تسوية المنازعات المترتبة عن مخالفة شروط إبرام الصفقات العمومية

ذ. محمد باهي

مستشار بالمحكمة الإدارية بمراكش

 

يميز المرسوم رقم 2-06-388 بتاريخ 5 فبراير 2007 المنظم للصفقات العمومية (وكما كان عليه الحال في ظل مرسوم 1976 ومرسوم 1998 بين فئتين من عقود الإدارة: الفئة الأولى وتشمل ما يمكن أن نسميه بالعقود ذات الأهمية والوزن في الاقتصاد الوطني، والتي يطلق عليها مفهوم الصفقات العمومية، وهي صفقات الأشغال وصفقات التوريدات وصفقات الخدمات ويتم إبرامها بإحدى الطرق التالية: طلب العروض والمباراة والمسطرة التفاوضية. وبين العقود الصغرى[1] التي تهم أيضا الأشغال والتوريدات والخدمات، ولكن لا يتعدى سقفها مبلغ 200000 درهم في النظام الحالي مع إمكانية رفع هذا السقف بمقرر للوزير الأول فيما يخص مرافق الدولة، بعد استطلاع رأي وزير المالية ولجنة الصفقات، أو رفعه بمقرر لوزير الداخلية فيما يخص الجماعات المحلية. وتندرج المنازعات المتعلقة بهذه العقود ضمن الاختصاصات الموكولة للمحاكم الإدارية.

والى جانب هاتين الفئتين من العقود الإدارية فيجدر التذكير بأنه يجوز للإدارة إبرام عقود واتفاقات خاضعة للقانون العادي، وهي العقود والاتفاقات التي يكون موضوعها الحصول على أعمال سبق تحديد شروط توريدها وأثمانها ولا يمكن لصاحب المشروع تعديلها، وهي أعمال محددة بموجب مقرر الوزير الأول رقم 3-70-07 الصادر في 5 فبراير. وتختص المحاكم العادية بالبت في النزاعات المترتبة عن هذا النوع من العقود.

ولقد حدد المشرع من خلال المرسوم المنظم للصفقات العمومية ومراسيم المحاسبة العمومية والمراقبة المالية، القواعد العامة الواجب احترامها سواء من طرف صاحب المشروع أو من لدن المتنافسين بمناسبة إبرام هذه الصفقات العمومية، والتي يتعين عليهم مراعاتها من أول خطوة في خطوات التعاقد حتى إبرام الصفقة العمومية. وأشار المرسوم السالف الذكر أن القاعدة في إبرام صفقات الأشغال والتوريدات والخدمات تكمن في اللجوء إلى المنافسة القبلية، وأجاز، في حالات محدودة، اللجوء إلى المسطرة التفاوضية والى المنافسة المحدودة والى سندات الطلب. لكنه رغم تحديد المشرع للشروط والقواعد العامة لإبرام الصفقات العمومية ومراقبتها فان الإدارة لا تلتزم دائما تحت ضغط ظروف وملابسات مختلفة بمقتضيات القانون المنظم لهذه الصفقات، فضلا عن التسابق الغير البريء للمتعاملين مع الإدارة وسعيهم الحثيث للفوز بالطلبات العمومية خارج إطار المنافسة والشفافية. كما أنه يبدو، من خلال الأحكام الصادرة لتسوية النزاعات المتعلقة بالصفقات العمومية، أن المدعي والقضاء الإداري المغربي لا يميزان بين أنظمة المسؤولية (المسؤولية العقدية والمسؤولية شبه العقدية والمسؤولية التقصيرية) وبالتالي لا يواكب القضاء، بالشكل المطلوب، الإصلاح الإداري الذي تتبناه السلطات العامة في مجال الصفقات العمومية. من كل هذا يتبين منهاج دراستنا لهذا الموضوع وهو يتضمن المحورين الآتيين:

– المحور الأول ويتناول شروط وقواعد إبرام الصفقات العمومية.

– المحور الثاني ويتناول مخالفة شروط إبرام الصفقات العمومية وتسوية منازعاتها.

المحور الأول

شروط وقواعد إبرام الصفقات العمومية

لقد جاء في بيان الأسباب للمرسوم رقم 0-06-388 الصادر في 5 فبراير 2007 المتعلق بتحديد شروط وأشكال إبرام الصفقات العمومية أن أهدافه تتمحور حول تثمين القواعد التي تشجع على حرية المنافسة وتحث على تبار أوسع بين المتعهدين، واعتماد مبدأ المساواة في التعامل مع المتعهدين خلال جميع مراحل إبرام الصفقات، ووضع اكيات تمكن من ضمان الشفافية في إعداد الصفقات وإبرامها وتنفيذها، وإلزام صاحب المشروع بضمان الإعلام المناسب والمنصف لجميع المتنافسين خلال مختلف مراحل مساطر إبرام الصفقات، وترسيخ أخلاقيات الإدارة وذلك بإدراج إجراءات من شأنها التقليص من إمكانيات اللجوء إلى كل الممارسات المرتبطة بأفعال الغش والرشوة، والحد من التدخل البشري من خلال نزع الصفة المادية عن المساطر وإلزام أصحاب المشاريع بنشر بعض المعلومات والوثائق في البوابة الإلكترونية لصفقات الدولة، واعتماد وسائل الطعن واللجوء للمصالحة لتسوية النزاعات المتعلقة بإبرام الصفقات.

فبالنسبة للفئة الأولى من الصفقات العمومية، وهي صفقات الأشغال وصفقات التوريدات وصفقات الخدمات فيتم إبرامها بإحدى الطرق التالية: طلب العروض والمباراة والمسطرة التفاوضية.

  1. الصفقات بناء على طلب عروض (2)[2]

ففي إطار إبرام الصفقات بناء على طلب العروض سواء كان مفتوحا أو محدودا لا بد، قبل عملية التعاقد، من تحديد بكل ما يمكن من الدقة المواصفات ومحتوى الأعمال المراد تسلمها أو إنجازها، ثم ينبغي إعداد الصفقة الذي يتضمن تحضير دفتر الشروط الخاصة والبيانات المتعلقة بالصفقة، وإعداد الإعلان عن طلب العروض أو المباراة ونشره وإشهاره في إطار احترام الآجال مع تحديد تاريخ استلام العروض، وإعداد نظام الاستشارة وملف طلب العروض أو ملف المباراة ووضعه رهن إشارة المرشحين احتراما لمبدأ المساواة. وبعد الإعلان عن الصفقة يتم تقديم ملفات المتنافسين التي تشتمل على غلافين: الغلاف الأول يتضمن الملفين الإداري والتقني وعند الاقتضاء الملف الإضافي. أما الغلاف الثاني فيتضمن العرض المالي.

وبعد تسلم ملفات المتعهدين تجتمع لجنة طلب العروض، بطلب من رئيسها، في اليوم المحدد في الإعلان على التوالي من أجل: فحص العينات، وفتح أظرفة المتنافسين للتأكد من وجود الغلافات المشار إليها في القانون، وفحص الملفين الإداري والتقني في جلسة مغلقة وحصر لائحة المتنافسين المتوفرين على الشروط التنظيمية والممكن قبولهم، وفتح الغلافات التي تتضمن العروض المالية للمتعهدين الممكن قبولهم في جلسة عمومية، وتقييم عروض المتنافسين في جلسة مغلقة. وتقترح اللجنة على صاحب المشروع قبول العرض الذي ترى أنه الأفضل مع تبرير ذلك إذا لم يكن هذا العرض هو العرض المتقدم بأدنى ثمن. وبالنسبة لصفقات الأشغال يعتبر أفضل عرض، العرض الأقل ثمنا، علما بان الأفضلية تبقى لفائدة المقاولة الوطنية وذلك بإضافة نسبة مئوية لا تتعدى 15% إلى مبالغ العروض المقدمة من طرف المقاولات الأجنبية. وتحرر لجنة طلب العروض خلال الجلسة محضرا عن كل اجتماعاتها. ويعلن عن نتائج فحص العروض بمقررات صاحب المشروع. ويتم إخبار المتعهد المقبول والمتعهدين الذين تم إقصاء عروضهم. تلك هي، على العموم، الخطوات التي يتم إتباعها غالبا في عملية إبرام الصفقة العمومية مع مراعاة الشروط الخاصة بالمباراة وبالمسطرة التفاوضية وبسندات الطلب.

ولا تعتبر الصفقات العمومية صحيحة ونهائية إلا بعد المصادقة (التوقيع) عليها من طرف السلطة المختصة. ويجب أن تبلغ المصادقة على الصفقة إلى نائلها خلال أجل 60 يوما قابلة للتمديد إلى 90 يوما إذا نص على ذلك دفتر الشروط الخاصة، ابتداء من التاريخ المحدد لفتح الأظرفة. وإذا لم يتم تبليغ المصادقة خلال الأجل المذكور يحرر نائل الصفقة من التزاماته اتجاه صاحب المشروع. مع مراعاة الاتفاق الذي يمكن أن يحدث بين الطرفين لتمديد هذا الأجل لفترة إضافية. كما يمكن للسلطة المختصة، دون أن تتحمل أية مسؤولية بهذا الفعل إزاء المتنافسين وفي أية مرحلة من مراحل إبرام الصفقة، إلغاء الصفقة في الحالات التي نص عليها المرسوم المنظم للصفقات العمومية: كتغير المعطيات الاقتصادية أو التقنية للاعمال، والظروف الاستثنائية، وتجاوز مبلغ الاعتمادات المالية، واكتشاف عيب في المسطرة، وغياب المنافسة، وتقديم شكاية حول عدم احترام المسطرة .

  1. الصفقات التفاوضية [3]

الصفقة التفاوضية هي وسيلة يختار بواسطتها صاحب المشروع نائل الصفقة بعد استشارة مترشحين والتفاوض بشأن شروط الصفقة مع أحدهم أو عدد منهم. وتبرم الصفقة التفاوضية، بإشهار مسبق وبعد إجراء منافسة، أو بدون إشهار سابق وبدون إجراء منافسة. ولا يجوز إبرام صفقات تفاوضية إلا في الحالات المحددة حصرا في المادة 72 من المرسوم المنظم للصفقات العمومية. وتتمثل الحالات التي يجوز اللجوء فيها إلى المسطرة التفاوضية فيما يلي:

أولا: بعد إشهار مسبق وإجراء منافسة: الأعمال المصرح بعدم جدوى مسطرتها والأعمال المخلفة على إثر تقصير من صاحب الصفقة الأصلية. وعند القيام بإجراء المنافسة يجب نشر إعلان الإشهار في جريدة على الأقل ذات توزيع وطني يختارها صاحب المشروع، ويمكن كذلك تبليغه إلى المتنافسين المحتملين وعند الاقتضاء إلى الهيئات المهنية بنشرات متخصصة أو بأي وسيلة إشهار أخرى ولا سيما بشكل إلكتروني في بوابة صفقات الدولة. ويضع صاحب المشروع قائمة المترشحين المدعوين إلى التفاوض أو يوجه إليهم في نفس الوقت رسالة الاستشارة وعند الاقتضاء دفتر الشروط الخاصة ونظام الاستشارة الذي تم وضعه.

يجري صاحب المشروع المفاوضات مع المترشحين الذين تعتبر مؤهلاتهم التقنية والمالية كافية. ويجب ألا يقل عدد المترشحين المقبولين للتفاوض عن ثلاثة، ما عدا إذا كان عدد المترشحين الذين استجابوا للدعوة يقل عن هذا العدد. وفي نهاية المفاوضات، تسند الصفقة إلى المتنافس الذي حظي بقبول صاحب المشروع والذي تقدم بأفضل عرض. ويجب على كل مترشح مدعو لتوقيع صفقة تفاوضية أن يدلي بملف إداري وملف تقني.

ثانيا: بدون إشهار سابق وبدون إجراء منافسة: الأعمال التي لا يمكن أن يعهد بانجازها اعتبارا لضرورات تقنية أو لصبغتها المعقدة التي تستلزم خبرة إلا لصاحب أعمال معين (المقطع 1 من المادة 72 ) والأشياء التي يختص بصنعها حصرا حاملوا براءات الاختراع، والأعمال الإضافية، والأعمال المتعلقة بحالات الاستعجال القصوى التي تكون ناجمة عن ظروف غير متوقعة بالنسبة لصاحب المشروع وغير ناتجة عن عمل منه على أن تقتصر هذه الأعمال على الحاجات الضرورية لمواجهة حالة الاستعجال، والأعمال التي تتطلب السرية المرتبطة بالدفاع والأمن العام، والأعمال المستعجلة التي تهم الدفاع الوطني أو الأمن والسلامة الوارد ذكرها في المقطع 6 من نفس المادة، والتي يجب الشروع في تنفيذها قبل أن يتسنى تحديد جميع شروط الصفقة بعد ترخيص من الوزير الأول.

ويستوجب إبرام كل صفقة تفاوضية، من السلطة المختصة أو الآمر المساعد بالصرف إعداد شهادة إدارية تبين المسطرة المعتمدة وتشير إلى الاستثناء الذي يبرر إبرام الصفقة على الشكل المذكور وتوضح بشكل خاص الأسباب التي أدت إلى تطبيقه في هذه الحالة. وتستثنى من إعداد الشهادة الإدارية، الأعمال التي كانت موضوع مسطرة طلب العروض أو مباراة ولم يقدم بشأنها إلا عروض اعتبرتها اللجنة غير مقبولة والأعمال المستعجلة التي تهم الدفاع، أو أمن السكان، أو سلامة السير الطرقي، أو الملاحة الجوية، أو البحرية، أو الناجمة عن أحداث سياسية استثنائية.

وتبرم الصفقات التفاوضية إما بناء على عقد التزام يوقعه الراغب في التعاقد وعلى دفتر الشروط الخاصة.

وإما بناء على مراسلة وفقا للأعراف التجارية تحدد شروط إنجاز العمل. وإما بصفة استثنائية، بتبادل رسائل أو اتفاقية خاصة بالنسبة للأعمال المستعجلة التي تهم الدفاع والأمن والسلامة، أو الناجمة عن أحداث سياسية استثنائية.

  1. الصفقات بمباراة [4]

وتمكن المباراة من إجراء تنافس بين مترشحين حول أعمال يتم تقييمها بعد استشارة لجنة المباراة والتي سوف تشكل الأعمال التي سيتم طلبها برسم الصفقة. ويمكن إبرام صفقات بمباراة عندما تبرر أسباب ذات طابع تقني أو جمالي أو مالي القيام بأبحاث خاصة. وتتعلق المباراة، إما بإعداد مشروع، وإما بتنفيذ مشروع سبق إعداده، وإما بإعداد مشروع وتنفيذه في آن واحد. وتنظم المباراة على أساس برنامج يعده صاحب المشروع ويبين فيه الحاجات التي يتعين أن يستجيب لها العمل ويحدد عند الاقتضاء المقدار التقريبي أو المبلغ الأقصى للنفقة المخصصة لتنفيذ العمل. كما يحدد الجوائز والمكافآت أو الامتيازات التي ستمنح إلى مؤلفي المشاريع التي تحتل أحسن الرتب حينما لا تتعلق المباراة إلا بإعداد مشروع، أو ستخصص للمتنافسين الذين تم إقصاؤهم والذين احتلت مشاريعهم أحسن الرتب إذا كانت المباراة تتعلق فقط بتنفيذ مشروع سبق إعداده أو بإعداد مشروع وتنفيذه في آن واحد وبيان ماصل المشاريع الحاصلة على جوائز.

وتتضمن المباراة دعوة عمومية للمنافسة، ويمكن للمترشحين الذين يرغبون في المشاركة إيداع طلب القبول. ويقتصر إيداع المشاريع على المترشحين المقبولين من طرف لجنة القبول. وتقوم لجنة المباراة بفحص وترتيب المشاريع التي اقترحها المتنافسون المقبولون. وتفتح الأظرفة التي تحتوي على المشاريع المقترحة من طرف المتنافسين في جلسة عمومية، إلا بالنسبة للمباريات التي تطرحها إدارة الدفاع الوطني.

وتقدم اللجنة لصاحب المشروع اقتراحاتها بمنح جوائز أو مكافآت أو امتيازات عندما تكون مقررة في برنامج المباراة. وتحرر لجنة المباراة محضرا عن كل اجتماع من اجتماعاتها ويوقع هذا المحضر خلال الجلسة كل من الرئيس وأعضاء اللجنة. تلصق نتائج المباراة بمقرات صاحب المشروع وتنشر. ويخبر صاحب المشروع المتباري الذي قبل مشروعه في أجل لا يتعدى 10 أيام كاملة ابتداء من تاريخ انتهاء أشغال اللجنة. ويخبر كذلك في نفس الأجل المتبارين الذين تم إقصاؤهم. كما يمكن للسلطة المختصة، دون أن تتحمل أية مسؤولية بهذا الفعل إزاء المتنافسين وفي أية مرحلة من مراحل إبرام الصفقة، إلغاء الصفقة في الحالات التي نص عليها المرسوم المنظم للصفقات العمومية.

أما بالنسبة للفئة الثانية من العقود الإدارية فإنها تبرم، استثناء من طرق إبرام الصفقات، بدون احترام شكليات إبرام الصفقات. ويتم تسديد مبالغها بناء على سند طلب أو بناء على مذكرة وفاتورات.

  1. سندات الطلب [5]

تعتبر سندات الطلب وسيلة تيسيريه أقرها نظام الصفقات العمومية، لتمكين أصحاب المشاريع من انجاز الأشغال أو الخدمات أو اقتناء توريدات ذات كلفة غير مرتفعة نسبيا، دون التقيد بشكليات مساطر إبرام الصفقات. فلقد نصت المادة 75 من المرسوم المنظم للصفقات العمومية السالف الذكر على انه يمكن القيام بناء على سندات طلب باقتناء توريدات وبانجاز أشغال أو خدمات وذلك في حدود مائتي الف درهم.

ويراعى حد السقف المشار إليه أعلاه في إطار سنة مالية واحدة مع اعتبار كل شخص مؤهل للقيام بأي التزام بالنفقات وحسب أعمال من نفس النوع بصرف النظر عن سندها المالي. وتحدد سندات الطلب مواصفات ومحتوى الأعمال المراد تلبيتها وعند الاقتضاء أجل التنفيذ أو تاريخ التسليم وشروط الضمان. كما أنها تخضع إلى منافسة مسبقة ماعدا إذا استحال اللجوء إليها أو كانت تتعارض مع العمل، ويعتبر توقيع سندات الطلب شرطا ضروريا لصحتها وينبغي اتخاذه من طرف السلطة المؤهلة قانونا لذلك، كما ينبغي لها احترام مقتضيات المحاسبة العمومية. ولقد تضمن مرسوم الصفقات لائحة الأعمال الممكن أن تشكل موضوع سندات الطلب وذلك لوضع حد لكل التباس.

ومراعاة لخاصيات مهام بعض القطاعات الوزارية والجماعات المحلية، فقد نصت المادة 57 المذكورة أعلاه على إمكانية رفع السقف المحدد لسندات الطلب في حالة الاستعجال الملح وحالة الضرورة، بترخيص من طرف الوزير الأول بالنسبة لمرافق الدولة، وبترخيص من قبل وزير الداخلية لفائدة الجماعات المحلية وفقا للشروط التي حددها الفصل 53 من نظام محاسبة الجماعات المحلية. هذا وينبغي أن يمنح الترخيص قبل تنفيذ العمل المعني برفع السقف لان سندات الطلب تخضع، كأي التزام بالنفقات، لقواعد المحاسبة العمومية وتأشيرة المراقبة القبلية.

وسواء تعلق الأمر بالفئة الأولى أو الفئة الثانية من الصفقات العمومية، فيعتبر إبرام الصفقة أو توقيعها شرطا ضروريا لتكوين الصفقة وينبغي اتخاذه من طرف السلطة المؤهلة قانونا لذلك. هذا وينبغي التمييز بين التوقيع والمصادقة. فالتوقيع هو العملية التي تعبر من خلالها السلطة المختصة قانونا عن إبرام الصفقة. أما المصادقة فهي العملية التي تراقب من خلالها السلطة الرئاسية أو سلطة الوصاية مشروعية وملاءمة عملية الإبرام، وذلك وفقا لما نص عليه القانون. وبصفة عامة فإن السلطة المختصة بالالتزام بالصفقة العمومية هي الآمر بالصرف أو الآمر بالصرف المساعد أو الشخص الذي ينتدبه للمصادقة على الصفقة. فبالنسبة للدولة تبرم الصفقات العمومية من طرف الوزراء أو كتاب الدولة والذين يمكنهم أن يفوضوا في ذلك، في إطار ظهير 10/4/1957 كما تم تعديله وتتميمه، إلى مساعديهم بالمصالح المركزية، أو إلى المديرين والمندوبين الجهويين والإقليميين وإلى الولاة والعمال بالمصالح الخارجية. وتوضع بكل وزارة لائحة الأشخاص المؤهلين لتوقيع الصفقة بقرار من الوزير المعني بالأمر. وفيما يخص السلطات الأخرى غير السلطة التنفيذية والسلطات الإدارية المستقلة تبرم الصفقة من طرف الآمر بالصرف بالنسبة لهذه الهيئات وغالبا ما يكون رئيس الهيئة.

وفيما يتعلق بالمؤسسات العمومية: تبرم الصفقات العمومية من طرف مدير المؤسسة العمومية، بتكليف من المجلس الإداري، أو الشخص المؤهل حسب قانون المؤسسة العمومية والذي يمكنه التفويض لمساعديه إذا ثم التنصيص على ذلك.

وفيما يخص الجماعات المحلية: تبرم الصفقة العمومية من طرف الآمر بالصرف وهو الوالي أو العامل عامل العمالة مركز الجهة بالنسبة للجهات، والعامل بالنسبة للعمالة أو الإقليم. ويمكنهم التفويض في ذلك إلى مساعديهم. ورئيس الجماعة بالنسبة للجماعة الحضرية أو الجماعة القروية والذي يمكنه التفويض في ذلك إلى نواب الرئيس. ورئيس المقاطعة الجماعية بالنسبة للمقاطعات المحدثة في ظل نظام وحدة المدينة.

ورئيس الهيئة بالنسبة لهيئات الجماعات المحلية.

المحور الثاني

مخالفة قواعد إبرام الصفقات العمومية وتسوية منازعاتها

تقوم الصفقة العمومية كعقد إداري، كما هو الشأن في القانون الخاص، على الرضا إلى جانب الأركان الأخرى. إذ لا يمكن أن تكون ثمة صفقة عمومية إلا إذا تلاقى إيجاب وقبول من الإدارة والمتعاقد معها الذي يقبل الاستجابة للحاجيات المعلن عنها من طرف الإدارة، فذلك جوهر الرابطة التعاقدية. ولا يكفي أن يوجد رضا الإدارة، بل يتعين أن يكون هذا الرضاء سليما بصدوره من جهة الإدارة المختصة وأن يخلو من العيوب التي تشوب الرضا، وأن يكون العقد عقدا صحيحا ومستجمعا كل أركانه وشروط صحته، ومن بينها خاصة احترام شروط إبرام الصفقات العمومية على اختلاف طرقها وأشكالها كما ورد تلخيصها في الجزء الأول من هذا البحث.

وإذا كانت الصفقة العمومية تعتبر مبرمة بمجرد توقيعها من لدن أطراف العقد، فانه لا يحق للأطراف المطالبة بتنفيذ التزاماتهم التعاقدية في غياب المصادقة عليها. غير أن ذلك لا يسمح للأطراف التنصل من التزاماتهم، كما أنه لا يحق للإدارة كذلك أن تقوم بعرقلة المصادقة على الصفقة تعسفيا، تحت طائلة تعرضها للمسؤولية عن الإخلال بالتزاماتها التعاقدية.

هذا ويعتبر كل من الفقه والقضاء الإداري المقارن الصفقات العمومية باطلة [6]: إذا أبرمت في ظروف غير مشروعة، كتوقيعها مثلا من طرف شخص غير مختص. وهو بطلان يعتبر من النظام العام حيث يمكن أثارته تلقائيا من طرف القاضي أو من طرف المتعاقد في كل حين، وحتى في حالة بداية الأعمال. ونفس الأحكام تطبق على الصفقات العمومية غير المصادق عليها أو المصادق عليها في ظروف غير مشروعة، إذ لا يمكن أن تترتب عليها أية أثار قانونية. وكذلك الشأن بالنسبة للأعمال التي تسندها الإدارة إلى المتعاملين معها والتي لا تحترم فيها شروط وقواعد إبرام الصفقات العمومية. وبذلك فانه لا يمكن تنفيذ هذه الصفقات العمومية، كما أنه لا يمكن للأطراف الانتفاع من التزاماتهم التعاقدية في حالة تنفيذها. هذا ويجوز لطرفي العقد الدفع ببطلان الصفقة العمومية، ويبقى القاضي وحده هو المؤهل بالتصريح ببطلانها.

وإذا حصل تنفيذ المتعامل مع الإدارة للأعمال المطلوبة منه، بمقتضى صفقة باطلة: لوجود عيب من العيوب التي تشوب الرضا، أو لاختلال أحد أركانها وشروط صحتها، أو غير مصادق عليها، أو مصادق عليها في ظروف غير مشروعة …، فيمكن أن يكون له الحق في التعويض اعتمادا، حسب الحالة، إما على المسؤولية الشبه تعاقدية أو استنادا إلى المسؤولية التقصيرية للإدارة .

  1. مخالفة قواعد وشروط إبرام الصفقات العمومية

من الناحية العملية فان الإدارة لا تلتزم دائما تحت ضغط ظروف مختلفة بمقتضيات قانون الصفقات العمومية فتبرم (صفقة) مخالفة للإجراءات التنظيمية المتعلقة بكيفيات إبرام الصفقات العمومية وتلك المتعلقة بالالتزام المسبق بالنفقات والمحاسبة العمومية، أو تطلب شفويا أو كتابة من المقاول أو الممون أو الخدماتي انجاز أشغال أو توفير أدوات أو القيام بخدمات على أمل أن تقوم الإدارة بالتسوية فيما بعد.

وقد تتوفق الإدارة في عملية التسوية متى كان مبلغ الأعمال المنجزة لا يتجاوز السقف المسموح به في إطار الاشتراءات بناء على سند طلب، ومتى توفرت الاعتمادات، وكذلك متى لم يقع تغيير في المسؤولين القائمين على عملية الشراء. لكن الإدارة لا يكون التوفيق دائما حليفها في عملية التسوية خاصة إذا كانت قيمة الأشغال المنجزة أو المواد المحصل عليها أو الخدمات المستفاد منها تتجاوز السقف المسموح به في إطار سندات الطلب وتتطلب إبرام صفقة لابد فيها من احترام شكليات ومساطر قبلية عن الشروع في انجاز الأعمال. وهو الأمر الذي لا تستطيع الإدارة استدراكه رغم توفر حسن النية، حيث تجد في مواجهتها أحكام النصوص التشريعية والتنظيمية. وأمام هذه الوضعية لا يجد المتعاقد شفويا (أو كتابة خرقا للمقتضيات التنظيمية) مع الإدارة بدا من اللجوء إلى القضاء للحصول على حكم بأحقيته في مبالغ الأعمال المنجزة.

وغالبا ما يكون مساندا في طلبه بصفة غير مباشرة من طرف الإدارة إما بالإشهاد له باستلام الأعمال وإما بعدم الجواب على المذكرات التي يتقدم بها المدعي إلى المحكمة، أو بالتزام الصمت فيما يخص تجاوز حد السقف المسموح به في إطار سندات الطلب وحسب أعمال من نفس النوع بصرف النظر عن سندها المالي، أو بالتذرع بالصعوبات المرتبطة بعدم توفر الاعتمادات أو بتشدد قواعد المحاسبة العمومية. وبذلك فان موقف الإدارة كمدعى عليها لا يقل حرجا عن موقف المدعي واللذان ينتظران جميعا من القضاء حلا لإخلالهما المتمثل في عدم احترام نظام الصفقات العمومية. لكن المدعي لا تكون دائما مهمته سهلة أمام القضاء في الحالة التي يفقد فيها الصلة بالمسئولين الإداريين الذين طلبوا منه إنجاز الأعمال، وذلك في حالة تغييرهم أو في حالة وقوع خلاف بين الإدارة والمتعاقد معها (شفويا أو كتابة) خرقا للقانون. وكثيرا ما ينصف القضاء المتضرر، بان يستوحي من حين لآخر من الوضعيات شبه التعاقدية التي يعرفها القانون المدني (كدفع غير المستحق والفضالة وخاصة نظرية الإثراء بلا سبب)، إذا كان المدعي يتوفر على الإثبات ولكن على حساب المشروعية.

ومن بين حالات الاعتداء على المشروعية (مشروعية احترام قواعد إبرام الصفقات العمومية وقواعد المحاسبة العمومية والالتزام المسبق بالنفقات) المسجلة في هذا المجال، نستحضر على سبيل المثال لا الحصر بعض الاختلالات التي تصيب إبرام الصفقات العمومية:

  • مخالفة مقتضيات المرسوم رقم 2-06-388 بتاريخ 5 فبراير 2007 المنظم للصفقات العمومية الذي حدد الشروط والكيفيات التي تبرم وفقها صفقات الأشغال والتوريدات والخدمات، وأشار أن القاعدة في إبرام هذه الصفقات تكمن في اللجوء إلى المنافسة القبلية وتيار أوسع بين المتعهدين واعتماد مبدأ المساواة في التعامل معهم واختيار العرض الأفضل اقتصاديا وحسن استعمال المال العام، وأجاز في حالات محدودة اللجوء إلى المسطرة التفاوضية.
  • مخالفة المادة 78 من نفس المرسوم التي تنص على أن الصفقات لا تعتبر صحيحة ونهائية إلا بعد المصادقة عليها من طرف السلطة المختصة، وعلى أن هذه المصادقة يجب أن تتم قبل أي شروع في تنفيذ الأعمال.
  • الشروع في تنفيذ الأعمال من لدن المتعامل مع الإدارة دون سند تعاقدي صحيح ونهائي ودون أن تتوفر الإدارة على الاعتمادات المالية بميزانيتها أو عدم كفايتها.
  • مخالفة المادتان 3 و 7 من المرسوم 2-07-1235 الصادر في 4/11/2008 واللتان تنصان على أن مراقبة الالتزام بالنفقات تتم قبل أي التزام، وأنه يتعين على المصالح الآمرة بالصرف، قبل الشروع في تنفيذ الصفقات، أن تبلغ مع المصادقة، إلى صاحب الصفقة مراجع التأشيرة وأنه يتعين على هذا الأخير أن يطالب بها عند الاقتضاء في حالة عدم توصله بها.
  • مخالفة مقتضيات قانون المحاسبة العمومية، وخاصة قاعدة الاختصاص فيما يخص الالتزام بالنفقات.

فالالتزام بالنفقة لا يمكن التعهد به إلا من طرف الآمر بالصرف الذي يعمل وفقا لسلطاته. وبذلك فانه يجب أن لا تقدم المصالح المعنية بالأمر أي طلب للأشغال أو الأدوات أو الخدمات إلى الدائنين المحتملين ما لم يوقع الآمر بالصرف على سندات الطلبات أو مشاريع العقود.

  • تجاوز السقف المحدد والمسموح به نظاميا للقيام بأعمال بناء على سندات الطلب.
  • مخالفة شروط وقواعد الإثبات المنصوص عليها في نظام الصفقات العمومية كجداول المنجزات والوضعيات والجرود، وتلك المذكورة في نظام المحاسبة العمومية حيث لا يكون الإثبات إلا بشهادة تثبت الخدمة، أو بشهادة تؤكد تسلم الإدارة للأشغال أو الأشياء، أو ببيان حسابي يتضمن الكمية والمبلغ النقدي للأشياء المسلمة أو الأشغال المنجزة، أو بمحضر أو بتصريح عون مختص.
  1. تسوية المنازعات المنبثقة عن مخالفة شروط إبرام الصفقات العمومية

يستوحي القاضي والفقه الإداري المقارن من حين لآخر من الوضعيات الشبه التعاقدية التي يعرفها القانون المدني متى اتفقت تلك الوضعيات مع طبيعة القانون الإداري وقواعده الضابطة لسير المرفق العام (كالفضالة، ودفع غير المستحق، والإثراء بلا سبب). وقد طور القضاء الإداري، وخاصة القضاء الفرنسي مفهوم شبه العقد بمناسبة العقود الباطلة أو العقود التي ينقصها احد شروط تكوينها أو المتجاوزة مدتها، ويعود ذلك إلى استقلالية القانون الإداري وذاتيته. فشيد نظرية إدارية خاصة تجيب متطلبات الحياة الإدارية وتتماشى ومقتضيات القانون الإداري. وتطبيقا لذلك أخذت فكرة الإثراء بلا سبب على الخصوص تسد النقص وتحقق التوازن المختل سواء خلال مرحلة إبرام الصفقة أو مرحلة تنفيذها. فلقد كشفت التطبيقات القضائية عن استخدام الفكرة لتعويض المترشح للتعاقد أو المتعاقد الفعلي، عن افتقاره الناتج عما قام به من أعمال نافعة أثرت جهة الإدارة، في الحالات التي لم تبرم فيها الصفقة بصفة نهائية. أو في الحالات التي كان فيها العقد باطلا لسبب أو لآخر. أو في الحالة التي لم يحترم فيها المتعاقد إطار الصفقة فقام بأعمال إضافية لم ينص عليها العقد إلى غير ذلك من الحالات التي ينصف فيها المتعاقد. حيث لا توجد ثمة رابطة عقدية يمكن للمترشح أو للمتعاقد الفعلي الاعتداد بها في مواجهة الإدارة ومن ثم توجد عقبة تحول دون استفادته بأي دعوى عقدية في مواجهتها [7].

وقد اعتنق، مبكرا، مجلس الدولة الفرنسي والمحاكم الإدارية الفرنسية هذا الاتجاه واستقر – كلما أتيحت له الفرصة – على التصريح ببطلان الصفقات العمومية، بمناسبة دفع أطراف العقد بذلك، أو تلقائيا عندما يتعلق الأمر بالاختصاص .ودأبت نفس الجهات القضائية على القيام بتسوية النزاعات، إذا حصل تنفيذ المقاول أو الممون أو الخدماتي أعمال تندرج ضمن الحالات المشار إليها في الفقرة أعلاه، إما اعتمادا على المسؤولية شبه التعاقدية أو استنادا إلى المسؤولية التقصيرية للإدارة والتي ينبغي أن يثيرها المدعي. كما أن الفقه الإداري المقارن يتبنى نفس الموقف[8].

أما عن القضاء الإداري المغربي، فانه يبدو من خلال عدد غير قليل من الأحكام والقرارات – أو على الأقل من خلال القرارات والأحكام التي أتيح لنا الاطلاع عليها -، أن القاعدة هي أنه لا يتوقف عند الدفع ببطلان الصفقة العمومية، ولا يتبنى غالبا نفس التمييز بين أنظمة المسؤولية بالنسبة للصفقات العمومية (المسؤولية العقدية والمسؤولية شبه العقدية والمسؤولية التقصيرية )، ويحكم بأحقية المدعي في التعويض متى تأكد له ثبوت الدين وبغض النظر عن خرق قواعد المشروعية أو مساهمة المدعي بخطئه في مخالفتها.

وفيما يخص عملية الإثبات نجد القضاء الإداري المغربي، يحكم بأحقية الدين حتى في الحالات التي يكون فيها إثبات الدين المعتمد من لدنه، يخالف شروط وقواعد الإثبات المنصوص عليها في نظام الصفقات العمومية كجداول المنجزات والوضعيات والجرود الموقعة من ذوي الاختصاص، وتلك المذكورة في نظام المحاسبة العمومية حيث لا يكون الإثبات إلا بشهادة تثبت الخدمة، أو بشهادة تؤكد تسلم الإدارة للأشغال أو الأشياء، أو ببيان حسابي يتضمن الكمية والمبلغ النقدي للأشياء المسلمة أو الأشغال المنجزة، أو بمحضر أو بتصريح عون مختص. كما إن وسائل الإثبات المعتمدة قد تتعارض أحيانا مع نظرية وجوب توافر رضاء الإدارة الصريح أو الضمني بالأعمال التي يقدمها المدعي، وأن تكون الأعمال المسببة لافتقاره وإثراء الإدارة نافعة للأخيرة منفعة حقيقية، خاصة إذا علمنا انه قد يحدث أن لا تستفيد الإدارة مباشرة كمرفق عام من بعض الأعمال المنجزة، وإنما يمكن أن يستفيد منها شخصيا بعض المسؤولين القائمين على تدبير الشأن العام بالإدارة المعنية. وهو الأمر الذي يجعل غالبا، الإدارة المدعى عليها – وفي الحالات التي تعرف تغييرا في المسؤولين الإداريين – تدفع بعدم استفادة المرفق العام من الأعمال موضوع النزاع، أو أن الأوامر ببداية الأعمال أو تسلمها صادرة عن أشخاص لا يبيح لهم القانون إعطاء تلك الأوامر وتسلم الأعمال.

وبهذا التكييف أخذت الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى في القرار 677 المؤرخ في 23/6/2003 ملف إداري لأول عدد 63/4/2003 المجلس البلدي لمدينة القصر الكبير ضد مصطفى … ” حيث يعيب المجلس البلدي على الحكم المستأنف انعدام التعليل ذلك أنه دفع بعدم الاختصاص النوعي استنادا لمقتضيات الفصل 8 من القانون 90/41 لعدم وجود أية وثيقة تثبت أي اتفاق أو عقد إداري كما دفع بالتقادم استنادا للفصل 388 من قانون الالتزامات والعقود والأوامر ببداية الأشغال صادرة عن أشخاص لا يبيح لهم ظهير 30/9/1976 إعطاء تلك الأوامر والحكم لم يجب على تلك الدفوع، لكن من جهة حيث أن الأشغال المتنازع حولها تتعلق بتنفيذ أعمال على عقار لحساب الشخص العام المجلس البلدي المدعى عليه أجل تحقيق غرض من أغراض المنفعة العامة أي بعقد إداري والمحكمة كانت على صواب لما بثت في الطلب باعتبارها الجهة القضائية المختصة نوعيا للبت فيه عملا بمقتضيات الفصل 8 من القانون 41/91 المحدث للمحاكم الإدارية. ومن جهة أخرى حيث أن المحكمة عللت حكمها بما فيه الكفاية بعدما ثبت لها أن الأشغال أنجزت لفائدة المدعى عليه المستأنف واستفاد منها كما يتأكد من الأوامر ببداية الأشغال رقم 1448، 1498، 1122، 2311 و 415 الموقعة من رئيس المجلس البلدي الآمر بالصرف وكما أثبته الإشهاد الصادر عن المهندس البلدي ورئيس المجلس المذكور المحرر في 10/2/1996 والإشهاد المؤرخ في 22/4/1995 والرسالة المؤرخة في 13/2/1995 تحت رقم 415 بقيام المدعية بالأشغال موضوع الطلب وبالتالي ثبوت مديونية المجلس المدعى عليه بقيمتها”.

وفي نفس الاتجاه سارت المحكمة الإدارية بمراكش من خلال الحكم رقم 443 بتاريخ 22/10/2003 في الملف عدد 3-13-154 ش. بشان مطالبة إحدى المقاولات بمبلغ 1.154.541.40 درهم مقابل إنجازها لفائدة بلدية مراكش المدينة لمجموعة من الأشغال تتعلق بإزالة الركام مع الفوائد القانونية دون إبرام صفقة عمومية، فدفعت المدعى عليها بعدم إدلاء المدعية بما يثبت القيام بالأشغال موضوع المبلغ المطلوب، مشيرة إلى أن الإثبات في إطار الصفقات العمومية لا يتم إلا من خلال إبرام الصفقة وفقا لقواعد وشروط إبرام الصفقات العمومية وأن الجماعة لا يمكنها إبرام أية صفقة في الموضوع إلا بعد إدراجها بإحدى دورات المجلس الجماعي واتخاذ مقرر بشأنها والمصادقة عليه من طرف الوزارة الوصية. وقد استجابت المحكمة لطلب المدعية دون تحديد لنظام المسؤولية، معللة حكمها بما يلي: ” وحيث إن الأشغال المحددة في بيان الأشغال المحرر من قبل المدعية بتاريخ 8/11/1993 والمؤشر عليه من قبل السيد محمد… عن البلدية وكذا الأشغال الواردة بالبيان التقديري للأثمنة الأحادية والإجمالية المرفق به هي نفس الأشغال الواردة بالفواتير التي أقامتها المدعية والتي تسلمتها المدعى عليها بتاريخ 5/4/1996 وأشرت عليها بدون تحفظ منها، الأمر الذي تعتبر معه منازعة البلدية بعد ذلك في قيمة هذه الانشغال غير مرتكزة على أساس ويبقى من حق المدعية استيفاء مقابل هذه الأشغال المحدد في مبلغ 1.154.541.40 درهم بما في ذلك قيمة الأشغال وواجب الضريبة على القيمة المضافة “.

وقد أتيح للمحاكم الإدارية الأخرى، أن تؤصل بدورها هذا الموضوع على نحو مماثل في العديد من أحكامها بمناسبة البت في النزاعات المتعلقة بالصفقات العمومية. وهكذا وعلى سبيل المثال لا الحصر فلقد جاء في الحكم المؤرخ في 26/9/2005 الصادر عن المحكمة الإدارية بالدار البيضاء في الملف عدد 96-2005 ت بشان أداء مبلغ 59.912.75 درهم الذي تطالب به إحدى المقاولات مقابل تزويد الجماعة بأدوات مدرسية، ودفع الجماعة بعدم احترام المقتضيات القانونية: ” وحيث إن الثابت من وثائق الملف أن المدعية ارتبطت مع الجماعة الحضرية بوشنتوف من أجل تزويدها ببعض الأدوات المدرسية وأن هذه الأخيرة تسلمت فعليا هذه الأدوات ووقعت على وصل التسليم بدون تحفظ، إلا أنها لم تدل بما يفيد تحررها من الالتزامات المترتبة عن العقد الأمر الذي يكون معه الطلب وجيها ويتعين الاستجابة إليه “.كما جاء في الحكم رقم 13 -2005-485 ش بتاريخ15/12/2005 الصادر عن المحكمة الإدارية بمكناس في الملف رقم 153-13-2004 ش بشان الطلب الذي تقدمت به إحدى المقاولات بأداء مبلغ 4.471.40 درهم في إطار تزويد بلدية مولاي علي الشريف بمواد مختلفة والذي نازعت فيه الجماعة في القوة الإثباتية للوصولات متذرعة بان المعاملة تمت بصفة غير قانونية، أي بتجاوز سقف المسموح به بالنسبة لسندات الطلب: ” حيث إن الجماعة المدعى عليها لم تدل بأية حجة تفيد أن المبلغ المحدد من طرف الخبير محل منازعة أو أن المعاملة تشوبها خروقات قانونية تؤثر على سلامتها أو ما يفيد الوفاء بها، الشيء الذي يتعين معه المصادقة على تقرير الخبير والحكم على الجماعة المدعى عليها بأدائها لفائدة المدعي مبلغ 744471.40 درهم .”

وإذا كانت القاعدة هي أن القضاء الإداري المغربي لا يتوقف في غالبية قراراته وأحكامه عند الدفع ببطلان الصفقة العمومية، ولا يتبنى غالبا التمييز بين أنظمة المسؤولية العقدية والمسؤولية شبه العقدية والمسؤولية التقصيرية بالنسبة للصفقات العمومية، ويحكم بأحقية المدعي في التعويض متى تأكد له ثبوت الدين وبغض الطرف عن مخالفة شروط الاثبات المنصوص عليها في نظام الصفقات العمومية ونظام المحاسبة العمومية، وبغض النظر عن خرق قواعد المشروعية أو مساهمة المدعي بخطئه في مخالفتها، فإننا نجد من حين لآخر، في حيثيات بعض أحكام المحاكم الإدارية، بعض المصطلحات المقتبسة من نظام المسؤولية شبه العقدية أو المسؤولية التقصيرة، وذلك بالرغم من تأطير قضايا النزاع في إطار المسؤولية العقدية، وهو موقف حاد التناقض.

وفي هذا الصدد قضت المحكمة الإدارية بمكناس من خلال الحكم رقم 3-2001-13 ش بتاريخ 29/11/2001 في الملف رقم 2-2001-13 ش بشان مطالبة أحد التجار لبلدية مولاي ادريس، في إطار المسؤولية التعاقدية، بأداء مبلغ 105.295 درهم لفائدته بالإضافة إلى تعويض قدره 10 آلاف درهم مقابل توريد كميات من السلع من مواد البناء وغيرها لفائدة المجلس، ودفع هذا الأخير بعدم قبول الدعوى لعدم الإثبات، موضحا بأن محضر الاجتماع وطلبات التزويد لا اعتبار لهما في إثبات الدين المطالب به لأنه يخرج عن المرسوم رقم 577/76/2 بشأن إثبات مراقبة الالتزام. ومما جاء في حيثيات الحكم، رغم تجاوز السقف المسموح به في إبرام سندات الطلب، ما يلي: ” وحيث إن السندات المذكورة موقعة من طرف المعنيين بها، ولم يتم إثارة أي دفع جدي بخصوصها من شأنه التشكيك في مصداقيتها، لذلك يكون الدفع المؤسس على مقتضيات المرسوم عدد 577-76-2 دفعا مرسلا غير كاف لاستبعاد مسؤولية المجلس بالدين المطالب به.

إذ لا يمكن إثراء الجماعة بدون سبب على حساب الممول. مما حاصله أن الدين المطالب به قائم وبالتالي يلزم أداؤه. ”

ونجد نفس الاتجاه في الحكم رقم 326 بتاريخ 20 رجب 424 موافق 17/9/2003 ملف رقم 03/13/207 ش الصادر عن إدارية مراكش “وحيث إن إصدار الجماعة للأمر بالشروع في العمل رغم عدم حصولها على المصادقة على الصفقة يحملها مسؤولية ما نتج عن تصرفها هذا من أضرار للمدعية التي نفذت الأمر المذكور وقامت بإنجاز جزء من الأشغال، فتعتبر بالتالي المدعية بالاستناد لمقتضيات المادة 8 من القانون رقم 41/90 المحدث للمحاكم الإدارية محقة في مطالبة الجماعة بمقابل ما قامت به من أشغال كتعويض عما لحقها من ضرر بسبب العمل غير المسؤول الذي قامت به الجماعة بتسليمها الأمر بالخدمة قبل حصولها على المصادقة على الصفقة، ويتعين تقدير هذا التعويض بقيمة الأشغال المنجزة فعلا. وحيث تقر الجماعة بقيام المدعية بنسبة 30 %من أشغال الصفقة على الوجه المطلوب وبقيمة 120.000.00 درهم مما يتعين معه الحكم بأداء المبلغ المذكور لفائدة المدعية. ”

واستنادا على ما سبق، فإننا لا نتفق مع ما ذهبت إليه بعض المحاكم الإدارية من خلط بين أنظمة المسؤولية في فض النزاعات المتعلقة بالصفقات العمومية. والراجح في تقديرنا هو ضرورة الأخذ بمعيار واضح للتمييز بين الحالات المعروضة على القضاء الإداري حتى لا تتضارب الآراء والتوجهات ومن ثم الأحكام القضائية، ونحن نرى في هذا الصدد أن يكون الأساس في كل منازعة تتعلق بالصفقات العمومية تسوية المنازعات المترتبة عن مخالفة شروط إبرام الصفقات العمومية هو تحديد نظام المسؤولية الذي تثار فيه المنازعة، هل هي تعاقدية أم شبه تعاقدية أم تقصيرية، والحكم وفقا لما يتأكد ويثبت للمحكمة.

  1. أنظمة المسؤولية المعتمدة في تسوية منازعات مخالفة شروط إبرام الصفقات العمومية

وتأسيسا على ما تقدم وحتى لا يتحول القاضي الإداري من قاض للمشروعية إلى قاض يشجع على خرق المشروعية: مشروعية احترام قواعد إبرام الصفقات العمومية وقواعد المحاسبة العمومية، فيجب على المدعي أن يبين بوضوح نظام المسؤولية الذي يؤسس عليه دعواه: هل هي مسؤولية تعاقدية ؟ أو مسؤولية شبه تعاقدية ؟ أو مسؤولية تقصيرية ؟ ويتعين على المحكمة أن تبت في حدود طلبات الطرف المدعي ولا يسوغ لها أن تغير تلقائيا موضوع أو سبب هذه الطلبات .وبذلك يتحمل الممون أو المقاول أو الخذماتي وعلى مسؤوليته تداعيات ومخاطر نظام المسؤولية الذي يؤطر فيه دعواه، والذي قد يسفر عن عدم تعويضه، خاصة إذا اكتشف القاضي الإداري تفريط المدعي، أو سوء نيته في خرق مشروعية احترام قواعد إبرام الصفقات العمومية وقواعد المحاسبة العمومية، والتي وعلى خلاف ما يعتقد البعض، فهي تلزم الإدارة والمتعاقد معها، إذ تعتبر شرط صحة بالنسبة للصفقات العمومية. فضلا عن عدم استفادة المدعي من الضمانات التي حددها المشرع بالنسبة للمتعاقدين مع الإدارة في إطار احترام المشروعية: مثل الاستفادة من فوائد التأخير في الأداء.

واستنادا للاعتبارات السالفة الذكر فان الممون أو المقاول، قد لا يستحق التعويض في إطار المسؤولية التعاقدية إذا اكتشف القاضي صفقة غير مبرمة بصفة نهائية أو عدم وجود صفقة أو سند تعاقدي صحيح ونهائي، أو بطلانها نظرا للاختلالات التي أحاطت بمشروعية احترام قواعد إبرام الصفقات العمومية وقواعد المحاسبة العمومية من جانب الطرفين. وذلك على اعتبار أن العقد الإداري يلزم عاقديه بكل ما يجيء به، فهو يتضمن قوة ملزمة لطرفيه باحترامه، بالنسبة إلى كل أحكامه. فالعقد بالنسبة إلى المتعاقدين، وفي حدود العلاقات التي يحكمها، كالقانون، فلا يستطيع أحدهما أن يستقل بنقضه ولا بتعديله ما لم يصرح له القانون بذلك. كما أن العقد لا يصبح واجب التنفيذ، إلا إذا انتهى القاضي الإداري إلى أن هناك عقدا صحيحا ومستجمعا كل أركانه وشروط صحته.

وبهذا المعنى قضى مجلس الدولة الفرنسي بموجب القرار رقم 291607 بتاريخ 24 نونبر 2008 (المنشور بمجموعة لبون) بشان الطلب الذي تقدمت به ” شركة صوجيا الجنوب ” – بعد رفض طلبها بمختلف درجات التقاضي – من أجل إلغاء قرار محكمة الاستئناف الإدارية القاضي برفض طلب إلغاء حكم المحكمة الإدارية، الذي قضى برفض طلب المدعية الرامي إلى الحكم على الشركة الجهوية للتجهيز بمونبوليي بأدائها لفائدة المدعية مبلغ 50.343.553 فرنك فرنسي مع الفوائد القانونية، برسم ثمن صفقة الأشغال المبرمة بين الطرفين والمتعلقة بانجاز الأشغال الكبرى لقصر المؤتمرات والأوبرا الجهوية بمونبليي. فبعد أن تبين لمجلس الدولة بطلان الصفقة موضوع النزاع بالتبعية بسبب بطلان الاتفاقية التي عهد بموجبها رئيس بلدية مونبليي إلى الشركة الجهوية للتجهيز تنفيذ المشروع المذكور في إطار الإشراف المنتدب دون أن يتوفر على ترخيص من المجلس، وأثار إمكانيات التعويض المنبثقة عن بطلان الصفقة، قضى مجلس الدولة بما يلي:

” وحيث إن “شركة صوجيا الجنوب ” لم تتقدم في أي مرحلة من مراحل الدعوى، بأي طلب باسترجاع النفقات ذات الفائدة بالنسبة لصاحب المشروع والتي التزمت بها، أو بطلب التعويض عن الضرر المترتب عن بطلان الصفقة العمومية والناتج عن خطأ الإدارة، وأن كل ما يمكن أن يترتب على مستنتجات المدعية المستندة حصرا على احترام الالتزامات التعاقدية هو أن تكون جديرة بالرفض “.

وفي نفس الإطار ولكن بمنحى آخر يتعلق بعدم احترام الالتزامات التعاقدية قضت محكمة الاستئناف الإدارية بباريس بموجب القرار رقم  PA00919 06 بتاريخ 16 سبتمبر 2008 (المنشور بمجموعة لبون) بشان الطلب الذي تقدمت به ” شركة لباطي ” من أجل إلغاء حكم المحكمة الإدارية بباريس القاضي برفض طلبها الأصلي الرامي إلى الحكم على الشركة الوطنية للسكك الحديدية بأداء مبلغ 506952 ف .ف. كتعويض عن النفقات الإضافية المترتبة عن الصفقة المبرمة بين الطرفين والمتعلقة بأشغال تجديد محطة فيرساي، وطلبت احتياطيا بإدانة المدعى عليها بأداء المبلغ المذكور في إطار نظرية الإثراء بلا سبب. فبعد أن تبين للمحكمة أن المدعية لم تحترم الآجال المنصوص عليها في دفتر الشروط العامة لتقديم مطالبتها إلى السلطة المختصة أو تقديم الدعوى، قضت المحكمة بسقوط مطالبها في إطار المسؤولية التعاقدية بسبب عدم احترامها للآجال المحددة: ” وحيث أنه، يترتب عن ذلك، أن الطلبات والمستنتجات الاحتياطية الرامية إلى إدانة الشركة الوطنية بأداء مبلغ 506952 ف .ف. في إطار نظرية الإثراء بلا سبب يكون مصيرها عدم القبول “.

وفيما يخص احترام آجال المطالبة وتقديم الدعوى أمام المحكمة المختصة، فتجدر الإشارة إلى أن دفتر الشروط الإدارية العامة المغربي يتضمن مقتضيات مماثلة (المادتين 71 و 72)، ولكنها وللأسف غير مفعلة من طرف القضاء الإداري. وتقضي هذه المقتضيات بتوجيه المقاول، في حالة نشوء صعوبات خلال تنفيذ الصفقة، مذكرة مطالب يعرض فيها تظلماته إلى السلطة المختصة، مع إمكانية رفع مذكرة في حالة النزاع مع السلطة المختصة، إلى الوزير المعني تحت إشراف هذه الأخيرة، وأحاط كل ذلك بآجال محددة. ومن ضمن هذه المقتضيات نجد أنه إذا لم يرفع المقاول مطالبه أمام المحكمة المختصة داخل أجل 6 أشهر من تاريخ تبليغ قرار الوزير حول المطالب التي نتجت عن الكشف التفصيلي العام والنهائي، اعتبر كما لو قبل مضمون القرار المذكور وتسقط بالتالي جميع مطالبه.

أما إذا كان وقد حصل تنفيذ المقاول أو الممون أو الخدماتي، فيمكن أن يكون له الحق في التعويض اعتمادا، حسب الحالة، إما على المسؤولية شبه التعاقدية أو استنادا إلى المسؤولية التقصيرية للإدارة. ولكي يتأتى ذلك فان المدعي ملزم بتأطير دعواه في إطار احد هذين النظامين أو هما معا.

ففي الحالة الأولى يمكن للمتعاقد مع الإدارة، اعتمادا على نظرية الإثراء بلا سبب، المطالبة باسترجاع الأعمال التي قام بتنفيذها وأدت إلى افتقاره، وألا يكون هذا الافتقار راجعا إلى خطأ المفتقر [9]، لأنه إذا حصل الافتقار نتيجة خطأ المفتقر أو إهماله فهو الذي يتحمل وزر الخطأ والإهمال ولا يجوز له أن يرجع على الإدارة ولو أثريت هذه الإدارة من هذا الافتقار. ولكي يتمكن المدعي من استرجاع الإثراء يلزم توفر شرطين أساسيين اثنين:

  1. يجب أن تكون الأعمال التي أدت إلى افتقاره ذات فائدة ومنفعة حقيقية بالنسبة للإدارة. ويتحمل المدعي عبء البرهنة على تحقيق هذه الأعمال لمنفعة حقيقية للإدارة، حيث إن هذه الأخيرة غير ملزمة إلا بدفع مبلغ الأعمال التي استفادت منها وفي حدود ما حققته تلك الأعمال من منفعة لها، بينما لا يصرف للمتعامل مع الإدارة أي تعويض إذا لم تكن لهذه الأشغال أي فائدة بالنسبة للإدارة، وفي الحالة التي يكون فيها الافتقار راجعا إلى خطأ المفتقر. وهذا شرط قد يصعب أحيانا إثباته، ومن شأنه أن يجعل المقاول يفكر
    أكثر من مرة قبل الإقدام على القيام بأعمال خارج النصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل.
  2. يجب ثانيا أن تكون الأعمال قد أنجزت برضا صاحب المشروع، بمعنى وجوب توافر رضاء الإدارة الصريح أو الضمني بالأعمال التي يقدمها المدعي. وكثيرا ما يتعذر على المدعي إثبات ذلك في الحالة التي تكون فيها عدم المشروعية تهم صفقة غير مبرمة بصفة نهائية.

أما في الحالة التي تنتج فيها عدم مشروعية الصفقة عن خطأ الإدارة، فانه يمكن للمقاول الحصول على تعويض عن الأضرار الناتجة عن هذا الخطأ، استنادا على المسؤولية التقصيرية. وينبغي، مبدئيا، أن يغطي مبلغ التعويض جميع المصاريف الملتزم بها من طرف المقاول، دون تعويض لما فاته من ربح. وأخيرا فانه لابد من التوضيح أن المسؤولية التقصيرية للإدارة لا يمكن إقرارها إلا إذا كانت المبالغ المستحقة للمقاول والتي التزم بها برسم النفقات المفيدة للإدارة، لا تتجاوز المبالغ التي كان ينبغي له أن يتقاضاها تطبيقا للالتزامات التعاقدية. ويأخذ القاضي بعين الاعتبار تهور المتعاملين مع الإدارة وتسابقهم الغير البريء بشكل تكون فيه مسؤولية هذه الأخيرة محدودة.

ولقد استقر مجلس الدولة الفرنسي على تطبيق النظريتين في مجال تسوية منازعات الصفقات العمومية الباطلة (نظرية المسؤولية شبه العقدية ونظرية المسؤولية التقصيرية)، فهو نوه إلى وجوب توافر رضاء الإدارة الصريح أو الضمني بالأعمال التي يقدمها المدعي، كما نوه إلى وجوب أن تكون الأعمال المسببة لافتقار المدعي وإثراء الإدارة نافعة للأخيرة، وحمل المدعي عبء البرهنة على تحقيق هذه الأعمال منفعة حقيقية للإدارة. وتطبيقا لذلك ذهب إلى أن الشركة المدعية لا تستطيع الحصول على مقابل الأعمال التي قامت بها، إلا في حدود ما حققته تلك الأعمال من منفعة لجهة الإدارة. كما رفض تطبيق نظرية الإثراء بلا سبب لتعويض المدعي الذي لم يترتب على ما قدمه من أعمال تحقيق منفعة لجهة الإدارة [10]، ولكنه عوضه بالرغم من ذلك استنادا لخطا الإدارة [11]. ولقد جمع ضوابط تطبيق النظرية في حكمه في قضية ” الإدارة العامة للإسعاف العمومي “، فقضى بتعويض المهندس الاستشاري عن ما قدمه من أعمال نافعة برضاء الإدارة رغم عدم إبرام العقد، استنادا لنظرية الإثراء بلا سبب وفي نفس الوقت رفض تخويله الحق في اقتضاء الثمن والفوائد استنادا لمقتضيات نظام العقود الإدارية، لعدم وجود العقد من الناحية القانونية [12]. وظاهر من ذلك أن تطبيق قواعد الإثراء بلا سبب يقتضي استبعاد قواعد المسؤولية العقدية.

وخلاصة القول، تجدر الإشارة إلى أنه ولئن كان من المعلوم قانونا أنه ينبغي للقاضي الإداري الحرص على أداء دوره الوظيفي، المتمثل في تسوية النزاعات المعروضة على المحكمة، فان ذلك لا ينبغي أن ينسيه بأنه يتعين عليه أن يستنبط أحكامه من القواعد القانونية الجاري بها العمل ومن المبادئ العامة للقانون والمفاهيم والنظريات والأنظمة التي بلورها الاجتهاد القضائي وثمنها الفقه الإداري. فالمتأمل في التجربة الحالية للقضاء الإداري المغربي في مجال الصفقات العمومية والتي يطبعها تكريس ممارسة يطبعها البحث عن تسوية المنازعات المنبثقة عن الصفقات الباطلة في إطار المسؤولية العقدية، يلاحظ أن هذا القضاء يعطي الانطباع على أنه يبارك عدم المشروعية. فلقد أصبح معلوما لدى العديد من المتعاملين مع الإدارة أن ما تم التعاقد فيه خرقا للقانون وتعذر تسويته بسبب عجز الإدارة وموقف المراقبة المالية، يمكن حله على مستوى المحاكم الإدارية. وهذا أمر، إذا كان من شانه إبراز الجانب المشرق للقضاء الإداري في تسوية النزاعات وإنصاف المتعاملين مع الإدارة المتضررين، فانه يسيء كثيرا إلى هذه المؤسسة عند قيامها بتسوية النزاع في الإطار التعاقدي رغم ثبوت خرق أطراف العقد الإداري للمقتضيات التنظيمية للتعاقد الإداري وأحكام المحاسبة العمومية.

لأجل ذلك، فان الوضع الراهن يقتضي، الآن وأكثر من أي وقت مضى، أن ينهض القاضي الإداري المغربي -وهو يسعى لتحقيق الإنصاف بمناسبة تسويته لمنازعات مخالفة شروط إبرام الصفقات العمومية- ويستوحي بدوره من الوضعيات شبه التعاقدية والتقصيرية التي يعرفها القانون المدني في مفهومها الذي طوره مجلس الدولة الفرنسي، الذي يعتبر مصدر استلهام عالمي. وبذلك يساهم القضاء الإداري المغربي في لبنات الإصلاح في مجال الصفقات العمومية، بتكريس سلوك يقر بمسؤولية المتعاقد مع الإدارة في الحالة التي يساهم فيها بخطئه (أو بتواطئه) على خرق مبدأ المساواة في التعامل مع المتنافسين والشفافية في اختيارات صاحب المشروع. ومن شأن تطبيق هذه المبادئ والنظريات أن تحد من الخروقات، وأن تمكن من تأمين الفعالية في الطلبية العمومية وحسن استعمال المال العام، واحترام واجبات الإشهار واللجوء إلى المنافسة واختيار العرض الأفضل اقتصاديا في ظل النصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل، بدل العمل خارجها واستغلال القاضي الإداري كقاضي للمشروعية لمباركة عدم المشروعية.


[1] تجدر الإشارة إلى أن القضاء المغربي كان يعتبر سندات الطلب عقودا خاصة للإدارة تخضع للقانون العادى، ولا يمكن إدراجها ضمن العقود الإدارية. وقد ظل هذا التوجه قائما، للاسف الشديد، لردح طويل من الزمن والى حدود مطلع سنة 2000 حيث غير القضاء تدريجيا توجهه بعد أن اقرت الغرفة الإدارية بالمجلس الاعلى (القرار عدد 357 بتاريخ 9/3/2000 بان سند الطلب يعتبر عقدا إداريا بقوة القانون، وذلك بالرغم من الخلط الذى طبع قرارها وعدم تمييزه ما بين الاتفاق المباشر وسند الطلب اللذان يعتبران قانونا طريقين مختلفين من طرق إبرام الصفقات العمومية.

[2] المواد من 16 الى 62 من المرسوم عدد 2-06-388 الصادر في 5 فبراير 2007 ج .ر. عدد5518 بتاريخ 19/4/2007، ص . 1235 .

[3] المواد 71 إلي 74 من المرسوم عدد 2-06-388 الصادر في 5 فبراير 2007. ج. ر عدد 5518 بتاريخ 19/4/2007، ص . 1235.

[4] المواد 63 إلي 70 من المرسوم عدد 0-06-388 الصادر في 5 فبراير 2007 ج . ر. . عدد 5518 بتاريخ 19/4/2007، ص . 1235.

[5] المادة 75 من المرسوم عدد 2-06-388 الصادر في 5 فبراير 2007. ج. ر . عدد 5518 بتاريخ 19/4/2007، ص . 1235.

[6] René Chapus, Droit Administratif Général, p. 835, Edition Montchrestien, 1986.

[7] André De Laubadère, Franck Moderne, Pierre Dévolvé, Traité des contrats administratifs, tome premier, p. 30, LGDJ, Paris 1983, voir aussi à ce sujet Franck Moderne, Les Quasi-Contrats Administratifs, Sirey 1995, Paris.

[8] René Chapus, Droit Administratif Général, p. 835, Edition Montchrestien, 1986.

[9] René Chapus, Droit Administratif Général, p. 835, Edition Montchrestien, 1986.

[10] C.E, 20/2/1985 Syndicat communautaire d’amenagement de la ville nouvelle de fos, R.D.P., 1985, p. 1699.

[11] C.E, 8-11-1989, Ville de saint- germain- en laye c/M Taillibert R.D.P., 1990, p. 1399.

[12] C.E, 18/12/1987, R.D.P., 1988, p. 1416.

https://powderencouraged.com/zht6b3bs66?key=8523542c4aaf6f083ce56f74bd271319
https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من فضاء المعرفة القانونية -espace connaissance juridique

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة