مفهوم المحكم في التحكيم التجاري الدولي

 

د. خيري عبد الفتاح السيد البتانوني

أستاذ مساعد قانون المرافعات  جامعة شقراء بالسعودية

محام بالنقض ومحكم دولي

 

بسم الله الرحمن الرحيم

يقول الله تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا) سورة النساء: آية 35.

ويقول تعالى: (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) سورة النساء: آية 114.

ويقول الله تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا … إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) سورة الحجرات: آية 9-10.

ويقول عز وجل: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) سورة النساء: آية 65.

ويقول تعالى: (…فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ …)  سورة النساء: آية 128.

ويقول تبارك وتعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) سورة النساء: آية 58.

((إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتابا في يومه إلا قال في غده: لو غير هذا لكان أحسن، ولو زيد كذا لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر)). العماد الأصفهاني، معجم الأدباء، مقدمة.

مقدمة

1- فكرة أزمة العدالة القضائية:

لم تعد القوة كما كانت في المجتمعات القديمة، وسيلة اقتضاء الحقوق والدفاع عنها، بعد أن أخذت الدولة الحديثة على عاتقها، واجب إقامة العدل على إقليمها، عن طريق السلطة القضائية صاحبة الولاية العامة، في تولي الوظيفة القضائية داخل الدولة كمرفق عام. وذلك بهدف حماية الحقوق والمراكز القانونية التي يقررها القانون للأشخاص، والدفاع عنها ضد ما يواجهها من عوارض قانونية. فقد حل نظام القضاء العام في الدولة محل القضاء الخاص، وأصبح ضمان إقامة العدل، ونفاذ القانون إحدى وظائف الدولة الحديثة، تباشرها لضمان حماية النظام القانوني، عن طريق المحاكم والهيئات القضائية، لتحقيق الحماية القضائية بصورها المختلفة للحقوق والمراكز القانونية. ولذا منحت الدولة للأفراد حق الالتجاء إلي القضاء كحق دستوري، دون تمييز بينهم بسبب اللون أو الجنس أو العقيدة أو الجنسية، في حدود ضمانات وضوابط قانونية لممارسة حق التقاضي ([1]).

ويستهدف القضاء صاحب الولاية العامة للفصل في المنازعات، التي تثور بين الأشخاص داخل الدولة الحديثة من خلال ممارسة نشاطه، تحقيق حماية النظام القانوني (العدالة القضائية)، ويعتبر صمام الأمن، ودرع الأمان، والحارس الطبيعي للحقوق والحريات، وحامل لواء الحق والعدل، للمواطنين في الدولة الحديثة، بعد أن تدخلت الدولة الحديثة في الحياة الاجتماعية، والاقتصادية، باعتبارهـا مستقر كل السلطات ومستودعهـا. إلا أن دول العالم الآن في سباق محموم، للأخذ بالوسائل البديلة عن قضاء الدولة الرسمي لفض المنازعات (العدالة غير القضائية أو الرضائية). ونظرا لأن العدالة الرضائية تقوم على المواءمة، كي تنال رضا وقبول طرفي النزاع، بما يحقق السلام والعدالة الاجتماعية، فإنها تكون أكثر إيجابية وفعالية، من العدالة القضائية المبنية على النصوص القانونية المجردة ([2]).

إلا أن قضاء الدولة، كطريق أصيل لحسم المنازعات، لم يقم بأداء رسالته على الوجه المنشود، نتيجة بعض المعوقات منها: قلة عدد القضاة، وأساليب التحايل من المحامين وأعوان القضاة، وازدحام المحاكم بالكم الهائل من القضايا، وبطء وتعقيد إجراءات التقاضي، وتعدد درجات التقاضي، ومشاكل تنفيذ الأحكام القضائية، وعدم تجاوب النظم القانونية الداخلية مع متطلبات التعامل الدولي، وجهل المستثمر الأجنبي بالقوانين الداخلية للدولة محل الاستثمار، وعدم ثقته في استقلال قضائها الوطني أمام أجهزتها السياسية، والهروب من مشكلة تنازع القوانين، وعدم الثبات والاستقرار التشريعي، والرغبة في التحرر من القوانين الوطنية في مجال التجارة الدولية، وتشجيع وحماية الاستثمارات الأجنبية من المخاطر السياسية والاقتصادية، مما أدى إلى التفكير في نظم تتلافى كل هذه العيوب.

فالمشرع الفرنسي مثلا في قانون الإجراءات المدنية الفرنسي الجديد أنشأ نظام قضاة السلام للقيام بمحاولات الصلح أو التوفيق بين الخصوم، وتفعيل دور القاضي في الخصومة القضائية، بإلزام القاضي ببذل قصارى جهده للصلح بين الخصوم، وجعل للقاضي مكنه تعيين وسيط قضائي للقيام بإجراءات الوساطة بعد موافقة الخصوم (art. 21, 131-1, 840 et 847. N.C.P.C.E.).

ونظرا لأن إقامة العدالة هي التي تشيع الطمأنينة، وتنشر الأمن، وتنمي علاقات الأشخاص فيما بينهم … لذا يجب تنمية العدالة سواء أكانت عدالة قضائية أم رضائية، إلا أن هناك بعض المعوقات تقف حائلا منيعا أمام إقامة العدالة: كزيادة الطمع، وتعارض المصالح، وأزمة الأخلاق، وضعف الوازع الديني، وزيادة العنف والغضب، وتلاعب المحامين، ودهاء وحيل بعض الخصوم لخلط الحق بالباطل، وتباين الأهواء والنزاعات، وزيادة عدد القضايا نتيجة زيادة عدد السكان، والثغرات القانونية، والإجراءات المعقدة … وفي ذلك ضياع للعدالة والحقوق.

وإذا كان هدف القانون هو حفظ النظام العام وحماية المصلحة العامة في المجتمع، وحماية حقوق وحريات ومصالح الأفراد، فقد أصبح الوصول إلى العدالة الناجزة أمرا عسيرا وصعب المنال، إزاء عدم فعالية قضاء الدولة في حسم المنازعات، لذا صار من الضرورة البحث عن بدائل للدعوى المدنية تلبي رغبة طرفي النزاع في سرعة حسم منازعاتهم. وفي ظل الانفتاح “الاقتصادي، وازدهار التجارة الدولية، ازدادت واتسعت آفاق اللجوء إلى الوسائل البديلة لفض المنازعات، نتيجة نمو العلاقات الاقتصادية الداخلية والدولية، وذلك للمساهمة في تخفيف العبء الملقى على عاتق القضاء، وعدم إرهاق المتقاضين، وضمان تحقيق مصالحهم بإجراءات أسهل، وفي وقت أقل، وتنمية روح التصالح والمودة بين طرفي النزاع، والخروج بعد فض النزاع بعلاقات دائمة، و ودية، و متصلة، و مستمرة.

فالغاية من لجوء طرفي النزاع إلى الوسائل البديلة لفض المنازعات كوسائل سليمة، وودية، ومحايدة، وسريعة، ومرنة …هي تحقيق العدالة الرضائية بينهم، وتمكين من سيصدر الحكم لصالحه من الحصول على حقه بإجراءات سهلة وميسرة دون تكبد عناء ومشقة اللجوء إلى القضاء، وما يستلزمه من ضياع الوقت والجهد والنفقات …والذي يغلب تطبيق النصوص القانونية على الأخذ بروح العدالة. فإذا نجحت الوسائل البديلة لفض المنازعات في تحقيق هدفها فإنها تؤدي إلى نتيجة أفضل من حسم المنازعات عن طريق القضاء؛ لأن الخصومة ننتهي بالحكم القضائي، ولكن روح النزاع والتباغض تظل قائمة بينهم ([3]). إلا أن نجاح الوسائل البديلة لفض المنازعات مرهون بريادة وعي وثقافة الأشخاص بأهميتها، ودورها، وتفعيل دور الدولة من الناحية التشريعية والقضائية. وإعداد كوادر وطنية عالية المعرفة، والدراية، والخبرة، والتدريب، والمهارة، باعتباره واجبا وطنيا، وضرورة قومية.

2- الوسائل البديلة لفض المنازعات:

يمكن تعريف الوسائل البديلة لفض المنازعات بأنها طرق اتفاقية لتسوية المنازعات المدنية والتجارية دون اللجوء إلى قضاء الدولة الرسمي، كالتحكيم، والوساطة، والتوفيق، والمصالحة، والتفاوض … بقصد الوصول إلى تسوية ودية سريعة، وغير مكلفة. وقد شهد التحكيم ازدهارا لم يكن منتظرا ولا متوقعا، وتقبلته الأوساط القضائية في كثير من الدول، وأقبلت عليه بجدية واهتمام، وانعكس ذلك في ظهور التشريعات أو القوانين المنظمة للتحكيم. وحل المنازعات عن طريق التحكيم سيكون أكثر فعالية من حلها عن طريق القضاء. لأن التحكيم وسيلة للحوار الاجتماعي، وعامل للتنمية الاجتماعية، وفن معايشة المنازعات، وطريقة ذات نزعة إنسانية، بالرغم من أنه وسيلة احتياطية للحصول علي العدالة. ويعتبر المحكم دينامو عملية التحكيم، وأكثر حرصا وضمانا لمصالح طرفي النزاع. فالتحكيم هو الدواء الشافي لحل المنازعات في العصر الحديث، ووسيلة أكثر إنسانية وفعالية وأقل كلفة واختيارية، وأكثر مرونة وخصوصية وسرية. فالمحكم يفتح النقاش والحوار لطرفي النزاع بتقديم حلول للنزاع، ويستطيع طرفي النزاع باتفاقهما الخروج من عملية التحكيم في أي وقت. والمحكم شخص حكيم ذو شخصية وخبرة، وله حس مرهف للعدالة والإنصاف ([4]).

وتتيح الوسائل البديلة لفض المنازعات، إمكانية دراسة النزاع دراسة معمقة من مختلف جوانبه القانونية، والفنية نظرا للآلية التي يستخدمها كل طرف لمحاولة إثبات شرعية موقفه. وعادة ما يلجأ كلى طرف إلى الاستعانة بمحامين، وخبراء لإبداء آرائهم حول المسائل الفنية أو المتخصصة. ولا شك أن ذلك يساعد المحكم على فهم مختلف جوانب النزاع، وإصدار حكم ملزم يأخذ بعين الاعتبار كل الأدلة والحجج المقدمة من الطرفين. وتساعد عملية التحكيم على تهدئة التوتر بين طرفي النزاع، عن طريق حل المنازعات بطريقة دبلوماسية وقائية قبل وصولها إلى القضاء، ولأنها قد تكون الوسيلة الأكثر ملائمة لحل المنازعات مع بقاء العلاقات ودية متصلة، والتعاون بينهما دائم ومستمر.

ويرجع اختيار الوسائل البديلة لفض المنازعات بين الأطراف؛ إلى صعوبة توقع نتيجة الحكم القضائي، وطول الإجراءات القضائية، وتعقدها، والتكلفة المالية، وما يودي إليه الحكم القضائي من خصومة وانقطاع العلاقات، وعلانية القضاء، وإنهاء النزاع بطريقة غير هادئة. و لأطراف النزاع الحرية الكاملة في اختيار أي من الوسائل البديلة لحل المنازعات الناشئة بينهم، والتي يرونها أكثر ملائمة لتسوية المنازعات بينهم. وعادة يراعي أطراف النزاع، عند اتخاذ قراراهم بتسوية النزاع، بوسيلة محددة من بين الوسائل البديلة، إجراء موازنة بينها عن طريق مقارنة مزايا وعيوب كل وسيلة. وقد يساعد التعهد المسبق لأطراف النزاع باستخدام وسيلة محددة، لتسوية أنواع معينة من المنازعات بينهم، على تحديد الوسيلة الواجب استخدامها لفض النزاع، مع الأخذ في الاعتبار نوعية المنازعات القابلة وغير القابلة للتسوية الغير قضائية. أي أنه يجب اختيار الوسيلة البديلة لفض المنازعات التي تتفق وتتلاءم مع ظروف النزاع وطبيعته.

ويقوم طرفي النزاع قبل اختيارهم إحدى الوسائل البديلة لحل المنازعات، بإجراء عملية تقييم شاملة لوسائل التسوية الممكن استخدامها، ومدى استجابتها لمصالحهم، والأهداف التي يسعى كل طرف. إلى تحقيقها. فكل شيء يتوقف على أهمية المصالح -المعرضة للخطر- محل النزاع، ورغبة أطرف النزاع في تطبيق قانون معين، ونوعية العلاقات القائمة بين أطراف النزاع ممتدة أو منقطعة، وآثار النزاع على طرفيه. و كثرة وتعقد العلاقات والمصالح بين الأطراف وتشابكها قد يحتم
استخدام أكثر من وسيلة من الوسائل البديلة لفض المنازعات فيما بينهم.

3- التحكيم نظام قانوني اتفاقي بديل عن القضاء لفض المنازعات:

التحكيم وسيلة بديلة من وسائل فض المنازعات قوامه الخروج عن قضاء الدولة الرسمي في فض المنازعات، يتفق الأطراف علي اللجوء إليه باتفاق تحكيم شرطا كان أم مشارطة، فهو نوع من العدالة الخاصة ينظمه القانون. ويسمح بمقتضاه بإخراج بعض المنازعات؛ من ولاية قضاء الدولة كي تفض عن طريق هيئة تحكيم يختارها أطراف النزاع ([5]). فالتحكيم ظاهرة دوليه وليدة ثقافات متعددة، ووسيلة رضائية بديلة لفض المنازعات؛ المدنية والتجارية، الوطنية أو الدولية، عن طريق هيئة تحكيم من اختيار أطراف النزاع. فالتحكيم يرتبط بوجود نزاع يراد حسمه بحكم ملزم عن غير طريق القضاء، و بناء على اتفاق تحكيم بين طرفي النزاع ([6]). فالتحكيم هو طريقة خاصة لفض بعض أصناف النزاعات من قبل هيئة تحكيم يسند إليها الأطراف مهمة البت فيها بموجب اتفاق تحكيم بحكم ملزم.

فالتحكيم هو طريق استثنائي لفض الخصومات قوامه الخروج عن طرق التقاضي العادية وما تكفله من ضمانات، فهو مقصور حتما على ما تنصرف إرادة المحتكمين إلى عرضه على هيئة التحكيم التي يتم تشكيلها باتفاقهما كأصل للفصل فيه بحكم ملزم تنحسم به الخصومة بينهما. والأصل في التحكيم هو عرض نزاع معين بين طرفين على محكم من الأغيار يعين باختيارهم ليفصل في هذا النزاع بحكم ملزم قاطع لدابر الخصومة المحالة إليه، فالتحكيم مصدره الاتفاق وإليه ترتد سلطة المحكمين عند البت في النزاع، باعتباره دستور التحكيم ([7]).

ومقتضى التحكيم عزل المحاكم جميعها عن نظر المسائل التي انصب عليها اتفاق التحكيم، إذ يعتبر نظاما بديلا عن القضاء فلا يجتمعان. بمعني أن أثر التحكيم هو عزل القضاء عن نظر المسائل التي أنصبت عليها خصومة التحكيم، فالتحكيم يعتبر نظاما بديلا عن القضاء فلا يجتمعان. ويتميز التحكيم عن قضاء الدولة بأساسه الاتفاقي، وولايته الخاصة. وإذا انتفى وجود النزاع، واتفاق التحكيم، وهيئة تحكيم، وحكم ملزم، انتفى وجود التحكيم، ذاته. نظرا لقيام التحكيم على إرادة طرفي النزاع الحرة في اللجوء إليه، أي أن اتفاق التحكيم هو دستور عملية التحكيم. ويقوم التحكيم علي اعتبارين هما؛ إرادة أطراف التحكيم، وإقرار المشرع لهذه الإرادة. ويعتبر التحكيم قضاء العدالة الرضائية باعتباره صورة من صور القضاء الذاتي، أو صورة من صور القضاء الخاص منظمة قانونا، فرضته ظروف تطور التجارة الدولية، وإعلاء لإرادة أطراف التحكيم ([8]).

واتفاق التحكيم هو اتفاق طرفي النزاع على الالتجاء إلى التحكيم لفض كل أو بعض المنازعات التي نشأت أو يمكن أن تنشأ بينهما بمناسبة علاقة قانونية معينة عقدية أو غير عقدية، ويجوز أن يكون اتفاق التحكيم سابقا على قيام النزاع (شرط تحكيم) أو لاحقا بعد قيام النزاع (مشارطه تحكيم) أو في شكل إحالة ترد في العقد الأصلي إلى وثيقة تتضمن شرط تحكيم. ويجب أن يتم اتفاق التحكيم صحيحا بتراضي – إيجاب، وقبول – صحيح خالي من عيوب الإرادة، و صادرا عن شخص لديه أهلية التصرف في الحق المتنازع عليه، وأن يرد هذا التراضي علي محل صحيح وممكن ومشروع، وأن يستند إلي سبب مشروع، وأن يكون مكتوبا وإلا كان باطلا (م 10، م 12 تحكيم مصري).

والأصل في التحكيم هو عرض نزاع معين بين طرفين على محكم من الأغيار يعين باختيارهما أو بتفويض منهما أو على ضوء شروط يحددانها، و لا يجوز أن يكون إجباريا، لأن مصدره الاتفاق. فالتحكيم أصلا مصدره الاتفاق، واليه ترتد السلطة الكاملة التي يباشرها المحكم عند البت في النزاع، فهو نظام بديل عن القضاء ولا يجتمعان.

وهيئة التحكيم هي المحكم الفرد أو الفريق من المحكمين، الذي يفصل في النزاع المحال إلي التحكيم (م 1/2 تحكيم سعودي). وتعتبر المهمة التحكيمية المنوطة بالمحكم جوهر فض المنازعة. و يعتبر المحكم هو الدينامو المحرك ومحور عملية التحكيم. وعلى قدر دقة المحكم ومهارته تكون سلامة إجراءات التحكيم، وصحة الحكم الصادر في خصومة التحكيم. والجدير بالذكر أن حسن أداء المحكم لمهمته التحكيمية يتوقف على ما يحمله من مؤهلات علمية وعملية وخبرات فنية. فالمحكم هو شخص يتمتع بثقة أطراف التحكيم، أولوه عناية الفصل في النزاع القائم بينهم.

ويتم تعيين المحكم من أطراف التحكيم أو من الغير أو من المحكمة القضائية المختصة قانونا بنظر النزاع في الحالات المنصوص عليها قانونا. وإعداد المحكم المؤهل قانونا لتولي المهمة التحكيمية يتطلب معرفة الشروط الواجب توافرها في المحكم، وكيفية اختياره، وتمييزه عن غيره من النظم المشابهة به. ثم التطرق لبيان الطبيعة القانونية للمحكم. ويعتبر وجود المحكم أهم عنصر من عناصر العملية التحكيمية؛ فالمحكم هو الذي يقود ويوجه العملية التحكيمية في المكان والزمان المناسبين حتى تصل إلى غايتها النهائية بصدور حكم ملزم في موضوع خصومة التحكيم، وبقدر تحري الدقة في اختيار المحكم، تكون سلامة حكم التحكيم وعدالته وجدواه.

فالمحكم هو المحور الأساسي لعملية التحكيم، وبقدر كفاءته ودقته تكون سلامة إجراءات التحكيم، وبالتالي صحة التحكيم. فحسن أداء المحكم وكفاءته ومهارته في تأدية مهمته يظل رهنا بشخص المحكم ومؤهلاته وخبراته، لذا يجب تأهيل المحكمين من خلال عقد الدورات و المؤتمرات و الندوات وورش العمل المتخصصة. والمحكم أثناء قيامه بمهمة التحكيم يختلف عن غيره من الأشخاص الذين يقومون بعمل مشابه لعمله أو مهمته كالخبير، والوكيل، والموفق، والمصالح، والقاضي … فالمحكم يستمد سلطاته من إرادة المحتكمين من جهة، ومن إرادة القانون الذي أجاز له ممارسة المهمة التحكيمية، ومنحه سلطة إصدار الحكم التحكيمي. لذا يجب اختيار المحكم الكفء القادر على تحقيق العدالة بعيدا عن المصالح والرغبات الشخصية. فلا شك أن التحكيم يكون جيدا بقدر ما يكون المحكم جيدا ([9]). ولذلك يشترط لا المحكم صفات وشروط معينة قررها المشرع، واتفاق الأطراف، لأنه بعد تشكيل هيئة التحكيم، تبدأ إجراءات خصومة التحكيم بطلب التحكيم، وتصبح هيئة التحكيم هي صاحبه الاختصاص بفض النزاع التحكيمي وإصدار حكم التحكيم.

والأصل في تكوين هيئة التحكيم قيام أطراف النزاع باختيار هيئة التحكيم، فإذا كانت هيئة التحكيم مشكلة من ثلاثة محكمين اختار كل طرف محكما ثم يتفق المحكمان على اختيار المحكم الثالث، واذا كان هناك أطراف متعددون سواء كمدعين أو كمدعى عليهم، وكان ينبغي أن يحال النزاع إلى هيئة مشكلة من ثلاثة محكمين كان على المدعين المتعددين أن يعينوا محكما، وعلى المدعى عليهم المتعددين أن يعينوا محكما. وفى حالة اختلافهم وعدم اتفاقهم علي التشكيل، فيأتي الدور الاحتياطي المساعد من قضاء الدولة في تشكيل هيئة التحكيم بناء علي طلب أحد أطراف النزاع التحكيمي صاحب الصفة والمصلحة في ذلك، يقدم إلى المحكمة القضائية المختصة أصلا بنظر النزاع أو محكمة استئناف القاهرة مالم يتفق الطرفان علي اختصاص محكمة استئناف أخرى في مصر في التحكيم التجاري الدولي بمقتضي نص (م 9 تحكيم مصري). وفي السعودية هي المحكمة صاحبة الولاية نظاما بالفصل في المنازعات التي اتفق علي التحكيم فيها (م 1 /3 تحكيم سعودي)، ويكون الاختصاص بنظر … المسائل التي يحيلها نظام التحكيم للمحكمة المختصة معقودا لمحكمة الاستئناف المختصة أصلا بنظر النزاع (م 8/1 تحكيم سعودي، و م 14 تحكيم سوري)، وفي التحكيم التجاري الدولي يكون لمحكمة الاستئناف المختصة أصلا بنظر النزاع في مدينة الرياض مالم يتفق طرفا التحكيم علي محكمة استئناف أخري في المملكة (م 8/2 تحكيم سعودي)، وفى قطر هي المحكمة المختصة أصلا بنظر النزاع المعروض على التحكيم (م 201 مرافعات قطري). ويتدخل القضاء في حالة عدم اتفاق الأطراف علي اختيار هيئة التحكيم، أو امتناع أحدهما عن المشاركة في اختيار هيئة التحكيم، أو اختلاف المحكمان المعينان علي اختيار المحكم المرجح، أو تخلف مركز التحكيم عن أداء ما عهد إليه في شأن اختيار هيئة التحكيم.

ونظرا للنشأة الاتفاقية للتحكيم، أساسه إرادة الأطراف واختيارهم، فإن سلطة المحكم تتحدد بموجب اتفاق التحكيم، والقانون؛ فاتفاق التحكيم هو دستور عملية التحكيم، والأساس الذي يستمد منه المحكم سلطاته، فليس للمحكم سلطة مطلقة في إدارة خصومة التحكيم، وتوجيهها بكافة الطرق والوسائل، دون أن يكون مقيدا بضوابط نظام التحكيم، واتفاق التحكيم. كما أن دوره ليس سلبيا يقتصر علي الفصل في النزاع في ضوء الطلبات، والأدلة المقدمة في خصومة التحكيم. وإنما دوره مزيجا بين هذا وذاك. فله دور في إدارة خصومة التحكيم، وتسيرها، وتوجيهها، وتقدير الأدلة المقدمة من أطراف النزاع؛ وملتزما بمراعاة المبادئ الأساسية للتقاضي، باعتبارها الضمانات والأسس التي تحكم أداء العدالة لوظائفها أيا كان نوعها – عدالة قضائية أم عدالة تحكيمية – ولا يمكن النزول عنها أيا كانت المبررات والدوافع لذلك.

ويجب على أطراف التحكيم؛ التقرير بين التحكيم المؤسسي والحر، و اختيار قواعد التحكيم، واستخدام البند النموذجي المقترح لقواعد التحكيم، وألا يقيدوا نطاق النزاعات القائمة بينهم والتي ستخضع للتحكيم، بل عليهم تحديد هذأ النطاق بشكل عام مفضل. و اختيار المكان الذي سيجري فيه التحكيم، ويبنى خيارهم هذا على أساس اعتبارات عملية وقانونية، و تحديد عدد المحكمين، و تحديد طريقة اختيار واستبدال المحكمين، وعندما يتم اختيار التحكيم الحر، عليهم اختيار سلطة التعيين، و تحديد لغة التحكيم، و تحديد القواعد القانونية التي تحكم العقد وأي نزاع لاحق بينهما.

ولذا يجب الاهتمام بتوضيح مفهوم التحكيم، وطبيعته القانونية، وأنواعه، والمهمة التحكيمية للمحكم، وبيان الطبيعة القانونية لشخصية المحكم، ونطاق مسئوليته عن أعماله بتحديد طبيعة التزامه، ومسئوليته، وحقوقه، والتزاماته، وأركان مسئوليته، وطرق دفعها، وكيفية تأمينها، وضمان الأضرار الناجمة عن خطأ المحكم.

وبناء على ذلك نتناول موضوع مفهوم المحكم في التحكيم التجاري الدولي في فصلين على النحو التالي:

الفصل الأول: النظام القانوني للتحكيم، والمحكم ويشتمل علي مبحثين:

المبحث الأول: النظام القانوني للتحكيم.

المبحث الثاني: النظام القانوني للمحكم.

الفصل الثاني: النظام القانوني لمسئولية المحكم. ويشتمل علي مبحثين:

المبحث الأول: نطاق مسئولية المحكم.

المبحث الثاني: أركان وطرق دفع مسئولية المحكم.

وذلك بالتفصيل المناسب علي الوجه التالي.

الفصل الأول

النظام القانوني للتحكيم والمحكم

4- تمهيد وتقسيم:

يعتبر التحكيم نظام قانوني لفض المنازعات يتفق الأطراف علي اللجوء إليه دون القضاء بقواعد وإجراءات محددة، وباتفاق الأطراف علي اللجوء إلي التحكيم لفض كل أو بعض المنازعات التي نشأت بينهما أو يمكن أن تنشأ بينهما بمناسبة علاقة قانونية معينة عقدية أو غير عقدية، يتنازل أطراف النزاع عن الالتجاء إلى القضاء لفض منازعاتهم، مع التزامهم بطرح النزاع على محكم أو أكثر بعدد فردي ليفصلوا فيه محكم تحكيم ملزم. حتى ولو كان النزاع قد أقيمت بشأنه دعوى قضائية، ولو كانت الدعوى أمام الاستئناف مادام لم يصدر حكم نهائي فيها (م 10/2) تحكيم مصري، و (م 1/1، م 9، م 10) تحكيم سعودي، و (م 10) تحكيم عماني. وإذا تم الاتفاق علي التحكيم أثناء نظر النزاع أمام المحكمة القضائية المختصة، وجب عليها أن تقرر إحالة النزاع إلي التحكيم (م 12 تحكيم سعودي).

فقوام التحكيم اتفاق أطراف التحكيم، وهذا الاتفاق قد يرد كبند ضمن بنود العقد المبرم بين الأطراف أو في ورقة ملحقه به تنص على التجائهم إلى التحكيم دون قضاء الدولة بشأن ما قد ينشب مستقبلا بينهم من منازعات – قبل قيام النزاع – ويسمى هذا الاتفاق بشرط التحكيم. وقد يتم الاتفاق على الالتجاء إلى التحكيم بعد أن يثور النزاع فعلا، ويسمى في هذه الحالة بمشارطة التحكيم، وذلك باتفاق لاحق بعد قيام النزاع ([10]). ولا يصح التحكيم إلا في المسائل التي يحوز فيها الصلح. ويبدأ التحكيم باتفاق، ويمر بإجراءات، وينتهي بحكم ملزم. بمعني أنه يبدأ باتفاق طرفي النزاع على فض كل أو بعض المنازعات التي نشأت أو ستنشأ بينهما عن طريق هيئة تحكيم من اختياره بحكم ملزم.

ولأن المحكم أهم عنصر من عناصر عملية التحكيم، ويقوم بدور كبير وفعال من أجل التوصل إلى حل النزاع المطروح أمامه بعدالة وحياد، فيمكن وصف المحكم بقائد طائرة التحكيم، و بربان سفيفة التحكيم، فهو المسئول عما يواجهه من الأنواء والأعاصير في رحلة التحكيم. فالمحكم هو قلب التحكيم النابض الذي إذا صلح صلح التحكيم كله، واذا فسد فسد التحكيم كله، ولذا يجب تأهيل المحكمين من خلال عقد الدورات والمؤتمرات والندوات وورش العمل المتخصصة في مجال التحكيم. فرغم أن المحكم هو حجر الزاوية في عملية التحكيم، إلا أن القوانين والتشريعات أجمعت على منح أطراف التحكيم الحرية الكاملة في اختيار المحكم، إلا أن هذه الحرية مقرونة بعدة شروط يجب توافرها في المحكم المختار من قبل أطراف التحكيم، نصت عليها القوانين، والا كان حكم التحكيم الصادر من هذا المحكم كير متوافر فيه هذه الشروط باطل، ومن ثم فهو غير قابل للتنفيذ. وقد يكون المحكم محكما بالقانون؛ ملتزما بتطبيق القواعد القانونية التي اتفق عليها طرفي التحكيم. وقد يكون محكما مفوضا بالصلح يبيح له اتفاق التحكيم أن يبت في موضوع النزاع بروح العدل والإنصاف لا بحسب القواعد القانونية.

كما يجب أن تشكل هيئة التحكيم من عدد وتري أو فردي يتم اختيارهم بمعرفة الأطراف لثقتهم في المحكمين المختارين للفصل في النزاع، ويكون اختيار المحكمين من قبل الأطراف أنفسهم أو تفويض الغير في اختيارهم، كتفويض مركز أو مؤسسة تحكيم في تعيينهم، أو تعيين المحكم من قبل المحكمة القضائية المختصة بنظر النزاع أصلا في حالة عدم تعيين أحد أطراف التحكيم محكمه. وتعد مرحلة إجراءات التحكيم مرحلة عملية تلي مرحلة اتفاق التحكيم، ونشوء النزاع يتم من خلالها الوصول إلي حكم ملزم فاصل في النزاع التحكيمي.

وعرفت (م 10 /1) من قانون التحكيم المصري رقم 27 لسنة 1994 م اتفاق التحكيم بأنه: “أتفاق الطرفين على الالتجاء إلى التحكيم لتسوية كل أو بعض المنازعات التي نشأت أو يمكن أن تنشأ بينهما بمناسبة علاقة قانونية معينة عقدية كانت أو خير عقدية”. وكذلك (م 1/1، م 9) تحكيم سعودي، و (الفصل 307) مسطرة مدنية مغربي، و(م 444) إجراءات مدنية جزائري، و (م 763، 762) أصول محاكمات مدنية لبناني، و (م 173) مرافعات كويتي، و (م 190) مرافعات قطري، و (م 252، 251) مرافعات عراقي، و (م 203/ 1) إجراءات مدنية إماراتية، و (م 739) مرافعات ليبي، و (م 10) تحكيم عماني، و (م 8، 7، 1) تحكيم سوري، و(م 3) تحكيم موريتاني، و(1676) قضائي بلجيكي، و(6 / 1) تحكيم إنجليزي، و(م 1029/ 1) إجراءات مدنية ألماني، و (art. 1442 N.C.P.C.F.)، و (م 139) إجراءات مدنية سوداني، و (م 7) تحكيم بحريني، و(م 5) تحكيم فلسطيني.

وعلى ذلك فاتفاق التحكيم اتفاق رضائي ملزم للجانبين، موضوعه الالتجاء إلى التحكيم كوسيلة بديلة عن قضاء الدولة لفض المنازعات التي نشأت أو يمكن أن تنشا في المستقبل بواسطة هيئة تحكيم ([11]). ويعتبر الاتفاق على التحكيم، شرطا كان أم مشارطه، من اتفاقات القانون الخاص يسوده مبدأ سلطان الإرادة، وتطبق عليه قواعد النظرية العامة للعقد. والتحكيم أيا كانت صورته يستند إلى اتفاق تحكيم بين أطرافه، قوامه رضا الأطراف. ويتعين أن تتوافر شروط صحته من الرضا، والمحل، والسبب؛ كشروط موضوعية، والكتابة كشرط شكلي. ويعتبر اتفاق التحكيم اتفاقا مدنتا، ولا يعتبر عملا تجاريا، ولو تعلق بمنازعات ناشئة عن أحد المعاملات التجارية. كما لا يعتبر عقدا إداريا، ولو تعلق بمنازعات ناشئة عن أحد العقود الإدارية، وذلك لأن اتفاق التحكيم يحتفظ باستقلاله عن العقد الأصلي، ولا يتأثر بصفته ([12]). وتسري قواعد التحكيم على كل تحكيم اتفاقي يتعلق بنزاع ببن أطراف من أشخاص القانون العام أو القانون الخاص أيا كانت طبيعة العلاقة القانونية التي يدور حولها النزاع، عقدية كانت أو غير عقدية.

وتطبق القواعد والأحكام الخاصة بالتحكيم التقليدي على التحكيم الإلكتروني، فلا خلاف بينهما سوى الوسيلة المستخدمة في كل منهما. حيث يتم التحكيم التقليدي بالوسائل التقليدية العادية، بينما يتم التحكيم الإلكتروني بوسائل اتصال إلكترونية حديثة. فيتم انفاق التحكيم الإلكتروني بصورة عقدية إلكترونية سواء في شكل شرط مدرج بالعقد الإلكتروني الأصلي أو في شكل مشارطة تحكيم إلكترونية عندما يرسل طرفي النزاع إلى أحد مراكز مقدمي خدمة تسوية المنازعات إلكترونيا رسالة إلكترونية باتفاقهما على عرض نزاعهما عليه. يتنوع اتفاق التحكيم إلى ثلاث صور؛ إما شرط تحكيم أو مشارطة تحكيم أو شرط تحكيم بالإحالة. وتلك الأنواع لاتفاق التحكيم يمكن إجراءها بين طرفي اتفاق التحكيم، سواء في شكل شرط بالعقد الأصلي كبند ضمن بنوده، أو في شكل مشارطة باتفاق لاحق بعد قيام النزاع، أو في شكل شرط إحالة يرد في العقد الأصلي إلى وثيقة تتضمن شرط تحكيم ([13]).

ولما كان التحكيم نظام قانوني بديل عن نظام التقاضي الذي تنظمه الدولة؛ فإنه يجب التمييز بينه وبين ما قد يختلط به من عمل القاضي، والخبير، والوكيل …و لما كان نظام التحكيم يمر بعدة مراحل، واختلاف طبيعة كل مرحلة، فهو نظام تعاقدي في نشأته باتفاق تحكيم، وقضائي في وظيفته بحكم ملزم، الأمر الذي أثار خلاف بخصوص الطبيعة القانونية للمحكم، هل هي عقدية ؟ أم قضائية ؟ أم مختلطة ؟ أم نظام مستقل ذا طابع خاص.

وعلي ذلك نتناول التعريف بالتحكيم، وأهميته، وأسباب اللجوء إليه، ومزاياه، وعيوبه، ومعوقاته، واتفاق التحكيم، ونطاقه الموضوعي والشخصي، وأنواعه، وتطوره التاريخي، ومشروعيته في الفقه الإسلامي، وطبيعته القانونية. ثم نتناول التعريف بالمحكم، وشروطه، وتمييزه حق غيره، وكيفية اختياره، وعقد التحكيم المبرم بين المحكم، وأطراف التحكيم، وانقضائه، والتمييز بين المحكم وبين غيره من النظم القانونية المشابهة، حقوق المحكم، والتزامات المحكم … واذا كان التحكيم نظاما قانونيا قائما بذاته له طبيعته الخاصة، وأحكامه المستقلة، نتيجة حرية الأطراف النزاع التحكيمي في اختيار هيئة التحكيم، والقانون الذي يحكم إجراءات التحكيم، والقانون الذي يحكم موضوع النزاع التحكيمي … لذلك أصبحت الحاجة ملحة وضرورية لتقنين مهنة المحكمين من حيث شروط المحكم، وواجباته، وحقوقه، ومسئوليته، وحصانته، وامتيازاته …

وبناء على ذلك نتناول الفصل الأول (النظام القانوني للتحكيم، والمحكم) في مبحثين على النحو التالي:

المبحث الأول: النظام القانوني للتحكيم.

المبحث الثاني: النظام القانوني للمحكم.

وذلك بالتفصيل المناسب علي الوجه التالي.

المبحث الأول

النظام القانوني للتحكيم

5- تمهيده وتقسيم:

نتناول في النظام القانوني للتحكيم: تعريف التحكيم لغة، وشرعا، واصطلاحا، وأهميته، وأسباب اللجوء إليه، ومزاياه، وعيوبه، ومعوقاته، واتفاق التحكيم، ونطاقه الموضوعي والشخصي، وأنواعه، وتطوره التاريخي، ومشروعيته في الفقه الإسلامي، وطبيعته القانونية.

6- تعريف التحكيم:

أ- في اللغة: التحكيم مصدر حكم يقال حكمت فلانا في مالي تحكيما، أي فوضت إليه الحكم، ويقال استحكم فلان مال فلان، إذا أجاز فيه حكمه . و حكموه فيما بينهم: أمروه أن يحكم في الأمر، أي جعلوه حكما فيما بينهم. واحتكموا أو تحاكموا إلى الحاكم؛ إذا رفعوا أمرهم إليه. وحكم فلانا في الشيء أو الأمر يعني جعله حكما، ومنه قوله تعال (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) ([14]). ويطلق علي من يختار للفصل بين المتخاصمين؛ الحكم ومنه قوله تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا) ([15]). ومن اختاره الطرفان للتحاكم إليه يسمى: حكما أو محكما وحاكما. أما الخصم صاحب لنزاع فيسمى؛ محتكما، بكسر الكاف أو محكما؛ بتشديد الكاف مع الكسر ([16]). يتضح من ذلك أن التحكيم في معناه اللغوي يفيد إطلاق اليد في الشرع أو تفويض الأمر للغير أي التفويض في الحكم أو طلب الحكم ممن يتم الاحتكام إليه.

ب- تعريف التحكيم شرعا: عند الأحناف: “توليه الخصمين حاكما يحكم بينهما” ([17]).

وعند المالكية: “أن الخصمين إذا حكما بينهما رجلا وارتضاه لأن يحكم بينهما جاز” ([18]).

وعند الشافعية: “أن يتخذ الخصمان رجلا من الرعية ليقضي بينهما فيما تنازعاه” ([19]).

وعند الحنابلة: “إذا تحاكم رجلان إلى رجل وحكماه بينهما ورضياه وكان مما يصلح للقضاء فحكم بينهما جاز” ([20]).

وقد عرفت مجلة الأحكام العدلية التحكيم في (م 1790) بقولها: “اتخاذ الخصمين شخصا أخر برضاهما لفصل خصومتهما ودعواهما”. بمعنى أن التحكيم وسيلة يستغني بها الفرقاء عن قضاء الدولة في حسم منازعاتهم ([21]).

وعرفت مجلة الأحكام الشرعية التحكيم في (م 2091) بانه: “أن يحكم الخصمان رجلا يرتضيانه ليحكم بينهما، فينفذ حكمه في كل ما ينفذ فيه حكم القاضي” ([22]).

يتبين من ذلك أن التحكيم بمعناه الشرعي متفق مع معناه في اللغة في اعتبار التحكيم توليه وتفويضا من طرفي خصومة التحكيم لشخص ثالث يسمى محكما ليحكم في نزاع بينهما بحكم ملزم.

ج- تعريف التحكيم في الفقه القانوني: فقد عرفه بعض الفقه المصري بأنه: “الاتفاق على طرح النزاع على شخص معين أو أشخاص معينين ليفصلوا فيه دون المحاكم المختصة بحكم ملزم” ([23])، وعرفه البعض الآخر بانه: “عرض نزاع على محكم يعين باختيار أطراف النزاع أو بتفويض منهما أو على ضوء الشروط التي يحددانها ليفصل في هذا النزاع بقرار يكون قاطعا أطراف التحكيمة بعد أن يدلي كل منهما بوجهة نظره ووفقا لضمانات التقاضي الرئيسية” ([24])، وعرفه بعض الفقه الفرنسي بأنه: “طريق يهدف إلى إيجاد حل لقضية تخص العلاقات بين شخصين أو أكثر عن طريق محكم أو محكمين يستمدون سلطتهم من اتفاق خاص بين الأطراف، ويتخذون قرارهم على أساس الاتفاق المذكور دون أن يكونوا مخولين من قبل الدولة بهذه المبهمة” ([25]).

د- التعريف القضائي للتحكيم: عرفت محكمة النفض التحكيم بأنه: “طريق استثنائي لفض النزاع قوامه الخروج على طرق التقاضي العادية وما تكفله من ضمانات ومن ثم فهو على ما تنصرف إليه إرادة المحتكمين في عرضه على هيئة التحكم” ([26]). كما عرفته المحكمة الدستورية بأنه: “عرض نزاع معين بين طرفين على محكم من الأغيار يعين باختيارهما أو بتفويض منهما أو على ضوء شروط يحددانها، ليفصل هذا المحكم في ذلك النزاع بقرار ناء من شبهة الممالأة، مجردا من التحامل وقاطعا لدابر الخصومة في جوانبها التي أحالها الطرفان إليه، بعد أن يدلي كل منهما بوجهه نظرة تفصيلا من خلال ضمانات التقاضي الرئيسية ([27]). وعرفته المحكمة الإدارية العليا بأنه: “اتفاق على طرح النزاع على شخص معين أو أشخاص معينين ليفصلوا فيه دون المحكمة المختصة بحكم ملزم” ([28]).

ويتضح مما سبق أن معنى التحكيم في الفقه القانوني قريب مما ذكره الفقه الشرعي. فتعاريف التحكيم وإن لم تكن متطابقة، فإنها وردت في كلمات مترادفة تؤدي نفس المعنى. فلم يخرج الفقه القانوني في تعريفه للتحكيم عن مضمون التعريفات التي قال بها الفقه الإسلامي في تعريفه للتحكيم. وفي ضوء ما تقدم يمكن تعريف التحكيم بأنه: “نظام قانوني بنشأ باتفاق أطراف علاقة قانونية معينة عقدية أو غير عقدية، لتسوية كل أو بعض منازعاتهم القابلة للتحكيم، التي نشأت أو يمكن أن تنشأ بينهم. مستقبلا، عن طريق هيئة تحكيم من اختيارهم، تطبق القانون الاتفاقي وضمانات التقاضي، لإصدار حكم تحكيم ملزم بينهم بدلا من المحكمة القضائية المختصة ([29]).

وعلى ذلك فبمقتضى اتفاق التحكيم ينزل أطراف التحكيم عن الالتجاء إلى القضاء، مع التزامهم بطرح النزاع على محكم أو أكثر، ليفصلوا فيه بحكم ملزم للخصوم. فقوام التحكيم هو اتفاق الأطراف، وهذا الاتفاق قد يرد كبند ضمن بنود العقد المبرم بين أطراف التحكيم أو في ورقة ملحقه به تنص علي التجائهم إلى التحكيم دون قضاء الدولة بشان مما قد ينشب مستقبلا بينهم من منازعات – قبل قيام النزاع – ويسمى هذا الاتفاق بشرط التحكيم. وقد يتم الاتفاق على الالتجاء إلى التحكيم بعد أن يثور النزاع فعلا، ويسمى في هذه الحالة بمشارطة التحكيم، وذلك باتفاق لاحق بعد قيام النزاع. حتى ولو كان النزاع قد أقيمت بشأنه دعوى قضائية، ولو كانت الدعوى أمام الاستئناف مادام لم يصدر حكم نهائي فيها. ويبدأ التحكيم باتفاق، ويمر بإجراءات، وينتهي بحكم ملزم؛ حيث يبدأ باتفاق طرفي النزاع على فض كل أو بعض المنازعات التي نشأت أو ستنشأ بينهما عن طريق التحكيم ([30]).

وتفترض منظومة التحكيم إبرام عقود ثلاثة مستقلة: ([31])

أ- عقد يبرم بين طرفين يتمثل عادة في عقد بيع أو إيجار عقار أو منقول أو خدمة أو عقد استثمار أو نقل تكنولوجيا أو عقد مقاولة … (العقد الأصلي).

ب- اتفاق التحكيم سواء كان شرط تحكيم قبل قيام النزاع في العقد الأصلي أو مشارطه تحكيم بعد قيام النزاع في شكل اتفاق منفصل عن العقد الأصلي أو إشارة (إحالة) في العقد الأصلي إلي أي وثيقة تتضمن بند تحكيم مكتوب بشرط أن تكون الإشارة أو الإحالة واضحة في اعتبار هذا البند جزءا من العقد الأصلي.

ج- إبرام عقد التحكيم بين أطراف التحكيم من جانب، والمحكم أو المحكمين من جانب آخر.

وترجع أهمية اتفاق التحكيم إلى أنه أساس التحكيم، ومصدره، ومحدد نطاقه من حيث؛ أشخاصه، وموضوعه، والإجراءات، والقانون الواجب التطبيق على موضوعه فأطراف التحكيم هم سادته، واتفاق التحكيم هو قانونه الواجب الاحترام، ما لم يخالف النظام العام. فالتحكيم يقوم على أساسين هما: إرادة أطراف التحكيم (اتفاق التحكيم)، وإقرار المشرع لهذه الإرادة ([32]). ويسري قانون التحكيم المصري رقم 27 لسنة 1994 م على كافة أنواع التحكيم التي تجري في مصر، كما أنه يسري على التحكيم الذي يجري في الخارج باعتباره قانون إرادة الأطراف، سواء تعلق الأمر بتحكيم مدني أو تجاري، بمعني أنه يسري على التحكيم سواء جرى في مصر أو في الخارج وفقآ لاتفاق وإرادة المحتكمين بتطبيق أحكام قانون التحكيم المصري. ونفس الحكم ورد النص عليه في (م 2 تحكيم سعودي).

7- أهمية التحكيم، وأسباب اللجوء إليه:

يتطلب قيام التحكيم كنظام بديل موازي لقضاء الدولة العام؛ وجود نزاع، وجود اتفاق على حل النزاع عن طريق التحكيم، وجود إلزام بحكم التحكيم، ووجود طلب التحكيم. فالقضاء يرمي إلى تحقيق مصلحة عامة، في حين أن التحكيم يهـدف إلى تحقيق مصلحة خاصة لأطراف اتفاق التحكيم ([33]).

وتبدو أهمية التحكيم باعتباره قضاء خاص بديلا عن القضاء الدولة في يسر لجوء الأطراف إليه وتحقيق بغيتهم بفض النزاع بطريقة مشروعة يقرها القانون، وبالتالي تحقيق المصالح المعتدى عليها بتطبيق القاعدة القانونية المخالفة واجبة التطبيق، وتجنب مساوئ الإجراءات القضائية الطويلة المعقدة البطيئة. و تخفيف العبء عن كاهل القضاء، في الوقت الذي ازدادت فيه ظاهرة تكدس القضايا بأنواعها المختلفة أمام المحاكم، وبمعدلات لا يستوعبها الجهاز القضائي، مما تترتب على ذلك زيادة عدد القضاة، وبالتالي زيادة أعباء الدولة. لذا يصبح التحكيم كوسيلة بديلة لفض المنازعات علاجا ناجحا لهذه الظاهرة، أي يؤدي إلى تجنب الخوض في ظاهرة العدالة القضائية البطيئة. كما أن نظام التحكيم يزيل الشكوك حول قيام أي نوع من الانحياز لأحد الأطراف المتنازعة. ويعتبر التحكيم بمثابة طوق نجاة في مجال التجارة الدولية لمواجهة تحيز القضاء الوطني، وتشدد وتغيير القوانين الوطنية ([34]).

ونظرا للأهمية القصوى للتحكيم، فقد ازداد اللجوء إليه نتيجة للأسباب الآتية: تكدس القضايا أمام المحاكم، وبطء التقاضي، وعدم فاعلية الأحكام القضائية، وقصورها عن الاستجابة لمتطلبات التجارة الدولية، مما أدى إلى زيادة العبء على القضاة، وتعدد درجات التقاضي. فكثرة المنازعات ضاعف أعباء العمل على القضاة مما انعكس ذلك سلبا على كفاءة أدائهم. وطبيعة بعض المنازعات التي يفضل أطرافها اللجوء إلى التحكيم بديلا عن القضاء كالخلافات الأسرية، والمنازعات تجارة الدولية …والتطور الهائل في التجارة الدولية، وتفادي صعوبات عدم العلم بالقانون الأجنبي، وتعقيد إجراءات التقاضي أمام القضاء الوطني، ومشكله عدم معرفة لغة القضاء. وتحقيق العدل المنشود بالتحكيم على يد محكمين من ذوي الخبرة والتخصص في المنازعة محل التحكيم. مما يترتب عليه تلافي الشحناء بين المتخاصمين؛ لأن حسم النزاع سيكون بعد التراضي بطيب خاطر من الأطراف. كما يعتبر التحكيم المتنفس الوحيد لتحقيق رغبات مسلمي الدول غير الإسلامية كدول أوربا وأمريكا لتطبيق الشريعة الإسلامية ([35]).

8- مزايا التحكيم:

للتحكيم مزايا عديدة منها؛ الاستفادة من خبرة المحكم الفنية، وتجنب مشاكل التنازع الدولي للقوانين، وتجنبا علانية القضاء، وغيرها من المزايا التي شجعت على الإقبال على التحكيم وكانت سببا في انتشاره، وتزايد اللجوء إليه من قبل الأفراد والمؤسسات والدول. ويمكن أن نجمل مزايا التحكيم على النحو التالي:

– السرعة والسرية: فعمليات التحكيم تتم بسرعة، وتوفر الوقت، والمال، لبساطة الإجراءات، وقلة التكاليف، والتحرر من الشكلية، ويجنب الأطراف بطء التقاضي، واللدد في الخصومة. كما أن التحكيم يكون، غالبا على درجة تقاضي واحدة بعكس القضاء. كما يهدف التحكيم إلى عدم كشف الأسرار التجارية، أو الصناعية أو التكنولوجية، مما يتطلب سرية الإجراءات، فلا يحضر جلسات التحكيم إلا أطراف النزاع، والشهود، والخبراء، ومن يؤذن له بالحضور، في جلسات سرية لا يحضرها الجمهور. ولا تنشر في الصحف، مما يؤدي إلى إشاعة السلام الاجتماعي، واستقرار المعاملات وازدهارها. فالتحكيم هو قضاء العلاقات المتصلة يدخله الأطراف وهم ينظرون إلى الأمام، مما يؤدي إلى وجود التعايش السلمي بينهما في المستقبل. وسرية التحكيم هي التي تفسر قلة الإحصائيات المتعلقة به، وقلة ما ينشر من أحكام المحكمين ([36]).

(ب) – عدالة مرنة متخصصة: يهـتم المحكم بالتوفيق بين المصالح المتعارضة أكثر من الاهتمام بالتطبيق الصارم للقانون، و دون التقيد بإجراءات التقاضي المعقدة الطويلة. و المحكم غير ملزم عادة بتطبيق القانون الوطني، فيمكنه الرجوع إلى قواعد العدل والإنصاف إذا كان مفوضا بالصلح، وبالتالي يجنب أطراف التحكيم روتين القضاء، وتحيز القضاء الوطني للوطنيين ومصالح وطنه، وبذلك يعتبر التحكيم أداة للثقة والطمأنينة في علاقات التجارة الدولية.

فالتحكيم هو طوق النجاة لتحقيق رغبة أطراف معاملات التجارة الدولية في التحرر من قيود القوانين والقواعد الوطنية، وذلك باختيارهم القانون الواجب التطبيق على الموضوع، والإجراءات. كما أن المحكم لا يتقيد إلا بالضمانات الأساسية للتقاضي، وبالنظام العام في الدولة التي سيجرى فيها تنفيذ حكم التحكيم واتفاقات الأطراف. كما يتيح التحكيم للطرفي النزاع فرصة كبيرة لتقديم، وشرح وجهات نظرهم، ومناقشتها مع المحكم، ومع الطرف الآخر. و يعتبر حكم التحكيم وسيلة للتخلص من الرقابة القضائية اللاحقة بعدم قابليته للطعن بالاستئناف، والتماس إعادة النظر، والنقض عدا الأمر القضائي بتنفيذ حكم التحكيم، ودعوى بطلانه في قانون التحكيم المصري. فالقاضي يبحث عن العدالة لصالح القانون بينما المحكم يبحث عن العدالة لصالح جميع الأطراف ([37]).

ويعتبر التحكيم طريقا لإيصال الحقوق إلى أهلها بحكم ملزم. فقد يحدث أن لا تكون الدعوى مسموعة أمام القضاء لمرور الزمن بسبب التقادم مثلا. فهذا لا يمنع من سماعها أمام المحكم. وأن يصدر فيها حكم ملزم، وبذلك يحصل المدعي على حقه بدلا من انتظار وفاء المدحي عليه به طواعية ([38]). فالمحكم على خلاف القاضي، لا يلزم أن يكون رجل قانون، فالأطراف يمكنهم اختيار محكم له خبرة فنية معينة في مجال النشاط الذي يتعلق به موضوع النزاع، مما يجعله مؤهلا لفهم وإدراك طبيعة النزاع، دون أن يكون مضطرا للاستعانة بالخبراء ([39]).

(ج)- قضاء اتفاقي مؤقت: التحكيم نظام قضائي إرادي أساسه اتفاق التحكيم المحدد لمقوماته، وإقرار المشرع لهذه الإرادة. ويختاره الأطراف المحكم للفصل في النزاع، وتزول ولايته بعد الحكم فيها. وهو تعبير عن روح العدالة لفض النزاع حسن النية، وتغليب المصالحة على روح النزاع. خاصة وأن مبدأ الحصانة لا وجود له في إطار التحكيم، فالدولة متى وقعت على اتفاق تحكيم، فلا تستطيع التمسك بحصانتها القضائية أمام هيئة التحكيم. كما يجنب التحكيم الدولي الصعوبات الناشئة عن اختلاف النظم القانونية، والاقتصادية، والسياسية، والثقافية، واللغوية، والتاريخية للدول في التجارة الدولية. كما يجنب التحكيم التغيرات التشريعية المفاجئة في دول العالم الثالث بصفة خاصة للشركات الأجنبية في مجال منازعات التجارة الدولية، كما يعتبر التحكيم وسيلة لإعاقة، ووقف امتيازات الدولة في مواجهة الأفراد العاديين ([40]).

وظهر في الآونة الأخيرة إبرام عقود، وصفقات التجارة الدولية عبر شبكات الإنترنت، والتي تصل إلى مبالغ تقدر بالمليارات، ولا شك أن أنسب وسيلة لحل المنازعات التي تنشأ عن تلك المعاملات هي التحكيم الإلكتروني عبر وسائل الاتصالات الإلكترونية، حيث توجد مشقة في قيام تلك المنازعات أمام القضاء ([41]).

9- عيوب ومساوئ التحكيم:

بالرغم من أهمية التحكيم، والمزايا العديدة التي يمتاز بها إلا أن له بعض المساوئ، التي لا تقلل من اعتباره وسيلة هامة بديلة لفض المنازعات منها:

– التكلفة المادية، وعدم التحديد: قد يكون التحكيم مكلفا بسبب ارتفاع أتعاب المحكمين، والمحامين، والمترجمين، والخبراء، والمصاريف الإدارية … مقارنة بمصاريف التقاضي أمام المحاكم ([42]). إلا أن هذا العيب يجب ألا يقدر بمعزل عن العامل الزمني، فللوقت قيمة كبيرة خاصة في معاملات التجارة الدولية، بالإضافة إلى انخفاض قيمة العملة بمرور الوقت.

ويرجع عدم التحديد إلى تعدد النصوص، والأحكام الواردة في قوانين دول مختلفة، ولوائح مراكز ومؤسسات تحكيم منتشرة في كافة دول العالم. بالإضافة إلى الاتفاقيات، والمواثيق الدولية، والمعاهدات الإقليمية في مختلف أنحاء العالم مثل الاتفاقيات العربية أو الأوربية أو الأمريكية في مجال التحكيم ([43]). وهو ما أدى إلى إعادة عرض النزاع الذي صدر فيه حكم تحكيم في إطار أحد مراكز التحكيم لينظر في إطار مركز تحكيم آخر، كما حدث في قضية هضبة الأهرام. وتنفيذ حكم تحكيم في دولة رغم صدور حكم قضائي ببطلان حكم التحكيم في الدولة التي صدر فيهـا، وعجز الأطراف عن تحديد نوع التحكيم الذين يرغبون فيه اكتفاء بشرط تحكيم مبهم ([44]). ولكن يرد على ذلك العيب بأن عدم التحديد يرجع لإرادة أطراف اتفاق التحكيم، فيستطيع أطراف اتفاق التحكيم تحديد القانون الواجب التطبيق على خصومة التحكيم، ولغة التحكيم، وميعاد التحكيم … قبل بدء إجراءاته.

(ب)- الخطورة: فالتحكيم يكون أشد خطرا من الصلح، لأن المصالح يكون على علم مسبق بقيمة ما هو متنازل عنه. بينما في التحكيم يسند أطراف التحكيم إلى المحكمين التصرف في حقوقهم على غير حد معلوم. كما لا توجد رقابة كافية محلى أحكام المحكمين، وهذا يؤدي إلى احتمال حدوث بعض الانحرافات التي يصعب اكتشافهـا وترتيب الجزاء عليها. فالتحكيم إذا كان ضروريا فهو شر لابد منه، فهو كوسيله بديلة لفض المنازعات قد لا يحسن استخدامها. كما أن المتعاقد الذي يقبل شرط التحكيم ربما لا يدرك وهو يوقع عليه، مدى خطورة تنازله عن حقه الدستوري في اللجوء إلى القضاء العادي (قاضيه الطبيعي) ([45]).

كما أن التحكيم قد لا يضع حدا للمنازعة، فقد لا توافق الأطراف المتنازعة على ما تحقيق لها عن طريق التحكيم، وتجد نفسها في النهاية مضطرة إلى العودة إلى القضاء العادي، ولم تحصد من سلوك طريق التحكيم إلا ضياع الوقت، وزيادة النفقات ([46]). وخطورة تأخير الفصل في خصومة التحكيم، وعدم تحقق السرعة في بعض قضايا التحكيم؛ بالرغم من وجود ميعاد للتحكيم يجب خلاله الفصل في النزاع التحكيمي، إلا أن التجربة العملية أثبتت انتشار قرارات التأجيل وامتدادها لبضع سنوات في بعض الأحيان ([47]).

(ج)- حرمان أطراف التحكيم من بعض ضمانات التقاضي: فالمحكم قد يكون من المتخصصين في مجال معين، وخبرته القانونية ضئيلة، قد لا تسعفه في تحقيق العدالة بالفهـم الصحيح لنصوص القانون. كما قد يقوم بالتحكيم محكمون غير أكفاء يشوب سلوكهم التحيز تجاه مصالح شخصية، ثم تحل كارثة حكم ملزم واجب النفاذ. كما أن أحكام التحكيم باته لا تستأنف، ولا تنفض في قانون التحكيم المصري، مما يهدد مبدأ التقاضي على درجتين المتعلق، بالنظام العام. كما أن المحكم قد يكتفي بتسبيب مجمل لأحكام التحكيم. ولا يوفر التحكيم الضمانات التي يفرضهـا مبدأ سيادة القانون. وقد يكون التحكيم مضيعة للوقت والنفقات عند فشل التحكيم، وعودة أطراف التحكيم للقضاء. وعدم وجود سوابق تحكيمية كثيرة منشورة تساعد أطراف التحكيم على التنبؤ بحكم التحكيم، خاصة وان بعض المحكمين قد يكونوا غير موضوعين بتطبيق قانون القوى على الضعيف ([48]).

10- معوقات ومشاكل التحكيم:

للتحكيم كنظام قانوني بديل للقضاء في فض المنازعات؛ معوقات ومشاكل كثيرة، وجد لبعضها حلولا، والبعض الأخر في طريقها إلى التذليل فمنها: مشكلة عدم تحديد شكل أو سريان اتفاق التحكيم. ومشكلة تعدد أطراف التحكيم، ومشكلة تحديد أهلية الأطراف، والمحكم وفقا للقانون الشخصي أم وفقا لقانون مكان التحكيم، ومشكلة إدراج شرط تحكيم معيب لا يكفي لضمان سلامة إجراءات التحكيم، ومشكلة الاهتداء إلى محكم عالم بالقواعد المتصلة بالمنازعة، ومشكلة تعدد نظم التحكيم التجاري الدولي ومنظماته، ومشكلة تباين إجراءات التحكيم، ومشكلة تحديد مكان ولغة التحكيم، ومشكلة عدم تحديد نوع التحكيم المختار حر أم مؤسسي، وطني أم دولي، ومشكلة تحديدا مدى أحقية القضاء الوطني بمساعدة ورقابة هيئة التحكيم ([49]).

وكذلك مشكلة تحديد مكان وتاريخ صدور حكم التحكيم في حالة تعدد المحكمين من جنسيات مختلفة في أماكن إقامة مختلفة عن مكان جلسات التحكيم، ومشكلة تفسير مفهوم النظام العام في التحكيم التجاري الدولي هل هو النظام العام الدولي أم النظام العام الداخلي. ومشكلة تباين القوانين في تحديد معيار دولية، وتجارية المنازعة هل على أساس معيار موضوعي أو شخصي أو معيار مختلف، ومشكلة تباين القوانين في المسائل القابلة للتحكيم، وهل تعتبر قابلية الموضوع للتحكيم شرط لصحة اتفاق التحكيم أم شرط للاعتراف بحكم التحكيم وتنفيذه، ومشكلة إنهاء النزاع أمام محكمة التحكيم باتفاق أطواف التحكيم بعد السير فيه، ومشكلة إلزامية حكم التحكيم وتنفيذه في دول أجنبية ([50]).

وأيضا مشكلات حكم التحكيم بتحديد الأغلبية المطلوبة لصحته، وكتابته، وتوفيق وإمكانية كتابة الآراء المعارضة، وتسبيبه، ونهائيته من حيث مدى جواز الطعن فيه أم لا، وتفسيره، وتصحيحه، وقواعد تنفيذه. ومشكلات إجراءات التحكيم بتحديد وقت تقديم طلبه التحكيم، وقواعد سير المرافعات، والمواعيد، وتقديم المستندات، وسماع الشهـود، والخبراء، وتنحي المحكم، وانقطاع ـسير أطراف التحكيمة، والقانون الواجب التطبيق على الإجراءات ([51]).

11- اتفاق التحكيم:

هو اتفاق الطرفين عند إبرام العقد الأصلي على إحالة أي نزاع بينهـما سواء كان في صورة شرط تحكيم La Clause Compromissoire قبل قيام النزاع في العقد الأصلي بين أطرافه. أو في صور مشارطة تحكيم Le Compromis بعد قيام النزاع في شكل اتفاق منفصل عن العقد الأصلي، حتي ولو كانت قد أقيمت بشأنه دعوى قضائية، متضمنة تحديدا لمسائل التحكيم، وحتي لو تضمن العقد الأصلي شرط تحكيم. وإبرام مشارطة تحكيم لا تلغي شرط التحكيم، وبطلان أيهما لا يؤدي إلي بطلان الآخر مالم يتفق الأطراف على غير ذلك، طبقا لنص (م 10/2) تحكيم مصري، و(م 1 / 1، م 9/ 1) تحكيم سعودي. أو في صورة تحكيم بالإحالة Arbitrage Par Reference (إحالة صريحة أو ضمنية) وذلك بالإشارة في العقد الأصلي إلي أي وثيقة تتضمن بند تحكيم مكتوب بشرط أن تكون الإشارة أو الإحالة واضحة في اعتبار هذا البند جزءا من العقد الأصلي طبقا لنص (م 10 /3) تحكيم مصري، و(م 5) تحكيم سعودي، و (م 203/ 1) إجراءات مدنية إماراتي، و (م 6/ 2) تحكيم انجليزي، و (م 1031 /3) إجراءات مدنية الماني، و (art. 1443 -1 N.C.P.C.F.)، و (م 6/ 2) تحكيم موريتاني، و (م 1021) إجراءات مدنية هولندي، و (الفصل 2) مجلة تحكيم تونسي، و (م 10 /3) تحكيم عماني، و (م 7) تحكيم سوري، و (الفصل 309) مسطرة مدنية مغربية، و (م 6) من قواعد مركز دبى للتحكيم الدولي، و (م 762) أصول محاكمات مدنية لبناني، و(م 16) تحكيم يمنى، و(م 7) تحكيم بحريني و (م 11، 10) تحكيم أردني، و (م 5) تحكيم فلسطيني.

ويعتبر اتفاق التحكيم قانون أطرافه Loi des parties ودستور، وأساس عملية التحكيم، ومصدر سلطة المحكم للفصل في النزاع التحكيمي. واتفاق التحكيم يحول ببن الشخص وحقه في اللجوء إلي القضاء بشرط أن يكون صحيحا؛ أما إذا كان باطلا أو منعدما فيكون للشخص حق اللجوء إلي القضاء.

ولا يجوز الاتفاق على التحكيم إلا للشخص الطبيعي أو الاعتباري الذى يملك التصرف في حقوقه. فيلزم لانعقاد اتفاق التحكيم؛ رضا الطرفين رضا خاليا من عيوب الغلط، والإكراه، والتدليس، والاستغلال. وأن يكون لكل منهما أهلية التصرف في الحق محل النزاع؛ طبقا لأحكام قانونه الشخصي (م 11 تحكيم مصري، م 11 /1 مدني مصري). ولا يملك القاصر أو المحجور عليه قبول التحكيم، وبالنسبة للولي أو الوصي أو القيم فلا يملك قبول التحكيم نيابة عنهم إذ ليس لهؤلاء التصرف في أموالهم إلا بإذن من القاضي في الأحوال المقررة قانونا. وعندما يمثل الوصي قاصرا أمام القضاء فهو لا يملك التحكيم ما لم يستأذن القاضي المختص، علما بأن هذا الإذن مقرر لمصلحة ناقص الأهلية، وليس لخصمه التمسك به، وببطلان اتفاق التحكيم لنقص أهلية أحد العاقدين وهو بطلان نسبي لا يتمسك به إلا ناقص الأهلية. ويلزم لإبرام اتفاق التحكيم وكالة خاصة بالتحكيم، ولا تكفي الوكالة العامة. وتكفي الوكالة العامة للمحامي في مباشرة القضايا لتمثيل موكله أمام هيئة التحكيم ([52]).

ويجب أن يكون موضوع التحكيم من المنازعات القابلة للتحكيم فيها طبقا لقانون الإرادة الذي يحكم التحكيم أي من المنازعات القابلة للصلح فيها، والغير متعلقة بالنظام العام. وأن يكون سبب اتفاق التحكيم مشروعا. وأن يكون اتفاق التحكيم مكتوبا والا كان باطلا، ويكون اتفاق التحكيم مكتوبا إذا تضمنه محرر وقعه الطرفان أو إذا تضمنه ما تبادله الطرفان بوسائل الاتصال المكتوبة من البريد الإلكتروني، أو الفاكس، أو التلكس، أو الرسائل أو البرقيات أو غيرها طبقا لنص (م 12) تحكيم مصري، و(م 9) تحكيم سعودي، و(م 203 /2) إجراءات مدنية إماراتية، و(م 8) تحكيم سوري، و(م 6) تحكيم موريتاني، و (art. 1449. N.C.P.C.F.)، و(م 766 /1) أصول محاكمات مدنية لبناني، و(م 15) تحكيم يمنى، و(م 9) تحكيم أردني، و(م 5) تحكيم فلسطيني. و يطبق علي بطلان اتفاق التحكيم قواعد بطلان العقد مالم يرد نص خاص في قانون التحكيم، فيجوز النزول عن البطلان النسبي صراحة أو ضمنا، وتتقادم دعوي بطلان اتفاق التحكيم كدعوي بطلان العقد حسب نوع البطلان بثلاث سنوات أو خمسة عشر سنة طبقا لنصوص (م 140، 139، 141 مدني مصري) ([53]).

وتتطلب تشريعات التحكيم الوطنية والدولية شكلية معينة في اتفاق التحكيم، وتتمثل تلك الشكلية في اشتراط كتابة اتفاق التحكيم. بمعنى اشترط شكلية الكتابة سواء أكانت شكلية للانعقاد أم للإثبات في اتفاق التحكيم، وأيا كانت صورته شرطا أو مشارطة أو شرط تحكيم بالإحالة. ولكن اختلفت تلك التشريعات في تحديد دور شكلية الكتابة في اتفاق التحكيم، هل هي شكلية مطلوبة للإثبات أم للانعقاد ؟

فبعض القوانين اعتبرت الكتابة شرطا لانعقاد اتفاق التحكيم، وإلا كان باطلا؛ مثل: (م 12) تحكيم مصري، و (م 9/2) تحكيم سعودي، و(م 807) مرافعات إيطالي، و(.art. 1443 N. C. P. C. F) بخصوص شرط التحكيم، و(م 10) تحكيم أردني، و(م 5) تحكيم إنجليزي، و(م 12) تحكيم عماني، و(م 15) تحكيم يمني، و(م 8) تحكيم سوري، و(م 763) أصول محاكمات مدنية لبناني بخصوص شرط التحكيم. ولا يثبت اتفاق التحكيم إلا كتابة، ومن ثم لا يمكن إثبات حصول اتفاق التحكيم باليمين أو بشهادة الشهود مهما كانت قيمة النزاع.

بينما بعض القوانين الأخرى اعتبرت الكتابة شرطا لإثبات اتفاق التحكيم، وليست ركنا فيه، ولا شرطا لصحته، فاتفاق التحكيم من العقود الرضائية يرتب آثاره بمجرد تلاقي الإيجاب والقبول. فالكتابة هي شرط إثبات لا وجود، وبناء عليه فإن إقرار الخصم بوجود الاتفاق على التحكيم يغني عن الكتابة. فالكتابة وسيلة إثبات وفقا للقواعد العامة لا يترتب على تخلفها بطلان اتفاق التحكيم، منها: (م 203/2) إجراءات مدنية إماراتي، و(م 7) تحكيم بحريني، و(م 190/2) مرافعات كويتي، و(م 6) تحكيم موريتاني، و(م 190/ 2) مرافعات قطري، و(الفصل 6) مجلة تحكيم تونسي، و(الفصل 307) مسطرة مدنية مغربي، و(م 1021) مرافعات هولندي، و(م 742) مرافعات ليبي، و(م 1677) قضائي بلجيكي، و (.art. 1443. N. C. P. C. F) بخصوص مشارطة التحكيم، و(م 766) أصول محاكمات مدنية لبناني بخصوص مشارطة التحكيم، و(م 5) تحكيم فلسطيني.

ولا يجوز إجبار أحد علي التحكيم، ولا يجوز للمشرع فرض التحكيم قصرا علي الأشخاص، فلا تحكيم بدون اتفاق تحكيم قائم. فالرضا بالتحكيم لا يفترض، ولذا لا يجوز أن يكون التحكيم إجباريا يذعن له أطرافه، تطبيقا لقاعدة قانونية آمرة، لا يجوز الاتفاق علي مخالفتها، لإخلاله بحق التقاضي كحق دستوري، وحرمان الشخص من قاضيه الطبيعي.

وشرط التحكيم يغني عن مشارطة التحكيم، ولا يشترط تسجيل أو شهر اتفاق التحكيم شرطا أو مشارطة أو اتفاق تحكيم بالإحالة، لأنه ليس من قبيل التصرفات المنشئة أو الكاشفة لحق عيني علي عقار، وليس من قبيل صحف الدعاوي الواجب شهرها، بل أنه اتفاق إجرائي لعرض النزاع علي التحكيم. ولا يعتبر اتفاق التحكيم في ذاته إجراء قاطع للتقادم، لأنه عقد وليس مطالبة قضائية. ولا أثر للقوة القاهرة علي صحة اتفاق التحكيم إلا فيما يترتب عليها من وقف سريان مواعيد التحكيم. ولا يؤدي الاتفاق علي التحكيم شرطا أم مشارطة أي أثر علي تقادم الدعوي، ولا على سريان الفوائد، ولا على مواعيد السقوط والتقادم في الخصومة القضائية، ولا علي ولاية المحكمة القضائية بالدعاوي المستعجلة والأوامر الوقتية. ولا يعتبر الالتجاء إلي قضاء الدولة بالدعاوي المستعجلة والأوامر الوقتية تنازلا أو إسقاطا لاتفاق التحكيم. ويجوز الاتفاق علي التحكيم في الخارج بشرط عدم مخالفته للنظام العام والآداب العامة في مصر باعتمارها دولة تنفيذ حكم التحكيم. واذا تم اتفاق التحكيم في الخارج فإنه يتعين الرجوع في شأن صحته، وترتيب آثاره إلي القانون الأجنبي الذي أتفق علي إجراء التحكيم في ظله. ويجوز لطرفي اتفاق التحكيم معا النزول عنه صراحة لاتفاق جديد أو ضمنا باللجوء للقضاء، فلا يكفي نزول أحدهم دون الآخر ([54]).

ومن المبادئ المستقرة فقها وقضاء وتؤكده التشريعات الحديثة للتحكيم مبدأ استقلال شرط التحكيم عن العقد الأصلي طبقا لنص (م 23) تحكيم مصري، و(م 21) تحكيم سعودي، و(م 23) تحكيم عماني، و(م 6) تحكيم انجليزي، و(م 1697 /2) قضائي بلجيكي، و(م 808/ 4) مرافعات إيطالي، و(م 11) تحكيم سوري،(Art. 6/4) من قواعد غرفة التجارة الدولية بباريس، و(م 21/2) من قواعد اليونستوال، و(art. 1446 N.C.P.C.F.)، و(م 21/2) من قواعد مركز القاهرة الإقليمي، و(م 6) من قواعد مركز دبى للتحكيم الدولي، و(م 19) من قواعد مركز التحكيم التجاري لدول مجلس التعاون الخليجي، و(م 22) تحكيم أردني، و(م 5/5) تحكيم فلسطيني. ولذا فيجوز الحكم بصحة شرط التحكيم إذا كان صحيحا في ذاته بالرغم من الحكم ببطلانه العقد الأصلي أو بفسخه أو بإنهائه أو بتقادمه. كما يجوز الحكم ببطلان شرط التحكيم لعيب ذاتي فيه، رغم صحة العقد الأصلي، ما لم يتفق الأطراف على اعتبار شرط التحكيم شرطا جوهريا لرضائهم بباقي بنود العقد الأصلي، فعندئذ يؤدي بطلان العقد الأصلي إلى بطلان شرط التحكيم. فيعتبر شرط التحكيم اتفاقا مستقلا عن شروط العقد الأصلي، ولا يترتب علي بطلان العقد أو فسخه أو إنهائه أي أثر علي شرط التحكيم الذي يتضمنه، أذا كان شرط التحكيم صحيحا في ذاته. وذلك نظرا لاختلاف سبب، ومحل اتفاق التحكيم عن سبب، ومحل العقد الأصلي. وللأطراف حرية اختيار القانون الذي بحكم اتفاق التحكيم، فاتفاق التحكيم عقد يخضع كغيره من العقود لإرادة الأطراف، وقد يخضع الأطراف اتفاق التحكيم لقانون مختلف عن القانون الذي يحكم العقد الأصلي ([55]).

ويرتب اتفاق التحكيم أيا كانت صورته شرطا كان أم مشارطه أثرا إيجابيا إجرائيا يتمثل في التزام طرفيه بالخضوع لقضاء التحكيم، والاستمرار في خصومة التحكيم، وذلك بعرض النزاع على التحكيم للفصل فعه بحكم ملزم حائز لحجية الأمر المقضي بدلا من المحكمة القضائية المختصة أصلا بنظر النزاع. وأثرا سلبيا يتمثل في منع الأطراف من عرض النزاع المحدد باتفاق التحكيم على قضاء الدولة، واستبعاد أو منع أو حجب أو إقصاء قضاء الدولة من الفصل فيه، عن طريق الدفع بالتحكيم exception d’ arbitrage لو نكص أحد طرفي اتفاق التحكيم عنه ورفع دعوي قضائية، بشرط أن يكون تنفيذ اتفاق التحكيم ممكنا، أي أن يكون صحيحا. ويجب علي طرفي اتفاق التحكيم تنفيذه بحسن نيه، ولا يجوز الرجوع فيه من جانب أحد طرفيه دون موافقة الطرف الأخر وتترتب هذه الآثار من لحظة الاتفاق علي التحكيم، ولو قبل اختيار المحكم أو قيامه بمباشرة مهمته التحكيمية. ولا يجول رفع دعوي قضائية لنزاع يوجد بشأنه اتفاق تحكيم، دون البدء في إجراءات التحكيم أو الاستمرار فيها أو إصدار حكم التحكيم، كنتيجة للأثر الملزم للاتفاق التحكيم طبقا لنص (م 13/2) تحكيم مصري، و(م 10/2) تحكيم سوري، و(م 13/ 2) تحكيم عماني. والاتفاق على التحكيم لا يمنع القاضي المستعجل من الحكم بالإجراء الوقتي متى توافر شرطي الخطر والاستعجال ([56]).

وعلى ذلك يكون لكل من طرفي اتفاق التحكيم الحق في الدفع بالتحكيم، وذهب البعض، إلي أن الدفع بالتحكيم هو دفع بعدم القبول exception d’irrecevabilité علي أساس تنازل الطرفين عن حق الدعوي القضائية باتفاق التحكيم. أي باتفاق المتعاقدين على الالتجاء إلى التحكيم لفض المنازعات بينهما، ويجب التمسك بشرط التحكيم قبل التكلم في موضوع الدعوى والا سقط الحق فيه، فالدفع بعدم قبول الدعوى في هذه الحالة ليس دفعا موضوعيا. ويجب علي المحكمة القضائية المرفوع أمامها الدعوي الحكم بعدم قبولها عند الدفع بالتحكيم من صاحب المصلحة قبل إبداء أي طلب أو دفاع في الدعوى مالم يتبين لها أن اتفاق التحكيم باطل أو لاغ أو معدوم أو لا يمكن تنفيذه، أي بشرط أن يكون اتفاق التحكيم صحيحا طبقا لنص (م 13/ 1) تحكيم مصري، و (م 11/ 1) تحكيم سعودي، و(م 10/ 1) تحكيم سوري، و(م 13 /1) تحكيم عماني، و(م 192) مرافعات قطري، و(م 12) تحكيم أردني. بينما ذهب البعض الآخر إلي أن الدفع بالتحكيم هو دفع بعدم الاختصاص exception d’incompetence علي أساس سلب اختصاص المحكمة القضائية لصالح هيئة التحكيم كأثر لاتفاق التحكيم، كما في فرنسا فتحكم المحكمة بعدم اختصاصها (art. 1458 . N. C. P. C. F)، و(م 173 /5) مرافعات كويتي، و(م 19) تحكيم موريتاني. وشرط الالتجاء إلى التحكيم في المنازعات لا يتعلق – وعلى ما جرى به قضاء محكمة النقض المصرية – بالنظام العام فلا يجوز للمحكمة أن تقضى بإعماله من تلقاء نفسها وإنما يتعين التمسك به أمامها ([57]).

وللمحكمة سلطة الفصل في صحة اتفاق التحكيم قبل الحكم برفض الدفع بعدم القبول، فإذا تببن لها بوضوح بطلان اتفاق التحكيم أو سقوطه أو عدم وجوده، فتستمر في نظر موضوع الخصومة القضائية، لأن قاضي الدعوي هو قاضي الدفع، ولأن القضاء هو صاحب الاختصاص الأصيل. ولا يمنعها مبدأ الاختصاص بالاختصاص المنصوص عليه في (م 22) تحكيم مصري، و(م 20) تحكيم سعودي، و (art. 1466 N.C.P.C.F.)، و(م 25 داخلي، م 46 دولي) تحكيم موريتاني، الذي يخول لهيئة التحكيم سلطة الفصل في الدفوع المتعلق بعدم اختصاصها بما في ذلك الدفوع المبنية علي عدم وجود اتفاق التحكيم أو بطلانه أو سقوطه، لأن هذه السلطة لهيئة التحكيم لا تسلب القاضي اختصاصه بالفصل في هذه الدفوع إذا طرحت عليه، فلا يجوز الزام القاضي باتفاق تحكيم اكتشف بطلانه أو سقوطه أو انعدامه ([58]).

والحكم بعدم قبول الدعوى القضائية لوجود شرط التحكيم أو حكم إجرائي منهي للخصومة القضائية، يجوز الطعن فيه بالاستئناف عقب صدوره. واذا حكمت محكمة الاستئناف بإلغاء حكم أول درجة ورفض الدفع، وجب عليها إعادة القضية إلي محكمة أول درجة للفصل فيها، لأنها لم تستنفد ولايتها في نظر موضوع الدعوي، واحتراما لمبدأ التقاضي علي درجتين. ولأن الاتفاق على التحكيم لا يتعلق بالنظام العام، فمؤدى ذلك أنه ليس للمحكمة أن تقضي بإعماله من تلقاء نفسها ووجوب التمسك به أمامها، جواز النزول عنه صراحة أو ضمنا، ويسقط الحق فيه إذا أثير بعد الكلام في الموضوع. ولا يجوز الإدلاء أمام المحكمة القضائية بالدفع بالإحالة إلى المحكم لقيام ذات النزاع أو نزاع آخر مرتبط به أمامه؛ لأن القاعدة أن هذه الإحالة لا تجوز إلا بين المحاكم القضائية ما لم ينص القانون على غير ذلك، والقانون خال من أي نص يجيز الإحالة إلى المحكم ([59]).

وليس لأحد أطراف اتفاق التحكيم أن يتخلى عنه أو يعطل مقتضاه بإرادته المنفرد، والا جاز للطرف الآخر أن يلجأ لقضاء الدولة استنادا إلى ولايته العامة بدعوى لإلزام الطرف الآخر بتنفيذ اتفاق التحكيم. فمقتضى القوة الملزمة لاتفاق التحكيم أن هناك التزاما بنتيجة يقع على عاتق كل من طرفي اتفاق التحكيم، هو ضرورة قيام كل منهما بتنفيذ اتفاق التحكيم باتخاذ إجراءات التحكيم، والامتناع عن عرض النزاع على قضاء الدولة وإلا كان مخلا بمبدأ حسن النية في تنفيذ الالتزامات العقدية الناشئة عن اتفاق التحكيم ([60]). و يكون ذلك، في صورة طلب قضائي بتعين محكم من المحكمة المختصة أو في صورة الدفع بالتحكيم بعد رفع الدعوي القضائية (م 17/ 2) تحكيم مصري، و(م 15/ 2) تحكيم سعودي، و(م 14، 10) تحكيم سوري، و(م 16) تحكيم أردني، و art. 1454 N. C. P. C. F.))، و(م 11) تحكيم فلسطيني ([61]).

ويجب عند صياغة اتفاق التحكيم شرطا كان أم مشارطة مراعاة: تحديد نوع التحكيم المتفق عليه، وتحديد نطاق التحكيم الشخصي والموضوعي، تحديد عدد المحكمين ومؤهلاتهم وجنسياتهم وطريقة تعينهم، وتحديد مكان أو مقر التحكيم، تحديد القانون الواجب التطبيق على الإجراءات، وعلى الموضوع، وتحديد لغة التحكيم، و إدراج شرط النزول عن الحصانات، تحديد مدى سلطة المحكمين في إصدار أحكام وقتية أو اتخاذ تدابير تحفظية، والنص على أن الطريق المتفق عليه هو الطريق الوحيد الذي لا يجوز لأي من الطرفين أن يعترض عليه أي لا يجوز لأي منهما سلوك طريق آخر غيره، والنص على سرية الإجراءات وحكم التحكيم، والنص على ضرورة مراعاة الأوضاع القانونية في بلد التنفيذ خاصة المتعلقة بالنظام العام، حتى يكون حكم التحكيم قابلا للتنفيذ الجبري، والنص على الأغلبية المطلوبة لإصدار الحكم وأنه إذا انقسمت أراء المحكمين بقدر عددهم وتعذر إيجاد أغلبية صدر حكم التحكيم برأي الرئيس في بعض تشريعات التحكيم ([62]).

وينقضي اتفاق التحكيم باعتباره عقدا بالأسباب العامة لانقضاء العقد وفقا للقواعد العامة. فينقضي بتنفيذ طرفي العقد الأصلي التزاماته العقدية كاملة دون وجود منازعة بينهما. كما ينقضي ببطلانه لانعدام أو لنقص أهلية أحد أطرافه، أو لوجود عيب من عيوب الإرادة أو لعدم مشروعية محله أو لعدم مشروعية سببه. وينقضي لاتفاق طرفيه علي إنهائه صراحة بالمراسلات مثلا أو ضمنا بالتنازل عن الدفع بالتحكيم. كما ينقضي لانقضاء ميعاد التحكيم دون مد اتفاقي أو قضائي. وينقضي بصدور الحكم المنهي لخصومة التحكيم في الموضوع محل اتفاق التحكيم، دون امتداد سلطة هيئة التحكيم لإصدار حكم إضافي أو حكم بالتصحيح أو بالتفسير ويترتب علي انقضاء اتفاق التحكيم؛ زوال ولاية الفصل في النزاع عن هيئة التحكيم، وانتقالها إلي القضاء صاحب الاختصاص الأصيل. ويترتب علي الحكم ببطلان اتفاق التحكيم، زوال جميع الأحكام الصادرة في خصومة التحكيم، تطبيقا للأثر الرجعي للبطلان، ولزوال أساس ومناط التحكيم. وبطلان حكم التحكيم لصدوره بعد ميعاد التحكيم، لا يمس أحكام وإجراءات التحكيم التي تمت قبل انقضاء ميعاده؛ كالحكم بندب خبير، أو سماع شهود أو تقرير خبير … فتبقي منتجة لآثارها ([63]).

12- وثيقة مهمة هيئة التحكيم

تقوم هيئة التحكيم بعد اختيارها باستلام ملف التحكيم الذي يحتوي على طلب التحكيم، و طلبات المدعي وأدلته ومذكراته، وطلبات المدعي عليه وأدلته ومذكراته بالرد… لدراسته وتكوين فكرة عن موضوع النزاع، لتقوم هيئة التحكيم بعد ذلك بإعداد وثيقة مهمة هيئة التحكيم، والتي تتضمن بيانات أطراف التحكيم وعناوينهم وبيانات هيئة التحكيم ومكان ولغة التحكيم وبيان القواعد الإجرائية والموضوعية التي ستطبق ومواعيد الجلسات وتحديد أدلة الإثبات وميعاد التحكيم ومواعيد تقديم المذكرات والمستندات وملخصا لوقائع النزاع، وطلبات المدعي، وطلبات المدعي عليه، والمسائل التي ستفصل فيها هيئة التحكيم، وتحديد ممثل عن كل طرف … ([64]).

وتعرض هيئة التحكيم الوثيقة بعد إعدادها على أطراف النزاع التحكيمي الذين لهم حق في بيان رأيهم فيها والتعليق عليها، وذلك قبل اعتمادها والتوقيع عليها منت هيئة التحكيم، ومن أطراف النزاع التحكيمي – تكون بمثابة تصور لعملية التحكيم – ثم ترسل وثيقة مهمة هيئة التحكيم إلى مركز التحكيم في التحكيم المؤسسي للمصادقة عليها. ثم نبدأ هيئة التحكيم عملها في المهمة التحكيمية للفصل في النزاع بعد تلك المصادقة طبقا لنص (م 18) من لائحة غرفة التجارة الدولية بباريس، و(م 15) من لائحة مركز القاهرة الإقليمي للتحكيم التجاري الدولي، و (م 794) مرافعات ليبي. ورغم أن قانون التحكيم المصري لم ينص علي وثيقة مهمة هيئة التحكيم فإن العمل يجري علي الأخذ بها ([65]).

والهدف من وثيقة مهمة هيئة التحكيم التي تنظم في الجلسة التمهيدية التي تمر بها إجراءات التحكيم قبل تصدي هيئة التحكيم للفصل في موضوع النزاع التحكيمي هو التقاء أطراف النزاع مع هيئة التحكيم لتحديد محل النزاع، والاتفاق على الإجراءات ومواعيد الجلسات، وترتيب عملية تقديم المستندات … من أجل إنهاء إجراءات التحكيم بسرعة لتوفير الوقت والجهد والنفقات، ووثيقة مهمة هيئة التحكيم لا يمكن أن تحل محل اتفاق التحكيم، ولا يمكن أن تغني عنه كأساس لعملية التحكيم، لأن الاتفاق على التحكيم لا يفترض، وهو مصدر سلطات هيئة التحكيم، ولا تتأثر إجراءات التحكيم بعدم توقيع أحد الأطراف على وثيقة مهمة هيئة التحكيم، ولا بعدم وجودها أصلا ([66]).

ولذا فإن عدم تحرير وثيقة مهمة هيئة التحكيم أو عدم توقيعها من الأطراف لا يمنع هيئة التحكيم من السير في إجراءات خصومة التحكيم استنادا إلى اتفاق التحكيم. كما أن تحرير وثيقة مهمة هيئة التحكيم لا يغني عن اتفاق التحكيم؛ لأن اتفاق التحكيم شرطا أو مشارطة هو الأصل، بينما وثيقة مهمة هيئة التحكيم فرع، ولا يمكن حلول الفرع محل الأصل، وفي حالة وجود الأصل يمكن الاستغناء عن الفرع. وفي حالة انعدام الأصل ينعدم الفرع كنتيجة ضرورية لذلك. فإذا حكم ببطلان اتفاق التحكيم أو بعدم نفاذه في مواجهة أحد الأطراف فلا تغني عنه وثيقة مهمة هيئة التحكيم. ومن أمثلة وثيقة مهمة هيئة التحكيم، ما ذهبت إلية محكمة استئناف باريس في 12/ 7/ 1984 بخصوص قضية هضبة الأهرام من أن التوقيع على محضر مهمة هيئة التحكيم الذي تتمسك به مصر بعدم تضمنه لاتفاق تحكيم، لا يمكن أن يحل محل اتفاق التحكيم… ([67]).

13- النطاق الموضوعي للتحكيم:

(1)- النطاق الموضوعي للتحكيم في الفقه الإسلامي: تنقسم الحقوق في الفقه الإسلامي باعتبار من يضاف إليه الحق إلى ثلاثة أقسام:

– حقوق الله تعالى: وهي الحقوق التي شرعت لحماية الصالح العام من غير اختصاص بأحد. وهذه الحقوق أشبه ما يكون في القانون الوضعي بالأمور المتعلقة بالنظام العام، ولا يملك الإنسان أن يتنازل عنها، ولا يجور فيها الصلح، ولا تسقط بالإسقاط، ولا تقبل المعاوضة بالمال، ولا يجري فيها الإرث، ولا يملك الفرد ولا الجماعات إسقاطها، ويكون التحاكم فيها إلزاميا إمام القضاء العام لخطورتها، وبالتالي لا يجوز فيها التحكيم مثل: الحدود كحد الزنا، وحد الشرب، وحد السرقة، وحرمان الوارث من الميراث ([68]).

(ب)- حقوق خالصة للعباد: وهي الحقوق التي شرعت لمصلحة دنيوية خاصة بالفرد دون المجتمع، ويملك الإنسان التنازل عنها، ويجوز فيها الصلح، وتسقط بالإسقاط، وتقبل المعاوضة بالمال، ويجري فيها الإرث، وبالتالي يجوز فيها التحكيم، وهي كثيرة ومتنوعة مثل: عقود المعاوضات كالبيوع، والإيجارات، والكفالة بالمال، الديون، حق الشفعة، حق الارتفاق، والحقوق المالية، وما يصح فيه العفو والإبراء. وهذه الحقوق لا يتعلق بها حق للغير عدا أطراف التحكيم، ولا يتعلق بها حق عام ([69]).

(ج)- ما اجتمع فيه الحقان وكان حق الله فيه غالب كحد القذف، أو ما اجتمع فيه الحقان وكان حق العبد فيه غالب كالقصاص ([70]).

وقد اشترط الفقه الإسلامي في موضوع التحكيم، أن يكون من الحقوق التي يجوز فيها التحكيم. وقد تعددت وجهات نظر المذاهب الفقهية في تحديد ما يجوز، وما لا يجوز فيه التحكيم على أقوال عدة على النحو التالي:

المذهب الحنفي ([71]): ذهب الحنفية إلى أنه يجوز التحكيم فيما يملك الأفراد فعله بأنفسهم من حقوق العباد كالإجارة، والرهن، والبيوع، والديون، ودعاوى الأموال، فكل ما يجوز استحقاقه بالصلح يجوز فيه التحكيم، وما لا يجوز استحقاقه بالصلح لا يجوز فيه التحكيم. أما حقوق الله تعالى فلا يجوز فيها التحكيم كالحدود، والقصاص، واللعان.

المذهب المالكي ([72]): ذهب المالكية إلى جواز التحكيم في الأموال، وما يجري مجرى المال، كالبيع، والرهن، والقصاص فيما دون النفس. وحددوا أمورا لا يجوز فيها التحكيم هي: الحدود، والقصاص في النفس، واللعان، والطلاق، والولاء، والنسب، والعتق، والرشد، والسفه، وأمر الغائب، والوصية …هذه الأمور يحكم فيها القاضي لعظم قدرها أو لتعلق حق لغير الخصمين فيها.

المذهب الشافعي ([73]): عند الشافعية ثلاثة أقوال فيما يجوز فيه التحكيم:

الأول: يجوز التحكيم في كل ما يتحاكم فيه الخصمان مطلقا كما يجوز حكم القاضي الذي ولاه الإمام.

والثاني: يجوز التحكيم في كل شيء، ولكنه لا يصح في حدود الله تعالى، وحقوق الله المالية كالزكاة، والكفارات.

والثالث: يجوز التحكيم في الحقوق المالية، وعقود المعاوضات، وما يصح فيه العفو والإبراء ولا يجوز في النكاح، واللعان، والقصاص، والحدود…وذلك لعظيم قدرها.

المذهب الحنبلي ([74]): ذهب الحنابلة إلى قولين فيما يجوز فيه التحكيم:

الأول: يجوز التحكيم في كل شيء؛ في الأموال، والحدود، والقصاص، والنكاح، واللعان …فالمحكم كالقاضي ينفذ حكمه في كل الأمور حتى مع وجود قاضي بالبلد.

الثاني: ينفذ حكم المحكم في كل شيء إلا في أربعة أشياء: الزواج، واللعان، والقذف، والقصاص …لأنها مبنية على الاحتياط فكان لابد من عرضها على القضاء.

(2) النطاق الموضوعي للتحكيم في القانون الوضعي: يتطلب اتفاق التحكيم وجود رضا، ومحل، وسبب، وكتابة طبقا للقواعد العامة في العقود. فمحل اتفاق التحكيم هو المنازعة التي يراد حلها بالتحكيم، فيجب أن يكون موضوع اتفاق التحكيم موجودا أو ممكن وجوده والا كان باطلا، ويجب أن يكون موضوع اتفاق التحكيم معينا أو قابلا للتعين والا كان باطلا، كما يجب ألا يكون موضوع اتفاق التحكيم مخالفا للقانون أو للنظام العام أو الآداب العامة والا كان باطلا. ويجب توافر أهلية التصرف في الحق المتنازع عليه، وألا يشوب الرضا عيبا من عيوب الإرادة كالغلط والإكراه والتدليس والاستغلال، وأن يكون للمحتكم سلطة أو صفة قانونية تخوله الاتفاق على التحكيم ([75]). واذا تعدد موضوعات الاتفاق على التحكيم، وكان بعضها يتعلق بالنظام العام دون البعض الآخر، وكانت قابلة للتجزئة، فإن اتفاق التحكيم يبطل في الشق المتعلق بالنظام العام دون الشق الآخر، أما إذا كانت غير قابلة للتجزئة فيبطل اتفاق التحكيم كله ([76]).

وسبب اتفاق التحكيم هو استبعاد طرح النزاع علي القضاء، و حل المنازعة التي يراد حلها بالتحكيم بواسطة محكمين، فإذا لم توجد هذه المنازعة أو كانت موجودة ثم زالت بطل اتفاق التحكيم لعدم وجود المحل، ولانعدام السبب في ذات الوقت. و يمكن رفع دعوى بطلان اتفاق التحكيم لعدم وجود السبب أو لعدم مشروعيته قبل صدور حكم التحكيم، ويمكن أن ترفع بعد صدور حكم التحكيم حيث يكون الحكم قد بني على اتفاق تحكيم باطل ([77]). ويجب أن يكون مضوع منازعة التحكيم محددا أو قابلا للتحديد في المستقبل، وذلك في اتفاق التحكيم (مشارطة أو شرط) والا كان التحكيم باطلا، فلا يجوز للمحكم أن يقضي بشيء لم يطلبه أطراف التحكيم، ولا بأكثر مما طلبوه، فهو مقيد بما يطرح عليه من منازعات، وإلا خرج عن حدود مهـمته، مما يعرض حكمه للطعن فيه بالبطلان ([78]).

ويجب أن تتطابق الإرادتان – الإيجاب والقبول – (م 31-33 مدني مصري) حول موضوع اتفاق التحكيم، وعناصره، وأسبابه. ويجب أن يكون اتفاق التحكيم شرطا أم مشارطة مكتوبا والا كان باطلا (م 12) تحكيم مصري، و (م 9/2) تحكيم سعودي. وأن يثبت هذا الاتفاق بالكتابة في ورقة عرفيه (موقعة أو مختومة أو عليها البصمة) أو رسمية أو مصدق على التوقيع عليها أو مثبتة في محضر الجلسة في المحكمة أيا كانت درجتها، ويجب أن يكون الرضا صحيحا وخاليا من عيوب الإرادة كالغلط أو التدليس أو الإكراه أو الاستغلال (م 159، 159، 151، 147، 83 مدني مصري) ([79]).

والأصل أن يتحدد محل التحكيم في اتفاق التحكيم، ويجب أن يكون محل اتفاق التحكيم مشروعا، بكونه حقا ماليا، قابلا للتصرف فيه، جائز الصلح فيه، يقبل التنازع، غير متعلق بالنظام العام أو الآداب العامة. والحكمة من عدم جواز اللجوء للتحكيم في المسائل المتعلقة بالنظام العام هو أن تخضع تلك المسائل لرقابة وإشراف السلطة التي يعنيها ذلك. فمناط القابلية للتحكيم هو الحقوق المالية بصرف النظر عن مصدرها، وما إذا كان تصرفا قانونيا كالعقد أو واقعة قانونية كواقعة الفعل الضار أو الفعل النافع، وبصرف النظر عن محلها، وما إذا كان عقارا أو منقولا، وبصرف النظر عما اذا كانت علاقة حق عيني كالملكية، والرهن، والامتياز أو كانت علاقة حق شخصي ترد على ذمة المدين بها. وسواء كان النزاع مدني أم تجاري. وسواء كانت العلاقة بين أشخاص القانون الخاص، أو بين احد أشخاص القانون الخاص واحد أشخاص القانون العام، أو بين شخصين من أشخاص القانون العام ([80]).

ويجب أن يكون محل التحكيم حق مالي قابلا للتصرف فيه، وجائز الصلح فيه، وقابلا للتنازل عنه. ومؤدي ذلك أنه لا يقبل التحكيم فيما لا يجوز التصرف فيه، وهو مالا يجوز الصلح عليه. فما يجوز التصرف فيه، يجوز أن يكون محلا للتحكيم، متى توافرت الأهلية اللازمة لذلك لدى أطراف التحكيم. وعلى ذلك لا يحوز التحكيم في المسائل التي تتعلق بالأموال العامة للدولة، لأنها تخرج عن دائرة التعامل، ولا يجوز التصرف فيهـا، ما دامت مخصصة للمنفعة العامة، وذلك على خلاف الأموال الخاصة للدولة، حيث تخضع لقواعد القانون الخاص، وتتميز بقابليتها للتصرف فيها. وكذلك لا يجوز التحكيم بشأن تصرف يبرمه قاضي في حق من الحقوق المتنازع عليها، فالمنع يستهدف الحفاظ على نزاهة القضاء، ومن ثم يكون التصرف المخالف باطلا ([81]).

وبمقتضى (م 1/2) من قانون التحكيم المصري رقم 27 لسنة 1994 م والمضافة بالقانون رقم 9 لسنة 1997 م فإنه يجوز أن يكون محل اتفاق التحكيم إحدى منازعات العقود الإدارية بعد موافقة الوزير المختص أو من يتولى اختصاصه بالنسبة للأشخاص الاعتبارية العامة، ولا يجوز التفويض في ذلك لاعتبارات الصالح العام، وباعتبار أن الوزير ممثل الدولة في وزارته، ولا خلاف في صحة الاتفاق على التحكيم بالنسبة لعقود الدولة المدنية. بينما نصت (م 10/ 2) تحكيم سعودي على أنه: “لا يجوز للجهات الحكومية الاتفاق علي التحكيم إلا بعد موافقة رئيس مجلس الوزراء، مالم يرد نص نظامي خاص يجيز ذلك”.

وكقاعدة عامة يجب أن يكون محل اتفاق التحكيم حقا ماليا قابلا التصرف فيه، وقابلا للتنازل عنه، وجائز الصلح فيه، وغير متعلق بالنظام العام. وعلى ذلك يستبعد من مجال التحكيم منازعات الحقوق غير المالية، والغير قابلة التصرف فيها، والغير جائز الصلح فيها، والغير قابلة للتنازل عنها، والمتعلقة بالنظام العام والآداب العامة، ولكن يجوز التحكيم على الحقوق المالية الناشئة عن المسائل المستبعدة من مجال التحكيم. واذا تم اتفاق تحكيم في منازعة لا يجوز التحكيم فيها، فإن هذا الاتفاق يقع باطلا باطلانا مطلقا، نظرا لافتقاده لركن المحل، الذي يجب أن يكون موجودا أو معينا ومشروعا، واذا تم التحكيم رغم ذلك بناء على هذا الاتفاق الباطل، فإنه يمكن رفع دعوى ببطلانه، كما يجب على قضاء الدولة الامتناع عن إصدار الأمر بتنفيذه. كما يجب على المحكم أن يتخلى عن نظر هذه المنازعة ([82]).

ونظرا لأن قاضي الدولة هو الحارس على حماية النظام العام، ولأن النيابة العامة تتدخل وجوبا كقاعدة عامة في القضايا التي تتعلق بالنظام العام، فلا يتصور تدخل النيابة العامة في خصومة التحكيم. فلا يصلح الحق محلا للتحكيم إذا كان مما يجب أن تتدخل فيه النيابة العامة فيما لو عرض على القضاء، وذلك تنفيذا لرغبة المشرع بوجوب التدخل أمام القضاء من جهة، ولأن النيابة العامة لا تعمل أمام محكمين من جهة أخري، وأن كل المسائل التي تتدخل فيها النيابة العامة تتعلق بالنظام العام، فلا تكون محلا للتحكيم عدا المسائل المدنية والتجارية أمام محكمة النقض. وتعلق المنازعة بالنظام العام لا يعني مجرد المساس بالنظام العام، وإنما يتعين أن تحدث مخالفة لنص قانوني آمر بالنظام العام كقاعدة عامة، وتخضع محكمة الموضوع – كمحكمة دعوى بطلان حكم التحكيم أو محكمة الأمر بتنفيذه – لرقابة محكمة النقض في مسالة تعلق أو عدم تعلق موضوع منازعة التحكيم بالنظام العام ([83]).

ولا يجوز التحكيم في المسائل التي قصرها المشرع علي اختصاص القضاء الوطني بها. ولا يجوز التحكيم في الأعمال التي تخرج عن ولاية القضاء. كما لا يجوز التحكيم بشأن المسائل المتعلقة بأعمال سلطات الدولة الثلاث التشريعية، والتنفيذية، والقضائية، فطبيعة الدولة ودستورها يجعلان الرقابة عليها داخلية متبادلة تمارسها كل سلطة على الأخرى. ولا يجوز التحكيم بصدد نزاع على تفسير المعاهدات، أو دستورية قانون، أو قانونية لائحة، أو صحة قرار إداري، أو على إجراء من إجراءات التقاضي أمام المحاكم، أو رد أحد القضاة. وكذلك المسائل الخاصة بالجنسية باعتبارها تتعلق بحق المواطنة، وهي تمس سيادة الدولة على مواطنيهـا. بالإضافة إلى المنازعات التي تخرج عن ولاية القضاء الوطني كأعمال السيادة، ومع ذلك يجوز التحكيم في الحقوق المالية الناشئة عن تلك المسائل ([84]).

ولا يجوز التحكيم بشأن المسائل المتعلقة بالتجريم والعقاب، فهي من الأمور التي ينفرد بها قضاء الدولة. فالنزاع فيها لا يقوم بين أشخاص، وإنما بين المجتمع والمتهمين، فالاتهام لا تملكه إلا سلطات الدولة ممثلة في النيابة العامة كطرف أصلي في الخصومة الجنائية، والنيابة العامة لا تتدخل في خصومة التحكيم. ولأن المحاكم المدنية ممنوعة من الفصل في المسائل الجنائية كقاعدة عامة، بالتالي تمنع هيئات التحكيم من نظر المسائل الجنائية من باب أولى. وترتيبا على ذلك كقاعدة عامة فلا يجوز للمتهم التحكيم مع النيابة العامة في الجرائم والعقوبات أيا كان نوعها، باستثناء الجرائم التي يجوز فيها الصلح كمخالفات المرور والجمارك والضرائب ([85]).

ويقصد بالجرائم التي يمتنع فيها التحكيم: تلك الأفعال التي يجرمها القانون الجنائي. فإذا ورد نص في قانون آخر غير القانون الجنائي يفرض عقوبات جنائية لفاعلية قواعده، فلا يعني ذلك امتناع التحكيم. فالنظام العام في مجال التحكيم لا يؤخذ بمدلول واسع. ولا يوجد ما يمنع التحكيم في الحقوق المالية الناشئة عن الجريمة ([86]).

وقد يعلق المشرع حق النيابة العامة في تحريك الدعوى الجنائية أحيانا على تقديم شكوى من لمجني عليه، كما هو الحال في جرائم السب، والقذف، والزنا، والسرقة بين الأصول والفروع. وأحيانا أخرى على تقديم طلب كتابي من جهة حكومية كما هو الحال في جريمة العيب في حق رئيس دولة أجنبية. واحيانا ثالثة على إذن خاص من جهة حكومية كما هو الحال في تحريك الدعوى الجنائية ضد القضاة أو أعضاء مجلس الشعب. ففي مثل هذه الأحوال سوف يعتبر الاتفاق على التحكيم بمثابة تنازل عن الحق في الشكوى أو الطلب تنقضي به الدعوى الجنائية، وهذا التنازل جائز في أي وقت إلى أن يصدر في الدعوى الجنائية حكم نهائي (م 10 إجراءات جنائية مصري) ([87]).

ولا يجوز التحكيم بشأن المسائل المتعلقة بالأملاك العامة للدولة، والأموال المخصصة للمنفعة العامة، والضرائب، والرسوم المستحقة للدولة، نظرا لأن هذه المسائل تتعلق بنظام الدولة، والفصل فيها لا يكون إلا للقضاء وحده، فلا يجوز اللجوء للتحكيم بصدد نزاع على استحقاق ضريبة معينة تفرضها الدولة أو على مقدار الضريبة المستحقة، والرقابة على قرارات الإدارة بشأن الضرائب ([88]). ولا يجوز التحكيم في المسائل التي لا يجوز التصرف فيها المتعلقة بالنظام العام. كالحقوق المعنوية، والحقوق الذهنية، وحقوق الملكية الصناعية، كحق امتلاك الرسوم والنماذج والعلامات التجارية، وبراءات الاختراع، ومسائل الإفلاس، وتراخيص الصحة العامة أو الأمن العام نظر لتدخل النيابة العامة في تلك المسائل ([89]).

كما لا يجوز التحكيم في المنازعات المتعلقة بإجراءات التقاضي، والتنفيذ. فلا يصح التحكيم حول ما إذا كانت الخصومة أمام محكمة الدولة قد زالت لسبب إجرائي كالسقوط، أو الترك، أو اعتبارها كان لم تكن أو اعتبار اطراف التحكيم حاضرين أو غائبين أمام قضاء الدولة، ودعوى رد القاضي، ومنازعات التنفيذ الموضوعية أو الوقتية التي يترتب عليها صحة أو بطلان إجراءات التنفيذ كدعوى رفع الحجز، وصحة الحجز، وعدم الاعتداد بالحجز، وقصر الحجز، والاعتراض على قائمة شروط بيع العقار المحجوز عليه أو الحكم بصحة أو بطلان إجراء من إجراءات التقاضي أمام قضاء الدولة … لأن هذه المسائل تنظم أمر متعلق بالنظام العام، ويتعلق بها حق للغير ولذلك لا يصح فيها التحكيم، ولا ينظرها غير قضاء الدولة ([90]).

ولا يجوز التحكيم في بعض مسائل الأحوال الشخصية؛ كالمسائل المحلقة بحالة الأشخاص، وأهليتهم، والولاية عليهم، والزواج، والطلاق، والنسب، والنفقة، والحضانة، والميراث، والوصية، والقوامة، …([91]). وترتيبا على ذلك فلا يجوز التحكيم في منازعة الزواج بالمحرمات، أو إثبات الطلاق، أو فسخ الزواج أو بطلان الوصية، أو دعوى إثبات أو نفي النسب أو دعوى الوقف، أو دعوى صحة أو بطلان عقد زواج أو حضانة صغير، أو دعوى الحجر أو حق الزوجة في النفقة، أو حق الزوج في الطلاق…كما لا يجوز التحكيم في منازعة تتعلق بأهلية شخص لاكتساب حق معين كحقه في التملك أو حقه في الانتخاب ….([92])، ومع ذلك يجوز التحكيم في الحقوق المالية الناشئة عن تلك المسائل.

وقد نصت تشريعات التحكيم على المسائل التي لا يحوز فيها التحكيم مثل: (م 11) تحكيم مصري، و (م 2/2) تحكيم سعودي، و (م 190) مرافعات قطري، و(الفصل 356) مسطرة مدنية مغربي، و(م 3) تحكيم يمني، و(م 9) تحكيم أردني، و(م 9/ 2) تحكيم سوري، و(م 254) مرافعات عراقي، و(م 740) مرافعات ليبي، و(م 7) تحكيم تونسي، و(م 173) مرافعات كويتي، و(م 203/ 4) إجراءات مدنية إماراتية، و(م 11) تحكيم عماني، و(م 254) مرافعات عراقي، و (م 173) مرافعات كويتي، و(م 765) أصول محاكمات مدنية لبنائي، و(م 442) إجراءات مدنية جزائري، و(م 8) تحكيم موريتاني.

14- النطاق الشخصي لاتفاق التحكيم:

لا يسري اتفاق التحكيم إلا على أطرافه فقط دون غيرهم، ويمتد أثره إلى من يعتبر طرفا فيه، حتى ولو لم يوقع بنفسه على اتفاق الحكيم، إذا كان من وقع على الاتفاق يمثله بموجب وكالة خاصة اتفاقية أو قانونية أو قضائية. ويعتبر ممثلا في اتفاق التحكيم: خلف الأطراف سواء كان خلفا عاما كالورثة أم خلفا خاصا ومن في حكمهما من الدائنين، والموكلون بموجب توكيل خاص. ولا تنصرف آثار اتفاق التحكيم إلى الغير الذي لم يكن طرفا فيه، ولم تربطه صله ما بأي من طرفي اتفاق التحكيم، سواء كانت هذه الآثار حقا أم التزاما (م 145 مدني مصري) ([93]).

وتطبيقا لذلك قضت محكمة النقض بأن: “التنظيم القانوني للتحكيم إنما يقوم على رضاء الأطراف وقبولهم به كوسيلة لحسم كل أو بعض المنازعات التي نشأت أو يمكن أن تنشا بينهم بمناسبة علاقة قانونية معينة عقدية أو غير عقدية، فإرادة المتعاقدين هي التي توجد التحكيم وتحدد نطاقه من حيث المسائل التي يشملها والقانون الواجب التطبيق، وتشكيل هيئة التحكيم وسلطاتها، وإجراءات التحكيم وغيرها، وعلى ذلك فمتى تخلف الاتفاق أمتنع القول بقيام التحكيم وهو ما يستتبع نسبية أثره فلا يحتج به إلا في مواجهة الطرف الذى ارتضاه وقبل خصومته” ([94]).

وعلى ذلك فلا يستطيع الغير التمسك باتفاق تحكيم لم يكن طرفا فيه، كما لا يستطيع أطراف اتفاق التحكيم إلزام الغير به، كما لا يجوز للغير الاعتراض على تنفيذ اتفاق التحكيم، ما لم يوجد رضا باتفاق سابق أو لاحق على النزاع بين الأطراف والغير على ذلك. ولكن ليس لامتداد أثر اتفاق التحكيم إلى غير أطرافه إمكانية توسيع النطاق الشخصي لأطراف خصومة التحكيم بالتدخل أو الإدخال إلا باتفاق جميع الأطراف استثناء؛ نظرا لخصوصية خصومة التحكيم التي تميزها عن الخصومة القضائية ([95]).

غير أنه استثناء من نسبية آثار اتفاق التحكيم، فقد يرتب الاتفاق أحيانا، آثاره بالنسبة للغير: فشرط التحكيم في عقد يتضمن اشتراطا لمصلحة الغير لا يمكن أن يلزم به الغير، ولكن للغير أن يستفيد منه إذا صدر الحكم لصالحه. وشرط التحكيم في عقد بين الدائن والمدين لا يسري في مواجهة الكفيل، ولكن إذا صدر حكم التحكيم لصالح الدائن فله أن يحتج بهذا الحكم في مواجهة الكفيل، واتفاق التحكيم مع الشركة الأم يمتد أثره إلى فروع هذه الشوكة الأم التي كانت تعلم بوجوده ومحتواه، ولو لم توقع على العقد الذي تضمن شرط التحكيم ([96]).

أما بالنسبة الخصومة القضائية فقد تتسع أطرافا غير المدعى، والمدعي عليه، و يتسع نطاقها الشخصي بعد سيرها عن طريق تدخل شخص من الغير لم يكن طرفا فيها عند بدءها (م 117، 126 مرافعات مصري). استنادا إلى وجود مصلحة له في تدخله أو مصلحة لأحد الأطراف في إدخاله، سواء كان التدخل انضماميا للدفاع عن أحد الأطراف، أو كان تدخلا هجوميا أو اختصاميا بقصد المطالبة بحق شخصي له في مواجهة المدعي أو المدعي عليه، أو كان إدخاله خصما في الدعوى بناء على طلب أحد الأطراف ليكون الحكم حجة عليه، والحكم عليه بنفس الطلبات، أو لإلزامه بتقديم ورقة تحت يده، أو كان الإدخال بناء على طلب المحكمة لمصلحة العدالة أو لإظهار الحقيقة (م 118 مرافعات مصري)، وفي جميع الأحوال يجب توافر المصلحة، والارتباط بين طلب التدخل أو الإدخال وبين الدعوى الأصلية.

ونظرا لخصوصية خصومة التحكيم، فيتحدد نطاقها الشخصي بأطراف اتفاق التحكيم. فلا يتسع نطاقها الشخصي إلى غير أطرافها، حتى ولو امتد أثر اتفاق التحكيم، إلا باتفاق جميع أطراف خصومة التحكيم والغير ولذلك فإنه لا يجوز لهيئة التحكيم الحكم بالتدخل الانضمامي أو الهجومي أو بالإدخال في خصومة التحكيم كأصل عام ما لم يتفق جميع الأطراف على غير ذلك، سواء باتفاق مسبق على قيام النزاع أو باتفاق لاحق عليه كأن يتفقا على إمكانية تدخل الكفيل أو الضامن لأحدهما أو للغير للمطالبة بحق شخصي له يرتبط بخصومة التحكيم أو أن يتفقا على طلب أحدهما بإدخال شركة التأمين بعد موافقتها. وعلة ذلك أن سلطة المحكم تستمد من اتفاق التحكيم، وهو نسبي الأثر، ولا يلزم الغير بالخضوع لسلطة المحكم، ولا يملك المحكم إلزام شخص بالمثول أمامه لم يكن طرفا في اتفاق التحكيم، ولهذا فلا تقبل دعوى الضمان الفرعية أمام هيئة التحكيم، إلا إذا كان الضامن طرفا في اتفاق التحكيم ([97]).

15- أنواع التحكيم:

يتخذ التحكيم بصفة عامة صورا متعددة لكي تغطي كافة المنازعات وخيارات الأطراف. فمن حيث الأساس الذي يستند إليه إلى تحكيم اختياري، وتحكيم إجباري. ومن حيث السلطة الممنوحة للمحكمين عند الفصل في موضوع النزاع إلى تحكيم بالقضاء أو بالقانون أو مقيدة، وتحكيم بالصلح أو مطلق. ومن حيث أسلوب اختيار أطراف النزاع لطريقة التحكيم إلى تحكيم حر، وتحكيم منظم أو مؤسسي. ومن حيث عناصر التحكيم وطني، وتحكيم دولي، وتحكيم أجنبي. ونتناول أنواع التحكيم المختلفة لمعرفة أهمية كل نوع ووظيفته في حل المنازعات المختلفة بوسيلة سلمية.

– التحكيم الاختياري، والتحكيم الإجباري: يكون التحكيم اختيارا متى كان للأطراف حرية كاملة في اللجوء إليه بمحض إراداتهم. أي يكون للأطراف حرية كاملة في اللجوء إلى القضاء أو اللجوء إلى التحكيم، ولكنهم بإراداتهم اختاروا طريق التحكيم، كوسيلة لفض منازعاتهم في مسألة معينه بمعنى أن التحكيم يكون اختياريا إذ لم يكون اللجوء إليه أمرا مفروضا على الأطراف. والأصل أن يكون التحكيم اختياريا، وليس إجباريا، لأنه يجب على الدولة أن لا تتخلى عن القيام بواجبها في تحقيق العدل لمواطنيها، وذلك بالتخلي عن وظيفتها القضائية، وتفرض على الأطراف اللجوء إلى التحكيم. والتحكيم الاختياري الذي يتفق عليه طرفي النزاع بإرادتهما الحرة، وهو محل سريان أحكام قانون التحكيم المصري رقم 27 لسنة 1994 م (م 4 تحكيم مصري) كقانون عام للتحكيم في مصر، وفي المملكة العربية السعودية يعد التحكيم اختياريا كأصل عام. وهذا النوع عن التحكيم يرتكز بصفة خاصة على دعامتين أساسيتين هما: إرادة الأطراف، واعتراف المشرع بهذه الإرادة ([98]).

ويكون التحكيم إجباريا إذا جعله المشرع في بعض المنازعات أمرا واجبا مفروضا على إرادة الأطراف، ولا يملك الأطواف معه رفع هذه المنازعة إلى قضاء الدولة، الذي لا يكون له سلطة، حسم تلك المنازعة ابتداء، وإنما يجب على الأطراف اللجوء إلى التحكيم الإجباري. بمعنى أنه في التحكيم الإجباري تنعدم إرادة أطراف النزاع ويصبح مفروضا عليهم بناء على قاعدة قانونية آمرة متعلقة بالنظام العام، والتي لا يجوز للأطراف الاتفاق على مخالفتهما. والتحكيم الإجباري أمر غير دستوري لأنه يعارض وينتهك حق التقاضي كحق دستوري لكل مواطن بواسطة قاضيه الطبيعي، والذي لا يجوز حرمانه منه إلا باتفاق إرادي ([99]).

وفرض التحكيم الإجباري قسرا وتسلطا وكرها أمر غير دستوري؛ لأنه ينافي الأصل في اعتبار أن التحكيم لا يتولد إلا عن إرادة حرة وباتفاق أطرافه، وفيه قيدا ومصادرة لحق التقاضي واللجوء إلي القاضي الطبيعي كحق دستوري. مثل التحكيم في منازعات شركات القطاع العام (م 66) من القانون رقم 97 سنة 1983 م والتي لم تخضع بعد لقانون شركات قطاع الأعمال رقم 203 لسنة 1991 م. وعلي ذلك لا يسري قانون التحكيم (الاختياري) المصري رقم 27 لسنة 1994 م علي شركات القطاع العام التي لم تتحول إلي شركات قابضة لخضوعها للتحكيم الإجباري بنص (م 56) من قانون هيئات القطاع العام رقم 97 لسنة 1983 م، علي اعتبار أن تلك الشركات لا تتناقض مصالحها و تؤل أموالها في النهاية إلي ذمة مالية واحدة، ذمة الدولة ([100]).

ويجب عدم الخلط بين التحكيم الإجباري، وقضاء الدولة. فالحكم القضائي له قوة تنفيذية، أما حكم التحكيم الإجباري فلا يحوز القوة التنفيذية إلا بعد شموله بأمر التنفيذ. والتحكيم الإجباري قد يأخذ إحدى صورتين هما: أما أن يكتفي المشرع بفرض التحكيم الإجباري، ويترك للأطراف حرية اختيار المحكم، وتعين إجراءات التحكيم. وإما أن يتدخل المشرع فيضع تنظيما قانونيا أمرا لمنظومة التحكيم الإجباري بدون أي تدخل لإرادة أطراف النزاع في التحكيم ([101]). وليس لأى من أطراف منازعات التحكيم الإجباري رفعها إلى المحكمة القضائية المختصة أصلا بنظرها، بل يجب رفعها إلى هيئة التحكيم الإجباري، وذلك سواء رفعت الدعوى بصفة أصلية أو في صورة دعوى فرعية. والتحكيم الإجباري يعتبر استثناء لا يجوز التوسع في تفسير حالاته أو القياس عليها ([102]).

ولذلك فإن المحكمة الدستورية العليا في مصر رفضت نظام التحكيم الإجباري، مؤكدة على الطبيعة الرضائية للتحكيم (التحكيم الاختياري) إذ أنه مكنة اختيارية يمارسها طرفي النزاع بمقتضى اتفاق تحكيم، وأن التحكيم الإجباري لا يتفق مع فلسفة التحكيم والأساس الاتفاقي الرضائي للتحكيم، والذي يستمد منه مبدأ القوة الملزمة لاتفاق التحكيم بين طرفيه. ولذا قضت المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية (م 18 /7، 6، 5، 4، 3، 2) من القانون رقم 48 لسنة 1977 لإنشاء بنك فيصل الإسلامي في المنازعات التي تنشأ بين البنك وعملائه ([103]). و بعدم دستورية (م 57) من قانون الجمارك رقم 66 لسنة 1963 م في المنازعات بين الجمارك وصاحب البضاعة حول نوعها أو منشأها أو قيمتها ([104]). وبعدهم دستورية (م 17، م 35، م 36) من القانون رقم 11 لسنة 1991 م بشأن الضريبة العامة علي المبيعات في المنازعات التي تحدث بين الممولين ومصلحة الضرائب ([105]). و عدم دستورية (م 10 /2، م 52) من القانون رقم 95 لسنة 1992 م بشأن سوق المال في المنازعات بين المتعاملين في مجال الأوراق المالية ([106]). وبعدم دستورية (م 17) من النظام الداخلي للاتحاد التعاوني الإسكاني المركزي، وقراري وزير الإسكان رقم 693 لسنة 1981 م، ورقم 46 لسنة 1982 م بشأن الجمعيات التعاونية للبناء والإسكان في المنازعات بينها وبين أعضائها ([107]).

ويترتب عل، الحكم بعدم دستورية نص غير ضريبي في قانون أو لائحة؛ عدم جواز تطبيقه من اليوم التالي لتاريخ نشر الحكم في الجريدة الرسمية (م 49 من قانون المحكمة الدستورية العليا رقم 48 لسنة 1979 م)، ومن ثم فلا يجوز تطبيق هذا النص من اليوم التالي لنشر الحكم بعدم دستوريته في الجريدة الرسمية، ويمتنع على المحاكم باختلاف أنواعها ودرجاتها تطبيقه فإن تم تطبيقه من القضاء أو هيئة التحكيم رغم ذلك، فإن الحكم المبني عليه يكون قد أخطأ في تطبيق القانون، ويكون محلا للطعن عليه، وهو أمر متعلق بالنظام العام. وللحكم بعدم دستورية النص أثر رجعي، فلا ينسحب آثره إلي المستقبل فقط، بل ينسحب أيضا علي الوقائع السابقة علي صدور الحكم بعدم دستورية النص، مالم يكن قد صدر حكم بات قبل الحكم بعدم الدستورية، فالحكم البات يمنع إعمال الأثر الرجعي للحكم بعدم الدستورية. والحكم بعدم دستورية التحكيم الإجباري لا يمنع الأطراف من اللجوء إلي التحكيم الاختياري باتفاق تحكيم جديد طبقا لقانون التحكيم رقم 27 لسنة 1994 م ([108]).

وقضت محكمة النقض المصرية بشأن تحديد طبيعة التحكيم الطبي وفقا للقانون 79 لسنة 1975 بأن: “قواعد التحكيم الطبي المنصوص عليها في القانون رقم 79 لسنة 1975 م لا تعدو أن تكون تقريرا لقواعد تنظيمية للتيسير على العامل في اقتضاء حقوقه وأن عدم سلوك سبيلها لا يحرمه من حقه الأصلي في الالتجاء مباشرة إلى القضاء إذا لم يرغب في التحكيم” ([109]).

(ب) – التحكيم بالقضاء، والتحكيم بالصلح: الأصل هو التحكيم العادي أو بالقانون أو بالقضاء أو المقيد، الذي يؤدي فيه المحكم نفس دور القاضي. فللمحكم سلطة الحكم في النزاع مع التقيد بالقواعد الموضوعية والإجرائية للقانون الواجب التطبيق على التحكيم. فتصبح سلطة المحكم مقيدة بالقواعد القانونية الموضوعية، والإجرائية الواردة بالقانون الاتفاقي لأطراف التحكيم، ويعمل على تطبيقها للوصول إلى حكم صحيح غير مشوب بأي بطلان. فلا يلتزم المحكم بإتباع إجراءات وشكليات التقاضي المطبقة أما قضاء الدولة، وإنما يلتزم بإجراءات التقاضي التي يحددها أطراف التحكيم، كما يلتزم باحترام الضمانات الأساسية للتقاضي (م 25) تحكيم مصري، و (م 38) تحكيم سعودي ([110]).

أما في التحكيم بالصلح فلا يلزم المحكم بالصلح بتطبيق قواعد القانون الإجرائي أو الموضوعي؛ باستثناء المبادئ الأساسية، والقواعد المتعلقة بالنظام العام، لحماية المصلحة العامة؛ كسعر الصرف، والتسعير الجبري، والضرائب، والإفلاس، والبورصة. ويحكم المحكم بالصلح بحرية كبيرة كاملة وفقا لقواعد العدالة والإنصاف، و دون التقييد بأحكام القانون، وبصرف النظر عن موافقة أو عدم موافقة رأيه لقواعد القانون الموضوعي طبقا لنص (م 39/ 4) تحكيم مصري، و (م 38/ 2) تحكيم سعودي، و (art. 1474; 1497. N.C.P.C.F.). كما لا يتقيد بقواعد المرافعات، ولا تسري على أعماله الجزاءات المقررة بقانون المرافعات، فلا يطبق قواعد القانون بحذافيرها، وإنما يلتزم بقواعد قانون التحكيم، ما لم يرد اتفاق لطرفي التحكيم على غير ذلك ([111]).

ويعتبر التحكيم بالصلح استثناء من الأصل وهو التحكيم بالقضاء، لذا يجب إن يكون منصوصا عليه في اتفاق التحكيم صراحة أو ضمنا، فلا يكون إلا باتفاق أطرافه صراحة أو ضمنا، واذا لم ينص في اتفاق التحكيم على تفويض المحكم بالصلح، فإنه يكون محكم عادي أو بالقانون. كما يجب الالتزام بالتفسير الضيق لهذا الاتفاق. ويجوز للمحكم المفوض بالصلح رخصة تطبيق قواعد القانون إذا قدر أنها الحل الأكثر عدالة، بتوفير حل عادل للنزاع، بتكامل العدالة والقانون، في شكل العدل المثالي أو النموذجي الذي تسوده روح التصالح. ويخضع حكم التحكيم بالصلح لذات الطرق المقررة للطعن علي حكم التحكيم بالقضاء ([112]).

وقد أقر نظام التحكيم السعودي الجديد التحكيم بالصلح، ولم يفرق بينه وبين التحكيم القضاء إلا من حيث حق هيئة التحكيم بالصلح في أن تحكم وفق مقتضي قواعد العدالة والإنصاف، ووجوب صدور الحكم في التحكيم بالصلح بالإجماع، في حين أنه في التحكيم بالقضاء يكفي صدور الحكم بالأغلبية (م 38/2، م 39/4 تحكيم سعودي). لذا يعتبر التحكيم بالصلح تعبير عن إرادة صادقة من طرفي النزاع في التعاون المشترك واستمرار التعايش السلمي، واستمرار العلاقة فيما بينهم، ويطلق عليه التحكيم الطليق أو غير المقيد أو الحر.

(ج)- التحكيم الحر، والتحكيم المنظم أو المؤسسي: التحكيم الحر أو الخاص هو التحكيم الذي يعطي لإرادة الأطراف حرية كاملة في تحديد مكان التحكيم، والقواعد الموضوعية والإجرائية التي يتبعها المحكم المختار من الأطراف للفصل في نزاع معين بينهما، بما لا يتعارض مع قواعد النظام العام، وفقا للقواعد المحددة من الأطراف أو التي فوض الأطراف المحكم في تحديدها أو وفقا القواعد العامة في التحكيم ([113]).

أما التحكيم المنظم أو المؤسسي أو المقيد هو التحكيم الذي تتولاه هيئات منظمة استناد إلى قواعد وإجراءات محددة بالاتفاقات الدولية أو بالنظام الأساسي لهيئة التحكيم أو محكمة التحكيم أو جمعية التحكيم أو مركز التحكيم أو غرفة التحكيم أو لجنة التحكيم. ومؤسسات التحكيم الوطنية والدولية العامة والخاصة في التحكيم الدولي تتجاوز أكثر من أربعة آلاف مؤسسة، ومعيار التحكيم المنظم هو توافر إرادة الأطراف في الموضوع مقدما للائحة مؤسسة التحكيم. وأصبح التحكيم المؤسسي هو القاعدة في التحكيم التجاري الدولي نظرا للإمكانيات المالية، والإدارية، والخدمية، والتنفيذية التي تتمتع بها مؤسسات التحكيم. وتوصف مؤسسات التحكيم بالتخصص لأن التحكيم هو وظيفتها، كما توصف بالدوام، لأنها لا تقف عند عملية تحكيم بعينها، بل أنها قائمة بصفة مستمرة، لتلقي ما يعهد إليها من عمليات التحكيم ([114]). والإحالة إلى التحكيم المؤسسي يترتب عليه الأخذ بما ورد في نظامه القانوني خاصة فيما يتعلق بطريقة اختيار المحكم، والقواعد الواجبة التطبيق ما لم يتفق الأطراف على خلافها، وهذه الإحالة تعفي الأطراف من التصدي لكل تفصيلات اتفاق التحكيم اكتفاء بما ورد باللائحة الداخلية لمؤسسات التحكيم.

(ح)- التحكيم الداخلي أو الوطني، والتحكيم الدولي، والتحكيم الأجنبي: يكون التحكيم وطنيا إذا اتصلت جميع عناصره بدولة معينة دون غيرها وهي: موضوع النزاع، وجنسية أطراف التحكيم، وجنسية المحكمين، والقانون الواجب التطبيق، والمكان الذي يجري فيه التحكيم، و مكان تنفيذ حكم التحكيم. فالتحكيم يكون وطنيا إذا اتصلت جميع عناصره بدولة القاضي. وعلى ذلك فالتحكيم الوطني هو التحكيم الذي يتعلق بمعاملات وطنية خالصة بين وطنيين، ويفصل بينهم محكمون وطنيين، وينفذ حكمهم في ذات الدولة، في نزاع وطني بجميع عناصره، ويصدر الحكم فيه وفقا لإجراءات وتشريع وطني. بمعنى أن التحكيم الوطني هو التحكيم الذي تكون كل مكوناته وعناصره منحصرة في دوله معينة ([115]). فالتحكيم الذي يقع بمصر يعتبر تحكيما داخليا ويخضع لأحكام قانون التحكيم المصري، وينعقد الاختصاص للمحكمة المختصة أصلا بنظر النزاع في المسائل التي يحيلها قانون التحكيم للقضاء المصري. ويكون التحكيم أجنبيا إذا اتصلت أحد عناصره بدولة غير دولة القاضي، أو لعدم توافر معيار دولية التحكيم، أو لعدم ارتباطه بالتجارة الدولية، إذ يكون التحكيم أجنبيا بالنسبة للدولة المراد التمسك بآثار حكم التحكيم فيها، أي دولة قاضي تنفيذ حكم التحكيم، ووطنيا بالنسبة للدولة التي اتصلت بها كل عناصره ([116]).

ويكون التحكيم دوليا في نظر القاضي إذا ارتبط بالتجارة الدولية، أو اتصلت جميع عناصر التحكيم بأكثر من دولة أو توزعت بين عدة دول أخرى، وينعقد الاختصاص لمحكمة استئناف القاهرة مالم يتفق طرفي التحكيم علي اختصاص محكمة استئناف أخرى في المسائل التي يحيلها قانون التحكيم للقضاء المصري. فيجوز الجمع بين صفتي الأجنبية والدولية للتحكيم إن تعلق بمنازعة تجارة دولية، ولكن ليس كل تحكيم دولي يعد أجنبيا، فقد يكون التحكيم دوليا مع جريانه في الداخل، وحتى مع خضوعه للقانون الوطني. والتحكيم الأجنبي هو الذي يشتمل على عنصر أجنبي أو أكثر سواء تعلق هذا العنصر بموضوع النزاع، أو جنسية الأطراف، أو موطنهم أو المحكمين أو إجراءات التحكيم، أو مكان صدور حكم التحكيم، فيكون التحكيم أجنبيا إذا صدر في نزاع يشتمل على عناصر أجنبية، ولا يخضع لأحكام قانون التحكيم الوطني، ولم يتفق أطرافه علي إخضاعه لأحكام القانون الوطني، ويصدر الحكم فيه وفقا لإجراءات وتشريع أجنبي، ويخضع حكم التحكيم الأجنبي في تنفيذه للقواعد التي تحكم تنفيذ الأحكام والأوامر والسندات الرسمية الأجنبية في قانون المرافعات (م 299 مرافعات مصري) ([117]).

واختلف الفقه والقضاء حول معيار يمكن الاستناد إليه لتحديد دولية التحكيم، فاتجه رأي أول إلى تبني معيار إجرائي هو القانون الواجب التطبيق على إجراءات التحكيم؛ فإذا كان قانون الدولة التي يجري فيها التحكيم هو المطبق على النزاع كان التحكيم وطنيا، أما إذا كان قانونا أجنبيا أو لائحة مؤسسة تحكيم أو اتفاقية دولية كان التحكيم دوليا ([118]). بينما اتجه رأي آخر إلى الأخذ بمعيار موضوعي هو مدى ارتباط أو عدم ارتباط موضوع النزاع بمسائل التجارة الدولية. فإذا كان موضوع النزاع غير متعلق بموضوعات التجارة الدولية كان التحكيم وطنيا؛ أما إذا تعلق موضوع النزاع بإحدى موضوعات التجارة الدولية كان التحكيم دوليا، بصرف النظر عن القانون الواجب التطبيق وجنسية المحكمين وأطراف التحكيم، ومكان التحكيم. وقد اعتنقت تشريعات التحكيم المعيار الموضوعي مثل (م 3) تحكيم مصري، و (art. 1494. N.C.P.C.F.)، و (م 3) تحكيم سعودي، و (م 41) تحكيم موريتاني، و(م 1) تحكيم سوري، فيكون التحكيم دوليا إذا كان موضوعه يتعلق بالتجارة الدولية… ([119]).

ويؤخذ على المشرع التحكيمي مثل المصري (م 3)، والسعودي (م 3)، والعماني (م 3)… أنه لم يكتف بيان مدلول التحكيم الدولي، وإنما قام بدور الفقه والقضاء في بيان صوره، وحالاته التي وردت على سبيل المثال لا الحصر. فليس من حسن السياسة التشريعية أن يرد في التشريع أمثلة لبيان المعيار الذي تبناه المشرع فهذا من عمل الفقه والقضاء ([120]). حيث نصت (م 3) من قانون التحكيم المصري رقم 27 لسنة 1994 م على أن: “يكون التحكيم دوليا في حكم هذا القانون إذا كان موضوعه نزاعا يتعلق بالتجارة الدولية وذلك في الأحوال الآتية:”

أولا: إذا كان المركز الرئيسي لأعمال كل من طرفي التحكيم يقع في دولتين مختلفتين وقت إبرام اتفاق التحكيم.

ثانيا: إذا اتفق طرفا التحكيم على اللجوء إلى منظمة تحكيم دائمة أو مركز تحكيم داخل مصر أو خارجها.

ثالثا: إذا كان موضوع النزاع الذي يشمله اتفاق التحكيم يرتبط بأكثر من دولة واحدة.

رابعا: إذا كان المركز الرئيسي لأعمال كل من طرفي التحكيم يقع في نفس الدولة وقت الاتفاق عن التحكيم وكان أحد الأماكن التالية يقع خارج هذه الدولة:

مكان إجراء التحكيم كما عينه الاتفاق على التحكيم.

(ب) مكان تنفيذ جانب جوهري من الالتزامات الناشئة عن علاقة أطراف التحكيم.

(ج) المكان الأكثر ارتباطا بموضوع النزاع”.

وعلى ذلك فإن التحكيم التجاري الدولي هو “التحكيم الذي يتعلق بعقد دولي أو بمصالح التجارة الدولية بصفة عامة. ويعتبر العقد عقدا دوليا إذا كان محله يتضمن انتقال وتحريك للأموال والسلع والخدمات عبر حدود الدول”.

وعند انضمام مصر إلي اتفاقية دولية ثنائية أو جماعية متعلقة بالتحكيم فإن أحكام تلك الاتفاقية تصبح قانون واجب التطبيق بما تشمله من أحكام خاصة بالتحكيم، وكذلك الأمر إذا اتفق طرفا التحكيم علي إخضاع العلاقة بينهما لأحكام عقد نموذجي، أو اتفاقية دولية، أو أية وثيقة أخري (م 1، و م 6 تحكيم مصري، و م 301 مرافعات مصري)، ولو تعارضت مع أحكام قانون المرافعات المدنية والتجارية، أو قانون التحكيم المصري …وسواء تم التحكيم في الداخل أو في الخارج، بشرط ضرورة مراعاة أحكام قواعد النظام العام والآداب العامة في مصر أو أن يكون الموضوع محل النزاع في خصومة التحكيم من المسائل التي يجوز فيها التحكيم (م 11 تحكيم مصري). وذلك لاحترام تعهدات مصر الدولية، وتشجيعا علي جذب الاستثمارات الدولية. وتسري أحكام تلك الاتفاقيات بأثر فوري ومباشر كقاعدة عامة، ولا تسري بأثر رجعي ([121]).

وتطبيقا لذلك قضت محكمة النقض المصرية بأن: “النص في المادة (1) من القانون رقم 27 لسنة 1994 م في شأن التحكيم في المواد المدنية والتجارية على أن” مع عدم الإخلال بأحكام الاتفاقيات الدولية المعمول بها في جمهورية مصر العربية تسري أحكام هذا القانون علي كل تحكيم بين أطراف من أشخاص القانون العام أو القانون الخاص أيا كانت طبيعة العلاقة القانونية التي يدور حولها النزاع، إذا كان هذا التحكيم. يجرى في مصر أو كان تحكيما تجاريا يجرى في الخارج واتفق أطرافه على إخضاعه لأحكام هذا القانون …”، يدل على أن المشرع قصر تطبيق أحكام هذا القانون على التحكيم الذى يجرى في مصر، وعدم سريانه على كل تحكيم يجرى في خارج البلاد إلا إذا كان تحكيما تجاريا دوليا اتفق أطرافه على إخضاعه لتلك الأحكام، وعلى ذلك إذا صدر حكم تحكيم أجنبي غير خاضع لأحكام قانون التحكيم المصري بأن صدر في الخارج ولم يتفق الطرفان على خضوعه للقانون المصري وفقا للمادة (1) آنفة الذكر فإن المحاكم المصرية تكون غير مختصة بدعوى بطلانه” ([122]).

16- التطور التاريخي للتحكيم:

عرف التحكيم كصورة، بدائية للعدالة منذ أقدم العصور، حتي أنه سبق ظهور القواطين، والمحاكم، والدولة الحديثة. فعرفته أوربا قديما عند اليونان، والرومان، وفي الدول الشرقية عند البابلين، والأشوريين، وقدماء المصريين، والعرب قبل الإسلام. ثم وضعت قواعده بعد ظهور الإسلام في الفقه الإسلامي ثم طورته بعد ذلك التشريعات الوطنية والدولية. ويعتقد الفقهاء بأن التحكيم ظهر أول ما ظهر في اليونان القديمة ما بين القرنين السادس والرابع قبل الميلاد، وكان التحكيم اختياريا متروكا لتراضي المتخاصمين ([123]). فعرف التحكيم منذ قدم الأزل لدى قدماء اليونان، والإغريق كوسيلة لفض المنازعات، بين الأفراد في المعاملات الداخلية، حيث كان يلزم كل مواطن من مواطني أثينا بتسجيل اسمه في قوائم المحكمين، للقيام بمهمة التحكيم، لتخفيف العبء عن المحاكم الشعبية، ويتم اختيارهم بالقرعة بواسطة أطراف التحكيم لعرض نزاعهم، وأوجه دفاعهم عليهم. ولكن يشترط في المحكم أن يكون قد بلغ الستين من عمره. قد عرف الإغريق المحكم المنفرد، وكان قرار المحكم قابلا للاستئناف أمام المحاكم الشعبية. وكذلك في المعاملات الخارجية على شكل مجلس تحكيم دائم يتولى حسم المنازعات التي تحدث بين دويلات المدن اليونانية ([124]).

كما عرف الرومان التحكيم الاختياري في مسائل القانون الخاص، وكان التحكيم في تلك الفترة دائما في العقود الرضائية مثل؛ البيع، والإجارة، والوكالة، والشركة، إلا أن حكم المحكم لا يتمتع بقوة التنفيذ. وكان على من يربح دعواه أن يعمد إلى القيام بإجراءات تنفيذ الحكم، وكان يترتب على عدم تنفيذ قرار التحكيم ملاحقه الطرف الممتنع عن التنفيذ بدعوى لدفع غرامة أو عقوبة مالية بمقتضى اشتراط اتفاق التحكيم، وأنكروه في المجال الدولي بسبب إنكارهم لمبدأ مساواة الدول. وفي القرون الوسطى مارست الجماعات المحلية الأوربية التحكيم في المنازعات بين الأفراد، ثم أخذت فكرة التحكيم في التطور، فكانت الدول الأوربية المسيحية تحتكم إلى البابا أو الإمبراطور أو هيئات تحكيم خاصة لفض منازعاتها ([125]).

وعرف نظام التحكيم في الحضارات القديمة؛ فقد عرفه قدماء المصريين، والبابليين، والآشوريين، و العرب في الجاهلية قبل الإسلام، فكان يلجأ إليه الأفراد والقبائل في نزاعاتهم فيما بينها، كان التحكيم اختياريا، وكان متروك للخصوم حرية اختياره. والتاريخ القبلي للمجتمعات العربية قبل الإسلام حافل بالأمثلة التحكيمية، كتحاكم قريش إلى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم قبل بعثته، عندما تنازعت الشرف في وضع الحجر الأسود في مكانه عند بناء الكعبة. وكان يلجا إلى تحكيم، شيوخ العشائر والقبائل أو رجال الدين، نظرا لمكانتهم الاجتماعية أو الدينية، واقتبسوه من الفرس، والروم. ومن صور التحكيم عند العرب قبل الإسلام؛ الاحتكام إلى الآلهة، اعتقاد منهم بأن الكاهن يستطيع بما يعلمه من غيب، أن يعلم الظالم من المظلوم. والاحتكام إلى النار، اعتقادا منهم بأن النار تأكل الظالم، ولا تمس البريء بسوء ([126]).

وأخذ نظام التحكيم يتطور رويدا رويدا إلى أن وصل إلى الصورة الحديثة التي عليها اليوم، وأصبح في العصر الحديث وسيلة بديلة لقضاء الدولة في حسم المنازعات. ونظمته تشريعات غالبية دول العالم في قوانينها الداخلية، والاتفاقيات الدولية، إلى جانب ظهور مؤسسات تحكيم وطنية، ودولية منتشرة في جميع أرجاء العالم. وقد شهدت الآونة الأخيرة حرية تشريعية، وفقهية نشطة في مختلف الدول، و أفردت بعض الدول قانونا مستقلا للتحكيم، بينما آثرت دول أخرى تنظيمه في إطار قانون المرافعات. كما اهتمت بتدريسه المعاهد العلمية. وظهرت العديد من المؤلفات، ونشأت هيئات متخصصة في التحكيم ذات أنظمة ولوائح معترف بها دوليا.

وفي مصر نظم التحكيم في قانون المرافعات الصادر في 13 نوفمبر 1883 م في 26 مادة هي المواد من 702 حتى 727 منه. ثم بعده قانون المرافعات القديم رقم 77 لسنة 1949 م في 32 مادة هي المواد من 818 حتى 850. ثم من بعده قانون المرافعات الجديد رقم 13 لسنة 1968 م في 13 مادة، هي المواد من 501 حتى 513 إلى جانب القانون رقم 97 لسنة 1983 م بشأن التحكيم الإجباري في المنازعات بين هيئات ومؤسسات القطاع العام في المواد من 56 حتى 69 منه. وأخيرا نظمه بتنظيم مستقل وكامل في قانون التحكيم المصري رقم 27 لسنة 1994 م وتعديلاته. وفي فرنسا تولى قانون المرافعات الفرنسي الجديد تنظيم التحكيم الداخلي منذ عام 1980 م في المواد من 1442 حتى 1491 منه، وتنظيم التحكيم الدولي منذ عام 1981 م في المواد من 1492 حتى 1507 منه.

أما في المملكة العربية السعودية، دينهـا الإسلام، ولغتها العربية، وتطبق المذهب الحنبلي، ونظام الحكم فيها ملكي يقوم علي أساس البيعة والشورى والعدل والمساواة وفق الشريعة الإسلامية، ودستورها القرآن الكريم والسنة النبوية، وتقويمها هو التقويم الهجري، وتصدر وتعدل وتلغى الأنظمة (القوانين) فيها بموجب مراسيم ملكية تصدر من جلالة الملك بعد دراستها من مجلس الشورى ومجلس الوزراء، وتنشر في الجريدة الرسمية (جريدة أم القرى) وتكون نافذة المفعول من تاريخ نشرها مالم ينص على تاريخ آخر. فقد تولى نظام المحكمة التجارية السعودي الصادر بالأمر السامي رقم (32) بتاريخ 15/1/1350 ه الموافق 2/6/1931 م تنظيم التحكيم بشكل مختصر و موجز في المواد من (493 حتى 497). كما عرفت التحكيم العمالي لفض المنازعات العمالية، حيث أقرته المادة (183) من نظام العمل الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م /21) بتاريخ 6/9/1389 ه الموافق 16/11/1969 م. وبتطور الحياة الاقتصادية والسياسة بالمملكة ظهرت الحاجة إلى وضع نظام تحكيم متكامل، حيث صدر أول تنظيم للتحكيم والذي تضمنه نظام الغرف التجارية الصناعية الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/6) بتاريخ 22/4/1400 ه الموافق 10/3/1980 م ثم صدرت لائحته التنفيذية بموجب قرار وزير التجارة رقم 1871 بتاريخ 22/5/1401 ه الموافق 28/3/1981 م. ثم بتاريخ 12/7/1403 ه الموافق 25/4/1983 م صدر نظام التحكيم السعودي في عهد الملك / فهد بن عبد العزيز -رحمه الله- بالمرسوم الملكي رقم (م/46)، وقد اشتمل هذا النظام على خمس وعشرين مادة، ثم صدرت لائحته التنفيذية بموجب قرار مجلس الوزراء رقم 7/21 20/ م بتاريخ 8/9/1405 ه وتضمنت شرح وتفصيل النظام، والتي نشرت بالجريدة الرسمية (جريدة أم القرى) في عددها (3069) بتاريخ 10/10/1405 هـ. وقد أظهر التطبيق العملي قصورا في أحكام هذا النظام مما أدى إلى ضعف القناعة بجدوى التحكيم بسبب جواز الاعتراض على حكم التحكيم لدى المحكمة القضائية المختصة أصلا بنظر النزاع للفصل فيه شكلا وموضوعا، وعلى درجتي التقاضي. مما أفقد التحكيم ميزة السرعة والسرية بسبب المادتين (18) و (19) من هذا النظام. وأخيرا يأتي ضمن مساعي خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز المستمرة لتحسين وتطوير آليات عمل مرفق القضاء، والوسائل البديلة لفض المنازعات؛ فصدر نظام التحكيم السعودي الجديد بالمرسوم الملكي رقم (م / 34) بتاريخ 24/5/1433 ه الموافق 16/4/2012 م، وجاء مواكبا لركب الأنظمة الدولية والإقليمية في مجال التحكيم، ومحققا لنقلة نوعية في مجال التحكيم السعودي، ومتجاوزا للثغرات والعيوب التي كانت في نظام التحكيم السعودي السابق. ويتكون من ثمانية أبومب تحتوي على ثمان وخمسون مادة نظامية تبدأ بالأحكام العامة، واتفاق التحكيم، وهيئة التحكيم، وإجراءات التحكيم، وإجراءات الفصل في الدعوي التحكيمية، وبطلان حكم التحكيم، وحجية أحكام المحكمين وتنفيذها، ثم أحكام ختامية.

17- مشروعية التحكيم في الفقه الإسلامي:

أقرت الشريعة الإسلامية التحكيم كوسيلة لفض المنازعات. وقد جاءت مشروعيته بالقرآن الكريم، وبالسنة النبوية، وبالإجماع، وبالمعقول.

– في القرآن الكريم: قوله تعالى (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا) ([127]). بهذه الآية أمرنا الله سبحانه وتعالى باللجوء إلى التحكيم بين الزوجين – فابعثوا أمر يفيد الوجوب – إذا ما خيف وقوع النزاع والشقاق بين الزوجين، وذلك ببعث حكما صالحا عدلا من أهل الزوج، وحكما عدلا صالحا من أهل الزوجة. واذا ما جاز التحكيم بين الزوجين فدل على جوازه في سائر الحقوق والدعاوى. وقال الإمام القرطبي رحمه الله: إن هذه الآية دليل إثبات التحكيم ([128]). وقوله تعالى (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) ([129]) أقسم الله سبحانه وتعالى بنفسه في تلك الآية على أن هؤلاء القوم لا يكونوا مؤمنين حتى يجعلوا رسول الله حكما بينهم للفصل فيما نشب بينهم من نزاعات. وقوله تعالى (فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا) ([130]) الله سبحانه وتعالى بنص مطلق يخير رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم في الحكم بين أهل الكتاب اليهود أو الإعراض بدون ضرر في الدين أو في الدنيا أو جزاء يوقع عليه أو إلزام، إذ أن المحكم بالخيار بين قبول أو رفض المهـمة التحكيمية.

(ب)- في السنة النبوية: ما روى من أن أبا شريح هاني، بن يزيد رضي الله عنه لما وفد إلى النبي صلى الله عليه وسلم مع قومه، فسمعهم يكنونه أبا الحكم فقال النبي: “إن الله هو الحكم، وإليه الحكم، فلم تكنيت بأبا الحكم؟ فقال: أن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم فرضي كلا الفريقين. فقال الرسول: ما أحسن هذا ! فما لك من الولد؟ قال: لي شريح، ومسلم، وعبد الله. فقال الرسول فما أكبرهم؟ قال: شريح، فقال الرسول: أنت أبو شريح، ودعا له ولولده”. فدل هذا الحديث الشريف على مشروعية لتحكيم بإقرار، واستحسان النبي له، وثنائه على فعل أبي شريح دليل على جواز التحكيم ([131]).

وما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “من حكم بين اثنين تراضيا به فلم يعدل بينهما فهو ملعون”. دل هذا الحديث الشريف على مشروعية التحكيم، والزام المحكم الحكم بالعدل، والا فعليه لعنة الله ([132]).

وما رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: “نزل بنو قريظة على حكم سعد ابن معاذ فأرسل النبي لسعد فأتى على حمار فلما دنا من المسجد قال الرسول: هؤلاء نزلوا على حكمك، فقال: تقتل مقاتلهم، وتسبي زراريهم، فقال الرسول: قضيت بحكم الله” فدل هذا الحديث على مشروعية التحكيم، وجوازه. إذا لو لم يكن مشروعا لما عمل الرسول بحكم سعد بن معاذ، ولما نفذ الحكم فيهم ([133]).

وهكذا تكون السنة النبوية الشريفة بأنواعها الثلاثة؛ القولية، والعملية، والتقريرية، قد دلت على مشروعية التحكيم كوسيلة بديلة لفض المنازعات.

(ج)- الإجماع: أجمع فقهاء الأمة الإسلامية منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم على جواز التحكيم، ومشروعيته، وعلي وقوعه من الرسول، والصحابة، ولم ينكره أحد؛ فكان إجماعا سكوتيا، وقد وقع من الصحابة رضوان الله عليهم قضايا تحكيمة كثيرة في؛ جزاء الصيد، والشقاق بين الزوجين، والحقوق الخاصة ([134]).

(د)- المعقول: الغرض من تشريع التحكيم فض المنازعات بين أطراف التحكيم دون بغضاء وشحناء، وبذلك يحقق مصلحتين: عامه بتخفيف العبء عن القضاء، وخاصة بفض منازعات الأفراد بسرعة، وإجراءات أسهل، وسرية تامة، وإصلاح ذات البين فيما بين أطراف التحكيم. كما أن فيه توسعة وتخفيفا على القضاة حيث ينظر في الخصومة محكمون متفرغون لنظرها. واذا كان الخصمان اللذان يختاران التحكيم لهما ولاية على أنفسهما، فبالتالي يجوز لهما تعيين من يحكم بينهما في منازعتهما أو ما ينشأ بينهما من منازعة، لأن التحكيم ولاية تستفاد من آحاد الناس. كما أنه إذا كان الخصمان يجوز لهما أن يستفتيا في قضيتهما فقيها يعملان بفتواه فكذلك تحكيهما لغيرهما في منازعتهما جائز ([135]).

18- الطبيعة القانونية للتحكيم: ثار خلاف في الفقه حول الطبيعة القانونية للتحكيم، ويرجع هذا الخلاف إلى تعدد المراحل التي يمر بها نظام التحكيم، واختلاف طبيعة كل مرحلة من مراحله. فالتحكيم يبدأ باتفاق الأطراف على اللجوء إلى التحكيم، ويسير بإجراءات، وينتهى بحكم ملزم للأطراف له حجية الأمر المقضي. وبذلك فالتحكيم نظام قانوني تعاقدي في نشأته، وقضائي في وظيفته.

ويعتبر اتفاق التحكيم هو المصدر المباشر لسلطة المحكم، وأن القانون هو المصدر غير المباشر لها، ولذا يعتبر عمل المحكم بالمهمة التحكيمية تنفيذا لاتفاق التحكيم. واذا كان ما يميز التحكيم كقضاء خاص موازى لقضاء الدولة عن الوسائل البديلة الأخرى في حسم المنازعات مثل: الصلح، والتوفيق، والوساطة، و…هو تمتع المحكم بسلطة حسم النزاع بين أطراف التحكيم، بحكم ملزم للأطراف، له حجية الأمر المقضي. فهل معنى ذلك أن طبيعة وظيفة المحكم تماثل طبيعة وظيفة القاضي، أم أنها ذات طبيعة خاصة ؟ وما أثر ذلك في تحديد نطاق مسئولية المحكم المدنية ؟ ويعتمد تكييف الطبيعة القانونية لوظيفة المحكم بشكل أساسي على التكييف القانوني للحكم الذي يصدره، والطبيعة القانونية لنظام التحكيم برمته.

وقد ثار خلاف في الفقه والقضاء استمر لفترة طويلة بغية تحديد طبيعة عمل المحكم، ومبعث هذا الخلاف هو أن جانب من الفقه يرى في حكم التحكيم مجود عمل اتفاقي، ومن ثم ذهب إلى تكييف مهمة المحكم بأنها تعاقدية، بينما جانب آخر من الفقه اعتبر حكم التحكيم عملا قضائيا فذهب إلى تكييف مهمة المحكم بأنها قضائية. وسبب هذا الخلاف هو كون التحكيم تعاقدي النشأة، قضائي الوظيفة ([136]).

ويعتبر التحكيم وسيلة بديلة لقض المنازعات، يحل فيها التحكيم محل قضاء الدولة، في تحقيق الحماية للحق المتنازع فيه. إلا أن الفقهاء اختلفوا حول تكييف وظيفة التحكيم، أي تحديد طبيعتها القانونية. ويرجع مبعث هذا الخلاف في أن التحكيم نظام تعاقدي في نشأته، ونظام قضائي في وظيفته. أي أنه قضاء خاص اتفاقي. فغلب بعض الفقه الجانب التعاقدي على الجانب القضائي (النظرية العقدية). في حين غلبت آراء أخرى الجانب القضائي على الجانب التعاقدي (النظرية القضائية). وحاول فريق ثالث المزج بينها (النظرية المختلطة). وذهبت آراء أخرى للقول بأن التحكيم نظام مستقل بطابع خاص، وهذا الخلاف له نتائج عملية. فلو اعتبر التحكيم من طبيعة عقدية لكان معنى ذلك أن المحكم وكيل عن الخصم، ولو اعتبر التحكيم من طبيعة قضائية فإن المحكم يعتبر قاضيا…لذا تتطلب منا دراسة الطبيعة القانونية لعمل المحكم التعرض للاتجاهات المختلفة، والتي احتلت مكانا بارزا بين المؤلفات الفقهية، وشغلت وما زالت أذهان الفقه العربي، والأجنبي في محاولة للترجيح بينها.

(1)- النظرية العقدية: يذهب جانب من الفقه المصري، والفرنسي، ومحكمة النقض الفرنسية قديما في القليل من أحكامها إلى أن نظام التحكيم ذاته له طبيعة تعاقديه، استنادا إلى أن أساس التحكيم هو إرادة أطراف التحكيم، ومصدر سلطة المحكمين هو اتفاق التحكيم، ويعتبر المحكمين أفراد عاديين، يتم اختيارهم بإرادة الأطراف لتحقيق مصلحة خاصة، هي حل النزاع بطريقة ودية بين أطراف اتفاق التحكيم. كما أن حكم التحكيم ذاته يستمد أثره وقوته من رضاء أطراف التحكيم، و لا يتمتع بقوة تنفيذية، بل يلزم صدور أمر بتنفيذه من قضاء الدولة. فأساس تلك النظرية يرجع إلى حرية الأطراف في اختيار التحكيم كوسيلة لفض المنازعات، وفي اختيار المحكمين، وفي اختيار مكان، وزمان، ولغة، وإجراءات، وقانون التحكيم. كما أن المحكم يستمد سلطاته، واختصاصاته من اتفاق التحكيم. فالمحكم شخص عادي، وليس قاضيا، يستطيع رفض القيام بمهمة التحكيم، دون أن يكون منكرا للعدالة، ولا يستطيع توقيع جزاء على أي خصم، ولا يتمتع بسلطة الأمر، ولا يتقيد بالأشكال الإجرائية القضائية. فعمل المحكم لا يخرج عن كونه تنفيذا لاتفاق التحكيم، والذي يستمد سلطاته منه. فأنصار هذه النظرية يغلبون المصدر على الوظيفة ويسبغون على التحكيم الطابع العقدي، وعليه فإن مركز الثقل في نظام التحكيم بكل جوانبه المعقدة هو اتفاق التحكيم ([137]).

ولكن يعيب هذه النظرية مبالغتها في إرادة أطراف التحكيم بإعطائها الدور الرئيسي في التحكيم. علما بأن مهمة المحكم هي الكشف عن إرادة القانون، وليس إرادة الأطراف فقط، بتولي نظر النزاع والفصل فيه بحكم ملزم.

(2)- النظرية القضائية: ذهب جمهور الفقه المصري، والفرنسي، ومحكمة النقض المصرية، ومحكمة النقض الفرنسية إلى أن؛ وظيفة المحكم وظيفة قضائية، وأن كانت تستند إلى اتفاق تحكيم. وأنصار تلك النظرية يغلبون الوظيفة على المصدر، ويسبغون على التحكيم الطابع القضائي. فالتحكيم قضاء إلى جانب قضاء الدولة بتفويض من المشرع، وحكم المحكم حكم ملزم يجوز حجية الأمر المقضي كالحكم القضائي، كما أن المحكم يرد بنفس أسباب رد القاضي، فمهمة المحكم بالفصل في النزاع هي مهمة قضائية، حتى وان ظل لاتفاق التحكيم ولعقد التحكيم المبرم بين الأطراف والمحكم الطبيعة العقدية، وذلك بالنظر إلى طبيعة المهمة الموكولة إلى المحكم، أي بالنظر إلى طبيعة مهنة المحكم، وهى حسم المنازعات. وتعتبر هيئة التحكيم هيئة قضائية متخصصة بالمعنى الصحيح، فالتحكيم نوع خاص من أنواع القضاء إلى جانب قضاء الدولة، ويخضع للقواعد العامة للقضاء الواردة في قانون المرافعات. فالتحكيم قضاء لأنه يصدر حكم ملزم، و باعتراف المشرع له بولاية القضاء بصفة مؤقتة. والمحكم لا يستمد سلطته من اتفاق التحكيم فقط، وإنما من إرادة المشرع التي تعترف به، وتجعل لحكمه حجية الأمر المقضي. فالقانون ينظم نوعين من القضاء: قضاء المحاكم، وقضاء التحكيم، وكلا من القضاء، والتحكيم يؤدي وظيفة واحدة هي الفصل في المنازعات، وتطبيق القانون على وقائعها. فالتحكيم قضاء ملزم للأطراف يحل محل قضاء الدولة، و يقوم بذات الوظيفة التي يقوم بها قضاء الدولة. والتحكيم يستمد وجوده من اتفاق التحكيم الذي يعتبر مجرد آلية لتحريك نظام التحكيم الذي هو أصلا نظام قضائي، ونصوص قانون التحكيم ([138]).

يجب ملاحظة أن هذه النظرية لا تعمم الطبيعة القضائية على كل مكونات عملية التحكيم، وإنما تقصر إسباغ الطبيعة القضائية على العمل الذي يصدر عن هيئة التحكيم، وبالتالي استبعاد إضفاء الطبيعة القضائية على اتفاق التحكيم، والعقد المبرم بين الأطراف، والمحكم، إذ يبقى لهذين العقدين الطبيعة العقدية. و يجب عدم الخلط بين عقد التحكيم، واتفاق التحكيم، وعملية التحكيم ذاتها. فبموجب اتفاق التحكيم يحل قضاء التحكيم محل قضاء الدولة، فاتفاق التحكيم ما هو إلا نقطة انطلاق، ومحرك لنظام التحكيم، وبعدها ينطلق التحكيم، ويأخذ الطبيعة القضائية ([139]).

ولكن يعيب هذه النظرية عدم تمتع المحكم بسلطة الأمر والجبر والإلزام التي يتمتع بها القاضي. فلا يستطيع المحكم إلزام شاهد بالحضور، ولا إلزام الغير بتقديم مستند تحت يده …وقد نص قانون التحكيم المصري رقم 27 لسنة 1994 م في (م 25 إلى 29) منه، والقانون الفرنسي الصادر في 1980 م في (.art. 1469 N. C. P. C. F) على الطبيعة القضائية للتحكيم. باعتبار أن مهمة المحكم في الفصل في نزاع، وربط التحكيم بوجود النزاع، وأن عمل المحكم عمل قضائي، وحكمه حكم قضائي ملزم يحوز حجية الأمر المقضي من حيث الموضوع والشكل.

(3)- النظرية المختلطة: ذهب أنصار تلك النظرية إلى أن التحكيم نظام مختلط؛ يبدأ باتفاق، ثم يسير بإجراء، وينتهي بقضاء، هو حكم ملزم لأطراف التحكيم. طبيعة التحكيم مختلطة، تتبادل عليه قواعد العقد، وقواعد القضاء معا. وتظهر قواعد العقد في اتفاق الأطراف على التحكيم كوسيلة لفض النزاع، واختيارهم للقانون الإجرائي والموضوعي الواجب التطبيق على التحكيم. كما تظهر قواعد القضاء في تدخل قضاء الدولة بالمساعدة، والرقابة، وإصدار أمر بتنفيذ حكم التحكيم لمنحه القوة التنفيذية، ويباشر المحكم مهمته التحكيمية طبقا لمقتضيات الوظيفة القضائية. وبذلك فنظام التحكيم لا يعتبر من طبيعة تعاقدية محضة، ولا من طبيعة قضائية محضة، وإنما هو نظام مختلط بينهما، فهو نوع من القضاء الخاص أساسه اتفاقي ([140]).

وأساس فكرة الطبيعة المزدوجة للتحكيم ترجع إلى أنه اتفاقي النشأة، قضائي الوظيفة، إلا أن تلك النشأة الاتفاقية لا تؤثر على سلطات المحكم القضائية. أي أن التحكيم قضاء خاص ذو نشأة اتفاقية، والمحكم عندما يصدر حكمه يقوم بوظيفة قضائية فوضت إليه من قبل أطراف التحكيم بهدف حسم النزاع. فهذه النظرية تسعى للتوفيق بين النظريتين السابقتين العقدية، والقضائية. فالتحكيم يبدأ باتفاق تنطبق عليه أحكام النظرية العامة للعقد، وينتهي بحكم ملزم يخضع لقواعد المرافعات من حيث آثاره، ونفاذه، وإجراءاته، وتنفيذه. واتفاق التحكيم يرجح طابعة العقدي بينما هو قضائي من حيث أنه يلزم الأطراف بقوة تختلف عن قوة العقد، بذلك يحتل التحكيم موقعا وسطا بين الطبيعة العقدية، والطبيعة القضائية. ولكن يعيب هذه النظرية أنها لم تتصدي لجوهر المشكلة، وإنما اختارت ايسر الحلول. وذلك بالجمع بين النظرتين العقدية، والقضائية أي بدمج نظامين مختلفين في نظام واحد ([141]).

(4) – نظرية الاستقلال: ذهب أنصار تلك النظرية إلى استقلالية التحكيم بنظامه، وأصالته في إقامة العدل بين الأطراف فظهر التحكيم قبل القضاء، وانتشر شيوع التحكيم المؤسسي حتى بعد ظهـور القضاء بمراكزه وهيئاته الدولية والوطنية، وأصبح موازيا لقضاء الدولة. وان كان أساس التحكيم اتفاق الأطراف، إلا أنه لا يفقد ذاتيته الخاصة. ويؤكد واقع التجارة الدولية الآن على أصالة واستقلال التحكيم كقضاء حقيقي خاص لفض المنازعات في عقود التجارة الدولية ذات الشكل النموذجي. فالتحكيم وسيلة قانونية متميزة لفض المنازعات، يستمد أساسه من اتفاق التحكيم، وذلك على خلاف العمل القضائي. كما أن الواقع الدولي والوطني قد أثبت أن للتحكيم، والمحكم طبيعة عمل خاصة جعلته نظاما مستقلا قائما بذاته، وأصبح التحكيم أداة متميزة ومستقلة لحل المنازعات. فالتحكيم يسير موازي لقضاء الدولة، ويؤدي نفس الدور، ويحقق ذات الغاية، ولكنه لا يلتقي معه، لأنه نظام قانوني مختلف في طبيعته عن القضاء. لذلك لا يجوز تطبيق قواعد القضاء على التحكيم إلا على سبيل القياس، وبشروطه، عند وجود فراغ تشريعي في القوانين الخاصة بالتحكيم ([142]).

وبذلك فالتحكيم طريق خاص للتقاضي بديل للقضاء في حدود معينة، و له من القواعد والأحكام ما يتناسب مع طبيعته المستقلة، ونظمه المشرع بقانون التحكيم المصري رقم 27 لسنة 1994 م، والذي يعتبر الشريعة العامة للتحكيم في المواد المدنية والتجارية، والذي تم تعديل بعض نصوصه بالقانون رقم 9 لسنة 1997 م. و من قبله نصوص قانون  المرافعات رقم 13 لسنة 1968 م، في المواد من 501 وحتى 513 منه، والتي تم إلغاؤها. فالتحكيم نظام أصيل متحرر من العناصر التعاقدية، والقضائية، كما أن اتفاق التحكيم ليس عقدا مدنيا لأن العقد المدني لا يرتب آثار إجرائية.

بعد دراسة النظريات السابقة التي تعرضت لطبيعة عمل المحكم في القانون الوضعي نجد أنها رغم احترام الخلاف بينها، إلا أنها متفقه فيما بينها على تعريف موحد للتحكيم، وان اختلفت العبارات والصيغ بأنه: “اتفاق طرفي التحكيم على عرض منازعاتهم على محكم أو أكثر من اختيارهم لحسم النزاع بينهم بحكم ملزم بغير طريق قضاء الدولة”. التحكيم نظام مستقل قائم بذاته له مميزاته الخاصة به وأحكامه، بينما القضاء الرسمي نظام آخر له أحكامه، ومميزاته الخاصة به، مع وجود علاقة خاصة بينهما تجعل من القضاء مشرفا، ورقيبا على التحكيم ومعاونا له (إشراف ورقابة).

وما يشهده العالم اليوم من زيادة في العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والتجارية بين الدول، وما يتطلبه ذلك من ثقة، وسرعة في التعامل، وبسبب قصور القضاء الرسمي عن تلبيه هذه المتطلبات، فإن ذلك فرض على المجتمع الدولي الاعتراف للتحكيم بطبيعته الخاصة المستقلة، وجعله نظاما قائما بذاته. ومن أجل ذلك، وضعت القوانين الوطنية، والاتفاقيات الدولية للتحكيم لتنظيمه باعتباره نظاما مستقلا قائم بذاته مثل قانون اليونسيرال الذي وضعته لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي عام 1985 م، وقانون التحكيم المصري رقم 27 لسنة 1994 م، الذي اقتبس أغلب مواده من نصوص قانون اليونستيرال، وكذلك نظام التحكيم السعودي الجديد الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/34) بتاريخ 24/5/1433 ه/ 2012 ف.

المبحث الثاني

النظام القانوني للمحكم

19- تمهيد وتقسيم:

نتناول في النظام القانوني للمحكم: تعريف المحكم في اللغة، والاصطلاح، وشروطه، وتمييزه عن غيره، وكيفية اختياره، وعقد التحكيم المبرم بين المحكم، وأطراف التحكيم، وانقضائه، والتمييز بين المحكم وبين غيره من النظم القانونية المشابهه، حقوق المحكم، والتزامات المحكم…

20- تعريف المحكم:

– تعريف المحكم في اللغة: المحكم – تشديد الكاف مع الفتح – هو الذي يفوض إليه الحكم في الشرع، أي الحكم والفاصل. وتحكم في الأمر: حكم فيه، ويطلق الحكم على من يختار للفصل بين المتنازعين. وحكمه في ماله تحكما: إذا جعل إليه الحكم فيه ([143]).

(ب)- تعريف المحكم في الاصطلاح: فالمحكم هو شخص يتمتع بثقة أطراف التحكيم بتولي سلطة الفصل في نزاع معين أو أكثر بحكم ملزم ([144]). أو هو شخص يعهد إليه طرفي التحكيم بالفصل في النزاع بينهما بحكم ملزم. وقد عرفت محكمة النقض المصرية المحكم بأنه: “هو شخص ليس طرفا في خصومة التحكيم، يتمتع بثقة أطراف التحكيم ويفصل فيما شجر بينهم بحكم يحوز حجية الشيء المحكوم به بمجرد صدوره” ([145]). فهو شخص طبيعي قد يكون فردا أو أكثر يتولى مهمة الفصل في النزاع، بإصداره حكم تحكيم ملزم.

فالمحكم تثبت له ولاية الفصل في النزاع، فيلتزم المحكم أمام أطراف التحكيم بالفصل في النزاع بحكم حاسم ملزم له يفرض على أطرافه. فالمحكم ليس وكيلا عن أطراف التحكيم ولا يعمل باسمهم، ولا لحسابهم. كما أنه ليس مقاولا أو عاملا لديهم، أو لا حتى وسيطا بينهم، وإنما هو يتولى الفصل بينهم في النزاع المعروض عليه بحكم حاسما له – وفقا لما يراه محققا للعدالة أو طبقا لما تقضي به قواعد القانون – حائزا لحجية الأمر المقضي وملزما للخصوم. ولا يعتبر المحكم موظفا عاما، ولا قاضيا بالمعنى الفني الدقيق، وبالتالي فلا يخضع في شروط تعينيه لقانون تنظيم القضاء، كما لا يحلف يمينا، ولا يلتزم بالقيام بمهمته بمجرد اختياره، بل يلزم لذلك قبوله. كما لا تسأل الدولة عن أعماله لأنه ليس تابعا لها، ولا يخضع لجريمة إنكار العدالة، ويتقاضى أتعابه من أطراف التحكيم، ويكون مسئولا تجاههم عن خطأه وفقا لقواعد المسئولية العقدية ووفقا لقواعد المسئولية التقصيرية في مواجهة الغير واذا حكم المحكم فإنه يستنفد ولايته بالنسبة للمسألة التي فصل فيها، فهو بعد الحكم لم يعد محكما ([146]). وهناك أنواع شتى من التحكيمات، مختلفة إلى درجة يصعب إيجاد. قواعد عامة للمحكمين معها، فلكل تحكيم قياساته، ولهذا لا يمكن أن تنطبق على جميع المحكمين تحكيمات “الثياب الجاهزة” بل لابد من تفصيل كل محكم على مقاس كل تحكيم ([147]).

21- شروط المحكم:

– شروط المحكم عند العرب قبل الإسلام: أن يكون من أهل الفصاحة، والبلاغة، والبيان. وأن يكون له معرفه بأحوال الناس، ومآثرهم، ومفاخرهم. وأن يكون ذا مكانة اجتماعية مرموقة من أهل الشرف، والرئاسة، والمجد، والعصبية القوية، وأن يكون عريق النسب، والزعامة، والقيادة، والحكمة، والكرم، والتواضع، وكثرة الثروة، والعزوة. وأن يكون ذا خبرة، وتجرية سابقة، قادرا على استنباط الأحكام. وأن يتصف بسرعة البديهة، والقدرة على التحليل، واستخلاص النتائج. وأن يكون من أهل الصدق، والأمانة، والعدل، والنزاهة، والفطنة، والذكاء ([148]).

(ب)- شروط المحكم في الشريعة الإسلامية: اشترط جمهور الفقه الإسلامي عدة شروط يجب توافرها في الشخص ليكون محكما – نفس شروط القاضي – وهي: البلوغ، والعقل، والإسلام، والعدالة، والاجتهاد، وسلامة الحواس، والذكورة، والحرية، … وهذه الشروط يجب توافرها من وقت تولية المحكم التحكيم إلى وقت الحكم. فهي شروط تعيين، واستمرار. فإذا كان المحكم أهلا وقت التحكيم ثم زالت أهليته قبل الحكم بطل التحكيم. وعلى ذلك فالمحكم بمنزلة القاضي ويشترط فيه ما يشترط في القاضي؛ فالمحكم بالتحكيم صار قاضيا حتى وان كانت ولايته ولاية خاصة، وبيان هذه الشروط بالتفصيل المناسب على النحو التالي: –

(1)- العقل والبلوغ: يشترط في المحكم العقل والبلوغ. فلا يجوز تحكيم الصبي، ولا المجنون لعدم التمييز منهما، كما أنه لا ولاية لأحدهما على نفسه، فمن باب أولى أن لا تكون له ولاية على غيره. فيجب أن يكون المحكم صحيح التمييز جيد الفطنة، بعيدا عن السهو والغفلة، وأن يكون مكلفا، للأثر المروي عن علي كرم الله وجهه أنه قال لعمر ابن الخطاب رضي الله عنه: “أما علمت أن القلم رفع عن ثلاث: عن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ”. ولأن العقل مناط التكليف، ومصدر التفكير، وحسن التقدير والتصرف. ولحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: “تعوذوا بالله من رأس السبعين، ومن إمارة الصبيان”. والتعوذ لا يكون إلا من شر وفساد ([149]). وعلي ذلك إذا حكم الخصمان صبيا أو مجنونا فلا يصح تحكيمهما، واذا قضيا لا ينفذ حكمهما، حتى وأن أصابا الحق، لأن التحكيم يتطلب بعد نظر ودقة وخبرة كبيرة، وكما لا تحوز شهادتهم فلا يجوز تحكيمهم.

(2)- الإسلام: يشترط في المحكم أن يكون مسلما، وعلى ذلك لا يجوز تحكيم الكافر ليفصل في أطراف التحكيمات بين المسلمين، لأن الكافر لا تصح شهادته على المسلم، ومن ثم فلا تجوز شهادته، ولا يصح تحكيمه، ولقول الله تعالى (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) ([150]). كما لا يجوز تحكيم الكافر لو كان أحد طرفي اطراف التحكيمية مسلما فلا يصح تولية غير المسلم للحكم بينهما. فإذا حكم مسلمان كافرا فإن ولايته غير صحيحة، واذا حكم فإن حكمه غير صحيح. فالإسلام شرط في صحة التولية وصحة الحكم بينه وبين المسلمين، وهذا محل اتفاق بين الفقهاء الحنفية ([151])، والمالكية ([152])، والشافعية ([153])، والحنابلة ([154])، والظاهرية ([155]). وعند الأحناف يجوز تحكيم الكافر في حق الكافر لأنه أهل للشهادة في حقه، فتحكيم الذمي بين أهل الذمة دون المسلمين جائز ([156]).

(3)- العدالة: اشترط جمهور الفقهاء في المحكم أن يكون عدلا، إذ العدالة معتبرة في كل ولاية. والعدالة هي: اجتناب الكبائر، وعدم الإصرار على الصغائر، وغلبه الصواب، واجتناب الأفعال الخسيسة. أو هي: ملكه في النفس تمنع ارتكاب الكبائر، والإصرار على الصغائر الدالة على الخسة أو مباح يخل بالمروءة. أو هي: الاستقامة والصلاح في الدين والتحلي بالمرؤة. واشتراط العدالة في المحكم للمحافظة على أموال المتحاكمين إذا لو تم تعين محكم فاسق لا يوثق به لحكم بالظلم وأضاع المصالح وأكثر المفاسد، وذلك؛ لأن الفاسق لا تقبل شهادته لقوله تعالى (وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) ([157]). بالتالي لا يكون الفاسق قاضيا ولا محكما. ولقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا) ([158]). فالله عز وجل أمر المؤمنين بعدم قبول نبأ الفاسق أو الوثوق بقوله إلا بعد التبين واستطلاع الأمر، فلا يصح أن يكون المحكم ممن لا يقبل قوله، أو لا يوثق به حفاظا على حقوق الناس، وخوفا من انتشار الظلم، وضياع المصالح، وكثرت المفاسد، إلا أن بعض الأحناف، وبعض الحنابلة أجازو تحكيم الفاسق قياسا على جواز شهادته عندهم ([159]).

(4)- الاجتهاد: اشترط جمهور الفقهاء في المحكم أن يكون مجتهدا. والاجتهاد هو: بذل الجهد والوسع في تحصيل وادرك الأحكام الشرعية. فيجب أن يكون المحكم مجتهـدا، والا بطل حكمه، وإن وافق الحق. ولا ينفذ حكمه لعدم توافر شرط الاجتهاد في المحكم مثل القاضي، لقول الله تعالى (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) ([160]). فالمقلد في حكمه مقتف ما ليس له به علم. ولحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: “القضاة ثلاثة: اثنان في النار، وواحد في الجنة، قاض عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، وقاض قضى بجهل فهو في النار، وقاض عرف الحق وجار فهو في النار”. وهذا الرأي لبعض المالكية، والشافعية، والحنابلة، والظاهرية ([161]). إلا أن هناك قول آخر بجواز تحكيم الجاهل في حالة الضرورة، إذا شاور العلماء، إذا أن حكمه وفي هذه الحالة لا يعد حكم جاهل بل يعد حكما بما أنزل الله لقوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) ([162])، وعلى ذلك فإذا قضى الجاهل بدون مشاورة العلماء فحكمه باطل. واذا حكم الجاهل، ولم يصب في حكمه فعليه الضمان. أي إذا ترتب على حكمه إتلاف؛ فإن كان التالف عضوا فالدية على عاقلته، وإن كان المتلف مالا كان الضمان في ماله، وهذا القول للحنفية، وبعض المالكية، والشافعية ([163]).

(5)- سلامة الحواس (السمع، والبصر، والنطق): اشترط فقهاء الشريعة الإسلامية في المحكم كالقاضي سلامة الحواس، فيجب أن يكون سليم السمع والبصر والنطق، لأن بها يصح إثبات الحقوق، ويفرق بين الطالب والمطلوب، ويميز المقر من المنكر، ويتبين الحق من الباطل، ويعرف المحق من المبطل. فلا يجوز تحكيم الأعمى، أو الأصم، أو الأبكم. لأن الأعمى لا يكشف جال أطراف التحكيم، ولا يعرف الطالب من المطلوب، ولأن الأصم لا يسمح كلام أطراف التحكيم أو المشهود، ولأن الأبكم لا يمكنه النطق بالحكم، ولا يفهم جميع الناس إشاراته، والأخرس يكون غالبا أصم لا يسمع. واذا تولى الأعمى أو الأخرس أو الأطرش التحكيم بطلت ولايته، ولا ينفذ حكمه ([164]). إلا أن بعض الفقهاء يرون صلاحية الأعمى للتحكيم أو القضاء لأنه أهل للشهادة عندهم، وهم ابن حزم الظاهري، ورأي عند الإمامية، وبعض الشافعية، والحنابلة ([165]). كما ذهـب ابن حزم الظاهري إلى جواز تولية الأخرس للقضاء أو التحكيم إذا كان يفهم الإشارة الموجهة إليه، وكانت الإشارة الصادرة منه مفهومة ([166]).

(6)- الذكورة: اشترط جمهور الفقهاء المالكية ([167])، والشافعية ([168])، والحنابلة ([169])، الذكورة في المحكم كالقاضي. فلا يجوز تحكيم المرأة بناء على عدم جواز توليتها القضاء حتى فيما تجوز شهادتها فيه. فإذا ما وليت المرآة القضاء أو التحكيم يكون حكما باطلا. لقوله تعالى (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) ([170])، ولقوله تعالى (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى) ([171]). والله سبحانه جعل القوامة للرجال دون النساء في الآية الأولى، وفي الآية الثانية لم يجز شهادة المرأة في المعاملات المالية وحدها، ولحديث الرسول صلى الله عليه وسلم “لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة” ([172]). فالرسول نفى الفلاح عمن ولوا أمرهم امرأة. ولأن العمل في عهد رسول الله و صحابته والتابعين جرى على عدم جواز تحكيم المرأة، لأفه لا يليق بالمرأة أن تحضر مجالس الرجال لما يؤدي إلى ارتكاب محظور الاختلاط، والنظر، والخلوة، ولو كان ذلك جائزا ما خلا منه جميع الزمان، كما أن نقص قوامة المرأة يمنع من انعقاد الولايات لها ([173]).

إلا أن الأحناف ([174]) يرون جواز تحكيم المرآة فيما عدا الحدود و القصاص. بحجة أن المرأة تصح شهادتها عندهم فيما عدا الحدود والقصاص. فيصح تحكيمها طبقا لقاعدتهم من صحت شهادته صحت ولايته، بينما ذهب ابن حزم الظاهري ([175])، وابن جرير الطبري ([176]) إلى أن المرأة يجوز توليتها القضاء والتحكيم في كل شيء قياسا على جواز فتياها عندهم. و نرجح ما ذهب إليه جمهور الفقهاء نظرا لقوة أدلتهم.

(7)- الحرية: اشترط جمهور الفقهاء في المحكم أن يكون حرا. وبالتالي لا يجوز تحكيم العبد – يلاحظ أن الرق قد انتهى عهده – لأن العبد لا يلي امر نفسه، فلا يلي أمر غيره. إلا أن بعض المالكية أجازوا تحكيم العبد ([177]).

(8)- المعلومية: بان يكون المحكم معلوما؛ فلو حكم الخصمان أول من يدخل المسجد مثلا، لا يجوز بالإجماع، لما فيه من الجهالة، إلا إذا رضوا به بعد العلم فيكون حينئذ تحكيما لمعلوم ([178]).

(9)- أن يكون حليما عفيفا صلبا: يجب أن يكون المحكم صادق اللهجة، ظاهر الأمانة، عفيفا عن المحارم، متوقيا المآثم، مأمونا في الرضا والغضب، يغض طرفه عما يؤذيه، لا تمتد يده إلى رشوة أو هدية، شديدا في الحق، لا يميل إلى الهوى، ولا يكون جائرا، ولا ضعيفا… ([179]).

(10)- أن يكون المحكم عالما فطنا ذا رأى ومشورة وورع: ويكون عالما بأحكام الشريعة الإسلامية، خاصة القران والسنة والإجماع والقياس …وأن يكون كيسا فطنا، لأن عمله هو البحث عن الحقيقة، وهذا يتطلب قدرا كبيرا من الذكاء والاقتدار، ورعا، حسن الخلق، يخاف الله في كافة أقواله وأفعاله، حتى إذا حكم لا تأخذه في الله لومه لائم ([180]).

(ج)- شروط المحكم في القانون الوضعي: يجب توافر شروط معينة في شخص المحكم، والمشرع في (م 16) تحكيم مصري، و(م 14) تحكيم سعودي، و(م 15، 11، 16) تحكيم عماني، و(م 741) مرافعات ليبي، و(15،14) تحكيم أردني، و(م 206) إجراءات مدنية إماراتي، و(م 768) أصول محاكمات مدنية لبناني، و(م 13، 12) تحكيم سوري، و(م 10) تحكيم تونسي، و(م 174) مرافعات كويتي، و(م 255) مرافعات عراقي، و(م 21، 20) تحكيم يمنى، و(م 193) مرافعات قطري، و art. 1451. N. C. P. C. F.))، و(م 10) تحكيم موريتاني، و(م 8) من قواعد مركز دبى للتحكيم الدولي، و(الفصل 10) مجلة تحكيم تونسي، و(م 11، 10) تحكيم بحريني…لم يتناول كل الشروط بالتفصيل مما ترك للفقه والقضاء مجالا خصبا لاستكمال هذه الشروط.

(1)- يجب أن يكون المحكم كامل الأهلية المدنية الكاملة: يشترط في المحكم أن يكون كامل الأهلية في مباشرة حقوقه المدنية كالقاضي، فمهمة التحكيم لا تعهد إلا إلى شخص طبيعي يتمتع بالأهلية المدنية الكاملة، التي تبيح له مباشرة كافة حقوقه المدنية، لأنه يفصل في النزاع بحكم ملزم غير قابل للطعن فيه بأي طريق. وأن ورقة حكم التحكيم تعتبر ورقه رسمية، لا يمكن دحضها إلا بالطعن بالتزوير، وحتني ينزل حكمه منزلة الاحترام ويكون محل ثقه وهيبة. وقد ورد النص في (م 16 /1) تحكيم مصري على شرط الأهلية بقولها: “لا يكون المحكم قاصرا أو محجورا عليه أو محروما من حقوقه المدنية بسبب الحكم عليه في جناية أو جنحه مخلة بالشرف أو بسبب شهر إفلاسه ما لم يرد إليه اعتباره”. و(م 206) مرافعات إماراتي، و(م 768) أصول محاكمات مدنية لبناني، و (م 15 /أ) تحكيم أردني، و(م 13) تحكيم سوري، و(م 10) تحكيم تونسي، و(م 741) مرافعات ليبي، و(م 10) تحكيم موريتاني، و(م 174) مرافعات كويتي، و(م 255) مرافعات عراقي، و(م 14) تحكيم سعودي، و (art. 1451 al. 1. N.C.P.C.F.)، و(م 16، 3/6) تحكيم عماني، و(م 20) تحكيم يمنى، و(م 9) تحكيم فلسطيني.

يقصد بالأهلية صلاحية المحكم لمباشرة حقوقه المدنية باكتساب الحقوق والتحمل بالالتزامات. ويكون كامل أهلية الأداء، عاقلا بالغا لا يعتريه أحد عوارض الأهلية، وألا يكون المحكم محجورا عليه لأي سبب كان، كالسفه أو العته أو الجنون، وألا يكون قد حكم عليه بحكم نهائي، ولو لم ينفذ العقوبة لأي سبب في جناية أو جنحة مخلة بالشرف أو الأمانة ما لم يرد إليه اعتباره أو يحكم ببراءته، ولا يصح أن يكون المحكم قاصرا سواء كان مأذونا له بالإدارة أو غير مأذون له بها. ولا يصح لمن بلغ سن الرشد وخضع للقوامة بسبب الحجر. ولا يجوز للمحروم من حقوقه المدنية بسبب عقوبة جنائية في جريمة مخلة بالشرف أو للمفلس ما لم يرد إليه اعتباره أن يكون محكما. فالمحظور تعيينه محكما هو المحروم من حقوق المدنية بسبب الحكم عليه في جناية أو جنحة مخلة بالشرف، وليس المحروم من مباشرة حقوقه السياسية ؟ لأن الحرمان من مباشرة الحقوق السياسية لدوافع سياسية لا ينتقص من إرادة الشخص، ولا من كمال أهليته المدنية، فلا يشترط في المحكم أن يكون متمتعا بحقوقه السياسية. واذا كان المحكم أجنبيا تحددت أهليته طبقا لقانون جنسيته (م 11 مدنى مصري). يتعين اختيار محكما بديلا عند انتفاء صلاحية المحكم السابق لانتفاء أهليته ([181]).

ومرجع ضرورة شرط الأهلية؛ أن ناقص الأهلية لا يستطيع أن يلي أمر نفسه، فمن باب أولى أن لا يلي أمر غيره. كما أن المحكوم عليه في جناية أو جنحة مخلة بالشرف أو بسبب شهر إفلاس لا يتمتع بحسن السمعة والنزاهة والثقة التي يجب أن يتمتع بها المحكم. والمحروم من حقوقه المدنية فقط هو المحظور تعينيه محكما، وليس المحروم من مباشرة حقوقه السياسية، لأن حرمان الشخص من مباشرة حقوقه السياسية لدوافع سياسية لا ينتقص من إدراكه وتميزه، ولا ينال من كمال أهليته المدنية، ولا ينزل به منزلة ناقص الأهلية ([182]).

(2)- يجب أن يكون المحكم شخصا طبيعيا وطنيا أو أجنبيا: يجب أن يكون المحكم شخص طبيعي، سواء كان ذكرا كان أم أنثى، وطنيا أم أجنبيا، جاهلا أم متعلما، موظفا أم غير موظف، طالما لم يوجد فيه مانع قانوني يمنعه من القيام بمهمته، ما لم يتفق طرفا التحكيم أو ينص القانون على غير ذلك، ويطبق هذا الشرط في جميع أنواع التحكيم وطني أو دولي ([183]). وعلى ذلك فالشخص المعنوي سواء كان مركز أو شركة أو مؤسسة أو جمعية أو نقابة أو هيئة عامة أو غرفه تجارية …لا يجوز أن يكون محكما، لعدم قدرته على مباشرة التحكيم إلا عن طريق المحكمين المنتمين إليه، ويقوم الشخص المعنوي بتنظيم عملية التحكيم، دون أن يكون محكما (م 10) تحكيم موريتاني، و(م 768) أصول محاكمات مدنية لبناني، و (art. 1451 al. 1. N. C. P. C. F)؛ لأنه لا يتصور قيام الشخص المعنوي بمهمة التحكيم، وإصدار الحكم التحكيمي، وان استطاع تنظيم وإدارة عملية التحكيم، عند اللجوء إليه كمركز أو غرفة أو مؤسسة تحكيمية ([184]).

(3)- يجب أن يكون المحكم صالحا لما حكم فيه: لا يقصد بهذا الشرط خبرة المحكم؛ فخبرة المحكم ليست شرطا لتعينه، وإنما التمرس على إدارة عملية التحكيم، بكفاءة وتخصص وعلم بقواعد وأصول ممارسة المهنة، وفطنة وتقدير لما يثيره النزاع من مشكلات، والإلمام بجوانبه المختلفة، والإحاطة بالأعراف التجارية، وعدم الوقوع في أخطاء قد تؤدي إلى بطلان الحكم. والقدرة على إدارة المهمة التحكيمية، والتغلب على ما قد يعترض سيرها من عقبات. فتخصص المحكم يوفر للمحكم القدرة على حسن الفصل فيما يعرض عليه من منازعات تدخل في إطار تخصصه، وذلك لا يتأتى إلا بالتمرس على التحكيم ([185]).

ولا يوجد نص في قانون التحكيم المصري يمنع جواز تحكيم الأمي أو الجاهل، ورغم ذلك نرى أفضلية وجوب أن يكون المحكم على معرفة كاملة بأصول التقاضي، والقواعد الموضوعية القانونية الآمرة، وقواعد النظام العام. إلى جانب أن يكون على علم ودراية بأصول الحرفة أو المهنة التي ينتسب إليها، والأعراف التي تحكمها؛ حتى يصدر حكمه صحيحا غير معرضا للبطلان. وحتى يستطيع موازنة مصالح أطراف التحكيم بالعدل، وحتى يستطيع كتابة، وتسبيب، وتوقيع حكمه. كما يجب ألا يتحقق في شخص المحكم أحد أسباب عدم صلاحية القاضي لنظر الدعوى أو أحد أسباب الرد بعد تعينيه محكما. ويحب على المحكم الإفصاح للأطراف عن ذلك حتى يكونوا على بينه من الأمر.

(4)- يجب ألا يكون المحكم ممنوعا من التحكيم: يحظر القانون أحيانا بنص خاص علي بعض الأشخاص من تولي مهمة التحكيم. فمثلا نص قانون السلطة القضائية المصري رقم 46 لسنة 1972 م في (م 63) منه على أنه: “…لا يجوز للقاضي بغير موافقة المجلس الأعلى للهيئات القضائية أن يكون محكما ولو بغير أجر ولو كان النزاع غير مطروح علي القضاء، إلا إذا كان أحد أطراف النزاع من أقاربه أو أصهاره حتي الدرجة الرابعة بدخول الغاية.

كما لا يجوز بغير موافقة المجلس المذكور ندب القاضي ليكون محكما عن الحكومة أو الهيئات العامة متي كان طرفا في نزاع يراد فضه بطريق التحكيم. وفي هذه الحالة يتولى هذا المجلس وحده تحديد المكافأة التي يستحقها القاضي.

فالأصل هو الحظر وعدم جواز اختيار القاضي محكما؛ أيا كانت درجته، ولو بغير أجر، ولو كان النزاع غير معروض علي القضاء، ولو بموافقة مجلس القضاء الأعلى. وذلك لتفرغهم للعمل القضائي وعدم تأخير الفصل في الدعاوى القضائية، و لعدم المساس، بهيبة القضاء، ومنع القضاة من الوقوع في مواطن الشبهات، كما أنه يعرض استقلال وكرامة القضاة للخطر، ولعدم تسبب الحرج للقاضي إذا عرض عليه نزاع آخر أحد طرفيه كان قد اختاره محكما في نزاع سابق ([186]).

ولكن يجوز للقاضي القيام بالتحكيم؛ بعد الحصول علي، موافقة مجلس القضاء الأعلى بالإذن للقاضي العمل محكما استثناء في حالتين فقط هما: الأولى: حالة ما إذا كان أحد أطراف النزاع من أقارب القاضي أو أصهاره لغاية الدرجة الرابعة بدخول الغاية، وبشرط أن يكون الطرف القريب للقاضي خصما حقيقيا في النزاع، وبعد الحصول على إذن المجلس الأعلى للهيئات القضائية. والثانية: حالة ندب القاضي محكما عن الحكومة أو الهيئات العامة متي كان طرفا في نزاع يراد فضه بطريق التحكيم.

وقد ذهبت بعض الأحكام القضائية إلي أنا عدم حصول الموظف علي إذن جهة عمله، لا يعد سببا من أسباب عدم إصلاحيته محكما، كما لا يعتبر سببا من أسباب بطلان حكم التحكيم المنصوص عليها في (م 53) تحكيم مصري. ويقتصر أثر عدم الحصول علي إذن جهة العمل علي العلاقة بين المحكم و جهة عمله، بما يعرضه للمساءلة التأديبية، ولكنه لا ينقص من صلاحيته لتولي مهمة التحكيم ([187]).

إلا أن جمهور الفقه يري أنه يترتب على مخالفة هذا الحظر بطلان حكم التحكيم بطلانا متعلقا بالنظام العام، تحكم به محكمة دعوي بطلان حكم التحكيم من تلقاء نفسها (م 53/ 2 تحكيم مصري)؛ لأنه يمس النظام القضائي في الدولة، وأن القاضي ممنوع من التحكيم بصريح نص قانوني (م 63) من قانون السلطة القضائية المصري رقم 46 لسنة 1972 م، ولبطلان تعيين المحكم، وبالتالي تشكيل هيئة التحكيم علي وجه مخالف للقانون (م 53/ 1 – هـ تحكيم مصري)، ولوجوب تفرغهم للقضاء، وإبعادهم عن مواطن الشبهات، وعدم الحيدة والاستقلال، وفلا اجتهاد مع صراحة نص المنع والحظر في مصر. ولا يحتج بالعمل في فرنسا علي إجازة تولي القضاة للتحكيم، لأن ذلك مرجعه عدم وجود نص بالمنع في فرنسا ([188]).

وعلة هذا الحظر هي حرص المشرع المصري على عدم إغراء القضاة بميزات التحكيم، ومغرياته المادية، حتى يتفرغوا لمهمتهم الأساسية خاصة مع قلة عددهم، وكثرة عدد الدعاوي القضائية، وهي إقامة العدل بين المتقاضين أمام القضاء الذين يؤرقهم بطء التقاضي، وتراكم القضايا أمام المحاكم سنين بغير فصل فيها. بالتالي يهتم القاضي بعمله كمحكم أكثر من عمله كقاضي ([189]).

لذا نقترح قصر هذا الحظر على القاضي في الخدمة الوظيفية دون القاضي المتقاعد، بمعنى جواز تولي القاضي المتقاعد مهمة التحكيم بعد تركه للوظيفة القضائية. ونرى سريان هذا الحظر على القضاة، والمستشارين، وأعضاء النيابة العامة، وأعضاء النيابة الإدارية، وأعضاء مجلس الدولة، وأعضاء هيئة قضايا الدولة …طالما كانوا في الخدمة الوظيفية، نظرا لتوافر علة الحظر في شأنهم. و يرى البعض عدم سريان هذا الحظر على أعضاء النيابة العامة ([190]). إلا أن هذا الرأي قد نسي أن للنيابة العامة دور في الخصومة المدنية بالتدخل والإدخال.

(5)- يجب ألا تكون له مصلحة ما في النزاع: يجب ألا يكون للمحكم مصلحة في النزاع (م 16/ 1 تحكيم سعودي). فيجب ألا يكون له صلة بموضوع النزاع أو بأحد الأطراف أو ممثليهم، وألا تكون له مصلحة مباشرة أو غير مباشرة مادية أو معنوية في القضية التي ينظرها. وألا توجد علاقة مالية أو مهنية أو اجتماعية سابقة أو حالية تربط المحكم بأطراف النزاع ([191]). فلا يجوز أن يكون المحكم أحد أطراف التحكيم، فالمحكم لا يجوز أن يكون خصما وحكما في الوقت ذاته، أي لا يجوز أن يكون قاضيا لنفسه. كما لا يحوز للدائن أو الكفيل أو الضامن أن يكون محكما في النزاع الواقع بين المدين والغير ولا يجوز للشريك أو المساهم في شركة أن يكون محكما في نزاع بين الشركة والغير، ولا يجوز للمهندس المشرف على تنفيذ عملية البناء أن يكون محكما في نزاع بين صاحب العمل والمقاول ([192]). ونصت (م 16/ 3) تحكيم مصري على أنه “…ويجب عليه -المحكم- أن يفصح عند قبوله عن أية ظروف من شأنها إثارة شكوك حول استقلاله أو حيدته”. وذلك عملا بمبدأ الشفافية في مجال التحكيم، ولحسن أداء العدالة التحكيمية.

(6)- يجب أن يكون عدد المحكمين في هيئة التحكيم وترا: يجب ألا يكون عدد أعضاء هيئة التحكيم شفع، بل يجب أن يكون العدد وترا. وتشكيل محكمة التحكيم من عدد فردي أمر متعلق بالنظام العام، وذلك لسهولة تكوين رأي الأغلبية عند إصدار حكم التحكيم ([193]). واذا اتفق أطراف التحكيم على عدد زوجي فإن اتفاق التحكيم لا يبطل، ويجب تعيين من يكمل العدد وفقا لاتفاق التحكيم، ولولم يوجد اتفاق تحكيم بتعيين المحكم اللازم لاستكمال هيئة التحكيم، تولت المحكمة المختصة أصلا بنظر النزاع بالإجراءات المعتادة لرفع الدعوى بناء على طلب أحد اطراف التحكيم، وان كان السائد فقها أن طلب تعيين المحكم يقدم في شكل طلب على عريضة. ويجب ألا يكون في اختيار المحكم أية لبث أو غموض في تحديد شخصية المحكم. وإذا صدر حكم التحكيم من هيئة تحكيم بعدد زوجي كان حكم التحكيم صادرا من هيئة مشكلة تشكيلا باطلا، ويجوز في هذه الحالة رفع دعوى أصليه ببطلانه ([194]).

وقد نصت (م 15/2) تحكيم مصري علي ذلك بقولها إذا تعدد المحكمون وجب أن يكون عددهم وترا والا كان التحكيم باطلا، وهذا ما أقرته أيضا (م 13) تحكيم سعودي، و(م 204) مرافعات اماراتي، و(م 10) تحكيم بحريني، و(م 15 /2) تحكيم عماني، و(م 771) أصول محاكمات مدنية لبناني، و(م 14) تحكيم أردني، و(م 21) تحكيم يمنى، و(م 257) مرافعات عراقي، و(م 193/ 2) مرافعات قطري، و(م 12) تحكيم سوري، و(م 18) تحكيم تونسي، و (م 744) مرافعات ليبي، و (م 174) مرافعات كويتي، و(م 141 /2) مرافعات سوداني، و(م 18) تحكيم موريتاني، و(م 8) من قواعد مركز دبى للتحكيم الدولي، وart. 1453. N. C. P. C. F.)) التي نصت على أن “هيئة التحكيم تشكل من محكم واحد أو من عدة محكمين بشرط أن يكون عددهم وترا”. ولا يوجد حد أقصى لعدد المحكمين في هيئة التحكيم، بشرط أن يكون عددهم وترا، واذا لم يتفق الطرفان على عدد المحكمين كان العدد ثلاثة (م 15 تحكيم مصري).

(7)- يجب قبول المحكم لمباشرة مهمته التحكيمية: يجب أن يقبل المحكم القيام بمهمة التحكيم سواء كان محكما وطنيا أم أجنبيا، رجلا أو امرأة، وطني أو أجنبي، جاهلا أم متعلم، وسواء كان معين من الأطراف أم عينته المحكمة أو مركز تحكيم أو الغير، لأنه لا يمكن إجبار المحكم على ممارسة المهمة التحكيمية دون رضاه. لذلك فإن تعين المحكم يعتبر إجراء مؤقتا، لا يصبح نهائيا إلا بعد قبول المحكم القيام بمهمته التحكيمية. واذا رفض المحكم قبول التحكيم بعد تعينيه، فإن ذلك لا يؤدي إلى بطلان اتفاق التحكيم ذاته، ولكن تتوقف آثاره حتى يتم تعين محكم بديل آخر باتفاق اطراف التحكيم أو من القضاء (م 16 /3) تحكيم مصري، و (art. 1452 al. 1. N.C.P.C.F.)، و(م 17) تحكيم سوري، و(م 11) تحكيم موريتاني. ولا يشترط لقبول المحكم لمهمته التحكيمية أن يحلف يمينا؛ لأنه محكم مختار بناء علي قناعة وثقة في أمانته ونزاهته وعدالته، وولايته خاصة بهذا النزاع فقط، وليست عامة كولاية القاضي، وليس شاهدا، ولا خبيرا حتي يحلف يمينا ([195]).

وقيام المحكم بمهمته ليس إجباريا، بل يجب قبوله صراحة، كأن يوقع على محضر اتفاق الأطراف على التحكيم، أو ضمنيا يستنتج من حضوره جلسات التحكيم. وقد يكون القبول مكتوبا، والكتابة هنا ليست ركنا لانعقاد عقد التحكيم أو شرطا لصحته، ولكن وسيلة لإثبات قبول المحكم بمهمة التحكيم، لأن عقد التحكيم بين المحكم والمحتكمين ليس عقدا شكليا بل رضائيا، وليس ثمة مانع من إثبات القبول بما يقوم مقامها كالإقرار أو اليمين الحاسمة ([196]). ومتى قبل المحكم مهمة التحكيم يجب عليه الاستمرار في مهمته حتى نهايتها، ولا يجوز له التنحي بدون سبب مشروع، وإلا جاز الحكم عليه بالتعويضات طبقا لقواعد المسئولية المدنية. ولا يخضع المحكم لجريمة إنكار العدالة، ولا لدعوى المخاصمة، لأنه ليس موظفا عاما، ولا مكلفا بخدمة عامة، وإنما تكون مسئوليته تجاه الأطراف عقدية، وتحاه الغير تقصيرية ([197]).

22- كيفية اختيار المحكم:

يجري تعيين المحكمين لتشكيل هيئة التحكيم بثلاثة طرق؛ إذ قد يقوم أطراف التحكيم انفسهم بتعيينهم كأصل عام، وقد تقوم بذلك المحكمة القضائية المختصة أصلا بنظر النزاع، وقد يقوم مركز أو مؤسسة أو غرفة تحكيم أو الغير بتعيين المحكمين. بمعني أنه قد يتفق أطراف التحكم في اتفاق التحكيم شرطا كان أم مشارطة على أن يعهدوا بالتحكيم إلى محكم فرد أو عدد من المحكمين، وقد يفوضون مؤسسة أو مركز من مراكز التحكيم لإجراء هذا الاختيار. وفي حالة عدم وجود اتفاق بينهم، أو الاختلاف في تعيين المحكمين؛ فإن المحكمة المختصة هي التي تتولى تعيين المحكم أو المحكمين بناء على طلب الأطراف أو أحدهما. ولا يبطل اتفاق التحكيم لعدم اشتمال بنوده علي كيفية اختيار المحكم، فالمشرع خص طرفي التحكيم باختيار من يحكمونه، وإلا فرضته عليهم المحكمة علي النحو الثابت بنص (م 17) تحكيم مصري ([198]). والمحتكمون عند اختيارهم للمحكم لابد أن يسعى كل منهم لاختيار المحكم الذي تتوافر فيه المقتضيات التي تبعث في نفسه الطمأنينة والثقة، أن المحكم المختار سوف يبذل قصارى جهده في تأدية مهمته التحكيمية متسلحا بالنزاهة، والحياد، والأمانة، والتجرد أثناء نظر الدعوى التحكيمية ([199]).

تتشكل هيئة التحكيم من عدد وتري طبقا لاعتبارات يقدرها أطراف النزاع، وللأطراف حرية كاملة في تحديد عدد محكمين هيئة التحكيم. حيث يتم تشكيل هيئة التحكيم باتفاق طرفي النزاع، عملا بمبدأ سيادة سلطان الإرادة، فيما يتعلق باختيار المحكمين. فإن لم يتمكن الأطراف من الاتفاق على تعيين هيئة التحكيم أو قصر أحدهم أو أهمل في القيام بواجبه في تعين محكمه أو إذا أغفل اتفاق التحكيم تعيين هيئة التحكيم عن طريق الأطراف لسبب أو لآخر تم اللجوء إلى قضاء الدولة لاستكمال تشكيل هيئة التحكيم ([200]). وهذا المبدأ نصت عليه العديد من تشريعات التحكيم: (م 15 /1، م 17 /1) تحكيم مصري، و(.art. 1454 N. C. P. C. F)، و (م 175) مرافعات كويتي، و(م 772، 771) أصول محاكمات مدنية لبناني، و(م 18) تحكيم تونسي، و (م 746) مرافعات ليبي، و(م 256) مرافعات عراقي، و(م 12) تحكيم سوري، و(م 16، 14) تحكيم اردني، و(م 10) تحكيم بحريني، و(م 206) إجراءات مدنية إماراتي، و(م 15). تحكيم سعودي، و(م 6) تحكيم يمني، و(م 141 /6) مرافعات سوداني، و(م 18) تحكيم موريتاني، و(م 5، 6، 7، 8) من قواعد اليونسترال.

وفي التحكيم المؤسسي الذي يتم من خلال مؤسسة أو مركز تحكيم دائم، له قواعد ولوائح تحكيم خاصة به، فيتم التحكيم وفقا للقواعد التي تتبعها المؤسسة، أو المركز بعد اختيار طرفي التحكيم لمركز أو مؤسسة التحكيم التي يعهد إليها بحل النزاع، ويتم اختيار هيئة التحكيم طبقا للقواعد ولوائح مركز أو مؤسسة التحكيم التي اختارها طرفا التحكيم، وذلك ما لم يتفق طرفا التحكيم على تطبيق قواعد أخرى، ولا يتدخل القضاء في هذا الاختيار ([201]).

واذا حدث تعارض بين بنود اتفاق التحكيم، ونصوص مركز التحكيم؛ فيما يتعلق بتعيين المحكم، كانت الأرجحيه والأولوية لما ورد في اتفاق التحكيم، إعمالا لمبدأ سلطان الإرادة في التحكيم. وقد ذهب القضاء الفرنسي إلى ضرورة احترام مبدأ التعيين الاتفاقي للمحكمين، والا كان حكم التحكيم باطلا. وعليه فلا يجوز عزل المحكم إلا باتفاق مشترك بين طرفي التحكيم (م 20 تحكيم مصري) ([202]). فالميزة الكبرى للتحكيم تكمن في اختيار هيئة التحكيم بالإرادة المشتركة للأطراف، ولثقة الأطراف في المحكم المختار للفصل في النزاع على ضوء شروط الأطراف. فالأصل أن التحكيم مكنه اختيارية للأطراف باتفاقهم عليه وبإرادتهم الحرة، ولا يجوز إجراؤه قسرا أو تسلطا أو كرها على الأطراف.

ويجب ضرورة مراعاة المساواة بين أطراف التحكيم، في عملية اختيار تشكيل هيئة التحكيم. فمبدا المساواة بين الأطراف في تعيين هيئة التحكيم من النظام العام، ولا يمكن التنازل عنه إلا بعد قيام النزاع، فمبدأ المساواة مبدأ إجرائي عام يندرج في مفهوم النظام العام الإجرائي ([203]). ويترتب على عدم مراعاة مبدأ المساواة بين أطراف التحكيم، في عملية اختيار وتشكيل هيئة التحكيم، بطلان كل شرط يقضي باستقلال أحدهما دون الآخر بالاختيار، ويقضي باختيار أحدهم عدد من المحكمين يفوق العدد الذي يقوم الطرف الآخر باختياره أو يقضي باستقلال المحكم المختار من أحدهم بالفصل في النزاع في حالة تخلف الطرف الآخر عن اختيار محكمه ([204]).

والأصل أن يتم اختيار المحكمين بإرادة الأطراف المشتركة مباشرة، سواء تم هذا الاتفاق في شرط التحكيم أو في مشارطة التحكيم أو في اتفاق لاحق مستقل. واذا لم يتم الاتفاق على عدد المحكمين كان العدد ثلاثة كحد أدني، ودون وضح حدا أقصى لعدد المحكمين (م 15/ 1 تحكيم مصري) بشرط وترية العدد. وللأطراف تفويض شخص أو جهة أو هيئة أو منظمة تتولي اختيار المحكمين، وهذا هو أسلوب الاختيار غير المباشر أو بالتفويض (م 17/ 1 تحكيم مصري). ويجب أن يتم اختيار المحكم بوضوح سواء تم الاختيار بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

واذا اتفق الأطراف على التحكيم، ولم يتفقوا على اختيار هيئة التحكيم تولت المحكمة المختصة أصلا بنظر النزاع في التحكيم الداخلي، أو محكمه استئناف القاهرة في التحكيم الدولي بهذا الاختيار، بناء على طلب من أحد ذوي الشأن، وتنظره المحكمة، وتصدر فيه قرارا غير قابل للطعن فيه باي طريق من طرق الطعن (م 17/3 تحكيم مصري). ذلك دون إخلال بحق اطرف ذي المصلحة في رد المحكم، حتي ولو تم تعيينه بواسطة المحكمة (م 17 تحكيم مصري). وتخضع إجراءات تقديم الطلب للقانون الواجب التطبيق على مسائل الإجراءات والمرافعات المعمول بها أمام المحكمة المطلوب منها التدخل للمعاونة والمساعدة في تشكيل هيئة التحكيم ([205]). وتعد قاعدة حرية طرفي التحكيم في عرض النزاع التحكيمي بينهما، على محكم معين من اختيارهما أو بتفوض منهما، بمثابة قاعدة دستورية. لأن اللجوء إلى التحكيم يكون اختياريا وليس إجباريا يتولد عن إرادة حرة. ولا يجوز إجراؤه تسلطا أو كرها ([206]).

ولا تعتبر هيئات أو منظمات أو مراكز التحكيم المؤسسي جهـة قضاء، وإنما هي مجرد كيان إداري مساعد يضع تحت تصرف المحتكمين قوائم محكميه، ولوائح إجراءاته، ومصارفه القانونية والفنية، وخبرته العملية كسبا لثقتهم في سلامة عملية التحكيم الذي تديره، وفي قابلية حكم التحكيم الذي يتمخض عنه للتنفيذ. وقراراتها في شأن تنظيم عملية التحكيم، كالقرارات المتعلقة باختيار المحكمين، وردهم، واستبدالهم، وبدء الإجراءات، وتحديد المواعيد، ومدها… وغير ذلك من القرارات التنظيمية التي تصدرها لا تعتبر أحكاما قضائية، وإنما هي أقرب إلى القرارات الإدارية التنظيمية أو القرار المتعلقة بالإدارة القضائية ([207]). فهيئات التحكيم الدائمة المنتشرة في أنحاء العالم تقوم بتقديم خدمات لأطراف النزاع، وتهيئ الظروف لإجراء التحكيم بما لديها من سكرتارية دائمة، ولوائح، وقائمة بأسماء المحكمين المؤهلين، بل وتقوم بتقديم التسهيلات اللازمة لإجراء التحكيم ([208]).

ويتم اختيار هيئة التحكيم للفصل في النزاع التحكيمي من قبل إطراف التحكيم، لأن هؤلاء المحكمون موضع ثقة أطراف التحكيم. وأن هؤلاء المحكمون خبراء في مجال النزاع التحكيمي أو كثر كفاءة وقدرة في النواحي الفنية للنزاع من قضاء الدولة، وتمتع المحكم بسلطة حسم النزاع بحكم ملزم لكلا الطرفين ([209]). وقد ذهب القضاء الفرنسي إلى أن لجوء طرفي التحكيم إلى منظمة أو مؤسسة أو مركز تحكيم في اتفاق التحكيم بينهم يجعل لائحة تلك المنظمة أو المؤسسة أو مركز التحكيم جزء لا يتجزأ من اتفاق التحكيم، وتصبح مندمجة فيه كأحد بنوده ([210]).

واذا كانت هيئة التحكيم مشكلة من محكم وحيد يتم اختياره بإرادة المشركة للطرفين. واذا كانت مشكلة من ثلاثة محكمين اختار كل طرف محكمه، ثم يقوم المحكمان المختاران باختيار المحكم الثالث. واذا كان عدد هيئة التحكيم مشكلة من خمسة أو سبعة .. أختار كل طرف محكمين أو ثلاثة أو أكثر.. ثم يقوم المحكمون المختارون من الأطراف باختيار المحكم المرجح. واذا عين أي من الطرفين محكمه، فلا يجوز له العدول عنه أو تغييره، بعد أبلغ الطرف الآخر بذلك التعيين، ما لم يتفق الأطراف على غير ذلك، وذلك بهدف منع التلاعب أو التسويف في تشكيل هيئة التحكيم. واذا تنحي أحد المحكمين الثلاثة، فلا يجوز للمحكمين الأخرين الاستمرار في نظر التحكيم حتي إصدار الحكم، ولا يجوز بقاء هيئة التحكيم قائمة دون محكم ثالث حتي إصدار الحكم، إذ تعد الهيئة مشكلة عندئذ من عدد زوجي، وبالتالي سيكون تشكيل هيئة التحكيم غير صحيح، مما يؤدى إلي بطلان حكم التحكيم ([211]).

وقد حددت (م 17) تحكيم مصري، و(.art. 1457; 1493 N.C.P.C.F)، و(م 15) تحكيم سعودي، و(م 8/2) تحكيم أردني، و(م 18، 17) تحكيم إنجليزي لسنة 1996 م، و (م 11) تحكيم بحريني، و(م 14) تحكيم سوري، و(م 11) من القانون النموذجي؛ حالات تدخل قضاء الدولة في تشكيل هيئة التحكيم: عدم اتفاق الأطراف على تعين المحكم المنفرد الذي تشكل منه وحده هيئة التحكيم. وامتناع أحد الأطراف عن تعيين محكمه خلال 30 يوم من تسليمه طلبا بذلك من الطرف الأخر عدم اتفاق أعضاء هيئة التحكيم المعينين من طرفي التحكيم على اختيار المحكم المرجح خلال 30 يوم من تاريخ تعيين آخرهما. إذا خالف أحد طرفي التحكيم إجراءات اختيار أعضاء هيئة التحكيم. إذا تخلف الغير عن تعيين المحكم الوحيد أو المحكم المرجح.

وهذه الحالات مجرد أمثله للصعوبات التي تعترض تشكيل هيئة التحكيم، المكلفة بالفصل في موضوع النزاع. ويجب على المحكمة المختصة أصلا بنظر النزاع، اختيار المحكم على وجه السرعة دون تأخير، بناء علي طلب أحد أطراف التحكيم. ويكون طلب تعيين المحكم بطريق الدعوي التي ترفع بصحيفة، وتنظره المحكمة بكامل هيئتها بالإجراءات المعتادة لنظر الدعوي على وجه السرعة، وتنظره الدائرة في جلسة يحضرها الخصم الآخر أو يكلف بالحضور أمامها، وتصدر حكمها بتعيين المحكم، ويكون حكمها غير قابل للطعن باي طريق. وليس للمحكمة أن ترفض طلب تعيين المحكم، ما لم يتبين لها أن اتفاق التحكيم ظاهر البطلان. وتعيين المحكم وفقا للمادة (17) تحكيم مصري من النظام العام؛ لأنه يتعلق بإجراءات التقاضي. واذا تم تعيين بديل للمحكم في أية حالة من الحالات السابقة أثناء إجراءات التحكيم، فإنه يجب إعادة فتح باب المرافعة من جديد أمام هيئة التحكيم، بحضور المحكم البديل الجديد قبل إصدار حكم التحكيم. واستصدار أمرا على عريضة من رئيس المحكمة المختصة بتعيين المحكم بعد اختلاف الطرفين على تعيينه يكون باطلا بطلانا متعلقا بالنظام العام لمخالفة الإجراء الواجب إتباعه بالالتجاء إلى القضاء، إلا أنه رغم ذلك فإن هذا البطلان يعتبر كأن لم يكن ويزول طاما تحققت الغاية من الإجراء، وهى كفالة ضمانات التقاضي الأساسية للمحتكمين سواء ما تعلق منها بالمواجهة القضائية أو حضورية الأدلة أو كفالة حق الدفاع ([212]).

وليس لهيئة التحكيم المشكلة من عدد وتري، كثلاثة مثلا، أن تنعقد في أية جلسة من جلساتها بعضوين فقط أو بأية عدد زوجي أو بعضو واحد فقط. وان حدث ذلك، فإن تشكيل هيئة التحكيم يكون باطلا، وإجراءات خصومة التحكيم تكون باطلة، ويتعين القضاء ببطلان حكم التحكيم. وسيتبين ذلك من خلال محاضر جلسات هيئة التحكيم، واذا ثبت في محضر الجلسة عكس حقيقة تشكيل هيئة التحكيم الحاضرين في الجلسة، فإن ذلك يعد تزويرا ([213]).

23- التمييز بين عمل المحكم وغيره من النظم القانونية المشابهة:

لما كان التحكيم نظام قانوني بديل عن نظام التقاضي الذي تنظمه الدولة كوسيلة بديلة لحل المنازعات. وهناك سمات أساسية تفرق التحكيم، وعمل المحكم عن عمل القاضي، وعمل الخبير، وعمل الوكيل، وعمل المصلح، وعمل الموفق، وعمل الوسيط، وان كان هؤلاء قد جمعهم هدف واحد، وهو السعي إلى حل النزاع. فالمميز الأساسي للتحكيم يكمن في طبيعة المهمة التي يعهد بها إلى المحكم، حيث يعهد إليه بمهمة الفصل في نزاع بحكم ملزم للأطراف. فالعبرة دائما بطبيعة النشاط الذي يباشره المحكم، ولا يعتبر محكما بتكييف الأطراف، بل بتكييف المحكمة. أي أنه من بين العناصر المميزة للتحكيم، وجود نزاع قائم أو محتملا ببن الأطراف ذوي الشأن، وتخويل الغير (هيئة التحكيم) سلطة حسمه بحكم ملزم، حائز لحجية الأمر المقضي ([214]).

(1)- تمييز عمل المحكم عن عمل القاضي: القضاء في اللغة بعدة معان منها: الإلزام والفراغ أو الأخبار أو التقدير… وشرعا: هو قول ملزم ويصدر عن ولاية عامة. أو فصل القاضي بين خصمين فأكثر بحكم ملزم أو الإخبار عن حكم شرعي على سبيل الإلزام. فالمحكم والقاضي يؤديان مهمة واحدة هي الفصل بين أطراف النزاع التحكيمي بحكم ملزم ([215]). حيث تضفي الصفة القضائية على عمل كل من المحكم والقاضي. كما يتشابه دور المحكم في الخصومة التحكيمية مع دور القاضي في الخصومة القضائية، كما أن أداة عمل المحكم وعمل القاضي واحدة. والآثار المترتبة على عمل المحكم وعمل القاضي واحدة. حكم المحكم، وحكم القاضي يهدفان لتحقيق حماية النظام القانوني بحكم محايد ملزم لأطراف النزاع. يتمتع بحجية الأمر المقضي مقيدا للخصوم والمحكم بعدم إثارة النزاع مرة أخرى.

والقاضي يتقاضى مرتب من الدولة؛ لأنه يعين من السلطة العامة للعمل في الدولة، بينما المحكم يتقاضى أتعابه من أطراف التحكيم؛ لأنه شخص يتم اختياره بالإرادة المشتركة للأطراف. ولا يعزل القاضي باتفاق الأطراف عكس المحكم. تسأل الدولة عن عمل القاضي لأنه تابعا لها، عكس المحكم لا تسال عنه الدولة لأنه ليس تابعا لها. للقاضي حق اختصام الغير في القضية لإظهار الحقيقة أو لمصلحة العدالة عكس المحكم. أساس طبيبة عمل المحكم هو الإرادة المشتركة للأطراف، بينما عمل القاضي ينتمي بطبيعته إلى سلطة القضاء. والعلاقة التي نظمها قانون التحكيم بين المحكم والمحكمة المختصة أصلا بنظر النزاع بالمساعدة والرقابة، ولا تنفى عن عمل المحكم الصفة القضائية ([216]).

كما أن عمل المحكم يتطلب وجود عقد بين المحكم والأطراف، بينما عمل القاضي يمنع ذلك. عمل المحكم مؤقت ينتهي بصدور حكم التحكيم، بينما القاضي دائم في عمله. حكم التحكيم لا يصبح في قوة الحكم القضائي إلا بعد وضع الصيغة التنفيذية عليه بأمر تنفيذ من القاضي المختص. وللخصوم دور في تعيين المحكم دون القاضي الذي تعيينه الدولة. كما أن شروط تعيين القاضي هي نفس شروط تعيين المحكم عدا شرط حلف القاضي لليمين القانونية. يجوز القضاء في كل شيء، أما التحكيم يكون في أمور محددة بنص القانون. حكم القاضي يكون ابتدائيا أو نهائيا أو باتا، بينما حكم المحكم في القانون المصري يكون بات غير قابل للطعن فيه إلا بدعوى البطلان ([217]).

تتدخل النيابة العامة وجوبا أو جوازيا أمام القضاء، بينما لا تمثل النيابة العامة أبدا أمام هيئة التحكيم. كما لا يتمتع المحكم بنفس سلطات الأمر والنهي التي يتمتع بها القاضي. ولا يخضع المحكم لنظام مخاصمة القاضي. ولا يستطيع المحكم توقيع عقوبة الغرامة لصالح الدولة على خصم أو شاهد. المحكم قد يكون أكثر خبرة فنية بموضوع النزاع عن القاضي. لا يعد المحكم مرتكبا لجريمة إنكار العدالة إذا امتنع عن القيام بعمله بعد قبوله للمهـمة التحكيمية عكس القاضي لأنه ملزم بحكم وظيفته بالقيام بعمله. المحكم قد تكون ثقافته القانونية وخبرته القضائية أقل من القاضي لأنه متمرس على دراسة القضايا وتحقيقها. حكم المحكم قاصر لا يتعدى طرفي التحكيم، بينما حكم القاضي قد يتعدى إلى غير المتقاضيين. حكم المحكم ليس له قوة تنفيذية فور صدوره عكس الحكم القضائي. ليس للمحكم أن يحبس أو يستوفى عقوبة بل غايته الإثبات والحكم، وذلك بخلاف القاضي. القاضي اعلى مرتبة باعتباره صاحب الولاية العامة في دعاوى القضاء، والمحكم أقل مرتبة لأنه قاضي خاص في طلب تحكيم ([218]).

ولا يعتبر المحكم معاونا قضائيا حتى في حالة قيام القاضي بتعيينه لعدم اتفاق طرفي التحكيم على اختيار المحكم، ولا يعد هذا التعيين من قبيل الفصل في تحديد مهمة المحكم، فلا تطبق القواعد المقررة لأعوان القضاء على المحكم. وتجد سلطة المحكم أساسها القانوني في اتفاق التحكيم ([219]). ويري بعض الفقهاء أن المحكم يعد من أعوان القضاء، ولأن المهمة التحكيمية تخضع للمبادئ العامة في فكر أعوان القضاء ([220]). كما لا يعتبر المحكم مكلفا بخدمة عامة لأن الدولة لم تعهد إليه بالخدمة العامة، بالإضافة إلى أن أوراقه لا تنسب إلى الدولة ([221]). و يري بعض الفقهاء أن المحكم شخص مكلف بخدمة عامة بحجة أنه يساهم في تحقيق أداء العدالة بين الناس، والتي تعد بطبيعتها وظيفة عامة ([222]).

(2)- تمييز عمل المحكم عن عمل الخبير: الخبرة في اللغة: العلم ببواطن الأمور عن تجربة وممارسه بمهارة فائقة ومعارف فنية. واصطلاحا: هي استعانة المحكم أو القاضي أو أطراف التحكيم بأشخاص فنيين متخصصين لإبداء رأي فني غير ملزم في أمر فني يصعب الإلمام به بناء على قرار ندبه تلبية بناء علي طلب أحد أطراف التحكيم أو من تلقاء نفس المحكمة ([223]).

فالخبير يعطي رأيا فنيا في مسالة معينة استنادا إلى معرفته واختصاصه في الأمور التي يبدي رأيه فيها، وهذا الرأي غير ملزم للمحكمة، بينما حكم المحكم ملزم للخصوم وللقضاء معا وواجب التنفيذ بعد إصدار الأمر بتنفيذه ووضع الصيغة التنفيذية عليه. أي أن رأي الخبير يكون استشاريا ليس له سوى قيمة الرأي بالنسبة للقاضي ([224]). وينحصر دور الخبير في تقديم تقرير فنى يساعد القاضي في تكوين اقتناعه، للوصول إلى الحكم الذي ينهـي الخصومة المطروحة عليه. فتقرر الخبير لا يكون سوى عنصر من عناصر الإثبات. وتقتصر مهمة الخبير على تحقيق الواقع، وإبداء رأيه في مسائل فنية تنم عن معرفه شخصية برأي استشاري غير ملزم ([225]). في حين المحكم يقوم بحسم النزاع بين أطراف التحكيم، كما أن حكمه يمتد إلى المسائل الواقعية والقانونية مع أنه قد لا يكون بالضرورة شخصا قانونيا.

يجب أن يؤدي الخبير قبل إنجاز مهمته اليمين القانونية أمام القاضي عكس المحكم. كما يجب عرض تقرير الخبير على أطراف التحكيم قبل الحكم لإبداء رأيهم فيه احتراما لمبدأ المواجهة بين أطراف التحكيم عكس المحكم. كما أن عمل الخبير يمثل إجراء من إجراءات الإثبات، ولا يمكن أن يكون عملا قضائيا عكس عمل المحكم. ويعتبر الخبير والمحكم من الغير بالنسبة للأطراف. ويتطلب كل من المحكم والخبير الحياد والاستقلال والعمل بالعدل وانتقاء الموانع القانونية. ويحوز رد المحكم كما يجوز رد الخبير، ويجوز اختيار الخبير محكما نظرا لخبرته الفنية. ولا يجوز تعيين محكم في مسألة لا يجوز فيها التحكيم، بينما يجوز تعيين خبيرا فيها، كما يجوز الطعن في حكم المحكم، بينما لا يجوز الطعن في قرار الخبير، لأنه لا يصدر حكما، بل يصدر تقريرا ليس له حجية الأمر المقضي إلا بصدور حكم من المحكمة في الموضوع. تعيين الخبير من قبل المحكمة المعروض عليها النزاع بدون وجود شرط أو مشارطة رضائي بعكس التحكيم الاختياري الذي يشترط وجود شرط أو مشارطة التحكيم. كما أن الخبير والمحكم ليس كل منهما عضوا في القضاء. فالخبير يطلب منه استشارة بتقرير استيضاحي، بينما المحكم يطلب منه حسم النزاع بحكم ملزم ([226]).

(3)- تمييز عمل المحكم عن عمل الوكيل: الوكالة في اللغة: هي الحفظ. واصطلاحا: هي إقامة الإنسان غيره مقام نفسه في تصرف جائز معلوم يملكه وقابل للنيابة، أو هي عقد يلتزم بمقتضاه الوكيل بان يقوم بعمل قانوني باسم ولحساب الموكل (م 669 مدني مصري). وتنعقد ولاية كل من المحكم، والوكيل باتفاق الأطراف للقيام بعمل قانوني محدد. فالوكالة، والتحكيم كلا منهما من العقود الرضائية أي تجمعهـا النشأة الاتفاقية. بالإضافة إلى الاعتبار الشخصي في مهمة كل منها. ويعمل المحكم باستقلال عمن اختاره وبحياد، فلا يخضع لتعليمات من الشخص الذي اختاره، فإرادة المحكم إرادة مستقلة تماما عن إرادة المحتكم، وقد يحكم المحكم بما قد لا يرضى به المحتكم الذي اختاره، واذا كان المحتكمون هم الذين يختارون المحكم، فإنه بمجرد بدء خصومة التحكيم تنفصل إرادة المحكم عن إرادة المحتكمين. ولا يعمل المحكم باسم أحد أطراف التحكيم أو لصالحة. فبمجرد اختيار المحكم يصبح للمحكم صفة القاضي، ولا يتمكن أطراف التحكيم من التدخل في عمله، بل إن حكمه يفرض عليهم وملزم لهم، وبالتالي لا يكون المحكم وكيلا للأطراف بل حكما بينهم ([227]).

يعمل الوكيل بإرادة موكله في الحدود المرسومة بعقد الوكالة باسم موكله لا باسمه. ويعود أثر عمل الوكيل إلى موكله لا إلى الوكيل، ويقوم الوكيل بالتصرفات القانونية باسم الموكل ولحسابه، ويملك الموكل التنصل من عمل الوكيل إذا خرج عن حدود وكالته، ولا يقوم الوكيل كقاعدة عامه، إلا بما يمكن أن يقوم به الموكل، عكس المحكم المستقل تمام الاستقلال عن أطراف التحكيم، ولا يتمكن أطراف التحكيم من التدخل في عمله أو إصدار تعليمات له بل ينفرد وحده بنظر أطراف التحكيمة التحكيمية وإصدار حكم فاصل ملزم سواء وافق إرادة أطراف التحكيم أو خالفها، ولهم الطعن على حكم التحكيم بدعوى البطلان الأصلية في الأحوال التي وردت على سبيل الحصر (م 53 تحكيم مصري). ويستطيع الموكل عزل وكيله أو استبداله متى شاء، وإلغاء عقد الوكالة برمته، بخلاف المحتكم لا يستطيع عزل المحكم بدون مبرر شرعي، أو إجماع أطراف التحكيم على عزله، ولا يستطيع إلغاء اتفاق التحكيم. عمل المحكم يمنعه من أن يكون وكيلا لأحد الأطراف، فمن غير الممكن أن يكون المحكم وكيلا وحكما في أن واحد. يتصرف الوكيل بما هو في مصلحة الموكل بخلاف المحكم يحكم متجردا. يخول المحكم سلطه حسم النزاع التحكيمي بحكم ملزم للأطراف ولو لم يوافق إرادتهم. ولا يعد المحكم وكيلا مشتركا عن أطراف التحكيم؛ لأن مصالح أطراف التحكيم متعارضة، ولا يجوز للوكيل أن يمثل طرفين مصالحهما متنازعة ([228]).

وبناء عليه رفضت محكمة النقض الفرنسية تأسيس مسئولية المحكم على فكرة الوكالة، وهو ما أيده الفقه الفرنسي. كما لا يعتبر المحكم الفرد وكيلا مشتركا عن المحتكمين لتعارض مصالحهما، فلا يجوز للوكيل تمثيل طرفين مصالحهما متعارضة ([229]).

(4)- تمييز عمل المحكم عن عمل المصالح: الصلح لغة: هو قطع النزاع. وشرعا: عقد يحصل به قطع المنازعة. وقانونا: عقد يرفع النزاع بالتراضي أو عقد يحسم به المتصالحين نزاعا قائما أو يتوقيان به نزاعا محتملا وذلك بنزول كل منهـا على وجه التقابل عن جزء من ادعائه (م 549 مدنى مصري، art. 2044. C.C.F.). ويتفق عمل المحكم والمصلح في أن كلا منهما يقوم بفض النزاع وإزالة العداوة الناشئة بين أطرافه التحكيم بين. ويجوز الطعن في كل من حكم المحكم، وعقد الصلح بدعوى بطلان أصلية مبتدأه. ويعتبر كل من التحكيم والصلع عقدا رضائيا؛ هدفه إنهاء النزاع بمودة، لاستقرار التعامل بينهما. وكل من التحكيم والصلح يؤدي إلى عدم جواز عرض النزاع على قضاء الدولة، وكلاهما يتطلب لصحته توافر أهليه التصرف في أطرافه. وكلاهما يتطلب وكالة خاصة لإبرامه، وكلاهما محله واحد؛ فالتحكيم لا يجوز إلا في المسائل التي يجوز فيها الصلح. فالتحكيم نظام اتفاقي -قضاء غير رسمي- للفصل في المنازعات. ويجمع المحكم، والمصالح النشأة الاتفاقية لعملها وهدفهما بالسعي لحل النزاع ([230]).

وينهى المصلح النزاع بين الأطراف بالتراضي، بينما المحكم ينهيه بحكم ملزم. ولا يجوز للأطراف اللجوء إلى القضاء بعد الصلح، ولا بعد التحكيم، بينما يجوز اللجوء إلى القضاء قبل الصلح. محضر الصلح، وحكم التحكيم يتمتع كل منهما بحجية الشيء المحكوم فيه، حكم المحكم ملزم نابع من إرادة المحكم دون إرادة أطراف التحكيم على عكس محضر الصلح النابع من عمل وإرادة أطراف الصلح أنفسهم؛ لأن كل طرف في الصلح يتنازل عن جزء من الحق الموضوعي مقابل الجزء الذي يتنازل عنه الطرف الآخر. محضر الصلح لا يتمتع بالقوة التنفيذية إلا بتوثيقه أو بتصديقه من القضاء، بينما حكم المحكم يحتاج إلى امر بتنفيذه. وبعد تصديق محضر الصلح من القضاء يكون صالحا لإمكانية وضح الصيغة التنفيذية عليه، ودون حاجة لاستصدار أمر بالتنفيذ باعتباره سند تنفيذي (م 280 مرافعات مصري). آلية حل المنازعات التي وقعت بالفعل أو التي قد تثور في المستقبل بين أطراف التحكيم بالصلح تتمثل في تنازل كل منهم عن بعض ما يتمسك به للوصول إلى نقطه توازن يرتضونها. فعقد الصلح يتطلب تضحيات متبادلة لحسم النزاع. بينما في التحكيم فلا ينزل أطراف التحكيم كلهم أو بعضهم عن كل أو بعض ما يتمسك به. فالصلح يتوقف على قبول أطرافه لتسوية النزاع من خلال تنازل كل منهم عن بعض ادعاءاته ([231]).

(5)- تمييز عمل المحكم عن عمل الوسيط: تعريف الوساطة في اللغة: الوسيط: المتوسط بين المتخاصمين، وتوسط بينهم: عمل الوساطة، والجمع وسطاء، وهو واسطة بينهما أي وسيط، وهي وسيطة. والوساطة مصدر وهي عمل الوسيط، والوسيط: المتوسط الساعي بالتوفيق بين المتخاصمين، والوساطة: توسط في الحق والعدل، وأوسطهم: أي أقصدهم إلي الحق. ووسط الرجل بين القوم ليحكم بينهم بالعدل، وتوسط الرجل بين المتخاصمين كان وسيطا لحل النزاع، وكان في الوسط بينهم ويقال بعثنا إليهم بواسطة للتفاوض في الأمر، والوساطة بين القوم هو الدخول بينهم لإصلاح ذات البين، والوسيطة مؤنث الوسيط، والمتوسط هو ما كان وسطا بين الطرفين. بينما في الاصطلاح: الوساطة هي التقريب بين مواقف أطراف علاقة قانونية معينة عن طريق شخص من الغير دون المساس بالحق في اللجوء إلى القضاء. وتتميز الوساطة بأنها وسيلة سريعة قليلة الإجراءات والنفقات، تهدف الحفاظ على العلاقة بين المتنازعين أو طرفي العلاقة محل التقريب أكثر مما يهدف إليه التحكيم. فالوسيط يقوم بالوساطة بين أطراف النزاع لمحاولة تقريب وجهات النظر، سعيا لحل النزاع حل وسط، بتوصية لا تتمتع بالقوة الإلزامية إلا بقبولها والتوقيع عليهـا من الأطراف. فالمحكم والوسيط مصدر سلطاتهما النشأة الاتفاقية لحل النزاع ([232]).

ويتميز عمل المحكم عن عمل الوسيط بعنصر الإلزام في حكم التحكيم. المحكم يعمل في خصومة تحكيمية، بينما الوسيط لا تقوم أمامه خصومه بالمعنى الدقيق. يحق للأطراف اللجوء إلى القضاء بعد الوساطة، بينما لا يحق للأطراف اللجوء للقضاء بعد صدور حكم التحكيم؛ لأنه حكم ملزم يحوز حجية الأمر للقضى. المحكم يصدر حكم ملزم، بينما الوسيط يصدر توصية غير ملزم يمكن إهدارها باللجوء إلى القضاء. للخصوم حق اللجوء للقضاء بداءة مع وجود اتفاق وساطة، ولا يجوز اللجوء للقضاء مع وجود اتفاق التحكيم. الوسيط قد يعرض وساطته بين الأطراف من تلقاء نفسه، وللأطراف حق القبول أو الرفض لهذه الوساطة، واذا ما قبلوها فيحق لهم الرجوع عنها بخلاف المحكم فلا يعرض نفسه على الأطراف بل يسعون هم لاختياره، ومتى اختاروه محكما فلا يحق لأحدهم الرجوع عنه. ويحق للوسيط الانفراد بأحد الأطراف لمعرفة ادعاءاته أو وجهة نظره في حل النزاع، بخلاف المحكم فلا يحق له الانفراد أو الاتصال بأحد الأطراف وإلا اعتبر مخلا بمبدأ الحياد. يقوم الوسيط بعمل محضر توصية الوساطة بما تم التوصل إليه من تسوية للنزاع موقعا عليه منه ومن الأطراف إذا ما قبلوا توصية الوسيط، بخلاف المحكم ينهى النزاع بحكم بات ملزم في القانون المصري. ويقوم الوسيط بعقد اجتماعات خاصة مشتركه بين جميع الأطراف لعرض حججهم ومستنداتهم أو اجتماعات فردية منفصلة، بخلاف المحكم الذي يعقد جلسات. يقوم الوسيط بالتقريب بين وجهة نظر كل طرف من أطراف النزاع بعد البحث والتحقيق وتقديم المقترحات لتسوية النزاع مع ضمان استمرار العلاقة بين أطراف النزاع ودية متصلة ([233]).

(6)- تمييز عمل المحكم عن عمل الموفق: يقصد بالتوفيق كوسيلة لتسوية المنازعات، أسلوب أو إجراء يرمي إلى التقريب بين وجهات النظر المتعارضة للأطراف، عن طريق طرف ثالث محايد يسمي الموفق، لما له من براعة في تبديد الخلاف وسوء التفاهم، بالتقريب والمساعدة في الوصول إلي ترضية ودية بين وجهتي نظر متعارضة، ودون الخضوع والرقابة من القضاء، ويمكن للأطراف العدول عن التوفيق بعد الالتجاء إليه. والمسائل التي يجوز للمحكم نظرها هي نفسها التي يجوز للموفق نظرها. ولا يمكن الرجوع عن التحكيم بإرادة أحد الأطراف بينما يمكن الرجوع عن التوفيق بالعدول عنه إلى القضاء أو التحكيم. ولو كان الموفق قد قطع شوطا في نظر النزاع، بل ولو كان قد صدر اقتراح الموـفق الغير ملزم للأطراف إلا بالتوقيع عليه. فمحضر اتفاق التوفيق الموقع من الأطراف، والموفق لا تكون له حجية الأمر المقضي، و لا قوة تنفيذية، وإنما يحتفظ بطابعه التعاقدي، ويلتزم به أطراف التوفيق طبقا لقاعدة العقد شريعة المتعاقدين بخلاف حكم التحكيم فإنه ملزم بات في القانون المصري ([234]). فيقوم الموفق بمساعدة طرفي النزاع على تذليل العقبات والخلافات، بالتقريب بين وجهات النظر المتعارضة، وتقديم المساعدة وتبادل المعلومات والوثائق، بهدف الوصول إلى اتفاق حول المسائل الخلافية عند نقطة التقاء بينهما، تتحقق فيها أمانيهم وتشبع رغباتهم المختلفة، وبقاء علاقاتهم ودية. فإن نجح الموفق حرر محضر بما تم الإنفاق عليه، بعد التقريب بين وجهات نظر أطراف النزاع. وان فشل في التقريب بين وجهات نظر أطراف النزاع، فيجب عرض النزاع على وسيلة أخرى لتسويته، لأن النزاع يظل قائما. ولا يلتزم الموفق بتطبيق قانون معين. وقرار التوفيق ليست له صفة الإلزام، إلا بعد توقيع الأطراف علي محضر الاتفاق. والتوفيق له قيمة سلميه أكثر مما للتحكيم، فيقوم الموفق بتحديد مواضع النزاع ويقدم مقترحاته، التي لا يلتزمون بهـا ولا يجبرون على تنفيذها إلا برضاهم واختيارهم. وما يقوم به الموفق لا يخضع لرقابة القضاء بصفة عامة، ولا يتقيد الموفق بأي قيد أو مواعيد في عمله ([235]).

وقد يقوم الموفق بعمله في حضور الطرفين أو وكلائهم أو بدون حضورهم. ويقدم الموفق مشروع تسوية للطرفين، فإن وافقوا عليه، حرر به محضرا موقعا من الموفق والأطراف، وان لم يقبل الطرفان أو أحدهما هذه التسوية يفشل التوفيق، ويصبح لكل طرف الحق في الالتجاء إلى التحكيم أو القضاء العادي. ويحتفظ كل طرف بحقوقه طبقا للقانون، فلا تؤثر عليه محاولات التوفيق التي فشلت، ويعد الاتفاق على التوفيق، وأثناء عملية التوفيق وإجراءاته، ويجوز أن يلجأ أي من الطرفين إلى التحكيم أو القضاء؛ لأنه غير مرتبط باستكمال التوفيق حتى ينجح أو يفشل ([236]).

المحكم يباشر مهمة قضائية، ويفصل في النزاع بحكم ملزم بات في القانون المصري للأطراف، حتى لو حل النزاع بمقتضى قواعد العدالة والإنصاف. بينما يقوم الموفق بالتقريب بين وجهات نظر الأطراف. فالتوفيق قد يتضمن تنازلات من الطرفين لكي يمكن التوصل إلى حل وسط. فالموفق يتدخل ليقرب وجهات النظر بين الأطراف باتفاق توفيق. واذا تم التوصل إلى اقتراح بحل للنزاع، فيحرر به محضرا، يعتبر بمثابة التزام تعاقدي، يلزم الأطراف طبقا لمبدأ القوة الملزمة للعقد. فالمحكم والموفق يتفقان في أنهما يختاران باتفاق الأطراف لحل النزاع. فالتوفيق هو اتفاق الأطراف على محاولة إجراء تسوية ودية عن طريق موفق يتم اختياره بإرادة الأطراف. فيقدم الموفق مقترحاته التي قد يقبلها أو يرفضها الأطراف، فالمحكم والموفق مصدر سلطاتهما اتفاقي النشأة ([237]).

وقد يقترن اتفاق التوفيق بشرط تحكيم، كما قد يقترن اتفاق الوساطة بشرط تحكيم، والاختلاف بين التوفيق والوساطة هو فقط في الدرجة وليس في الطبيعة، فيقتصر عمل الموفق على مجرد التقريب أو نقل وجهة نظر كل طرف من أطراف النزاع إلى الآخر فيقوم بتسهيل الاتصال بين طرفي النزاع مع بيان نقاط الخلاف والتقريب بينها. بينما عمل الوسيط يستغرق عمل الموفق، ويمتد إلى حد اقتراح حلول على طرفي النزاع، أي أن عمل الوسيط أكثر اتساعا وأبعد مدى وأكثر إيجابية من عمل الموفق، لذا يبدأ باستعمال وسيلة التوفيق فإن أخفقت يلجأ إلى الوساطة فإن أخفقت يلجأ إلى التحكم، ولا يجوز لأى طرف اللجوء مباشرة إلى أي وسيلة لفض النزاع قبل استنفاد الوسيلة السابقة عليها احتراما لمبدأ القوة الملزمة للاتفاق على ذلك.

وقد استحدث المشرع المصري نظام التوفيق في المنازعات المدنية والتجارية والإدارية بموجب قانون لجان التوفيق رقم (7) لسنة 2000 لفض المنازعات التي تكون الدولة أو أحد الأشخاص الاعتبارية العامة طرفا فيها قبل اللجوء إلى القضاء، وأصبح اللجوء إلى هذه اللجان إجباريا -كقاعدة عامة- قبل اللجوء إلى القضاء باستثناء الدعاوي والطلبات المستعجلة …فلا تقبل أي دعوى قضائية متعلقة بمنازعة تنشأ بين الأشخاص الاعتبارية العامة ويبن العاملين بها أو الأفراد أو الأشخاص المعنوية الخاصة …إلا بعد الالتجاء إلى لجان التوفيق (م 24) من هذا القانون ([238]).

ونظام التوفيق في المنازعات المدنية والتجارية والإدارية وفقا لقانون لجان التوفيق المصري رقم (7) لسنة 2000 م لفض المنازعات التي تنشأ بين الأشخاص الاعتبارية العامة، وبين العاملين بها أو الأشخاص الطبيعيين أو الأشخاص المعنوية الخاصة، يمكن اعتباره بمثابة شرط عرض النزاع على لجنة قبل اللجوء إلى المحكمة المختصة والا حكم بعدم قبول الدعوى (م 24 منه). ولا يمكن اعتباره توفيق، ولا وساطة، ولا تحكيم لعدم وجود اتفاق توفيق، ولا اتفاق وساطة، ولا اتفاق تحكيم. كما أن أي اتفاق منها يقتضي إرادة حرة من طرفيه، بينما اللجوء إلى لجان التوفيق أمر مفروض وإجباري بنص المادة الأولى من القانون رقم (7) لسنة 2000 ف. كما أن اللجنة تصدر توصية بحل النزاع لقبولها أو رفضها من طرفي النزاع، وهذا هو عمل الوسيط وليس عمل الموفق، فالموفق يحاول التوفيق بين وجهتي نظر طرفي النزاع دون اقتراح الحلول.

(7)- المحكم وأعوان القضاء: لتسهيل عمل القضاة، وتأمين سير العدالة يلزم وجود عدة أشخاص يقومون بمعاونة رجال القضاء في تأدية وظائفهم، ومعاونة المتقاضين في القيام بالأعمال التي يتطلبها سير الدعوى. لذلك أوجب المشرع بجانب القضاة أعوان القضاة مثل الكتبة، والمحضرين، والمترجمين، والخبراء.

فرغم اختلاف طبيعة مهمة المحكم عن أعوان القضاء، إلا أن البعض يرى أن المحكم يعد من أعوان القضاء الإجرائية، وذلك لأن المهمة التحكيمية تخضع للمبادئ العامة في فكرة أعوان القضاء، وقد رفض القضاء الفرنسي إضفاء هذا التكييف على عمل المحكم حيث قضت محكمة استئناف Reims أن تعيين المحكم من قبل القاضي لا يعنى أن المحكم من أعوان القضاء، ومن ثم لا تطبق القواعد المقررة لأعوان القضاء على المحكم. فالسلطة المخولة للمحكم تجد أساسها القانوني في اتفاق الأطراف بشرط أو بمشارطة تحكيم علي حل النزاع المحتمل نشوبه في المستقبل أو القائم بينهم بمناسبة العقد المبرم بينهم عن طريق التحكيم دون قضاء الدولة ([239]).

24- الطبيعة القانونية لعقد التحكيم المبرم بين المحكم وأطراف التحكيم:

نصت (م 24/1) تحكيم سعودي علي أنه: “يجب عند اختيار المحكم إبرام عقد مستقل معه توضح فيه أتعابه، وتودع نسخة من العقد لدي الجهة التي تحددها اللائحة التنفيذية لهذا النظام”. ويعرف عقد التحكيم المبرم بين المحكم وأطراف التحكيم بأنه: “عقد يلتزم بمقتضاه المحكم بإصدار حكم ملزم في خصومة تحكيم بين طرفي النزاع خلال مهلة التحكيم مقابل أجر” ([240]).

فعقد التحكيم ينعقد بين المحكم والمحتكمين بمجرد الإيجاب والقبول؛ لأنه عقد رضائي، وملزم للجانبين، ومعاوضة، ويقوم على مبدأ حسن النية والثقة والاعتبار الشخصي. ومن ثم فإن عقد التحكيم يخضع لحكم القواعد العامة في نظرية العقد بشأن التراضي، وعيوب الإرادة.

وعلى ذلك فعقد التحكيم هو: اتفاق يبرم بين المحكم، واطراف اتفاق التحكيم، يتم بمقتضاه وضع اتفاق التحكيم -شرطا أو مشارطة- موضع التنفيذ، بقيام المحكم بالمهمة التحكيمية لإنهاء النزاع بين أطرافه بحكم ملزم. بمعني أن عقد التحكيم هو آلة أو أداة تنفيذ اتفاق التحكيم. فالمحكم ليس طرفا في اتفاق التحكيم شرطا كان أم مشارطة، وإنما طرفا في عقد التحكيم. وعلى ذلك فلا يلتزم المحكم بمباشرة إجراءات التحكيم إلا بعد قبوله المهمة التحكيمية. وقد يندمج عقد التحكيم مع اتفاق التحكيم عندما يتضمن اتفاق التحكيم شرطا أو مشارطة تعين شخص المحكم، فيعتبر ذلك إيجاب موجه للمحكم، فإن تم قبوله من المحكم انعقد عقد التحكيم بين المحكم و المحتكمين ([241]).

وقضت محكمة النقض الفرنسية في أحد أحكامها بأن العلاقة بين المحكم والمحتكيمن هي علاقة قانون خاص تولد التزامات متبادلة بينهما بعد قبول المحكم تعيين المحتكمين له والذي يعتبر عقدا. فالعلاقة بين المحكم والمحتكمين علاقة تعاقدية ترتيب حقوق وواجبات للمتعاقدين طبقا للقواعد العامة للعقد في القانون المدني ([242]).

وبذلك لا يمكن اعتبار المحكم موظفا عاما يؤدي خدمة عامة؛ لأن الموظف العام لا يملك رفض مهام وظيفته، ولا يتقاض أجرا من طالبي الخدمة نظير عمله، ويتم تعينه من الدولة، لا من طالبي الخدمة. بينما المحكم يملك رفض قبول مهمته، ويتقاضى أجرا من المحتكمين نظير عمله، ويتم تعيينه من المحتكمين، لذلك فالعلاقة بين المحكم و المحتكمين علاقة عقدية من علاقات القانون الخاص ([243]). فالمحكم شخص خاص يباشر عملا قضائيا لا يمكن تطبيق نظام مخاصمة القاضي عليه، لأنه يستمد ولايته من اتفاق التحكيم، ولا تسال عنه الدولة لأنها لم تعينه، وليس تابعا لها، كما لا يمكن تطبيق جريمة إنكار العدالة على المحكم إذا لم يصدر حكما ([244]).

يبرم عقد التحكيم إما بين كل محتكم والمحكم الذي اختاره على حده، ثم يبرم المحتكمون عقدا آخر مع المحكم المرجح. أو أن يبرم المحتكمون والمحكم عقدا واحد. وقد تتولى مؤسسة أو مركز تحكيم اختيار المحكم نيابة عن المحتكمين فينعقد عقد التحكيم بين أطراف التحكيم والمحكم، ومع ذلك ذهب رأي إلى أن عقد التحكيم في هذه الحالة تم بين أطراف التحكيم ومؤسسة أو مركز التحكيم. فيقوم عقد التحكيم على إرادة المحتكمين، والمحكم بطريقة مباشرة، أو بطريقة غير مباشرة إذا ترك أمر اختيار المحكم لمؤسسة أو مركز تحكيم ([245]).

ويجب أن يكون المحكم شخص طبيعي كامل الأهلية متمتعا بالحياد والاستقلال. كما يجب توافر أهلية التصرف في الحق المتنازع فيه للمحتكمين، لاحتمال خسارة الحق المتنازع فيه. إذا حكم ضد أحد المحتكمين بمعنى وجوب توافر الأهلية المدنية أو التجارية لدى المحتكم، وخلوه من عوارض أو موانع الأهلية طبقا لقانونه الشخصي، أي قانون الدولة التي يحمل جنسيتها، وليس القانون المختار من المحتكمين ليطبق على موضوع النزاع التحكيمي ([246]).

وينعقد عقد التحكيم بين المحكم والمحتكمين بمجرد ارتباط الإيجاب بالقبول؛ لأنه عقد رضائي، ولا يقدح في الرضائية كون المحكم معين من قبل مركز أو مؤسسة تحكيم، كما لا ينال من الرضائية تطلب المشرع صدور قبول المحكم للمهمة التحكيمية كتابة، فالكتابة هنا شرط لإثبات عقد التحكيم، وليست شرطا لانعقاد عقد التحكيم، لتفادي أي نزاع ينشأ في المستقبل. فرضاء المحكم، وأطراف التحكيم ركن من أركان عقد التحكيم، يجب أن يتحقق صراحة أو ضمنا. ويخضع عقد التحكيم لحكم القواعد العامة في نظرية العقد بشان التراضي، وعيوب الإرادة ([247]).

ومسألة قبول المحكم القيام بالمهمة التحكيمية ترجع إلى تقديره الشخصي في إطار طبيعة النزاع، وشخصية أطرافه، وأسماء المحكمين الآخرين. ولا يشترط صيغة معينه لقبول المحكم، فقد يكون صريحا أو ضمنيا. ولا يلزم لانعقاد عقد التحكيم حصول الرضا به في شكل معين، مالم يقضي القانون بغير ذلك. فلا يعتبر عقدا شكليا تطبيقا للقاعدة العامة؛ لأن الرضائية هي الأصل في العقود، والشكلية استثناء ([248]).

وعقد التحكيم عقد غير مسمى، لم يرد له تنظيم خاص ضمن العقود المسماة. ولم ينظم قانون التحكيم المصري، ولا القانون المدني المصري حكام عقد التحكيم. وقد ورد النص في نظام التحكيم السعودي الجديد علي عقد التحكيم في (م 24/1) بقولها: “يجب عند اختيار المحكم إبرام عقد مستقل معه توضح فيه أتعابه، وتودع نسخة من العقد لدي الجهة التي تحددها اللائحة التنفيذية لهذا النظام”. وتعيين المحكم من المحتكمين أو من القضاء يعتبر إيجاب موجه للمحكم يلزم قبوله من المحكم. بينما يعتبر اتفاق المحتكمين على التحكيم عقد مسمى نظمه قانون التحكيم.

كما أن عقد التحكيم عقد معاوضة، فالمحكم يلتزم بعمل معين، هو الفصل في النزاع التحكيمي بحكم ملزم، خلال ميعاد التحكيم، مقابل الأجر الذي يتقاضاه من المحتكمين. وعقد التحكيم عقد ملزم للجانبين، لأنه ينشئ التزامات متقابلة على عاتق طرفيه، واذا أخل أحد طرفيه بما عليه من التزام، كان مسئولا أمام الطرف الأخر عن تعويض الأضرار التي تصيبه. كما أنه يجوز لكل طرف أن يمتنع عن تنفيذ التزاماته، حتى يقوم الطرف الآخر بتنفيذ التزامه (م 161 مدني مصري). كما أن عقد التحكيم عقد من عقود الثقة، حيث يلزم المحكم بالإفصاح عن كل الظروف والملابسات التي يكون من شأنها إثارة شكوك حول استقلاله وحياده (م 16 /3 تحكيم مصري)، كما أنه يتم اختيار المحكم من قبل المحتكمين على أساس الثقة فيه، وعلى المحكم الحفاظ على سرية التحكيم، وعلى المعلومات التي أفضى بها الأطراف إليه، كما يجب تنفيذه بطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية (م 148 /1 مدني مصري) ([249]).

ومحل عقد التحكيم كركن من أركانه يتمثل في إجراء عملية التحكيم لتسوية النزاع بحكم ملزم لأطرافه خلال مهلة التحكيم، عن طريق محكم من ذوي الخبرة، والكفاءة، والثقافة، مقابل أجر يتقاضاه المحكم من المحتكمين.

أما سبب عقد التحكيم كركن من أركانه يتمثل في، رغبة المحتكمين في تسوية النزاع القائم بينهم بالتحكيم، دون قضاء الدولة، عن طريق هيئة تحكيم من اختيارهم. ويجب أن يكون النزاع كسبب لعقد التحكيم مشروعا، وغير مخالف للنظام العام والآداب العامة.

وبعد توافر أركان عقد التحكيم فينتج آثاره بين أطرافه. مرتبا حقوقا، والتزامات لكل من طرفيه، وذلك في ضوء اتفاق التحكيم، والقانون الواجب التطبيق على التحكيم. وتلك الحقوق والالتزامات المتبادلة لطرفي عقد التحكيم تمثل نطاق مسئولية المحكم. ويثبت عقد التحكيم بين المحكم والمحتكمين، بكافة طرق الإثبات، لأنه من العقود الرضائية، واشترط الكتابة للإثبات لا للانعقاد، فإن لم يكن العقد مكتوبا جاز للمحكم إثباته بكافة طرق الإثبات.

تعتبر العلاقة في عقد التحكيم بين المحكم والمحتكمين علاقة عقدية من علاقات القانون الخاص، محلها عمل أو خدمة يقدمها المحكم للمحتكمين، قوامها الفصل في النزاع بينهما بحكم تحكيم ملزم صحيح خلال مهلة التحكيم، ويخضع للقواعد العامة في العقود طبقا لأحكام القانون المدني، والقواعد الخاصة بالتحكيم ([250]).

وتعتبر العلاقة بين المحكم ومركز التحكيم في التحكيم المؤسسي علاقة عقدية بين الطرفين، تولد حقوقا والتزامات متبادلة لمصلحة كل منهما ولمصلحة الغير (أطراف خصومة التحكيم)؛ حيث يقوم مركز التحكيم بإدارة ورعاية عملية التحكيم، ويقوم المحكم بمهمته التحكيمية برعاية ومساعدة المركز وفقا لما تنص عليه قواعد مركز، ويقوم المحكم بمباشرة مهمته التحكيمية بصفة مستقلة دون تبعية لمركز التحكيم أو الغير الذي اختاره ([251]).

كما تعتبر العلاقة بين مركز التحكيم في التحكيم المؤسسي وأطراف التحكيم؛ علاقة عقدية تولد حقوقا والتزامات متبادلة، لمصلحة كل منهما. إذ يكون مركز التحكيم في حالة إيجاب عام موجه للجمهور الراغبين في التحكيم وفقا لقواعده وإجراءاته، منتظر قبولا من طرفي التحكيم برضاهم في اتفاق التحكيم علي الخضوع لقواعد وإجراءات هذا المركز بالتحديد ([252]).

25- التمييز بين عقد التحكيم المبرم بين المحكم وأطراف التحكيم، وغيره من النظم القانونية المشابهة:

يختلف عقد التحكيم عن عقود الخدمات الأخرى التي قد تتداخل أو تتشابه معه؛ كعقد المقاولة، والعمل، والوكالة …

– عقد التحكيم، وعقد المقاولة: عقد المقاولة هو عقد يتعهد بمقتضاه المقاول بأن يصنع شيئا أو يؤدي عملا مقابل أجر يتعهد به الطرف الآخر دون أن يكون تابعا له أو نائبا عنه (م 646 مدني هصري). يتفق عقد التحكيم مع عقد المقاولة في أن محل كل منهما هو تقديم خدمة أو أداء عمل مقابل أجر. وأن التزام المحكم، والمقاول هو التزام بتحقيق نتيجة، وليس ببذل عناية. ولا يعتبر المحكم ولا المقاول تابعا، ولا نائبا عن الطرف الآخر المتعاقد معه ([253]).

ومع ذلك يختلف عقد التحكيم عن عقد المقاولة؛ في أن المحكم يلتزم بالقيام بالعمل بنفسه، فلا يجوز له أن يعهد بالمهمة التحكيمة لمحكم آخر، بينما يستطيع المقاول القيام بالعمل عن طريق مقاول من الباطن. ولا يجوز للمحتكمين الامتناع عق استلام حكم التحكيم وان كان معيبا، بينما يجوز لرب العمل الامتناع عن استلام عمل المقاول إن كان معيبا ومخالف للمواصفات المتفق عليها. و يستطيع المحكم في إذا لم يقدم له أحد المحتكمين دفاعه أو مستنداته خلال المهلة المحددة له، إصدار حكم التحكيم بناء على مستندات الطرف الآخر، بينما يجوز للمقاول فسخ عقد المقاولة إذا لم يقدم صاحب العمل الأداء المطلوب منه. ويقوم المحكم بالفصل في نزاع مصالح متعارضة بعمل ذهني يعتمد على خبرة وكفاءة وثقافة المحكم، بينما يقوم المقاول بعمل مادي لمصلحة رب العمل. و لا يجوز للمحتكمين طلب التنفيذ العيني لعمل المحكم على نفقته الخاصة، بينما يجوز لرب العمل طلب التنفيذ العيني لعمل المقاول على نفقته ([254]).

(ب)- عقد التحكيم، وعقد العمل: عقد العمل هو عقد يلتزم بمقتضاه العامل بتقديم عمل لصاحب العمل وتحت إدارته وإشرافه مقابل أجر (م 674 مدني مصري، م 29 عمل مصري). ويتفق عقد التحكيم مع عقد العمل في أن محل كل منهما تقديم عمل أو خدمة من العامل أو المحكم نظير أجر.

ويختلف عقد التحكيم عن عقد العمل في أن العامل يخضع لرقابة وإشراف وإدارة صاحب العمل نظرا لوجود رابطة التبعية بين العامل وصاحب العمل، بينما المحكم يمارس عمله مستقلا عن المحتكمين بما يناسب طبيعة مهمته وهي الفصل في النزاع بينهما بحكم ملزم دون الخضوع لرقابة وتوجيه من المحتكمين. ويشترط في المحكم أن يكون متمتعا بالأهلية القانونية الكاملة، بينما لا يشترط في العامل الأهلية القانونية الكاملة. ولا يجوز للمحتكمين توقيع عقاب على المحكم بالجزاءات التي يستطيع توقيعها صاحب العمل على العامل لديه، ولا يمكن إخضاع المحكم لأحكام قانون العمل، بينما العامل يخضع لأحكام قانون العمل. التزام المحكم في عقد التحكيم هو التزام بتحقيق نتيجة قوامها الفصل في النزاع بحكم تحكيم ملزم خلال مهلة التحكيم، بينما التزام العامل في عقد العمل هو التزام ببذل عناية في القيام بأعباء العمل المكلف به من صاحب العمل. كما أن المحكم يقوم بعمل ذهني هو حسم النزاع التحكيمي، بينما العامل يقوم بعمل مادي. ويتميز المحكم عن العامل بالاستقلال الفني فحتى عندما يكون التحكيم مؤسسيا ولأن تبعية المحكم لمؤسسة التحكيم تكون تبعية إدارية وليست فنية، ولا يجب أن تتجاوز هذا الإطار الإداري إلى المسائل الفنية ([255]).

(ج)- عقد التحكيم، وعقد الوكالة: عقد الوكالة هو عقد يلتزم بمقتضاه الوكيل بأن يقوم بعمل قانوني لحساب الموكل (م 699 مدني مصري). ويتفق عقد التحكيم مع عقد الوكالة في أن محل كل منهما القيام بعمل قائم على الاعتبار الشخصي، والثقة في الشخص.

ويختلف عقد التحكيم عن عقد الوكالة في أن الوكيل يخضع لتعليمات وتوجيهات موكله ويؤدي عمله لحساب موكله ويتصرف في حدود الوكالة، بينما المحكم يمارس عمله مستقلا عمن عينه ولا يخضع إلا لضميره ومقتضيات العدالة وأحكام القانون متحليا بالحياد والاستقلال. ويستطيع المؤكل عزل وكيله بإرادته المنفردة، بينما لا يستطيع المحتكم عزل محكمه بإرادته المنفردة. ولا يستطيع المحتكم القيام بعمل المحكم وهو الفصل في النزاع، بينما يستطيع الموكل القيام بعمل الوكيل. ويقوم الوكيل بعمله تبرعا من حيث الأصل ما لم يتفق على غير ذلك، بينما المحكم يقوم بعمله نظير أجر. ويستمد المحكم سلطته من الإرادة المشتركة للمحتكمين (اتفاق التحكيم) وليس من طرف بعينه، بينما الوكيل يستمد سلطته من موكله. ولا يجوز للمحتكمين التنصل من حكم المحكم، بينما يستطيع الموكل التنصل من عمل الوكيل إذا تجاوز حدود الوكالة. ولا يعتبر المحكم وكيلا مشتركا عن المحتكمين لتعارض مصالحهما، فلا يجوز للوكيل تمثيل طرفين مصالحهما متنازعة – ولو كان الأمر كذلك لكان من سلطة المحكم مد مهلة التحكيم من تلقاء نفسه دون الرجوع إلى المحتكمين أو القضاء، ولكن قانون التحكيم لا يعطيه هذا الحق (م 45/ 1 تحكيم مصري) ([256]).

وقد أكدت محكمة النقض الفرنسية بأن المحكم لا تربطه بالخصم الذي عينه عقد وكالة فالمحكم لا يعد وكيلا عن هذا الخصم ([257]). وبناء عليه رفضت محكمة النقض الفرنسية تأسيس مسئولية المحكم على فكرة الوكالة، وهو ما أيده الفقه الفرنسي. كما لا يعتبر المحكم الفرد وكيلا مشتركا عن المحتكمين لتعارض مصالحهما، فلا يجوز للوكيل تمثيل طرفين مصالحهما متعارضة ([258]).

26- التكييف القانوني لعقد التحكيم (عقد غير مسمى من طبيعة خاصة):

يعتبر عقد التحكيم عقد رضائي، غير مسمى، من طبيعة خاصة له خصوصيته، من عقود الخدمات. لذلك فإن المرجع في أحكامه إلى عقد التحكيم ذاته، والقواعد العامة في العقود، والاتفاقيات الدولية. وذلك لأن أحكام عقد التحكيم ترفض الخضوع الكامل لأحكام أية عقد من عقود الخدمات المسماة التي نظمها القانون المدني. إذا أن عقد التحكيم يتمرد على الأحكام القانونية لتلك العقود بسبب طبيعة المهمة التي يقوم بها المحكم، وهي الفصل في نزاع بين طرفي اتفاق التحكيم بحكم تحكيم ملزم خلال مهلة التحكيم، وما تستتبعه من ضرورة تمتع المحكم بالحياد والاستقلال والنزاهة لإصدار الحكم التحكيمي بحرية ([259]).

ومع ذلك فإن هناك اتجاه آخر يكييف عقد التحكيم بين المحكم والمحتكمين بأنه عقد ولاية بمقتضاه يولى أطراف النزاع المحكم سلطة الفصل في النزاع بينهم، ويلتزم المحكم أو المحكمون بمقتضى عقد التحكيم بممارسة هذه السلطة وإتمام تلك المهمة ([260]). والآن أصبحت الحاجة ملحة بدون شك لتقنين عقد التحكيم وجعله عقد مسمى ضمن نصوص قانون التحكيم المصري بتحديد الشروط الواجب توافرها في المحكم، وواجباته، وحقوقه، ومسئوليته، وحصاناته، وانعقاد عقد التحكيم، وتكوينه، وأحكامه، وانقضائه. لذلك نهيب بالمشرع المصري تقنين عقد التحكيم.

27- الطبيعة القانونية لهيئة التحكيم: ثار خلاف في الفقه حول تحديد الطبيعة القانونية لهيئة التحكيم، ويرجع هذا الخلاف إلي أن الأصل هو الفصل في المنازعات يتم عن طريق القضاء الرسمي للدولة ممثلا في المحاكم القضائية بكافة أنواعها ودرجاتها. فذهب رأي أول إلي تكييف هيئة التحكيم بأنها هيئة قضائية خاصة لأن قانون التحكيم هو الذي نظم قواعد اللجوء إليها، وضوابط ممارستها للمهمة التحكيمية ([261]). وذهب رأي ثان إلي تكييفها بأنها هيئة قضائية علي اعتبار أن المحكم كالقاضي، وترجيحا للصبغة القضائية لنظام التحكيم ([262]). وذهب رأي ثالث إلي تكييفها بأنها هيئة ذات اختصاص قضائي لأنها تمارس عمل قضائي هو الفصل في النزاع بين أطراف خصومة التحكيم ([263]). وذهب رأي رابع إلي تكييفها بأنها هيئة مكلفة بخدمة عامة لأنها تقوم بعمل المحاكم القضائية؛ ويرتب علي ذلك الصفة الرسمية للأوراق الصادرة عنها، ولكن يرد علي هذا الرأي بأن المكلف بخدمة عامة يقوم بعمله بشكل دائم ومستمر، وليس لمرة واحدة يستنفد بعدها سلطته ([264]).

28- حقوق المحكم: يعتبر اختيار طرفي التحكيم لمحكم معين فخرا وشرفا له، يكسبه سمعة طيبة، ومكانة رفيعة في أوساط المحكمين، ويجعله محلا للثقة. والأصل في التحكيم إعفاء المحكم من التقيد بالقواعد الإجرائية التي يتقيد بها قاضي الدولة لأن أساسه ودستوره اتفاق التحكيم. فإن إرادة أطراف النزاع هي التي تحدد قدر المرونة التي يتمتع بها المحكم في إطار احترام ضوابط النظام العام والآداب العامة. فالمحكم سواء كان معينا من الأطراف أو من أحدهم أو من مركز تحكيم أو من الغير أو من المحكمة القضائية، يتمتع بمجموعة من الحقوق الخاصة به عند مباشرة المهمة التحكيمية مثل: حقه في قبول أو رفض مهمة التحكيم، وحقه في احترامه وتنفيذ تعليماته، وحقه في الاستقالة، وحقه في عدم عزله دون مبرر، وحقه في الأتعاب والمصاريف، وحقه في التمتع بالحصانة …

(1)- حق المحكم في قبول أو رفض مهمته التحكيمية: ولأن نظام التحكيم يقوم على أساس إرادة أطراف التحكيم والمحكم عند إبرام عقد التحكيم بينهما، فإنه يكون من حق المحكم، سواء كان معينا من الأطراف أو من أحدهم أو من مركز تحكيم أو من الغير أو من المحكمة القضائية أن يصدر موافقته على قبول المهمة التحكيمية أو رفضه لها. فلا يجوز إجبار أحد أطراف التحكيم على قبول محكم لا يرغب فيه، في المقابل لا يجبر محكم على قبول التحكيم في نزاع لا يرغب الفصل فيه، عكس حال قاضي الدولة الذي لا يحق له رفض الفصل في دعوى تعرض عليه، بل إن هذا الرفض يوجب مساءلة القاضي، وهو ما لا يحدث في مثل هذه الحالة مع المحكم ([265]).

ويجب أن يصدر المحكم موافقته أو رفضه للمهمة التحكيمية، ولكن متى قبل المهمة فإنه يصدر موافقته وقبوله بشكل صريح وكتابي يوجه إلى أطراف التحكيم أو إلى الجهة التي عينته، وذلك بنص (م 16/ 3) تحكيم مصري، و(م 24) تحكيم سعودي، و(م 16 /3) تحكيم عماني، و(الفصل 11) مجلة تحكيم تونسي، و (م 178) مرافعات كويتي، و(م 207/ 1) إجراءات مدنية إماراتي، و(م 769) أصول محاكمات مدنية لبناني، و(م 11) تحكيم تونسي، و(م 259) مرافعات عراقي، و(م 194) مرافعات قطري، و(م 17/ 1) تحكيم سوري، و(م 11) تحكيم موريتاني، و(م 12) تحكيم فلسطيني. ويجب أن يكون قبول المحكم للمهمة التحكيمية نهائيا، ومنجزا، ودون أي تحفظات، وغير معلق على شرط أو أجل ([266]).

ويكون المحكم غير ملزم عند رفضه قبول القيام بالمهمة التحكيمية، بأن يوضح أسباب الرفض، فإن شاء ذكرها، وإن شاء سكت عنها، ولا تثريب عليه في ذلك، فالأمر مرجعه أولا وأخيرا إلى تقديره الشخصي. ورفض المحكم لنظر النزاع التحكيمي المعروض عليه قد يكون صريحا أو ضمنيا. ومن قبيل الرفض الضمني أن يبالغ المحكم فيما يطلبه من أجر مقابل فصله في النزاع فيشترط قدرا باهظا من المال لا يقبله الطرفان المتنازعان، ومن ثم يبحثان عن محكم آخر أقل كلفة ([267]). واذا اختار أطراف التحكيم محكما للفصل بينهم فله حق الموافقة على قبول المهمة التحكيمية أو رفضه، واذا رفضه فلا تثريب عليه في ذلك، لقوله تعالى: (فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ…) ([268]). واذا قبل المحكم مهمته التحكيمية، فلا يجوز له أن ينيب عنه غيره في التحكيم إلا بإذن الأطراف ([269]).

ولا يعتبر المحكم مرتكبا لجريمة إنكار العدالة إذا امتنع عن القيام بمهمته التحكيمية بعد قبوله القيام بها، لأنه ليس قاضيا من قضاة الدولة ملزم بحكم وظيفته بالقيام بعمله، وان كان ملزما بالتعويض إذا ثبت خطائه وفقا للقواعد العامة في المسئولية المدنية المهنية، مالم يكن لديه عذر مقبول يبرر امتناعه عن القيام بالمهمة التحكيمية بنص (م 194) مرافعات قطري، و (م 178/ 2) مرافعات كويتي، و(م 207/ 2) إجراءات مدنية إماراتي، و(م 12) تحكيم فلسطيني. ولا تسأل الدولة عن عمل المحكم لأنه ليس تابعا لها ([270]).

كما يجوز إقالة المحكم باتفاق أطراف خصومة التحكيم في أي مرحلة من مراحل سيرها طالما لم يصدر المحكم حكمه بعد، حتى ولو لم تتوافر أي ظروف من شانها أن تثير شكوكا حول حيدته أو استقلال (م 20 تحكيم مصري). وان كان يلتزم طرفي خصومة التحكيم تجاه المحكم المقال بالتعويض، وفقا للقواعد العامة في المسئولية المدنية ([271]).

(2)- حق المحكم في احترامه وتنفيذ تعليماته والتعاون معه: بمجرد قبول المحكم سواء كان معينا من الأطراف أو من أحدهم أو من مركز تحكيم أو من الغير أو من المحكمة القضائية، القيام بالمهمة التحكيمية، فيكون من حقه على أطراف النزاع احترامه وتوقيره وعدم الإساءة إليه أو اتهامه بما ليس فيه مما قد يخدش عدالته وأمانته أو يمس نزاهته كقاضي الدولة تماما، فالمحكم ليس باقل شأنا من القاضي في هذا الحق ([272]). فقد نصت (م 15) تحكيم سوري علي أن: كل من يعتدى على محكم خلال ممارسته مهمة التحكيم أو بسببها يعاقب بالعقوبة التي يعاقب لها فيما لو كان الاعتداء على قاض”. ويتعين على الأطراف مخاطبة المحكم بالتوقير والاحترام، ويتعاملوا معه بحسن نية على اعتبار أنه الشخص الذي وثقوا فيه، وفي نزاهته وكفاءته وخبرته لحل النزاع مع ملاحظة أنه لا يجوز للمحكم تطبيق النصوص المتعلقة بجرائم الجلسات أمام القضاء على الجلسات التي تتم أمامه.

ويجب أن يمتد احترام المحكم وتوقيره إلى احترام أوامره وأحكامه متى صدرت صحيحة شكلا وموضوعا من الناحية القانونية بناء على ما قدمه أطراف التحكيم من أدلة ومستندات ومرافعات، فيحق للمحكم تجاه أطراف التحكيم احترامه، واتباع ما يقرره من تعليمات، والتعاون معه، ومعاملته بسلوك يتسم بالنزاهة ([273]). كما يجب على أطراف التحكيم معاونته من أجل حل النزاع بطريقة سليمة وسريعة في كل مراحل التحكيم، فيحق للمحكم مطالبة أطراف التحكيم بتقديم الإيضاحات والمعلومات الضرورية والأدلة التي يراها المحكم مفيدة لإظهار الحقيقة (م 30/3) تحكيم مصري، و(م 30/3) تحكيم سعودي، و(م 5/6) تحكيم أردني، و(.art. 1460 al. 2 N. C. P. C. F). فيجب علي من صدر حكم التحكيم لمصلحته أن يودع أصل حكم التحكيم أو صورة موقعة باللغة التي صدر بها، أو ترجمة باللغة العربية مصدقا عليها من جهة معتمدة إذا كان صادرا بلغة أجنبية، وذلك في قلم كتاب المحكمة المختصة أصلا بنظر النزاع. ويحرر كاتب المحكمة محضرا بهذا الإيداع، ويجوز لكل من طرفي التحكيم طلب الحصول علي صورة من هذا المحضر (م 47 تحكيم مصري).

(3)- حق المحكم في العدول أو التنحي عن مهمته التحكيمية بمبرر شرعي: الأصل والقاعدة أن المحكم سواء كان معينا من الأطراف أو من أحدهم أو من مركز تحكيم أو من الغير أو من المحكمة القضائية، بعد قبوله بالمهمة التحكيمية يلتزم بالسير في إجراءات خصومة التحكيم حتى نهايتها الطبيعية بصدور حكم في موضوعها. ولا يحق له التنحي أثناء سير خصومة التحكم، إلا أنه استثناء قد يستجد من الظروف والأسباب التي قد تضطر المحكم إلى تقديم استقالته، في أي مرحلة من مراحل سير الخصومة التحكيمية، إذا اصبح المحكم في وضع لا يستطيع معه الاستمرار في نظر خصومة التحكيم، وخاصة عندما يقدم المحكم مبرر شرعي لاستقالته. فمثلا عندما يطلب أحد الأطراف عزله دون مبرر… فإن ذلك سيؤثر على سمعة المحكم ومكانته مما يضطره إلى عدم الاستمرار في التحكيم حتى ولو ثبت عدم صحة ما أسند إليه. والمحكم الشريف لن يسمح لنفسه بالاستمرار في خصومة تحكيم وأحد أطرافها ليس لديه الرغبة في وجوده كمحكم ليفصل فيها ([274]).

و إذا قامت ظروف بالمحكم تجعله يستشعر الحرج في القيام بمهمته التحكيمية أو تؤدي إلى عدم استقلاله أو حيدته أو إذا أصابه مانع قانوني أو أدبي يمنعه من مزاولة التحكيم، كما لو أصابه مرض عضال، أو أجبر على سفر طويل يحول دون أداء مهمته خلال ميعاد التحكيم. والتنحي بمبرر مشروع حق للمحكم ورد النص عليه في (م 20) تحكيم مصري، و (م 18) تحكيم سعودي، م و(م 748) مرافعات ليبي، و(م 11) تحكيم تونسي، و(م 261) مرافعات عراقي، و (م 514) أصول محاكمات مدنية لبناني، و(م 17) تحكيم يمني، و(م 22) تحكيم موريتاني.

وعلى ذلك فيجوز للمحكم أن يتخلى طواعية عن مهمته التحكيمية إذا وجد في نفسه ما يمكن اعتباره معه غير محايد تجاه أحد طرفي التحكيم بسبب وجود صلة أو علاقة مع أحدهم أو مع أحد المحكمين الآخرين في هيئة التحكيم، ويكون تنحي المحكم عادة أثناء سير خصومة التحكيم في الحالة التي يطلب فيها أحد طرفي التحكيم رده، ويعتبر تنحي المحكم وسيلة لتلافي المشاكل الناجمة عن عدم توافر شروط المحكم ([275]).

(4)- حق المحكم في عدم رده أو عزله دون مبرر قانوني: يجب عند قبول المحكم للمهمة التحكيمية، سواء كان المحكم معينا من الأطراف أو من أحدهم أو من مركز تحكيم أو من الغير أو من المحكمة القضائية، وسواء كان في تحكيم وطني أم دولي، حر أم مؤسسي؛ أن يكشف لأطراف التحكيم عن الظروف والوقائع التي من شأنها إثارة الشكوك حول حيدته واستقلاله، والتي توجب رده أو عزله. ويجوز لأي من أطراف التحكيم طلب رد المحكم، إذا وجدت ظروفا تثير شكوكا جدية حول حيدة المحكم واستقلاله (م 16 /3) تحكيم مصري، و (م 13) تحكيم بحريني، و (م 22، 21) تحكيم موريتاني.

ويقدم طلب الرد كتابة إلي هيئة التحكيم بعد تمام تشكيلها – وليس إلي المحكمة مباشرة والا كان غير مقبول – مبينا فيه أسباب الرد خلال خمسة عشر يوما من تاريخ علم طالب الرد بتشكيل هيئة التحكيم أو بالطروف المبررة للرد، فإذا لم يتنح المحكم المطلوب رده خلال خمسة عشر يوما من تاريخ تقديم الطلب، يحال بغير رسوم إلي المحكمة المختصة أصلا بنظر النزاع للفصل فيه بحكم غير قابل للطعن سواء كان بقبول أو برفض طلب الرد (م 19 /1 تحكيم مصري)، وأنه يتعين على طالب الرد إذا ما أجيب إلى طلبه، أن يلجأ من تلقاء نفسه إلى المحكمة المختصة، باعتباره صاحب الصفة والمصلحة في هذا الشأن، لاستكمال إجراءات هذا الطلب أمام المحكمة المختصة، وفقا لما نظمته المواد 148 حتى 165 من قانون المرافعات باعتباره القانون العام في هذا المقام لإجراءات التقاضي، وذلك بالنظر إلى خلو مواد قانون التحكيم رقم 27 لسنة 1994 م من بيان لها. وذلك تجنبا لإطالة أمد النزاع، ولسرعة حل مشكلات التحكيم. ويطبق علي رد المحكم القانون الذي يحكم إجراءات خصومة التحكيم. ولا يترتب علي تقديم طلب الرد وقف إجراءات التحكيم، خلافا لرد القضاة (م 162 مرافعات مصري). وتقديم طلب رد المحكم لا يوقف إجراءات التحكيم إلا باتفاق الأطراف علي الوقف ([276]).

وتطبيقا لذلك قضت محكمة النقض المصرية بأن: “النص في المادة 16 /3 من القانون رقم 27 لسنة 1994 م بإصدار قانون في شأن التحكيم في المواد المدنية والتجارية على أن “يكون قبول المحكم القيام بمهمته كتابة، ويجب عليه أن يفصح عند قبوله عن آية ظروف من شانها إثارة شكوك حول استقلاله أو حيدته”، وفى المادة 18 منه على أن: “لا يجوز رد المحكم إلا إذا قامت ظروف تثير شكوكا جدية حول حيدته أو استقلاله ولا يجوز لأى من طرفي التحكيم رد المحكم الذى عينه أو اشترك في تعيينه إلا لسبب تبينه بعد أن تم هذا التعيين” وفي المادة 19 /1 منه على أن: “يقدم طلب الرد كتابة إلى هيئة التحكيم مبينا فيه أسباب الرد خلال خمسة عشر يوما من تاريخ علم طالب الرد بتشكيل هذه الهيئة، أو بالظروف المبررة للرد، فإذا لم يتنح المحكم المطلوب رده خلال خمسة عشر يوما من تاريخ تقديم الطلب، يحال بغير رسوم إلى المحكمة المشار إليها في المادة (9) من هذا القانون. للفصل فيه بحكم غير قابل للطعن.” يدل على أنه متى قامت ظروف تثير شكوكا حول استقلال المحكم أو حيدته كان عليه أن يفصح عنها عند قبوله القيام بمهمته، أما إذا لم يفصح عنها بعد أن قدر أنها لا تثير شكوكا حول استقلاله أو حيدته، ثم علم طرف التحكيم بهذه الظروف بعد أن عينه ورأى أنها تثير ذلك، كان له أن يقدم طلبا برده إلى هيئة التحكيم خلال خمسة عشير يوما من تاريخ علمه بها، فإذا لم يتنح المحكم خلال خمسة عشر يوما من تاريخ تقديم الطلب، يحال إلى المحكمة المنصوص عليها في المادة (9) من ذات القانون للفصل فيه بحكم غير قابل للطعن. وعلى ذلك فإنه إذا لم يقم المحكم بواجب الإفصاح، واستمرت إجراءات التحكيم دون اعتراض على المحكم، فلا يجوز النعي على حكم التحكيم لمجرد أن المحكم لم يفصح عن الظروف التي قد تثير الشك في حيدته واستقلاله، أما إذا اعترض أحد الطرفين على المحكم، فإن للأخير أن يتنحى عن التحكيم، على أن للأخير أن يستمر في العمل رغم هذا الاعتراض، وعندئذ يكون للطرف غير الموافق التمسك برد المحكم، فإن حكم برده اصبح غير صالح لنظر التحكيم، أما إذا لم يقم أي من الطرفين برده والحصول حلى حكم بهذا الرد فإن حكمه يكون صحيحا. لما كان ذلك، وكان الحكم المطعون فيه قد أورد صحيحا بتقريراته أن الطاعنة لم تتخذ إجراءات رد المحكم الذى عينته خلال الميعاد الذى حدده القانون، واطرح دفاعها في هذا الخصوص فإن ما تشيره في شأن عدم إفصاح هذا المحكم عن قبوله التحكيم عن الظرف المشار إليه بسبب النعي يكون في غير محله طالما أنها لم تتخذ من جانبها إجراءات رده علي النحو الذى رسمه القانون” ([277]).

ويجوز لهيئة التحكيم أن تواصل نظر خصومة التحكيم، وأن تصدر حكم التحكيم، خشية تعطيل إجراءات التحكيم، واساءة استعمال الخصوم لحق رد المحكم. واذا حكم برد المحكم ترتب علي ذلك اعتبار ما يكون قد تم من إجراءات التحكيم، بما في ذلك حكم التحكيم كأن لم يكن (م 19 /3 تحكيم مصري). ولا يعني ذلك تحلل الأطراف من اتفاق التحكيم، بل يظل التزامهم به قائما، ويجب تعيين محكم بديل طبقا لإجراءات اختيار المحكم الذي تم رده، وتعتبر قواعد رد المحكم من النظام العام، ولا يجوز الاتفاق علي ما يخالفها لأنها تتعلق بضمانة الحيدة والاستقلال ([278]). ولم ينص قانون التحكيم المصري علي حالات رد المحكم، ولم يحيل علي الحالات الواردة في قانون المرافعات، وإنما أورد سبب عام واسع النطاق لكل من حالات الرد، وحالات عدم الصلاحية في نص (م 16 /3، م 18/ 1 تحكيم مصري) هو أية ظروف تثير شكوكا جدية حول استقلاله أو حيدته، وبالتالي فلا تقع الحالات التي تؤثر على حياد المحكم واستقلاله تحت حصر. ولم يفرق قانون التحكيم بين أسباب الرد، وأسباب عدم الصلاحية والتنحي كما فعل قانون المرافعات بشأن القاضي في المواد من 146 حتي 165 منه. إلا أن مركز القاهرة الإقليمي للتحكيم التجاري الدولي ذهب في أحد أحكامه إلي أن أسباب عدم صلاحية القاضي الواردة في نص (م 146) مرافعات مصري، تعتبر أسباب لعدم صلاحية المحكم ([279]).

بينما نصت (م 22/ 5، 4، 3) تحكيم موريتاني على أنه: “ويجوز كذلك رد المحكم بمثل ما يرد به القاضي.

ويرفع طلب الرد المبني على زعم عدم الاستقلالية أو الحياد إلى محكمة الولاية التي يوجد بدائرتها مقر التحكيم، والتي تنظر فيه طبقا لأحكام قانون الإجراءات المدنية والتجارية والإدارية.

وعندما ترفع دعوى رد أو عزل ضد أحد المحكمين، فإن إجراءات التحكيم تعلق حتى يبت في تلك الدعوى”. وعلى نفس النهج نص (م 261) مرافعات عراقي بتقديم طلب الرد إلى المحكمة المختصة أصلا بنظر النزاع مباشرة، وكذلك نص (م 24) تحكيم يمني، و (م 18) تحكيم أردني.

في حين نصت (م 16/ 3) تحكيم فلسطيني، و(م 19) تحكيم عماني على تقديم طلب الرد لهيئة التحكيم، وتتولى هيئة التحكيم بنفسها الفصل في طلب الرد إذا لم يتنحى المحكم المطلوب رده، وهذا يجعل من المحكم خصم وحكم في آن واحد.

وبالرغم من ذلك فقد يستهدف أحد أطراف التحكيم، عرقلة سير إجراءات التحكيم بطلب رد المحكم، أو يتقدم إلى المحكمة بطلب عزله، ويبدي أسباب واهية غير صحيحة. وبطبيعة الحال هذا الأمر يسيء إلى سمعة المحكم وسط زملائه، ويؤثر على عمله. ولذلك نصت تشريعات التحكيم (م 19 /3، 2) تحكيم مصري، و(م 24، 23) تحكيم إنجليزي، و (art. 1457 et 1463 N.C.P.C.F.)، و (م 18) تحكيم عماني، و(م 178) مرافعات كويتي، و(م 770) أصول محاكمات مدنية لبناني، و(م 12) تحكيم تونسي، و(م 194/ 4) مرافعات قطري، و(م 747) مرافعات ليبي، و(م 260) مرافعات عراقي، و(م 17) تحكيم أردني، و(م 14) تحكيم فلسطيني؛ على استمرار المحكم في تسيير خصومة التحكيم إلى أن تفصل المحكمة المختصة في طلب الرد أو العزل. فلا يترتب علي تقديم طلب رد المحكم وقف إجراءات التحكيم، وذلك عكس رد القاضي (م 162 مرافعات مصري)، وذلك حرصا علي سرعة الفصل في خصومة التحكيم، وعدم عرقلة سيرها ودفعها للأمام لإصدار حكم في موضوعها كنهاية طبيعية لها ([280]).

وقد حدد قانون التحكيم المصري موانع قبول طلب الرد، بحالات يمتنع فيها تقديم طلب رد المحكم، منعا لعبث وتعسف الخصوم في طلب الرد، وتأخير الفصل في النزاع التحكيمي: يمتنع تقديم طلب الرد إلا بأسباب جدية وبحسن نية، فلا تجوز الأسباب الوهمية بسوء نية (م 18/ 1 تحكيم مصري). كما يمتنع علي أي من طرفي التحكيم رد المحكم الذي عينه أو اشترك في تعيينه إلا لسبب تبينه بعد أن تم هذا التعيين (م 18 /2 تحكيم مصري). ويمتنع تقديم طلب الرد ممن سبق له تقديم طلب برد المحكم نفسه في ذات التحكيم (م 19 /2 تحكيم مصري)، وذلك تجنبا لتكرار طلبات الرد، وإبداء كل أسباب الرد مرة واحدة. كما يمتنع تقديم طلب الرد قبل تشكيل هيئة التحكيم. كما يمتنع تقديم طلب الرد بعد قفل باب المرافعة في خصومة التحكيم، مالم يقدم طلب بإعادة فتح باب المرافعة.

ولا يجوز عزل المحكم إلا باتفاق جميع الأطراف، أو بقرار من القضاء. سواء كان المحكم معينا من الأطراف أو من أحدهم أو من مركز تحكيم أو من الغير أو من المحكمة القضائية، وسواء كان في تحكيم وطني أم دولي، حر أم مؤسسي. ويقصد بالعزل أن يسحب المحتكمين من المحكم مهمة الفصل، في النزاع التحكيمي في أية مرحله منه. وعزل المحكم حق ثابت لأطراف التحكيم بشرط أن يكون لأسباب قوية واضحة موجبة للعزل، وأن يكون باتفاقهم جميعا حتي ولو كان معينا من المحكمة أو الغير، وقبل صدور الحكم التحكيمي. ولا يجوز لأحد أطراف التحكيم وحده بإرادته المنفردة عزل محكم بعد اختياره. ولا يلزم طرفي التحكيم ببيان سبب عزلهما للمحكم ([281]). واذا انتهت مهمة المحكم بإصدار حكم برده أو عزله أو تنحيه أو وفاته أو عجزه أو لأي سبب اخر وجب تعيين بديل له طبقا للإجراءات التي تتبع في اختيار المحكم الذي انتهت مهمته.

وللمحكم حق طلب التعويض من طرفي التحكيم إذا كان العزل بدون مبرر قوي، أما إذا كان للعزل مبرر قوي فلطرفي التحكيم حق طلب التعويض من المحكم. والعزل قد يكون صريحا أو ضمنيا؛ بإبرام طرفي التحكيم صلحا أو بامتناعهم عن حضور جلسات التحكيم أو باللجوء للتحكيم بمحكم جديد أو باللجوء للقضاء. كما يجوز لأي من طرفي التحكيم تقديم طلب للمحكمة المختصة أصلا بنظر النزاع بإنهاء إجراءات التحكيم، وعزل المحكم لأنهاء مهمته، إذا امتنع المحكم عن مباشرة التحكيم، أو ثبت إهماله … بنص (م 20) تحكيم مصري، و(م 18) تحكيم سعودي، و(م 178 /3) مرافعات كويتي، و(art. 1462 N. C. P. C. F) ([282]).

ولكن إذا أصبح المحكم غير قادر بحكم القانون أو بحكم الواقع على أداء مهمته، أو تخلف عن القيام بها تنتهي ولايته إذ هو تنحى عن مهمته. أو إذا اتفق طرفي التحكيم على عزل المحكم وإنهاء مهمته، في تلك الحالة لا يترتب على إنهاء عقد التحكيم من جانب طرفي التحكيم أية آثار سوى دفع الأجر للمحكم بشكل يناسب جهده ([283]).

فقد يحدث بعد تشكيل هيئة التحكيم أن يظهر لطرفي خصومة التحكيم عدم قدرة المحكم على أداء مهمة التحكيم، وقد يكون مرجع ذلك إصابة المحكم بمرض أو عدم توافر الخبرة القانونية الكافية لديه أو انشغاله وعدم توافر الوقت الكافي له لحسم النزاع التحكيمي أو قلة خبرته العملية أو عدم كفاءته أو ضعف أمانته أو عدم الاطمئنان إلي عمله. فالمفترض في مثل تلك الحالات أن يتنحى المحكم من تلقاء نفسه. ولكن قد لا يحدث ذلك، ويركب المحكم في الاستمرار كعضو في هيئة التحكيم؛ في هذا الفرض قد يتفق أطراف التحكيم جميعا على عزل المحكم، وهنا يكون للعزل ما يبرره (م 20 تحكيم مصري) ([284]).

ولا يؤثر عزل المحكم علي اتفاق التحكيم، بل يتعين علي طرفا التحكيم تعيين محكم بديل له بالإجراءات التي اتبعت في اختيار المحكم الذي انتهت مهمته خلال المتبقي من مدة التحكيم المتفق عليها (م 21 تحكيم مصري). ويمتنع علي المحكم المعزول اتخاذ أي إجراء في النزاع والا كان باطلا، أما ما تم من إجراءات فأمره متروك لاتفاق الخصوم؛ ينفذ بإجازته، ويلغي برده.

واذا انتهت مهمة المحكم برده أو عزله أو تنحيته أو بأي سبب آخر كالوفاة، ونقص الأهلية، وفقد الحقوق المدنية، واعتلال الصحة، والإصابة بعاهة، والبعد المكاني …ويترتب علي انتهاء مهمة المحكم لأي سبب من الأسباب، وقف سريان ميعاد إصدار حكم التحكيم بقوة القانون إلي حين تعيين محكم آخر بديلا عن المحكم الذي انتهت مهمته، بالإجراءات التي تتبع في اختيار المحكم الذي انتهت ولايته، وقبول المحكم البديل القيام بالمهمة التحكيمية. وعندما يتم استبدال المحكم تعاد المرافعة في خصومة التحكيم التي سبق اتخاذها من المحكم السابق، حتي يكون قد اشترك في سماع المرافعة، واشترك في المداولة قبل صدور الحكم (م 21 تحكيم مصري، و م 19 تحكيم سعودي) ([285]).

(5)- حق المحكم في الأتعاب والمصاريف والتعويض: للمحكم سواء كان معينا من الأطراف أو من أحدهم أو من مركز تحكيم أو من الغير أو من المحكمة القضائية، حقه في الأتعاب والمصاريف، ما لم يكن قد تنازل عنها دون مقابل. ويقصد بأتعاب المحكم المبالغ المالية التي يحصل عليها المحكم كتعويض مقابل العمل والجهد والعناء الذي بذله أثناء نظر النزاع التحكيمي. ويقصد بمصاريف المحكم المبالغ المالية التي أنفقها في السفر من موطنه إلى مكان التحكيم، ونفقات الإقامة ونفقات المساعدين له في عملية التحكيم ([286]).

وقد يتم تحديد أتعاب المحكم ومصاريفه بالاتفاق بينه وبين أطراف التحكيم، وتحديد الطرف الذي سيتحمل دفعها كلها أو بعضها، وقد يتفق الأطراف على أن يكون الدفع بينهما مناصفة. وفي حالة عدم وجود اتفاق بشأن أتعاب المحكم ومصاريفه فيجوز للمحكم أن يقوم بتقديرها وتحديد كيفية دفعها ومن سيتحمل دفعها في الحكم التحكيمي ذاته ([287]). إلا أن بعض الفقه الفرنسي يرى أن أطراف خصومة التحكيم متضامنون تجاه المحكم بها ([288]).

ولا يستحق المحكم أتعابه إذا انقضت المهمة التحكيمية قبل السير فيها لأي سبب خارج عن إرادة /المحكم متعلق بالإجراءات، إلا بمقدار ما بذله من جهد وعناء، في دراسة وفحص ملف خصومة التحكيم. كما لا يستحق المحكم أية أتعاب أو مصاريف إذا توقفت عملية التحكيم بسببه أو صدر حكم تحكيم باطل لسبب يرجع إلى إهماله أو سوء نيته لأنه يكون قد تسبب في ضياع وقت وجهد أطراف التحكيم دون جدوى ويكون محلا للمسائلة عن ذلك الخطأ أو الإهمال. بينما يستحق أتعابه ومصاريفه كاملة إذا حكم ببطلان حكم التحكيم لسبب خارج عن المحكم ([289]).

وغالبا تحدد أتعاب ومصاريف المحكم باتفاق مع أطراف التحكيم أو بأنظمة ولوائح مؤسسات التحكيم المختلفة. مع ملاحظة أنها تتناسب طرديا مع قيمة النزاع في وجود حد أدنى لأتعاب ومصاريف التحكيم لا تقل عنه مهما كانت قيمة النزاع التحكيمي. وفى حالة حدوث نزاع حول قيمة أتعاب المحكم، ولم يوجد اتفاق بشأنه، فيمكن تحديده عن طريق القضاء ([290]). ولا يستطيع المحكم استعمال الحق في الحبس، فلا يملك حجز مستندات أطراف التحكيم أو وثائقهم لديه حتى يستوفي أتعابه منهم، ولا يستطيع وقف سير خصومة التحكيم حتى يستوفي أتعابه ومصاريفه لما قد يترتب على ذلك من إضرار بسير عملية التحكيم ([291]).

ومن حق المحكم ضمانا لاستيفاء حقه في الأتعاب والمصاريف – قبل السرو في خصومة التحكيم – أن يلزم أطراف التحكيم بإيداع مبالغ مالية كافية أو أي ضمانات أخرى مقابل استيفاء حقه في الأتعاب والمصاريف في حالة امتناع أحد أطراف التحكيم عن سدد نصيبه في أتعاب ومصاريف المحكم. وللمحكم الحق استرداد ما أنفقه من مصاريف أثناء التحكيم مثل مصاريف الانتقال والإقامة، والبريد، ووسائل الاتصال، وإيجار مقر مهمة التحكيم، وأتعاب الكاتب والمترجم ([292]). ومن التشريعات التي نصت على هذا الحق صراحة (م 276) مرافعات عراقي، و(م 218) مرافعات إماراتي، و(م 41 /د) تحكيم أردني، و(م 24) تحكيم سعودي، و(م 814) إجراءات مدنية إيطالي.

وللمحكم الحق في الحصول على التعويض عن خطأ أحد طرفي خصومة التحكيم ترتب عليه ضررا ماديا أو أدبيا طبقا للقواعد العامة في المسئولية المدنية. كما لو طلب أحد طرفي التحكيم رد المحكم بدون مبرر قانوني لمجرد التشهير به واساءة لسمعته وكان ذلك بسوء نية.

(6)- حق المحكم في الحصانة: لأن المحكم سواء كان معينا من الأطراف أو من أحدهم أو من مركز تحكيم أو من الغير أو من المحكمة القضائية، يقوم بعمل القاضي؛ وهو حسم منازعات التحكيم. لذا فيجب أن يكون المحكم حيادي وموضوعي وعادلا في حكمه ومستقلا في عمله كالقاضي، لضمان سير خصومة التحكيم بحيادية وعدالة. ولذلك فيجب أن يتمتع بالحصانة التي تحميه، وتجعله بمنأى من الوقوع تحت أي تأثير أو ملاحقه قضائية ([293]). وقد حرصت بعض التشريعات وأنظمة التحكيم (م 22، 21، 20 من اتفاق البنك الدولي بشأن تسوية منازعات الاستثمار) على تقرير نوع من الحصانة إلا إذا ثبت ارتكابه فعلا يستوجب رده أو عزلة أو ملاحقته قضائيا. وذلك لضمان أداء المحكم لمهمته التحكيمية على الوجه المطلوب لها.

ويتمتع القاضي بحظ وافر من الحصانات والامتيازات عن المحكم رغم أن بعض قوانين التحكيم (م 16 /1 تحكيم مصري) تسوي بين المحكم والقاضي في الشروط والواجبات التي يجب توافرها فيهما. ومع ذلك لم تمنح المحكم ذات الحصانة الممنوحة للقاضي كاستقلال القضاة، وعدم تدخل أي جهة في عملهم. وحدم ملاحقتهم أو إلقاء القبض عليهم أو حبسهم احتياطيا إلا بعد الحصول على إذن مسبق. بل إن تلك الحصانات يتمتع بها أيضا المحاميين وذلك لعدم المساس بسمعتهم والاستقلال وسير العدالة ([294]).

ولذلك نهيب بالمشرع المصري النص على تمتع المحكم المقيد بقوائم المحكمين بالحصانة النسبية كالقاضي، والمحامي. وذلك لضمان استقلاله في عمله عن أي جهة، وعدم ملاحقته قضائيا بدون مبرر قوي أو القبض عليه أو حبسه إلا في الحالات المحددة قانونا، والتي توجب مسائلة المحكم عما ارتكبه من أفعال ومحاسبته طبقا للقانون. ونرفض فكرة الحصانة المطلقة للمحكم، لأنها لا تمنح إلا بتشريع، ولأنها قد تؤدي ببعض المحكمين إلى الجوار والشطط والتعسف عندما يشعرون أنه لا سلطان عليهم، مما يؤدي إلى النفور من التحكيم، وخوفا من استبداد بعض المحكمين، وتحقيقا لمصلحة العدالة. فحق المحكم في الحصانة كالقاضي لا يمنع من دعوى المخاصمة.

وعلي ذلك فيخضع المحكم للقواعد العامة في المسئولية المدنية، مسئولية عقدية تجاه طرفي التحكيم بموجب عقد التحكيم المبرم بين المحكم وطرفي التحكيم، ومسئولية تقصيرية تجاه الغير المضرور من عمل المحكم. وترفع دعوى المسئولية بالإجراءات المعتادة لرفع دعوى، أمام المحكمة المختصة طبقا للقواعد العامة في الاختصاص القضائي. ويسأل كل محكم عن خطائه الشخصي. ولا تسأل عنه الدولة مسئولية المتبوع عن عمل التابع لأنه ليس تابعا لها. كما لا يسأل مركز التحكيم أو الغير الذي اختار المحكم عنه لأن المحكم يباشر عمله بصفه مستقلة دون تبعيه لمركز التحكيم أو الغير الذي اختاره ([295]).

(7)- حق المحكم في عرض النزاع التحكيمي عليه للفصل فيه: يجب على المدعي في خصومة التحكيم أن يرسل إلى المدعى عليه وإلى هيئة التحكيم خلال ميعاد التحكيم بيانا مكتوبا يتضمن بياناته الشخصية، واسم المدعي عليه وعنوانه، وتفصيل وقائع الدعوى، وتحديد للمسائل محل النزاع وطلباته، وبيان الدعوي، ومذكرة بدفاعه، وأدلة الإثبات التي يعتزم تقديمها… حيث تبدأ إجراءات التحكيم من اليوم الذي يتسلم فيه المدعي عليه طلب التحكيم من المدعي مالم يتفق الطرفان علي موعد آخر. ولذلك أعطى المشرع التحكيمي الحق لهيئة التحكيم في الاستمرار في إجراءات التحكيم أو إنهاء إجراءات التحكيم إذا تقاعس المدعى عن تقديم بيان دعواه إلا إذا اتفق الأطراف على غير ذلك (م 27، م 30، م 34 تحكيم مصري) ([296]).

وحق المحكم سواء كان معينا من الأطراف أو من أحدهم أو من مركز تحكيم أو من الغير أو من المحكمة القضائية، في تحكيم وطني أم دولي، حر أو مؤسسي، في عرض النزاع عليه للفصل فيه. وهو حق شخصي متعلق بشخص المحكم. وبالتالي فلا يجوز لأطراف خصومة التحكيم أن يعرضا النزاع على غيره، واذا حدث خلاف ذلك كان هـذا إخلالا من أطراف خصومة التحكيم بهذا الالتزام، يجعلهم مسئوليين عن تعويض الأضرار التي أصابت المحكم، خاصة إذا كان قد بدأ في تنفيذ. مهمته التحكيمية ([297]). وهذا الحق له طابع أدبي إذا أن عدم إتمام المهمة التحكيمية، بسبب غير راجع لإدارة المحكم، من شأنه الإساءة إلى المركز الأدبي للمحكم. كما أن لهذا الحق طابع مادي، إذا إن عدم إتمام المهمة التحكيمية يفقد المحكم أتعاب والمكافأة التي كان ينتظرها ([298]).

(8)- حق المحكم في عدم الطعن علي حكمه: في قانون التحكيم المصري؛ لا يجوز الطعن علي حكم المحكم؛ سواء كان المحكم معينا من الأطراف أو من أحدهم أو من مركز تحكيم أو مـن الغير أو من المحكمة القضائية، بأي طريق من طرق الطعن في الأحكام المنصوص عليها في قانون المرافعات المدنية والتجارية بنص (م 52/ 1) تحكيم مصري، و (م 49) تحكيم سعودي، و(م 52/ 1) تحكيم عماني، و(م 49) تحكيم سوري، و (م 217/ 1) إجراءات مدنية إماراتي، و (الفصل 319) مسطرة مدنية مغربية، و (م 48) تحكيم أردني، و سواء كانت طرق طعن عادية أو غير عادية، و سواء كان التحكيم داخليا أو دوليا، وسواء تم في مصر أو في الخارج وأتفق علي إخضاعه للقانون المصري. فالمشرع المصري ألغي تطبيق نظام الطعن في الأحكام علي حكم التحكيم لتحقيق عدالة سريعة ناجزة. وفتح المشرع المصري مجال دعوي بطلان حكم التحكيم، ورفض الأمر بتنفيذه كوسيلة للاستيثاق من صحة حكم التحكيم. بينما نص المشرع. القطري على أن أحكام المحكمين يجوز استئنافها طبقا للقواعد المقررة للاستئناف الأحكام الصادرة من المحكمة المختصة أصلا بنظر النزاع (م 205/ 1 مرافعات قطري). وأجاز المشرع الفرنسي الطعن بالاستئناف في حكم التحكيم الداخلي مالم يتنازل طرفي التحكيم عن الحق في الطعن، و لم يجز الطعن بالاستئناف في حكم التحكيم الدولي مكتفيا بدعوي البطلان أو رفض تنفيذه مراعاة لظروف التجارة الدولية (.art. 1482 N. C. P. C. F)، وكذلك (م 59، 38، 37) تحكيم موريتاني، و(م 800، 799/ 1) أصول محاكمات مدنية لبناني ([299]).

دعوي بطلان حكم التحكيم هي دعوي بطلان أصلية لمحاكمة حكم التحكيم لتأكد من سلامته وتقرير صحته أو بطلانه إذا وجد أحد أسباب بطلان حكم التحكيم الواردة في قانون التحكيم علي سبيل الحصر في (م 53) تحكيم مصري، و (م 50/ 1) تحكيم سعودي، و(م 216) إجراءات مدنية إماراتي، و(م 53) تحكيم عماني، و(م 53) تحكيم يمنى، و(م 68) تحكيم إنجليزي، و(م 50) تحكيم سوري، و(م 273) مرافعات عراقي، و(م 207) مرافعات قطري، و (.art. 1484 N. C. P. C. F)، و(م 186) مرافعات كويتي، و(م 7) تحكيم قضائي كويتي، و(م 800/ 2) أصول محاكمات مدنية لبناني، و(الفصل 42) مجلة تحكيم تونسي، و(م 34) تحكيم بحريني، و(م 49) تحكيم أردني. ولذا يقتصر دور محكمة دعوي البطلان علي الحكم برفض الدعوي، أو الحكم بالبطلان إذا توافر سببه، ولا تملك مراجعة الحكم موضوعيا، فلا شأن لها بموضوع النزاع، لأن نوع تلك المحكمة من محاكم الدرجة الثانية، وفي ذلك تفويت لدرجة من درجات التقاضي لموضوع النزاع وتنطبق دعوي البطلان علي جميع أحكام التحكيم سواء كان تحكيما دوليا أو وطنيا، وسواء كان تحكيما بالقانون أم بالصلح. وتنطبق دعوي البطلان الأصلية علي حكم التحكيم، وتكون جزاء لعيب إجرائي يرجع إلي اتفاق التحكيم أو اختيار هيئة التحكيم أو إجراءات خصومة التحكيم أو القانون الواجب التطبيق أو مخالفة النظام العام. ولا تتعرض لموضوع النزاع، وترفع بعد صدور الحكم الختامي المنهي لخصومة التحكيم برمتها. وتعتبر دعوي بطلان حكم التحكيم من النظام العام، ولا يجوز لطرفي التحكيم الاتفاق قبل صدور الحكم على عدم رفع دعوي البطلان عند تحقق أي من أسبابها، إما بعد صدور الحكم فيجوز لمن صدر ضده الحكم، أن يتنازل عن حقه في رفع دعوي البطلان، تطبيقا للقواعد العامة في الطعن علي الأحكام ([300]).

وترفع دعوي بطلان حكم التحكيم من صاحب المصلحة والصفة في رفعها أمام المحكمة المختصة – وهي محكمة الدرجة الثانية التي تتبعها المحكمة المختصة أصلا بنظر النزاع، و في التحكيم الدولي تكون محكمة استئناف القاهرة مالم يتفق طرفا التحكيم علي اختصاص محكمة استئناف أخري – بالإجراءات المعتادة لرفع الدعوي، وبيانات صحيفة دعوي (م 63 مرافعات مصري) مرفقا بها اتفاق التحكيم، وصورة رسمية لحكم التحكيم. وذلك خلال ميعاد التسعين يوما التالية لإعلان المحكوم عليه بحكم التحكيم على يد محضر وفقا للقواعد العامة، حتي لو علم المحكوم عليه بالحكم بأي طريق آخر كحضوره جلسة النطق بالحكم أو استلامه صورة الحكم وتوقيعه عليها، وهو ميعاد سقوط يسقط حق رفع دعوي البطلان بفواته، وناقص ينتهي بنهاية دوام اليوم الأخير منه، ومتعلق بالنظام العام تحكم به المحكمة من تلقاء نفسها، ويضاف إليه ميعاد مسافة وفقا للقواعد العامة، ويمتد إلي أول يوم عمل عند انتهائه في يوم عطلة رسمية وفقا للقواعد العامة (م 54 تحكيم مصري). والحكم الصادر فيها يقبل الطعن عليه بكافة طرق الطعن ([301]).

بينما نص المشرع القطري في (م 208/ 1 مرافعات قطري) علي أن: “يرفع طلب البطلان بالأوضاع المعتادة إلى المحكمة المختصة أصلا بنظر النزاع…”، وأجاز لها في حالة الحكم ببطلان حكم التحكيم كله أو بعضه أن تعيد القضية إلى المحكمين لإصلاح ما شاب حكمهم أو أن تفصل في النزاع بنفسها إذا وجدت انه صالح للفصل فيه (م 209/2 مرافعات قطري).

29- التزامات المحكم: يقع على عاتق المحكم، سواء كان معينا من الأطراف أو من أحدهم أو من مركز تحكيم أو من الغير أو من المحكمة القضائية، مجموعة من الالتزامات تمثل واجبات قانونية على المحكم. وهى بمثابة ضمانات لعملية التحكيم، وللأطراف التحكيم، وتعتبر مبادئ ثابتة لا جدال فيها. وما كان المحتكمون يلجئون إلى المحكم إلا لثقتهم بعدله وإنصافه ونزاهته وحيدته وثقتهم به. وفي المقابل فإن المحكم نفسه ملتزم بهذه المبادئ دون حاجة إلى التأكيد عليها من قبل الأطراف؛ لأن مخالفته لها تنقص من شأنه وقدره وتضع من هيبته بين الناس، كما أن الخروج عنها يعتبر عيبا وخطا كبيرا يذم فاعله ويستهجن ويجعله محلا للمسئولية القانونية ([302]). واذا كان من المزايا التي يحققهـا نظام التحكيم، تجنب القضاء العادي وإجراءاته، بشرط ألا يكون على حساب الضمانات الأساسية في التقاضي، والتي هي ضمانات للعدالة سواء كانت عدالة قضاء الدولة أم عدالة التحكيم ([303]).

والمحكم يلتزم باحترام هذه الضمانات أيا كان نوع التحكيم. أي سواء كان المحكم مفوضا بالصلح أم غير مفوض به. وسواء اتفق الأطراف على التزامه بمراعاة هذه الضمانات أم لم يتفقوا، باعتبار أن هذه الضمانات تعد من المسائل الملازمة لفكرة العدالة ذاتها ([304]). وقد قرر قانون التحكيم المصري بعض الضمانات الهامة كرد المحكم، وعزله، وإنهاء مهمته، وإبطال حكمه، حرصا منه على تحقيق التوازن بين سلطات المحكم، والتزاماته قبل أطراف التحكيم، وأجاز للمحتكمين التنازل عن بعض هذه الضمانات. وذلك لأن المحكم ليس له صلاحيات القاضي، فهو مقيد بالمهمة التحكيمية الموكلة إليه، فإذا تجاوزها تعرض حكمه للبطلان، بينما، قاضي الدولة له صلاحية شاملة بخلاف المحكم.

وعليه فإن المحكم يجب أن يتوخى الحيطة والحذر، وان يلتزم أثناء تأديته لمهمته التحكيمية بالقانون، وبإرادة المحتكمين، والقانون المطبق، ومراعاة المبادئ الأساسية في خصومة التحكيم، ومراعاة القواعد الآمرة في الدولة التي سينفذ فيها حكم التحكيم. والا فإن المحتكمين باستطاعتهم رده أو عزله، أو إبطال حكمه، أو مساءلته قانونا. وذلك بهدف إصدار حكم التحكيم بسرعة وفاعلية رغم افتقار المحكم لسلطة الإجبار التي تمتع بها قاضي الدولة ([305]). وعدم احترام المحكم للالتزامات الواقعة عليه سواء القانونية منها أو الاتفاقية تؤدي إلى بطلان حكم التحكيم وإلغاءه فضلا عن تقرير المسئولية المدنية للمحكم تجاه أحد أطراف التحكيم الذي لحقته الأضرار ([306]). وعلي ذلك نتناول التزامات المحكم، في مرحلة الترشيح، و في مرحلة سير خصومة التحكيم، ثم في مرحلة إصدار الحكم التحكيمي.

(أولا) التزامات المحكم في مرحلة الترشيح: بمقتضى اتفاق، وعقد التحكيم يلتزم المحكم في مرحلة ترشيحه بمجموعة من الواجبات تفرضها عليه أصول ممارسة مهنة التحكيم منها: التزام المحكم بالإفصاح عن حيدته واستقلاله، والتزامه بقبول مهمته التحكيمية، والتزامه باتباع واحترام سلوكيات وأخلاق المحكم، والتزامه بمباشرة مهمته التحكيمية بنفسه دون تفويض غيره …

(1)- التزام المحكم بالكشف عن الظروف والوقائع التي من شأنها إثارة الشكوك حول حيدته واستقلاله: يجب توافر استقلال المحكم عن الخصوم، وحيدته تجاههم، سواء كان المحكم معينا من الأطراف أو من أحدهم أو من مركز تحكيم أو من الغير أو من المحكمة القضائية. وسواء كان في تحكيم حر أم مؤسسي، وطني أم دولي. ويعني الاستقلال: انتفاء رابطة التبعية بين المحكم والخصوم أو الدولة أو الغير، وعدم وجود روابط مادية تنافي استقلاله والميل لأحد أطراف التحكيم. ويعني الحياد: ألا يكون للمحكم ميل ذهني أو نفسي لصالح أو ضد أحد أطراف التحكيم بحيث يرجح معه الحكم لأحد الأطراف بميل أو هوي أو تحيز لأحد أطراف التحكيم لوجود صلة ما كقرابة أو مصلحة أو مودة أو عداوة. ولا يتنافى مع استقلال المحكم أو حياته؛ أن يأخذ أتعابه من الطرف الذي اختاره، والعلاقات التبادلة بين المحكم وغيره من المحكمين أو المحامين بحكم وجودهم في مجال مهني واحد. وتعد قواعد التحكيم المتعلقة بحيدة المحكم واستقلاله من النظام العام ([307]).

وأجمعت القوانين الوطنية، وقواعد التحكيم الدولية بأنه يجب على المحكم أن يفصح عند إعلان قبوله المهمة التحكيمية عن أي ظروف من شأنها إثارة الشكوك حول حيادته واستقلاله، منها (م 16 /3) تحكيم مصري، و(م 16) تحكيم سعودي، و(م 22) تحكيم تونسي، وart. 1452 N. C. P. C. F.))، و(م 24، 23) تحكيم إنجليزي، و(م 15 /ج) تحكيم أردني، و(م 17) تحكيم سوري، و(م 12) من اليونسترال، و(م 11) من قواعد تحكيم غرفة التجارة الدولية بباريس، و(م 7) من نظام المؤسسة الأمريكية للتحكيم (.A. A. A)، و(م 10) من قواعد محكمة لندن للتحكيم الدولي، و(م 10) من قواعد مركز القاهرة الإقليمي للتحكيم التجاري الدولي.

تبين من ذلك أن القانون المصري، والدول العربية، وقواعد التحكيم الدولية؛ تفرض التزاما مباشرا على كاهل المحكم بأن يكشف عند قبوله القيام بالمهمة التحكيمية، عن أية ظروف يكون من شأنها إثارة شكوك حول حيدته واستقلاله. كما يلزم المحكم أن يحيط الأطراف باي ظرف يطرأ بعد تعيينه، ويكون من شأنه التأثير على حياده واستقلاله. لأن حياد المحكم يحب أن يتجلى منذ قبوله المهمة التحكيمية إلى حين إصدار حكمه ([308]). ويتحقق ذلك بتقديمه ملخصا مكتوبا عن مواقعه المهنية لحالية والماضية. وأن يبادر المحكم بإحاطة الأطراف علما بكل العلاقات السابقة واللاحقة بموضوع النزاع وأطرافه وممثليهم وذويهم ([309]).

واذا تعهد لمحكم إخفاء ظروف ووقائع تمس استقلاله وحياده، مثل العلاقات والمصالح التي تربطه بأحد أطراف النزاع التحكيمى فيعد سببا لرده؛ إذا تم اكتشاف هذا السبب قبل صدور الحكم التحكيمي. إما إذا تم اكتشاف هذا السبب بعد صدور الحكم التحكيمي فيكون سببا لطلب إبطاله، ويترتب علي هذا وذلك عودة الأطراف إلى الحالة التي كانوا عليها قبل الفصل في خصومة التحكيم، وضياع الوقت والنفقات والمصاريف التي تحملها الأطراف هدرا. بالإضافة إلى ضياع حق المحكم في أتعابه لأنه لم يقم بتنفيذ التزامه المتمثل في إصدار حكم تحكيمي صحيح، وأن الحكم قد أبطل لسبب يرجع إليه مما يجعله محلا للمسائلة ([310]). فيجب على المحكم الإعلان عن أسباب رده لأطراف التحكيم، ولا يباشر مهمته إلا بموافقة جميع الأطراف (art. 1452, al. 2. N.C.P.C.F.).

واذا أفصح المحكم لأطراف التحكيم عن علاقته السابقة واللاحقة بموضوع النزاع أو أطرافه فلا يمكنه قبول مهمته التحكيمية إلا بعد موافقة جميع أطراف التحكيم. إما إذا صرح المحكم بصلاته لأطراف التحكيم، ولم يعترضوا عليها فلا يحق لهم بعد ذلك طلب رده بناء على هذه الظروف، طالما أنهم أحيطوا بها علما ولم يعترضوا عليها في الوقت المحدد. واذا اعترض أحد الأطراف أو كلاهما على تلك الظروف، فيصار إلى تعيين محكم بدلا عنه مستقل ومحايد وتكمن أهمية هذا الالتزام في أن رضاء طرفي التحكيم هو أساس التحكيم ([311]).

وتطبيقا لذلك قضت محكمة النقض المصرية بأنه: “ولئن كان من المقرر أن اعتبار التحكيم ذا طبيعة قضائية، يوجب على هيئة التحكيم مراعاة المبادئ الأساسية في التقاضي، وذلك سواء كان التحكيم تحكيما عاديا أو تحكيما مع التفويض بالصلح، وتعتبر حيدة المحكم واستقلاله من الضمانات الأساسية في التقاضي، إلا أن الأصل في المحكم أنه محايد ومستقل ما دام قد قبل القيام بمهمته، وعلى من يدعى عدم حياد المحكم أو عدم استقلاله أن يتمسك بذلك ويثبته طالما انه قد علم بالعيب قبل صدور حكم التحكيم، وليس له بعد صدوره أن يرفع دعوى ببطلانه استنادا إلى عدم توافر أيهما في المحكم، لما كان ذلك، وكان الحكم المطعون فيه قد التزم هذا النظر، وأقام قضاءه برفض دفاع الطاعنة الوارد بالنعي على دعامة حاصلها أنها علمت بالوقائع التي تستند عليها في نفى الحيدة عن المحكمين وذلك قبل صدور حكم التحكيم، ولم تبد ثمة اعتراض بشأنها أمام هيئة التحكيم ومن ثم لا يقبل منها الاستناد عليها لطلب بطلانه” ([312])

وعدم احترام المحكم لهذا الالتزام يؤدي إلى بطلان حكم التحكيم وإلغائه فضلا عن تقرير المسئولية المدنية للمحكم إخلاله بهذا الالتزام، فيلتزم المحكم بالتعويض عن الأضرار التي لحقت بالخصم نتيجة لعدم الإفصاح عن العلاقة التي تربطه بأحد أطراف التحكيم. فيجب أن يحظى المحكم بالاستقلال والحياد حتى يتمكن من إصدار حكم عادل ونزيه في ضوء ما قدم من أوراق ومستندات وما أجراه من تحقيقات في خصومة التحكيم ([313]). ويمكن للخصم الذي أضير من جراء إخفاء المحكم وعدم إفصاحه عن العلاقة التي تربطه بالخصم الآخر مطالبه المحكم قضائيا بالتعويض. إعمالا لقواعد القانون المدني بتقرير المسئولية المدنية للمحكم الذي لا يلتزم بالاستقلال و الحياد. إذ تقوم مسئولية المحكم نتيجة لإخلاله بالالتزام بالإفصاح. ومن ثم يتعين عليه الالتزام بالتعويض المادي والأدبي عن الأضرار التي لحقت بالخصم نتيجة إخفاء المحكم علاقته بالخصم الآخر. وأساس ذلك العلاقة العقدية التي تربط المحكم بأطراف التحكيم ([314]).

(2)- التزام المحكم بقبول القيام بمهمته التحكيمية: يعتبر المحكم معينا أو مختارا بعد صدور موافقته على قبول المهمة التحكيمية صراحة أو ضمنا. ويجب أن يسبق تلك الموافقة؛ موافقة أطراف التحكيم على إقرار المحكم بالإفصاح عن الظروف والوقائع التي من شأنها إثارة الشكوك حول حيدته واستقلاله، ووصول إخطار من أطراف التحكيم للمحكم بقبول إقراره. عندئذ يجب على المحكم إصدار موافقته لأطراف التحكيم، على قبول المهمة التحكيمية صراحة أو ضمنا دون إبداء أية تحفظات ([315]).

وسواء كان المحكم معينا من الأطراف أو من أحدهم أو من مركز تحكيم أو من الغير أو من المحكمة القضائية، فيكون قبول المحكم لمهمته التحكيمية كتابة بنص (م 15 /3) تحكيم مصري، و(م 11) تحكيم تونسي، و(م 17) تحكيم سوري، و(م 15 /ج) تحكيم أردني. ولا يشترط أن تتخذ الكتابة شكلا معينا. ولكن لا يترتب على عدم الكتابة أي بطلان، لأنها شرط إثبات، وليست شرط صحة. وإنما تلزم الكتابة لتفادي أي نزاع قد ينشأ في المستقبل، بشأن قبول أو عدم قبول المحكم لمهمته. والكتابة قد تثبت في صلب عقد التحكيم أو في خطاب أو فاكس يرسله المحكم إلى أطراف التحكيم. أو بإثبات حضور المحكم في محاضر الجلسات أو توقيعه على الأحكام التمهيدية أو الحكم الحاسم للنزاع أو بأي عمل من الأعمال التي تدخل في نطاق مهمته ([316]).

ولم يحدد المشرع في فرنسا، ومصر ميعادا نهائيا لقبول المحكم لمهمته. ويعد هذا الوضع نقصا تشريعيا يساعد على تراخي المحكم في قبول مهمته. ويعد هذا الوضع نقصا تشريعيا يساعد على تراخي المحكم إعلان قبوله القيام بالمهمة التحكيمية، مما يعني تأخير تشكيل هيئة التحكيم، وإفشال التحكيم. ولا يترتب على، رفض المحكم القيام بمهمته التحكيمية بطلان اتفاق التحكيم، بل يتعين على طرفي التحكيم تعيين محكم بديل آخر، إذا لم يتم قبول المحكم الأول في مدة معقولة ([317]). وترجع أهمية تحديد تاريخ قبول المحكم لمهمته التحكيمية في أنه قد يبدأ حساب ميعاد إصدار الحكم التحكيمي من تاريخ قبول المحكم لمهمته صراحة أو ضمنا دون إبداء أي تحفظات ([318]).

(3)- التزام المحكم باحترام سلوكيات وأخلاق التحكيم منذ ترشيحه: توجد العديد من الواجبات السلوكية والأخلاقية التي يلتزم بها المحكم. وأوردت الهيئة الأمريكية للتحكيم، ونظام تحكيم مركز القاهرة للتحكيم قواعد السلوك المهني للمحكم: لا يجوز للمحكم الاتصال بأطراف التحكيم لاختياره أو تعيينه محكما. ويجب على المحكم التأكد من قدرته وصلاحيته لأداء المهمة التحكيمية دون تحيز ويجب على المحكم التصريح باي ظروف تثير شكوكا حول حياده واستقلاله. ويجب على المحكم تخصيص الوقت والجهد اللازمين لسرعة الفصل في التحكيم. ويجب على المحكم تجنب إجراء اتصالات من جانب واحد مع احد أطراف التحكيم. ويجب على المحكم عدم قبول مزايا أو هدايا بطريقه مباشرة أو غير مباشرة من احد أطراف التحكيم. ويجب على المحكم عدم الاستفادة من المعلومات التي حصل عليها أثناء خصومة التحكيم. ويجب على المحكم المحافظة على سرية كافة المسائل المتعلقة بإجراءات التحكيم. ويجب على المحكم الإفصاح عن علاقات، والعلاقات الاجتماعية المباشرة والحالية والسابقة مع أي من أطراف التحكيم أو الشهود أو المحكمين الآخرين. وكذلك علاقات القرابة والمصاهرة مع أي طرف من أطراف التحكيم أو الشهود أو المحكمين الآخرين. والظروف التي تستجد بعد بدء إجراءات التحكيم ([319]).

(4)- التزام المحكم بالقيام بمباشرة مهمته التحكيمية بنفسه: يولد عقد التحكيم المبرم بين المحكم، وأطراف التحكيم التزامات على عاتق المحكم يتعين محليه القيام بها، سواء كان المحكم معينا من الأطراف أو من احدهم أو من مركز تحكيم أو من الغير أو من المحكمة القضائية. و من تلك الالتزامات: قيام المحكم بمهمة الفصل في النزاع خلال ميعاد التحكيم بنفسه دون تفويض غيره. فعقد التحكيم من العقود الرضائية التي تقوم على الاعتبار الشخصي بالتالي فشخصية المحكم محل اعتبار المحتكمين، وعلى أساسها يتم اختياره. فالثقة والخبرة في شخص المحكم هي مبعث الاتفاق عليه، ومن ثم فلا يجوز التحكم تفويض السلطة المخولة إليه بموجب عقد التحكيم إلى غيره مهما كانت شخصية هذا الغير، ومهما كانت صلته به. فلا يملك المحكم أن يعهد لشخص آخر بالفصل في النزاع باسمه، فولاية المحكم مستمدة من اتفاق وعقد التحكيم، وبالتالي فمن يباشر هذه السلطة دون عقد واتفاق تحكيم فإن ما يصدر عنه من حكم يكون باطلا، ويكون المحكم محلا للمساءلة القانونية تجاه المضرور من المحتكمين ([320]).

فالأصل هو عدم جواز تفويض المحكم غيره في أداء مهمته، وهذا الالتزام لم يرد النص عليه في قانون التحكيم المصري، رغم أنه التزام مفروض بطبيعة عملية التحكيم، والفلسفة التي يقوم عليها، ولأن المهمة التحكيمية ذات طابع شخصي بحت تتمثل في الثقة في شخص المحكم وعدالته ([321]).

(ثانيا) التزامات المحكم في مرحلة سير خصومة التحكيم: تختلف خصومة التحكيم عن الخصومة القضائية، ولا تخضع لما تخضع له من قيود إجرائية، بل تخضع لاتفاق طرفي التحكيم، مع ضرورة مراعاة قواعد النظام العام للقانون الذي يجري التحكيم علي ضوئه، أو لبلد تنفيذ حكم التحكيم، والمبادئ الأساسية للتقاضي. ويختص المحكم سواء كان معينا من الأطراف أو من أحدهم أو من مركز تحكيم أو من الغير أو من المحكمة القضائية، بتسيير إجراءات خصومة التحكيم عن طريق وضع نظام متكامل بخطة زمنية متكاملة، ويفرض رقابته المستمرة على أطراف التحكيم لتنفيذها والسير عليها، ابتداء من تقديم طلب التحكيم إلى الإعلانات وتقديم الطلبات فالمرافعات، وتقديم المستندات وإدارة الجلسات وتنظيمها، وإجراء التحقيقات، وسماع الشهود والاستعانة بالخبراء وانتهاء بإصدار الحكم التحكيمي. فالمحكم يتمتع بسلطات واسعة يمارسها بناء على اتفاق المحتكمين أو من تلقاء نفسه لتنظيم وتسيير العملية التحكيمية من بدايتها، وصولا إلى إنهاء النزاع بحكم فاصل ملزم. وفي حالة رغبته باتخاذ أي إجراء يخرج عن مجال اختصاصه يجب عليه اللجوء إلى المحكمة المختصة طالبا المساعدة عن قضاء الدولة الرسمي حيثما يحتاج إلى سلطة الأمر، ويعتبر تشكيل هيئة التحكيم، وتقديم طلب التحكيم إليها تصريحا من أطراف التحكيم عن بدء الإجراءات ([322]).

وقد نظم قانون التحكيم المصري قواعد إجراءات التحكيم في المواد من 25 حتي 38. ونظم نظام التحكيم السعودي إجراءات التحكيم في المواد من 25 حتي 37. و كما نظم قانون المرافعات الفرنسي إجراءات خصومة التحكيم في المواد عن 1460 حتي 1468 بخصوص التحكيم الداخلي، ونصت المادة 1495 علي سريان أحكام تلك المواد علي التحكيم التجاري الدولي مالم يتفق أطرافه علي قواعد خاصة. كما نظم قانون التحكيم الإنجليزي لسنة 1996 م إجراءات ومراحل الخصومة التحكيمية علي التحكيم الداخلي والدولي في المواد من 33 حتي 45. ونظم القانون النموذجي قواعد سير الإجراءات التحكيمية في المواد من 18 حتي 27. كما نظمت قواعد غرفة التجارة الدولية قواعد إجراءات الدعوي التحكيمية في المواد من 13 حتي 23. ونظمت قواعد محكمة لندن للتحكيم الدولي قواعد الدعوي والإجراءات التحكيمية في المواد من 1 حتي 4، والمواد من 14 حتى 22. ونظمت قواعد مركز القاهرة الإقليمي للتحكيم التجاري الدولي إجراءات الدعوي التحكيمية في المواد من 15 حتي 30. كما نظمت قواعد اليونسترال للتحكيم إجراءات التحكيم في المواد من 17 حتي 32.

(1)- التزام المحكم بالفصل في الدفوع المتعلقة باختصاصه: يتفق المحكم مع القاضي في أن كلا منهما يختص بالفصل في الدفوع المتعلقة بعدم اختصاصه، سواء كان المحكم معينا أو مختارا من الأطراف أو من أحدهم أو من مركز تحكيم أو من الغير أو من المحكمة القضائية، في تحكيم وطني أم دولي، حر أم مؤسسي. ومن حق أطراف التحكيم حرية اختيار القانون الذي يحكم انعقاد اتفاق التحكيم، وشروط صحته.

واتفاق التحكيم سواء كان شرطا أم مشارطة، هو عقد يخضع كغيره من العقود لإرادة أطرافه. وتقرير صحته أو بطلانه تختص به المحكمة القضائية، ولا يدخل في اختصاص هيئة التحكيم. ويحوز حكم المحكمة القضائية بصحة أو بطلان اتفاق التحكيم حجية الأمر المقضي أمام هيئة التحكيم. وحكم هيئة التحكيم باختصاصها وإصدارها حكم في موضوع خصومة التحكيم؛ يحوز الحجية أمام المحكمة القضائية، ويمنع عرض ذات النزاع مرة أخري. فمبدأ الاختصاص بالاختصاص لا يخول هيئة التحكيم سلطة الفصل في صحة أو بطلان اتفاق التحكيم مالم يتفق الأطراف صراحة علي تخويلها هذه الولاية. ولذا فاتفاق التحكيم وحده لا يمنح هيئة التحكيم سلطة الفصل في صحة أو بطلان اتفاق التحكيم. ولا يجوز لأي من طرفي التحكيم طلب وقف إجراءات التحكيم من هيئة التحكيم لحين الفصل في دعوي بطلان اتفاق التحكيم أمام القضاء. بينما في فرنسا يوجد نص (.art. 1466. N. C. P. C. F) يمنح هيئة التحكيم سلطة الفصل في صحة أو عدم وجود أو بطلان أو سقوط اتفاق التحكيم ([323]).

فالمحكم هو المختص بتحديد اختصاصه، وهو ما يعرف بمبدأ الاختصاص بالاختصاص، كالدفع بعدم اختصاصه، والدفع بعدم وجود اتفاق تحكيم أو سقوطه أو بطلانه، أو عدم شموله لموضوع النزاع. وذلك قبل الفصل في الموضوع أو يضمها المحكم إلي الموضوع للفصل فيهما معا. وذلك بنص (م 22) تحكيم مصري، و(م 20) تحكيم سعودي، و(م 22) تحكيم عماني، و(م 46) تحكيم موريتاني، و(م 21/ أ) تحكيم أردني، و(م 16) تحكيم فلسطيني، و(م 21) تحكيم سوري، و (م 26) تحكيم تونسي، و(م 28) تحكيم يمني، و(م 16/) تحكيم فلسطيني، و(م 23) من نظام محكمة لندن للتحكيم الدولي، و (.art. 1466 N. C. P. C. F)، و(م 21/ 1) من قواعد اليونسترال، و(م 6/ 2) من لائحة غرفة التجارة الدولية بباريس، و(م 30 تحكيم انجليزي)، و(م 6) من قواعد مركز دبى للتحكيم الدولي، و(م 16) تحكيم بحريني، و(م 20) من قواعد مركز التحكيم التجاري لدول مجلس التعاون الخليجي. وللمحكم التحقق من وجود اتفاق التحكيم وصحته ظاهريا لأنه مناط اختصاصه، ومصدر ولايته، فيقع على عاتق المحكم مهمة تقرير اختصاصه كمسألة أولية لازمة قبل الفصل في النزاع التحكيمي. فأول عمل يقوم به المحكم أو التأكد من وجود وصحة اتفاق التحكيم سواء كان شرطا أم مشارطة؛ لأنه أساس ومناط ولايته. ويقوم المحكم ببحث وـجود وصحة اتفاق التحكيم، بناء على طلب أحد الأطراف، إذا ما دفع بعدم اختصاصه لعدم وجود اتفاق تحكيم أو بطلانه أو سقوطه ([324]).

واذا ظهر للمحكم عدم وجود اتفاق تحكيم أو بطلانه أو سقوطه؛ وجب عليه الحكم بعدم اختصاصه بنظر النزاع، توفيرا لمشقة الاستمرار في إجراءات طويلة ومكلفة سيحكم ببطلانها فيما بعد؛ لعدم وجود اتفاق تحكيم أو سقوطه أو عدم شموله لموضوع النزاع أو بطلانه لعدم توافر أحد شروطه الشكلية أو الموضوعية كنقص أهلية أحد أطرافه أو كليهما أو عدم قابلية موضوع النزاع للتحكيم (م 22/1 تحكيم مصري). فإذا توصلت هيئة التحكيم إلي بطلان اتفاق التحكيم أو سقوطه فإنهـا تقضي بعدم الاختصاص، وتنتهي عملية التحكيم أمامها باعتباره حكم منهي لخصومة التحكيم كلها (م 48 تحكيم مصري). ويجوز رفع دعوي بطلان الحكم بعدم الاختصاص باعتباره حكم منهي للخصومة كلها، إذا توافرت إحدى حالات بطلان حكم التحكيم الواردة في (م 53/ 1) تحكيم مصري ([325]).

أما إذا ظهر للمحكم وجود اتفاق التحكيم وصحته؛ رفض الدفع بعدم الاختصاص، واستمر في نظر خصومة التحكيم، ويطعن في الحكم برفض الدفع بعدم الاختصاص بدعوي البطلان مع الحكم المنهي لخصومة التحكيم. ويملك القضاء سلطة رقابية لاحقة على ممارسة المحكم سلطته في شأن الفصل في الدفوع المتعلقة بعدم اختصاصه، وذلك عن طريق دعوى بطلان حكم التحكيم. إذا رفضت هيئة التحكيم الدفع بعدم الاختصاص؛ فلا يجوز التمسك به إلا عن طريق دعوى بطلان حكم التحكيم المنهي للخصومة كلها وفقا للمادة 53 تحكيم مصري (م 22/3 تحكيم مصري) ([326]).

وليس لهيئة التحكيم سلطة الحكم بصحة أو بطلان أو فسخ العقد الأصلي لأنه يخرج عن اختصاصها، وإنما يكون لها سلطة البحث في مدي صحة أو بطلان أو فسخ العقد الأصلي لفحص مدي إمكانية استمرارها في إجراءات التحكيم أم لا، وذلك إذا دفع أمامها بعدم الاختصاص لبطلان العقد الأصلي. دون حاجة لوقف إجراءات التحكيم لحين الفصل من القضاء في مسالة صحة أو بطلان أو فسخ العقد الأصلي، تجنبا لتوقيف عملية التحكيم، وتحايل الخصوم للهروب من التحكيم باستخدام الدفع ببطلان العقد الأصلي ([327]).

(2)- التزام المحكم بالحياد والاستقلال أثناء سير خصومة التحكيم: يجب على المحكم الالتزام بالحياد التام، وعدم الانحياز لأحد أطراف التحكيم أو ضده لأسباب شخصية. لذا توجب قوانين وأنظمة التحكيم المختلفة على المحكم المرشح قبل، وبعد تعينه أن يصرح كتابة لمن اختاره أو عينه، وسواء كان المحكم معينا أو مختارا من الأطراف أو من أحدهم أو من مركز تحكيم أو من الغير أو من المحكمة القضائية، في تحكيم وطني أم دولي، حر أم مؤسسي، بكافة الوقائع والظروف والعلاقات التي من شأنها أن تؤثر أو تثير شكوكا حول حياده واستقلاله وعدم حياد المحكم، أو عدم استقلاله يعد سببا يجيز طلب رده (م 16 /3) تحكيم مصري، و(م 24) تحكيم إنجليزي، و(م 17) تحكيم سوري، و (art. 1452 N. C. P. C. F.) ([328]).

فالحياد هو سلوك يصدر من المحكم يجعله يتسم بعدم الانحياز لأحد أطراف التحكيم باي شكل أثناء سير عملية التحكيم يكون سببا لرده أو بطلان حكمه، والحياد غير الاستقلال. فالحياد: هو عدم الميل أو الحكم بالهوى لصالح أحد أطراف التحكيم، وهو حالة نفسيه وذهنية ذات طابع شخصي تخضع لنية المحكم وتفكيره. بينما الاستقلال: هو عدم تبعية المحكم لأي من اطراف التحكيم حتى لا يتوجه في عمله بتوجيهات أي منهما. بألا توجد للمحكم صلة أو مصلحة بموضوع النزاع أو ارتباط بأحد أطرافه أو ممثليهم. ويقوم الاستقلال غالبا علي واقعة مادية معينة تحمل مظاهر خارجية يمكن إثباتها مثل؛ علاقة الوظيفة أو القرابة أو الوكالة أو تكون له مصالح مادية أو شراكة أو ارتباطات مالية، أو مهنية أو اجتماعية سابقة أو حالية أو خاضعا لتأثير أو توجيهه أو وعد أو وعيد مع أحد طرفي النزاع التحكيمي ([329]).

وعلى ذلك فانه يجب استقلال المحكم عمن اختاره، وعن الطرف الأخر في النزاع الذي لم يختره، وعدم وجود صلات سابقة أو حالية بأي منهما أو أقاربهـما أو ممثيليهما، وعدم سبق اتصاله بموضوع نزاع التحكيم بفتوى أو استشارة، وعدم وجود مصلحة له مالية أو أدبية تتعلق بموضوع نزاع التحكيم لاحقة عن تولي المحكم لمهمته أو سابقة ولم يفصح عنها للأطراف، وعدم إجراء المحكم اتصالات منفردة بأحد الأطراف، أو يسرب إليه بعض المعلومات، أو أعطاه بعض الإرشادات التي قد تعينه على خصمه. ويجب على المحكم منح كل طرف فرص كافية ومتساوية لعرض دعواه والدفاع عنها، وإصدار حكمه بعيدا عن العواطف والعلاقات والمصالح مهـما كان شكلها، بل بما يقدمه الأطراف من أدلة ووثائق وإثبات في الدعوى ([330]). وطبقا لنص (م 18 / 1 تحكيم مصري) فإنه لا يجوز رد المحكم إلا إذا قامت ظروف تثير شكوكا حول حيدته أو استقلاله، وذلك لأن أي سبب يثير الريبة حول استقلاله وحياده يحول دون الحكم بموضوعية في النزاع التحكيمي، ويخل بمبدأ الثقة في المحكم.

وقضت محكمة النقض المصرية تطبيقا لذلك بأنه: “و لئن كان من المقرر أن اعتبار التحكيم ذا طبيعة قضائية، يوجب على هيئة التحكيم مراعاة المبادئ الأساسية في التقاضي، وذلك سواء كان التحكيم تحكيما عاديا أو تحكيما مع التفويض بالصلح، وتعتبر حيدة المحكم واستقلاله من الضمانات الأساسية في التقاضي، إلا أن الأصل في المحكم أنه محايد ومستقل ما دام قد قبل القيام بمهمته، وعلى من يدعى عدم حياد المحكم أو عدم استقلاله أن يتمسك بذلك ويثبته طالما انه قد علم بالعيب قبل صدور حكم التحكيم، وليس له بعد صدوره أن يرفع دعوى ببطلانه استنادا إلى عدم توافر أيهما في المحكم، لما كان ذلك، وكان الحكم المطعون فيه قد التزم هذا النظر، وأقام قضاءه برفض دفاع الطاعنة الوارد بالنعي على دعامة حاصلها أنها علمت بالوقائع التي تستند عليها في نفى الحيدة عن المحكمين وذلك قبل صدور حكم التحكيم، ولم تبد ثمة اعتراض بشأنها أمام هيئة التحكيم ومن ثم لا يقبل منها الاستناد عليها لطلب بطلانه” ([331]).

(3)- التزام المحكم باحترام مكان ولغة التحكيم: سواء كان المحكم معينا أو مختارا من الأطراف أو من أحدهم أو من مركز تحكيم أو من الغير أو من المحكمة، في تحكيم وطني أم دولي، حر أم مؤسسي، يجب عليه احترام اتفاق أطراف التحكيم بشأن تحديد مكان ولغة التحكيم. فالأصل في تحديد مكان التحكيم هو اتفاق أطراف التحكيم الذين لهم مطلق الحرية في ذلك، وفي حالة عدم وجود اتفاق على مكان التحكيم فينعقد الاختصاص للمحكم لتحديده، على أن يراعي في تحديده ظروف الدعوى، وملائمة المكان للأطراف ومصالحهـم، على أن ذلك لا يخل بحق المحكم في عقد بعض الجلسات في أي مكان يراه مناسبا للقيام بإجراء من إجراءات خصومة التحكيم عند نظر النزاع التحكيمي كسماع الشهود أو الخبراء أو المعاينة (م 28) تحكيم مصري، و(م 28) تحكيم سعودي، و(م 27) تحكيم أردني، و(م 183، 182) مرافعات كويتي، و(م 29، 28) تحكيم عماني، و(م 24، 23) تحكيم سوري، و(م 21) تحكيم بحريني، و(م 21) تحكيم فلسطيني.

وتطبيقا لذلك قضت محكمة النقض المصرية بأن: “مفاد نص المادة 28/ 21 من قانون التحكيم رقم 27 لسنة 1994 أنه لطرفي التحكيم الاتفاق على مكان التحكيم في مصر أو خارجها، فإذا لم يوجد اتفاق عينت هيئة التحكيم مكان التحكيم مع مراعاة ظروف الدعوى وملاءمة المكان لأطرافها” ([332]).

كما يجب على المحكم احترام اتفاق أطراف التحكيم بشأن تحديد لغة التحكيم، فالأصل في تحديد لغة التحكيم هو اتفاق التحكيم، وفي حالة عدم وجود اتفاق على تحديد لغة التحكيم؛ فينعقد الاختصاص للمحكم بتحديد لغة التحكيم. ويسري ذلك على لغة البيانات، والمذكرات المكتوبة، و المرافعات الشفوية، وكل قرار يتخذه المحكم أو رسالة يوجهها أو حكم يصدره، ما لم يتفق الأطراف على غير ذلك. كما أن للمحكم إرفاق تقرير بكل أو بعض المستندات والوثائق المكتوبة المقدمة من أطراف التحكيم ترجمة أو ترجمات إلى اللغة أو اللغات المستعملة في التحكيم، ويجوز قصر الترجمة على بعض اللغات في حالة تعددها. فقد ترك القانون المصري الحرية للأطراف في اختيار لغة التحكيم (م 29) تحكيم مصري، وكذلك (م 29) تحكيم سعودي، و(م 51) تحكيم موريتاني، و(م 17) من قانون اليونسترال، و(م 29) تحكيم عماني، و(م 17) من قواعد محكمة لندن للتحكيم الدولي، و(م 20) تحكيم بحريني، و(م 28) تحكيم أردني، و(م 22) تحكيم فلسطيني ([333]).

(4)- التزام المحكم بالمساواة بين طرفي خصومة التحكيم: أوجبت قوانين وأنظمة التحكيم المختلفة على المحكم؛ سواء كان المحكم معينا أو مختارا من الأطراف أو من أحدهم أو من مركز تحكيم أو من الغير أو من المحكمة القضائية، في تحكيم وطني أو دولي، حر أم مؤسسي، التزاما بتطبيق مبدأ المساواة بين طرفي خصومة التحكيم. وأن يعامل المحكم طرفا التحكيم على قدم المساواة، ويهيء لكل منهما فرصة متكافئة وكاملة لعرض دعواه أو دفاعه. وذلك حتى تتحقق ثقة وطمأنينة طرفي نزاع التحكيم في هيئة التحكيم، ولأن المساواة بين الأطراف سمة من سمات العدل، وتعطي التحكيم صفة القبول والرضا بنص (م 26) تحكيم مصري، و(م 27) تحكيم سعودي، و(م 25) تحكيم أردني، و (م 13/ 1) تحكيم، تونسي، و(م 33) تحكيم يمني، و(م 18) من القانون النموذجي، و(م 14) غرفة التجارة الدولية بباريس، و(م 25) تحكيم سوري، و(م 48) تحكيم موريتاني، و(م 26) تحكيم عماني، و(م 14) من قواعد محكمة لندن للتحكيم الدولي، و(م 18) تحكيم بحريني.

وتشمل المساواة بين الخصوم؛ المساواة الإجرائية في إبداء طلباتهم، ودفوعهم، ودفاعهم؛ والمساواة في تعامل هيئة التحكيم مع الخصوم، وتهيئة الفرص المتكافئة لكل منهما. فلا يجوز للمحكم أن يفسح صدره لأحد أطراف التحكيم لشرح دعواه دون الآخر، أو أن يسمح لأحدهما بتوكيل محام دون الآخر، أو أن يسمح لأحدهما بالحضور دون الآخر، أو أن يتحمس لسماع أحدهما وشهوده دون الآخر، أو أن يرفض دون مبرر اعتراضات أحدهما دون الآخر، أو أن يدافع عن أحدهما دون الآخر، أو أن يقدم دليلا في الدعوى لصالح أحدهما دون الأخر، أو أن يتبنى وجهة نظر أحدهما دون الآخر، أو أن يتصرف كمحام عن أحدهما دون الأخر، أو أن تكون لغة التحكيم هي لغة أحد الطرفين في غياب اتفاق الطرفين على اللغة، وكذلك المكان، أو السماح لأحد الأطراف بالمشاركة في تشكيل هيئة التحكيم ومنع الطرف الآخر، أو الإذن لأحدهم بالحضور في غيبة الأخر. ويجب على المحكم أن يساوي بين الأطراف في كل صغيرة وكبيرة حتى في العبارات والإشارات والجلوس أمامه في مجلس التحكيم، وتعد مخالفة تلك المبادئ سببا من أسباب بطلان حكم التحكيم ورفض تنفيذه، وفي شرح موضع نزاعهم بالتساوي، وتقسيم وقت التحكيم بصورة مقبولة وكافية بين الطرفين مع الأخذ في الاعتبار مدة التحكيم حتى يضمن لأطراف التحكيم خصومة عادلة، وذلك تطبيقا لمبدأ تكافؤ الفرص بين طرفي خصومة التحكيم ([334]).

وفي حالة إساءة أحد أطراف التحكيم لاستخدام هذا الحق بغرض عرقلة سير إجراءات التحكيم أو بقصد الإضرار بالطرف الآخر بأن يتخلف عن حضور الجلسات أو بالامتناع عن تقديم الأدلة المطلولة منه، ففي هذه الحالة يجوز للمحكم الاستمرار في تسيير خصومة التحكيم أو إصدار الحكم في النزاع استنادا إلى الأدلة المطروحة أمامه، ولا يكون في هذه الحالة قد أخل بمبدأ المساواة (م 35) تحكيم مصري، و(م 34/ 2) تحكيم سعودي، و(م 25) تحكيم أردني.

(5)- التزام المحكم باحترام مبدأ المواجهة بين أطراف التحكيم: أوجبت قوانين وأنظمة التحكيم المختلفة على المحكم؛ سواء كان المحكم معينا أو مختارا من الأطراف أو من أحدهم أو من مركز تحكيم أو من الغير أو من المحكمة القضائية، في تحكيم وطني أو دولي، حر أم مؤسسي، التزاما باحترام مبدأ المواجهة بين أطراف التحكيم منذ بدء إجراءات خصومة التحكيم وحتى نهايتها بموجب (م 33) تحكيم مصري، و(م 31) تحكيم سعودي، و(م 28، م 29/ 1) تحكيم سوري، و(م 33) تحكيم عماني، و(م 15، 14) من قواعد، محكمة لندن للتحكيم الدولي، و(م 32، 31، 30، 29) تحكيم أردني. ومبدأ المواجهة هو حق كل خصم في الدفاع عن نفسه بكل الوسائل القانونية والواقعية وتقديم أدلة الإثبات والنفي المؤيدة لوجهة نظره، مع تمكينه من العلم بكل ما هو موجه ضده من ادعاءات وإتاحة الفرصة له لمناقشتها والرد عليها.

ويتحقق مبدأ المواجهة بتمكين كل من طرفي التحكيم من شرح دعواه وعرض حججه وأدلته وتمكين الخصم من معرفة الملاحظات والمستندات المقدمة ضده من خصمه، والعلم في وقت مناسب ومفيد يستطيع فيه أن يقوم بالرد علي هذه الادعاءات وتفنيدها، وذلك لتحقيق خصومة عادلة ومنصفة للأطراف. والا حكم بإبطال حكم المحكم لعدم التزامه بتطبيق مبدأ المواجهـة بموجب (م 53 /1 ج) تحكيم مصري، و(م 50/ 1 – ج) تحكيم سوري، و(م 5 /2) من اتفاقية نيويورك لتنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية، و(.art. 1484. al. 4. N. C. P. C. F). فيلتزم المحكم بمواجهة أطراف التحكيم بعضهم بعضا بادعاءاتهم ودفاعهم، بحيث يكون في مقدور كل خصم عرض أوجه دفاعه ودحض حجج خصمه أو بتمكينه من ذلك. فالمواجهة حق لكل خصم في العلم بطلبات خصمه ودفاعه ومناقشته، لضمان حسن أداء العدالة ولإظهار الحقيقة، بمنح الأطراف فرص متساوية لتقديم أدلتهم وحججهم …ولضمان عدم مفاجئة أطراف التحكيم بحكم التحكيم ([335]).

وبناء على ذلك، فلا يجوز للمحكم الاستماع لأحد أطراف التحكيم، إلا بحضور الطرف الآخر. ولا يجوز له إطلاع طرف على مستند دون إطلاع الأخر عليه. ولا يجوز للمحكم مباغتة أطراف التحكيم بتكييف جديد للوقائع لم يتفقوا عليه ولم يتسن لهم الاطلاع عليه أو مناقشة ما قد يستدعي فتح باب المرافعة ووضع هذا التكييف تحت نظر الأطراف ([336]). فمبدأ المواجهة في خصومة التحكيم يدور حول ثلاثة أمور: حق كل محتكم أن يسمعه المحكم، وحق كل محتكم في مناقشة خصمه. وحق كل محتكم في العلم بكل عناصر الواقع والقانون التي جمعها المحكم (م 33، 31، 26) تحكيم مصري، و(م 33، 31) تحكيم سعودي، وart. 1460. al. 4. N. C. P. C. F.)) ([337]). واذا قبلت هيئة التحكيم أثناء حجز القضية للحكم، مذكرات من أحد أطراف التحكيم، دون تمكين الخصم الآخر من الاطلاع عليها، كان الحكم باطلا، ما لم يكن الوارد بتلك المذكرة عبارة عن ترديد للدفاع الذي تمسك به في كافة مراحل النزاع، وسبق للخصم الآخر الرد عليه ([338]).

(6)- التزام المحكم باحترام حقوق أطراف التحكيم في الدفاع: أوجبت قوانين وأنظمة التحكيم المختلفة على المحكم؛ سواء كان المحكم معينا أو مختارا من الأطراف أو من أحدهم أو من مركز تحكيم أو من الغير أو من المحكمة القضائية، في تحكيم وطني أم دولي، حر أم مؤسسي، التزاما باحترام حقوق أطراف التحكيم في الدفاع منذ بدء إجراءات التحكيم وحتى نهـايتها، وإلا حكم ببطلان حكم التحكيم أو كان ذلك سببا لرفض الاعتراف أو تنفيذ حكم التحكيم. (م 13) تحكيم تونسي، و art. 1484 al 4 N. C. P. C. F.))، و(م 15، 14) من قواعد محكمة لندن للتحكيم الدولي، و(م 16 /1) من نظام تحكيم المؤسسة الأمريكية للتحكيم، و(م 26) تحكيم عماني، و(م 1/ 33) تحكيم إنجليزي، و(م 36) من قانون اليونستيرال، و(م 34/ 2) من القانون النموذجي، و(م 32) تحكيم سعودي، و(م 756) مرافعات ليبي، و(م 266) مرافعات عراقي، و(م 53، 26/ 1) تحكيم مصري، و(م 179) مرافعات كويتي، و(م 30) تحكيم أردني، و(م 50، 30/ 1- ج) تحكيم سوري، و(م 48) تحكيم موريتاني.

ويقصد باحترام حق الدفاع، إتاحة الفرصة كاملة لكلا الخصمين في المثول أمام المحكم لشرح ادعاءاته، وتفنيد مزاعم خصمه، وتمكينه من إثبات دعواه مع عدم التفات الحكم عن أي من مستندات الخصم أو أدلته التي تعتبر دفاعا جوهريا من شأنه أن يتغير به وجه الرأي في الدعوى. فحق الدفاع أصالة أو بالوكالة حق مقدس ومكفول في مسائل التحكيم، تقرره المبادئ العامة للقانون، والفطرة الإنسانية، وحاسة الشعور بالعدالة، وقواعد القانون الطبيعي كضمانة لحماية الحقوق والحريات. وحق الدفاع هدفه تحقيق المساواة في المراكز الإجرائية داخل الخصومة للخصوم أمام منصة العدالة، لتأكيد حقهم أو لإظهار وجه الحق في الدعوي. ويتحقق بإعطاء المحكم الفرصة الكاملة لكل طرف من أطراف التحكيم بأن يقدم ما لديه من أدلة، ومذكرات، وأوراق، وأقوال، وشهود، وتمكين المحتكم من مناقشة المحتكم الآخر فيما قدمه من وسائل دفاعه في خصومة التحكيم ([339]).

ويتمثل حق الدفاع في حقوق دفاع أساسية هي: الحق في الدفع، والحق في الإثبات، والحق في المرافعة. فضلا على حقوق الدفاع المساعدة التي تتمثل في: الحق في الاستعداد، والحق في الحضور والحق في الدفاع الشخصي أو الاستعانة بمحام، والحق في العلم بالإجراءات … ([340]). ولكن هناك أمورا يبدوا أن فيها إخلالا بحق الدفاع، ولكنها في الحقيقة لا تعد كذلك، وإتيانها لا يعد إخلالا باحترام حقوق الدفاع ومنها: الحكم على خصم في غيبته دون سماع دفاعه، وذلك في حالة ما إذا كان امتناعه عن الحضور بسبب غير مقنع ومماطل لعرقلة سير إجراءات التحكيم. رفض هيئة التحكيم المستندات أو المذكرات المقدمة بعد فوات المواعيد بغرض المماطلة وعرقلة الإجراءات. وقضاء المحكم بعلمه الشخصي في حالة ما إذا كان اختياره كان بسبب عمله وخبرته لموضوع محل النزاع، فلا يخل بحق الدفاع قضاء المحكم بعلمه الشخصي علي العكس الأمر في القضاء نظرا لخبرته، واكتفاء المحكم بالمذكرات دون حاجة للمرافعة الشفوية مالم يتفق طرفا التحكيم علي غير ذلك، واذا قدم خصم مذكرة بدفاعه لم تعلن، أولم يطلع عليها خصمه الآخر، لم تتضمن شيئا جديدا، أو تم إيداعها بملف الدعوي في حضور الخصم الأخر ([341]).

وكثيرا ما يتلازم الإخلال بحق الدفاع مع الإخلال بمبدأ المساواة. فقد يساوي المحكم في الظاهر بين الخصمين، لكن مسلكه ينطوي على إخلال بحق الدفاع للخصم الأخر، كما لو استجاب المحكم لطلب سماع شهود خصم دون الاستجابة لطلب الآخر بدون مبرر قوي أو أن يسمع المحكم لدفاع الخصمين إلا أنه يبني حكمه على ما أبداه أحدهما ولا يعبأ بالرد على الدفاع الآخر ([342]). وهذا الالتزام نصت عليه السنة النبوية حيث أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال للإمام علي بن أبي طالب: إذا: جلس بين يديك الخصمان فلا تقض حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول؛ فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء”. وقد حرص فقهاء المسلمين على ترسيخ هذا المبدأ فقالوا: إن القاضي لا يجوز له أن يحكم على أحد إلا بعد أن يسأله “ألك بينة؟” ثم بعد ذلك يقوله: (أبقيت لك حجة).

(7)- التزام المحكم باحترام القانون الاتفاقي لأطراف التحكيم: أوجبت قوانين وأنظمة التحكيم المختلفة على المحكم؛ سواء كان المحكم معينا أو مختارا من الأطراف أو من أحدهم أو من مركز تحكيم أو من الغير أو من المحكمة القضائية، في تحكيم وطني أو دولي، حر أم مؤسسي، التزاما باحترام تطبيق القانون الاتفاقي لإجراءات وموضوع التحكيم، والا حكم ببطلان حكم التحكيم بنص (م 53/1 – د، م 39) تحكيم مصري، و(م 50، 38/ 1 – د) تحكيم سعودي، و(م 39، 6) تحكيم عماني، و(م 38، 22) تحكيم سوري، و(م 34/ 2) من قانون اليونستيرال، و(م 36، 24) تحكيم أردني، و(م 265) مرافعات عراقي، و(م 14) تحكيم تونسي، و(م 182) مرافعات كويتي، و(م 19) تحكيم فلسطيني، و(م 56) تحكيم موريتاني، و(م 17) من نظام خرفة التجارة الدولية بباريس، و(م 29) من نظام الهيئة الأمريكية للتحكيم، و(م 22) من نظام محكمة لندن للتحكيم الدولي، و(م 23) من قواعد مركز دبى للتحكيم الدولي، و(م 32) تحكيم يمنى، و(الفصل 14) مجلة تحكيم تونسي، و(م 28، 19) تحكيم بحريني.

وذلك لأن الأصل في التحكيم هو إعفاء المحكم من التقييد بالقواعد الإجرائية التي يتقيد بها قاضي الدولة؛ لأن أساس التحكيم هو اتفاق التحكيم. وبناء على ذلك، فإنه يجب على المحكم الالتزام والتقيد بما اتفق عليه أطراف التحكيم في اتفاق التحكيم أثناء سير إجراءات التحكيم. ولا يجوز للمحكم تطبيق قواعد أو إجراءات من اتفاقهم مخالفا للنظام العام أو في حالة تفويض الأطراف المحكم باختيار القانون الواجب التطبيق إذ تعد سلطة المحكم مجرد سلطة تكميلية لإرادة الأطراف. فاطراف التحكيم هم الذين يحددون: قانون اتفاق وإجراءات التحكيم، واختصاصات المحكم، ومكان ولغة وموضوع التحكيم (م 25) تحكيم مصري، و(م 25) تحكيم سعودي، و(art. 1460; 1494. N.C.P.C.F.). ([343]).

فالأصل هو احترام المحكم لإرادة واتفاق المحتكمين على اختيار القانون الذي يحكم إجراءات التحكيم، و موضوع النزاع. فاستقلالية شرط التحكيم تتيح للمحتكمين حرية اختيار أي قانون يرتضونه يسري على إجراءات التحكيم، أو يسري على موضوع التحكيم بغض النظر عن وجود أي صلة بينه وبين العقد مثار النزاع. بشرط عدم مخالفتها لقواعد النظام العام والآداب العامة في دولة تنفيذ حكم التحكيم. وفي حالة عدم الاتفاق بين المحتكمين على قواعد أو قانون معين للإجراءات أو الموضوع فللأطراف تفويض المحكم صراحة أو ضمنا باختيار تلك القواعد ([344]).

وتطبيقا لذلك قضت محكمة النقض المصرية بان: “ومن المقرر –في قضاء محكمة النقض- وعلى ما تقضى به المادة 39 من قانون التحكيم رقم 27 لسنة 1994 أنه متى اتفق المحتكمان على الموضوع محل النزاع تعين على هيئة التحكيم أن تطبق عليه القواعد القانونية التي اتفقا عليها، فإذا ما اتفقا على تطبيق قانون دولة معينة تلتزم هيئة التحكيم أن تطبق على النزاع القواعد الموضوعية لهذا القانون دون القواعد الخاصة بتنازع القوانين ما لم يتفق طرفا النزاع على غير ذلك. وإذ اقتصر تحديدهما على مجرد قانون الدولة دون فرع معين، كان لهيئة التحكيم تطبيق فرع القانون الذي تراه من وجهة نظرها أنه الأكثر اتصالا بموضوع النزاع، بما مفاده أن خطاها في تحديد ذلك الفرع لا يعد استبعادا منهـا لقانون المحتكمين بل في حقيقته خطأ في تطبيق القانون” ([345]).

(8)- التزام المحكم باحترام قانون التحكيم عند غياب القانون الاتفاقي: إذا كانت قوانين وأنظمة التحكيم تركت لطرفي التحكيم حرية الاتفاق على ما يرونه من الإجراءات التي يتبعها المحكم، سواء كان المحكم معينا أو مختارا من الأطراف أو من أحدهم أو من مركز تحكيم أو من الغير أو من المحكمة القضائية، في تحكيم وطني أو دولي، حر أم مؤسسي، عند الفصل في النزاع، وخولت المحكم عند عدم وجود هذا الاتفاق أو تفويض للأطراف للمحكم في اختار القانون الواجب التطبيق أو كان القانون الذي اتفق عليه الأطراف مخالف للنظام العام في دولة التنفيذ أن يختار إجراءات التحكيم. ويلتزم المحكم باحترام أحكام قانون التحكيم باعتبار أن نصوصه مقررة للضمانات الأساسية لخصومة التحكيم بموجب نص (م 25) تحكيم مصري، و(م 25) تحكيم سعودي، و(م 22) تحكيم سوري، و(م 182) مرافعات كويتي، و(م 36/ ب، ج) تحكيم أردني، و(م 56) تحكيم موريتاني، و(م 19) تحكيم بحريني. ولذلك يتعين على المحكم حين يعهد إليه أمر تنظيم إجراءات التحكيم ألا يخل بالقواعد التي نص عليها قانون التحكيم، والا كان حكم التحكيم عرضه للبطلان، سواء كانت هذه القواعد آمرة أو مكملة ([346]). كما يجب على المحكم عند الفصل في موضوع النزاع مراعاة شروط العقد محل النزاع، والأعراف الجارية (م 39/ 3) تحكيم مصري.

(9)- التزام المحكم باحترام مواعيد التحكيم: أوجبت قوانين وأنظمة التحكيم المختلفة على المحكم، سواء كان المحكم معينا أو مختارا من الأطراف أو من أحدهم أو من مركز تحكيم أو من الغير أو من المحكمة القضائية، في تحكيم وطني أو دولي، حر أم مؤسسي، التزاما باحترام مواعيد التحكيم، وإصدار حكم التحكيم خلال ميعاد التحكيم والا تعرض حكمه للبطلان بموجب (م 53/ 1-أ) تحكيم مصري، و(م 38) تحكيم فلسطيني، و(م 31) من نظام مركز التحكيم التجاري لدول مجلس التعاون الخليجي، و(م 14) من القانون النموذجي للتحكيم الدولي، و(م 24) من نظام التحكيم لغرفة التجارة الدولية بباريس، و(م 28) من نظام تحكيم الهيئة الأمريكية للتحكيم، و(م 181) مرافعات كويتي، و(م 37) تحكيم أردني، و(م 24) تحكيم تونسي، و(م 45) تحكيم عماني، و(م 210) إجراءات مدنية إماراتي، و(م 40) تحكيم سعودي، و(م 37) تحكيم سوري، و(م 752) مرافعات ليبي، و(م 26) من نظام التوفيق والتحكيم التجاري لغرفة تجارة وصناعة الكويت، و(م 27) من نظم المصالحة والتحكيم لدى غرفة تجارة قطر، و(م 29) من نظام التوفيق والتحكيم لدى غرفة وصناعة دبي، و(م 7) من لائحة مركز أبو ظبي للتوفيق والتحكيم التجاري.

وقد حددت معظم قوانين التحكيم مدة لإصدار حكم التحكيم خلالها، وتتباين هذه المدة في مقدارها، وفي بدءها وتمديدها، وذلك لمنع تعنت ومماطلة أيا من المحتكمين والمحكمين في سبيل تعطيل إجراءات التحكيم. وبناء على ذلك: فيجب على المحكم التقيد بالمواعيد المحددة لإتمام عملية التحكيم، وإصدار الحكم التحكيمي خلالها، وتلك المواعيد تحدد في اتفاق التحكيم ذاته أو بالإحالة إلى نظام مركز أو هيئة تحكيم أو بالإحالة إلى نصوص قانون تحكيم دولة ما.

ويختلف مقدار تلك المواعيد من نظام إلى آخر، وبانتهاء تلك المدة ينتهي اختصاص المحكم، وينتهي التحكيم ذاته، واذا لم يصدر المحكم حكمه خلال ميعاد التحكيم، ينتقض التحكيم، ويضيع كل أثر لعقد التحكيم، ويعد حكم التحكيم قابلا للإبطال لإخلال المحكم بالتزام تعاقدي أخذه على عاتقه وهو إصدار حكم التحكيم خلال مهلة التحكيم، فإنه يحكم ببطلان حكمه بعد الميعاد، ويقع تحت طائلة المسئولية لإخلاله بواجب الالتزام بميعاد التحكيم ([347]). في (م 50) تحكيم سعودي، و(م 49/ أ/ 1) تحكيم أردني، و(م 216/ 2/ أ) إجراءات مدنية إماراتي، و(م 53) تحكيم عماني، و(م 186/ 2/ 1) مرافعات كويتي، و(م 769/ 1) مرافعات ليبي، و(م 42/ 2) تحكيم تونسي، و(م 50/ 1 – أ) تحكيم سوري، و(م 53/ 1 – 3) تحكيم مصري، و(art. 1484 al. 3 N.C.P.C.F.)

والأصل أن أطراف التحكيم يحددون ميعاد التحكيم الذي يجب على المحكم إصدار حكم التحكيم خلاله، إلا أن بعض قوانين وأنظمة التحكيم تدخلت وحددت هذا الميعاد في حالة عدم تحديده من أطراف التحكيم حفاظا على مبدا السرعة في إجراءات التحكيم، وعدم إطالة أمد الإجراءات حرصا على مصلحة أطراف التحكيم، فميعاد التحكيم في (م 45/ 1) تحكيم مصري، و (م 40) تحكيم سعودي هي اثنى عشر شهرا من تاريخ بدء إجراءات التحكيم، أما (م 262 مرافعات عراقي) حددت المدة ستة أشهر من تاريخ قبولهم التحكيم، أما (م 37/ أ، 7) تحكيم أردني حدد المدة ستة أشهر – أما (م 258) أصول محاكمات مدنية لبناني حددت المدة بثلاث أشهر من تاريخ قبولهم ما لم يتفق أطراف التحكيم على أجل للحكم، و(م 752) مرافعات ليبي، و(م 50/ 2) تحكيم إنجليزي، و(art 1456. N. C. P. C. F.) ستة أشهر على الأكثر من تاريخ قبول آخر محكم لمهمته بخصوص التحكيم الداخلي ([348]). فالقاعدة في إعطاء الأولوية في تحديد المدة التي تنتهي بانتهائها إجراءات التحكيم، وبالتالي مهمة المحكم هي لاتفاق طرفي التحكيم، والا فبنص القانون، وقد يتفق المحتكمون فيما بعد على تحديد مدة التحكيم، وتمديدها إن شاء باتفاق صريح أو ضمني أو تفويض هيئة التحكيم في ذلك، فالمحكم لا يملك تمديد مواعيد التحكيم من تلقاء نفسه.

وتطبيقا لذلك قضت محكمة النقض المصرية بأن: “النص في الفقرة الأولى من المادة 45 من القانون رقم 27 لسنة 1994 م بإصدار قانون التحكيم على أن” على هيئة التحكيم إصدار الحكم المنهى للخصومة كلها خلال الميعاد الذى اتفق عليه الطرفان. فإن لم يوجد اتفاق وجب أن يصدر الحكم خلال اثنى عشر شهرا من تاريخ بدء إجراءات التحكيم. وفى جميع الأحوال يجوز أن تقرر هيئة التحكيم مد الميعاد على ألا تزيد فترة المد على ستة أشهر ما لم يتفق الطرفان على مدة تزيد على ذلك “يدل على أن المشرع أوجب على هيئة التحكيم أن تصدر حكمها المنهي للخصومة كلها خلال الميعاد الذى اتفق عليه الخصوم، وأنه في حالة عدم. اتفاقهم على الميعاد، فإن عليها أن تصدر حكمها خلال اثنى عشر شهرا مع حقها في مد هذه المدة أو المدة المتفق عليها، فترة أخرى لا تتجاوز ستة أشهر، ما لم يتفق الطرفان على مد الميعاد أكثر من ذلك، ولم يشترط المشرع لصحة اتفاق الخصوم على مد الميعاد أن يكون أمام هيئة التحكيم، أو أن يكون المد لفترة محددة بزمن معين، ومن ثم فإنه ليس ما يمنع من الاتفاق أمام الخبير المنتدب من هيئة التحكيم على مد ميعاد التحكيم لحين انتهاء أعمال الخبير وإصدار هيئة التحكيم حكمها في النزاع” ([349]).

(10)- التزام المحكم بتبليغ اطراف التحكيم بمواعيد الجلسات ومكانها: أوجبت قوانين وأنظمة التحكيم المختلفة على المحكم، سواء كان المحكم معينا أو مختارا من الأطراف أو من أحدهم أو من مركز تحكيم أو من الغير أو من المحكمة القضائية، في تحكيم وطني أو دولي، حر أم مؤسسي، التزاما بتبليغ اطراف التحكيم بمواعيد جلسات التحكيم والمعاينات بموجب نص (م 24/ 1) اليونستيرال، و(م 33/2) تحكيم مصري، و (م 33/ 2) تحكيم سعودي، و(م 179) مرافعات كويتي، و(م 29/ 2) تحكيم سوري، و(م 50، 49) تحكيم موريتاني، و(م 16) من قواعد محكمة لندن للتحكيم الدولي.

فيجب على المحكم تبليغ مواعيد انعقاد الجلسات ومكانها وتقديم المستندات والأوراق الخاصة بالتحكيم للخصوم قبل الانعقاد بوقت كاف، ويجب أن يتضمن التبليغ زمان ومكان انعقاد الجلسات، ويجب أن يكون التبليغ مكتوبا، ويجوز التبليغ بالبريد المسجل أو العادي أو بالفاكس أو بالتلكس أو بالبريد الإلكتروني (E. mail) أو باي وسيلة اتصال أخرى يمكن – إثبات إرسالها، ويوجه هذا التبليغ إلى آخر عنوان معروف للخصم أو يسلم إليه باليد أو إلى من يمثله ([350]).

(11)- التزام المحكم باحترام مبدأ سرية التحكيم: أوجبت قوانين وأنظمة التحكيم المختلفة التزاما على المحكم، سواء كان المحكم معينا أو مختارا من الأطراف أو من أحدهم أو من مركز تحكيم أو من الغير أو من المحكمة القضائية، في تحكيم وطني أو دولي، حر أم مؤسسي، باحترام مبدأ سرية التحكيم أثناء نظر النزاع التحكيمي، وحتى بعد صدور الحكم التحكيمي (م 33) من نظام تحكيم الهيئة الأمريكية، و(م 30) من قواعد محكمة لندن للتحكيم الدولي. والأصل هو سرية التحكيم إلا على أطراف التحكيم وممثليهم بخلاف القضاء، فالأصل فيه العلانية. ويشمل نطاق التزام المحكم بسرية التحكيم: عدم إفشاء أسرار المرافعات التحكيمية، والجلسات، وتسريب المعلومات والوثائق الخاصة بالدعوى التحكيمية. وشرط السرية يعد في حكم الشرط المضمن في العقد المبرم بين المحكم وأطراف التحكيم. بل يمتنع على المحكم الاستفادة من تلك المعلومات ماديا أو معنويا، كما يحظر عليه اطلاع الغير على المستندات أو الإدلاء بشهادة أمام القضاء عن معلومات أطراف التحكيم، عدم إفشاء المعلومات إلى وسائل الإعلام للتربح من ورائها إخلال بعنصر الثقة والكتمان …وذلك ما لم يوجد اتفاق أو نص قانوني مخالف. لأن لإنشاء أسرار أطراف التحكيم يشكل مخالفة للالتزام تعاقدي ([351]).

والأصل أن تكون جلسات التحكيم سرية، ولا يجوز حضور أحدا ممن ليس له علاقة بالنزاع، ما لم يتفق الأطراف على خلاف ذلك. فالتحكيم يقوم أساسا على خصوصية المنازعة بين الطرفين، بما يحقق ميزة من أبرز مميزات التحكيم، وهي عدهم نشر إجراءات التحكيم أو أحكامه إلا برضا الطرفين (م 44/2) تحكيم مصري، و(م 42 /ب) تحكيم أردني، و(م 41) تحكيم فلسطيني، و(م 30) من نظام محكمة لندن، و(م 34) من نظام غرفة التجارة الدولية بباريس، و(م 35) من نظام الهيئة الأمريكية للتحكيم، و(م 7) من نظام تحكيم مركز القاهرة الإقليمي.

وفي أغلب الأحوال لا يوافق المحكوم عليه على نشر الحكم، و يجب على المحكم عدم استخدام أية معلومات نمت إليه من خلال معرفته بالنزاع التحكيمي ([352]). واذا خالف المحكم واجب الالتزام بالسرية بكافة أشكالها وصورها المتعلقة بالدعوى التحكيمية المعروضة عليه، فإن هذه المخالفة توقعه تحت طائلة المسئولية الجنائية، والتأديبية، والمدنية، إلا إذا كان الكشف قد تم بموافقة كلية من اطراف التحكيم ([353]).

(12) التزام المحكم باحترام مبدأ الاستمرارية في مهمته التحكيمية حتى نهايتها: أوجبت قوانين وأنظمة التحكيم المختلفة على المحكم، سواء كان المحكم معينا أو مختارا من الأطراف أو من احدهم أو من مركز تحكيم أو من الغير أو من المحكمة القضائية، في تحكيم وطني أو دولي، حر أم مؤسسي، التزاما باحترام مبدأ الاستمرارية في أداء مهمته التحكيمية حتى نهايتها والا كان محلا للمساءلة عن الإخلال بهذا الالتزام. وعليه فلا يجوز للمحكم بعد قبوله للمهمة التحكيمية التخلي عنها دون مبرر مشروع، والا كان مسؤولا عما قد يسببه من ضرر لطرفي التحكيم أو لأى منهما، وذلك بنص (م 17 /2) تحكيم سوري، و(م 11 / 1) من نظام تحكيم الهيئة الأمريكية للتحكيم، و(م 260) مرافعات عراقي، و(م 843) أصول محاكمات لبناني، و(م 774) مرافعات ليبي، و(م 5/7) من نظام غرفة التجارة الدولية، و (art. 1462. al. 1. N. C. P. C. F.). ولم ينص على هذا الالتزام صراحة قانون التحكيم المصري، ولا الأردني، ولا الفلسطيني، إلا أن قانون المرافعات الكويتي اعتبر أن طبيعة التحكيم تفرض على المحكم إصدار حكم في النزاع محل التحكيم. ولا شك أن تنفيذ هذا الالتزام يتطلب استمرار المحكم في عمله حتى إصدار الحكم. وبالتالي يعد الإخلال بهذا الالتزام خطأ يستوجب مسئولية المحكم (م 178) مرافعات كويتي.

وبناء على ذلك يعتبر من أهم واجبات المحكم؛ التزامه باحترام مبدأ الاستمرارية في أداء مهمته التحكيمية حتى نهايتها طالما أنه قد قبلها. وعليه أن يتابعها حتى إصدار الحكم التحكيمي الحاسم للنزاع. ولا يحق له الاستقالة بدون مبرر قوي كضمانه لعدم المماطلة من قبل الطرف الذي عينه من خصومة الحكيم . ولأن الاستقالة غير المشروعة ستؤدي إلى إعادة القضية من أولها؛ وسيكون مضيعة للوقت والمال خصوصا إذا جاء المحكم البديل وقدم استقالته هو الآخر، فستدور إجراءات التحكيم في حلقة مفرغة . لذلك فيجب على المحكم قبول مهمته، وتأديتها كاملة، والاستمرار فيها حتى نهايتها حتى لا يعرض نفسه للمساءلة القانونية. فالإخلال بهذا الالتزام خطأ يستوجب مسئولية المحكم، ويحق للخصوم مطالبة المحكم بالتعويض ([354]).

لكن هذا الانسحاب كثيرا ما يؤدي ثماره عند انسحاب المحكم أو رفضه المساهمة في إجراءات التحكيم في بداية عملية التحكيم، ولكن يفقد فاعليته إذا حصل بعد قطعا شوطا كبيرا في إجراءات التحكيم. سواء كان انسحاب المحكم في هذه الحالة أو تلك دون سبب معقول، إنما يدل على سوء تصرفه، ويعد بالنتيجة خرقا للالتزام التعاقدي.

(13) – التزام المحكم باحترام قواعد النظام العام والآداب العامة: أوجبت قوانين ونظم التحكيم المختلفة التزاما على المحكم، سواء كان المحكم معينا أو مختارا من الأطراف أو من أحدهم أو من مركز تحكيم أو من الغير أو من المحكمة القضائية، في تحكيم وطني أو دولي، حر أم مؤسسي، باحترام قواعد النظام العام والآداب العامة لقانون الدولة التي يجري التحكيم بها أو الدولة المطلوب تنفيذ الحكم فيها، والا حكم ببطلان حكم التحكيم لمخالفته للنظام العام (م 53/2) تحكيم مصري، و(م 38/ 1) تحكيم سعودي، و(م 207/ 1) مرافعات قطري، و(م 50/2) تحكيم سوري، و(م 53/ 2) تحكيم عماني، و( م 273/ 2) مرافعات عراقي، وart. 1484. al. 6. N. C. P. C. F.)) .

وبناء على ذلك، فإنه وان جاز لطرفي التحكيم الاتفاق على إجراءات التحكيم أو تفويض المحكم فيها؛ فإنه يجب على المحكم مراعاة عدم مخالفة إجراءات التحكيم للنظام العام والآداب العامة للقانون الذي يجري التحكيم في إطاره أو للبلد المطلوب فيها تنفيذ حكم التحكيم. وذلك أيا كان نوع التحكيم، وبغض النظر عن اتفاق أطراف التحكيم أو عدم اتفاقهم على إلزام المحكم بذلك. لأن قواعد النظام العام والآداب العامة، تعتبر ضمانات أساسية للمحافظة على المصلحة العامة في المجتمع ([355]). فمثلا: إذا اتفق طرفا النزاع على إخضاع التحكيم لقانون معين بشأن أدلة الإثبات أو فوض المحكم بذلك، فيجب على المحكم التقييد بإجراءات التي نص عليها قانون الإثبات المصري، وعدم إجراء الإثبات على أساس دليل يعتبر مخالفا للنظام العام الآداب العامة طبقا للقانون المصري ([356]).

(14) – التزام المحكم بأداء مهمته التحكيمية بنزاهة وعدالة: يفترض في المحكم كالقاضي العدالة والنزاهة والا تعرض للمسائلة القانونية. لذلك فيجب على المحكم، سواء كان المحكم معينا أو مختارا من الأطراف أو من أحدهم أو من مركز تحكيم أو من الغير أو من المحكمة القضائية، في تحكيم وطني أو دولي، حر أم مؤسسي، القيام بمهمته التحكيمية بنزاهة وعدالة. (م 43/7) تحكيم فلسطيني، و(م 34/3) من اتفاقية عمان العربية للتحكيم التجاري، و(م 52) من اتفاقية البنك الدولي لتسوية منازعات الاستثمار. وبناء على ذلك؛ يعد متعارضا مع نزاهة وعدالة المحكم: استغلال المحكم لعدم خبرة أحد الأظراف أو محاميه من خلال حرمانه من الاطلاع على المستندات المقدمة من الخصم الآخر. والبحث عن أمر ما في حضور أحد أطراف التحكيم، وغياب الخصم الآخر ارتكاب المحكم غش أو تدليس أو غدر أو خطأ مهني جسيم بسوء نيه بقصد الإضرار بأحد أطراف التحكيم أو تحقيق مصلحه خاصة بالمحكم. وانحراف المحكم عن الوقائع أو الأقوال أو الأدلة التي أسس عليها حكمه، بقصد الإضرار بأحد أطراف التحكيم. وصف مستند على غير حقيقته لخداع باقي أعضاء هيئة التحكيم. وقيام المحكم بتصرف معين يضر بأحد اطراف التحكيم نتيجة رشوة من الخصم الآخر ([357]). إخلال المحكم بهذا الالتزام يعرضه للمسائلة القانونية، فيقع تحت طائلة المسئولية الجنائية في حالات الرشوة والاحتيال ([358]).

و”قاعدة الغش يبطل التصرفات” وهي قاعدة قانونية سليمة ولو لم يرد بها نص خاص في القانون وتقوم على اعتبارات خلقية واجتماعية في محارية الغش والخديعة والاحتيال وعدم الانحراف عن جادة حسن النية الواجب توافرها في التصرفات والإجراءات عموما صيانة لمصلحة الأفراد والجماعات. “فقاعدة الغش يفسد كل شيء” هي قاعدة قانونية مصدرها القانون الطبيعي، وقواعد العدالة الوارد ذكرها في (م 1 مدني مصري)، ونظريه التعسف في استعمال الحق (م 5 مدني مصري) ([359]).

(15) – التزام المحكم باحترام حدود ونطاق موضوع النزاع التحكيمي كما حدده أطراف التحكيم: أو جبت قوانين ونظم التحكيم المختلفة على المحكم، سواء كان معينا أو مختارا من الأطراف أو من أحدهم أو من مركز تحكيم أو من الغير أو من المحكمة القضائية، في تحكيم وطني أم دولي، حر أم مؤسسي، التزاما باحترام حدود ونطاق موضوع النزاع التحكيمي المعروض عليه و إلا كان حكمه عرضة للحكم ببطلانه (م 53/ 1، م 10) تحكيم مصري، و(م 50/ 1 – و) تحكيم سعودي، و(م 50/ 1 – و) تحكيم سوري، و(م 53/ 1 – و) تحكيم عماني، و(م 840/ 2) أصول محاكمات مدنية لبناني، و(م 186) مرافعات كويتي، و(م 53) تحكيم موريتاني، و(art. 1448. al. 1; art. 1484. al. 3. N. C. P.. F.)، و(م 28) تحكيم بحريني. اختصاص المحكم بالنسبة لموضوع النزاع كما حدده أطراف التحكيم في اتفاق التحكيم، ويظل هذا التحديد ثابتا بدون تغيير إلا لإبرام الخصوم اتفاق تحكيم جديد.

ويجب على المحكم ألا يحكم إلا بما يطلب منه فقط، دون زيادة أو نقصان، و إلا كان حكمه معيبا (مبدأ ثبات النزاع). وذلك تقييدا بما ورد في اتفاق التحكيم، و لذا فلا يجوز للمدعي، ولا للمدعي عليه في خصومة التحكيم أن يضيف بإرادته المنفردة مسائل لا يشملها اتفاق التحكيم أو يجاوز حدود هذا الاتفاق، اللهم إذا أمكن فصل أجزاء الحكم الخاصة بالمسائل غير الخاضعة له حيث لا يقع البطلان إلا على الأجزاء الأخيرة فقط (م 53/1 – و تحكيم مصري). ولذا يجب استبعاد ما قضى به المحكم خارجا عن اتفاق التحكيم. فإن تعذر فصل هذا القضاء عن باقي ما قضى به، أو كان بين القضائيين ارتباط لا يقبل التجزئة، أو كان التحكيم بحسب طبيعته لا يقبل التجزئة فإن الحكم يقع باطلا ([360]).

واذا كان الأصل والقاعدة أن أحكام المحكمين التي تتصدى لموضوعات لم يتناولها اتفاق التحكيم تكون معرضه للبطلان، لأن هيئة التحكيم تستمد ولايتها من اتفاق التحكيم، فإنها تكون مقيدة بنطاقه. وذلك ما لم يتفق اطراف التحكيم على إجازتها صراحة أو ضمنا. حيث يفترض في تلك الحالة أن مشارطة تحكيم جديدة قد انعقدت بالنسبة لتلك الطلبات الإضافية والقابلة أو كانت الطلبات الإضافية نتيجة طبيعية للطلب الأصلي كطلب الفوائد مع أصل الدين أو اتفق أطراف التحكيم بصيغة عامة دون تحديد لنوع النزاع (الشروط النموذجية) ([361]). وقد نصت(م 32) تحكيم سعودي، و (م 32) تحكيم مصري على أن: “لكل من طرفي التحكيم تعديل طلباته أو أوجه دفاعه أو استكمالها خلال إجراءات التحكيم ما لم تقرر هيئة التحكيم عدم قبول ذلك منعا من تعطيل الفصل في النزاع”.

وبناء على ذلك فيجوز قبول الطلبات العارضة (إضافية أو مقابلة) أثناء سير خصومة التحكيم بشرط قبولها من هيئة التحكيم، وارتباطاها ارتباطا وثيقا بالطلب الأصلي، وعدم خروجها عن مضمون اتفاق التحكيم …) وذلك في حالات معينة استثناء وليس كأصل عام، وتقدير وجود الارتباط بين الطلبات العارضة من سلطة هيئة التحكيم بشرط أن يكون ما خلصت إليه من أسباب سائغا ([362]). معنى ذلك أن الأصل هو قيام المحكم بالفصل في موضوع النزاع دون أن يتعداه إلى غيره، و لا يحق له إجراء تعديلات في موضوع النزاع التحكيمي، ويلتزم باتفاق الأطراف، ولا يجوز له أن يحكم بما لم يشمله اتفاق التحكيم أو بما لم يطلبه أطراف التحكيم.

(16) – التزام المحكم باحترام حدود النطاق الشخصي لخصومة التحكيم: يجب علي المحكم سواء كان معينا أو مختارا من الأطراف أو من أحدهم أو من مركز تحكيم أو من الغير أو من المحكمة القضائية، في تحكيم وطني أو دولي، حر أم مؤسسي، احترام حدود النطاق الشخصي لاتفاق وخصومة التحكيم. فاتفاق التحكيم لا يلزم إلا طرفيه الذين أبرموه، أو الغير الذي يمتد إليه أثر اتفاق التحكيم (م 145) مدني مصري، و(م 838) أصول محاكمات مدنية لبناني، و(م 272/ ) مرافعات عرقي. لذا لا يخضع لولاية هيئة التحكيم بمقتضى اتفاق تحكيم من ليس طرفا فيه، ولا يستفيد من هذا الاتفاق إلا أطرافه، ولا يضار منه غيرهم، ولا يملك التمسك ببطلانه إلا هم. ويمتد هذا الاتفاق ويتسع ليشمل الخلف العام والخلف الخاص كالورثة والمحال إليه ([363]).

ويتحدد أطراف خصومة التحكيم بأشخاص اتفاق التحكيم، ويظل هذا النطاق الشخصي ثابت طوال سير خصومة التحكيم؛ بحيث لا يجوز كقاعدة عامة التدخل الاختياري أو الإدخال في خصومة التحكيم للغير، وذلك لاحترام إرادة أشخاص اتفاق التحكيم، ومع ذلك يجوز لهم أن يسمحوا للغير بالتدخل بإدراج نص يجيز ذلك في اتفاق التحكيم نفسه، وإما باتفاق لاحق. ونفس الأمر بالنسبة للإدخال لا يكون مقبولا إلا باتفاق طرفي التحكيم، وسواء كان الإدخال بناء على طلب أحد أطراف التحكيم أو بناء على طلب المحكم وبشرط موافقة الشخص الذي يراد إدخاله.

وعلي ذلك فيمكن إدخال الغير الذي ليس طرفا في اتفاق التحكيم بناء علي طلب من طرفي التحكيم وموافقة الشخص المطلوب إدخاله، وحضوره شخصيا أو بوكيل وكالة خاصة يجيز له إبرام اتفاق التحكيم، والا كان حكم التحكيم باطل؛ لصدوره دون اتفاق تحكيم بالنسبة للشخص المدخل. وللطرف في اتفاق التحكيم الذي لم يدخل في خصومة التحكيم عند بدء الإجراءات، أن يتدخل فيها هجوميا أو انضماميا، ودون موافقة طرفي الخصومة، لأنه طرفا في اتفاق التحكيم، ومنعا لصدور أحكام متعارضة، وتجنبا لتقطيع أوصال القضية. وللمحكم سلطة تقديرية في قبول أو رفض طلب التدخل أو الإدخال حسبما يتراءى له من جدية الطلب ومدى قدرته على الفصل في النزاع خلال ميعاد التحكيم من عدمه، وتكييف التدخل والإدخال يدخل في السلطة التقديرية لهيئة التحكيم ([364]). ويجب لصحة إجراءات خصومة التحكيم؛ أن يقوم بها من لديه أهلية التقاضي أو ممثله القانوني حتي يتمكن من الدفاع عن مصالحه.

(17) – التزام المحكم باحترام أساس الادعاء التحكيمي (سبب النزاع): أوجبت قوانين ونظم التحكيم المختلفة التزاما على المحكم، سواء كان المحكم معينا أو مختارا من الأطراف أو من أحدهم أو من مركز تحكيم أو من الغير أو من المحكمة القضائية، في تحكيم وطني أو دولي، حر أم مؤسسي، باحترام أساس الادعاء التحكيمي (سبب النزاع) باعتباره أحد المبادئ الأساسية الموجهة للخصومة التحكيمية (art. 1460. al. 2. N.C.P.C.F.) وتطبيقا لمبدأ ملكية خصومة التحكيم لأطرافها، فإن المحكم يكون ملزما بمراعاة الحياد المطلق بين طرفي التحكيم، ولذا يقع على عاتق أطراف التحكيم زعم الوقائع التي تصلح سببا للنزاع، منذ بدايته إجراءات التحكيم، والتي تبدأ من يوم تسليم المدعى عليه طلب التحكيم ما لم يتفق الطوفان على موعد آخر (م 27 تحكيم مصري).

ولذا لا يجوز للمحكم أن يؤسس حكمه على وقائع لم تعرض عليه، ولم تكن مطروحة وقت نظر خصومة التحكيم وبذلك يظل المحكم محصورا داخل السياج الواقعي لاتفاق أطراف التحكيم بحيث إذا تجاوزه يكون قد غير أساس الادعاء التحكيمي. كما لا يجوز للمحكم أن يؤسس حكمه على وقائع استقاها من خارج جلسات التحكيم في غيبة طرفي التحكيم، ودون تحقيق مبدأ المواجهة بينهما. كما لا يجوز للمحكم أن يجري إجراء من إجراءات الإثبات دون الالتزام بقواعد الإثبات، بل يجوز للمحكم القيام بالدور الإرشادي المبكر، عن طريق دعوة طرفي التحكيم لتقديم إيضاحات حول واقعة يرى أنها ضرورية لحل النزاع التحكيمي، بشرط أن تكون تلك الوقائع كائنة بملف خصومة التحكيم، بحيث يمكن للمحكم الاطلاع عليها، وتحقيق مبدأ المواجهة بين طرفي التحكيم بشأنها ([365]).

ولا يجوز للمحكم أن يقضي بعلمه الشخصي، ويعد من قبيل العلم الشخصي، ترجمة المستندات إلى لغة المرافعة ولغة الحكم بواسطة المحكم نفسه، فإذا قام بإجرائها بنفسه يكون قد قضى بعلمه الشخصي، و ما لم يتفق طرفي التحكيم صراحة أو ضمنا على أن يقوم المحكم بإجراء هذه الترجمة بنفسه. ويجب أن تقدم المستندات بلغة المرافعة، والحكم أو تترجم إليها بمعرفة أطراف التحكيم أو محاميهم وعلى مسئوليتهم، ولا يكون المحكم قد قضى بعمه الشخصي إذا قضى بواقعة مشهورة في أوساط معروفة في أوساط المهنة لأن المحكم يختار لصفاته الفنية والقانونية ([366]).

(18) – التزام المحكم باحترام قواعد الإثبات: يعد الإثبات في التحكيم من أهم إجراءات خصومة التحكيم التي يجب علي المحكم، سواء كان معينا أو مختارا من الأطراف أو من أحدهم أو من مركز تحكيم أو من الغير أو من المحكمة القضائية، وسوء في تحكيم وطني أم دولي، حر أم مؤسسي، إدارتها بحرص وعناية لتمكين طرفي التحكيم من تقديم أدلة وحجج دفاعهم للحصول علي حقوقهم. وينصب موضوع الإثبات علي الوقائع المتنازع عليها؛ سواء كانت وقائع مادية أو تصرفات قانونية. ويجري الإثبات أمام هيئة التحكيم كما يجري أمام المحكمة القضائية، بأدلة الإثبات الواردة في قانون الإثبات المصري رقم 25 لسنة 1968 م.

ويقع عبء الإثبات علي المدعي، فالبينة علي المدعي واليمين علي من أنكر، فيتحمل كل طرف عبء إثبات الوقائع التي يستند إليها لدعم ادعائه أو دفاعه. ويجب أن تكون الوقائع المراد إثباتها متعلقة بالدعوي، ومنتجة فيها، وجائز قبولها. ولطرفي التحكيم الاتفاق على إجراءات الإثبات التي تتبعها هيئة التحكيم، فإن لم يتفق أطراف التحكيم علي إجراءات الإثبات الواجبة الاتباع في خصومة التحكيم، فيكون لهيئة التحكيم سلطة اختيار إجراءات الإثبات. ويكون للمحكم نفس سلطة القاضي في تقدير الأدلة المقدمة إليه. ويكون للمحكم اتخاذ ما يراه من إجراءات الإثبات في ضوء اتفاق الأطراف، والعدول عن إجراء أمر به تبين له فيما بعد عدم الحاجة إليه، ويخضع طلب أحد طرفي التحكيم باتخاذ إجراء من إجراءات الإثبات للسلطة التقديرية لهيئة التحكيم ([367]).

وللمحكم عند الفصل في النزاع التحكيمي الاستعانة بكافة وسائل الإثبات. كأن يطلب من المحتكمين تقديم كافة الأوراق والمستندات الرسمية أو العرفية التي يراها لازمة للفصل في النزاع، أو أن ينتقل لمكان ما لإجراء المعاينة، أو الاستماع إلى شهادة الشهود أثناء سير الجلسات، أو الاستعانة بالخبراء بشأن مسائل معينة …ويجب على المحكم احترام قواعد الإثبات على ضوء اتفاق أطراف التحكيم، وفي حالة عدم وجهـود اتفاق بهذا الشأن فللمحكم سلطة تقديرية في اتخاذ أي وسيلة من وسائل الإثبات بناء على طلب أحد الأطراف أو من تلقاء نفسه متى رأى ذلك ضروريا للفصل في موضوع النزاع التحكيمي، و ليس من اختصاص المحكم اتخاذ إجراءات الإثبات التي تتطلب سلطة الأمر أو الجبر، ويمكنه الاستعانة بقضاء الدولة لسد هذا العجز.

ويقوم المحتكمين بتقديم الأوراق والمستندات الرسمية والعرفية للمحكم. ولا يجوز لشخص أن يصطنع دليلا لنفسه باستثناء الدفاتر التجارية للتاجر. ولا يجوز إلزام خصم بتقديم مستند ضد نفسه. ولا يجوز للمحكم إلزام الغير بتقديم مستند تحت يده، ويجوز للمحكم إدخال الغير في خصومه التحكيم لتقديم مستند تحت يده بشرط موافقة الغير وطرفي التحكيم. ولا يملك الحكم عليه بالغرامة التمهيدية. ويعد المحرر الرسمي حجة على الكافة، مالم يطعن عليه بالتزوير، ويكون المحرر العرفي حجة علي من وقعه مالم ينكره صراحة، ويحال إلى خبير للتحقق من نسبته إلى من يتمسك بإنكاره، أو يطعن عليه بالتزوير. ولا يجوز لهيئة التحكيم الفصل في الطعن بالتزوير لأنه من اختصاص القضاء (م 30/3 تحكيم مصري)، و(م 33 تحكيم سعودي)، و (.art. 1460. N. C. P. C. F) ([368]).

وللمحكم الاستعانة بالشهود بناء على اتفاق الأطراف، وتقدم شهادة الشهود شفاهة أو كتابة في جلسات التحكيم، وللمحكم الانتقال إلى مقار إقامة الشهود لأخذ شهادتهم تيسيرا للإجراءات عند تعذر حضورهم، وللمحكم سلطة تقديرية في الأخذ أو عدم الأخذ بشهادة الشهود كلها أو بعضها. ولا يملك المحكم إجبار أحد الشهود على الإجابة على كل الأسئلة الموجهة إليه. ولا يملك المحكم إصدار أمرا بإحضار الشاهد قهرا أو بمعاقبته عند امتناعه عن الحضور أو الإدلاء بشهادته. ولا يملك المحكم الامتناع عن سماع الشهود الذين أتفق أطراف التحكيم على الاستعانة بالشهود. وللمحكم سلطة تقديرية في وزن شهادة الشهود. ولم يتطلب قانون التحكيم المصري حلف الشاهد اليمين أمام هيئة التحكيم لأداء الشهادة بنص (م 33/4) تحكيم مصري، و(م 33/4) تحكيم عماني، و(م 28) تحكيم فلسطيني، و(م 529/ 2) أصول محاكمات لبناني، و(م 268، 269) مرافعات عراقي، و(م 758، 757) مرافعات ليبي، و(م 180) مرافعات كويتي، و(م 28) تحكيم تونسي، و(م 40) تحكيم يمني، و(م 20/3) من قواعد غرفة التجارة الدولية بباريس، و(م 33) تحكيم إنجليزي، و(م 25) من قواعد تحكيم مركز القاهرة الإقليمي، و(م 20) من قواعد محكمة لندن للتحكيم الدولي ([369]). ونصت (م 29) تحكيم فلسطيني على أن: “يحق لهيئة التحكيم أن تطلب من المحكمة المختصة إصدار قرار بالإنابة في سماع أقوال شاهد يقيم خارج دائرة اختصاص المحكمة وكان يتعذر مثول هذا الشاهد أمامها”.

ومنحت بعض التشريعات للمحكم سلطة تحليف الشهود مثل نص (م 211 من قانون الإجراءات المدنية الإماراتي رقم 11 لسنة 1992 م، التي نصت علي أن: “على المحكمين أن يحلفوا الشهود اليمين وكل من أدى شهادة كاذبة أمام المحكمين يعتبر مرتكبا لجريمة شهادة الزور”. ونصت (م 29/7) من قواعد مركز دبى للتحكيم الدولي على أن: “تطلب الهيئة من الشهود أداء اليمين أمامها قبل تقديم البينة وذلك وفقا للقواعد الآمرة في القانون الإجرائي الواجب التطبيق”. ونصت (م 32/د) تحكيم أردني على أن: “يكون سماع الشهود والخبراء بعد أداء اليمين وفق الصيغة التي تقررها هيئة التحكيم”.

وأجازت بعض التشريعات أن يطلب المحكم من المحكمة المختصة إصدار قرار بتكليف شاهد معين بالحضور أمام المحكم، وفي حالة عدم حضوره كان للمحكمة الحكم عليه بغرامة منها نص (م 200/2 – 201/2) مرافعات قطري ([370]).

وللمحكم تعيين وندب خبير من تلقاء نفسه أو بناء على طلب أحد أطراف التحكيم، لاستجلاء العناصر الفنية في النزاع التحكيمي، والتي تجاوز خبرة المحكم، كالمسائل الحسابية أو الهندسية أو الطبية أو العلمية أو حكم قانون أجنبي واجب التطبيق علي النزاع. ويفضل للمحكم تعيين الخبير بالتشاور مع أطراف التحكيم ضمانا لعدم رده أو الطعن في تقريره. ويكون سماع الخبير بدون أداء اليمين. ويجب علي طرفي التحكيم تيسير مهمة الخبير بمعاونته وتقديم المعلومات والوثائق اللازمة. ويقوم الخبير بإعداد تقرير مكتوب أو شفوي يقدمه للمحكم، ويثبت في محضر الجلسة. ولطرفي التحكيم مناقشة الخبير في تقريره، والاطلاع عليه، وفحص الوثائق التي استند إليها الخبير في تقريره. وتقرير الخبير لا يلزم المحكم، لأن له سلطه تقديريه في الأخذ به كاملا أو رفضه كاملا أو الأخذ بجزء منه فقط. على كل من الطرفين مساعدة الخبير في أداء مهمته بنص (م 36) تحكيم مصري، و(م 36) تحكيم سعودي، و(م 36) تحكيم عماني، و(م 34) تحكيم أردني، و(م 26) تحكيم بحريني، و(م 55) تحكيم موريتاني، و(م 42، 40) تحكيم يمنى، و(م 29) من قانون اليونستيرال، و(م 20/4) من قواعد غرفة التجارة الدولية، و(م 21) من قواعد محكمة لندن للتحكيم الدولي، و(م 30) من قواعد مركز دبى للتحكيم الدولي، و(م 31، 30) تحكيم فلسطيني ([371]).

ونصت (م 32/2) تحكيم سوري على أن: “تحلف هيئة التحكيم الخبراء اليمين القانونية قبل مباشرتهم مهمتهم، ما لم يتفق الطرفان على غير ذلك. كما نصت (م 32/د) تحكيم أردني على أن: “يكون سماع الشهود والخبراء بعد أداء اليمين وفق الصيغة التي تقررها هيئة التحكيم”.

وللمحكم الانتقال لمكان غير مكان التحكيم لمعاينة محل النزاع، لإثبات حقيقة الأوضاع، سواء كان عقار أو بضاعة أو أموال. ويجب علي المحكم إخطار طرفي التحكيم؛ بميعاد ومكان المعاينة، لحضور المعاينة، احتراما لحق الدفاع ومبدأ المواجهة، وتحرير محضر بالمعاينة، وتمكين طرفي التحكيم من مناقشة نتائج المعاينة. ويجوز لأي من طرفي التحكيم رفع دعوي إثبات حالة بطلب وقتي لهيئة التحكيم لإثبات حالة يخشي تغيير معالمها قبل نظر موضوع النزاع (م 28) تحكيم مصري، و ( م 16 /3) من قواعد اليونسترال، و(م 33) من قواعد جمعية المحكمين الأمريكية، و(م 8/3) من قواعد محكمة لندن للتحكيم) ([372]). وللمحكم طلب أداء اليمين من أطراف التحكيم كوسيلة من وسائل الإثبات بناء على طلب أحد أطراف التحكيم أو المحكم نفسه بشروط و قواعد حلفها، وتوجييها، والنكول عنها، و ردها… ([373]).

ويجوز للمحكم توجيه الاستجواب لأي من الخصوم، لتنوير عقيدته، بشأن موضوع النزاع التحكيمي، سواء من تلقاء نفسه أو بناء علي طلب أحد طرفي التحكيم، وفي أية حالة كانت عليها خصومة التحكيم طالما لم يصدر حكم فيها، و قبل قفل باب المرافعة. وللمحكم العدول صراحة أو ضمنا عن إجراء الاستجواب. ويجري الاستجواب في الجلسة بتوجيه الأسئلة للمستجوب شخصيا، ويتم تدوين الأسئلة والأجوبة بمحضر الجلسة، وللمحكم سلطة تقديرية في تقدير الاستجواب ([374]). ولا يجوز للمحكم إصدار أمر بالإنابة القضائية الدولية للحصول علي أدلة إثبات موجودة خارج الدولة التي يجري فيها التحكيم، لأنه لا يملك سلطة الجبر، بل يستطيع طلب الانابة من المحكمة القضائية المختصة (م 37/ب تحكيم مصري) ([375]). كما يتولى المحكمون مجتمعين إجراءات التحقيق ويوقع كل منهم على المحاضر ما لم يكونوا قد ندبوا واحدا منهم لإجراءات معينة واثبتوا ذلك في المحضر (م 267 مرافعات عراقي).

(19) – التزام المحكم بإصدار أوامر باتخاذ التدابير المؤقتة أو التحفظية: للمحكم سواء كان معينا أو مختارا من الأطراف أو من أحدهم أو من مركز تحكيم أو من الغير أو من المحكمة القضائية، في تحكيم وطني أو دولي، حر أم مؤسسي، اتخاذ التدابير المؤقتة أو التحفظية المتعلقة بالنزاع المعروض عليه. و تتمثل التدابير المؤقتة في طلب تعيين حارس قضائي علي مال معين، أو طلب توقيع حجز تحفظي، أو طلب بيع بضاعة قابلة للتلف، أو طلب حفظ البضاعة المتنازع عليها بأحد مخازن الإيداع، أو طلب تقديم ضمان، أو طلب وقف تسييل خطاب الضمان، أو طلب صرف قيمة خطاب الضمان وإيداعه لدي أمين …لحين الفصل في موضوع الدعوي. بهدف إبقاء الحال علي ما هو عليه، أو إعادة الحال إلي ما كان عليه، أو منع وقوع ضرر حال أو وشيك الوقوع، أو المحافظة علي الأموال، أو الحفاظ علي الأدلة.

ولا يمنع وجود اتفاق التحكيم، أحد طرفيه من أن يلجأ إلي المحكمة القضائية المختصة – المحكمة المختصة أصلا بنظر النزاع في التحكيم الوطني، ومحكمة استئناف القاهرة أو أية محكمة استئناف أخري يتفق عليها طرفي التحكيم – لاستصدار أمرا باتخاذ أي تدابير مؤقتة أو تحفظية، تقتضيها طبيعة موضوع النزاع، سواء كان في شكل حكم قضائي أو أمر على عريضة، وسواء قبل البدء في إجراءات التحكيم أو أثناء سيرها. ولا يعد ذلك تنازلا عن اللجوء إلي التحكيم، لأن المشرع منح هذه السلطة لقضاء الدولة مع وجود اتفاق التحكيم بنص (م 14) تحكيم مصري ([376]).

ويجب علي المحكم الالتزام بسلطة إصدار أوامر باتخاذ التدابير المؤقتة أو التحفظية بعد منحه سلطة إصدار الأوامر الوقتية، إذا اتفق طرفا التحكيم علي أن تكون للمحكم هذه السلطة، أي أن تلك السلطة تمنح للمحكم باتفاق طرفي التحكيم، وفي حدود سلطاته كمحكم. وهذه السلطة للمحكم محددة ومقيدة بالقاعدة التي تقرر أن المحكم ليس له سلطة الأمر أو الجبر، ولا يجوز للمحكم إصدار أمرا بتوقيع الحجز التحفظي لعدم تمتعه بسلطة الجبر (م 14) تحكيم مصري، و(م 39) تحكيم إنجليزي، و(م 23) من قواعد غرفة التجارة الدولية، و(م 25) من قواعد محكمة لندن للتحكيم الدولي، و (م 26) من قواعد مركز القاهرة الإقليمي، و(م 26) من، قواعد الأنستيرال، و(م 31) من قواعد مركز دبى للتحكيم الدولي، و(م 24) تحكيم عماني، و(م 40) تحكيم أردني، و(م 30) تحكيم يمنى، و(م 17) تحكيم بحريني، و(م 33) تحكيم فلسطيني ([377]).

ولا يوجد نص في نصوص التحكيم الداخلي أو الدولي الفرنسي يمنح المحكم سلطة إصدار أوامر باتخاذ التدابير المؤقتة أو التحفظية. ولكنه نص في (art. 818 N.C.P.C.F.) علي أنه لا يجوز تخويل المحكمين سلطة إصدار أوامر بالحجز أو بأية إجراءات تحفظية أخري. والمنوط بالاختصاص قضاء الدولة، ومع ذلك يجوز لطرفي التحكيم الاتفاق علي منع أحدهما من اللجوء إلي القضاء بطلب اتخاذ إجراء وقتي أو تحفظي في أثناء قيام دعوى التحكيم ([378]).

(20) – التزام المحكم باحترام قواعد وأحكام عوارض خصومة التحكيم: يجب على المحكم سواء كان معينا أو مختارا من الأطراف أو من أحدهم أو من مركز تحكيم أو من الغير أو من المحكمة القضائية، في تحكيم وطني أو دولي، حر أم مؤسسي، احترام قواعد وأحكام عوارض خصومة التحكم بنص (م 180) مرافعات كويتي، و(م 209) إجراءات مدنية إماراتي، و(م 196) مرافعات قطري، و(م 268) مرافعات عراقي، و(م 37) تحكيم سعودي، و(م 38) تحكيم عماني، و(م 44) تحكيم يمنى، و(م 43، 35) تحكيم أردني، و(م 32) تحكيم فلسطيني. يقصد بعوارض خصومة التحكيم ما يطرأ عليها من حوادث أثناء سيرها تؤدي إلى وقفها أو انقطاعها أو انقضائها بغير حكم في موضوعها. ولا تخضع خصومة التحكيم نظرا لطبيعتها الاتفاقية لنظام الشطب عند غياب المدعي، والمدعي عليه، وعدم صلاحية القضية للفصل فيها؛ لأنه يجوز لهيئة التحكيم الاستمرار في إجراءات التحكيم رغم عدم حضور أحد الطرفين أو تغيبهما في أية جلسة من جلسات خصومة التحكيم ما دام المدعي قدم بيان دعواه ومستنداته وأتيحت الفرصة للمدعي عليه لتقديم دفاعه (التحكيم بالمستندات). واذا لم يقدم المدعي دون عذر مقبول بيانا بدعواه وجب أن تأمر هيئة التحكيم بإنهاء الإجراءات ما لم يتفق الطرفان على غير ذلك (م 34، 35) تحكيم مصري ([379]).

كما لا تخضع خصومة التحكيم نظرا لطبيعتها الاتفاقية لنظام اعتبار الخصومة كان لم تكن، وكذلك لا يجوز إعمال نظام التقادم الإجرائي أو السقوط الإجرائي على خصومة التحكيم نظرا لاختلاف أهداف تلك النظم القانونية في الخصومة القضائية عنها في خصومة التحكيم ([380]).

ويقصد بانقطاع خصومة التحكيم: وقف سيرها بقوة القانون نتيجة لتصدع ركنها الشخصي، وينقطع سير الخصومة أمام هيئة التحكيم في الأحوال، والشروط المقررة بقانون المرافعات (م 38 تحكيم مصري). وينقطع سير الخصومة بحكم القانون بوفاة أحد الخصوم، أو بفقده أهلية الخصومة، أو بزوال صفة من كان يباشر الخصومة عنه من النائبين، إلا إذا كانت الدعوى قد تهيأت للحكم في موضوعها متى كان الخصوم قد أبدوا أقوالهم وطلباتهم الختامية في جلسة المرافعة قبل الوفاة أو فقد أهلية الخصوم، أو زوال الصفة (م 130/ 1، م 131 مرافعات مصري). وتظل الخصومة موقوفة حتى يعلم بها من يقوم مقام الخصم الذي توفي أو فقد أهليته أو زالت صفته لتستأنف سيرها من آخر إجراء صحيح تم فيها، أي من آخر نقطة وقفت عندها. ويترتب على انقطاع خصومة التحكيم: وقف جميع المواعيد التي كانت جارية في حق الخصوم، وبطلان جميع الإجراءات التي تحصل أثناء الانقطاع (م 132 مرافعات مصري)، واذا صدر حكم التحكيم رغم توافر أحد أسباب الانقطاع فيكون لذوي المصلحة حق طلب بطلان حكم التحكيم ([381]).

ويقصد بوقف خصومة التحكيم عدم السير فيها إذا ما طرأ عليها أحد أسباب الوقف أثناء سيرها مثل: وقف الخصومة لحين الفصل في مسألة أولية تخرج عن ولاية هيئة التحكيم، ووقف خصومة التحكيم لحين تعيين محكم بديل في حالة رد أو عزل أو تنحي أحد المحكمين، ووقف خصومة التحكيم لحين تسوية النزاع بالصلح أو بالوساطة أو بالتوفيق …ويترتب على وقف خصومة التحكيم باتفاق جميع الأطراف أو بقرار من هيئة التحكيم أو بقوة القانون نفس الأثار المترتبة على انقطاعها من: وقف جميع المواعيد التي كانت جارية في حق الخصوم، وتعتبر خصومة التحكيم في فترة الوقف راكدة، ولا يجوز القيام فيها بأي نشاط إجرائي من الأطراف أو من هيئة التحكيم، وبطلان جميع الإجراءات التي تحصل أثناء الوقف ([382]). فإذا عرضت خلال التحكيم مسألة أولية تخرج عن ولاية المحكمين أو طعن بالتزوير في ورقة أو اتخذت إجراءات جزائية عن تزويرها أو عن حادث جزائي آخر يوقف المحكمون عملهم ويصدرون قرارا للخصوم بتقديم طلباتهم إلى المحكمة المختصة وفي هذه الحالة يقف سريان المدة المحددة إلى أن يصدر حكم بات في هذه المسألة بنص (م 268) مرافعات عراقي، و(م 208) إجراءات مدنية إماراتي.

وقد تنقضي خصومة التحكيم انقضاء مبتسرا بغير حكم في موضوعها بصدور أمر من رئيس المحكمة القضائية المختصة بناء علي طلب أحد طرفي النزاع (م 45 تحكيم مصري) أو بقرار من هيئة التحكيم لإنهاء الإجراءات إذا لم يقدم المدعي دعواه بشكل كامل دون عذر مقبول، أو لفوات ميعاد التحكيم دون تمديده، أو باتفاق جميع الخصوم على إنهاء إجراءات التحكيم أو اتفاق جميع الأطراف علي إنهاء الإجراءات لتسوية النزاع بغير التحكيم، أو إذا ترك المدعي دعواه ما لم يطلب المدعي عليه من هيئة التحكيم الاستمرار وحسم النزاع، أو إذا استحال على هيئة التحكيم الاستمرار في خصومة التحكيم، أو إذا رأت هيئة التحكيم عدم جدوى استمرار إجراءات التحكيم أو استحالته … ويترتب على إنهاء إجراءات التحكيم انتهاء خصومة التحكيم، وانتهاء مهمة وولاية هيئة التحكيم، دون المساس بالحق الموضوعي أو بالحق في الدعوي (م 48 تحكيم مصري) ([383]).

(ثالثا) التزامات المحكم في مرحلة إصدار الحكم التحكيمي: قبل قفل باب المرافعة في خصومة التحكيم من المحكم لإجراء المداولة، وإصدار الحكم التحكيمي، يقوم المحكم بالاستفسار من أطراف التحكيم عما إذا كان لديهم أقوال أخرى أو أدلة أخرى لتقديمها، أو شهود آخرين لسماعهم. كما يجوز للمحكم من تلقاء نفسه أو بناء على طلب أحد أطراف التحكيم إعادة فتح باب المرافعة التحكيمية في أي وقت قبل إصدار الحكم التحكيمي، وتنتهي مهمة المحكم بإصدار حكم التحكيم. إلا أنه قد يتضح بعد ذلك أن الحكم التحكيمي ينطوي على غموض وإبهام، أو أخطاء مادية بحتة كتابية أو حسابية، أو أنه أغفل الفصل في بعض الطلبات التي قدمت له، فيختص المحكم وهو الجهة التي أصدرت الحكم التحكيمي بتصحيحه أو بتفسيره أو بالفصل فيما أغفل الفصل فيه من طلبات موضوعية بشرط أن يكون الإغفال إغفالا كليا، وذلك في حدود الضوابط القانونية، واتفاق التحكيم، والا جاز التمسك ببطلان حكم التحكيم ([384]). واذا اتفق الأطراف قبل صدور حكم التحكيم على تسوية النزاع بينهم فعندئذ يجب على هيئة التحكيم أن تصدر قرارا بالمصادقة على التسوية بالشروط المتفق عليها واعتبارها قرارا صادرا عنها.

وتعتبر مرحلة إصدار الحكم التحكيمي المرحلة الأخيرة والمهمة من المراحل التي تمر بها عملية التحكيم. ذلك أن صدور حكم التحكيم هو الهدف المنتظر للأطراف إذ به يتم الفصل في النزاع التحكيمي وبموجبه يحصل كل ذي حق على حقه بحكم منهي للنزاع وفاصل فيه. ويجب على المحكم في تلك المرحلة مراعاة قواعد المداولة التحكيمية، والشروط الشكلية والموضوعية لإصدار الحكم التحكيمي وقواعد تسبيبه وكتابته، ومحتوياته بكافة بيناته، ومراعاة قواعد إيداعه قلم كتاب المحكمة المختصة …هذه الالتزامات سوف نتناولها بالتفصيل علي النحو التالي:

(1) – التزام المحكم باحترام قواعد المداولة التحكيمية: يجب على المحكم سواء كان معينا أو مختارا من الأطراف أو من أحدهم أو من مركز تحكيم أو من الغير أو من المحكمة القضائية، في تحكيم وطني أو دولي، حر أم مؤسسي، قبل إنهاء المرافعة التحكيمية، وحجز القضية للحكم، أن يسأل الأطراف عما إذا كان لديهم أدلة أخرى لتقديمها، أو شهود آخرين لسماعهم. فإن لم يعد لديهم ما يقدمونه، فيعلن المحكم قفل باب المرافعة، وفتح باب المداولة التحكيمية، بعد الانتهاء من التحقيق، وتقديم المذكرات الختامية. إذ يجب على هيئة التحكيم إلا تصدر الحكم التحكيمي إلا بعد إتمام مداولة سرية بين جميع أعضاء هيئة التحكيم إذا تعددوا، ولا يجوز لهيئة التحكيم إصدار حكم التحكيم دون مداولة؛ لمناقشة كل ظروف القضية، والتشاور على رأي للحكم فيها. وتتم المداولة في أي مكان، وأي زمان، شفريا أم كتابيا باتفاق هيئة التحكيم طبقا لنص (م 40) تحكيم مصري، و(م 39) تحكيم سعودي، و(م 41/ 1) تحكيم سوري، و(م 40) تحكيم عماني، و(م 270) مرافعات عراقي، و (.art. 1468; 1469. N. C. P. C. F)، و(م 788) أصول محاكمات مدنية لبناني، و(م 40) تحكيم عماني ([385]).

المداولة التحكيمية هي التشاور سرا بين جميع أعضاء هيئة التحكيم الذين عهد إليهم بالتحكيم في تلك القضية بشأن منطوق الحكم التحكيمي، وأسبابه بعد انتهاء المرافعة، ويعد حجز القضية للحكم، وقبل النطق به. فالمداولة التحكيمية هي مرحلة تفكير تلي المرافعة، وتنتهي بالنطق بالحكم استعدادا لاختيار الحل المناسب لحسم القضية بعد تشاور وتفكير ولا يجوز لأي شخص كان، الاشتراك في المداولة، غير أعضاء هيئة التحكيم الذين حضروا جلسات المرافعة، وذلك لضمان إبداء حرية الرأي، والمحافظة على هيئة التحكيم، ورفع الحرج عنهم. ولا يجوز للمحكم توكيل أو تفويض غيره لحضور المداولة، ولا يحوز لرئيس مركز التحكيم في التحكيم المؤسسي حضور المداولة. ومن المبادئ الأساسية صدور الحكم من ذات المحكم الذي كلف بالمهمة، والذي سمع المرافعة، وفي حدود سلطته، فلا يملك أن يشرك غيره معه؛ لأن المهمة التي يقوم بها ذات طابع شخصي بحت، ولا يملك المحكم إشراك غيره في المداولة أو أخذ رأيه والا كان حكمه باطلا، وذلك ينطبق على الخبير الذي يستعين به المحكم، إذ لا يحق للمحكم الاشتراك مع الخبير في إصدار الحكم. وتتم المداولة باجتماع المحكمين معا أو أنها تجري بأية صيغة أخرى، فقد تتم بالمراسلة، أو الهاتف، أو الفاكس أو البريد الإلكتروني، أو البريد العادي، أو بأية وسيلة اتصال أخرى، ما لم يتفق طرفا التحكيم على استلزام شكل معين للمداولة ([386]).

ويصدر حكم التحكيم بالإجماع أو بأغلبية الآراء بعد مداولة فيما بينهم مجتمعين، وتتم على الوجه الذى تحدده هيئة التحكيم، مالم يتفق طرفا التحكيم على غير ذلك، ويعتبر الحكم صادرا عن هيئة التحكيم كوحدة متكاملة بنص (م 40) تحكيم مصري، و(م 39) تحكيم سعودي، و(م 212/ 5) إجراءات مدنية إماراتي، و(م 40) تحكيم عماني، و(م 29) تحكيم موريتاني، و(م 760) مرافعات ليبي، و(م 202) مرافعات قطري، و(م 270/ 1) مرافعات عراقي، و (م 183) مرافعات كويتي، و(م 38) تحكيم أردني، و(م 30) تحكيم تونسي، و(الفصل 314) مسطرة مدنية مغربي، و(م 145/ 2) إجراءات مدنية سوداني، و(م 449) إجراءات مدنية جزائري، و(art. 1469. N. C. P. C. P. F.)، و(م 37) من قواعد مركز دبى للتحكيم الدولي، و(م 47) تحكيم يمنى، و(م 26) من قواعد محكمة لندن للتحكيم الدولي، و(الفصل 30) مجلة تحكيم تونسي، و(م 29) تحكيم بحريني، و(م 38/ 4) تحكيم فلسطيني. ويجب إصدار حكم التحكيم خلال ميعاد التحكيم . ويعتبر حكم التحكيم قد صدر من تاريخ توقيع هيئة التحكيم عليه. ويعتبر توقيع جميع أعضاء هيئة التحكيم علي حكم التحكيم دليلا قاطعا علي حصول المداولة واشتراكهم جميعا فيها ([387]).

وفي هذا الشأن قضت محكمة النقض بأنه: “النص في المادة 43/ 1 من قانون التحكيم رقم 27 لسنة 1994 م على أنه “1- يصدر حكم التحكيم كتابة” ويوقعه المحكمون، وفى حالة تشكيل هيئة التحكيم من أكثر من محكم واحد يكتفى بتوقيعات أغلبية المحكمين بشرط أن تثبت في الحكم أسباب عدم توقيع الأقلية ..” يدل على أن حكم التحكيم يصح متى وقعته أغلبية المحكمين، ولا يترتب على عدم ذكر أسباب الامتناع عن التوقيع بطلان الحكم ما لم يثبت المتمسك بالبطلان عدم تحقق الغاية من إثبات سبب الامتناع وهى التحقق من حدوث مداولة قبل إصدار الحكم” ([388]).

(2) – التزام المحكم باحترام قواعد كتابة الحكم التحكيمي: توجب أنظمة وقوانين التحكيم المختلفة التزاما على المحكم سواء كان معينا، أو مختارا من الأطراف، أو من أحدهم، أو من مركز تحكيم، أو من الغير، أو من المحكمة القضائية، في تحكيم وطني أو دولي، حر أم مؤسسي، باحترام قواعد كتابة الحكم التحكيمي مثل نص (م 131) من قانون اليونستيرال، و(م 43) تحكيم مصري، و(م 212) إجراءات مدنية إماراتي، و(م 43) تحكيم عماني، و(م 270) مرافعات عراقي، و(م 760) مرافعات ليبي، و (م 183) مرافعات كويتي، و(م 790) أصول محاكمات مدنية لبناني، و (م 42) تحكيم سوري، و(م 202) مرافعات قطري، و(م 41/ أ) تحكيم أردني، و(م 57) تحكيم موريتاني، و(م 145) إجراءات مدنية سوداني، و(الفصل 318) مسطرة مدنية مغربية، و(م 37) من قواعد مركز دبى للتحكيم الدولي، و(م 48) تحكيم يمنى، و(م 26) من قواعد محكمة لندن للتحكيم الدولي، و(م 31) تحكيم بحريني، و(م 39) تحكيم فلسطيني.

ويجب على المحكم إصدار الحكم التحكيمي مكتوبا وموقعا منه إن كان فردا أو من المحكمين إن كانوا أكثر من فرد. وفي حالة تعذر التوقيع من هيئة التحكيم لسبب ما كغياب أحدهم أو رفضه التوقيع، فيجب إصدار الحكم بالأغلبية، بشرط توضيح هذا الأمر في الحكم، وكتابة أسباب ذلك. فالكتابة شرط لوجود الحكم لا لإثباته، فصدوره شفاهة لا يتحقق به وصف الحكم. وذلك حتى يتسنى إيداعه قلم كتاب المحكمة المختصة، ووضع الصيغة التنفيذية عليه بعد صدور أمر بتنفيذه. ويمكن كتابة الحكم بخط اليد أو بأية ألة طابعة، باللغة التي جري بها التحكيم مالم يتفق الطرفان أو تحدد هيئة التحكيم لغة أو لغات أخري (م 29 تحكيم مصري) ([389]).

ولم يشترط قانون التحكيم المصري صدور الحكم في جلسة علنية – مالم يتفق طرفي التحكيم علي صدوره في جلسة علنية – بل اكتفي بتسليم هيئة التحكيم صورة من حكم التحكيم إلي كل من طرفي التحكيم، موقعة من المحكمين الذين وافقوا عليه خلال ثلاثين يوما من تاريخ صدوره. ولا يجوز نشر حكم التحكيم أو أجزاء منه إلا بموافقة طرفي التحكيم (م 44 تحكيم مصري). ولا يعتبر نشرا لحكم التحكيم؛ نشر المبادئ القانونية التي تضمنها حكم التحكيم دون أسماء وجنسية وصفة الخصوم. ويعتبر حكم التحكيم قد صدر من تاريخ التوقيع عليه، ولا يؤثر علي صحته عدم النطق به في جلسة. ويجب كتابة الحكم التحكيمي باللغة المتفق عليها في التحكيم. فحكم التحكيم: هو غاية أطراف التحكيم، وهو الورقة المثبتة للحق. لذا فيجب أن تحتوي على كل المعلومات والبيانات والحيثيات التي بنيت عليها نتيجة الحكم حتى تكون ورقة الحكم منتجة لآثارها القانونية. ويلزم أن تكون ورقة الحكم ممهـورة بتوقيع المحكمين، فلا يعرف القانون حكم تحكيم شفوي ([390]).

(3) – التزام المحكم باحترام قواعد تسبيب الحكم التحكيمي: توجب تشريعات وقوانين التحكيم التزاما على المحكم سواء كان المحكم معينا أو مختار من الأطراف أو من أحدهم أو من مركز تحكيم أو من الغير أو من المحكمة القضائية، في تحكيم وطني أو دولي، حر أم مؤسسي، باحترام قواعد تسبيب حكم التحكيم،. لأن التسبيب ضمانة لصحته و لاحترام حقوق الدفاع، والرقابة علي عمل المحكم، ويجب على المحكم احترام قواعد تسبيب حكم التحكيم. باعتباره واجب قانوني على المحكم، والتسبيب يشمل ذكر الأسانيد القانونية والواقعية لتكوين عقيدة المحكم عند إصداره حكم التحكيم. ويرجع تطبيقه إلي إرادة الأطراف، والقانون الواجب التطبيق على إجراءات التحكيم.

وتشترط بعض التشريعات ذكر أسباب الحكم، ولا ترتب على عدم التسبيب ببطلان الحكم مثل نص ( م 42 /2) تحكيم مصري، و(م 14، 52) تحكيم إنجليزي، و(م 33) تحكيم سويسري، و(م 270/ 2) مرافعات عراقي، و(م 760) مرافعات ليبي، و(م 42) تحكيم سعودي، و(م 41/ب) تحكيم أردني، و(م 31) تحكيم بحريني، و(م 57) تحكيم موريتاني، و(م 30) تحكيم تونسي، و(م 31/2) من القانون النموذجي، و(م 32/2) من اليونستيرال. بينما البعض الآخر من التشريعات اعتنق فكرة بطلان الحكم لعدم تسبيبه مثل نص (م 183) مرافعات كويتي، و(م 270) مرافعات عراقي، و(م 30) تحكيم تونسي، و(م 823) مرافعات إيطالي، و(art. 1461. et. 1480. N. C. P. C. F.). ويقصد بتسبيب الحكم التحكيمي: تضمين ورقة الحكم الأدلة الواقعية والقانونية التي أسس عليها المحكم حكمه. وتذكر الأسباب في العادة قبل منطوق الحكم مسبوقة بعبارة (حيث أن …) أو (بناء على …) أو (بما أن …) ([391]).

ويهدف التسبيب إلى ضمان تحقيق العدالة، واحترام المحكم لحقوق الدفاع، والتزامه بالقواعد الموضوعية والإجرائية، ومدى تمسكه بقواعد الإثبات، و يسهم في تكوين واضع للسوابق التحكيمية التي تعد مصدرا من المصادر القانونية التي يستعين بها المحكم في حكمه، ويعتبر ضمانه لأطراف التحكيم ضد تحيز المحكم الذي يجد نفسه مجبرا على بذل العناية اللازمة في دراسة وقائع القضية التحكيمية، وتمحيص ادعاءات أطراف التحكيم، ووزن الأدلة والمستندات التي قدموها، وبث الثقة والطمأنينة في نفوس أطراف التحكيم، كما يهيئ التسبيب للخصوم فرصة لتقييم حكم التحكيم، فإما أن يقبلوه عن اقتناع بعدالته، وإما أن يستعملوا حقهم في الطعن عليه أمام المحكمة المختصة كالطعن ببطلانه مثلا. كما يسمح التسبيب بالتحقق من استناد الحكم على قانون سليم أو تملك عن طريقه محكمة الطعن ببطلان حكم التحكيم مراقبة صحته وسلامة الحكم التحكيمي ([392]).

وفي تقديرنا أن القول بأن حكم التحكيم يجوز أن يخلو من التسبيب في حاله اتفاق الأطراف علي ذلك، أو إذا لم يكن القانون الواجب التطبيق على إجراءات التحكيم يشترط ذكر أسباب الحكم. وأن جاء متمشيا مع مبدأ سلطان الإرادة، لأنه يتعارض مع الطبيعة القضائية لحكم التحكيم، كما يتعارض مع مبدأ حجية الحكم؛ فالذي يسوغ فرض إرادة المحكم على أطراف التحكيم، ومنح قراره قوة الأمر المقضي به كما يرى البعض بحق ([393]): هو تحقيق وقائع النزاع تحقيقا كافيا ومنطقيا وهو ما يجمله في أسباب حكمه بما يضمن عدالته. ولا يكفي في ذلك الارتكان إلى مجرد الثقة في المحكم. ما لم تعكس أسباب الحكم هذه الثقة وتؤكدها. فالتسبيب هو الذي يناقش الأقوال والمستندات ويبين ركائز قناعة المحكم بالحكم ([394]).

والتزام المحكم بالتسبيب يطبق على التحكيم بالقانون، وبالصلح ([395]). فالنص على الالتزام بالتسبيب جاء عاما على نحو لا يجوز تقييده ([396]). وتثبيت المسئولية المدنية للمحكم عند تجاهل أو الإخلال بهذا الالتزام ([397]). ويجب على المحكم عند تسبيب حكمه؛ أن تكون الأسباب كافية، ومقنعه، ومتعلقة بموضوع النزاع، وغير متناقضة، ومحددة، ومنطقية، ومستمدة من إجراءات التحكيم، وأن ترد في حكم التحكيم، وأن تحرر أسباب الحكم وكل بياناته بلغة التحكيم ([398]).

(4) – التزام المحكم باحترام بيانات ومحتويات حكم التحكيم: يجب على المحكم سواء كان المحكم معينا أو محتارا من الأطراف أو من أحدهم أو من مركز تحكيم أو من الغير أو من المحكمة القضائية، في تحكيم وطني أو دولي، حر أم مؤسسي، تضمين حكم التحكيم البيانات التالية: أسماء أطراف التحكيم وعناوينهم، وأسماء المحكمين وعناوينهم وجنسياتهم وصفاتهم، وصورة من اتفاق التحكيم، وملخص لطلبات أطراف التحكيم وأقوالهم ومستنداتهم، ومنطوق الحكم، وتاريخ ومكان إصداره، وأسبابه إذا كان ذكرها واجبا، واسم المحامي أو الشخص الذي مثل كل طرف أو مساعده … ولم يشترط قانون التحكيم المصري، وهو ما أكدته محكمة النقض المصرية، صدور الحكم التحكيمي باسم الشعب. ولم يوجب قانون التحكيم كتابة مسودة من حكم التحكيم، لأنه لم يشترط النطق بحكم التحكيم في جلسة علنية. ويبطل حكم التحكيم إذا كتبت مسودة للحكم ولم تكتب نسخته الأصلية، لأن العبرة بنسخة الحكم الأصلية دون المسودة، كما يكون الادعاء بتزوير مسودة الحكم غير منتج لعدم ضرورتها، فهي مجرد ورقة لتحضير الحكم ([399]).

فتوجب قوانين وأنظمة التحكيم ذكر تلك البيانات الكثيرة التي تتشابه في معناها وتختلف في صياغتها، وتتوسع وتضيق من قانون إلى آخر. فالمهم هو التزام المحكم بضوابط بيانات حكم التحكيم الواردة في القانون الواجب التطبيق علي التحكيم، والبيانات المتعلقة بالنظام العام مثل نص (م 43/3) تحكيم مصري، و(م 42) تحكيم سعودي، و(م 43) تحكيم عماني، و(م 790) أصول محاكمات مدنية لبناني، و(م 760) مرافعات ليبي، و(م 42) تحكيم سوري، و(م 41 /ج) تحكيم أردني، و(م 31/3) من قانون اليونستيرال، و(م 57) تحكيم موريتاني، و(م 48) تحكيم يمنى، و (art. 1472 N. C. P. C. F.)، و(م 37) من قواعد مركز دبى للتحكيم الدولي ([400]). وترجع أهمية تحديد مكان إصدار حكم التحكيم إلى ارتباطه بقواعد تنفيذ حكم التحكيم، كما أن أهمية تحديد تاريخ إصدار حكم التحكيم ضرورية للتأكيد من أنه صدر في خلال مهلة التحكيم. ويجب ذكر أسباب الحكم التحكيمي بالقدر اللازم لحمل قضاء الحكم ما لم يتفق طرفا التحكيم على غير ذلك، علي أن تكون كافية، ومتعلقة بموضوع الدعوى، وغير متناقضة ([401]).

(5) – التزام المحكم باحترام قواعد إيداع حكم التحكيم قلم كتاب المحكمة القضائية المختصة: توجب معظم قوانين التحكيم المختلفة التزاما على المحكم سواء كان معينا أو مختارا من الأطراف أو من أحدهم أو من مركز تحكيم أو من الغير أو من المحكمة القضائية، في تحكيم وطني أو دولي، حر أم مؤسسي، باحترام قواعد إيداع حكم التحكيم لدى قلم كتاب المحكمة المختصة، فور إصدار الحكم مستوفيا كافة شروطه الشكلية والموضوعية.

فيجب أن يقوم المحكم أو أحد المحكمين عند تعددهم أو الطرف الرابع صاحب المصلحة في تنفيذ حكم التحكيم على وجه السرعة، لإيداع حكم التحكيم في قلم كتاب المحكمة المختصة، ويحرر كاتب المحكمة محضرا بهذا الإيداع، ولكل من طرفي التحكيم الحصول علي صورة من محضر الإيداع، ويعتبر إيداع حكم التحكيم شرطا لتنفيذ حكم التحكيم. فالهدف من إيداع حكم التحكيم بعد إصداره قلم كتاب المحكمة المختصة حتى يكون قابلا للتنفيذ الجبري بعد إصدار أمر بتنفيذه، ثم تذيله بالصيغة التنفيذية من قاضي التنفيذ بالمحكمة المختصة. وتطبق القواعد الخاصة بالنفاذ المعجل على أحكام المحكمين وذلك بنص (م 212/ 3) إجراءات مدنية إماراتي.

ويجب تحرير محضر بهذا الإيداع في قلم كتاب المحكمة المختصة، ولأن إيداع الحكم إجراء لاحق على صدور الحكم التحكيمي، لذا فإن عدم القيام به لا يؤدي إلى إبطال حكم التحكيم، وإن كان يؤدي إلى تعطيل تنفيذه. وظيفة القاضي حين يتصدى لإعطاء حكم المحكمين صيغة التنفيذ تقتصر على البحث في أن هناك شرط أو مشارطة تحكيم بصدد نزاع معين، وأن هذا النزاع هو الذي طرح بالفعل على المحكم، وفصل فيه في مواجهة من اتفق على التحكيم، وأن هذا النزاع لا يتصل بمسائل لا يجوز فيها الصلح، وأن المحكم لم يخرج عن حدود وثيقة التحكيم، ولم يتجاوز الميعاد المقرر للتحكيم، وأن الحكم يتمتع بالشكل المقرر بالنسبة للأحكام، ولم يبن على إجراء باطل. و يختص قاضي التنفيذ بكل ما يتعلق بتنفيذ حكم المحكمين وهذا الاختصاص يشمل المنازعات الموضوعية والوقتية والأوامر المتعلقة بالتنفيذ، وتصلح أسباب بطلان حكم المحكمين أن تكون بذاتها أسباب للاستشكال عند تنفيذه ([402]).

وقد نص قانون التحكيم المصري على وجوب إيداع أصل حكم التحكيم أو صورة منه موقعة باللغة التي صدر بها مع ترجمة باللغة العربية مصدقا عليها من جهة معتمدة، إذا كان صادرا بلغة أجنبية ممن صدر حكم التحكيم لصالحه، وذلك في قلم كتاب المحكمة المختصة، و(م 47) تحكيم مصري لم تحدد ميعاد للإيداع، وكذلك (م 844) أصول محاكمات مدنية لبناني، و(م 47) تحكيم عماني. أما قانون المرافعات العراقي فقد نص في (م 271) منه على: “… وتسليم القرار مع الأصل اتفاق التحكيم إلى المحكمة المختصة بالنزاع خلال ثلاثة أيام التالية لصدوره وذلك بوصل يوقع عليه كاتب المحكمة”. أما (م 762) مرافعات ليبي حددت المدة بخمسة أيام التالية لصدور الحكم. أما (م 184) مرافعات الكويتي حددت المدة بعشرة أيام من الأيام التالية لصدور الحكم المنهي للخصومة وحرر كاتب المحكمة محضرا بهذا الإيداع. أما (م 44) تحكيم سعودي ألزمت هيئة التحكيم بإيداع حكم التحكيم في المحكمة المختصة خلال خمسة عشر يوما، وكذلك (م 213) إجراءات مدنية إماراتي. بينما نصت (م 50) تحكيم يمنى على أن الإيداع يكون خلال الثلاثين يوما التالية لإصدار الحكم. بينما نص قانون المرافعات الفرنسي على أن يودع أحد المحكمين أو الطرف الأكثر استعجالا أصل الحكم التحكيمي، مرفقا به نسخة من اتفاق التحكيم، قلم كتاب المحكمة المختصة، وعلى قاضي التنفيذ وضع الصيغة التنفيذية على أصل الحكم التحكيمي، وفي حالة رفض قاضي التنفيذ وضع الصيغة التنفيذية، فيجب أن يكون رفضه مسببا (art. 1477 et 1478. N. C. P. C. F.).

(6) – التزام المحكم بتسليم صورة موقعة من حكم التحكيم لكل محتكم: توجب قوانين وأنظمة التحكيم المختلفة التزاما على عاتق المحكم سواء كان المحكم معينا أو مختارا من الأطراف أو من أحدهم أو من مركز تحكيم أو من الغير أو من المحكمة القضائية، في تحكيم وطني أو دولي، حر أم مؤسسي، بتسليم صورة من حكم التحكيم موقعة من المحكم أو المحكمين للمحتكمين مثل نص (م 44/ 1) تحكيم مصري، و(م 44/ 1) تحكيم عماني، و(م 271) مرافعات عراقي، و(م 42 /أ) تحكيم اردني، و(م 31) تحكيم بحريني، و(م 43) تحكيم سعودي، و(م 33) تحكيم تونسي، و(م 57) تحكيم موريتاني. وطبقا لنص (م 44/1 تحكيم مصري) يجب أن يتم التسليم خلال ثلاثين يوما من تاريخ صدور الحكم، ولم ترتب أي جزاء على عدم مراعاة قيام المحكم بهذا الالتزام خلال الأجل القانوني. وتكمن أهمية هذا الالتزام من الناحية العملية في تمكين من صدر حكم التحكيم لصالحه القيام بإجراءات التنفيذ الجبري ([403]).

(7) – التزام المحكم بتفسير، وتصحيح حكم التحكيم، وإصدار أحكام إضافية: تنتهي ولاية المحكم سواء كان المحكم معينا أو مختارا من الأطراف أو من أحدهم أو من مركز تحكيم أو من الغير أو من المحكمة القضائية، في تحكيم وطني أو دولي، حر أم مؤسسي، لإصدار الحكم المنهي لخصومة التحكيم كلها، حتي ولو كان ميعاد التحكيم مازال ممتدا. إلا أنه استثناء من مبدأ انتهاء ولاية المحكم (اختصاص وصفة المحكم) بصدور الحكم المنهي لخصومة التحكيم، تظل للمحكم بعد صدور الحكم المنهي لخصومة التحكيم كلها، سلطة تفسير ما يقع من غموض أو إبهام في منطوق حكمه، وكذلك سلطة تصحيح ما قد يقع في حكمه من أخطاء مادية بحتة شواء أكانت كتابيه – لغويا أو مطبعيا – أم حسابية، كما يجوز للمحكم بناء علي طلب أحد أطراف التحكيم أن يصدر حكما إضافيا في طلبات قدمت إليه أثناء نظر إجراءات خصومة التحكيم وأغفل حكم التحكيم الفصل فيها بنص (م 51، 50، 49) تحكيم مصري، و(م 57) تحكيم إنجليزي، و(م 51، 0 5، 49) تحكيم عماني، و(art. 1475 al. 2 N. C. P. C. P. F.)، و(م 8) تحكيم قضائي كويتي، و(م 46) تحكيم سوري، و(م 47، 46، 45) تحكيم أردني، و(م 42) تحكيم فلسطيني، و(م 33) تحكيم بحريني، و(م 52) تحكيم يمنى، و(م 27) من قواعد محكمة لندن للتحكيم الدولي، و (م 29) من قواعد غرفة التجارة الدولية بباريس، و(م 38) من قواعد مركز دبي للتحكيم الدولي، و(م 792) أصول محاكمات مدنية لبناني، و(م 39، 38، 37) من قواعد مركز القاهرة، و(الفصل 37) مجلة تحكيم تونسي،. بينما جعلت (م 147) إجراءات مدنية سوداني للمحكمة القضائية أن تعدل أو تصحح قرار المحكمين ([404]).

30- انقضاء عقد التحكيم المبرم بين المحكم والمحتكمين:

تنقضي ولاية المحكم سواء كان المحكم معينا أو مختارا من الأطراف أو من أحدهم أو من مركز تحكيم أو من الغير أو من المحكمة القضائية، في تحكيم وطني أو دولي، ويفقد صفته بانقضاء عقد التحكيم، ويصبح شخصا عاديا. لأن ولاية المحكم ولاية خاصة ومؤقتة ومتعلقة بنزاع محدد بموجب اتفاق تحكيم ([405]).

وينقضي عقد التحكيم انقضاء طبيعي بإصدار المحكم حكم تحكيم ملزم في النزاع المعروض عليه خلال ميعاد التحكيم. وقد ينقض عقد التحكيم انقضاء غير طبيعي (انقضاء مبتسر) إما لأسباب ترجع إلى المحكم: كوفاة المحكم (.art. 1464 N. C. P. C. F). أو حرمان المحكم من حقوقه المدنية أو الحجر عليه (م 16/ 1 تحكيم مصري). أو لوجود مانع قانوني لدي المحكم (م 20 تحكيم مصري، و art. 1464 N.C.P.C.F.). كمرض أو شغله وظيفة معينة أو لامتناع المحكم عن مباشرة مهمته التحكيمية (art. 1462. al. 1. N. C. P. C. F.). وإما لأسباب ترجع إلى طرفي خصومة التحكيم: كالتنازل عن الاختصاص التحكيمي art. 1458, al. 3. N.C.P.C.F.)) أو لاتفاق أطراف التحكيم على تسوية النزاع بينهم أو لعزل المحكم أو رده أو إنهاء مهمته أو لإنهاء إجراءات التحكيم بترك المدعى خصومة التحكيم دون تمسك بها من المدعى عليه ([406]).

وتوجد عدة أسباب لانقضاء عقد التحكيم المبرم بين المحكم وأطراف التحكيم: ينقضي عقد التحكيم انقضاء طبيعيا بإنجاز المحكم المهمة التحكيمية الموكولة إليه بصدور حكم تحكيمي في موضوع النزاع خلال مهلة التحكيم، وفقا لاتفاق التحكيم وأحكام القانون. فالمحكم بعد قبوله القيام بالمهمة التحكيمية يجب عليه الاستمرار فيهـا لحين إتمامها، ولا يجوز له التنحي عن مهمته دون سبب مشروع، والالتزام بدفع التعويض للمحتكمين عن الضرر الذي لحق بهم بسبب تنحيه في وقت غير مناسب وبدون عذر مقبول. كما ينقضي عقد التحكيم انقضاء مبتسرا، بإنهاء العقد من جانب أحد طرفيه فينقضي عقد التحكيم من جانب المحكم بتحقق سبب أو عذر مشروع كإصابة المحكم بمرض يمنعه من الاستمرار في القيام بالمهمة التحكيمية، أو فقد المحكم لأهليته القانونية، أو القوة القاهرة التي تحول دون قيام المحكم بمهمته أو بوفاة المحكم أو بعدم توصل المحكمين إلى اتخاذ قرار لحسم النزاع. وهذا يحدث عند وجود هيئة تحكيم مكونه من ثلاثة محكمين أو أكثر وانقسمت آراءهم دون تحقق الأغلبية لرأي معين. أو بصدور حكم شهر إفلاس المحكم دون أن يرد له اعتباره بصدور حكم قضائي ضد المحكم بعقوبة جنائية ([407]).

وقد ينقضي عقد التحكيم من جانب المحتكمين في أية مرحلة من مراحل نظر خصومة التحكيم قبل صدور حكم تحكيمي فاصل في النزاع حتى ولو كان المحكم معينا من المحكمة أو المحكمين الآخرين. كما لو طلب أحد المحتكمين رد المحكم وصدر حكم بالرد، حيث يرد المحكم لنفس الأسباب التي يرد بها القاضي، فيكون المحكم معرضا للرد إذا كانت هناك ظروف تثير شكوكا حول حياده واستقلاله ظهرت بعد إتمام تعينه أو لم يكشف عنها المحكم لحظة تعينه أو بوفاة المحتكمين أو أحدهم أو عدم رضاء المحتكمين بمد مهلة التحكيم التي انقضت دون صدور حكم تحكيمي فاصل في الموضوع.

الفصل الثاني

النظام القانوني لمسئولية المحكم

31- تمهيد وتقسيم:

تقوم هيئة التحكيم بعد اختيارها باستلام ملف التحكيم الذي يحتوي على طلب التحكيم، وطلبات المدعي وأدلته ومذكراته، وطلبات المدعي عليه وأدلته ومذكراته بالرد… لدراسته وتكوين فكرة عن موضوع النزاع لتقوم هيئة التحكيم بعد ذلك لإعداد وثيقة مهمة هيئة التحكيم، والتي تتضمن بيانات الأطراف وعناوينهم وبيانات هيئة التحكيم ومكان ولغة التحكيم وبيان القواعد الإجرائية والموضوعية التي ستطبق ومواعيد الجلسات وتحديد أدلة الإثبات وميعاد التحكيم ومواعيد تقديم المذكرات والمستندات وملخصا لوقائع النزاع، وطلبات المدعي، وطلبات المدعي عليه، والمسائل التي ستفصل فيها هيئة التحكيم، وتحديد ممثل عن كل طرف… ([408]).

توجد بعض قوانين ونظم التحكيم المختلفة التي التزمت الصمت تجاه موضوع مسئولية المحكم عن قيامه بمهمته التحكيمية تجاه طرفي خصومة التحكيم، وتجاه الغير، فلم تتطرق له، لا من قريب، ولا من بعيد. وهناك بعض التشريعات قد نصت صراحة على منح المحكم حصانة قضائية تحول دون إقامة دعوى مسئولية عليه عن الإخلال باي التزامات على المحكم. في حين توجد بعض قوانين ونظم التحكيم الأخرى كانت أكثر شجاعة، وأوردت بعض النصوص التشريعية التي تتحدث باستحياء وتهيب وحرج شديد عن مسئولية المحكم عن الأخطاء التي قد تقع منه أثناء قيامه بمهمته التحكيمية.

وترتب على اختلاف تشريعات وقوانين التحكيم في شأن تقرير مسئولية المحكم: اختلاف الاتجاهات القضائية في معالجة هذا الموضوع اختلافا واضحا يدعوا إلى الحيرة والغموض. كما أدى إلى اختلاف الفقه الذي ما زالت الغالبية العظمى منه تتناول هذا الموضوع في صمت وحرج. ولذلك تميز هذا الموضوع بندرة شديدة في المراجع القانونية التي تعين الباحث على خطواته في طريق يكتنفه الغموض والإبهام ([409]). وتعتبر قوانين التحكيم، وإرادة أطراف التحكيم، وعقد التحكيم، أساس سلطات المحكم، هذه السلطات مكنة للمحكم لتمكينه من تسيير وإدارة إجراءات التحكيم بسرعة وفاعلية، ولكن هذه المكنة الممنوحة للمحكم ليست بهدف استعمالها حسب رغبته وسلطته وقتما يشاء، والا أصبح التحكيم عبثا لا طائل من ورائه.

فالمحكم ليس قاضي حكومي، ومن ثم فهو مقيد بالمهمة التحكيمية التي قبل القيام بها. بحيث لا يستعمل السلطات الممنوحة له إلا فيما يخدم تحقيق المصلحة التي يسعى أطراف التحكيم في الوصول إليها، ومن ثم فإن وضع هذه السلطات خارج الحدود المرسوم لها، يكون قد وضع نفسه تحت طائلة المسئولية القانونية.

وقد ساهم الغياب التشريعي والوطني والدولي والمؤسسي لعملية التحكيم بكل جوانبها في عدم وضوح الإطار العام لالتزامات المحكم، كما ساعد على ذلك أيضا خلو المؤلفات الفقهية المختلفة، وعدم تعرض الأحكام القضائية لتقييم دور المحكم وما يفرضه عليه من التزامات ([410]).

والتزامات المحكم سواء الالتزامات القانونية أو الاتفاقية تبدأ بمرحله سابقة على قبول المحكم لمهمة التحكيم. هذه المرحلة هي مرحلة ترشيح أطراف التحكيم أو القضاء أو الغير الذي ينوب عن أطراف التحكيم هذه الالتزامات تتمثل في الالتزام بالإفصاح بالأطراف أو ممثليهم أو بموضوع النزاع، وكذلك بقبوله مهمة التحكيم، والالتزام باتباع واحترام سلوكيات وأخلاق المحكم الشريف، والتزامه بمباشرة مهمة التحكيم بنفسه. ثم يلي ذلك المرحلة الثانية وهي مرحلة سير الخصومة، وهذه المرحلة تتضمن العديد من الالتزامات؛ منها التزامات قانونية، ومنها التزامات اتفاقية. وفي المرحلة الأخيرة وهي مرحلة إصدار حكم التحكيم، والالتزام لإيداعه قلم كتاب المحكمة المختصة، وغيرها من الالتزامات …

في المقابل هناك العديد من الحقوق للمحكم بمثابة التزامات تقع على المحتكين. هذه الحقوق منها ما ورد النص عليه في التشريعات والقوانين واللوائح، ومنها ما يكون اتفاقي ورد في نص عقد التحكيم بحسب ما يتراضى عليه المحكم والمحتكمين. والحق والأساس في هذه الحقوق هو حق المحكم في تقاضي الأتعاب والمصاريف والتعويض، وكذلك حق المحكم في عدم عزله بدون مبرر، وكذلك حق المحكم في الحصانة. كذلك حق المحكم في التنحي بمبرر مقبول. وكذلك حق المحكم في قبول ورفض مهمة التحكيم.

ويرتبط تحديد طبيعة مسئولية المحكم ارتباطا وثيقا بطبيعة علاقة المحكم بأطراف النزاع التحكيمي، وبطبيعة عمله كقاضي خاص يقوم بمهمة قضائية خاصة بناء علي اختياره من طرفي النزاع التحكيمي، وقبوله القيام بالمهمة التحكيمية، بناء علي عقد التحكيم المبرم بين المحكم وأطراف النزاع التحكيمي. لذا فتحديد مسئولية المحكم تقتضي تحديد النظام القانوني للمحكم.

ولذا نتناول طبيعة التزام المحكم، وطبيعة مسئولية المحكم. وأركان مسئولية المحكم من خطأ، وضرر، وعلاقة سببية. ثم نتناول دفع المسئولية المدنية للمحكم بنفي خطأ المحكم عن طريق؛ الدفاع الشرعي، وتنفيذ امر الرئيس، وحالة الضرورة، ورضا المضرور أو قبوله المخاطر. وينفي علاقة السببية بين خطا المحكم والضرر؛ بالقوة القاهرة، ويفعل المضرور، وبخطأ الغير ثم تامين المسئولية المدنية للمحكم، وضمان الأضرار الناجمة عن خطأ المحكم.

وبناء على ذلك، نتناول الفصل الثاني (النظام القانوني لمسئولية المحكم) في مبحثين على النحو التالي:

المبحث الأول: نطاق وأركان مسئولية المحكم.

المبحث الثاني: طرق دفع مسئولية المحكم، وتأمينها.

وذلك بالتفصيل المناسب علي الوجه التالي.

المبحث الأول

نطاق وأركان مسئولية المحكم

32- تمهيد وتقسيم:

نتناول في هذا المبحث: طبيعة التزام المحكم، وطبيعة مسئولية المحكم. وأركان مسئولية المحكم من خطأ، وضرر، وعلاقة سببية.

33- طبيعة التزام المحكم:

يعرف الالتزام بأنه “واجب قانوني يقع على عاتق شخص معين يلزمه أن يقوم بأداء مالي لصالح شخص آخر معين أو قابل للتعين، يسمى الدائن”. فالالتزام إذا له عنصران، عنصر شخصي: يتمثل في الرابطة بين الدائن والمدين. وعنصر مالي: يتمثل في محله، الذي يعتبر حقا للدائن، ودينا في ذمة المدين، وكل التزام له هذان العنصران. ولكن البعض يغلبون العنصر الشخصي، وهؤلاء هم أنصار المذهب الشخصي. فيرون أن العنصر الجوهري في الالتزام هو محل الالتزام أو موضوعه. وقد قال بهذه النظرية الفقهاء الألمان ثم تأثر بها الفقهاء الفرنسيون في أوائل القرن العشرين ([411]). واذا كان الالتزام في جميع صوره واجبا قانونيا. فيختلف نوع الالتزام باختلاف الأساس أو الزاوية أو الجهة التي ننظر إليه منها.

وتنقسم الالتزامات من حيث مصدرها إلى: الالتزامات الإرادية تجد مصدرها في العقد أو الإدارة المنفردة. والتزامات غير إرادية، وقد يكون مصدرها الفعل الضار أو العمل الغير مشروع، وقد يكون الفعل النافع مثل: الإثراء بلا سبب، وقد يكون نص القانون. في إطار هذا التقسيم للالتزامات، يعتبر التزام المحكم بإصدار حكم تحكيمي ملزم خلال مهلة التحكيم هو التزام إرادي مصدره عقد التحكيم المبرم بين المحكم وأطراف التحكيم.

كما تنقسم الالتزامات من حيث قوتها أي من حيث إمكان الإجبار على تنفيذها إلى التزامات مدنية، والتزامات طبيعية. فالأولى هي التي يتوافر فيها عنصرا المديونية والمسئولية، ويمكن فيها إجبار المدين على التنفيذ إذا لم يقم بالتنفيذ اختيارا. أما الالتزامات الطبيعية فلا يتوافر فيها إلا عنصر المديونية فقط أو عنصر المسئولية، ولذلك لا يمكن إجبار المدين على التنفيذ، ولكن إذا نفذ هذا الالتزام مختارا، فإن وفائه صحيح، ولا يحق له أن يسترد ما وفاه، ولا يعتبر متبرعا، مثل الالتزام الذي سقط بالتقادم ([412]). وفي إطار هذا التقسيم للالتزامات؛ يعتبر التزام المحكم لإصدار الحكم تحكيمي ملزم خلال مهلة التحكيم هو التزام مدني، يمكن إجبار المحكم على تنفيذه إذا لم يقم بتنفيذ المهمة التحكيمية اختيارا. مع ملاحظة أنه إذا لم يقم المحكم بتنفيذ التزامه عينيا، كأنه اعتزل المهمة التحكيمية بدون مبرر، أمكن إلزام المحكم بتنفيذ التزامه بمقابل أي عن طريق التعويض.

وتنقسم الالتزامات من حيث محلها إلى: التزام بإعطاء، والتزام بعمل، والتزام بامتناع عن العمل. ويقصد بالالتزام لإعطاء، ذلك الالتزام بعمل إيجابي الذي يكون متجها إلى نقل أو إنشاء حق عيني مثل الالتزام بدفع مبلغ من النقود، ويقصد بالالتزام بعمل الالتزام بعمل إيجابي غير نقل أو إنشاء حق عيني، مثل التزام الطبيب بعلاج المريض. ويقصد بالالتزام بامتناع عن عمل أو التزام بعمل سلبي: التزام المدين بعدم القيام بعمل كان له أن يقوم به لولا وجود هذا الالتزام، مثل: التزام العامل بعدم إفشاء سر المهنة. مع ملاحظة أن محل الالتزام في جميع صوره هو العمل، وهذا العمل قد يكون إعطاء أو عملا إيجابيا أو امتناعا ([413]). وفي إطار هذا التقسيم للالتزامات، يعتبر التزام المحكم بإصدار حكم تحكيمي ملزم خلال مهلة التحكيم هو التزام بعمل إيجابي.

وتنقسم الالتزامات من حيث آثارها أي من حيث احتمال أو عدم احتمال تحقق النتيجة أو الغاية التي يهدف إليها الدائن إلى نوعين: التزام بتحقق نتيجة أو غاية، والتزام ببذل عناية أو وسيلة. ويكون الالتزام بنتيجة أو غاية (التزام محدد)، إذا كان الأداء الذي يلتزم به المدين هو ذاته الغاية التي يهدف إلى تحقيقها، أي أن الأداء الذي التزم به المدين مطابق لغاية معينة حددها مصدر هذا الالتزام. بمعنى أن المدين يتعهد بتحقيق النتيجة أو الغاية حيث لا يدخلها عنصر الاحتمال، كالتزام البائع بنقل ملكية المبيع للمشتري، ومجرد عدم تحقق النتيجة يعني أن المدين مخطئ، ولا يلزم الدائن إلا لإثبات عدم تحقق النتيجة، فالتزامه بنتيجة يدخل ضمن إمكانية المدين به ([414]).

ويكون الالتزام ببذل عناية أو وسيلة (التزم غير محدد): إذا لم يكن الأداء الذي يلتزم به المدين هو في ذاته هدف وغاية الدائن، وإنما يكون على المدين أو يقوم بعمل من شأنه عادة أن يؤدي إلى تحقيق هذا الهدف المنشود. أي أن المدين لا يتعهد بتحقيق الهدف لأن تحقيقه خارج عن إرادته، وإنما يتعهد ببذل ما يمليه عليه تعهده من الوسائل المؤدية إلى تحقيقه، وبذلك لا تقوم مسئولية المدين إذا أثبت أنه بذل كل ما في استطاعة من حرص لتحقيق الهدف المنشود ولو لم يتحقق، كالتزام الطبيب بعلاج المريض، والتزام المحامي بممارسة مهمته… ويقع عبء إثبات عدم تنفيذ الالتزام على الدائن، فعليه أن يثبت عدم بذل المدين العناية المطلوبة، والأصل أن يبذل الملتزم ببذل عناية بما يبذله الشخص المعتاد في مثل ظروفه، ما لم ينص القانون أو الاتفاق على غير ذلك ([415]).

وقد يتداخل الالتزام بنتيجة مع الالتزام ببذل عناية في عقد واحد، بحيث يصعب أحيانا الفصل بينهما، كعقد العلاج الطبي. وقد يتحول الالتزام بنتيجة إلى التزام بوسيلة أو ببذل عناية، والعكس، حسب العلاقة العقدية القائمة بين طرفي العقد، وبالنظر لهذا التداخل، والتحول، يعود لتقاضي الموضوع في كل قضية تحديد نوع التزام المدين ([416]).

وفي إطار هذا التقسيم للالتزامات، يعتبر التزام المحكم بإصدار حكم تحكيمي ملزم خلال مهلة التحكيم هو التزام ببذل عناية؛ لأنه التزام لا يدخل ضمن إمكانية وإرادة المحكم، فقد تتدخل أمور خارجة عن إرادة المحكم تمنع إصدار الحكم التحكيمي خلال ميعاد التحكيم، بينما التزام المحكم بالقيام بالمهمة التحكيمية هو التزام بتحقيق نتيجة؛ لأنه التزام يدخل ضمن إمكانية وإرادة المحكم.

34- طبيعة مسئولية المحكم:

يوجد في القانون المقارن اتجاه فقهي وقضائي وتشريعي يدافع عن حماية المحكم بمنحه حصانة مطلقة تحول دون إقامة دعوى مسئولية عليه (حصانة المحكم المطلقة) بحجة صعوبة إثبات خطأ المحكم واستحالة الحصول على دليل ضده. كما أن المحكم كالقاضي يقوم بوظيفة قضائية، هي الفصل في النزاع التحكيمي، تمنحه حصانة تحول دون طلب مناقشته ومراجعته بناء على طلب أحد أطراف التحكيم في خصومة التحكيم. وذلك لتخفيف العبء على كاهل المحكم واستقراره واحترامه، ولتفعيل نظام التحكيم كوسيلة لحل المنازعات عن طريق، توفير الفاعلية والاحترام لأحكام التحكيم. فالسماح برفع دعوى مسئولية ضد المحكم سيكون وسيلة غير مباشرة للطعن على الحكم التحكيمي ومراجعته أمام القضاء ([417]).

وهناك بعض التشريعات نصت صراحة على منح المحكم حصانه قضائية تحول دون إقامة دعوى المسئولية عليه منها: (م 2/ 1) من اتفاقية البنك الدولي لتسوية منازعات الاستثمار، و (م 43 /4) من قواعد جمعية المحكمين الأمريكية، و (م 66) من قواعد مؤسسة التحكيم الهولندية، و (م 43) ومن قواعد جمعية التحكيم الإيطالية، و (م 34) من لائحة غرفة التجارة الدولية … وتوجد بعض التطبيقات القضائية لهذا الاتجاه من القضاء الفرنسي بحجة التطابق بين مهمة المحكم والقاضي، ومن ثم يجب أن يتمتع المحكم بذات الحصانة التي يتمتع بها القاضي. فقد رفضت محكمة الاستئناف باريس دعوى مسئولية ضد الحكم رغم ثبوت الخطأ الشخصي في جانبه بحجة الطابع القضائي لمهمته التحكيمية. كما رفضت طلب مثول محكم كشاهد في دعوى مسئولية ضد محكم آخر ([418]).

بالرغم من الاتجاه السابق، إلا أن الاتجاه السائد في الفقه، والقضاء، والقانون المقارن، يقر بمسئولية المحكم تجاه طرفي التحكيم بعلاقة تعاقدية (عقد التحكيم)، و تدخل في مجال القانون الخاص، وترتب حقوق والتزامات متبادلة. لذا يجب مساءلة المحكم عن تعويض الأضرار التي أصابت طرفي التحكيم من جراء مسلكه الغير مشروع، والإخلال بالواجبات المهنية المحكم. فالمحكم يتولى مهمته التحكيمية مقابل أتعاب كبيرة، ومن ثم يتعين أن يتحمل مغبة أي تقصير أو إهمال في أداء عمله. كما أن تقرير مسئولية المحكم ضمان لعدالته، وعدم استبداده. ولصحة أحكامه، فلا خطأ بدون عقاب ([419]). وهناك بعض التشريعات نصت صراحة على تنظيم مسئولية المحكم على أساس عقدي في مواجهة طرفي خصومة التحكيم عن الإخلال بأداء واجباته التحكيمية. من تلك التشريعات: (م 548/ 2) من قانون الإجراءات المدنية النمساوية …

ويرى جانب من الفقه أن النص في عقد التحكيم مقدما على إعفاء المحكم من المسئولية أو التخفيف منها هو أمر غير مقبول؛ لأن ذلك يجعل المحكم يبذل مجهودا أقل مما تفرضه عليه واجبات مهنته التحكيمية، وهو ما لا يجوز ([420]). واذا تم إقرار مسئولية المحكم عن الإخلال بواجبات مهمته التحكيمية، فهل يسال المحكم عن جميع أخطائه العادية التي قد تقع منه أثناء تأديته لمهمته التحكيمية أم أنه لا يسأل إلا عن أخطائه الجسيمة فقط للإجابة على هذا التساؤل نجد اتجاهين في الفقه والقانون المقارن:

الاتجاه الأول: تقرير مسئولية المحكم في حالة الغش والتدليس أو الخطأ الجسيم: يقوم المحكم في مهمة الفصل في النزاع التحكيمي كقاضي الدولة، لذلك يجب توفير الاستقرار والحماية له والأمن والطمأنينة حتى يتم مهمته التحكيمية. وعليه فلا يجوز بحث مسئولية المحكم إلا في حالة الخطأ الجسيم الذي يعادل الغش والتدليس؛ لأنه في تلك الحالة لا يتصرف المحكم باعتباره قاضيا ويكون قد خرج عن السلوك المعتاد في ممارسة مهنة التحكيم. ومن التشريعات التي تبنت هذا الاتجاه (م 942) من قانون الإجراءات المدنية الصيني، و (م 813) مرافعات إيطالي، و(م 584/ 3) إجراءات مدنية نمساوي، ويعض تطبيقات للقضاء الفرنسي ([421]) ولكن يعيب هذا الاتجاه: عدم وجود معيار دقيق للتفرقة بين الخطأ العادي، والخطأ الجسيم الذي يترتب عليه مسئولية المحكم. كما يمنح المحكم فرصه كبيرة للهروب من المسئولية لعدم توافر صفة الجسامة في الخطأ ([422]).

الاتجاه الثاني: تقرير مسئولية المحكم طبقا للقواعد العامة: لا يعتبر المحكم قاضيا، وان قام بنفس وظيفة القاضي. لذا لا يلزم اتباع نظام مخاصمة القضاة عند مسالة المحكم، وإنما يخضع المحكم للقواعد العامة في المسئولية كفرد عادي، ويعتمد معيار الرجل العادي، وهو معيار موضوعي يقتضي عدم مؤاخذة المحكم إلا إذا صدر منه خطأ لا يصدر من المحكم العادي في مثل نفس الظروف التي صدر فيها هذا الخطأ.

وترفع الدعوى عليه بالإجراءات المعتادة لرفع الدعوى، وتختص بها المحكمة المختصة طبقا للقواعد العامة في قانون المرافعات ويطبق على مسئولية المحكم القانون الاتفاقي لطرفي خصومة التحكيم، أما إذا لم يتفق الأطراف فإنه يكون قانون مقر التحكيم باعتباره قانون مكان وقوع الفعل الضار. ومن التشريعات التي تبنت هذا الاتجاه: (م 9/ 3) من قانون التحكيم البرتغالي لعام 1986، و (م 16 / 1) من قانون التحكيم الإسباني لعام 1988 ([423]). وعلى ذلك فإن. المسئولية المدنية للمحكم تحكمها القواعد العامة في القانون المدني، إذ يخضع المحكم لقواعد القانون المدني في مجال المسئولية المدنية. وترفع دعوى التعويض بالإجراءات المعتادة لرفع الدعوى طبقا للقواعد العامة في قانون المرافعات، و بالمواعيد القانونية ([424]).

وتنقسم المسئولية المدنية إلى مسئولية عقديه، ومسئولية تقصيرية. فالمسئولية العقدية هي جزاء الإخلال بالتزام عقدي، والمسئولية التقصيرية هي جزاء الإخلال بالواجب العام الذي يفرض على الشخص عدم الإضرار بالغير بمعنى أن المسئولية العقدية توجد عند حدوث ضرر نشأ من الإخلال بالواجب القانوني بالتزام عقدي. أما المسئولية التقصيرية فهي جزاء الإخلال بالواجب القانوني بعدم الإضرار بالغير، أي أن القانون هو الذي أنشأها وحدد أحكامها.

وتقوم المسئولية المدنية للمحكم على أسالس الخطأ، بمخالفة الأصول الاتفاقية والقانونية للتحكيم، الذي أدى إلى إصابة المضرور، بضرر، بينهما علاقة سببية. وتعتبر المسئولية المدنية للمحكم مسئولية ذات طبيعة شخصية أساسها خطأ المحكم، وفقا للقواعد العامة في المسئولية المدنية المهنية. ولكن متى نعتبر خطأ المحكم خطأ عقدي يرتب مسئولية عقدية؟ ومتى نعتبره خطأ تقصيري يرتب مسئولية تقصيرية؟

ولأن الرابطة بين المحكم والمحتكمين رابطة تعاقدية من روابط القانون الخاص، فإن مسئوليته تجاه المحتكمين تكون إذن مسئولية تعاقدية، وتتحدد وفقا للقواعد العامة في المسئولية العقدية. حيث يشترط حدوث خطأ من المحكم، وحدوث ضرر نتيجة لهذا الخطأ وعلاقة سببية بينهما. ولما كان المحكم لا يعد وكيلا فإن مسئولية المحكم لا تشبه مسئولية الوكيل. وتنشأ مسئولية المحكم العقدية بسبب عدم تنفيذ الواجبات المفروضة عليه في مواجهة المتحكمين، رغم قيامه بالمهمة التحكيم، وتتحدد هذه الواجبات أما في اتفاق التحكيم وإما بنص القانون ([425]). أما بالنسبة لمسئولية المحكم تجاه الغير فتكون مسئولية تقصيرية، وليست عقدية؛ نظرا لعدم وجود رابطة عقديه بين المحكم والغير ([426]).

أما إذا عهد إلى شخص معنوي بتنظيم عملية التحكيم (مركز أو مؤسسة تحكيم مثلا) كاختيار المحكمين، وتحديد مهلة التحكيم ومدها فإن هذا الشخص المعنوي يكون وكيلا ويسأل مسئولية الوكيل لأنه يتدخل في التحكيم بناء على هذه الصفة لا يسأل وفقا لذات القواعد التي يسأل عنها المحكمون بأشخاصهم، واذا تقاضى الشخص المعنوي أجرا تكون مسئوليته مسئولية الوكيل بأجر ولا تسري على هذا الأجر القواعد الخاصة بأتعاب المحكم ([427]).

ويلاحظ أن هناك بعض القوانين لا تحاسب المحكم إلا على الخطأ الجسيم، وليس على الخطأ العادي، ولكن جميع القوانين تحاسب المحكم على الخطأ الجسيم والغش. فمثلا القانون النمساوي في (م 584) من قانون المرافعات المدنية، اعتمد الخطأ العادي في محاسبة المحكم إذا أخل بالتزام من التزاماته التعاقدية بعد قبوله لمهمته التحكيمية، وكذلك القانون اللبناني في (م 769) من قانون أصول المحاكمات المدنية إذا استقال المحكم أو انسحب من التحكيم بعد قبوله لمهمته التحكيمية. وفي نفس الاتجاه ذهب القانون البرتغالي للتحكيم الصادر 1986 م في (م 9/ 3) منه، والقانون الإيطالي في (م 3/8- 2) من قانون المرافعات … ([428]) وتلك النصوص في تلك القوانين ما هي إلا تطبيق للقواعد العامة التي لا تتطلب لقيام المسئولية المدنية المهنية جسامة الخطأ.

ولا يمكن الرجوع على الدولة في حالة الحكم على المحكم بالتعويض؛ لأنه لا يعتبر تابعا لها عكس القاضي، لأنه قد يكون مختارا من أطراف التحكيم أو من قبل هيئة أو منظمة أو مركز للتحكيم. ويبدو لنا أن مبدأ استقلال المحكم في أداء مهمته يحول دون قيام علاقة تبعية بينة وبين هيئة أو منظمة أو مركز التحكيم بالمعنى الذي يرتب مسئولية هذه الأخيرة عن أعماله. ولكن ذلك لا يمنع بالطبع من مسائلة الهيئة أو المنظمة أو المركز عما يمكن إثباته في مواجهتها من تقصير في اختيار المحكمين أو في إدارة التحكيم ([429]).

ويرى جانب من الفقه أن مسئولية مؤسسة أو جمعية أو مركز التحكيم يمكن أن تنعقد وتتحدد طبقا لقواعد الوكالة إذ تعد مؤسسة التحكيم وكيلا بأجره. كما يمكن النظر إلى علاقة طرفي التحكيم وبمؤسسة التحكيم على لأنها من قبيل عقد المقاولة. وتثبت مسئولية مؤسسة التحكيم تأسيسيا على انتهاك واجب الثقة في إدارة التحكيم على نحو صحيح، فإذا كان لجوء الأطراف إلى مؤسسات التحكيم يعد قبولا من الأطراف لقواعدها وتفويضا لها، فإن تجاوز حدود التفويض أو أهدافه يهدر ثقة طرفي التحكيم فيها ويثير مسئوليتها ([430]).

ومع ذلك يوجد اتجاه فقهي يخرج مسئولية المحكم من مجال المسئولية العقدية، والتقصيرية ويضعها في إطار المسئولية المهنية. بحجة أن مسئولية المحكم لا تجد أساسها في عقد التحكيم، وإنما في المهمة التي يؤديها كقاضي، وذلك بالنظر لما لمهمة المحكم من طابع مهني خاص مرجعه العادات المهنية. فالطابع المهني للخطأ يشكل معيارا خاصا لتقدير خطأ المحكم. فالمحكم يكرس جهوده للقيام بمهمته التحكيمية دون الالتزام بتحقيق نتيجة معينة طالما لم ينسب له خطأ أو تقصير ([431]).

أما عن المسئولية الجنائية للمحكم، فيمكن أن يقع من المحكم أخطاء تشكل جريمة جنائية كاختلاس بعض الوثائق المقدمة في الدعوى مثلا أو التزوير فيها أو قبول رشوة أو قبول وساطة … ([432]). في هذه الحالة تطبق على المحكم أحكام قانون العقوبات، وقانون الإجراءات الجنائية مثله في ذلك مثل غيره من آحاد الناس. ويعتبر المحكم في حكم الموظفين العموميين فيما يتعلق بجريمة الرشوة إعمالا لحكم (م 111 /3) من قانون العقوبات المصري ([433]).

ويلاحظ أنه ليست هناك مسئولية تأديبية بالنسبة للمحكمين لدى هيئات ومنظمات ومراكز التحكيم الدائم ([434]). وإنما نامل ذلك مستقبلا من قبل نقابة المحكمين كنقابة مهنية، وتحت إشراف ورقابة القضاء، لها نظامها الأساسي المتضمن: شروط الانضمام، وفئات المحكمين، والعقوبات التأديبية …

35- المسئولية المهنية للمحكم:

تباينت مواقف تشريعات التحكيم بشان مسئولية المحكم، فبعضها لم ينص علي مسئولية المحكم: كالقانون المصري، والفرنسي، والسويسري، والهولندي، اليونستيرال.

في حين توجد فئة ثانية من التشريعات عالجت مسئولية المحكم عن التنحي دون مبرر مشروع بعد قبوله القيام بالمهمة التحكيمية مثل: نص (م 748) مرافعات ليبي لسنة 1953 م، و (م 207/ 2) إجراءات مدنية إماراتي لسنة 1992، و (م 194) مرافعات قطري لسنة 1990 م، و(م 178 /2) مرافعات كويتي لسنة 1993 م، و (م 17/2) تحكيم سوري، و (م 11) تحكيم تونسي لسنة 1993 م، و (م 9 /3) تحكيم اختياري برتغالي لسنة 1986 م، و (م 39) تحكيم صيني لسنة 1994 م .

بينما توجد فئة ثالثة من التشريعات عالجت مسئولية المحكم عن أخطاء معينة يحددها المشرع على سبيل الحصر (حالتي الغش، أو الخطأ الجسيم أو سوء النية) فقط مثل: نص (م 29/1 لمسئولية المحكم، و م 74 لمسئولية مؤسسات التحكيم) من قانون التحكيم الإنجليزي لسنة 1996 م، و (م 28) تحكيم استرالي لسنة 1993 م، و (م 12) تحكيم ايرلندي لسنة 1998 م، و (م 881) مرافعات يوناني لسنة 1995 م، و (م 813/ 2) مرافعات إيطالي لسنة 1994 م، و (م 16) تحكيم أسباني لسنة 1989 م، و(MG2) تحكيم هونج كونج لسنة 1996 م، و (م 45) تحكيم سيريلانكي لسنة 1995 م، و (م 20) تحكيم مالطي لسنة 1996 م.

ويقوم أساس الممارسة المهنية على استقلال المهني في كل ما يتعلق بالجوانب الفنية للمهنة، فيسال كل مهني عما يتخذه من قرارات، وما يقوم به من أعمال تتعلق بمهنته. ولا شك أن المسئولية المهنية المدنية التي يسأل عنها المهني هي مسئولية شخصية تخضع للقواعد العامة في المسئولية القانونية من حيث وجود خطأ صدر من المهني؛ وضرر أصاب العميل، وتوافر علاقة السببية بين هذا الخطأ وذاك الضرر. وطبقا للقاعدة العامة في المسئولية المدنية أن كل خطأ سبب ضررا للغير يؤدي إلى مسئولية فاعلة عن تعويض المضرور عما لحق به من ضرر ([435]).

إلا أن الفقه نادى منذ أمد طويل بوضع نظام للمسئولية المهنية بشتى صورها، كما أخذ القضاء على عاتقه مهمة خلق قواعد ونظام للمسئولية المهنية بتجاوز القواعد العامة للمسئولية، وقد استقرت أحكام المسئولية المهنية للعديد من المهن، هذا الاستقرار لم يكن وليد اليوم، ولكن ترددت أراء الفقه، وأحكام القضاء بين مؤيد، ومعارض ([436]). وعلى سبيل المثال: بالنسبة لمسئولية الطبيب من نادى بإعفائه من المسئولية حماية لمصلحته وطلبا للتطور العلمي، وفي مجال مهنة الصحافة أيضا فالصحفي يكون مسئول مسئولية شخصية عما يكتبه أو ينشره. وكذلك فقد رسم المشرع حدودا موضوعية وأخرى إجرائية لمساءلة القاضي مدنيا عن الأخطاء التي تقع منه في ممارسته لمهنته ([437]).

وكان التحكيم مهمة الأمراء والملوك ويتشرفون بها ويضيفون إليها من رافعة مكانتهم الكثير، ولا يتقاضون عنها أجرا، وكان ذلك سببا في عدم وضوح الأبعاد القانونية لمهمة المحكم، ومع التطور وكثرة المعاملات التجارية الهائلة، وازدياد الأجواء إلى التحكيم أصبح من الضرورة أن يبادر الفقه والقضاء والتشريع إلى وضع نظام متوازن وعادل لأحكام وقواعد مسئولية المحكم بل ومؤسسات التحكيم.

كما أن طبيعة التحكيم المتميزة وقد دلت المحكم بالعديد من الالتزامات القانونية والتعاقدية أثناء تأدية مهمة التحكيم في مقابل ذلك منحته اختصاصات واسعة ومجالا رحبا لإعمال رأيه والعمل بما يراه مناسبا وصولا لحل النزاع خصوصا في حالة عدم اتفاق الأطراف. والمحكم ما هو إلا إنسان عرضه لارتكاب أخطاء غير إرادية كالخطأ في الحساب أو غلطات القلم المادية، وفد تكون أخطاء عمدية تقع بتعمد الأضرار بأحد الأطراف ([438]). ومن أمثلة خطأ المحكم أن يمتنع عن الحكم بدون أي عذر مقبول أو يجاوز الميعاد المقرر له، أو أن يتسبب في بطلان حكمه لأمر يرجع إلى إهماله أو خطأه، فيكون قد تسبب في ضياع وقت أطراف التحكيم أو جهدهم دون جدوى، أما إذا ابطل حكم المحكم ولم يكن له دخل في هذا البطلان فلا يسال بالتعويض كما يسال المحكم إذا تسبب في صرف مبالغ كبيرة عند إجراء التحقيقات لا تتناسب مع قيمة النزاع، ويسأل إذا أخفى عن أحد أطراف التحكيم علاقته القوية بالطرف الآخر أو قرابته له مما يترتب على ذلك الحكم برده وضياع الوقت والجهد والمال.

ويسأل المحكم إذا لم يسبب حكمه عن إهمال وسوء تصرف، وكذلك. إذا وكله أطراف التحكيم في تعيين محكمين آخرين معه، فيجب عليه أن يراعي القانون في العدد وحسن الاختيار والصلاحية. وكذلك يسأل المحكم إذا أخل بالتزاماته سواء بامتناعه عن أداء المهمة التي قبلها، أو بمخالفته لحقوق أطراف التحكيم، أو بأي التزام آخر ناشئ عن العقد الذي قبله عند تولي مهمته فإنه يكون مسئولا عن تعويض الأضرار التي ترتبت على هذا الإخلال لأن من شأن ذلك ضياع مصاريف التحكيم، والتأخير إلى حين حسم النزاع بواسطة هيئة تحكيم جديدة تتقاضى أتعاب جديدة أو بواسطة قضاء الدولة، وقد يكون الضرر جسيما إذا ترتب على التأخير نتائج لا يمكن تداركها ([439]).

وقررت تشريعات التحكيم جزاءات يخضع لها المحكم تنطوي على معنى تأديبي منها الإقالة والرد، إلا أن إعمال تلك الجزاءات يتوقف على خطأ المحكم أثناء سير خصومة التحكيم؛ فإذا تراخى خطأ المحكم إلى ما بعد صدور الحكم فلا يملك الأطراف إلا طلب إبطال الحكم إذا ما توافرت إحدى الحالات المنصوص عليها قانونا، ومن ثم يتكبد الأطراف مشقة الطعن على الحكم ثم بدء الإجراءات من جديد بالرغم من أن هذا الجزاء لا يمس المحكم رغم تسبب خطأه في إبطال الحكم، والذي يتحمل الجزاء هو المحتكم المضرور بدون ذنب ارتكبه ([440]).

ومن ثم يجب على الأنظمة القانونية الوطنية والمؤسسية تقرير المسئولية المدنية للمحكم وفرض قواعد وأحكام هذه المسئولية فرضا لتحتل المسئولية مركز الصدارة في الحياة العملية كجزاء رادع يعبر عن القيم الأخلاقية ويستجيب للمقتضيات الاجتماعية والاقتصادية، ويضمن سلامة مسلك المحكم ([441]). و لم تحظ المسئولية المهنية المدنية للمحكم باهتمام الفقه العربي والأجنبي.

36- مبررات تقرير المسئولية المهنية للمحكم: القول بمسئولية المحكم لا مبرر له ما لم توجد أسباب ومبررات لتقرير هذه المسئولية، وقد عدد الفقهاء حشدا من المبررات التي تؤيد إقرار مسئولية المحكم، واذا توافر أحد هذه المبررات فقط، كان كافي لتقرير هذه المسئولية، وهذه المبررات هي:

– من ضمن أسباب اللجوء إلى التحكيم هو الثقة في شخص المحكم، وفي عدالته وخبرته. والمحكم بطبيعته بشر، وثم هناك ما يضمن، عدالة هذا المحكم أو يحول دون تحيزه لطرف على حساب طرف أو ظلمه. للطرفين معا، وهذا لا يستقيم في غياب قواعد المسئولية التي توجب تعويض الأطراف وحمايتهم عندما يهدر المحكم بيده ثقة الأطراف بإهماله ويصبح غير جدير بهذه الثقة ([442]).

(ب) – لم تقرر غالبية التشريعات حق الطعن على حكم المحكم إلا في حالات محددة، وفي الواقع العملي ترفض هذه الطعون، وحتى القول لإبطال حكم التحكيم لا يكفل جبر الضرر الذي يلحق بالأطراف، بل يعتبر ضررا مضاعفا ما لم يجب التعويض عنه ([443]).

(ج) – القول بتقرير مسئولية المحكم يعتبر سبب لخوف المحكمين من ممارسة هذه المهنة قول خطأ، لأن الواقع العملي يخالف ذلك بالنسبة للأطباء والمحامون والمحضرون والمهندسون والقضاة بالرغم من تقرير مسئوليتهم، ومع ذلك لم يتخلوا عن أعمالهم بل على العكس فإن تقرير المسئولية للمحكم، سيطهر المهنة من المحكمين غير الكفء، وذلك في مصلحة مهنة التحكيم، وكذلك في مصلحة المحكم الجيد إذ لا يتوافر لديه نية التقصير أو الإهمال أو غش وتعدد الأضرار بالأطراف ومهنة التحكيم ([444]).

(د) – الجدل بأن دافع المحكم من ممارسة مهنة التحكيم هو تحقيق أرباح مادية ومعنوية، وطبقا لقاعدة المغنم مقابل المغنم، فيجب أن يتحمل المحكم ما يلحقه من غرم بسبب الخطأ الذي صدر منه ونتج عنه ضرر مادي أو معنوي أصاب الأطراف فلا يعقل أن يحصل على غنم بدون مغرم ([445]).

(هـ) – غياب الرقابة القضائية على عملية التحكيم من بداية اختيار المحكمين إلى صدور الحكم، ذلك يوجب تقرير مسئولية المحكم، بل يجب مضاعفة هذه المسئولية عن مسئولية القاضي الذي يخضع للرقابة بالرغم من أن حكم كلا منهما له حجية الأمر المقضي ([446]).

(و) – تقرير التشريعات نظام الرد والإقالة أو العزل كجزاء يحول دون محاسبة المحكم عن أخطائه، وأيضا محاسبة المحكم عما تسبب في تكبيد الأطراف من مشقة وتكاليف في الدعوى، بالإضافة إلى أن رد أو إقالة المحكم لا يكون إلا أثناء نظر أطراف التحكيم، وليس بعد صدور الحكم، كما أن الرد والإقالة جزاء معنوي وليس ماديا، ومن ثم فلن يكون للرد أو الإقالة صورة الجزاء القانوني ما لم يقترن بدعوى مسئولية ([447]).

(ز) – إخلال المحكم بالقواعد الإجرائية، الموضوعية للتحكيم بسبب خطا صدر منه. يعتبر هذا الخطأ خطأ مزدوجا. أولا لم يترتب عليه من انتهاك المحكم للقواعد القانونية، ومن ثم الإخلال بواجبه القانوني، بالإضافة ثانيا إلى إخلاله بالتزاماته في مواجهة الأطراف. فالمحكم ليس لديه الكفاءة لأداء المهمة وارتكب أخطاء يؤثمها القانون، فإن فيعد هذا إخلالا بالثقة التي منحها الأطراف عند اختياره، مما يستوجب التعويض عن أخطائه ([448]).

(ح) – الحصانة المطلقة للمحكمين يمكن أن تؤدي إلى إحجام الأفراد عن اللجوء إلى التحكيم بوصفه أسلوبا بديلا لحل المنازعات، وتصبح عملية التحكيم في نظرهم عملية غير مأمونة ومحفوفة بالمخاطر، وهو ما يتنافى مع السياسة التشريعية الداعمة للتحكيم بغية تخفيف العبء الملقى على عاتق الدولة ([449]).

37- تقرير المسئولية المدنية للمحكم:

رغم المبررات العقيدة لتقرير المسئولية المدنية للمحكم، إلا أن المشرع في كثير من قوانين التحكيم التزم الصمت فلم يتناول موضوع مسئولية المحكم بنص من قريب أو بعيد، في المقابل هناك بعض التشريعات كانت أكثر شجاعة ونصت على مسئولية المحكم كما أنه باستطلاع الاتجاهات القضائية تبين أن أحكام المحاكم تتراوح بين الحصانة المطلقة للمحكم، والحصانة المقيدة. أما الفقه فما زالت الغالبية العظمى منه ترصد هذا الموضوع في صمت ([450]). يمكن تقسيم الخلاف الذي ثار إلى اتجاهين هما:

(الاتجاه الأول): رفض تقرير المسئولية المهنية للمحكم: هناك بعض التشريعات النادرة قد نصت صراحة على منح المحكم الحصانة القضائية المطلقة التي تحول دون إقامة دعوى المسئولية عليه. ومن ذلك قانون ولاية كاليفورنيا الأمريكية لعام 1985 م، والذي يقرر إعفاء المحكم من أي مسئولية عن الأخطاء التي يرتكبها لتمتعه بذات الحصانة التي يتمتع بها القاضي. ونص (م 43 / 4) من قواعد جمعية المحكمين الأمريكية على إعفاء كل من مؤسسات التحكيم والمحكمين من المسئولية مطلقا. وكذلك مؤسسة التحكيم الهولندية بنص (م 66) على إعفاء المؤسسة التحكيمية وجميع أعضائها والمدير وكذلك المحكمين من المسئولية. وكذلك جمعية التحكيم الإيطالية بنص (م 34) من قواعدها الصادرة في 1985 م. كما اعترف القانون الإنجليزي بنص (م 74) والمشرع الأيرلندي في (م 12) صراحة على عدم مسئولية مؤسسات التحكيم ومستخدميها عن الأضرار التي تلحق بالأطراف طالما لم تصدر عن سوء نية، و (م 21/ 1) من اتفاقية البنك الدولي لتسوية منازعات الاستثمار علي تمتع المحكمين بالحصانة مالم يتنازل عنها المركز ([451]).

في المقابل هناك العديد من القوانين التزمت الصمت عن تقرير مسئولية المحكم، ومن هذه القوانين: القانون الفرنسي، والسويسري والهولندي، وغالبية القوانين العربية منها القانون الأردني، وكذلك القانون النموذجي الذي أعدته الأمم المتحدة لم ينظم موضوع مسئولية المحكم ([452]).

إزاء هذا الصمت ظهر اتجاه فقهي وقضائي يدافع عن (حصانة المحكم المطلقة) استنادا على عدة مبررات منها: أن مهمة المحكم ذات طبيعة قضائية، وهذا الطابع يمنح المحكم حصانة تحول دون مساءلته كالقاضي لتوفير مناخ الاستقرار، وتشجيع ممارسة مهنة التحكيم. وتوفير الفاعلية والاحترام للأحكام التحكيمية، فأحكام التحكيم بأنه، وتقرير المسئولية يهدر الحكمة التشريعية من بتية أحكام التحكيم، ومراعاة لهيبة نظام التحكيم. ومن أجل تخفيف العبء عن كاهل المحكم، وما ينبغي أن يتوافر للمحكم من نزاهة واحترام يحول دون تقرب دعوى المسئولية حماية للمحكم. وصعوبة إثبات خطأ المحكم في الواقع بسبب طابع السرية الذي يسيطر على خصومة التحكيم إلى حد يتعذر معه على الحصول على دليل كتابي يثبت خطأ المحكم في ظل ضعف الرقابة أو انعدامها في واقع التحكيم ([453]).

وعلى نفس نهج الفقه سار القضاء؛ فقد رفضت محكمة استئناف باريس طلب مثول محكم كمشاهد في دعوى المسئولية ضد محكم آخر مقرره أن المحكم يتمتع بنفس حقوق القاضي. كما أتيح للقضاء الأمريكي فرص كثيرة للإدلاء برأيه في شأن مسئولية المحكمين، وبالرجوع إلى الأحكام الصادرة عن هذا القضاء نلمس بوضوح أن المحاكم الأمريكية فضلت مبكرا منح المحكم الحصانة التي يتمتع بها القاضي. كما استقر القضاء الأمريكي على حصانة مؤسسات التحكيم ([454]). وهذا الاتجاه يرى أن حصانة المحكم كقاضي يتعين أن تحول دون تقرير المسئولية. وعليه فخطأ المحكم الجسيم في تقديره للوقائع والحلول ليس من شأنه أن يرتب مسئولية المحكم الشخصية.

(الاتجاه الثاني): تايد تقوير المسئولية المهـنية للمحكم: يرى الاتجاه الغالب في الفقه والقضاء والقانون المقارن الإقرار بمبدأ مسئولية المحكم القانونية؛ ومن ثم ينبغي تقرير دعوى مسئولية المحكم عن الضرر الذى يلحق بالأطراف عندما يرفض القضاء الاعتراف بحكم التحكيم أو لتنفيذه مستقلة عن دعوى بطلان الحكم وذلك لان إبطال الحكم كجزاء لوجود عبب في خصومة التحكيم. لا يمس المحكم أو يلحقه بضرر رغم أنه السبب في إبطال التحكيم بالإضافة إلى أن إبطال الحكم لا يرفع جميع الأضرار التي أصابت المضرور ([455]). ورأى الفقه المؤيد لهذا الاتجاه يستند على مبررات عديدة قد سبق ذكرها بالتفصيل في مبررات تقرير مسئولية المحكم.

أما في القانون المقارن فهناك طائفة من القوانين الوطنية عالجت مسئولية المحكم الناشئة عن التنحي فقط كما (9 م/3) من قانون التحكيم الاختياري البرتغالي لسنة 1986 م والتي قررت مسئولية المحكم إذا ترك منصبه دون سبب معقول، وجعلته مسئولا بالتعويض عن الضرر الذي يلحق بالأطراف من جراء ذلك، و (م 39) من قانون التحكيم الصيني لسنة 1944 م، والتي قررت أيضا مسئولية المحكم عن الأضرار التي تلحق بالأطراف من جراء استقالته دون سبب معقول. هذا وقد تضمنت بعض قوانين الدول العربية مثل هذا النص، منها: (م 207) من قانون الإجراءات المدنية الإماراتي لسنة 1992 م، و (م 194) من قانون المرافعات المدنية والتجارية القطري لسنة 1990 م، و (م 178 /2) من قانون المرافعات المدنية والتجارية الكويتي لسنة 1980 م، و (م 17 /2) تحكيم سوري، و (م 748) من قانون المرافعات المدنية والتجارية الليبي لسنة 1953 م، و (م 11) من قانون التحكيم التونسي لسنة 1993 م. حيث أجمعت هذه النصوص على مسئولية المحكم عن الأضرار التي تلحق بأطراف التحكيم من جراء تنحي المحكم بغير سبب جدي عن القيام بعمله بعد قبوله مهمته التحكيمية.

وهناك عدد من القوانين الوطنية تعاملت مع موضوع المسئولية المدنية للمحكمين، ولكنها لم تجعل المحكم مسئولا في مواجهة أطراف التحكيم عن الأضرار التي تصيبهم من جراء أي خطأ يرتكبه أثناء تأدية أعمال مهمته على أساس القواعد العامة في المسئولية، وإنما يسأل فقط عن أخطاء معينة، يحددها المشرع على سبيل الحصر.

وعلى سبيل المثال: قررت المادة (881) من القانون اليوناني للمرافعات المدنية لسنة 1995 م حصانة للمحكم ولم تجز مقاضاته عن الأخطاء التي تقع منه أثناء مباشرة مهمته إلا في حالتي الغش والخطأ الجسيم، كذلك، بالرجوع إلى المادة (2/ 813) من قانون المرافعات الإيطالي لسنة 1994 م نجد أنها تتضمن الإشارة إلى مسئولية المحكم فقط في حالتي الخطأ الجسيم والغش، ونصت المادة (16) من قانون التحكيم الإسباني لسنة 1989 م على نص مادة مشابه يقرر مسئولية المحكم فقد في حالتي الغش والخطأ الجسيم، وبالمثل نصت المادة (29/ 1) من قانون التحكيم الإنجليزي لسنة 1996 م تحت عنوان حصانة لمحكم على ما يلي: لا يكون المحكم مسئولا عن أي عمل أو امتناع عن عمل أثناء أو بسبب قيامه بوظائفه كمحكم ما لم يكن القيام بهذا العمل أو الامتناع ناشئا عن سوء نية، ولقد ذهبت الفقرة الثانية من هذه المادة إلى ابعد من ذلك بتقريرها تطبيق الفقرة الأولى على مستخدمي ووكلاء المحكم بنفس شروط تطبيقها على المحكم، وقد سار على ذا النهج قانون التحكيم الأسترالي لسنة 1993 م الذي قرر في المادة (28) منه حصانة للمحكم فيما يخص الأفعال التي قام بها أو امتنع عن القيام بها أثناء أو بسبب قيامه بوظائفه كمحكم ما لم يكن القيام بهذه الأفعال أو الامتناع عنها ناشئا عن سوء نية، وقانون التحكيم الأيرلندي لسنة 1998 م حيث أقرت (م 12) من هذا القانون عدم مسئولية المحكم عن الأفعال التي قام بها أو امتنع عن القيام بها طالما لم تقترن بسوء نية، و (م 548/ 2) من قانون الإجراءات المدنية النمساوي ([456]).

ويرى أنصار هذا الاتجاه أنه لا يمكن تصور اكتمال وجود نظام التحكيم بدون قواعد واضحة تقرر مسئولية المحكم، وتقرر أيضا مسئولية مراكز ومؤسسات وجمعيات التحكيم الدائمة التي تقوم بدور كبير وفعال في اختيار المحكمين، والقول بعدم تقرير مسئولية المؤسسات التحكيمية يؤدي إلى عدم بذل العناية والحذر المعقولين في إدارتها للعملية التحكيمية. فمؤسسات التحكيم تقدم خدمات معينة للأطراف، ومعظم قواعد مؤسسات التحكيم تتضمن النص بوضوح على أن هذه المؤسسات يقتصر دورها على تنظيم وإدارة عملية التحكيم (م 1/2 من نظام التحكيم لغرفة التجارة الدولية، و م 1 /3 من نظام الهيئة الأمريكية للتحكيم، art. 145 N. C. P. C. F.). وطالما أن عمل هذه المؤسسات ذو طبيعة إدارية فمن الأصح اعتبار عملها خاضعا لقواعد المسئولية المدنية، وهذا الأمر يستقيم مع الطبيعة التعاقدية للعلاقة بين الأطراف والمؤسسة التحكيمية والتي استحقت عنها هذه الأخيرة المصاريف الإدارية ([457]). ويجب تقرير فكرة المسئولية القانونية للمحكم كجزاء واقعي يعبر عن ضرورة احترام القيم الأخلاقية، ويستجيب لنداء العدالة، ويضمن سلامة مسلك المحكم، وتشجع الأفراد إلى اللجوء إلى التحكيم ([458]).

وتعتبر التزامات المحكم في التحكيم التزامات قانونية، وارادية مصدرها قانون التحكيم، وعقد التحكيم المبرم بين المحكم وطرفي التحكيم، وتعتبر المسئولية المدنية للمحكم مسئولية ذات طبيعة شخصية أساسها خطأ المحكم الذي سبب ضررا للمضرور، بينهما علاقة سببية وفقا للقواعد العامة في المسئولية المهنية، ولا يخضع المحكم لنظام المخاصمة المقررة فقط للقضاة ولأعضاء النيابة العامة ([459]).

وتتمثل التزامات المحكم في: التزام المحكم بالكشف والإفصاح عن الظروف والوقائع التي من شانها إثارة الشكوك حول حيدته واستقلاله، والتزامه بقبول القيام بمهمته التحكيمية، والتزامه بمراعاة الواجبات السلوكية والأخلاقية لمهنة التحكيم، والتزامه بالقيام بمباشرة مهمة الفصل في النزاع التحكيمي خلال ميعاد التحكيم بنفسه دون تفويض غيره، والتزامه بالفصل في الدفوع المتعلقة باختصاصه، وبصحة اتفاق التحكيم، والتزامه بالحياد والاستقلال أثناء سير خصومة التحكيم، والتزامه بالمساواة بين طرفي خصومة التحكيم، والتزامه باحترام مبدأ المواجهة بين الخصوم في خصومة التحكيم، والتزامه باحترام مبدأ المواجهة بين الخصوم في خصومة التحكيم، والتزامه باحترام القانون الاتفاقي لطرفي التحكيم، واحترام قانون التحكيم عند غياب القانون الاتفاقي، والتزامه باحترام ميعاد التحكيم، وتبليغ الخصوم بمواعيد الجلسات. والتزامه باحترام مبدأ سرية التحكيم، والتزامه باحترام قواعد النظام العام والآداب العامة، والتزامه بأداء مهمته التحكيمية بنزاهة وعدالة، والتزامه باحترام حدود ونطاق موضوع النزاع التحكيمي، وبحدود النطاق الشخصي لخصومة التحكيم، وبحدود سبب النزاع (أساس الادعاء التحكيمي)، واحترام قواعد الإثبات، والتزامه باحترام قواعد المداولة التحكيمية، وبقواعد إصدار حكم التحكيم وإيداعه وإعلانه… ([460]).

فإذا أخل المحكم بأداء إحدى واجباته عند قيامه بالمهمة التحكيمية فإنه يتعرض للمساءلة القانونية طبقا للقواعد العامة في المسئولية المدنية، و يعتمد معيار الرجل المعتاد، وهو معيار مضوعي يقتضي عدم مؤاخذة المحكم إلا إذا صدر منه خطأ لا يصدر من المحكم المعتاد في نفس الظروف التي صدر فيها هذا الخطأ، وترفع دعوى المسئولية على المحكم بالإجراءات المعتادة لرفع الدعاوى طبقا للقواعد العامة في المسئولية المهنية … ومسئولية المحكم تجاه المحتكمين مسئولية عقدية نظرا لوجود عقد التحكيم بينهما، ومسئولية تقصيرية تجاه الغير لعدم وجود رابطة عقدية بين المحكم والغير ([461]).

أما إذا عهد إلى شخص معنوي بتنظيم عملية التحكيم، مركز أو مؤسسة أو هيئة أو منظمة تحكيم، فإنه يتدخل في عملية التحكيم بناء على عقد تنظيم وإدارة خدمة التحكيم المبرم بينه وبين طرفي نزاع التحكيم مقابل رسوم ومصاريف. ولا يسأل وفقا لذات القواعد التي يسأل عنها المحكم بشخصه، بل تنعقد مسئوليته عقديا طبقا للقواعد العامة تأسيسا على انتهاك واجب الثقة في تنظيم وإدارة خدمة التحكيم في مواجهة طرفي التحكيم، ويكون مسئولا مسئولية تقصيرية طبقا للقواعد العامة في مواجهة الغير لعدم وجود عقد معه. واذا تقاضى هذا الشخص المعنوي، مركز أو مؤسسة أو هيئة تحكيم، أجرا فلا تسري على هذا الأجر القواعد الخاصة بأتعاب ومصاريف التحكيم التي يدفعها المحتكمين لأشخاص المحكمين ([462]).

ومبدأ استقلال المحكم في أداء مهمته التحكيمية يحول دون قيام علاقة تبعية بينه وبين هيئة أو منظمة أو مركز التحكيم بالمعنى الذي يرتب مسئولية هيئة أو منظمة أو مركز التحكيم عن أعمال المحكم. وعلى ذلك فلا تسأل هيئة أو منظمة أو مركز التحكيم عن أخطاء المحكمين المدرجين بقوائم المحكمين لديها مسئولية المتبوع عن عمل التابع. ولا يوجد ارتباط بين بطلان حكم التحكيم، وتقرير مسئولية المحكم، فقد تتقرر مسئولية المحكم رغم عدم قبول دعوى البطلان أو رفضها، وقد ترفض دعوى مسئولية المحكم رغم بطلان حكم التحكيم، و لا يجوز الحكم على المحكم بالتعويض لمجرد الحكم ببطلان حكم التحكيم، فلا يحكم بالتعويض إلا عن الضرر الذي تسبب فيه خطا المحكم طبقا للقواعد العامة ([463]). وتطبق على المحكم أحكام قانون العقوبات، وقانون الإجراءات الجنائية مثله في ذلك مثل غيره من آحاد الناس. ويعتبر المحكم في حكم الموظفين العموميين فيما يتعلق بجريمة الرشوة إعمالا لحكم المادة (111 /3) عقولات مصري.

38- أركان المسئولية المهنية للمحكم:

أركان المسئولية المدنية المهنية للمحكم هي؛ خطأ المحكم، والضرر، وعلاقة السببية بينهما.

(أولا): ركن خطأ المحكم: نتناول مفهوم الخطأ، وصوره، ومعياره، وإثباته.

– مفهوم خطأ المحكم: يعرف الخطأ بأنه الإخلال بواجب قانوني سابق. وعليه يتوقف وجود المسئولية المدنية؛ فإذا انتفى الخطأ فلا مسئولية، ولا تعويض. فالخطأ ركن ضروري وأساسي للمسئولية، بنص جميع التقنينات. وأصحاب المهن الحرة هم يعتمدون على خبرتهم وكفايتهم العلمية في كسب أرزاقهم، وفي تعاملهم مع الجمهور غالبا، ويرتبطون معهم بعقود منظمة للعمل المطلوب منهم تأديته. ومن هؤلاء الطبيب، والمهندس، والمحامي، والمحاسب، وكذلك المحكم. فإذا صدر من أحد هؤلاء خطأ يمكن أن يؤدي إلى أضرار جسيمة ترتب مسئولية لهؤلاء تعاقدية نتيجة لهذا الخطأ العقدي.

ومن ثم فإن الخطأ العقدي الذي تقوم على أساسه المسئولية العقدية يتوافر إذا لم يقم الشخص الذي يلتزم بالعقد بتنفيذ التزامه الناشئ عن هذا العقد سواء أكان التنفيذ بالامتناع أصلا، أو كان بتنفيذ غير مطابق لما تم الاتفاق عليه أو غير محقق للهدف من العقد، وسواء أكان عدم التنفيذ قد حدث عمدا أو عن إهماله، وبلا حاجة إلى أن يثبت صاحب المصلحة في التنفيذ العمد أو الإهمال ما لم يثبت الملتزم بالعقد أن عدم قيامه بالتنفيذ يرجع إلى أسباب خارجة عن إرادته ولم تكن له يد فيها. وقد ورد في التقنين المدني المصري عدة نصوص عن تنفيذ المدين لالتزامه الناشئ عن العقد كالمواد (147، 199، 148/ أ، 215، 203) ([464]).

ويفترض لقيام المسئولية المدنية العقدية؛ وجود عقد صحيح واجب التنفيذ وقائم يرتب التزامات معينة على عاتق الطرفين. وخطأ أو إخلال بأحد الالتزامات الناشئة عن ذات العقد. ومن ثم فالإخلال لا يقتصر على الالتزامات العقدية فقط، وإنما يمتد لالتزامات أخرى تعتبر من مستلزمات هذا العقد. وهذا ما نصت عليه (م 148/ 2) مدني مصري بأن العقد لا يقتصر على إلزام المتعاقدين بما ورد فيه، ولكن يتناول أيضا ما هو من مستلزماته وفقا للقانون والعرف والعدالة بحسب طبيعة الالتزام، وسواء كانت القاعدة القانونية التي تنص على هذا الالتزام قاعدة قانونية مكملة أو قاعدة قانونية آمرة ([465]).

وعلى ذلك فإن الخطأ العقدي للمحكم يتوافر إذا وجد عقد تحكيم صحيح واجب التنفيذ وقائم ويرتب التزامات وحقوق بين المحكم والمحتكمين، ولكن لم ينفذ المحكم التزامه سواء كان تنفيذ التزام المحكم كلي أو جزئي أو تأخر في التنفيذ، وسواء كان قيامه بالتنفيذ عمديا أو إهماله، ما لم يثبت أن عدم التنفيذ لا يد له فيه وخارج عن إرادته كالقوة القاهرة. كما أن التزام المحكم لا يقتصر على ما ورد في عقد التحكيم فقط، ولكن يتناول أيضا ما هو من مستلزماته وفقا للقانون والعرف والعدالة كالتزام المحكم بالسرية.

ويكون كل مهني كالمحكم أو غيره ملزما بالإلمام بقواعد مهنته وأصولها وتقاليدها التي تمكنه من مزاولتها. فيتحقق الخطأ بعدم قيامه بتنفيذ الالتزامات التي تفرضه عليه هذه المهنة. وحيث أن التزام المحكم هو التزام بتحقيق نتيجة، وهي إصدار الحكم التحكيمي؛ فإن تنفيذ التزامه لا يتحقق إلا بتحقق النتيجة، فإذا لم تتحقق هذه النتيجة أيا كان السبب بقى الالتزام غير منفذ. ويكون المحكم قد أخطا بعدم تنفيذ التزامه العقدي، بعدم تحقق النتيجة، خطا عقديا موجبا للمسئولية والتعويض ([466]).

(ب) – صور خطأ المحـكم: القاعدة العامة المستقرة في الفقه والقضاء والتشريع أن الخطأ أيا كانت درجته عمدي أو غير عمدي جسيم أو يسير، عادي أم مهـني يكفي لتحقق المسئولية المدنية. ولكن الواقع العملي يبين أنه من الصعب حصر الصور التي تنطوي تحت مفهوم الخطأ التحكيمي، وذلك لتنوع الأخطاء التي تصدر من المحكم سواء أثناء قبوله لمهمة التحكيم، أو أثناء مهمة التحكيم، أو بعد صدور حكم التحكيم.

(1) – الخطأ العادي، والخطأ المهني للمحكم: نقول أن هناك خطأ عاديا عندما يخالف مهني قواعد الحيطة والحرص والحذر المفروضة على الكافة بحيث لا تنطوي المخالفة على إخلال بأصول فنية أو قواعد مهنية. أي هو الخطأ الذي يقع بمخالفة الواجب العام من العناية التي يلتزم بها كل مهني خارج مهنته أو داخلها مع انعدام علاقته بأصول المهنة، ومن ثم فإن خطأ المحكم العادي هو ذلك الخطأ الذي يقع من المحكم دون أن يكون لهذا الخطأ صلة بمهنة التحكيم، فهو خطأ خارج عن حدود المهنة شأن المحكم فيه شأن غيره من الناس. يخضع فيها للقواعد العامة للحيطة والحذر ويتوجب على الناس جميعا الالتزام والتقيد بها، وعلى القاضي التحقق من وجوده وتقدير خطورته. مثال ذلك: أن يقوم المحكم بحضور جلسة التحكيم وهو سكران؛ مما يؤدي إلى تضارب أقواله، وعدم اتزان تصريحاته، أو إهماله في ملف القضية، مما ينتج عنه ضياع معظم، مستنداتها أو سرقتها.

أما الخطأ المهني: فهو الخطأ المرتكب من شخص أثناء ممارسة مهنته وينطوي على إخلال بالقواعد العلمية والفنية لتلك المهنة. بمعنى انحراف صاحب المهنة عن السلوك الفني المألوف من مهني من أوسطهم، ويعد انحرافه هذا خطأ مهنيا ([467]). ومن ثم فإن خطأ المحكم المهني هو الذي ينجم عن عدم قيام المحكم بالتزاماته الخاصة التي تفرضها عليه مهنته والإخلال بالقواعد العلمية والفنية لمهنة التحكيم. ومن الخطأ المهني للمحكم: قبوله مهمة التحكيم بدون أن يكون هناك عقد لتحكيم مكتوب، أو حضور جلسات التحكيم بدون اكتمال الهيئة، وغير ذلك من الأخطاء التي تنبئ عن جهل أو تجاهل للأصول وقواعد المهنة، وقبوله لمهمة التحكيم مع وجود مصالح متعارضة له، والمعيار الخطأ هنا معيار موضوعي قوامه سلوك محكم آخر من نفس المستوى والدرجة للمحكم المخطئ.

ويترتب على التفرقة بين الخطأ العادي والمهني نتائج هامة منها: أن المهني لا يسال عن كل خطأ في أعماله المهنية حتى لا يثنيه الخوف من المسئولية عن مزاولة مهنته التي تتطلب قدرا من الحرية في العمل ومزيدا من الثقة والطمأنينة، وفي تهديدهم بمسئولية صارمة تكون ضد المصلحة العامة التي تشمل مصلحة العملاء أنفسهم.

ولكن انتهى التطور في الفقه الحديث إلى تبني وجهة النظر بان المهني لا يتمتع بأي تميز عن غيره من الأفراد، ويخضع للقواعد العامة في المسئولية دون أي تميز عن غيره من الأفراد، وذلك استنادا إلى أن المواد المتعلقة بالمسئولية جاءت الفاظها عامة بما لا يسمح بإجراء أي تفرقة بين ذوي المهن وغيرهم. وبناء على ذلك فإن المحكم يسأل عن كل خطأ يقع منه بلا تفرقة بين الخطأ الجسيم واليسير، ولا بين خطأ مادي وخطأ مهني وهو الأكثر صوابا وعدالة لأن المحكم مثله مثل أي شخص آخر لا بد أن يسال عن الضرر الذي تسبب فيه عن إهمال وعدم تبصر وحذر، والقول أن المحكم بحاجة إلى الثقة والطمأنينة في عملهم الفني يقابلها مصلحة أهم، وهي حماية الجمهور من عدم التبصر والإهمال وغير المبالاة التي نقع من المحكم ([468]).

(2) – الخطأ الجسيم والخطأ اليسير للمحكم: سبق القول أن التفرقة بين الخطأ المهني والخطأ العادي ارتبطت بها تفرقة أخرى بين الخطأ الجسيم والخطأ اليسير، وهذا الرابط يظهر فيما بين الخطأ المهني والخطأ الجسيم حيث ربط بعض الفقهاء وعدد من المحاكم درجة معينة من الجسامة لتقوم مسئولية المهني عن خطأه المهني. وكقاعدة يكفي الخطأ أيا كان جسيما أو يسيرا لإقامة المسئولية المدنية.

والخطأ الجسيم: هو ذلك الخطأ الذي لا يرتكبه الشخص المهمل ولا يحدث من أقل الناس تبصرا بالأمور، وهو يفترض أن المدين كان يتوقع عند إهماله أو امتناعه عن تنفيذ التزامه حدوث الضرر ولكنه لا يكترث بذلك ([469]). وعلى ذلك فإن المحكم يسأل مدنيا عن الخطأ الجسيم الذي يصدر منه ما دام صدر منه عن إهمال وعدم تبصر لو قيس بأقل المحكمين خبرة ومهارة، وذلك إذا وقع منه أثناء تنفيذ التزامه بالعقد. مثال ذلك: تلقي المحكم رشوة من أحد المحتكمين، أو قيامه بإتلاف مستند قدم له …فهذه أخطاء جسيمة لا يقع من أقل محكم. بينما الخطأ اليسير وهو الذي لا يرتكبه شخص متوسط الحرص، و العناية (م 211 مدنى مصري، و art. 137 C. C. F.).

(3) – الخطأ الإيجابي والخطأ السلبي للمحكم: الخطأ عموما قد يكون إما بإتيان عملا كان يتعين على المخطئ أن لا يقوم به. بمعنى أن يقوم المخطئ بعمل إيجابيا وهو ما يسمى بالخطأ الإيجابي. وقد يكون بالامتناع عن إتيان عمل كان يتعين على المخطئ أن يقوم به، بمعنى أن يتخذ المخطئ موقفا سلبيا، وهو ما يسمى بالخطأ السلبي، والخطأ السلبي موجبا للمسئولية شأنه شأن الخطأ الإيجابي تماما ما دام توافر فيه شرط الخطأ، والا انتقى عنه وصف الخطأ وانعدمت المسئولية. أي أن خطأ المحكم كما بكون خطئا إيجابيا قد يكون خطئا سلبيا بالامتناع عن القيام بالعمل ([470]).

ومثال الخطأ السلبي للمحكم: امتناع المحكم عن حضور جلسة التحكيم، أو التوقيع على الحكم. كأن يمتنع المحكم عن القيام بعمل توجبه القوانين أو اللوائح الخاصة بالتحكيم القيام به، ولا نزاع في أن الامتناع في هذه الصورة يعتبر قاننا خطئا موجبا للمسئولية عما يترتب على امتناعه من ضرر، ومن ذلك القواعد القانونية أو المهنية التي توجب على المحكم إصدار الحكم أو حضور الجلسات . أو أن يقع امتناع المحكم بمناسبة عمل يقوم به. أي أن امتناعه في حقيقته هو تقصير في اتخاذ الاحتياطات التي يقتضيها القيام بعمله، ومثاله: عدم تحري المحكم الدقة وفحص المستندات المقدمة له. أو أن يكون امتناع المحكم مستقلا عن أي نشاط له متصل بأحداث الضرر أي أنه فقط شاهد للواقعة وأحجم عن تقديم المساعدة، ومثال ذلك: امتناع المحكم عن الإدلاء بمعلومات تجنب أحد أطراف التحكيم ضررا يحتمل وقوعه، أو امتناع المحكم عن إبلاغ السلطات عن جريمة يجب الإبلاغ عنها ظهرت له أثناء نظر خصومة التحكيم. وذهب الفقه الحديث إلى وجوب الإبلاغ وعدم اتخاذ موقف سلبي، وأفضل معيار يمكن الرجوع إليه في هذا الشأن هو معيار المحكم العادي ([471]).

(4) – خطأ العمد وخطا الإهمال للمحكم: من حيث المبدأ تنعقد المسئولية للمدعي عليه لمجرد ارتكاب الخطأ. لا فارق في ذلك بين خطأ عمدي أو خطأ غير عمدي. فيكون الخطأ عمديا في حالة امتناع المدين عمدا عن تنفيذ ما عليه من التزام أو التزامات ناشئة عن العقد على الوجه المتفق عليه فيه، سواء كان هذا التعمد بقصد الإضرار بالدائن أو لتحقيق مصلحة شخصية ([472]). ومن ثم تنعقد المسئولية المدنية للمحكم إذا امتنع متعمدا بتوافر نية العمد وسوء القصد في الإضرار بالمحتكم أو لتحقيق مصلحة شخصية له عن عدم تنفيذ ما عليه من التزام بتنفيذ بنود عقد التحكيم. كأن يتعمد المحكم عدم حضور إحدى الجلسات بقصد الإضرار ماديا بالمحتكم بتأخير إصدار الحكم لتحقيق مصلحة شخصية للمحكم أو لمن لهم علاقة به. وإثبات الخطأ العمدي صعب لأنه يتصل بالنوايا الخفية، ولذلك لا يكون أمام القاضي سوى الاستناد إلى المظاهر الخارجية للاستدلال على حقيقة نيته ومقصده، وهذه المقاصد ليست سوى قرائن أو وسائل إثبات للتوصل إلى سوء النية.

أما الخطأ غير العمدي هو عدم تنفيذ المدين للالتزام الناشئ عن العقد لكن دون تعمد منه إذ قد لا ينفذ المدين التزامه لا عن عمد ولكن إهمالا أو عدم احتياط منه. فهذا الخطأ لم ينتبه إليه المدين ولم تنصرف إرادته إليه، ولم يقصد إحداث الضرر الناشئ عنه ([473]). وعلى ذلك يكون خطأ المحكم غير عمدي إذا لم تتوافر النية في هذا الخطأ ولم يكن يقصد الإخلال ببنود عقد التحكيم، ولم تتوافر لديه النية للإحداث ضرر للمحتكم. كعدم حضور المحكم أحد الجلسات وكان ذلك إهمالا منه وعدم عناية بدون توافر نية تعمد عدم الحضور ولا يهدف لإضرار المحتكم، ومع ذلك تترتب مسئولية المحكم عن هذا الإهمال.

(ج)- عناصر خطا المحكم: لكي يعتبر الفعل خطأ يجب توافر عنصرين فيه: عنصر مادى هو التعدي بمخالفة التزام فرضه القانون أو أنشأه العقد، وعنصر معنوي هو الإدراك أو التمييز. والعنصر المادي في المسئولية العقدية هو التعدي بمخالفة التزام أنشاه العقد لأن الالتزام بالعقد يوجب عليه تنفيذه طبقا لما اشتمل عليه إعمالا لقاعدة العقد شريعة المتعاقدين، وقاعدة تنفيذ العقد طبقا لما اشتمل عليه. طبقا للمواد (147، 148) مدني مصري.

فإن لم يقم بالتنفيذ عن عمد أو إهمال يكون قد ارتكب تعديا، وخصوصا إذا كان الالتزام العقدي الذي يقع الإخلال به التزام بتحقيق نتيجة محددة، فما دام التزامه معينا ومحددا فمخالفته تمثل تعديا وانحرافا لأن الانحراف يتحقق من مجرد عدم الوفاء بهذا الالتزام في الموعد وبالكيفية المحددة بالاتفاق والمحققة لغرض الدائن ([474]). و يكون المحكم مسئولا عن إخلاله بعقد التحكيم إذا خالف أحد بنوده سواء كان عمد أو إهمال بمجرد عدم إصدار حكم التحكيم، خلال ميعاد التحكيم، وبالكيفية المحددة المتفق عليها. ومعيار العنصر المادي هنا هو المعيار المسلك المعتاد بالنظر إلى الأحوال العادية، فإن طرأت ظروف غير عادية فإن هذه الظروف يمكن أن تؤثر على مدى هذه الالتزامات زيادة أو نقصا ([475]). فإن جاوز الانحراف ضابط المسلك المعتاد صار تعديا دون النظر للظروف الشخصية الذاتية للفاعل. ولا عبرة بالظروف الداخلية للشخص المعتدي، ولكن لا نجرده من الظروف الخارجية وأهمها ظرف الزمان والمكان لأن تلك الظروف عامة يشترك فيها الشخص العادي الذي يوجد في مثل هذه الظروف التي قد تقتضي منه المزيد من الحرص والعناية والحيطة والحذر. وعلى ذلك يقاس خطأ المحكم بمعيار المحكم العادي الذي يوجد في نفس ظروف المحكم المخطئ.

(ح) – إثبات ركن خطأ المحكم: وفقا للقاعدة العامة المنصوص عليها في المادة (389) مدني مصري التي نصت على أنه: “على الدائن إثبات الالتزام، وعلى المدين إثبات التخلص منه”. فإن المحتكم المدعي بالتعويض هو الذي يلتزم بإقامة الدليل على توافر أركان المسئولية في حق المحكم المدعي عليه، وهذا يلزمه إثبات الخطأ بركنيه المادي والمعنوي، والمحكم هو المكلف بإثبات التخلص منه. وذلك علي أساس أن المحتكم المدعي أقدر أطراف التحكيم على إثبات خطأ المحكم، وأن الأصل براءة الذمة، وعلى من يدعي خلاف الظاهر إقامة الدليل على ما يدعيه.

ولكن القول بذلك يشكل في غالبية الأحوال عبئا ثقيلا على عاتق المضرور. الأمر الذي يجعل حقوقه عرضة للضياع إذ كيف يتمكن وهو في الغالب شخص عادي غير ملم بقواعد القانون، أن يثبت خطأ المحكم بالرغم من قدرة المحكم على دحض الحجج وتفنيد الأسباب، فالمضرور قد يفضل تحمل الضرر على السير في طريق التعويض الذي قد يكون أشق من الضرر ذاته ([476]).

ولما كان التزام المحكم بتحقيق نتيجة فإنه يكون على المحتكم المضرور إثبات الضرر، وأنه ناتج عن عدم تحقق النتيجة المطلوبة، وحينئذ تقوم مسئولية المحكم فمجرد حدوث الضرر كاف لانعقاد المسئولية، ويكون عدم تحقق النتيجة خطأ ثابت في حق المحكم، ولا ترتفع مسئولية المحكم إلا بإثبات أن الضرر الذي أصاب المحتكم المضرور يرجع إلى سبب أجنبي كقوة قاهرة أو خطا المحتكم نفسه أو خطأ الغير الذي لا يسأل عنه المحكم مدنيا، والا فالخطأ ثابت في جانبه ومسئوليته العقدية محققة ([477]).

والأصل أن يتم أن يتم إثبات الخطأ بكافة طرق الإثبات، باعتبار أن الإثبات يرد على واقعة مادية. وعلى ذلك فللمحتكم إثبات خطا المحكم بكافة طرق الإثبات. وان كانت الكتابة وسيلة الإثبات الأصلية لخطأ المحكم باعتبار أن الكتابة شرط لصحة عقد التحكيم، ولكن ذلك لا يمنع المدعي إثبات خطا المحكم بوسيلة إثبات أخرى، إذا كان خطأ المحكم خارج عقد التحكيم، ومن الصعب إثباته بالكتابة، ولكن من السهل إثباته بوسيلة أخرى كشهادة الشهود، أو إقرار المحكم بالخطأ سواء كان صريحا أو ضمنيا، كما لو عرض المحكم على المضرور مبلغ لتعويضه عن الضرر الذي لحق به.

وللمحكمة سلطة تقديريه في تحديد وسيلة الإثبات حسب ما يترائى لها لإثبات الخطأ، ومن ثم فلها سلطة الأخذ بالقرائن القضائية، وكذلك الاستعانة بالخبير عند الحاجة، وذلك إذا ما أثير من صعوبة إدراك القاضي للنواحي الفنية ([478]). وفي ثم فإن مدى قيام المحكم بمهمته أم لا طبقا لما هو منسوب له في الدعوى المقامة ضده تخضع لاقتناع القاضي طبقا لطرق الإثبات وتنوعها المقدمة في الدعوى، فتلك الوقائع يستقل بها قاضي الدعوي باعتباره قاضي الموضوع بحيث ينتهي إلى نتيجة معينة هي ثبوت تلك الوقائع المنسوبة للمحكم أو عدم ثبوتها.

تقدير الخطأ المستوجب لمسئولية مرتكبة من المسائل الموضوعية التي تفصل فيها محكمة الموضوع بغير معقب ما دام تقديرها سائغا ومستندا إلى أدلة مقبولة لها أصل في الأوراق، ومستمدا من عناصر تؤدي إليه من وقائع الدعوى، ولكن لمحكمة النقض أن تراقب محكمة الموضوع في تكييفها القانوني للأفعال الصادرة من المدعي عليه بأنها خطأ أو غير خطأ ومع هذا الخطأ فتكييف الفعل أو الترك المؤسس عليه طلب التعويض بأنه خطأ أو نفي هذا الوصف عنه هو من المسائل القانونية التي يخضع فيها قضاء الموضوع لرقابة محكمة النقض ([479]). ومن ثم فإن لمحكمة النقض الرقابة على تكييف ركن الخطأ، ووصف الفعل بأنه خطأ موجب للمسئولية أو نفي هذا الوصف عنه، أما تقدير هذا الخطأ فمحكمة الموضوع لها سلطة في تقديره بدون رقابة.

مثال ذلك: تنحي المحكم عن نظر خصومة التحكيم بعد قبولها بدون عذر مقبول. فمحكمة النقض تراقب وصف فعل المحكم بالتنحي بأنه خطأ أو نفي الخطأ عنه بهذا التنحي، ولكن تقدير الضرر المترتب على هذا التنحي هو سلطة تقديره للمحكمة الموضوع. كذلك يخضع قاضي الموضوع لرقابة محكمة النقض في اختياره معيار الخطأ وفي تعيينه ما يعتبر من الظروف الظاهر التي يقام لها وزن في تقدير الخطأ وما لا يعتبر كذلك وفي تقدير الأسباب التي ينتفي بها الخطأ كالدفاع الشرعي.

(ثانيا): ركن الضرر: نتناول مفهوم الضرر، وأنواعه، وشروطه، وإثباته، ومعيار تقديره، ثم ركن الضرر في الفقه الإسلامي:

– مفهوم الضرر: يعتبر الضرر الركن الثاني من أركان المسئولية المدنية المحكم، بل الركن الجوهري فيها، ولا يتصورا أبدا. وجودها بلا ضرر. بل يجب البدء بإثباته قبل إثبات ركن الخطأ، وعلاقة السببية. فإذا لم يترتب على خطأ المحكم أي ضرر، فلا تجب مساءلته لانعدام المصلحة كشرط لقبول الدعوى المدنية بالتعويض ([480]). وعلى ذلك فخطأ المحكم وحده، لا يؤدي إلى قيام مسئوليته المدنية في مواجهة المحتكم أو الغير المضرور. بل يجب إثبات أن الضرر هو نتيجة خطأ المحكم حتى تقبل دعوي التعويض أمام القضاء. إذ قد توجد حالات لا يؤدي فيها عدم تنفيذ المحكم لالتزامه إلى ضرر يلحق بالمضرور فلا تتحقق المسئولية المدنية للمحكم.

والضرر هو المساس بحق أو مصلحة مشروعة لشخص ما، مساسا يترتب عليه جعل مركزه أسوأ مما كان قبل ذلك، وسواء كان ذلك الحق أو تلك المصلحة ذات قيمة مالية أو لم تكن ([481]).

وبما أن محل التزام المحكم هو الالتزام بعمل، وهو إصدار الحكم التحكيمي. فإن إخلاله بهـذا الالتزام في صورة: “عدم تنفيذ أو تنفيذ معيب أو تأخير في التنفيذ، فإنه يكون قد أخل بحق المحتكم في حصوله على حكم تحكيم غير معيب، وفي الوقت المحدد له. فيصبح مركز المحتكم في مركز أسوء مما كان عليه، ويصاب بضرر مالي وأدبي أو بأحدهما. وإذا أثبت المحكم أن المحتكم لم يصيب بضرر، تنتفي مسئوليته لعدم توافر المصلحة في دعوى التعويض.

(ب) – أنواع الضرر: الضرر نوعان: مادي، وأدبي. الضرر المادي: هو الذي يسبب للشخص المضرور خسارة مالية مشروعة ([482]). وهو الأكثر والأغلب وقوعا في نطاق المسئولية المدنية للمحكم. مثال ذلك: تأخر المحكم في إصدار حكم التحكيم، مما ترتب، عليه ضرر في صورة زيادة نفقات ومصاريف، بإضافة إلى تفويت فرصة عليه كانت تعتمد على إصدار حكم التحكيم في ميعاد معين، مما لحق بالمحتكم خسارة مالية.

بينما الضرر الأدبي هو الذي يصيب الشخص في مصلحة غير مالية، فالضرر في حد ذاته لا يؤدي إلى خسارة اقتصادية أو مساس بالذمة المالية. ولقد عرفت محكمة النقض المصرية الضرر الأدبي بأنه كل ما يؤذي الإنسان في شرفه واعتباره أو يصيب عاطفته ومشاعره ([483]). وعلى ذلك إذا أخل المحكم بالتزامه، ولحق المحتكم ضررا أدبي من هذا الإخلال، تقوم مسئولية المحكم ويصبح ملزما بالتعويض، لأن هناك مصلحة أدبية للمحتكم في إصدار الحكم التحكيمي بدون. إخلال المحكم باي التزام من التزاماته. مثل إفشاء المحكم سرا للمحتكم لا يجوز إذاعته، فيصيب المحتكم بضرر أدبي في سمعته. وامتناع المحكم عمدا بسوء نية عن تنفيذ عقد التحكيم، يجعل التعويض عن الضرر الأدبي الذي أصاب المحتكم اكبر.

(ج) – شروط الضرر المادي والمعنوي: يشرط في الضرر سواء المادي أو المعنوي كركن للمسئولية المدنية للمحكم عدة شروط هي:

(1) – الإخلال بمصلحة مالية مشروعة للمضرور: يشترط في المصلحة حتى يعتبر الإخلال بها ضررا، أن تكون مصلحة شخصية تلحق الشخص المضرور في شخصه أو ماله، أما غير المضرور فلا يستطيع أن يطالب بتعويض عن ضرر أصاب غيره. كما يجب أن تكون المصلحة مشروعة؛ فإن كانت المصلحة مخالفة للنظام العام أو القانون أو الآداب العامة فإنها تكون مصلحة غير مشروعة، وتنتفي المسئولية، وتلا تقبل دعوى التعويض. لأن قواعد المسئولية لا يجوز أن تكون ستارا لحماية المصالح المستمدة من مركز غير مشروع ([484]). وعلى ذلك يجب لتوافر مسئولية المحكم عن إخلاله بالتزامه؛ أن يكون الضرر المطالب بالتعويض عنه قد أصاب المضرور نفسه لا غيره.

(2) – أن يكون الضرر محققا: تشترط جميع التشريعات لقيام المسئولية المدنية للمحكم أن يكون هناك خطأ سبب ضررا، ولا يكفي وجود الضرر، بل يجب أن يكون واقعا أو أن يكون وقوعه محقق الوقوع في المستقبل. وبناء على ذلك يجب أن نفرق بين كلا من الضرر المحقق، والضرر المستقبل، والضرر المحتمل، وتفويت الفرصة ([485]):

– الضرر الحال المحقق هو الضرر الذي وقع فعلا، والأصل أن التعويض يكون عن الضرر الحال، أما إذا لم يقع ضرر أصلا فلا تعويض. وعلى ذلك يلزم لتوافر المسئولية المدنية للمحكم أن يكون الإخلال بالتزامه قد تسبب في ضرر أصاب المحتكم أو الغير المضرور، فان لم يصبه ضرر فلا مسئولية، ومن ثم فلا تعويض. مثال: تأخر المحكم إصدار حكم التحكيم، ومع ذلك لم يصب المحتكم أو الغير بضرر من جراء هذا التأخير.

– الضرر المستقبل هو الضرر الذي تحقق سببه، وتراخت آثاره كلها أو بعضها على المستقبل، ويكون التعويض عن الضرر الذي وقع في الحال والضرر الذي سيقع في المستقبل إذا استطاع القاضي أن يقدر الضرر جميعه، وأما إذا استطاع تقدير التعويض الحال فقط دون المستقبل لتوقف مدى الضرر على عامل مجهول لا يعرفه، فيحكم بالتعويض مع حفظ حق المضرور أن يطالب بتكملة التعويض مرة ثانية؛ إذا ساءت حالته في المستقبل. وعلى ذلك لا تقوم مسئولية المحكم والتزامه بتعويض المضرور عن الضرر الحال فقط بل يشمل أيضا الضرر المستقبل المحقق الوقوع، وسواء تم تقدير تعويض الضرر في الحال أم لا. مثال ذلك: تنحى المحكم عن نظر خصومة تحكيم موضوعها خلاف حول تفريغ شحنة بضائع لسلعة ما. تسبب هذا التنحي في تأخير المحتكم في عرض البضاعة للبيع قبل انتهاء موسمها، فالمحتكم لم يبع بضائعه بخسارة فعلا، ولكن البيع بخسارة محققة لقرب انتهاء الموسم.

– الضرر المحتمل هو ضرر لم يقع، و لا يوجد ما يؤكد أنه سيقع. لذلك لا يصح لقيام المسئولية المدنية، ولا تقوم به المسئولية إلا بعد أن يتحقق فعلا، ولا يخول المطالبة بالتعويض إلا بعد التحقق. ومع ذلك تقوم مسئولية المحكم عن الضرر المحتمل، ويسأل عن تعويضه رغم عدم تحققه لأنه ملزم بتحقيق نتيجة، إلا إذا اثبت أن المضرور لم يصبه ضرر من جراء هذا الضرر الاحتمالي. مثال ذلك: تنحي المحكم عن نظر خصومة التحكيم رغم أنه لم يصيب المحتكم بضرر حال، ولم يتحقق رغم ذلك، فإن المحكم تقوم مسئوليته، ويصبح ملزم بتعويض المحتكم عن هذا الضرر الاحتمالي لأنه ملزم بتحقيق نتيجة، وهي إصدار حكم التحكيم في ميعاده المحدد، ما لم يثبت أن المحتكم لم يصبه ضرر حال، ولا يتوقع وقوع ضرر له في المستقبل.

– تفويت الفرصة: موضوع الفرصة لان كان أمرا محتملا إلا أن تفويتها أمرا محقق، ولذلك يتعين التعويض عنها. والتعويض لا يكون عن موضوع الفرصة، وإنما يكون عن تفويت الفرصة ذاتها، ويراعى في التقدير مدى احتمال الكسب الذي ضاع على المضرور من جراء تفويت الفرصة عليه. وعلى ذلك فالمحكم تقوم مسئوليته بمجرد تفويت فرصة على المحتكم أو الغير المضرور، والتعويض يكون عن كل الضرر الذي سيلحق المضرور سواء كان محقق الوقوع أو خير محقق لأن المحكم ملزم بتحقيق نتيجة، إلا إذا أثبت أن تفويت الفرصة لم يتحقق عنها أي ضرر متوقع من هذا التفويت ([486]).

(3) – أن يكون الضرر مباشرا: أن يكون الخطأ مسبب الضرر، والذي أصاب المضرور صادر من المحكم مباشرة، ما لم يكن قد أخل بالتزامه عمدا أو عن خطا جسيم، فيكون مسئولا عن الضرر المباشر المتوقع وغير المتوقع. والمقصود بالضرر المباشر؛ الضرر الذي يمكن توقعه عادة وقت التعاقد أي وقت إبرام العقد ([487]).

(4) – أن يكون الضرر شخصيا: أي أن يكون الضرر قد أصاب المحتكم أو الغير المضرور هو لا غيره في ذمته بسبب الخطأ، ومن ثم فلا يجوز لغير الشخص المضرور مطالبة المحكم بالتعويض عما أصابه من ضرر، سواء كان المضرور شخصيا معنويا أو شخصيا طبيعيا ([488]).

(ح) – إثبات الضرر: القواعد العامة في الإثبات أن علي من يدعي الضرر إقامة الدليل على ما يدعيه. أي أن عبء الإثبات على المدعى المضرور من خطأ صدر عن المدعي عليه. ولأن الضرر واقعة مادية يجوز إثباتها بكافة طرق الإثبات بما فيها البينة والقرائن. ويعتبر تثبت محكمة الموضوع من وقوع الضرر مسألة موضوعية، لا تخضع فيها لرقابة محكمة النقض متى أقامت قضاءها على أسباب مقبولة ([489]). والعبرة بما آل إليه الضرر وقت الحكم، لا بما كان عليه عند وقوعه، وهذا أمر يستخلصه قاضي الموضوع. ويعتبر استيفاء الضرر للشروط الواجب توافرها لطلب التعويض مسالة قانونية، يخضع فيها قاضي الموضوع لرقابة محكمة النقض ([490]).

(خ) – معيار تقدير الضرر: ويخضع تقدير الضرر لمعيار شخصي، ينظر فيه إلى ما يترتب عليه من أضرار أصابت المضرور نفسه حسب الظروف الشخصية، وبالذات طبيعة عمله فتقدير ما فات المضرور من كسب أو ما لحقه من خسارة مثلا. كما يجب النظر إلى مركز المضرور المالي وقت الضرر، والمزايا المالية التي كان عمل المضرور يخولها له ([491]).

(د) – ركن الضرر في الفقه الإسلامي: يجب لوجوب الضمان في الفقه الإسلامي أن يكون هناك ضرر لأن التعويض لا يكون إلا عن ضرر مالي واقع فعلا، والفعل الذي لا ضرر فيه لأحد، لا يعطي حقا للمطالبة بالضمان، ولا يكون سببا لتقرير المسئولية، فلا ضمان بغير ضرر، لأن الضمان من الجوابر، وليس من الزواجر، والجبر يستدعي وجود ضرر. ويقصد بالضرر في الفقه الإسلامي، الأذى الذي يصيب الإنسان في نفسه أو ماله أو عرضه أو عاطفته ([492]). وعلى ذلك فإن خطأ أو تعدي المحكم يرتب ضمان المحكم عن هذا التعدي، وذلك لتوافر علة الضرر الذي لحق بالمحتكم أو الغير المضرور، وذلك لأن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما، فإن انتفى الضرر انتفى تبعا لذلك الحكم بتضمين المحكم.

ويشترط في الضرر لكي يكون معتبرا في الفقه الإسلامي عدة شروط هي:

(1) – أن يكون الضرر واقع على مال متقوم شرعا: المال إما أن يكون متقوم أو غير متقوم. فالأول يكون فيه الضمان، والثاني لا يضمن متلفه. والمال المتقوم هو ما أباح الشارع الانتفاع به حال السعة والاختيار، وحازه إنسان بالفعل مثل العقارات والمنقولات؛ فيكون لهذا المال حماية وحرمة من الشارع، ويستوجب تضمين من يتلفه ([493]). وعلى ذلك فإن تعدى المحكم وتسبب في ضرر واقع على مال متقوم شرعا، سواء كان قبل قبوله مهمة التحكيم أو أثناءها أو بعد انتهاءها، تقررت مسئوليته، ووجب ضمان ما أتلفه للمحتكم أو للغير المضرور. أما القانون الوضعي تقرر المسئولية عن جميع الأضرار سواء كان الضرر إخلال بحق ثابت أو بمصلحة مالية.

(2) – أن يكون الضرر محققا: يجب أن يكون الضرر قد وقع فعلا، لأن الضرر سبب التعويض، ولا يتقدم السبب على المسبب ولا المعلول على علته. ومن ثم ينشا الحق في التعويض من الوقت الذي يصبح فيه الضرر محقق الوقوع، وليس من الوقت الذي يقع اليه الفعل الضار أو الفعل المسبب للضرر. فالضرر إذن يجب أن يتحقق، أما إذا كان ضررا مستقبلا، أو محتملا أو تفويت الفرصة، فلا ضمان عن هذه الأضرار في الفقه الإسلامي إلا إذا تحقق وقوعه. لأن القول بالضمان يؤدي إلى عدم العدالة، وان تحقق وقوعه. لأن القول بالضمان يؤدي إلى عدم العدالة وان تحقق سببه، إلا أنه لم ينكشف مقداره حالا، ويكون غير المستطاع تقدير الضرر في الحال لأنه ضرر مستقبل ([494]). أما القانون الوضعي يقرر المسئولية على الضرر المستقبل والمحتمل وتفويض الفرصة. وعلى ذلك فإن التعدي الذي وقع من المحكم يجب أن ينتج عنه ضرر قد أصاب المحتكم أو الغير المضرور فعلا لكي يصبح المحكم ملزم بالضمان عن هذا الضرر، أما اذا كان الضرر مستقبلا أو محتملا أو تفويت فرصة فلا ضمان إلى أن يتحقق وقوعه.

(3) – أن يكون الضرر مباشرا وشخصيا: المقصود بالمباشرة هو كون الضرر نتيجة طبيعية ومباشرة لفعل التعدي ال

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading