت إليها سلفاً أدّت إلى إرشاء رئيس حكومة اليابان وألمانيين وإيطاليين قصد شراء الطائرات فانتفض المشرّع الأمريكي وأصدر قانوناً سنة 1977 وسماه “قانون ممارسة الارتشاء” هذا القانون لأول مرّة يشير إلى أنه يمكن أن يعاقب الوطني ولو لم ترجع إليه مبالغ من الرّشوة كما يعاقب الأجنبي. وفي سنة 1988 عُدّل هذا القانون لكن لوحط أن الولايات المتحدة الأمريكية بتطبيقها هذا القانون بدأت تخسر الأسواق الدولية وأن الصفقات لم تعد تعقد للمقاولات الأمريكية وشركاتها فاضطرت أمريكا إلى تشجيع إنشاء فروع في الدول المسماة بـ “الجنان الضرائبية، تلك الفروع هي التي تتولّى عملية دفع العمولات، كما أنها ضغطت على الدول الأوروبية من أجل أن تشرّع نفس القانون ولم يخف هذا الأمر، بل في اجتماع “دافوس” الاقتصادي المشهور صرّحت وزيرة الخارجية بأن الدول الأوروبية لا تريد الرشوة وهكذا تمكّنت سنة 1998 ‏من الضغط على الدول الأوروبية لإخراج اتفاقية أوروبية إلى الوجود تشابه قانون 1977، إلا أن فرنسا ظلّت مع ذلك وفّية لقوانينها إلى سنة 2000‏حيث اضطرت تحت ضغط الولايات المتحدة الأمريكية لأن تلتحق بالدولة الأوروبية الأخرى. فالأوروبيون يعيبون على الأمريكية أنّ عقوبتهم الجنائية هي عقوبة مُخفّفة تؤدي إلى انتشار الرشوة بدل الحدّ منها بسبب ما يُعرف في النظام الأمريكي “التفاوض مع الإدارة من أجل العقوبة” بحيث يقوم ممثّل النيابة العامة أو الوكيل العام بالتفاوض مع المتهم إذا لم تكن لديه الحجج الكافية بإلصاق تهمة أخرى غير تهمة الرشوة ويحكم بناء على هذا الاتفاق، ونتيجة لذلك تكون المتابعات ضعيفة والعقوبات خفيفة مما أدّى إلى انتشار الرشوة حسب رأيهم ممّا زاد الأمر استفحالاً في هذا الشأن هو سقوط جدار برلين وفتح الدول الاشتراكية للاستثمار.

قد نتساءل عن دور البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وغيرهما من المؤسسات المالية والاقتصادية الدولية وعن سبب محدودية هذا الدور في ‏محاربة الظاهرة، إن أعضاء كل هاته المؤسسات دُول والمسؤولون في الدوّل هم المتهمون بهذه العمولات، ومن ثمة فإن صندوق النقد الدولي لم يستطع القيام بأية حركة ولا حتى بأي تشريع ما عدا تصريح محتشم لمديره سنة 1996  (جيمس ولفنسون) قال فيه: “إن الرشوة سرطان في جسم العالم وهي اختلاس لأموال الفقراء لصالح الأغنياء”.

‏بعد سنة 1977 اتخذ الصندوق بعض المواقف حيث ربط في بعض الدّول المساعدة التي يُقدّمها بمحاربة الرشوة. وهكذا تكون الرشوة هي قبل كل شيء صراع بين الأغنياء قبل أن تكون بين الفقراء. ورغم أن الدول أخرجت هذه القوانين فإنها استمرت بنفس الطريقة التي وضعتها الولايات المتحدة الأمريكية في دفع العمولة بواسطة فروعها. مما دفع أحد المسؤولين في أوروبا إلى القول بأننا خسرنا المعركة لكننا عوض أن ندفع مباشرة من أوروبا ندفع من دول “جنان الضرائب”.

‏أنشئت مؤسسة دولية سنة 1993 ونعرفها جميعاً هي “تراﻧﺴﭘا رنسي” وهي منظمة الشفافية الدولية على إثر المعركة التي كانت بين الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، ‏هذه المنظمة الآن أصبحت منتشرة في أغلب دول العالم تقتصر لائحتها على الدّول وليس على المقاولات ولا على الشركات في حين أن هذه الأخيرة تقوم بعمليات رشوة منتظمة وحجمها عالٍ جدّاً. أستحضر في هذا المقام أنه في اجتماع بمدينة “ﭬرسوﭬيا” لرؤساء المحاكم العليا الأوروبية واستُدعيت لحضور هذا الاجتماع ‏وكنت الوحيد من خارج أوروبا، ‏وكان من بين مواضيع الاجتماع الرشوة، ‏وكان الكل متشائماً،لكنني أتذكر أن رئيس المحكمة العليا بإيرلاندا قال: إن لدينا قانوناً نحارب به الرشوة، فإذا ظهرت ‏على شخص عدّة أموال فجأة في حين أن الجميع يعلم أنه لا يمكن أن يحصّل على هذه الأموال بهذا الشكل السريع وكانت له أنشطة وعلاقات مشبوهة تقوم الحكومة إذا توفّرت شروط معينة بحجز أمواله وتطلب أن يثبت مصدر هذه الأموال، ‏كلما أثبت مصدر مال معّين إلا وأرجع إليه والباقي تصادره الدولة دون تهمة ودون محاكمة، هذا يعني أن الدولة تحاول أن تبحث، نظراً لعدم قدرتها على مراقبة ذلك، ‏عن وسائل أخرى لمحاربة الرشوة. وممّا لا شكّ فيه أن المجتمع الدولي إلى حدّ الآن فشل في محاربة الرشوة لأنها تتزايد بانتظام وباستمرار فأصبحت ظاهرة عالمية أكبر من محاربتها بل واستقرت ونظّمت ودخلت في ثقافة التجارة والمقاولات، فيكف يمكن محاربة الظاهرة في الصين والكل يهرع للاستثمار فيها؟ وكيف يمكن محاربتها في روسيا والدول الاشتراكية؟ وكيف يمكن محاربتها في الدول البترولية؟ هل يجب تقنين الرشوة ؟ هل يجب وضع قواعد لها؟ إن التردّد ّفي منعها يتعلّق فقط بالدول التي تغير مسؤوليها باستمرار، لكن الدول الدّيكتاتورية ذات المسؤولين القارين فهذه تنتشر فيه الرشوة لأن من يسلّمها يرى أن المخاطب سيبقى في الحكم وقال أحد الأوروبيين: “كنّا نعطيها مباشرة في دولنا، أمّا الآن فإننا ننشئ فروعاً ونعطيها بواسطة الفروع”، ‏ذلك ما أكده حكم صادر عن القضاء النيجيري في شهر فبراير2008 ‏حيث حكم على “دوميز نيجيريا” ولم يحكم على “دوميز الدولية”.

‏إذا كان هذا الأمر يتعلق بالرشوة فإن هناك أمراً آخر ربّما هو أخطر من الرشوة، إنه يتعلّق بالجريمة المنظمة من التجار في البشر إلى الاتجار في الأدوية إلى الاتجار في المخدّرات إلى استعمال الوسائل التقنية الحديثة من الحواسيب للاستيلاء على الأموال من خلال تحويلها من حساب إلى آخر، فالمرضى في الجنوب والأدوية في الشمال، ‏والشمال يبالغ في أثمنة هذه الأدوية. السيدا الآن تجاوزت 35 مليون حالة في العالم، 25 مليون موجودة في إفريقيا، ‏وأدوية السيدا “الجينريك” تستأثر بها الشركات الكبرى بأثمنة مرتفعة، لذلك نرى الآن أن الطرح الكبير الذي تضغط على دول العالم الثالث بتنفيذه هو حماية الملكية الفكرية تعني المسك بالبقرة ليتمكن الآخرون من حلبها، لأن هذه الملكية موجودة في العالم المتقدّم والاستهلاك موجود في العالم المتخلّف، من ثمة ظهرت أفكار تنادي بـ “أوبن ساينس” أي العلوم المفتوحة من أجل محاربة هذا الاحتكار لكن الأمر ليس بهيّن فإذا حورب الاحتكار سيتوقف البحث العلمي وسيتوقّف الإنتاج، ‏ولقد حاول الرئيس الأمريكي “ريجن”أن ينـزّل من قيمة الصوى التي تٌلتقط من الأقمار الاصطناعية فكان من نتيجة ذلك انخفاض الاستثمار في هذا الميدان. من ثّمة فإن الأمر ليس بالهيّن كما قلت للقيام بمحاربة هذه الظواهر. وإذا كانت الرشوة موجودة في العالم النامي فإن الجريمة المنظمة ترتكب بوسائل هذا العالم. لقد حاولت الدّول بترسانة من القوانين والاتفاقيات الدولية أن تواجه هذه الظواهر، لكن المشكلة ليست في القوانين والاتفاقيات الدولية، المشكلة هي في المنفّذين الذين يتقاضون رواتب معيّنة في حين تُطرح أمامهم مبالغ خيالية ويتمكّنون من الالتفاف حول هذه القوانين والاتفاقيات. والأمر الغريب أن هذا ليس مرتبطاً فقط ببعض الدول كالولايات المتحدة الأمريكية أو الدول الأوروبية أو غيرها وإنما وصل هذا الأمر إلى الدول التي نعتقد نحن أنها في منأى عن ذلك، فعندما نقرأ في الإحصائيات الدولية أن دولة كألمانيا تجاوزت بقية الدول الأوروبية بحيث إنها لا تسمح بالرشوة فقط بالنسبة لخارج كما في فرنسا وغيرها، بل تسمح بالرشوة حتى في الداخل عن طريق العمولات وتميّز بين ما هو ضريبي وما هو أخلاقي اعتماداً على ما أسمته بـ “الواقعية المالية” فقد صرّح وكيل النائب العام في ألمانيا سنة 1995 أن أوراش البناء في بلده تدفع فيها 10 مليارات مارك سنوياً لإفساد المسؤولين وهذه المعلومة نشرت في “نيوز ويك” (أخلاقيات أوروبا الجديدة 18 دجنبر 1995). وفي ترتيب لمنظمة الشفافية الدولية صدر سنة 1995 عن الفساد تبّين أن ألمانيا أكثر فساداً مالياً من بريطانيا وسويسرا ولكنها أقل من فرنسا والولايات المتحدة واليابان. ولذلك يتجه البرلمان الألماني “البدستاغ” مؤخراً إلى إصدار قانون تحريم خصم الرشوة في شكل عمولة من الوعاء الضريبي لكنه يلقى معارضة شديدة من عالم المقاولات.

‏أما الجريمة المنظمة الأخرى، ‏وكما قال أحد الكتّاب وهو “ماري ‏كيلوكَلاس” إذ المؤسسات الأكثر صلابة هي المؤسسات غير المرئية، ويرى أن الجريمة المنظمة هي الخطر رقم واحد على الكرة الأرضية، ‏وأن ما يجب أن يثير انتباهنا لهذه الجريمة هي وسائل الإعلام، ‏التي لم تعد تلتفت إليها في غالب الأحوال بسبب الإرهاب. هكذا ظهرت عائلات معروفة في العالم تدخل تحت طائلة الجريمة المنظمة، فعائلة “كوزا نوسترا” الإيطالية لها فروع في 18 دولة وعائلة “أوشت” بشيكاغو وعائلة “تريياديس” الصينية التي تكسب من تهجير الصينيين إلى أمريكا أكثر من 10 مليار دولار سنوياً، وعائلة “جاكوزا” اليابانية… الخ. وقد صدر مؤخراً كتاب للسيد “كسافيير روفر” صدر سنة 2003 عن دار النشر “لاتيس” يتضمن لائحة كاملة كملحق عن العائلات التي تباشر الجريمة المنظمة في أنحاء العالم. والغريب في الأمر أن هذه العائلات معروفة من قِبَل السلطات ورجال السياسة بل منهم من يخدم الدولة ويوجد في “وولت ستريت” أي السوق المالية في الولايات المتحدة الأمريكية أو في تركيا أو غيرهما ‏من الدول. فإذا أخذنا مثلا السيد “بوكر سيدا” نجده من مواليد سنة 1970 أي أن عمره الآن 38 ‏سنة له آلاف الأتباع في القارات الخمس وهو تركي، اعتقل عدّة مرات مع أصحابه وأطلق سراحه وهو حاضر في الشؤون المدنية كما في الشؤون السياسية، ففي زلزال تركيا سنة 1999 تحرّك قبل الحكومة وبعث مائتي شخص قاموا بتوزيع الخيام والأكل والأدوية على المنكوبين الذين بلغ عددهم 15 ‏ألف شخص، وكان ينفق عليهم يومياً عشرات الآلاف من الدولارات، وفتح له موقعاً في الانترنيت حول القومية التركية يتحدث فيه سياسيون وجنرالات ومثقفون وفنانون ورياضيون… هذا مثال بسيط، إذ في تركيا هناك أسماء أخرى مثل “أورفي زيرديك” و”بايباسان تي” وكلهم معروفون لدى المخابرات في جميع أنحاء المعمور، ولكن لا أحد يستطيع الوصول إليهم أو مسّهم بسوء. هؤلاء الناس لهم ذكاء خارق بدأت تهتم به الكثير من الجامعات ومراكز البحث العلمي، إن هناك كتباً تشير إلى أن هناك ذكاءاً يمكن أن نطلق عليه “الذكاء السائل” أو “الذكاء العلمي” وهو الذي يرتبط بقدرة الفرد على المواءمة بين قدراته وحاجاته من جهة، ومتطلبات البيئة من جهة أخرى، يخالفه الذكاء الأكاديمي أو النظري أو ذكاء الكتب. ذلك الذكاء السائل أو العلمي هو أكثر أنواع الذكاء الذي يقود إلى مخالفة القانون والحصول على الأموال بطريقة غير شرعية دون السقوط في أيدي أصحاب الذكاء الأكاديمي، فإن هؤلاء الأذكياء يملكون موجة ضمنية بوقع العالم تمكنهم من حل المشكلات نتيجة لما لهم من حسّ مشترك يكتسبونه بالخبرة الشخصية في حياتهم اليومية، ولا يمكن التعبير عن هذه الخبرة لا بالمكتوب ولا بالمقروء ولا تعتمد على أي تعليم نظامي كالميكانيكي الذي يتعلم إصلاح السيارات بالممارسة فيسمع صوت المحرّك ويعرف أن الخلل موجود في نقطة معيّنة داخله. وهذا الذكاء سلاح ذو حدّين ‏أو رابطة مزدوجة كما قال “بيركينس” إنه مصدر القوّة وهو مصدر الضعف في آن واحد. الذي يثير الانتباه أنه في دراسة أجريت في الولايات المتحدة الأمريكية ما بين سنة 1987 وسنة 1999 حول الذكاء تبّين أن نسبة الذكاء تغيرت نحو الارتفاع في أمريكا و13 دولة أوروبية، حيث ازدادت نسبة الذكاء من 5 ‏إلى 25 ‏نقطة في جيل واحد، ارتفعت في الذكاء السائل أو العملي بـ 21 ‏نقطة في ثلاثين سنة قياساً إلى الذكاء المتبلور المتأثر بهذه العوامل، ‏أي أنها أمام ظاهرة مستقبلية تبّين أن الذكاء السائل يتقدّم بشكل رهيب، ‏ومن شأن ذلك أن يجعل من الصعوبة بمكان مواجهة الجرائم التي تمثل الآن خمس التجارة العالمية أي أكثر من 1000 مليار دولار سنوياً، ‏وتتمثل في أنماط متعدّدة من تجارة المخدّرات إلى ترهيب الأسلحة على شبكات الدعارة الدولية إلى تهريب الأسلحة إلى شبكات الدعارة الدولية إلى تهريب المهاجرين غير الشرعيين، ‏وتُرتكب بِحِرَفية عالية وبأرباح مرتفعة ويعمل أصحابها بذكاء سائل على غسل الأموال المترتبة عنها لإضفاء الشرعية عليها، ‏ويتجهون إلى البلدان التي تقل فيها المراقبة بحيث يشترون العقارات والعمارات والأراضي الفلاحية بأثمان خيالية. ‏ملايين الدولارات تنتقل عبر العالم ترافقها عمليات تجسُّس اقتصادية دولية.

‏والمغرب شأنه شأن دول العالم الثالث يتعرض لكل هذه الهجمات بالرغم من أن هناك قوانين متطورة. كما أن المغرب صادت على العديد من الاتفاقيات الدولية، وأصدر لوائح قانونية تتعلّق بمحاربة الإرهاب وبالهجرة غير المشروعة وباللجنة الوطنية للمخدّرات وبالكتاب الأبيض حول المخدّرات، تتعلّق أيضا بمجموعة من التعديلات التي أدخلت على القانون الجنائي فيما يتعلّق بقمع الفساد إلى غير ذلك من القوانين والاتفاقيات الدولية، لكن يبقى كما قلت أن ‏الموضوع مرتبط بالمنفّذين، فإن كانت توزع في جميع أنحاء العالم 150 مليار دولار سنوياً لشراء الذّمم بالنسبة لهذه الجرائم، فإنه يصعب علي البعض الوقوف أمام هذه الأعداد الضخمة سواء كان مدير بنك لغسل الأموال، أو رجل سياسة لاتخاذ القرارات، وغيرهم.

‏المغرب إذن، محتاج إلى إستراتيجية وطنية في هذا الشأن نتيجة توسع المدار الحضاري الذي يؤدّي إلي انتشار الهجرة إلى المدن أولاً، في سنة 1960 ‏كان سكان البادية 31% وسكان المدن 69% الآن سكان البادية 44% وسكان المدن 56% وانتقلت المدن المغربية من ساكنة تقدر بثلاثة ملايين إلى ما يقارب الآن 17 مليون وانتقل عدد المدن من 112 ‏مدينة إلي 350 مدينة الآن، حتى أصبح كل 10ساكن في المدن 7 منهم من أصل قروي. ومعلوم أن الهجرة تُسبِّب في مشاكل الاندماج، كِبَرُ المدينة يؤدّي، إلى ارتفاع الجريمة، زيادة المدن تؤدّي إلى زيادة الجريمة، فنحن أمام مشكل كبير هو معركة المدينة وكيف يمكن أن نكسبها؟ خصوصاً وأنه يظهر أنه بحلول العقدين القادمين، أي سنة 2025 سيتضاعف عدد متناولي المخدرات في المغرب. نحن أمام تحدِّ كبير: مظاهر الجريمة المالية لم تعد تقتصر على التهريب وغسل الأموال والمخدرات إنها ستنتقل إلى مظاهر أخرى تتعلق ببيع الخلايا والجينات وهناك تطور كبير في استعمال الخلايا العصبية للجنين وستكثر بالتأكيد جرائم جديدة في الاتجار بالأجنّة، وكذلك الأمر بالنسبة للمواد المعدلة جينياً، فهناك كثير من عمليات التهريب في أوروبا. مؤخراً جمعت مجموعة كبيرة من المواد الغذائية المعدّلة جينياً الممنوعة في فرنسا وألمانيا وإنجلترا وُجدت في الأسواق الممتازة خصوصاً الأسيوية، رغم أن القوانين في أوروبا تسمح بنسبة معينة ‏من التعديل خصوصاً في الذرة أصبح لزاماً أن تكتب على العلب الغذائية نسبة التعديل الجيني، وظهرت شعارات دولية تقول ليس في جسمي أي “Not in my body” وقد سمعنا كلنا بـ “جوزي بوفي” الذي يقود حملة كبيرة في ‏فرنسا في هذا الصدد اعتقل أكثر من مرّة، وصدرت في حقه أحكام أكثر من مرّة، إننا في عالم يصعب وضع لوحة تفاؤلية له لأن مصادر الأموال الناتجة عن تهجير البشر تضاعفت في القياس مع سنة 1965: 300 مرّة تقريباً،ونرجع من جديد إلى مقولة “فيليب الخامس” الشهيرة “لم تعد الشمس تغرب عن السوق المالي” حقيقة واقعية. إن العالم ليس سلعة كما يقول السيد “بوفي”، لقد صغرت الأرض بما حملت واختُزل الزمان وأصبح في إمكان الإنسان أن يدور حول الكرة الأرض بسرعة تتجاوز 10 مرات مما كان عليه الأمر منذ 8 ‏سنوات، ومن ثمة فإن الإنسان بذلك يستطيع القيام بعدّة أنشطة في وقت قصير وفي نفس الوقت في جميع أنحاء العالم بسبب التطور التكنولوجي،وهذا يساهم بشكل كبير في هذا الانتشار المهول للجريمة المنظمة،‏ وفي هذا الاتصال بين الشبكات العالمية التي تترصّد الدول وحكوماتها، وتتفق مع بعضها في جميع أنحاء العالم الذي أصبح قرية في يدهاه وأصبحت تُبادِل ” الكوكايين” بالسلاح، والسلاح بالأموال، ‏والأموال بحركات الإرهاب، أصبحت هناك شبكة ذكية من أصحاب الذكاء السائل يقفزون على كل الحكومات وعلى كل أجهزة المراقبة. إن ارتفاع مؤشر التنمية البشرية بحوالي 1.1% أكسب المغرب 3 ‏نقط خلال 6 ‏سنوات من 2000 ‏إلى 2006 ‏وهذا المؤشر رغم نسبيته الضئيلة نعتبره يدخل في باب التفاؤل لكن ليس كافياً لمحاربة الجريمة الناتجة عن الظروف الاقتصادية والاجتماعية، وإن العدالة ستواجه عالماً أصعب وأعتقد ممّا هو عليه الآن في ميدان الجريمة المالية المنظمة وهو ما تنبّأ به بعض القضاة الذين اجتمعوا يمثلون ‏القارة الأوروبية، وسيكون دور القاضي أكثر تشابكاً في حماية الأخلاق والمال العام، وستكون أحكامه عرضة للانتقاد أكثر من السابق لأنها ستهدف تخليق الحياة العامّة وستواجه “مافيات” كبيرة. لقد ورد في الخطب الملكية لصاحب الجلالة محمد السادس حفظه الله، خاصّة الخطاب الذي افتتح به السنة القضائية بأكّادير سنة 2003: “يجب إيجاد قضاء مختصّ حريص على تخليق الحياة العامّة وحماية المال العام من كل أشكال الفساد وترسيخ أخلاقيات المسؤولية” انتهى النطق الملكي. أعتقد أن على المسؤولين أن يفهموا هذه الرسالة وأن يعطوا للأجهزة المكلفة بمحاربة الفساد والجرائم المالية ما يكفي من الإمكانيات لتقوم على الأقل بدور في حدود تسمح لها به طاقتها الفكرية وقدرتها المالية ومواردها البشرية لمحاربة الجرائم المالية ببلدنا.

اترك رد

https://powderencouraged.com/zht6b3bs66?key=8523542c4aaf6f083ce56f74bd271319
https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من فضاء المعرفة القانونية -espace connaissance juridique

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة