تعاليق على قرارات
المجلس الدستوري وتقنيات الرقابة على دستورية قانون المالية لسنة 2009
ذ. محمد الاعراج
أستاذ بكلية الحقوق بفاس ونائب برلماني
صدر عن المجلس الدستوري مؤخرا قرار رقم 08/728 بتاريخ 29 دجنبر 2008 بناء على رسالة الإحالة المسجلة بأمانته العامة في 25 دجنبر 2008 التي يطلب بمقتضاها 104 أعضاء مجلس النواب من المجلس الدستوري عملا بأحكام الفقرة 3 من الفصل 81 من الدستور والمادة 22 من القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الدستوري التصريح بمخالفة مجموعة من المواد من قانون المالية رقم 40.08 لسنة 2009 للدستور، وبعدم مطابقة هذا القانون برمته للدستور لكون هذه المواد لا يمكن فصلها عن مجموع أحكامه، وبعد أن قرر المجلس بأن الإحالة قد قدمت وفق الشروط والإجراءات المقررة دستوريا. قرر من حيث الموضوع أن هناك مواد ليس فيها ما يخالف الدستور وفي مقابل ذلك قرر أن المادة 8 من قانون المالية لسنة 2009 في بندها الثاني مخالفة للدستور.
هذا القرار يثير عدة تساؤلات تتعلق أساسا بتقنيات الرقابة القضائية للمجلس الدستوري على دستورية القوانين.
بداية، لابد من التذكير أن المقصود بالرقابة على دستورية القوانين، التحقق من مخالفة القوانين لمقتضيات الدستور تمهيدا لعدم إصدارها إذا كانت لم تصدر، أو إلغاؤها أو الامتناع عن تطبيقها إذا كانت صدرت فعلا. وبصفة عامة تؤدي هذه الرقابة أحيانا إلى إبطال القواعد المخالفة للدستور. هذا الإبطال له تقنياته ووسائله التي يستعملها المجلس الدستوري لإقرار مدى مطابقة النص المطعون فيه أمامه لأحكام الدستور، تظهر هذه التقنيات من خلال منطوق قراراته والأسس والحيثيات التي اعتمدت عليها، وهي تقنية المطابقة وعدم المخالفة وليس فيها ما يخالف الدستور وتقنية التحفظ، وتقنية عدم المطابقة أو المخالفة للدستور.
تقنية المطابقة يعتمدها المجلس الدستوري خاصة عندما ينظر في الأنظمة الداخلية لمجلسي البرلمان حيث يستعمل عبارة “مطابقة للدستور” ومثال ذلك اعتبار المجلس الدستوري أن المادة 308 من النظام الداخلي لمجلس النواب التي تنص على أنه: ” يعين رئيس مجلس النواب بعد استشارة فرق المجلس، ثلاثة أعضاء من المجلس أو خارجه ليكونوا أعضاء في المجلس الدستوري طبقا للفصل التاسع والسبعون من الدستور -باعتبارها -مطابقة للدستور”.
أما عن تقنية عدم المخالفة فهي تقنية يعتمدها المجلس الدستوري عندما يكون هناك هامش من الحرية للجهة التي أحالت النص على المجلس الدستوري للتوسع فيه دون أن تكون مقيدة بحرفية الدستور. بالنسبة لتقنية التحفظ فهي ترتبط بتقنية المطابقة.
أما بخصوص تقنية عدم المطابقة فيلجأ إليها الدستور عندما يكون النص المطعون فيه أمامه غير مطابق لمقتضيات نص من نصوص الدستور، ويستعمل عبارة ” غير مطابقة للدستور” عندما تكون المخالفة للنص الدستوري مخالفة كلية، ويستعمل عبارة “ليست مطابقة تمام المطابقة ” عندما تكون المخالفة نسبية أو جزئية. وهذا ما يعني أن المدى الذي تبلغه مسألة اللادستورية متغير، يمكن لهذا المدى أن يطال مجمل القانون، أو أن يطال البعض من أحكامه فقط، في هذه الحالة تكون اللادستورية جزئية.
ونشير إلى أن الدستور إذا كان لم ينص إلا على دور الدستور في مطابقة النصوص المحالة عليه مع الدستور، فإن ذلك لم يمنع هذه الهيئة العليا من أن نبتكر أوجه عيوب النص التي تؤدي إلى التصريح بعدم مطابقتها للدستور سواء في كله أو جزء منه، فيمكن أن يكون العيب خارجيا كعيب الإجراءات أو عيب عدم الاختصاص. مثل العيب الأول: عدم احترام الجهة المختصة بإصدار النص القواعد الإجرائية أو الشكلية المحددة في الدستور أو بناء عليه، فيقضي المجلس الدستوري بعدم دستوريته.
مثال العيب الثاني، ويمكن التمييز هنا بين عدم الاختصاص الإيجابي وعدم الاختصاص السلبي، فالأول يأتي حينما يتدخل البرلمان في اختصاصه أو يدخل في اختصاصه لكن وفق إجراءات محددة.
أما عن عدم الاختصاص السلبي فهو يعني ترك صاحب الاختصاص جانبا من التشريع ناقصا.
وإلى جانب العيب الخارجي هناك عيب آخر موضوعي يعتمد عليه المجلس الدستوري لإصدار قراره، ويتعلق الأمر في بحث مضمون النص إذا ما كان مخالفا للدستور أم لا.
وهكذا وبخصوص القرار الأخير للمجلس الدستوري الصادر بتاريخ 29 دجنبر 2008 قرار 728/08قضى بخصوص المادة 2 من قانون المالية لسنة 2009 بأنها غير مخالفة للدستور بمعنى ليس فيها ما يخالف الدستور.
حيث قرر المجلس الدستور: ” إن المادة 2 من قانون المالية لسنة 2009 جاءت ، حسب رسالة الإحالة، مخالفة لمقتضيات الفصل 45من الدستور والمادة 37 من القانون التنظيمي لقانون المالية بعلة، أنها جمعت في مادة واحدة طلب الإذن البرلماني بتغيير أو تتميم الرسوم الجمركية والضرائب غير المباشرة بواسطة مراسيم خلال السنة المالية 2009 وعرض المراسيم التي اتخذتها الحكومة بمقتضى الإذن البرلماني الممنوح لها بموجب قانون المالية لسنة 2008 على البرلمان بقصد المصادقة عليها، في حين كان يتعين الفصل بينهما، وأنها قدمت تلك المراسيم للمصادقة عليها بطريقة إجمالية، مما قيد سلطة البرلمان في المصادقة على بعض المراسيم دون غيرها وحد نتيجة لذلك من فعالية المراقبة البرلمانية.
لكن، حيث إن أحكام الفصل 50 من الدستور تنص على أن قانون المالية يصدر عن البرلمان بالتصويت طبق شروط يحددها قانون تنظيمي، وقد نص هذا القانون في مادته 37 على أنه ” يصوت على أحكام قانون المالية مادة فمادة ” دون أن يقيد الحكومة التي تتولى طبقا لأحكام المادة 32 منه تحضير مشروع قانون المالية بمرجعية معينة في تصنيف الأحكام التي تتضمنها كل مادة على حدة من مواد قانون المالية.
وحيث إنه، يتبين من البند 2 من المادة 2 من قانون المالية لسنة 2009 أن المراسيم المعروضة للمصادقة قد تم تقديمها -على خلاف ما جاء في عريضة الإحالة -مفصلة غير مجملة ووقع التنصيص عليها حالة بحالة مع بيان موضوع كل مرسوم منها والغاية المستهدفة منه.
وحيث إن جمع طلب الإذن البرلماني وعرض مراسيم اتخذت بمقتضى إذن برلماني سابق بقصد المصادقة عليها في مادة واحدة قد تم التقيد فيه بالمقتضيات والشروط الواردة في الفصل 45 من الدستور وجرى التصويت على هذه المادة وفقا للمسطرة المنصوص عليها في المادة 37 من القانون التنظيمي لقانون المالية ليس فيها ما يخالف الدستور”.
وبخصوص مخالفة الدستور وإن بعض المواد من قانون المالية لسنة 2009 مخالفة للدستور قضى المجلس الدستوري:
“حيث إن أحكام المادة 8 من قانون المالية لسنة 2009، في بندها 2، حسب رسالة الإحالة، مخالفة للمادة 3 من القانون التنظيمي لقانون المالية بعلة أنها مرتبطة بمنظومة قانونية لم تبت بعد فيها المؤسسة التشريعية، وأنها تتضمن مقتضيات تشرع لوسائل جديدة ترمي إلى التثبت من مخالفات السير والجولان، كما أنها تتنافى مع روح العدالة والمبادئ العامة للقانون.
وحيث إن الفصل 50 من الدستور يقضي في فقرته الأولى بأن قانون المالية يصدر عن “البرلمان بالتصويت طبق شروط ينص عليها قانون تنظيمي “، وأن هذا الأخير ينص في مادته 3 على سبيل الحصر على أنه ” لا يمكن أن يتضمن قانون المالية إلا أحكاما تتعلق بالموارد والتكاليف أو تهدف إلى تحسين الشروط المتعلقة بتحصيل المداخيل وكذا مراقبة استعمال الأموال العمومية “.
وحيث، إنه بالرجوع إلى المادة 8 من قانون المالية، يتبين أن الفقرة الأولى من البند 2 من هذه المادة، التي تتعلق بتحصيل الغرامات التصالحية والجزافية، تهدف إلى إحداث مسطرة خاصة لتحصيل الغرامات بشأن المخالفات في مجال السير والجولان، وأن الفقرة الخامسة من نفس البند تنص على أنه ” يراد في مدلول أحكام هذا البند بـــــ ” جهاز يعمل بطريقة آلية ” : الرادار الثابت وكاميرا المراقبة وأي جهاز إلكتروني آخر يمكن من تقديم دليل مادي عن ارتكاب المخالفة”.
وحيث إنه، إذا كانت الغرامات التصالحية والجزافية، التي تهدف أساسا إلى زجر المخالفات، تعد من ضمن موارد الدولة طبقا للمادة 11 من القانون التنظيمي لقانون المالية، فإن المقتضيات المتعلقة بهذا البند 2 سالف الذكر، إذا كانت ترمي إلى إحداث مسطرة خاصة لتحصيل هذه الغرامات، فإنها تنشئ أيضا وسيلة إثبات جديدة للمخالفات المرتكبة في مجال مراقبة السير والجولان بواسطة جهاز يعمل بطريقة آلية يقدم أدلة مادية يوثق بالمحضر المرتكز عليها، حسب مقتضيات الفقرة الرابعة من البند 2 المذكور.
وحيث إن هذه المقتضيات لا يمكن إدراجها، بحكم طبيعتها، ضمن الأحكام التي تهدف إلى تحسين الشروط المتعلقة بتحصيل المداخيل المنصوص عليها في المادة 3 من القانون التنظيمي لقانون المالية، مما يجعلها خارجة عن نطاق اختصاص قانون المالية.
وبخصوص أن بعض المواد ليس فيها ما يخالف الدستور قضى ما يلي: “حيث إن المادة 26 من قانون المالية لسنة 2009 جاءت، حسب رسالة الإحالة، مخالفة لمقتضيات الفصل 45 من الدستور والمادة 37 من القانون التنظيمي لقانون المالية بعلة، أنها جمعت في مادة واحدة طلب الإذن البرلماني بفتح اعتمادات إضافية بمراسيم خلال السنة المالية 2009 في حالة ضرورة ملحة ذات مصلحة وطنية وعرض المرسوم الذي اتخذته الحكومة بناء على إذن برلماني منح لها بموجب قانون المالية لسنة 2008 على البرلمان بقصد المصادقة عليه ، وأن تقديمها على هذا الشكل قيد سلطة البرلمان في المصادقة عليها، في حين كان يتعين الفصل بينهما ضمانا لفاعلية المراقبة البرلمانية.
لكن، حيث إن القانون التنظيمي لقانون المالية، كما سبق بيانه لدى فحص دستورية المادة 2، لم يقيد الحكومة بمرجعية معينة في تصنيف الأحكام التي تتضمنها كل مادة من مواد قانون المالية، وأن أحكام المادة 26 المذكورة قد تم التقيد فيها بالمقتضيات والشروط الواردة في الفصل 45 من الدستور، وأن التصويت عليها جرى وفقا للمسطرة المنصوص عليها في المادة 37 من القانون التنظيمي لقانون المالية.
فيما يتعلق بالمادة 27 : لكن، حيث إنه يتبين من فحص مقتضيات المادة 27 من قانون المالية المعروضة على أنظار المجلس الدستوري، أنها لا تندرج، من حيث طبيعتها، في إطار تفويض التشريع الذي يحدد شروطه الفصل 45 من الدستور، بل هي مجرد إسناد توزيع بعض المناصب إلى الحكومة في إطار الصلاحيات المخولة لها بموجب الفصل 61 من الدستور لتنفيذ القوانين.
فيما يتعلق بالمادة 40: لكن، حيث إنه إذا كانت المقاصة بين المداخيل والنفقات محظورة بمقتضى المادة 9 من القانون التنظيمي لقانون المالية لتنافيها مع مبدأ شمولية الميزانية الذي يقضي بأن تندرج في الميزانية العامة كافة الحصائل الإجمالية وكافة النفقات الإجمالية بكيفية منفصلة، حيث يرصد مجموع المداخيل لتنفيذ مجموع النفقات دون مقاصة بينهما، وإذا الإرجاعات الضريبية تستلزم فتح اعتمادات خاصة لهذه الغاية في قانون المالية، فإنه يتضح.
من جهة، أن التخفيضات والإلغاءات الضريبية التي تتم قبل أداء الضرائب من لدن الملزمين بها وفق الإجراءات القانونية المقررة لذلك، لا يمكن اعتبارها من ضمن تكاليف الدولة المشار إليها في المادة الأولى من القانون التنظيمي لقانون المالية، والمحددة فيما يخص نفقات التسيير في الفقرة الثالثة من المادة 14 من نفس القانون التنظيمي.
فيما يتعلق بالمادتين 41 و42: لكن، حيث إنه إذا كانت الاقتراضات الداخلية والخارجية يأذن بها البرلمان بموجب المادة الأولى من القانون التنظيمي لقانون المالية التي تنص على أنه: “يتوقع قانون المالية لكل سنة مالية مجموع موارد وتكاليف الدولة ويقيمها وينص عليها ويأذن بها ضمن توازن اقتصادي ومالي يحدده القانون “، فإن هذا الإذن يهم مجموع قانون المالية ويرخص البرلمان بمقتضاه استخلاص الموارد وتنفيذ التكاليف وفق الأحكام والشروط التي يحددها لا يمت بصلة إلى الإذن الوارد في الفصل 45 من الدستور الذي بموجبه يمكن للبرلمان أن يأذن للحكومة، طبق شروط معينة، باتخاذ تدابير يختص بها القانون .
من خلال ما سبق، فالمجلس الدستوري يستعمل العديد من التقنيات للرقابة على دستورية القوانين والتي تظهر من خلال منطوق قراراته والأسس والحيثيات التي اعتمدت عليها، وهي تقنية المطابقة وعدم المخالفة وليس فيها ما يخالف الدستور، وتقنية عدم المطابقة أو المخالفة للدستور.


