الحلول المقررة لتنازع القوانين في مادة الأحوال الشخصية

دراسة في منطق القاضي المسلم

د . خالد برجاوى

رئيس شعبة القانون الخاص بكلية العلوم القانونية والاقتصادية

والاجتماعية السويسي – الرباط ، أستاذ مادة القانون الدولي الخاص ،

مسؤول عن كرسي اليونيسكو ” المرأة وحقوقها “

 

تهدف قواعد القانون الدولي الخاص إلى التنسيق بين أنظمة قانونية متعارضة ، وخلق نوع من التعايش بينها، وإخضاع الروابط الدولية الخاصة لنظام سابق التحديد.

وتعتبر دولية بمقتضى هذه القواعد، كل علاقة قانونية لها ارتباط بعدة أنظمة قانونية وطنية . وتعمل قواعد التنازع على إسناد هذه الرابطة إلى النظام القانوني الذي ترتبط به أكثر، مع مراعاة اعتبارات العدالة وواجب احترام حقوق ومصلحة الدول ([1]).

وقد وضع أدوات التحليل التنازعي الذي هو عماد القانون الدولي الخاص ، الفقيه الألماني الشهير سافيني Savigny . واشترط لإمكانية تطبيقها انتماء الأنظمة المتنازعة لنفس الطائفة القانونية ، أي وجود تشارك وتكافؤ قانوني بينها واستنادها إلى نفس الحضارة ([2]).

ومنهجية التحليل التنازعي تفترض معاملة الأنظمة المتنافسة على قدم المساواة ومنحها نفس فرص التطبيق ، ويتم تحديد القانون المطبق بناء على أسس موضوعية وعن طريق تحليل المواد والأوضاع القانونية المتنازع حولها، لاستجلاء الإسناد الأكثر ملاءمة لها.

ويفترض التحليل التنازعي أيضا، انقسام العالم إلى دول في شكل وحدات متعددة ، تفصل بينها حدود سياسية تحدد المجال الإقليمي لتطبيق كل نظام قانوني.

ولم تكن قواعد القانون الدولي الخاص بالشكل المتعارف عليه حاليا ، معروفة لدى الفقه الإسلامي ، الذي كان يقسم العالم إلى “دار الإسلام ،، و”دار الحرب ([3])”.

و”دار الإسلام ” هي بلاد الإسلام والمسلمين ، وهي كتلة موحدة إقليميا وبشريا. فقواعد الشريعة الإسلامية هي المطبقة فوق تراب هذا الإقليم ، وعلى كل أفراد الأمة الإسلامية ، في الوقت الذي يسمح فيه لأهل الكتاب ؟ النصارى واليهود بالخضوع لقواعد ديانتهم في ما يخص أحوالهم الشخصية.

أما “دار الحرب ” فهي بلاد” الكفر والكفار” ولا لغة مع أهل هذه الدار غير ،،لغة الحرب والصراع المتبادل ([4]).

ولم يكن من المتصور وفق هذا المنطق أن يحصل تنازع للقوانين ، عندما يتعلق الأمر برابطة خاصة بأفراد مسلمين ، لأن مفهوم الأمة الإسلامية كفيل بجمعهم في إطار واحد يتجاوز كل اعتبار يمكن اعتماده أساسا لأي تقسيم كيفما كان نوعه.

وقد انقسمت بلاد الإسلام في الوقت الحالي ، إلى وحدات سياسية متعددة في شكل دول تفصل بينها حدود سياسية ، ووضعت كل منها نظما قانونيا خاصة بها.

ولم يعد التمييز بين رعايا كل دولة من هذه الدول وغيرهم مبنيا على أساس ديني بل أصبحت الجنسية هي أساس هذا التمييز ([5]).

وأصبح إذن التنازع بين أنظمة قانونية إسلامية أمرا متصورا ومحتمل الوقوع . فأسس التحليل التنازعي أصبحت متوفرة :الجنسية ، دول مستقلة ، وأنظمة قانونية متنافسة . بل إن قواعد هذا التحليل كما وضعت أول ما وضعت من قبل سافيني تنطبق تمام الانطباق على الأنظمة القانونية الإسلامية الحالية ، عند التنازع فيما بينها، ذلك أن الانتماء لطائفة قانونية واحدة ثابت ، والانتماء الحضاري الموحد يدعم ذلك.

وقد أصدرت البلدان الإسلامية في مجال القانون الدولي الخاص ، قواعد خاصة بتنازع القوانين ، وضمنتها إما في نصوص القانون المدني ، كما هو شأن الجزائر وليبيا وموريطانيا، أو في نصوص خاصة كما هو الشأن في تونس والمغرب ([6]).

وكان للظروف التاريخية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية ، أثر كبير على مسلك الدول الإسلامية في تقنين قواعد القانون الدولي الخاص ، خصوصا في مادة الأحوال الشخصية. وقد نصت هذه القواعد في البداية على مبدأ خضوع الأجانب فيما يخص أحوالهم الشخصية لقانونهم الوطني ([7]) :

وفصلت البلدان الإسلامية بهذا الاختيار، في الصراع الدائر في القانون الدولي الخاص المقارن ، بين أنصار القانون الوطني وأنصار قانون الموطن ، لمصلحة القانون الأول ([8]).

ولم يكن هذا الاختيار اعتباطيا، بل هو وليد تقليد جد متجذر في كل بلدان العالم الإسلامي ، ونعني به تقليد شخصية القوانين ، والذي يقتضي إخضاع الأجانب فيما يخص أحوالهم الشخصية لقوانينهم الشخصية ([9]).

ولم تخضع الدول الإسلامية أبدا في تاريخها الأحوال الشخصية للاجانب لقانون الموطن ، فقد كانت ديانة كل شخص هي التي تحدد قواعد القانون المطبق على أحواله الشخصية كما سلف ذكره . فالمسلمون تطبق عليهم قواعد” الشريعة الإسلامية “، أما غير المسلمين المقيمين ببلاد الإسلام فتطبق عليهم قواعد ديانتهم . وحافظ المستعمر على هذا التقسيم الديني في مجال الأحوال الشخصية وذلك ليضمن خضوع مواطنيه لقوانينهم الوطنية.

وهناك عوامل أخرى تحكمت في هذا الاختيار، ومنها عامل الاقتباس من القانون الفرنسي ثم ظاهرة الهجرة ، ذلك أن البلدان الإسلامية لها مصلحة في إبقاء سيادتها على مواطنيها الذين يغادرونها إلى بلاد أجنبية ، حفاظا على هويتهم وحماية لهم من سياسة الاستيعاب التي تنهجها الدول الأوروبية في مواجهتهم.

وإضافة إلى الإسناد المبدئي للقانون الوطني ، تضمنت أنظمة القانون الدولي الخاص الإسلامية قاعدة ذات نزعة وطنية ، تقضي بتطبيق القانون الداخلي وحده ، في كل الروابط التي يكون أحد رعاياها طرفا فيها . وهذه القاعدة تكرس ما يعرف بامتياز الجنسية الذي يخول للطرف الوطني امتياز خضوع كل رابطته المختلطة لقواعد أحواله الشخصية.

وفي كثير من الأحيان يتدخل القاضي المسلم أيضا لتقرير الامتياز الديني ، الذي يقتضي بدوره ترجيح تطبيق قانون ذي مصدر إسلامي في الروابط الدولية المختلطة ، التي يكون أحد أطرافها مسلما والطرف الآخر ينتمي لبلد ذي قوانين للاحوال الشخصية غير إسلامية المصدر.

وقد لا يلجأ القضاة في الدول الإسلامية أحيانا أخرى عند نظرهم في قضايا تتعلق بالأحوال الشخصية لأجانب مسلمين ، بتاتا لقواعد الإسناد بل يستبعدون تماما التحليل التنازعي ويطبقون مباشرة قواعد القانون المحلي ذي المصدر الفقهي الإسلامي.

وينبع تعامل القضاة بهذا الشكل ، من التعامل بمعايير الفقه الإسلامي ، التي تستند في التمييز للتمييز بين الوطنيين والأجانب ، على الأساس الديني لا على أساس الجنسية ، ومن ثم فإنه ما دام الأمر يتعلق بمنازعة تخص مسلمين فقط ، فلا حاجة للجوء إلى التحليل التنازعي ، بل يتم التعامل مع المسألة بالشكل الذي يتم التعامل به مع أي رابطة داخلية.

ومن هنا يلاحظ أن حلول تنازع القوانين في الدول الإسلامية قد تختلف حسب القاضي الناظر في الدعوى وحسب النهج المتبع من قبله ، ثم حسب جنسية وديانة الأطراف في المنازعة : وطنيين أم غير وطنيين ، مسلمين أم غير مسلمين ، أي أن هناك عدة اعتبارات تتحكم في الحلول المقررة للروابط الدولية الخاصة ، إذ هي لا تخضع لمنطق واحد.

ويترتب على هذا عدم تماسك حلول تنازع القوانين في مادة الأحوال الشخصية وخضوعها لمنطق متعدد، فالحلول مختلفة ومتباينة في قضايا تهم مجالا واحدا، وهذا يتعارض مع المبادئ العامة للقانون الدولي الخاص المقارن .

وينعكس هذا الوضع سلبا على حلول تنازع القوانين في مادة الأحوال الشخصية ، لأن هذه الحلول تخضع للمنطق المتعدد المذكور، ذلك أن المنازعات قد تختلف الحلول المقررة لها بحسب ما إذا تعلق الأمر بأجانب فقط في الرابطة أم أجانب وأطراف آخرين ، ومن بين الأطراف الآخرين يجب التمييز أيضا بين الوطنيين أو غير الوطنيين ، والمسلمين أو غير المسلمين . . .

وفي الحقيقة يمكن ربط كل الصعاب التي قد تثار بصدد تنازع القوانين في مادة الأحوال الشخصية بالبلدان الإسلامية ، بالإشكالية المحورية التي تعيشها البلدان الإسلامية في الوقت الحاضر وهي : إشكالية الأصالة والمعاصرة .

فالبلدان الإسلامية تجد نفسها منقسمة بين الرغبة في الحفاظ على أصالتها وهويتها التي هي نتاج إرث حضاري وتاريخي هائل ، وبين الرغبة الملحة في الانفتاح على مستحدثات العصر الحاضر وعلى قواعد النموذج الأممي.

وانعكست هذه الازدواجية بشكل واضح على الأنظمة القانونية الإسلامية في مادة القانون الدولي الخاص ، فنجدها تارة تأخذ بقواعد ومعايير الفقه الإسلامي وتارة أخرى بقواعد ومعايير الفقه الحديث ([10]) .

فرغم إصدار الأنظمة الإسلامية لقوانين وضعية خاصة بالجنسية ذات طابع علماني ، فإن تأثير قواعد الفقه الإسلامي في هذا المجال مازال حاضر ،أن قواعد تنازع القوانين رغم مصدرها الوضعي أصلا، فإن الحلول العملية ما تزال مصطبغة ببعض قواعد الفقه الإسلامي.

وهذا ما يفسر الحلول القضائية المتبعة في أحيان كثيرة ، والتي تكرس منطق الانتساب إلى الأمة الإسلامية.

ونتطرق إذن إلى مظاهر هذا المنطق السائد لدى القضاة في البلدان الإسلامية وفق التصميم التالي:

  • المبحث الأول : استبعاد التحليل التنازعي تماما وتطبيق القانون الداخلي.
  • المبحث الثاني : تقرير الامتيازات في الروابط الدولية المختلطة.

المبحث الأول

استبعاد التحليل التنازعي تماما وتطبيق القانون المحلي

استبعاد التحليل التنازعي تماما وتطبيق القانون المحلي الجنسية هي ضابط الإسناد المعتمد في غالبية أنظمة القانون الدولي الخاص المقارن في الوقت الحاضر، فعلى أساسها يتم تحديد القانون الشخصي المطبق على الرابطة الدولية الخاصة موضوع النزاع .

وقد ظل الفقه الإسلامي يجهل فكرة الجنسية إلى وقت قريب ، واعتمد الديانة كضابط للتمييز بين بني البشر، فأخضع المسلمين لأحكام الشريعة الإسلامية كيفما كانت جنسيتهم وغاب عن نظره كل تحليل تنازعي ([11]).

وبقيت آثار هذا التصور الفقهي الإسلامي حاضرة في الأنظمة القانونية الإسلامية في وقتنا هذا حتى بعد إصدار الدول الإسلامية لقوانين وضعية في مجال الجنسية ، حيث ظل المزج بين الجنسية والدين قائما ليصبح التعامل بمنطق الأمة الإسلامية سمة تميز حلول الروابط الدولية الخاصة الإسلامية. ومن خلال دراسة المراحل التي مرت بها البلدان الإسلامية قبل أن تصبح الجنسية معيارا للتمييز بين الوطنيين والأجانب ، يتبين مدى تجدر تصورات الفقه الإسلامي بخصوص الجنسية ، نظرا لدوام تأثير قواعد هذا الفقه في الأنظمة القانونية الإسلامية ، وتأثيرها في القانون الدولي الخاص ، حيث التعامل يكون في أحيانا كثيرة بمنطق الأمة الإسلامية ، وعدم اعتبار الروابط التي يكون أطرافها أجانب مسلمين ، روابط بين أجانب، بل يتم التعامل معها على أساس كونها روابط داخلية ، نظرا لأن الأطراف مسلمة ، ويتم استبعاد كل تحليل تنازعي وتطبق فيها قواعد الأحوال الشخصية الداخلية للبلد الإسلامي ، فالمسلم في منظور هذا الخطاب لا يعتبر أجنبيا بكل معنى الكلمة فوق أرض بلد إسلامي آخر غير بلده الأصلي ، خصوصا فيما يتعلق بأحواله الشخصية لأنها المادة التي ما زالت ترتبط أكثر بقواعد الفقه الإسلامي.

فالأجنبي المسلم يعامل في هذه المادة كوطني اعتبارا لديانته الإسلامية ، ويترتب على ذلك أن القاضي المسلم لا يلجأ إلى التحليل التنازعي في الروابط الدولية الخاصة القائمة ما بين مسلمين أجانب في مادة الأحوال الشخصية.

ويطبق القاضي المسلم هنا قواعد أحواله الشخصية الداخلية مباشرة ، دون إعارة أي اهتمام لوجود طرف أجنبي ولضرورة تطبيق قواعد الإسناد.

ويتجلى هذا التعامل بمنطق الأمة الإسلامية في اتفاقية للاستيطان وقعها المغرب وموريطانيا بتاريخ 20 يناير 1979 . فالمادة 15 من هذه الاتفاقية تنص على إخضاع رعايا البلدين المقيمين فوق تراب البلد الآخر في ما يخص أحوالهم الشخصية لمقتضيات القانون المحلي ([12]) .

ويترتب على هذه المادة استبعاد كل تحليل تنازعي ، وعدم لجوء قضاة البلدين بتاتا لتقنيات تنازع القوانين ، عند نظرهم في القضايا المتعلقة بالأحوال الشخصية لرعايا البلد الآخر.

فهذه الاتفاقية تكرس إذن منطق الانتماء إلى الأمة الإسلامية ، وأن المسلم يعتبر في وطنه ، في أي مكان وجد من أرض الإسلام وتطبق عليه أحكام الشريعة الإسلامية كما هي مطبقة من قبل قضاة هذه الأرض .

وفي الجزائر نجد أن الفصل 221 من قانون الأسرة ينص على أنه : ” يطبق هذا القانون على كل المواطنين الجزائريين وغيرهم من المقيمين بالجزائر مع مراعاة الأحكام الواردة في القانون المدني “.

وتطبيقا لهذا التصور فإن القضايا المتعلقة بالأحوال الشخصية للاجانب المسلمين ، سينظر إليها على أساس كونها منازعات داخلية ولن يتم اللجوء إلى التحليل التنازعي ، بل تطبق عليهم مباشرة أحكام القانون الجزائري الداخلي في مادة الأحوال الشخصية باعتبار ديانة الأطراف الإسلامية.

وهذا التوجه هو المكرس من قبل الاجتهاد القضائي المغربي ، فقد نتج عن ظهير 24 أبريل 1959 المغير للفصل الخامس من ظهير أبريل 1956 ( المتعلق بتنظيم المحاكم العادية )، اختصاص المحاكم الشرعية للنظر في كل النزاعات التي تهم الأجانب المسلمين المقيمين بالمغرب ، وهذا كيفما كانت طبيعة القانون المطبق عليهم في بلدهم الأصلي ( ديني أو علماني ومثال الحالة الأخيرة مواطن تركي ). فقد استشف الاجتهاد القضائي من هذه المقتضيات تطبيق نصوص مدونة الأحوال الشخصية على الأجانب المسلمين المقيمين بالمغرب ، ما دام أن هذا النص هو المطبق أمام هذه المحاكم.

فقد ورد في حيثيات قرار المجلس الأعلى ، بتاريخ 9 أبريل 1969 ، ما يؤكد هذا التوجه ، حيث اعتبر أنه: ” ينص الفصل الخامس من ظهير 4 أبريل 1956 المتعلق بتنظيم المحاكم العادية على أن المنازعات المتعلقة بالأحوال الشخصية والميراث يرجع حق البت فيها للقاضي الشرعي للأحوال الشخصية والمواريث إذا كانت خاصة بالمغاربة الخاضعين لأحكام المدونة أو بالأجانب المسلمين القاطنين بالمملكة . ولهذا لم يكن من حق محكمة الاستئناف البت في هذه النازلة المتعلقة بالميراث وخاصة بديون التركة ، بل كان عليها أن تصرح بعدم الاختصاص وتحيل الأطراف بوصفهم خاضعين لأحكام المدونة على القاضي الشرعي المختص بالأحوال الشخصية والميراث ([13]) ” .

ونفس التوجه تم تكريسه في قرار للمجلس الأعلى ، بتاريخ 5 يوليوز 1975 ، فقد ورد في حيثياته: الكن حيث أن ظهير ص أبريل 1959 المغير للفصل الخامس من ظهير 4 أبريل 1956، أسند إلى المحاكم الشرعية النظر في المنازعات المتعلقة بالأحوال الشخصية ووسائل الإرث المسلمين الأجانب وأنه يستفاد من نص الظهير المذكور أن هذا الاختصاص العام يشمل جميع الأجانب بمن فيهم الجزائريين مادام أنهم مسلمون ([14])”.

وفي حكم صادر عن المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء أنفا، بتاريخ 20 يناير 1994 تم تأكيد هذا التصور، واعتبرت المحكمة أن زواج مغربي مسلم بفرنسية مسلمة لا يعتبر زواجا مختلطا ولو اختلفت جنسيتهما، واستبعدت التحليل التنازعي المبني على أساس الجنسية ، كما استبعدت مقتضيات اتفاقية 10 غشت 1981 المغربية الفرنسية ، واعتبرت أنها ترتكز على جنسية الأطراف والحال أنه “لا يمكن تطبيقها على النزاع القائم بين زوجين من جنسية مختلفة يدينان معا بدين الإسلام لاندماج العنصر الديني في الجنسية ([15])”.

ويلاحظ أن هذا التوجه ثابت أيضا في التطبيق القضائي التونسي ، ففي حكم صادر عن المحكمة الابتدائية بتونس بتاريخ 7 يونيو 1977 ، تعاملت المحكمة بمنطق الأمة الإسلامية وطبقت مباشرة أحكام القانون الداخلي التونسي بعلة أن الزوج الإيطالي اعتنق الإسلام ([16]).

إن هذا المسعى قد يعتبر منتقدا على عدة مستويات ومن عدة جوانب ، فمن جانب أول أصبح العالم اليوم ينقسم إلى وحدات سياسية لا وحدات دينية ، وأنه بالارتباط مع ذلك يتم البت في المنازعات المتعلقة بالأحوال الشخصية للأجانب ولو كانوا مسلمين ، بناء على تحليل تنازعي تطبق فيه تقنيات تنازع القوانين، ثم أن معيار التمييز بين الأجانب والوطنيين أو ضابط الإسناد لم يعد هو الديانة بل الجنسية كمفهوم وضعي حديث الظهور ([17])، ومن جانب آخر، فإنه حتى إذا سلمنا بذلك المنطق ، ما دام أن قانون بلد إسلامي آخر هو الذي قد يطبق ، فإن المسألة التي يجب أخذها بعين الاعتبار هي أنه رغم أن المصدر الأساسي لكافة تقنيات الأحوال الشخصية الإسلامية هو الفقه الإسلامي ، فإن هذه التقنيات تعاملت مع هذا المصدر بشكل متفاوت فيما بينها . فإذا كان بعضها يطبق مباشرة قواعد الفقه الإسلامي بمذاهبه الأكثر محافظة ، فإن بعضها الآخر ابتعد شيئا ما عن الكثير من تلك القواعد، بل أن الأمر كان أكثر من ذلك بالنسبة لتونس والمغرب مثلا، التي تبنت معايير وضعية بحتة قريبة من المعايير الأممية التي تكرس العدالة بوجهيها : المساواة والحرية ([18]).

ثم إن عدم اتباع التحليل التنازعي قد يعرض هذه الأحكام والقرارات لعدة انتقادات ، وتعتبر منهجيتها غير سليمة من وجهة نظر مبادئ القانون الدولي الخاص المقارن ، وتكون فرص تطبيقها بالخارج ومنحها الصيغة التنفيذية منعدمة أو نادرة .

وإذا كان من الممكن تبرير هذا المسعى سوسيولوجيا وتاريخيا ودينيا، فإن الشيء الملفت للنظر هو أن نتائج هذا المنطق تنحصر في مادة الأحوال الشخصية ، ولا يتم تعميمها إلى جوانب أخرى . وهكذا يعتبر الأجانب المسلمون رغم كونهم مسلمين ، أجانب بكل معنى الكلمة في نظر التقنينات الإسلامية المنظمة لمركز الأجانب ، ويخضعون لنفس شروط دخول وإقامة وخروج الأجانب عامة ، وتطبق عليهم نفس القيود التي تطبق على باقي الأجانب في ما يخص الجوانب المالية والضريبية وكذا في ما يتعلق بالشغل وممارسة الأنشطة المهنية . فديانتهم الإسلامية لا تخول لهم معاملة كمعاملة الوطنيين في كل المجالات كما هو متصور بل أن الأمر يتطلب إبرام اتفاقيات للاستيطان لتحقيق بعض الحدود الدنيا الجاري العمل بها دوليا في ما يتعلق بالتمتع بالحقوق .

ويتبين إذن أن تعامل القاضي المسلم بمنطق الأمة ، وإخضاع الأحوال الشخصية للأجانب المسلمين للقوانين المحلية ، إضافة إلى المشاكل القانونية والنفسية التي قد يثيرها، ليس نتاج منطق قانوني موحد ولا نتاج رغبة حقيقية في صيانة وحدة الأمة الإسلامية ، ومبدأ الأخوة بين المسلمين المنصوص عليها في القرآن الكريم، والتي تقتضي مساواتهم في الحقوق والأحكام ، بل هو نتاج منطق مزدوج ناتج عن صراع جوهري داخل الأنظمة القانونية الإسلامية : صراع الأصالة والمعاصرة ، صراع بين فئة تريد المحافظة على قواعد الفقه الإسلامي ولو تلك المتجاوزة منها، وفئة ترغب في التجديد والانفتاح على العالم الآخر وعلى قواعده الملائمة لروح العصر.

المبحث الثاني

تقرير الامتيازات في الروابط الدولية الخاصة المختلطة

قلنا بأنه من نتائج التعامل بمنطق الأمة الإسلامية ، تطبيق القوانين المحلية الإسلامية على الأحوال الشخصية للأجانب المسلمين ، واستبعاد التحليل التنازعي كليا بشأنها في بعض الأحيان .

كذلك من نتائج هذا المنطق ظهور الامتيازات في الروابط المختلطة ، التي يكون أحد أطرافها وطنيا أو مسلما، وبمقتضى هذه الامتيازات يتم ترجيح تطبيق قانون على حساب قانون آخر، دون أدنى احترام لقواعد التحليل التنازعي السليم ، التي تقتضي إعطاء القانونين المتنافسين نفس فرص التطبيق ، وتعيين اختصاص أحدهما في آخر المطاف بناء على إسناد موضوعي ومحايد.

ونتطرق في دراستنا هاته لنوعين من الامتيازات ، المطبقة عمليا من قبل الاجتهاد القضائي ( امتياز الديانة وامتياز الجنسية ) .

الفقرة الأولى : امتياز الديانة

امتياز الديانة هو الامتياز الذي يتم بمقتضاه ترجيح تطبيق قواعد نظام قانوني مستمد من الفقه الإسلامي ( بشكل متفاوت )، على حساب قواعد نظام قانوني غير إسلامي ، أثناء تنافسهما لحكم رابطة دولية خاصة في مادة الأحوال الشخصية ([19]).

ويعتبر امتياز الديانة تطبيقا متجذرا في البلدان الإسلامية عامة ، كما أن أصوله التاريخية مرتبطة بالفقه الإسلامي وبصفة القانون العام التي كان يصبغ بها قواعد الشريعة الإسلامية فوق أرض الإسلام . فإذا كان من الثابت خضوع النصارى واليهود المقيمين في بلاد الإسلام ، في ما يخص أحوالهم الشخصية ، لقواعد ديانتهم وتقاضيهم أمام محاكمهم ، فإن منازعتهم مع أطراف مسلمين ، كانت من اختصاص القاضي المسلم ، الذي كان له وحده سلطة الفصل فيها، مع تطبيق أحكام الفقه الإسلامي الذي يتم ترجيحه في مثل هذه الأحوال على قواعد ديانتهم.

فالامتياز الديني كان يخول إذن للطرف المسلم ، من ضمن ما يخوله ” امتيازا” تشريعيا وكذا قضائيا، وأساسه مبدأ جوهري سائد في الفقه الإسلامي وهو أن ” الإسلام يعلو ولا يعلى عليه ([20])”.

إذا كان الإسلام جد متسامح مع الديانات السماوية الأخرى ، ويكفل لأهل الكتاب خضوعهم لقواعد أحوالهم الشخصية ، فإنه حسب الفقهاء المسلمين لا يقبل أبدا خضوع طرف مسلم لقانون غير إسلامي في الروابط المختلطة.

وخلال فترة الامتيازات التي حضيت بها الدول الأوربية داخل البلدان الإسلامية تم التقليص من مجال امتياز الديانة ، وبعد حصول البلدان الإسلامية على استقلالها عاد هذا الامتياز للظهور وأخذت به التطبيقات القضائية صراحة ووسعت من مجاله أحيانا.

وقد ورد ما يؤكد هذا الامتياز في قرار صادر عن المجلس الأعلى المغربي بتاريخ 7/2/1972 : “الزوج المغربي المسلم المدعى عليه من طرف زوجته الفرنسية يخضع فيما يخص أحواله الشخصية لمدونة الأحوال الشخصية التي تشكل قانونه الطبيعي ([21])”.

كما أقر ذلك ، قرار المجلس الأعلى ، بتاريخ 5 يوليوز 1994الذي ورد في إحدى حيثياته:

” حيث إن تخويل المحاكم الشرعية حق النظر في المنازعات المشار إليها( المنازعات المتعلقة بالأحوال الشخصية ووسائل الإرث للمسلمين الأجانب (يقتضي حتما تطبيق القواعد الشرعية دون سواها على تلك المنازعات وأن هذه القواعد تطبق على المعنيين بالأمر بمجرد اعتناقهم الديانة الإسلامية ([22]) . . . ” .

وفي نفس الاتجاه أقر محكمة الاستئناف بالدار البيضاء، بتاريخ 6 يوليوز 1994 :

لا أن القانون الواجب التطبيق موضوعا في النازلة هو قانون مدونة الأحوال الشخصية المغربي لكون المستأنف ( إيطالي الجنسية اعتنق الإسلام ) مسلما متذهبا بالمذهب المالكي ([23]) . . . ” .

وأكدت هذا التوجه المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء أنفا، بتاريخ 20يناير 1994 ، حيث طبقت مدونة الأحوال الشخصية المغربية ، ذي المصدر الفقهي الإسلامي ، ورجحتها على قانون الزوجة الفرنسية ، بمبرر أن : “النزاع قائم بين زوجين من جنسية مختلفة يدينان معا بدين الإسلام لاندماج العنصر الديني في الجنسية ([24]) ”

وقد ورد في مدونة الأسرة المغربية الجديدة ([25])، قاعدة يمكن للقضاة الاستناد عليها، لإيجاد سند نصي لامتياز الديانة . فقد ورد في المادة الثانية ما نصه:

” تسري أحكام هذه المدونة على:

  1. ….
  2. ….
  3. ….
  4. العلاقات التي تكون بين مغربيين أحدهما مسلم “.

وإذا كان هذا النص يهم العلاقات الداخلية ، فإنه سيطبق لا محالة في العلاقات ذات العنصر الأجنبي، مادام الأمر هنا يتعلق بتنازع بين قانونين أحدهما ذي مصدر فقهي إسلامي والآخر غير ذلك ، بالاستناد إلى المرتكزات التي ذكرناها سابقا.

فالقاضي المغربي المسلم أصبح يتوفر على سند قانوني ، منحه إياه المشرع ، بعدما كان لا يتوفر عليه.

الفقرة الثانية : امتياز الجنسية

امتياز الجنسية هو الامتياز الممنوح للوطني ، والذي يخوله تطبيق قانون أحواله الشخصية على كل رابطته الدولية المختلطة ، ومثل هذا الامتياز عرفه الاجتهاد القضائي الفرنسي في بداية القرن ([26])، إلا أنه سرعان ما تم التخلي عنه بفضل اجتهاد قضائي آخر لاحق ([27])، وقد تم تبني إسناد موضوعي غير متحيز بدله هو الموطن المشترك بالنسبة للروابط الدولية المختلطة في القانون الدولي الخاص الفرنسي.

لكن هناك فرقا واضحا مع امتياز الجنسية في الأنظمة القانونية الإسلامية عامة . فمصدر هذا الامتياز لدى هذه الأخيرة هو الامتياز الديني نفسه ، وهدفه الأصلي هو تفادي تطبيق قانون علماني على طرف وطني في الروابط الدولية المختلطة.

وبنية امتياز الجنسية وآلياته هي نفسها بنية وآليات امتياز الديانة ، مع اختلاف وحيد يتمثل في تعويض المعيار الديني بمعيار الجنسية ، وهذا ما يترتب عليه إمكانية استفادة حتى الوطنيين غير المسلمين من  نتائجه وهذه هي المفارقة الأولى.

وتتجلى المفارقة الثانية في أن امتياز الجنسية هذا الذي وضع أصلا ليواجه به أجانب غير مسلمين في الروابط المختلطة ، سيواجه به أجانب مسلمون أيضا، لأن إقراره في الأنظمة القانونية الإسلامية جاء بشكل عام لا يستثني منه أي كان .

ولم يأخذ المشرع المغربي والتونسي بهذه القاعدة صراحة ، إلا أن الاجتهاد القضائي عمل بها في عدة مناسبات .

وتتحكم في هذه القاعدة عدة اعتبارات تاريخية ودينية ،وتجد أساسها في قواعد الفقه الإسلامي ، التي تقتضي خضوع كل روابط الأحوال الشخصية بين المسلمين وغير المسلمين لقواعد الجانب المسلم وحدها، ولا مجال لتطبيق قواعد غير إسلامية المصدر.

وقد وضع امتياز الجنسية أصلا ليواجه به غير المسلمين في الروابط المختلطة ، لكن لا شيء يمنع اليوم من تطبيقه أيضا في الروابط المختلطة التي يكون أحد أطرافها وطنيا غير مسلم والطرف الآخر مسلما غير وطني ، فقد جاء الامتياز بشكل عام في النصوص التي أقرته وكذا في القرارات القضائية التي تبنته دون أن يبنى أساسه استنادا إلى اعتبارات دينية كما كان الأمر عليه في الفقه الإسلامي ، بل قد يستفيد منه أيضا وطنيون غير مسلمين.

ونشير هنا إلى أن امتياز الجنسية تم النص عليه صراحة في غالبية أنظمة القانون الدولي الخاص العربية، وكذا في مشروع قانون المعاملات المالية العربي الموحد ([28]) أما ظهير وضعية الأجانب بالمغرب فلم ينص عليه ، لكن القضاء المغربي عمل به وهو ما يمكن أن يستشف كذلك من قرار المجلس الأعلى السالف الذكر، وكذا من قرار محكمة الاستئناف بالرباط بتاريخ 23 دجنبر 1996 ([29])

وقد تم تبنيه صراحة في المادة الثانية من مدونة الأسرة الجديدة ([30])، التي ورد فيها:

” تسري أحكام هذه المدونة على:

  1. ….
  2. العلاقات التي يكون فيها أحد الطرفين مغربيا”.

وقد كرس هذا النص عمل الاجتهاد القضائي السابق في هذا المجال ، وهو الأمر الواضح في قرار المجلس الأعلى ، بتاريخ 12نونبر 2003، والذي ورد في إحدى حيثياته أنه:

“حيث إن البنك المقرض حين تعاقد مع طالب النقض كان جاهلا بالقانون المصري الذي ينظم أهلية الطاعن ، وأن واقعة جهله لهذا القانون لا يمكن أن تنعكس أو تمس بمصالحه المترتبة عن التعاقد . وأن المحكمة بذلك استبعدت الفصل الثالث من ظهير 12 غشت 1913 وطبقت القانون المغربي الذي يتيسر للمتعاقدين الاطلاع عليه باعتبار أن الأمر يتعلق برابطة قانونية مختلطة ، أي واقعة بين شخصين من جنسيتين مختلفتين مما جعل قرارها في محله والوسيلة بدون أساس ([31])” .

وتم النص على امتياز الجنسية بالنسبة للبلدان الإسلامية مثلا في المادة 13 من القانون المدني الجزائري ، والمادة 14 من القانون المدني الليبي وكذا المادة 9 من قانون الالتزامات والعقود الموريطاني.

أما بخصوص تونس فلم ينص المشرع على الامتياز صراحة ، ولا يتضمن أمر 1956 المتضمن لقواعد تنازع القوانين ولا في مدونة القانون الدولي الخاص التونسي الجديدة ، أي إشارة مباشرة أو غير مباشرة لهذا الامتياز، غير أن الاجتهاد القضائي التونسي أخذ به وكرسه في عدة قرارات صادرة عنه ([32]).

وكان أول قرار تونسي أخذ به حسب الفقهاء التونسيين ، هو قرار محكمة الاستئناف بتونس بتاريخ 25 دجنبر 1963 ، والذي اعتبرت فيه المحكمة أنه : ” إذا كان أحد الخصوم من جنسية تونسية وتنازعت القوانين فأحكام الحالة الشخصية التونسية هي المقدمة عن غيرها من القوانين لأنها تهم النظام العام ([33])”.

وأكدت محكمة الاستئناف بتونس العاصمة توجهها هذا في قرارين آخرين صادرين في 1967 ، حيث أقرت صراحة أن مقتضيات أمر 1956 ، كما هي معدلة بأمر 24 يوليوز 1957 لا تخص سوى الأجانب ، أما إذا كان أحد أطراف النزاع تونسيا فإن القانون التونسي وحده هو المطبق ([34])

وقد ساندت محكمة التعقيب التونسية اتجاه قضاة الموضوع في قرارها المؤرخ ب 29 ماي1973 ([35])

وتجب الإشارة إلى أنه إذا كان مصدر امتياز الجنسية يرتبط باعتبارات تاريخية دينية ، فإنه لا شيء يمنع في الوقت الحالي من اعتماده ، في الروابط الدولية الخاصة ، التي يكون التنازع فيها بين القانون المغربي، وقانون أجنبي ، ولكن الطرف المغربي غير مسلم . وهذا ما يظهر من قرار محكمة الاستئناف بالرباط ، بتاريخ 18 مايو 1962الذي ورد فيه:

“أن الزوج وهو مغربي الجنسية وإسرائيلي دينا (وزوجته فرنسية الجنسية )كان من واجبه أن يتقيد بمقتضيات الشريعة التلمودية (المطبقة على اليهود المغاربة ) التي تفرض كشرط جوهري وشرط شكلي للزواج إبرامه بالصيغة الدينية الأمر الذي يترتب عليه وجوب اعتناق المرأة الديانة الموسوية ([36]).

وإذا أردنا تقدير هذه الامتيازات ( امتياز الجنسية وامتياز الديانة ) بالنظر إلى قواعد المثال الأممي ومبادئ القانون الدولي الخاص المقارن ([37])، سنجدها منتقدة على صعيد القواعد التي تكرسها، ذلك أن هذه الأخيرة اعتبرت متعارضة مع مبادئ المثال الأممي ومع اعتبارات المساواة والحرية نظرا لأنواع الميز الذي تقرره ، وينبني هذا الميز إما على أساس الدين أو الانتماء الوطني ، كما أن المنهجية المتبعة لإصدار هذه الحلول تتعارض مع مبادئ القانون الدولي الخاص المقارن ولا تساهم البتة في تحقيق التنسيق مع أنظمة القانون الدولي الخاص المقارن ، وهذا يفرض على الأنظمة القانونية الإسلامية الانفتاح على المفاهيم الوضعية الحديثة واتباع مبادئ التحليل التنازعي السليم في هذا المجال لضمان حصول أحكامها وقراراتها القضائية على فرص أكبر للتنفيذ بالخارج والحفاظ على الحقوق المكتسبة للأفراد.

خاتمة : نحو اعتماد نظام عام مخفف

يقتضي منطق الانتماء إلى المجتمع الدولي ، الانفتاح على المفاهيم الوضعية الحديثة في القانون الدولي الخاص المقارن ، واعتماد قواعد التحليل التنازعي السليم كوسيلة فنية لحل المنازعات الدولية الخاصة.

ويفترض التحليل التنازعي السليم تزاحم قانونين أو أكثر لحكم علاقة دولية خاصة معينة ، واختيار أكثر القوانين ملاءمة ، بفضل قاعدة إسناد موضوعية وغير متحيزة واعتمادا على ضابط إسناد وضعي وعلماني هو الجنسية.

وقد يقال إن التحليل التنازعي غير ضروري لحل المشاكل المترتبة على العلاقات الدولية الخاصة القائمة بين رعايا دول إسلامية في الوقت الحالي ، باعتبار اشتراكهم في الانتساب الموحد للامة الإسلامية.

ونرد على ذلك بكون التحليل التنازعي أصبح ضروريا في الوقت الحالي ، وذلك لأخذ خصوصيات كل دولة إسلامية بعين الاعتبار، ثم إن التحليل عندما نشأ أول الأمر كان الهدف منه حل المنازعات الناشئة عن العلاقات الدولية الخاصة القائمة بين رعايا دول كان بينها تقارب في القيم وتشارك في الطائفة القانونية التي تنتمي إليها.

وقد عملت البلدان الإسلامية على وضع قواعد تنظم تنازع القوانين ، وفق المفاهيم المذكورة ، رغبة منها في تجاوز المعايير الفقه التقليدية ، وتبنت بذلك قواعد التحليل التنازعي كما هو متعارف عليه في باقي التشريعات المعاصرة .

ورغم اعتماد هذه القواعد لإنشاء حلول ملائمة لمبادئ القانون الدولي الخاص المقارن ، فإنها لم تكن كافية لتحقيق التنسيق مع أنظمة القانون الدولي الخاص المقارن ، نظرا للتفاوت في الإقبال على التحديث من بلد لآخر في مادة الأحوال الشخصية ، ثم لاختلاف السياسة التشريعية في هذه البلدان منذ فجر استقلالها.

ومن المفروض إذن في الأحكام القضائية لكي تكون سليمة من وجهة نظر مبادئ القانون الدولي الخاص المقارن ، أن تتبع منهجية التحليل التنازعي في كل الروابط ذات العنصر الأجنبي ، وذلك لضمان فرص أكبر لها في الحصول على الصيغة التنفيذية بالخارج والحفاظ بالتالي على الحقوق المكتسبة ، أو على الأقل إن رفض منحها الصيغة التنفيذية فإن الطرف الآخر هو الذي سيكون على خطأ.

ومنهجية التحليل التنازعي تقتضي النص في البداية على اختصاص القانون الذي عينته قاعدة الإسناد، وفق قواعد تنازع القوانين في تشريع القاضي .وإذا تم تعيين اختصاص قانون أجنبي ،بناء على قاعدة الإسناد الموضوعية ،يمكن بمقتضى فكرة النظام العام المخفف ،تطبيقه على الرابطة الدولية الخاصة ،تفعيلا لفلسفة التحليل التنازعي ،واحتراما لمبادىء وأهداف القانون الدولي الخاص .

وإن هذا التوجه يساهم في تكريس فعالية القانون الدولي الخاص ، على المستوى الدولي ،وتفادي حصره في طابع إقليمي محدود.

أما إذا كان الأمر يتعلق بقانون أجنبي يستحيل تطبيقه ، لتعارضه الصارخ مع قيم القاضي المسلم والاختيارات الكبرى لنظامه التشريعي ، ممكن آنذاك اللجوء إلى تقنية النظام العام ، المعترف بها في القانون الدولي الخاص المقارن لاستبعاده وتطبيق قانون القاضي ، آنذاك سيتم تطبيق قانون القاضي المسلم بناء على تقنية النظام العام الفضفاضة والمعترف بها في مبادئ القانون الدولي الخاص المقارن ، وتفادي تطبيقه بناء على استبعاد التحليل التنازعي تماما، أو تطبيق امتياز الجنسية أو الديانة ، وهي تقنيات جد منتقدة وغير معترف بها في مبادئ القانون الدولي الخاص المقارن ، وتعطي لمن يريد عدم تطبيق أحكام وقرارات محاكمنا مبررا سهلا ومعقولا لاستبعادها.

أما اتباع التحليل التنازعي واستعمال تقنية النظام العام عند الحاجة فتمكن القاضي من الوصول إلى نفس النتيجة لكن بمنهجية سليمة.


[1]BATIFFOL (Henri), « Aspects philosophiques du D.I.P », Dalloz, Paris 1959, 17 et s.

YNTEMA (Hessle), « Les objectifs du D.I.P », R.C.D.I.P, 1959, janv-mars, p. 1.

[2]BATIFFOL (H.) et LAGARDE (Paul), « D.I.P » 7e Ed. 1 n° 327 et s., 1983.

ونشير في هذا الصدد إلى أن تطور الروابط الدولية الخاصة في الوقت الحالي أظهر قصور النظرية أيام وضعها بحيث أن التنازع أصبح شاملا أيضا لقوانين تنتمي إلى حضارات مختلفة ومتعارضة القيم:

DEPREZ (Jean), « D.I.P et conflits de civilisations » R.C.A.D.I, t. 211, 1988 IV, p. 9-372. GANNAGE (Pierre), « La Coexistence des droits confessionnels et des droits laicisés dans les relations privées internationales » R.C.A.D..I, 1979, t. 3, 164, p. 339-423.

EL GEDDAWY (A. Kessmat), « Relation entre systèmes confessionnel et laïque en D.I.P », Dalloz, 1971.

MERCIER (Pierre), « Conflits de civilisations et D.I.P : Polygrame et répudiation » GENEVE, roz, 1972.

[3]نود التنبيه من البداية إلى أنه في دراستنا نميز بين ” الشريعة الإسلامية ” و”الفقه الإسلامي “، حيث نقصد بالأولى القرآن والسنة كمصدرين نصيين متفق عليهما في غالبية البلدان الإسلامية ، أما الفقه الإسلامي فهو عمل إنساني وضعي ونتاج تطور تاريخي طويل ، انظر في هذا الصدد :

CHEHATA (Chafik), « Etude de droit musulman », Paris,-Puf, 1971, p. 12 et 5.

[4]أحمد عبد الكريم سلامة ، مبادئ القانون الدولي الخاص الإسلامي للمقارن ، دار النهضة العربية ، القاهرة 1989 ، وأيضا:

CHARDAHI (Choucri), « La conception et la pratique du D.I.P dans l’Islam », R.C.A.D.A., 1937, T. II, p. 518.

[5]بلقزيز عبد الواحد، قانون الجنسية في الدول العربية 1964 ، ترجمة لكتابه المنشور باللغة الفرنسية ضمن منثورات كلية الحقوق بالرباط .

[6]مثلا : القانون المدني 1974 بالنسبة للجزائر، والقانون المدني 1953 بالنسبة لليبيا، وق .ل .ع . الموريطاني لسنة 1989 وأمر 12 يوليوز 1956 المعدل بأمر 24 يوليوز 1957 وق . 27 شتنبر 1957 بالنسبة لتونس والذي تم تغييره سنة 1998 بظهير متكامل للقانون الدولي الخاص ، ودخل حيز التنفيذ ابتداء من مارس 1999، وظهير 1913 بالنسبة للمغرب .

[7]أحيانا ورد التعبير عنه بالقانون الشخصي وتارة بقانون الجنسية في قواعد تنازع القوانين.

[8]انظر في خصوص هذا الصراع : المرجع السالف الذكر. p 8-6, EDRAGAL te LOFFITTAB.

[9]JAMBU-MERLIN (ROGER), « Essai sur l’histoire des conflits de lois au levant et Afrique du nord » R.C.D.I.P, 1958, p.1-35.

[10]انظر في هذا الصدد : خالد برجاوى ، ” القانون الدولي الخاص في مادة الأحوال الشخصية “، الحلول المقررة لتنازع القوانين في الدول الإسلامية بين منطق الانتساب إلى الأمة الإسلامية ومنطق الانتماء إلى الجماعة الدولية ” ، دار القلم ، 2001

Issad (Mohamed), « De quelques problèmes soulevés par la nouvelle fonction du droit et la diversité de ses sources en algérie », R.J.P.I.C., n° 1, 1966, p. 54-62.

[11]بقي هذا التصور سائدا إلى حدود نهاية القرن التاسع عثر حيث صدرت عدة قوانين للجنسية في بلدان العالم الإسلامي.

[12]انظر نص هذه الاتفاقية في ملحق كتابنا : القانون الدولي الخاص في مادة الأحوال الشخصية …. ، المرجع المذكور

[13]الحكم المدني عدد 183 ، مجموعة قرارات المجلس الأعلى ، المادة المدنية ( 1966-1982)، الرباط ، 1985 ، ص .34 .

[14]الغرفة الإدارية ، قرار 252 ، المجلة المغربية للقانون والسياسية والاقتصاد ، عدد 5 ، 1977 ، ص 132

[15] حكم عدد 42 ، ملف شرعي 90/958 ، مجلة المحاكم المغربية  ، ع  70

[16]م .ق .ت . 1978 ، تعليق هاشم ثم كذلك م .ق .ت 1980 مزيو ومزغني ، ونشير إلى أن هذا هو اتجاه القضاء في الكثير من بلدان العالم الإسلامي

[17]هذا التوجه يتعارض أيضا مع مبدأ إلزامية وسلطة قاعدة الإسناد المدرجة في القانون الداخلي للقاضي المغاربي.

[18]مع استثناء نظام المواريث الذي كان التجديد فيه طفيفا.

[19]التعريف المألوف عند الفقهاء حتى الآن يعتبر امتياز الديانة الامتياز الممنوح للطرف المسلم على حساب الطرف غير المسلم في الروابط المختلطة ، وهو تعريف قاصر حسب نظرنا وغير شامل بل التعريف الشامل هو الذى مفاده أن امتياز الديانة هو امتياز لفائدة قواعد قانون ذي مصدر إسلامي على حساب قانون غير إسلامي المصدر.

[20]حديث نبوي شريف.

[21]قضاء المجلس الأعلى ، نونبر 1972 ، ص 46

[22]الغرفة الإدارية ، قرار 250، المجلة المغربية للقانون والسياسة والاقتصاد ، عدد 5 ،1977 ، ص132

[23]الغرفة الشرعية ، قرار ع .381 ، ملف ع. 93/2107 ، مجلة المحاكم المغربية ، ع . 77-78 ، ص 103

[24]حكم عدد 42، ملف شرعي عدد 90/958 ، مجلة المحاكم المغربية ، عدد 70 ، ص 136

[25]انظر في هذا الصدد : خالد برجاوي ، مدي استجابة مدونة الأسرة الجديدة لمطالب المجتمع المدني والسياسي المغربي ، دار القلم 2004

[26] قرار فيراري FERRARI ، محكمة النقض ، 6 يوليوز 1992 ، المجلة الانتقادية للقانون الدولي الخاص 1922/1923 ، تعليق Pillet ص 444

[27] قرار RIVIERE ، 7 أبريل 1953 ، محكمة النقض ، المجلة الانتقادية 1953 ، ص 412 ، تعليق باتيفول ، وكليني 1953 ، تعليق PLAISANT ص 860

[28]المادة 73 الفقرة الرابعة من مشروع ق . المعاملات العربي والمادة 14 من ق .م . المصري و 15 ق .م . الأردني وم و19 . فقرة 5 ق .م . العراقي والمادة 15ق .م . السوري وم36. فقرة 2 ق .م . الكويتي . . . انظر في هذا الصدد:

ABU-SAHLIEH (Sami awad aldeeb), « Projet de code arabe unifié des transactions : Dispositions relatives au DIP »,RCDIP, 1984, 2, p. 303-400.

[29]انظر القرار في clunet 1971 ، تعليق دوكرو.

[30]انظر في هذا الصدد : خالد برجاوى،” امتياز الجنسية في مدونة الأسرة ” مجلة بحوث ، عدد 2003-62 ، ص43

[31]قرار عدد 3253 : ، الملف المدني عدد 2002/2/1/3045، مجلة قضاء مجلس الأعلى ، عدد 2003-62 ، ص 43

[32] انظر هذا الصدد BAGBAG (Mohamed), « Le privilège de nationalité », D.E.S., Tunis, 1977

[33]قرار زاكور ق .ت 1964 ، ص 302, ،1968 Clunet ص 123، تعليق الشرفي.

[34] قرار رقم 26861 ، 26 يناير 1967 ، وارد عند نزار ص 112 ، وقرار رقم 59942 ، ق.ت 1968 ، ص 400

[35] قرار حامد 1974 ، ص 800 ، ثم م .ق .ت 1975 ، ج 2، ص 71 تعليق هاشم

[36] الغرفة الأولي ، مجلة القضاء والقانون ، عدد 1963 /61-59 ، ص550

[37]المقصود هنا بمبادئ القانون الدولي الخاص المقارن تلك المعمول بها في الأنظمة الرومانية أ الجرمانية والأنظمة الأخرى التي اقتبست منه

https://powderencouraged.com/zht6b3bs66?key=8523542c4aaf6f083ce56f74bd271319
https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من فضاء المعرفة القانونية -espace connaissance juridique

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة