ملاحظات على هامش تعديل قانون المسطرة المدنية
الأستاذ جيلالي بوحبص
نائب رئيس المحكمة الابتدائية بتمارة
بمناسبة مراجعة قانون المسطرة المدنية لابد من الأخذ بعين الاعتبار ملاحظات أساسية أثبت الواقع العملي، والممارسة اليومية للتقاضي لدى محاكم المملكة ثغرات بشأنها والتي عرفت بلادنا سواء بين المحاكم في عملها القضائي، أو من خلال توجهات محاولة توحيد العمل القضائي من طرف الجهات المفعولة لذلك.
ويمكن طرح هذه الإشكالات والملاحظات على مستويين:
- المستوى الأول: مدى انسجام قانون المسطرة المدنية بالقوانين الأخرى.
- المستوى الثاني: علاقة قانون المسطرة بين مواده وفصوله والواقع.
أولا: علاقة قانون المسطرة المدنية بالقوانين الأخرى:
لعل من سلبيات المشرع المغربي أنه ما فتئ ينحو منحى غير صحيح يتمثل في تكريس الشكل على الموضوع، وذلك بعدم اكتفائه بتضمين قانون المسطرة المدنية فقط قواعد الشكل بل تعداه إلى تضمين كافة القوانين الصادرة عنه مجموعة من الشكليات ونذكر منها ما يلي:
قانون التحفيظ العقاري:
يلاحظ على هذا المستوى أن هذا القانون تضمن قواعد خاصة للمحكمة عند تطرقها للبت في التعرضات، وقد كرسها القضاء وأضاف إليها قواعد شكلية أخرى تكرس الشكل على موضوع الحق كما تضمن هذا القانون إجراءات تحقيق في الدعوى تختلف عما هو وارد بقانون المسطرة المدنية ونخص بالذكر المعانية العقارية.
كما أن التقاضي بنصوص العقار المحفظ، يتطلب شكليات تختلف في مجملها على ما هو وارد بقانون المسطرة المدنية ونخص بالذكر المادة 91 و96 من ظهير التحفيظ العقاري والتي تتطلب اللجوء إلى المحافظ على الأملاك العقارية قبل رفع الدعوى ودعوى قسمة العقار المحفظ والتي تتطلب إدخال المالكين على الشياع في الرسم العقاري والذي يتبني مفهوماً مميزاً للصفة غير الصفة الواردة بقانون المسطرة المدنية، والتي تجيز على أساسها رفع الدعوى ضد المتوفى، وحتى ولو لم يعد له وجود مادي مادام اسمه مقيدا على الرسم العقاري.
كما أن تنفيذ الأحكام القضائية بخصوص الأحكام الصادرة في إطار ظهير التحفيظ العقاري تتميز من حيث إجراءاتها أو الجهة المخولة والموكول لها التنفيذ المحافظ عن الأملاك العقارية.
على مستوى قانون الالتزامات الالتزامات والعقود:
فهذا القانون رغم كونه ينظم الالتزامات بشكل عام، فهناك العديد من مواده التي تتعلق بالإجراءات المسطرية للتقاضي ونذكر على سبيل المثال ما يلي:
– لقد نظم هذا القانون العديد من المؤسسات من ضمنها، شهادة الشهود وكيفية أداء الشهادة وهي إجراءات مسطرية كان حري بقانون المسطرة المدنية أن يتولى تنظيمها لوحده.
كما أن هناك المادة 440 من قانون الالتزامات والعقود والتي تتضمن حجية نسخ الوثائق، وما هي الشروط المتطلبة لكي يعتد بها القضاء أمامه.
كما أن العمل القضائي والاجتهاد القضائي ذهب إلى اعتبار عدم احترام المقتضيات الواردة في المادتين 234 و235 من قانون الالتزامات والعقود المتعلقة بتنفيذ الالتزامات التعاقدية، بمثابة عدم احترام شكليات الدعوى والطلب. كذلك المادة 451 التي تتعلق بسبقية البت في الطلب والدعوى رغم كونه في حقيقته دفع لابد من تضمينه بقانون المسطرة المدنية
قانون مدونة الأسرة:
يتضح أن هذا القانون يتضمن بامتياز مجموعة من الإجراءات المسطرية الكثيرة والمتعددة، والتي لم تستثن أي مؤسسة من مؤسساته بدء من عقد الزواج وإثبات العلاقة الزوجية مروراً بالالتزامات المترتبة عن الزواج من نفقة ونسب وانتهاء بالتطليق والطلاق.
بل زاد الأمر تعقيداً بخصوص اختصاص قسم قضاء الأسرة وهل هو من النظام العام أم لا، وكيفية إثارته وإحالة الملف عليه وإحالته من طرفه.
قانون المحاكم الإدارية:
ذلك أن هذا القانون يتضمن مجموعة من الفصول التي تطبقها حتى المحاكم العادية، ونخص بالذكر المادتين 12 و13 المعنونة تحت الأحكام المشتركة، والمتعلقة بالدفع بعدم الاختصاص النوعي الذي يثار أمامها حيث يتعين الحكم فيه بحكم مستقل.
وهذا المقتضى أصبح يلجأ بشكل تعسفي أمام المحاكم العادية.
القانون المنظم للمحاكم التجارية:
وهنا تكتفي بالإشارة إلى ما أثاره تطبيق ظهير 24 ماي 1955 المتعلق بتنظيم كراء الأصل التجاري من حيث تنازع الاختصاص بين المحاكم العادية ذات الولاية العامة والمحاكم التجارية.
قانون الشغل:
فهذا القانون يتضمن هو الآخر العديد من شكليات التضامن بخصوص القضايا الاجتماعية سواء تلك المتعلقة بنزاعات الشغل أو تلك المتعلقة بحوادث الشغل ولا يتسع المجال للخوض فيها وإنما للتنبيه إليها وإلى أهميتها.
القوانين الأخرى:
ونخص بالذكر الميثاق الجماعي والذي يتطلب مكاتبة الجهات الوصية على هذه الجماعات قبل رفع الدعوى.
وقانون التعاونيات الذي يتطلب في مادته الواحدة والثمانين مكاتبه مكتب تنمية التعاون أو اتحاد التعاونيات قبل اللجوء إلى القضاء.
وقانون بيع العقار في طور الانجاز الذي نظم دعوى إتمام البيع بخصوص هذا البيع، وقيمتها واعتبار الحكم الصادر بشأنها عقداً.
وهناك العديد من القوانين والتي إن كانت تبدو للوهلة الأولى أنه قوانين موضوعية، فما فتئت تتضمن فصولاً تتعلق بطلبات التنازع بخصوص المؤسسة القانونية التي تتضمنها (المادة 31 من قانون المحاماة مثلاً التي ترتب عدم قبول الطلب وهو إجراء شكلي…).
ثانيا: بخصوص قواعد قانون المسطرة المدنية:
وعلى هذا المستوى لابد من الأخذ بعين الاعتبار الملاحظات التالية:
- تبني نظرية واضحة بخصوص الجزاء القانوني، وتحديد مفهوم عدم القبول ونطاقه، وتمييزه عن رفض الطلب والتصرف لبعض المؤسسات بتكييفها قانوناً وهل من جزاء شكلي أو موضوعي يطال الدعوى، كمؤسسة إيقاف البت ومؤسسة الغرامة المدنية،
- محاربة الاستعمال التعسفي لبعض المؤسسات الواردة بهذه المسطرة لإطالة أمد النزاع وذلك بوضع قواعد محددة للجوء إلى هذه المؤسسات، ونخص بالذكر مسطرة الزور الفرعي، وتحقيق الخط، كأن يتم على الأقل توضيح سبب الطعن وموقعه في الوثيقة عند إثارته قبل بدأ أي إجراء من إجراءاته، وتوضيح نطاق المادة 102 من قانون المسطرة المدنية ومتى تكون هناك دعوى جنحية أو جنائية من شأنها أن تؤدي إلى إيقاف البت، وهل تتم بمجرد تقديم شكاية لدواعيات المؤهلة والمنظمة أو لابد من اشتراط تحريك الدعوى العمومية حتى يتم إعمال هذه المادة؟ ثم هل مفهوم الجنائي يعقل المدني ويوقف البت فيه يقتصر على عدم إصدار حكم فيه، أم هل يمتد إلى يد القاضي المقرر من القيام بأي إجراء من إجراءات التحقيق في الدعوى وتجهيز القضية خاصة إذا ما اتضح له أن الأمر يتعلق بمجرد تسويف الهدف منه إطالة أمد النزاع،
- توضيح الموقف من قاعدة المدني يوقف المدني والتي درج عليها العمل القضائي بإيقاف البت في دعوى القسمة لكون هناك دعوى الشفعة، أو إيقاف البت في دعوى الاستئناف لكون هناك دعوى الطعن في نسب طالب الاستحقاق، وهل يجب تكريسها تشريعياً أم إبقاؤها أو فرض البت في الدعويين معاً في حكم واحد،
- توضيح الطبيعة القانونية للأحكام التمهيدية، وهل هي أحكام بمفهوم الحكم القضائي وبالتالي تنفيذها يخضع لما تخضع إليه الأحكام الباتة أم الأمر يتعلق بأوامر قضائية وتنحصر في إجراءات التحقيق في الدعوى وبالتالي يتحمل القاضي المقرر كامل المسؤولية في إجبار الأطراف على تنفيذها (كالأحكام التمهيدية القضائية بالقسمة) عملا بالمادة 434،
- التعرض للغرامة المدنية L’amande civique المنصوص عليها في العديد من مقتضيات مواد قانون المسطرة المدنية (كالغرامة المنصوص عليها في حالة رفض طلب الزور والغرامة المنصوص عليها في حالة رفض طلب الطعن الاستثنائي ممثلاً في الطلب بإعادة النظر، وفي تعرض الغير الخارج عن الخصومة وتغريم الغير)، وذلك بتحديد طبيعتها وطرق تنفيذها وتفعيلها،
- محاولة تنبني ما درج عليه العمل القضائي من عمل في إضافة لملفات بعضها إلى بعض (وليس الضم المنظم قانوناً، ويكون عندما تكون هناك وحدة في الموضوع والأطراف وسبب الدعوى) كضم ملف الشفعة إلى ملف القسمة، أو ضم ملف أداء الواجبات الكرائية لملف إنهاء العلاقة الكرائية والتأسيس لهذه المؤسسة القانونية لما في ذلك من تيسير الأسباب القانونية والواقعية للبت في الدعاوى المضاف بعضها إلى البعض الآخر (البعض يسمى هذا الإجراء بالضم الواقعي)،
- التعرض لحق التصدي الممنوح لمحكمة الاستئناف، وهل من حق هذه الأخيرة إرجاع الملف للمحكمة الابتدائية في حالة إلغائها لحكمها القاضي بعدم القبول بحجة احترام مبدأ التقاضي على درجتين،
- استعرض لمفهوم الطعن بالنقض لانعدام التعليل حتى يتم على الأقل التقليل من أسباب النقض وذلك بوضع ضوابط لهذا السبب من النقض،
- تدعيم القانون بالمؤسسات المسطرية التي أثبتت فعاليتها في التشريعات التجارية (لدعوى طعن الزور المستقلة، ومؤسسة صعوبة التنفيذ الإيجابية…)،
- محاولة على الأقل تحديد بعض العبارات والألفاظ والتي لازالت تثير إشكالاً من حيث الفقه والقضاء، ونخص بالذكر مفهوم الدعوى العقارية المنتظمة في إطار الاختصاص بشأنها للقضاء الجماعي، وتحديد نطاقها،
- تحديد ضوابط واضحة لمفهوم الاجتهاد القضائي لدى المجلس الأعلى، باعتباره مصدراً من مصادر التشريع خاصة أمام التناقض الذي يعرفه اجتهاده بين الفينة والأخرى، والذي يؤثر بشكل كبير على عمل محاكم الموضوع ويحدث اضطرابا بخصوص توحيد عملها واجتهادها (وللتمثيل فقط مفهوم الحيازة في العقار المحفظ، ومفهوم الأمي في البيع العرفي، ومفهوم الأتمية) وإقرار مبدأ ثبات الاجتهاد وتوحيده على مستوى هذه المؤسسة القضائية المهمة على جميع المستويات،
- تحديد نطاق تعريب القضاء، وهل يقتصر على لغة المرافعة والترافع، أم يمتد إلى الوثائق المدعمة للطلب وبالتالي يتعين إخضاعها للترجمة، وتحديد الموقف من خلال اللهجات واللغات المحلية كالأمازيغية التي أصبحت تطرح كإشكالية هوية وثقافة حالياً، وعاجلاً أو آجلاً يتعين تحديد الموقف بخصوصها.
هذه بعجالة تفتقر إلى الرصانة العلمية اعتبارا لكونها مجرد ملاحظات ليس إلا ولكن ذلك لا ينتقض من كون الممارسة لدى المحاكم ويحث ويدفع الباحث لضرورة الاهتمام بها، ولفت الانتباه إليها بمناسبة تعديل القانون الإجرائي، ولا يعني ذلك أن باقي الإشكاليات انعدمت، وإنما لا يسع للخوص فيها.


