طلب بطلان حكم المحكمين ومدي دور المحكوم في احترام الإرادة المشتركة لأطراف التعاقد في منازعات عقود B.O.T في ضوء القانون الإماراتي وأنظمة التحكيم الدولية

 

د. كامران الصالحي

كلية القانون ـــ جامعة الإمارات

 

مقدمة :

مع بداية الثمانينات ظهرت عوامل متنوعة دفعت بالدول إلي تبني مشاركة القطاع الخاص في مشاريع البنية الأساسية ومن بين هذه العوامل التطورات والابتكارات التكنولوجية المتلاحقة وارتفاع مديونية الدول وزيادة القيود الواردة علي ميزانيتها وبالتالي محدودية قدرتها في التوسع في إنشاء وتطوير مرافقها الأساسية الأمر الذي دفع بالدول إلي البحث عن وسائل بديلة ـ وأمام اتساع وانتشار أسواق رأس المال المحلية والعالمية وزيادة خبرة القطاع الخاص وإمكانياتها المالية والتكنولوجية الضخمة توصلت معظم الدول إلي ضرورة الاعتماد علي هذا القطاع لإنشاء وتمويل وإدارة المشاريع الاستثمارية الإستراتيجية وإبرام العقود معها، ومن هنا تعددت صور هذه العقود حسب نوع المشاركة أو الملكية الخاصة في المرفق المعني حيث ظهرت عقود BROT, BTO , B.O.T وغيرها، ولما كان موضوع هذا البحث هو عقود B.O.T وحالات بطلان حكم المحكمين في المنازعات المتعلقة بها، فإنه من الضرورة التركيز علي هذه العقود والتي بموجبها تقوم الجهة المانحة باختيار ملتزم تعهد إليه بمهمة تمويل مشروع البنية الأساسية وإنشائه مع إعطائه الحق في استغلاله تجاريا لفترة زمنية معينة يؤول المشروع في نهايتها إلي الجهة المانحة.

ونظراً لما تتسم به هذه العقود من تعددية أطرافها وتعقد وتشابك العلاقات القانونية بينها فإن المنازعات الخاصة بها تتسم أيضا بالتنوع في طبيعتها وتعدد أطرافها مما دفعت بالدول إلي تبني وسائل ودية لحسم منازعاتها بدلاً من اللجوء إلي القضاء وسلبياته التي لا تتلائم مع طبيعة منازعاتها بدلاً من اللجوء إلى القضاء وسلبياته التي لا تتلائم مع طبيعة هذه العقود، ومن هذه الوسائل التحكيم الذي بات من الوسائل الناجحة في حسم منازعات عقود الاستثمار ومن بينها عقود B.O.T  لتمييزه بخصوصية معينة في مجال هذه العقود التي تتميز بدورها بتعدد المتنازعين وتتنوع طبيعة المنازعات وحجمها، لذا فإن الكم الكبير للمنازعات وطبيعتها المتنوعة من مالية وقتية وقانونية هما اللذان يميزان التحكيم ويمنحانه خصوصية معينة في هذا المجال.

هذا وسنتطرق في هذا البحث إضافة إلى خصائص التحكيم ومزاياه المتنوعة في حسم منازعات عقود B.O.T  إلى حالات طلب بطلان أحكام المحكمين من قبل الخصوم وتجنب طرق الطعن المقررة في الأحكام القضائية وذلك لحسم المنازعات في أقصر فترة زمنية وعدم تعطيل المشاريع الاستثمارية الإستراتيجية، كما سنتطرق إلى حالات الرقابة اللاحقة علي حكم المحكمين من قبل القضاء، والآثار المترتبة علي بطلان حكم التحكيم وكذلك سنبين مدي دور المحكم في احترام الإرادة المشتركة للأطراف المتعاقدة فيما يتعلق بالقانون الواجب التطبيق في تسوية منازعات هذه العقود وسنتطرق إلى هذه المواضيع في كل من القانون الإماراتي وبعض التشريعات العربية وذلك إضافة إلى الاتفاقيات الدولية الخاصة بتنظيم وتنفيذ حكم المحكمين.

وعليه سنقسم هذا البحث إلى ما يلي :

الفصل الأول : خصائص التحكيم وحالات طلب بطلان حكم المحكمين.

المبحث الأول : خصائص التحكيم في منازعات عقود B.O.T

المبحث الثاني : حالات طلب بطلان حكم المحكمين في منازعات عقود B.O.T

المبحث الثالث : أثر بطلان حكم المحكمين علي اتفاق التحكيم

الفصل الثاني : دور المحكم في احترام إرادة أطراف التعاقد فيما يتعلق بالقانون الواجب التطبيق.

المبحث الأول: الاختيار الصريح للقانون الواجب التطبيق في منازعات عقود B.O.T

المبحث الثاني : عدم تعيين الأطراف المتعاقدة للقانون الواجب التطبيق .

المبحث الثالث : مدي اجتزتم المحكمة للإرادة المشتركة للمتعاقدات

الفصل الأول

خصائص التحكيم وحالات بطلان حكم المحكمين

في منازعات عقود

B.O.Tاتجاه الدول في عصرنا الحالي نحو الاعتماد علي القطاع الخاص وتوظيف طاقاته لتنفيذ الخطط التنموية لم يعد مقتصرا علي خصخصة مؤسسات وشركات القطاع العام وتوزيعها علي القطاع الخاص وإنما امتد إلى كسر احتكارات الدولة في تقديمها لبعض الخدمات العمومية ذي الطابع الاقتصادي والاعتماد علي القطاع الخاص لتنمية وتطوير وتقديم هذه الخدمات، وهذا ما حفز القطاع الخاص بدوره علي الاستثمار في هذه المرافق وتنمية هياكل البنية الأساسية.

في ضوء هذا التحول الجديد الذي ينصب بصفة أساسية علي الإدارة والاستغلال الموجه من قبل الجهة المانحة والذي يختلف عن الخصخصة الذي ينصب علي تحويل ملكية مرفق اقتصادي إلى القطاع الخاص، فإن مستلزمات هذه التحولات استوجبت إيجاد وسيلة تعاقدية يمكن من خلالها توظيف ما يمتلكه القطاع الخاص من موارد وإمكانيات اقتصادية وتكنولوجية وفنية لإنشاء أو تنمية أو تطوير مشاريع البني الأساسية مع احتفاظ الدولة ممثلة في أشخاص القانون العام أو ممثله في شركات ومؤسسات تملكها الدولة بكافة حقوقها في تنظيم تقديم الخدمات العمومية بما في ذلك حقها في الإشراف والرقابة، ومن هنا توصل الفكر القانوني إلى أسلوب التعاقد بنظام B.O.T حيث تقوم الجهة المانحة باختيار ملتزم تعهد إليه بمهمة تمويل إحدى مشاريع البنية الأساسية وإنشائها مع منحة الحق في الاستغلال التجاري لمدة معينة ثم يؤول المشروع في نهايتها إلى الجهة المانحة.

ونظرا لما تحققه عقود B.O.T من مزايا من تخفيف العبء علي ميزانية الدولة وضمان تدفق العملات الأجنبية وتحسين ميزان المدفوعات المالية والصناعية لهذه المشاريع إلى القطاع الخاص وتفرغ الدولة لإدارة مشاريع إستراتيجية هامة وتطبيق برامجها في القطاعات الخدمية العام سواء في الصحة أو التعليم وبرامج الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي، فإن أكثر دول العالم ومن منطلق هذه المزايا أصبحت تعتمد علي هذه العقود في تمويل إقامة مشاريعها الأساسية من تشييد طرق وجسور وأنفاق ومشاريع الري والكهرباء ومطارات وموانئ وسكك حديد وغيرها.

ومع انتشار عقود B.O.T في مختلف دول العالم بما فيها دول الازدواج القانوني والقضائي كفرنسا ومصر ودول القانون والقضاء الموحد كالمملكة المتحدة ومعظم الدول العربية أثير الكثير من التساؤلات القانونية ولا سيما في المجموعة الأولي التي تناولت في نظامها القانوني تنظيم كل ما يتعلق بعقود امتياز بعقود امتيازات المرافق العامة، إلا أن الكثير من الجدل الفقهي أثير عن ماهية طبيعة العقود الاستثمارية المتعلقة بالركائز الأساسية ومنها عقود B.O.T ومدي تحقيقها لأهداف التنمية في الدولة المضيفة([1])، ومدى اختلافها عن عقود المرافق العامة وعن ماهية مشاريع البنية الأساسية التي تصلح أن تكون محلاً لهذه العقود وكذلك عن تسوية منازعاتها ومدى جواز التحكيم فيها وما هو القانون الواجب التطبيق ودور المحكم وغيرها.

المبحث الأول

خصائص التحكيم في منازعات عقود

B.O.Tقبل بيان حالات طلب بطلان حكم المحكمين في منازعات عقود B.O.T، كان الضروري بيان خصائص التحكيم في هذه العقود التي تتميز بخصائص تميزها عن غيرها من العقود لكونها عقود استثمارية لها دور تنموي ذو انعكاسات قومية، كما أنها تتميز بضخامة حجمها وقيمتها الهائلة، كما أنها من العقود المركبة والمتشابكة والمتداخلة والمتعددة الأطراف، بالتالي فإن خصوصية هذه العقود أوجدت مشاكل قانونية تتسم بالتعقيد في الغالب حيث إن مساهمة أطراف عديدة في إبرامها وتنفيذها أدت إلى نشوء منازعات متعددة ومتنوعة من فنية ومالية وقانونية انعكست علي طبيعة التحكيم في هذه العقود وجعله متميزاً بحيث يمكن القول بأنه تحكيم ضخم يتناول تسوية مجموعة من المنازعات ومجموعة من الأطراف([2])، إذ لا تقتصر المنازعات علي الجوانب التفسيرية أو التنفيذية، بل هناك مجموعة من المنازعات تتعدد بتعدد أطراف عقود B.O.T كالمنازعات بين ملتزم المشروع ومقرضيه ومقاوليه ومورديه، والمنازعات بين الملتزم ومستخدمي المرفق أو عملائه أو بين هؤلاء أنفسهم.

لا شك أن خصوصية عقود B.O.T ومنازعاتها المتنوعة والمتداخلة قد ألقت بظلالها علي طبيعة التحكيم في هذه العقود وبالتالي تحميل المحكم أعباء مرهقة ولاسيما في المنازعات الذي يكون فيها الملتزم بتنفيذ هذه العقود من أشخاص القطاع الخاص الأجنبي أو شركة أغلب رأسمالها مملوكة للأجانب، إذ يضطر المحكم إلى دراسة تطبيق نصوص اتفاقيات دولية بشأن حماية الاستثمارات أو نظام الازدواج الضريبي، والاتفاقيات الخاصة بالاستثمار والإغراق والمنافسة وحماية المستهلك([3]).

ورغم الانتقادات الموجهة إلى التحكيم في مجال عقود الإنشاء والاستثمار كالبطء وزيادة الكلفة وانتهاك سرية المعلومات([4])، إلا أنه أصبح من الشائع الاتفاق علي اللجوء إلى التحكيم لتسوية المنازعات الخاصة بعقود B.O.T إذ بات الوسيلة المفضلة لأطراف العقد لملاءمته مع طبيعة النزاعات والتي هي في أغلبها تجارية ولا سيما تلك التي تقوم بين الملتزم ومقرضيه ومورديه، وبذلك أصبح التحكيم يحتل موقعاً مميزاً من بين الوسائل الأخرى المخصصة لفض المنازعات كالتوفيق، الصلح، الوساطة، إذ ترتب علي خصوصية هذه العقود ومزايا التحكيم وقدرته علي استيعاب تنوع وتعدد وطبيعة المنازعات الناشئة عن تفسير أو تنفيذ هذه العقود، اندفاع أطراف التعاقد إلى التمسك بالتحكيم، وهذا ما يفسر انتشار وازدهار مراكز التحكيم في مختلف دول العالم.

ومن أهم خصائص نظام التحكيم التي تشجع أطراف مشاريع البنية الأساسية ذو التمويل الخاص ومنها ضمنها مشاريع B.O.T الاعتماد علي التحكيم ما يلي :

1- تلافي بطء إجراءات التقاضي :

يهدف التحكيم إلى تلافي سلبيات إجراءات التقاضي المعقدة والمطولة التي باتت تحمل المحاكم أعباء عديدة ومتنوعة تزداد مع ازدياد مشاكل المجتمع الاجتماعية والاقتصادية، كما أن تنوع الخصومات وتعقدها وتشابك المصالح تؤدي بدورها إلى بطء إجراءات التقاضي أمام المحاكم وبالتالي إرهاق الخصوم وتحميلها المزيد من الجهد والمصاريف، ولما كانت المنازعات الخاصة بعقود B.O.T لا تتحمل البطء والتأخير لأهمية المشاريع الإستراتيجية التي يتم تمويلها وتنفيذها وإدارتها عن طرق هذه العقود، ناهيك عن تنوع وتعدد المنازعات الخاصة بها، الأمر الذي يستوجب سرعة حسمها عن طريق التحكيم، ولا سيما المنازعات المالية بين الملتزم وبين البنوك أو المراكز المالية الممولة لهذه المشاريع حيث يلعب عامل الوقت دوراً أساسياً.

وإدراكاً من مراكز التحكيم لأهمية سرعة حسم المنازعات بالنسبة لأطراف التعاقد فإنها تتبني إجراءات بسيطة وسريعة لحسم النزاعات في ظل سقف زمني محدود وهذا يعني عدم تحميل المتنازعين جهودا إضافية أو إرهاقهم بتحمل المزيد من التكاليف في عمليات الطعن والاستئناف والتميز وما يترتب عليها من إطالة أمد النزاع نسبيا كما هو الحال في أغلب القضايا المعروضة أمام المحاكم.

ولتحقيق هذه المزايا قرر المشرع الإماراتي عدم قابلية الطعن في حكم المحكمين بأي طريق من طرق الطعن في ( المادة 217 ) من قانون الإجراءات المدنية المتعلق بالتحكيم رقم (11) لسنة 1992 والمعدل بالقانون رقم (30) لسنة 2005، كما أوجب وفق المادة (210) إصدار هيئة التحكيم لحكمها خلال الميعاد الذي يتفق عليه أطراف اتفاق التحكيم، وبخلافه لابد من صدور الحكم خلال ستة أشهر.

وبناء علي ما تقدم يمكن القول إن اللجوء إلى التحكيم في عقود B.O.T يمكن أطرافها من تسوية منازعاتهم بطريقة سريعة وفاعلة أقرب إلى تحقيق العدالة الواقعية مع توفير الكثير من الجهد والوقت، ناهيك عن تخفيف العبء عن المحاكم الوطنية ومساعدتها في سرعة حسم القضايا الأخري حفظا لمصالح الناس.

2- الحفاظ علي أسرار عقود B.O.T التجارية والاقتصادية :

تشكل هذه الأسرار في الغالب أساس المنافسة الاقتصادية بين الدول والكيانات الاقتصادية الاستثمارية([5])، لذا نجد أن منظمة التجارة العالمية تشدد في ضرورة الحفاظ عليها وعدم إفشائها، ونظرا لما يوفره نظام التحكيم من حماية في الحفاظ علي هذه الأسرار فإن أطراف عقود B.O.T يلجأون إليه لحماية أسراهم المهنية أو مراكزهم المالية، وإدراكا من المشرع لخصوصية هذه الميزة لنظام التحكيم في الحفاظ علي السمعة المالية والاقتصادية لأطراف التعاقد نجده حريصا وفي مختلف التشريعات علي السماح لأطراف التحكيم علي الاتفاق علي جعل جلسات التحكيم سرية واقتصارها علي أطراف المنازعة أو من يمثلهم، فالمشرع المصري قد أبدي حرصه علي الحفاظ علي أسرار أطراف المنازعة التجارية والاقتصادية حيث قرر في المادة (44/2) من قانون التحكيم رقم (27) لعام 1994 علي عدم جواز نشر حكم التحكيم أو نشر أجزاء منه إلا بموافقة طرفي التحكيم. كما نص المشرع الإماراتي علي جواز اتفاق أطراف التحكيم علي إجراءات معينة يسير عليها المحكم في المادة (212) وبذلك أجاز لهم الاتفاق علي سرية الجلسات وعدم نشر وقائعها في الصحف أو الإعلام، كما أن مراكز التحكيم التجارية حريصة علي أن تكون جلسات المرافعة وسماع الشهود سرية ما لم يتفق أطراف التحكيم علي خلافه من ذلك المادة (33/4) من نظام مركز التحكيم التجاري لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية لعام 1993 والمادة (18) من نظام غرفة التجارة الدولية I.C.C لعام 1998 كما ينص نظام التحكيم الأمريكي A.A.A. ومحكمة لندن للتحكيم الدولي L.C.I.A علي ضرورة الحفاظ علي سرية جلسات التحكيم.

وبناء علي هذه الميزة التي يتمتع بها نظام التحكيم فقد أصبح بإمكان أطراف عقود B.O.T الحفاظ علي الأسرار التي قد يترتب علي الكشف عنها إلى إلحاق الضرر بمراكزهم المالية أو الاقتصادية أو سمعتهم التجارية وذلك عن طريق جعل جلسات التحكيم سرية وعدم نشر أحكام المحكمين إلا بموافقتهم، ولا شك أنه لا يمكن تحقيق هذه الأهداف أمام المحاكم العادية حيث تكون الإجراءات في الغالب علنية ويتعذر إخفاء المعلومات عن نوع وحجم النزاع أو مقدار الأموال التي يتعلق بها([6]).

3- عرض المنازعة علي محكم متخصص :

تتسم طبيعة المنازعات المتعلقة بعقود B.O.T في الغالب بالتعقيدات سواء في جانبها المالي أو الفني الأمر الذي يستوجب عرضها علي خبراء متخصصين([7])، وهذا يعني اللجوء إلى التحكيم حيث يقوم طرفا المنازعة باختيار المحكمين الذين تتوافر فيهم الخبرة والتخصص في النزاع موضوع التحكيم، ولا شك أن هذه الميزة التي يوفرها نظام التحكيم بالسماح لأطرافه باختيار من يروه مناسبا لحسم المنازعة لما يملكه من مؤهلات تخصصية علمية أو فنية أو مالية وخبرة من شأنه تحقيق التوازن بين المصالح المتعارضة وهذا ما تفتقر إليه المحاكم حيث إنه رغم تمتع القاضي بمؤهلات قانونية وفنية فإنه لا يملك الخبرة في الأمور الفنية أو المالية أو الحسابية أو الهندسية، ومن هنا نجد أن مختلف التشريعات المتعلقة بالتحكيم قد أجازت لأطراف النزاع اختيار المحكمين، وهذا ما حرص عليه المشرع الإماراتي أيضا إذ قرر في المادة (204) علي حق أطراف النزاع في تعيين من يرونه من المحكمين لحسم المنازعة، وبذلك يمكن لأطراف عقود B.O.T اختيار المحكمين من أصحاب التخصص والخبرة لتسوية المنازعات التي تنشأ بسبب تفسير أو تنفيذ هذه العقود، وهو الأمر الذي يؤدي إلى حسم المنازعة بطريقة ودية وبالتالي تحقيق العدالة الواقعية.

4- تشجيع التسوية الودية :

يصف البعض التحكيم بأنه قضاء العلاقات المستمرة، حيث يسعي المحكم إلى التقريب بين وجهات النظر وتضييق إطار الخلافات ودفع أطراف النزاع إلى تقديم التنازلات للوصول إلى نقطة التقاء مشتركة، ومما يساعد المحكم لبلوغ ذلك هو عدم التزامه بإجراءات قانونية محددة ومقيدة وبذلك يستطيع أن يطرح حلولا وسطية([8]) توفيقية.

من المعروف أن أطراف عقود B.O.T حريصون علي تجاوز خلافاتهم ومواصلة التعاون لتحقيق مصالحهم المشتركة، ولا شك أنهم مدركون أن أفضل وسيلة لبلوغ هذه الأهداف يكون من خلال التحكيم الذي يوفر لهم إمكانية تسوية منازعاتهم بطريقة ودية تضمن استمرارية علاقاتهم في المستقبل، بخلاف ما يرتبه اللجوء إلى المحاكم([9]) من احتمالية استمرار الخصومة وبالتالي فقدان الثقة في بناء علاقات وإبرام عقود مستقبلية بين أطراف النزاع.

5- تحقيق العدالة الواقعية :

يوفر التحكيم في حسم المنازعات قدراً كبيراً من الضمانات لتحقيق العدالة الواقعية حيث يكون لكل طرف من أطراف التحكيم حرية اختيار المحكم الذي يثق في مؤهلاته التخصصية لفض المنازعات، ناهيك أن عدم إلزام المحكم بحرفية النصوص القانونية يمكنه من التقريب بين طرفي المنازعة وتضييق مساحة الخلافات وبالتالي التوازن بين المصالح المتعارضة وتحقيق العدالة الواقعية بطريقة ودية مشجعة لاستمرارية المصالح المشتركة بينهم، وانطلاقا من أهمية الحرص علي تحقيق هذه العدالة، نجد أن معظم مشرعي الدول كانوا حريصين علي إتاحة الفرص أمام أطراف النزاع لاختيار من يرونه مناسبا من المحكمين للقيام بهذه المهمة، وهذا ما سلكه المشرع الإماراتي في المادة (204) من الإجراءات المدنية المتعلقة بالتحكيم.

لاشك أن منح أطراف النزاع في العقود الاستثمارية المهمة ومنها عقود B.O.T صلاحية اختيار المحكمين سيؤدي إلى سرعة حسم المنازعات بصرف النظر عن نوعها أو مساحتها بطريقة ودية لا تخل بالثقة المتوافرة بين أطراف هذه العقود، كما أن ذلك سيشجعهم علي إبرام عقود مستقبلية.

6- ضرورة التحكيم لتحقيق التنمية الاقتصادية :

لم يعد يخفي مدي أهمية وضرورة تحفيز القطاع الخاص للقيام بتمويل وإنشاء وإدارة المشاريع الاقتصادية العملاقة، إذ بات مساهمة هذا القطاع من الأمور الجوهرية لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية في مختلف دول العالم.

في الواقع إن جذب رؤوس الأموال الأجنبية أو تشجيع رأس المال الوطني في المساهمة لبناء مشاريع إستراتيجية وإدارة أنشطتها عن طريق عقود B.O.T يستوجب إيجاد نوع من التوازن بين مصلحة المستثمر ومصلحة الدول المضيفة للاستثمار، ويمكن ضمان تحقيق هذا التوازن باللجوء إلى التحكيم باعتباره الوسيلة الودية لحسم المنازعات وضمان استمرار الثقة في العلاقات الاقتصادية والمالية. ومن هذا المنطلق يشهد الواقع العملي تضمن معظم المشاريع الاستثمارية الأساسية التي تنفذ عن طريق عقود B.O.T لشروط اللجوء إلى التحكيم، حيث بات الوسيلة الأكثر شيوعا لتسوية منازعات هذه العقود، ولا سيما بسبب سهولة تنفيذ أحكام التحكيم الوطنية أو الدولية حيث إن عدد الأعضاء المنتمين إلى اتفاقية نيويورك الخاصة بالاعتراف بأحكام التحكيم الأجنبية وتنفيذها لعام 1958 في إزدياد مستمر مما يعني سهولة تنفيذ حكم التحكيم الدولي في الدول الأعضاء في هذه الاتفاقية.

إن وجاهة المزايا الذي يحققه التحكيم في سرعة حسم المنازعات وبطريقة ودية توفر الجهد والوقت لأطراف النزاع ناهيك عن الثقة بنزاهة المحكمين وحيدتهم وقدرتهم علي حسم المنازعات قد دفعت بمعظم الدول إلى تبني التحكيم في معظم العقود التي تبرمها وتسهيل إجراءاتها، ومن بين هذه الدول نجد أن دولة الإمارات العربية المتحدة لم تستثن أي عقد تجاري أو اقتصادي أو مالي من الخضوع لأحكام التحكيم، فوفقا للمادة (203) يجوز للمتعاقدين بصفة عامة أن يشترطوا في العقد الأساسي أو باتفاق لاحق ما قد ينشأ بينهم من النزاع، ولم تستثن هذه المادة إلا المسائل التي لا يجوز فيها الصلح وهي المسائل المتعلقة بالنظام العام.

ورغم أن الواقع العملي يؤكد بأن التحكيم قد أصبح من أكثر الوسائل ذيوعاً لتسوية منازعات العقود الاستثمارية ومن ضمنها عقود B.O.T بحيث يمكن القول بأن الأصل العام هو جواز التحكيم في هذه العقود. إلا أن هناك من يدعو إلى تجنب التحكيم في هذه العقود وعلي أساس جملة من المبررات منها: أن عقود المشاريع الإستراتيجية ذات التمويل الخاص تهدف في الأساس إلى تحقيق المصلحة العامة في الدول المضيفة للاستثمار بينما اللجوء إلى التحكيم يعني المساواة بين هذه المصالح والمصالح الخاصة وأحيانا تغليبها علي المصالح العامة، الأمر الذي يخل بالنظام العام في الدولة المضيفة، كما يري البعض أن التحكيم هو وسيلة للقطاع الخاص ولاسيما الأجنبي من الإفلات من الخضوع لسلطات القانون الوطني للدولة المضيفة للاستثمار.

ويمكن الرد علي هذه المبررات بأن تجنب اللجوء إلى التحكيم يتعارض مع مستلزمات الواقع العملي وضرورات التنمية الاقتصادية، إذ لا يمكن جذب رؤوس الأموال الأجنبية أو القطاع الخاص الوطني للاستثمار بدون توفير الضمانات القانونية لحصولها علي عوائد استثماراتها كما لا يمكن إرغامها بالخضوع لوسائل قانونية تتعارض كليا مع مصالحها، إذ أن توفير البيئة الملائمة لجذب الاستثمار يكون بتقديم الضمانات القانونية والاقتصادية والمالية وتسهيل إجراءات توظيف الأموال، أما عن المحاذير والمخاوف فيمكن معالجة ذلك من خلال إحاطة التحكيم في منازعات العقود التي تبرمها الدولة ومن ضمنها عقود B.O.T بضمانات تحمي حقوق الدولة المانحة وتحقق التوازن بين المصالح المتعارضة من ذلك إدراج شرط تطبيق القانون الوطني أو القانون الذي يتفق عليه أطراف التحكيم، كما يمكن اشتراط اختيار المحكمين بحرية أوتعين إحدى مراكز التحكيم المشهود له بالاستقامة والنزاهة والحيدة، كذلك يمكن الاستفادة من تشريعات الدول الأخرى كالقانون الفرنسي الذي ينص علي جواز التحكيم في بعض عقود الدولة أو ضرورة الحصول علي موافقات واستيفاء شروط معينة كما فعل المشرع المصري، وبذلك يمكن التوفيق بين سلبيات التحكيم وبين ضرورات التنمية الاقتصادية للدولة المضيفة للاستثمار والتي غالبا ما تنفذ مشاريعها الاقتصادية الإستراتيجية عن طريق عقود B.O.T.

المبحث الثاني

حالات طلب بطلان حكم المحكمين في منازعات

B.O.Tتعد دعوي بطلان حكم المحكمين التي يقيمها الخصوم من إحدى صور الرقابة التي يمارسه القضاء الوطني للتأكد من مدي تنفيذ المحكم لواجبات وظيفته والمهمة المناط به للقيام بها ومدي احترامه للإجراءات القضائية عند إصداره لحكم التحكيم ويمارس الخصوم هذا الحق من خلال دعوي مباشرة تسمي دعوي البطلان يقيمة الخصوم أمام المحكمة عندما تنظر في المصادقة عليه ومن أهم أسباب رفع الخصوم لهذه الدعوي هو صدور الحكم من محكمين لم يعينوا وفق القانون أو صدور الحكم بدون وثيقة تحكيم أو بناء علي وثيقة باطلة أو خروج الحكم عن واقعة التحكيم أو مخالفة الحكم لقواعد التقاضي الأساسية أو عدم صحة تشكيل هيئة التحكيم وغيرها من الأسباب الذي ستنطرق إليها لاحقاً.

يتباين موقف تشريعات الدول من هذه المسألة، إذ لا تجيز بعض التشريعات الطعن في أحكام المحكمين مطلقا من جهة، بينما تسمح من جهة أخري للخصوم برفع دعوي بطلان حكم المحكمين عندما تنظر المحكمة في المصادقة عليه، وبذلك تسعي هذه التشريعات إلى تضييق رقابة القضاء نسبيا علي حكم المحكمين ومنحه فاعلية مؤثرة واعتباره عملا إجرائيا وليس من أعمال التقدير([10])، وقد أخذ بهذا الاتجاه المشرع الإماراتي حيث أنه منح في المادة (216) من قانون الإجراءات رقم (11) لسنة 1992 والمعدل بالقانون رقم (30) لسنة 2005 الخصوم طلب بطلان حكم المحكمين في حالات معينة، بينما قرر في المادة (217) بأن أحكام المحكمين لا تقبل الطعن فيها بأي طريق من طرق الطعن، ما عدا الحكم الصادر من المحكمة بالمصادقة علي حكم المحكمين أو ببطلانه حيث يجوز الطعن فيه، ويساير هذا الاتجاه المادة (24) من القانون النموذجي للتحكيم التي نص علي عدم جواز الطعن بالاستئناف في حكم التحكيم بأي طريق سوي إقامة دعوي طلب بطلان حكم المحكمين أمام المحكمة، كما يساير اتفاقية واشنطن التي تعتبر حكم التحكيم ملزماً للطرفين وغير قابل للاستئناف بأي طريقة ولا يجوز التحلل منه إلا عن طريق دعوي البطلان (مادة 53)، ومن خلال استقراء المواد (53/1( و (52) من هذه الاتفاقية يتبين مدي حرص المشرع الدولي علي إلزام أطراف النازعة بتنفيذ حكم التحكيم طبقا لشروطه إلا في حالة وقف تنفيذ الحكم طبقا لأحكام الاتفاقية، مما أدي إلى القول بأن هذه الاتفاقية تشكل في الواقع نوعا من العدالة الخاصة([11])، بالاستثمار حيث أنها تحقق نوعا من التوازن بين مصالح المستثمر والدولة المضيفة للاستثمار، كما يساير المشرع الإماراتي في هذا الاتجاه كل من قواعد الأونستيرال لعام 2010 (المادة 34 ) والقانون المصري ( المادة 52 ) والقانون الأردني المادة (48).

ونري هنا ضرورة الإشارة إلى اتفاقية عمان العربية للحكيم التجاري لسنة 1987 والتي نجمت عنها تأسيس مركز التحكيم العربية الذي قام بتنظيم الأمور المتعلقة بالتحكيم ابتداء من اتفاقية التحكيم وانتهاء بإصدار حكم المحكمين، ورغم دخول هذه الاتفاقية إلى حيز التنفيذ اعتباراً من عام 1992 فإن عدد الدول العربية التي صادقت عليها لا يتجاوز الثمانية، وما يهمنا هنا هو القول بأن هذه الاتفاقية قد أقرت بإلزامية قرار المحكمين وجنبت الخصوم اللجوء إلى القضاء الوطني لاستئناف حكم المحكمين أو طلب بطلان حكمهم وأتاحت لهم تقديم طلب البطلان في حالة توافر شروطه إلى مركز التحكيم مسايرة بذلك اتفاقية واشنطن التي جاءت بنص مماثل في المادة (52) إلا أن ما جاءت به هذه الاتفاقية في المادة (35) التي تمنح المحكمة العليا في كل دولة طرف في الاتفاقية إضفاء الصيغة التنفيذية علي حكم المحكمين مع عدم قابلية الطعن في هذا الأمر التنفيذي لم يتناولها أي اتفاقية دولية أو إقليمة.

ونحن بدورنا لا نؤيد هذه المادة لأنها تجرد حكم المحكمين من الصفة الإلزامية له الأمر الذي يتناقض مع معظم التشريعات الوطنية والاتفاقات الدولية التي تمنح هذه الصفة لحكم المحكمين وبعدم الطعن فيه باستثناء حالات طلب البطلان وهي حالات محددة كما أن منح المحكمة العليا صلاحية الأمر بتنفيذ حكم المحكمين يعني الإطالة في زمن تنفيذ حكم التحكيم إضافة إلى أنه يحمل الخصوم المزيد من التكاليف المالية وإرهاقهم الأمر الذي لا يشجع الخصوم في المنازعات الاستثمارية ولا سيما في العقود الإستراتيجية التي تطلب سرعة الحسم في منازعاتها كعقود B.O.T باللجوء إلى هذه الاتفاقية ولعل هذا هو سبب تردد أو عدم انضمام بقية الدول العربية إليها الحد الآن.

في الواقع إن رفض معظم التشريعات لنظام الطعن المباشر في أحكام التحكيم يرجع إلى إقرار هذه التشريعات بغلبة الطابع الإتفاقي للتحكيم علي طابعه القانوني حيث إن إرادة أطراف التحكيم تنصرف أصلا إلى قبول قرار هيئة التحكيم ( كدرجة نقاض واحدة ) وليس إلى القبول بدرجات التقاضي وبالتالي فإن الطعن في هذا القرار يتناقض مع جوهر عملية التحكيم القائمة علي حرية اختيار المحكمين وسرعة حسم المنازعات وإحاطتها بالسرية.

وفيما يتعلق بالتشريعات التي تجيز الطعن في حكم المحكمين فإنها لم تجيزه إلا تحت طائلة قيود معينة إذ تشترط المادة (186) من قانون المرافعات المدنية والتجارية الكويتية اتفاق الخصوم علي الاستئناف، كما أن مجلة التحكيم التونسية لعام 1993 تنص في الفصل (39) علي قصر الاستئناف علي حالة الغلط في القانون وبقيود مشددة تعارض حتى مع جوهر عملية الطعن بالاستئناف، وفيما يتعلق بقانون التحكيم الانجليزي لعام 1996 فإن المادة (69) تجيز الطعن بأحكام المحكمين بالاستئناف في حالة وقوع غلط في القانون وبناء علي طلب من أحد طرفي التحكيم وتبليغ الطرف الآخر وهيئة التحكيم، وبشرط عدم الاتفاق المسبق علي عدم تسبيب الحكم هذا ولا يتم قبول طلب الاستئناف إلا بموافقة أطراف التحكيم أو بعد الحصول علي إذن من المحكمة التي لا تمنح هذا الإذن إلا بعد اقتناعها بتأثير ذلك علي حقوق أطراف التحكيم أو أن قرار البيئة كان مبيناً علي غلط في القانون، إضافة إلى قناعة المحكمة بأن قواعد العدالة تقضي من المحكمة النظر في عملية الطعن بالاستئناف، أما فيما يتعلق بقواعد الاتفاقيات الدولية كاتفاقية نيويورك واتفاقية واشنطن وقواعد الأونستيرال فليس هناك رقابة قضائية علي قرار المحكمة حيث إنه يعتبر نهائياً وملزماً لأطراف المنازعة التي عليها تنفيذه دون إبطاء إلا أنه يجوز وفقا لقواعد هذه الاتفاقيات لأي طرف أن يطلب من هيئة التحكيم تصحيح القرار التحكيمي في حالة وقوع أخطاء حسابية أو كتابية أو مطبعية، كما لبيئة التحكيم أن تجري هذه التصحيحات من تلقاء ذاتها، كما يجوز لأي طرف أن يطلب من هيئة التحكيم بعد تسلمه لقرار التحكيم إصدار قرار تحكيم أو قرار تحكيم إضافي بشأن ما لم تفصل فيه من طلبات قدمت أثناء إجراءات التحكيم ونحن نؤيد هذا الاتجاه ونري أن ترك الأمر للهيئة التحكيمية بمعالجة ما يشوب الحكم من أخطاء أفضل من منح القضاء الوطني صلاحية القيام بذلك، حيث إن هذه البيئة هي أدري بظروف المنازعة واقدر علي حسمها وبسرعة، كما أن تدخل القضاء الوطني قد يثير حساسية المستثمر الأجنبي ولاسيما في منازعات الاستثمار.

ومن الضروري أن نشير إلى أن هناك تشريعات أخري تجيز للخصوم كلاً من الطعن المباشر في حكم المحكمين في التحكيم الوطني ورفع دعوي بطلان حكم المحكمين عندما تنظر المحكمة في أمر تصديقها كالقانون الجزائري والقانون الليبي ( مادة 767) والقانون السوري (مادة 532) واللبناني
(مادة 798/1).

وفيما يتعلق بالمشرع الإماراتي نجد أنه يحرص من جانب علي اعتبار حكم المحكم كمستند للحق وكسند للتنفيذ لا يجوز التعرض به إلا من خلال القضاء وذلك لتفعيل نظام التحكيم في سرعة حسم المنازعات، لذا فإنه يعتبر حكم المحكمين متمتعاً بقوة الأمر المقضي به وبالتالي تنتج جميع آثاره بمجرد صدوره، إلا أنه من جانب آخر كغيره من مشرعي الدول الأخرى قد أدرك أن إتاحة الفرصة للخصوم بالطعن في حكم التحكيم يعني التقليل من شأن التحكيم لذا فإنه نص صراحة في المادة (217) على رفض الطعن في أحكام المحكمين من قبل الخصوم بكل طرق الطعن، إلا أن رغبة المشرع الإماراتي لتشجيع المحكم إلى بذل أقصي جهد ممكن لتجنب الوقوع في الخطأ قد دفع به إلى إخضاع الحكم الصادر بالمصادقة علي حكم المحكمين أو ببطلانه إلى الطعن وفقا للمادة (217)، كما أن رغبته في ضمان تحقيق التوازن بين المصالح المتعارضة وتحقيق العدالة؛ دفع به إلى قبول طلب بطلان حكم المحكمين حتى في حالة تنازل أحد الخصوم عن حقه في ذلك قبل صدور حكم المحكمين
( المادة 216/2).

ومن الضروري القوي هنا بأن رفض معظم التشريعات لنظام الطعن في أحكام التحكيم بالاستئناف أو موافقة بعضها بشروط وقيود تهدف كلها إلى الحفاظ علي مزايا التحكيم وضرورة تواجده واستمراريته لحل المنازعات، ولا يتنافي ذلك مع حرص المشرع في مختلف التشريعات الوطنية علي الحفاظ علي الضمانات الأساسية التي يوفرها القضاء الوطني، وإدراكاً من المشرع بأن تحقيق العدالة هي من أخص وظائف الدولة وبالتالي فإن إقراراها بقضاء التحكيم لا يعني تنازلها عن هذه الوظيفة الأساسية وإنما هي ترخيص من قبلها بممارسة هذه الوظيفة من قبل محكمون يفترض فيهم النزاهة والحياد والالتزام بقواعد العدالة والإنصاف، لذا نجد أن القضاء الوطني في مختلف التشريعات يمارس نوع من الرقابة علي أحكام المحكمين مع التباين في مدي وكيفية ممارسته والحالات التي يستوجب تدخله لضمان صحة ومشروعية حكم المحكمين، إلا أن ذلك لا ينفي اتفاق معظم قوانين التحكيم علي حالات تستوجب فرض الرقابة علي أحكام المحكمين من خلال إتاحة الفرصة أمام الخصوم برفع دعوي بطلان أحكام المحكمين، ومن هذه الحالات صدور حكم من محكمين لم يتم تعينهم وفقا لاتفاق التحكيم أو وفق القانون أو صدور الحكم في مسألة خارج اختصاص هيئة التحكيم أو مخالفة المحكم لقواعد النظام العام أو مخالفته لقواعد التقاضي الأساسية وغيرها، وإدراكا من المشرع الإماراتي بضرورة توفير ضمانات العدالة في أحكام المحكمين فإنه قد أخضع حكم المحكمين لرقابة القضاء العادي عن طريق رفع دعوي البطلان من قبل الخصوم عندما تنظر المحكمة في المصادقة عليه وذلك في حالات معينة نصت عليها المادة (216) وعلي النحو التالي:

  1. إذا صدر الحكم بغير وثيقة تحكيم أو بناء علي وثيقة باطلة أو سقطت بتجاوز الميعاد أو إذا خرج المحكم عن حدود الوثيقة.
  2. إذا صدر الحكم من محكمين لم يعينوا طبقا للقانون أو صدر من بعضهم دون أن يكونوا مأذونين بالحكم في غياب الآخرين أو صدر بناء علي وثيقة تحكيم لم يحدد فيها موضوع النزاع أو صدر من شخص ليست له أهلية الاتفاق علي التحكيم أو من محكم لا تتوفر فيه الشروط القانونية.
  3. إذا وقع بطلان في الحكم أو بطلان في الإجراءات أثر في الحكم.

وبناء عليه فإنه يجوز للخصوم في المنازعات المتعلقة بالتحكيم في عقود الاستثمارات ومنها عقود B.O.T رفع دعوي بطلان حكم المحكمين وفق المادة (216) كما يجوز لهم الطعن بالاستئناف في الحكم الصادر بالمصادقة علي حكم المحكمين أو ببطلان وفق المادة (217/2)، ونري أن ذلك يتفق مع مقتضيات قواعد العدالة وتحقيق التوازن بين المصالح المتعارضة في هذه العقود التي لا تخرج برأينا عن كونها من عقود القانون الخاص وبالتالي فإن الاختصاص بالفصل في منازعاتها هي للقضاء العادي إذ تقوم هذه العقود أصلاً علي مبدأ العقد شريعة المتعاقدين ويسودها مبدأ سلطان الإرادة، كما أنها من الناحية العملية تقوم علي أساس حقوق والتزامات متوازنة.

ومن استقراء قوانين التحكيم في معظم التشريعات المختلفة يمكن القول أنه رغم رفض بعض التشريعات الطعن في أحكام التحكيم كقانون الإجراءات المدنية الإماراتية ( المادة 212) والقانون المصري ( المادة 52) والقانون الأردني ( المادة 48) وكذلك رفض بعض الأنظمة الدولية لذلك كغرفة التجارة الدولية باريس حيث تقرر المادة (27) علي عدم جواز رفع دعوي بطلان حكم التحكيم أو الطعن فيه بأي طريق، إلا أن أغلب التشريعات الوطنية وأنظمة التحكيم الدولية ( القانون النموذجي للتحكيم، اتفاقية واشنطن، غرفة التجارة الدولية) تتفق علي جواز رفع دعوي بطلان حكم المحكمين في حالات متعددة نذكر منها ما يلي:

1- استبعاد المحكم لقانون الإرادة :

رغم عدم اتفاق جانب من الفقه علي مشكلة القانون الواجب التطبيق([12])، إلا أن معظم الفقه المقارن يتفق علي قدرة أطراف التحكيم علي اختيار القانون الواجب التطبيق علي المنازعات التي تنشأ بينهم حول تفسير أو تنفيذ العقد المبرم بينهم، ويؤكد هذا الاتجاه المادة (28) من القانون النموذجي للأمم المتحدة التي تدعو هيئة التحكيم في فصل النزاع وفق القانون الذي يختاره أطراف التحكيم، كما أن المادة (42) من اتفاقية واشنطن لعام 1965 والخاص بتسوية منازعات الاستثمار، تؤكد علي أن هيئة التحكيم تفصل في المنازعات وفق القواعد التي يختارها الأطراف، كما تنص المادة 35 من قواعد اليونسترال للتحكيم والتي تم تعديلها في عام 2010 علي قيام هيئة التحكيم بتطبيق قواعد القانون التي تعينها الأطراف باعتبارها منطبقة علي موضوع النزاع فإذا لم يعين الأطراف تلك القواعد طبقت هيئة التحكيم القانون الذي تراه مناسبا، وتساير الأحكام الصادرة من هيئات ومراكز التحكيم الدولية هذا الاتجاه.

ولا يختلف موقف المشرع الإماراتي عن هذا الاتجاه، إذ لا يتضمن قانون الإجراءات المدينة المتعلق بالتحكيم منح المحكمة سلطة استبعاد القانون الذي يختاره أطراف التحكيم صراحة أو ضمنا، ونري أن موقف المشرع الإماراتي مستمد في الواقع من إدراكه وإقراراه بأن عملية التحكيم تقوم اساساً علي إرادة أطراف النزاع في اللجوء إليه، وبالتالي فإن المحكم يستمد سلطته من هذه الإرادة، وهذه يعني أنه ملزم باحترام اختيار هذه الإرادة وعدم تجاوزها، وبالتالي فإن تطبيق المحكم للقانون الذي اتفق عليه أطراف التحكيم صراحة أو ضمنا مستمد من إرادة أطراف التحكيم، كما أن المادة (433/1) من مشروع قانون التحكيم الاتحادي تكرس هذا الاتجاه إذا نصت علي تطبيق هيئة التحكيم للقواعد التي يتفق عليها الطرفان ، وإن اتفقا علي تطبيق قانون دولة معينة، وبذلك حرص المشرع الإماراتي علي ضمان تحقيق أهم الخصائص المميزة للتحكيم وهي إطلاق سلطان الإرادة المشتركة للخصوم([13])، في اختيار القانون الواجب التطبيق علي منازعاتهم وعلي تطبيق الإجراءات التي يرتضونها.

وبالانتقال من هذا التعميم نري أن تجاوز المحكم لإرادة أطراف التعاقد في عقود الاستثمارات الإستراتيجية ذو التمويل الخاص ومنها عقود B.O.T يعني خرق المحكم لوثيقة التحكيم وقواعده وهو الأمر الذي يترتب عليه طلب الخصوم بطلان حكمه من المحكمة التي تنظر في المصادقة عليه، وينص قواعد التحكيم الإماراتي في هذا الصدد (المادة 216/1) علي أنه يجوز للخصوم بطلان حكم المحكمين في حالة تجاوزهم علي وثيقة التحكيم.

ونري في هذا الصدد أن المشرع الإماراتي رغم منعه الطعن في أحكام المحكمين بأي طريق من طرق الطعن وفق المادة (217) فإنه أجاز طلب بطلان حكم المحكمين في حالة مخالفة المحكمين لاتفاق إرادة أطراف التحكيم ( المادة 216/A)، وهذا يعني بأن المحكم ملزم باحترام إرادة أطراف التحكيم واختيارهم لقانون الواجب التطبيق، وإلا فإن حكمه معرض للبطلان، وبهذا الصدد نري أن محكمة تمييز دبي قررت في الطعن رقم 414/2001 في 17/2/2002 بأن أحكام المحكمين غير قابلة للطعن بأي طريق من طرق الطعن المقررة في قانون الإجراءات المدنية (المواد 213/3، 216/1 ـ 217/1) ولكن يجوز طلب إبطالها إذا توافرت الأسباب المشار إليها في المواد أ، ب، ج، من المادة 216.

ومن الضروري التأكيد علي استبعاد المحكم للقانون المختار صراحة أو ضمنا من قبل إرادة أطراف التحكيم في عقود B.O.T يعني جواز الطعن بالبطلان في حكمه، إذ أن القول بغير ذلك يعني جواز تجاهل المحكم لإرادة أطراف العقد وبالتالي جواز إهماله أو مخالفته لأحكام المادة (216)، ويمكن تأكيد اتجاه المشرع الإماراتي لعام 2006 الذي ينص علي طلب إبطال حكم المحكم في حالة استبعاده لقانون إرادة أطراف التحكيم ( المادة 57/1).

إن اتجاه المشرع الإماراتي يتفق إلى حد كبير مع نصوص اتفاقية واشنطن ( مادة 53) ومع اتجاه القانون النموذجي للأمم المتحدة ( المادة 24) لعام 1984، ومع اتجاه قواعد اليونسترال المعدلة لعام 2010 فيما يتعلق باحترام هيئة التحكيم لإرادة أطراف المنازعة فيما يتعلق بالقانون الواجب التطبيق حيث تنص المادة (35) من هذه القواعد علي إلزام هيئة التحكيم بتطبيق قواعد القانون التي يعينها الأطراف باعتبارها منطبقة علي موضوع المنازعة كما يتفق موقف المشرع الإماراتي مع موقف المشرع المصري ( المادة 53 ) ومع المادة (14) من نظام التحكيم لغرفة التجارة الدولية L.C.C لعام 1998، وبذلك نري أن المستقر في فقه وتشريع القانون الإماراتي هو أن عدم تطبيق هيئة التحكيم للقانون المتفق عليه صراحة أو ضمنا من قبل أطراف عقود B.O.T يعني جواز طلب بطلان حكم هذه البيئة وفقا للمادة (216)، كما يتبين من هذه المادة بأن طلب بطلان حكم المحكمين لا يقتصر فقط علي حالة إهمالهم أو تجاوزهم لإرادة أطراف التعاقد في القانون الواجب التطبيق بل يمتد إلى حالة تجاوز أو إهمال المحكمين لإجراءات التحكيم الذي يتفق عليها الخصوم، إذ أن المادة (212/1) أجازت للخصوم الاتفاق علي إجراءات معينة يسير عليها المحكم، وبالتالي فإن مخالفة المحكم لأحكام هذه المادة يمنح الخصوم طلب بطلان حكم المحكم وفقا للمادة (216/C)، وعليه فإن خروج المحكم عن المقتضيات الإجرائية القضائية سواء السابقة كانعدام اتفاق التحكيم أو بطلانه أو انتهائه أو المعاصرة لصدور حكمه علي نحو يقوض مشروعيته كعدم توقيع الحكم أو عدم نسبيه إذا كان ذكر الأسباب واجبا أو مخالفته للنظام العام في دولة مقر التحكيم يبرر شرعية المطالبة ببطلانه من قبل الخصوم، ويتفق موقف المشرع الإماراتي مع نص المادة الخامسة من اتفاقية نيويورك والتي تؤكد حرية الأطراف في تحديد إجراءات التحكيم ومع المادة (19) من القانون النموذجي للتحكيم لسنة 1985 التي تمنح أطراف التعاقد حرية الاتفاق علي الإجراءات التي يتعين علي هيئة التحكيم إتباعها لدي السير في حسم المنازعات، كما يتفق مع قواعد الأونستيرال لعام 2010 ( المادة 35) ومع موقف معظم قوانين التحكيم التي تهدف إلى ضمان احترام المحكم للمقتضيات الإجرائية القضائية عند إصداره الحكم التحكيمي.

في هذا الصدد قد يثار تساؤل بصدد التحكيم التجاري الدولي عن إمكانية استبعاد هيئة التحكيم الأجنبي للقانون الإماراتي وعدم اعتباره القانون الواجب التطبيق وتطبيق قانون آخر بدلاً عنه وذلك في ظل اتفاقية نيويورك لعام 1958 والخاصة بالاعتراض بأحكام التحكيم الأجنبية وتنفيذها في الواقع لا يمكن التمسك في هذه الحالة بالمادة (216) من القانون الإماراتي والطلب ببطلان حكم المحكمين وإنما يكن التمسك بمبدأ المعاملة بالمثل وفقا للمادة (14) من هذه الاتفاقية والتي تنص علي أنه لا يجوز لأي طرف في هذه الاتفاقية الاحتجاج بنصوصها في مواجهة دولة أخري إلا بالقدر الذي ارتبطت به في هذه الاتفاقية، علما أن دولة الإمارات قد انضمت إلى هذه الاتفاقية عام 2006 مع تحفظها بعدم تطبيق الاتفاقية إلا إذا كان حكم التحكيم الأجنبي المطلوب تنفيذه صادراً من دولة متعاقدة.

ومن الجدير بالذكر بأن أحكام هذه الاتفاقية تسري علي جميع أحكام التحكيم الأجنبية وبصرف النظر عن أطراف المنازعة سواء أكانوا أشخاصا طبيعيين أم اعتباريين وسواء كان الشخص الاعتباري من أشخاص القانون الخاص أم العام، كما تلتزم الدول الأعضاء الاعتراف بحجية أحكام التحكيم الأجنبية وتنفيذها وفقا للشروط المنصوص عليها في هذه الاتفاقية والتي سنتطرق إليها لاحقاً.

وبناء علي ما تقدم يمكن القول بأن عقد B.O.T المبرم بين الدولة أو إحدى مؤسساتها العامة وشركة المشروع هو الذي يحكم كل جوانب العلاقة بين طرفيه فهو نظام قانوني مستقل([14])، وبالتالي فإن للأطراف الحق الكامل في إخضاعه للقانون الذي تتفق إرادتهم الصريحة أو الضمنية علي اختياره، ومعظم الاتفاقيات الدولية تذهب إلى إخضاع عقود B.O.T إلى قانون الإرادة وبالتالي فإن المحكم ملزم باحترام هذه الإرادة حيث أنه يستمد سلطته منها.

2- عدم استناد حكم المحكم علي وثيقة تحكيم أو صدوره بناء علي اتفاق تحكيم باطل أو عدم توفير الأهلية القانونية في المحتكم أو المحكم.

من المعروف أن أساس التحكيم هو اتفاق أطرافه علي ذلك بإرادتهم الصريحة وبصرف النظر عن كون هذا الاتفاق في صورة شرط التحكيم أو في صورة مشاركة التحكيم، فلابد أن يتوفر في هذا الاتفاق كافة الشروط الموضوعية والشكلية لانعقاده وصحته، إضافة إلى تمتع أطراف الاتفاق بالأهلية القانونية اللازمة لإبرامه وهي أهلية التصرف في الحقوق.

ولما كان أحد أطراف عقود B.O.T هو الدولة أو من يمثلها من أشخاص القانون العام، فإن الأهلية تعني هنا توافر الصلاحية أو الاختصاص، وما عدا ذلك لا يتصور أن تكون إرادة الدولة أو إرادة مؤسساتها معيبة بعيوب الرضا أو بنقص الأهلية، وعليه فإن الاتفاق علي إبرام عقود B.O.T والتحكيم بشأن منازعاتها يجب أن يكون موقعا من قبل من يمثل الدولة وبخويل صريح منها بمنحها هذه الصلاحية أو الاختصاص، وهذا يعني إذا كان الموقع غير مختص بتمثيل الجهة التي يوقع عنها، فإن اتفاق التحكيم يكون باطلا لأن الاختصاص يعني توافر الأهلية القانونية وعدم توافره يعني جواز طلب بطلان حكم المحكمين لنقص في أهلية الموقع علي عقود B.O.T أو التحكيم بشأنها، وعليه يمكن الاستناد في هذه الحالة إلى نص المادة (216) والطلب ببطلان حكم المحكم في عقود B.O.T إذا كانت هذه العقود موقعة من شخص ليست له أهلية الاتفاق علي إبرامها أي إذا لم يكن مخولا من قبل الدولة أو من يمثلها بتوقيع هذه العقود وحل منازعاتها بطريقة التحكيم.

ويعتبر انعدام الأهلية القانونية أو توافر نقص فيها من ضمن أسباب بطلان حكم المحكم وعدم تنفيذه وذلك استنادا إلى المادة (5/1/A) من اتفاقية نيويورك، كما تنص المادة (24) من القانون النموذجي للتحكيم علي بطلان حكم المحكم إذا كان أحد طرفي الاتفاق علي التحكيم مصابا بإحدى عوارض الأهلية، ويساير هذا الاتجاه اتفاقية واشنطن للتحكيم إذ تقرر المادة (53) بأن احدي أسباب بطلان حكم المحكم هو عدم صلاحية عضو من أعضاء الحكيم في القيام بالتحكيم.

إن شرط توافر الأهلية القانونية لا يقتصر علي المتحكم بل لابد من توافره في المحكمين أيضا إذ يجوز للخصوم طلب بطلان حكم المحكمين في حالة الحكم الصادر من محكمين لم يعينوا طبقا للقانون أو لم يتوافر فيهم الشروط القانونية وفقا للمادة (216) من قانون الإجراءات المدنية الإماراتي المتعلقة بالتحكيم المعدل في عام 2005

هذا ويشترط المشرع الإماراتي في عقد التحكيم إضافة إلى توافر الشروط الموضوعية من التراضي والأهلية ( المادة 206) وتحديد موضوع المنازعة ( المادة 203 ) توافر الشروط الشكلية حيث تنص المادة ( 212 ) من قانون التحكيم الإماراتي بضرورة كتابة حكم المحكمين كما تنص المادة (203) علي عدم إثبات اتفاق التحكيم إلا بالكتابة، وبذلك تعتبر الكتابة في القانون الإماراتي شرطا لانعقاد عقد التحكيم وإثباته ونحن بدور ـ نؤيد هذا الاتجاه، إذ أن من العسير إثبات حكم المحكمين إذا لم يكون مكتوباً، كما أن عدم كتابة هذا الحكم يتناقض مع روح أغلب نصوص القوانين الاتفاقيات المنظمة للتحكيم والتي تشترط ضرورة التوقيع علي حكم المحكمين وتسبيبه مما يثبت عدم إمكانية تنفيذ حكم المحكمين ما لم يكن مكتوبا وبالتالي فإن الجزاء الطبيعي لمخالفة هذا الشرط هو البطلان([15]).

كما يحق لنا التساؤل عن كيفية تحديد موضوع المنازعة، بدون الكتابة، وعليه فإن اتفاق التحكيم سواء ورد في صورة شرط التحكيم و مشارطة التحكيم فإنه يجب أن يكون مكتوبا وإلا كان باطلاً.

ورغم أن النصوص التشريعية لم تحدد شكل الكتابة أو طريقتها فإنه من المتفق عليه في التشريع المقارن بأنها تشمل الرسائل المتبادلة والبرقيات وغيرها من وسائل الاتصال المكتوبة (المادة12) تحكيم مصري والمادة (3) الأردني والمادة (21) اللبناني والقانون السوري والفرنسي، وفيما يتعلق بالرسائل والخطابات المتبادلة بين الأطراف، فإنها يجب أن تعبر عن إرادة الأطراف في اللجوء إلى نظام التحكيم، وفي هذا الصدد قررت محكمة جنيف في حكم لها عام 1976 رفض تنفيذ حكم التحكيم لعدم وجود تبادل للمراسلات وفقا للمادة (2/2) من اتفاقية نيويورك بين الشركة الألمانية البائعة والشركة السويسرية المشترية إذ رغم إرسال الشركة الألمانية تأكيد بالمبيعات يشتمل علي شرط تحكيم فإن الشركة السويسرية لم ترد عليها([16])، كما أن المعاهدات الدولية تقر ضرورة كتابة اتفاقية التحكيم رغم أن اتفاقية نيويورك لم تنص صراحة علي اشتراط الكتابة إلا أن ذلك يفهم من نص المادة ( 4/1/A) من الاتفاقية والتي تنص علي أن ( كل دولة موقعة للاتفاقية ستعترف باتفاق التحكيم المكتوب)، وباستقراء هذا النص يتبين أن اتفاقية نيويورك قد جعلت من كتابة التحكيم شرطا لصحة اتفاق التحكيم وليس دليل لإثباته، ورغم أن هذه الاتفاقية تجيز الاعتراف بصحة الاعتراف الشفوي في حالة اعتراف أية اتفاقية أو قانون وطني بصحة الاتفاق الشفوي، فهذا يعني تطبيق أحكام ذلك القانون أو الاتفاقية وليس تطبيق أحكام اتفاقية نيويورك، حيث لا يمكن تنفيذ اتفاق تحكيم شفوي من قبل دولة التنفيذ في إطار هذه الاتفاقية، كما يتبين من المادة (2/2) من هذه الاتفاقية بأنها أوردت شكلين لكتابة اتفاق التحكيم أولها شرط التحكيم وثانيها الخطابات والمراسلات المعبرة عن رغبة الأطراف باللجوء إلى التحكيم، كما أن القانون النموذجي للتحكيم التجاري يشترط في المادة (7/2) علي أن يكون اتفاق التحكيم مكتوبا، كما تنص المادة (34/2) من قواعد الأونستيرال المعدلة لعام 2010 علي أن تكون قرارات التحكيم مكتوبة وكذلك المادة (1) من اتفاقية عمان العربية للتحكيم التجاري والمادة (37) من اتفاقية الرياض للتعاون القضائي، ويتبين من ذلك أن معظم التشريعات الوطنية والدولية تشترط الكتابة لصحة شرط التحكيم وانعقاده وبخلافه يكون عقد التحكيم باطلاً بطلاناً مطلقاً.

وفيما يتعلق بخروج الحكم عن حدود الوثيقة والتي تنص عليها المادة (216/A) من قانون التحكيم الإماراتي والتي تبرر طلب الخصوم بطلان حكم المحكمين فيقصد بها صدور الحكم في مسائل لا يشملها اتفاق التحكيم أو في مسائل خارجة عن نطاق هذا الاتفاق، وقد ساير المشرع الإماراتي في ذلك القانون النموذجي للتحكيم ( المادة 24 ) واتفاقية واشنطن ( المادة 52 ) التي تمنح الخصوم طلب بطلان حكم المحكم إذا فصل في مسائل لا يشملها اتفاق التحكيم أو جاوز حدود هذا الاتفاق.

وفيما يتعلق بتحديد موضوع النزاع فإنه يجب أن يكون بشكل دقيق وواضح لاسيما في مشارطة التحكيم، أما في شرط التحكيم فإنه لا يلزم تحديد موضوع النزاع تحديدا كاملا وإنما يلزم تحديد نوعية المنازعات التي تنشأ عن العقد الأصلي، غير أن تحديد موضوع النزاع لا يكون باستعمال عبارات مبهمة ومرنة كما لا يشترط تحديد موضوع النزاع بشكل تفصيلي المهم أن يتضمن شرط التحكيم التزام أطرافه الأساسية بحل المنازعات المستقبلية والتي يمكن أن ينشأ عن تفسير تنفيذ العقد الأصلي، وعليه إذا لم يتضمن شرط التحكيم هذا الالتزام فإنه يفقد مغزاه([17]).

من المعروف أن تحديد النزاع قد يكون كليا كالاتفاق بأن يشمل التحكيم جميع المنازعات المتعلقة بتنفيذ عقود B.O.T سواء أكانت ذات طابع قانوني أو فني أو مالي، كما قد يقتصر اتفاق التحكيم علي بعض المنازعات كالمنازعات القانونية أو ذات الطابع الفني.

وبناء علي ما تقدم، فإن موضوع النزاع في شرط التحكيم إذا كان غير محدد بصورة واضحة إجمالية أو غير محدد بشكل تفصيلي في مشارطة التحكيم فإن ذلك يبرر طلب بطلان حكم المحكمين استنادا إلى المادة (216/B) من قانون التحكيم الإماراتي التي تنص علي جواز طلب الخصوم طلب بطلان حكم المحكمين في حالة صدور حكم تحكيمي بناء علي وثيقة لم يحدد فيها موضوع النزاع، كما تنص المادة (203/3) علي تحديد موضوع النزاع في وثيقة التحكيم وإلا فإن التحكيم يكون باطلاً وقد قررت محكمة تمييز دبي في الطعن رقم 167/2002 في 21/6/2002 بأن عدم تحديد المسائل التي يشملها التحكيم يؤدي إلى بطلان التحكيم.

ونري في هذا الصدد بأن قصد مشرعو الدول ومنهم مشرع دولة الإمارات العربية المتحدة من ضرورة تحديد موضوع النزاع في اتفاقية التحكيم هو تحقيق التوازن بين المصالح المتعارضة للخصوم حيث يترتب علي هذا التحديد تقييد المحكم بموضوع النزاع وعدم الخروج عنه، وبالتالي تقليل فرص طلب بطلان حكمه، كما أن هذا التحديد يحول دون إثارة منازعات فرعية بين الخصوم حول ما عهدوا به إلى التحكيم، كما أن تحديد موضوع النزاع يستجيب مع رغبة الخصوم في التنازل عن ولاية القضاء في المسائل المحددة في اتفاقية التحكيم فقط ومن هنا كان إصرار المشرعين في دول العالم المختلفة علي ضرورة تحديد الإطار العام لموضوع النزاع في شرط التحكيم أو في مشارطة التحكيم.

ومن الضروري أن نشير هنا أنه في الممارسة العملية يتم تحديد صيغة النزاع حيث هناك شروط تحكيم نموذجية لمؤسسات التحكيم الدولية كما هو في النظام الأساسي للهيئة الأمريكية للتحكيم حيث يحدد موضوع النزاع في شرط التحكيم بأنه أي خلاف أو نزاع ينشأ عن عقد التحكيم أو يتعلق به أو كل مخالفة لأحكامه، كما أن النظام الأساسي لمركز القاهرة الاقليمي للتحكيم التجاري الدولي يحدد موضوع النزاع في شرط التحكيم بأنه نزاع أو خلاف أو مطالبة ينشأ عن عقد التحكيم أو يتعلق به أو بمخالفة أحكامه أو إنهائه أو بطلانه.

ويبين ذلك مدي حرص التشريعات الوطنية وأنظمة التحكيم التجارية بضرورة تحديد موضوع النزاع في اتفاقية التحكيم وأهميته، ومن هنا لابد من التأكيد بضرورة تضمن عقود التحكيم الخاصة بالمشاريع الإستراتيجية ذات التمويل الخاص ومنها عقود B.O.T علي تحديد واضح لمواضيع النزاع سواء أكانت ذات طابع مالي أو اقتصادي أو تجاري أو صناعي أو فني لأهمية هذه العقود وحماية أطرافها بتقليل فرص طلب بطلانها وما يترتب علي ذلك من خسائر مالية وضياع للوقت والجهد.

وبناء علي ما تقوم يمكن القول بأن للخصوم طلب بطلان حكم المحكم في منازعات عقود B.O.T إذا صدر الحكم بغير وثيقة تحكيم أو إذا كان اتفاق التحكيم باطلا أو سقط بتجاوز الميعاد أو إذا خرج المحكم عن حدود وثيقة التحكيم أو إذا صدر اتفاق التحكيم من شخص ليس له الأهلية القانونية لإبرامه أو إذا صدر الحكم من محكم لا تتوافر فيه الشروط القانونية، أو قام بتطبيق قانون لم تتفق عليه أطراف التحكيم([18])، وقد قررت المحكمة الاتحادية العليا في دولة الإمارات في الطعن رقم 605 جلسة 24/5/2000 بوجوب توفر أهلية التصرف في أطراف عقد التحكيم.

3- بطلان تشكيل هيئة التحكيم :

تنص المادة (216/B) من قانون التحكيم الإماراتي علي جواز طلب بطلان حكم المحكمين إذا كان تعيينهم مخالفا للقانون، وبالاستناد إلى هذه المادة يمكن القول إن تشكيل هيئة التحكيم بشكل مخالف لنصوص القانون أو اتفاق أطراف التحكيم يعتبر من إحدى أسباب المطالبة ببطلان حكم التحكيم في منازعات B.O.T، وعليه إذا لم يتمتع أحد المحكمين في منازعات هذه العقود بالأهلية القانونية كما لو كان قاصرا أو محجوزاً عليه أو محروماً من حقوقه المدنية بسبب عقوبات جنائية أو لإشهار إفلاسه فإنه يجوز للخصوم طلب بطلان حكم المحكمين وفقا لهذه المادة.

ويتفق اتجه المشرع الإماراتي في هذا الصدد مع القانون النموذجي للتحكيم حيث تنص الفقرة الثانية من المادة (24) علي جواز بطلان حكم المحكم إذا كانت تشكيل هيئة التحكيم أو الإجراءات المتبعة في التحكيم مخالفة لاتفاق الطرفين، كما أن اتفاقيه واشنطن للتحكيم تنص في المادة (52) علي حالات بطلان حكم المحكم منها الخطأ في تشكيل محكمة التحكيم علي وجه مخالف لنصوص الاتفاقية أو مخالف لاتفاق أطراف التعاقد، أما فيما يتعلق بقواعد الأونستيرال المعدلة لعام 2010 فإنه وفقا للمادة (12) يجوز لأي طرف من أطراف التحكيم الاعتراض علي أي محكم في حالة وجود أي مانع قانوني أو واقعي يحول دون قيامه بمهام وظيفته ويتولي سلطة تعيين المحكمين البت في ذلك، ويتبين من ذلك بأن هذه القواعد لم يرتب بطلان وإنما أتاح الفرصة لتعين محكم بديل واستئناف إجراءات التحكيم عند المرحلة التي توقف فيها المحكم الذي جري تبديله.

4- إذا وقع بطلان في الحكم أو بطلان في الإجراءات أثر في الحكم :

فيما يتعلق ببطلان حكم التحكيم فإنه من المتفق عليه في الفقه والتشريع المقارن بأن حكم المحكمين يكون باطلا إذا صدر بغير مداولة كافية بين أعضاء هيئة التحكيم أو لم يشارك جميع المحكمين فيها، أو إذا لم يصدر الحكم بالأغلبية، ويشترط المشرع الإماراتي في هذا الصدد صدور حكم المحكمين بأغلبية الآراء مع كتابة الرأي المخالف مع بيان أسباب الحكم وتاريخ صدوره والمكان الذي صدر فيه مع توقيع المحكمين (المادة 212).

أما فيما يتعلق بالإجراءات فإن حكم المحكم يكون باطلا إذا قام علي إجراءات باطلة كعدم تقيد المحكم بالمهل الإجرائية أو سرية الجلسات أو مواعيد الحضور التي يتفق عليها أطراف التحكيم أو في حالة عدم إعلان أحد الخصوم بطلبات خصمه أو بمستنداته أو بإجراء من إجراءات الإثبات أو لم يعلن بتقرير الخبير أو لم يمكن من الدفاع عن نفسه أو تقديم مستنداته، وعليه فإن إهدار الضمانات الإجرائية الهامة يجعل حكم المحكمين مخالفا للنظام العام ومن ثم يترتب علي ذلك بطلان حكم التحكيم([19]).

لقد كانت دولة الإمارات من ضمن الدول التي تبنت حرية الأطراف في اختيار إجراءات الحكيم لفض النزاع إذ يجوز للخصوم وفقا للمادة (212) الاتفاق علي إجراءات معينة يسير عليها المحكم وعلي أساس هذه المادة قررت محكمة تمييز دبي في الطعن رقم ( 15 – حقوق ) لعام 1995 .. إن المحكم يلتزم بإتباع الإجراءات الواردة في باب التحكيم وما يتفق عليه الخصوم من إجراءات معينة.

وبناء علي ما تقدم فإن عدم إتباع المحكم للإجراءات التي يتفق عليها أطراف التعاقد في منازعات عقود B.O.T يعتبر سببا كافيا لطلب بطلان حكم المحكمين
( مادة 216/C) من قانون التحكيم الإماراتي، ويتفق اتجه المشرع الإماراتي في هذا الصدد مع اتجاه القانون النموذجي للتحكيم الذي وضعته الأونسيترال لعام 1985 حيث تنص المادة (19) بأن لطرفي عقد التحكيم حرية الاتفاق علي الإجراءات التي يتعين علي هيئة التحكيم إتباعها لدي السير في التحكيم كما تنص المادة (24) منه أن إحدى أسباب دعوى بطلان التحكيم هي كون الإجراءات المتبعة في التحكيم مخالفة للإجراءات التي اتفق عليها أطراف التحكيم، كما أن اتفاقية نيويورك تؤكد علي ذلك في المادة (5).

المبحث الثالث

اثر بطلان حكم المحكمين علي اتفاق التحكيم

سبق أن بينا بأن قصد المشرع من وراء منح الخصوم حق إقامة دعوى بطلان أحكام المحكمين هو التأكد من مدي قيام المحكم بمهام وظيفته التحكيمية ومدي احترامه للمقتضيات الإجرائية القضائية عند أدائه لمهمته وإصداره للحكم التحكيمي وبالتالي فإن دعوي بطلان حكم المحكمين لا يخرج عن كونه إحدى صور الرقابة القضائية علي أحكام المحكمين.

سبق وأن ذكرنا بأن غالبية قوانين التحكيم الوطنية تتفق علي معظم حالات طلب بطلان حكم المحكمين كانعدام اتفاق التحكيم أو بطلانه أو انتهائه أو عدم صحة تشكيل هيئة التحكيم أو تجاوزها لسلطتها أو عدم مراعاتها للمبادئ الأساسية في التقاضي أو الإجراءات المتفق عليها أو المحددة بموجب القانون أو البطلان بسبب عيوب إجرائية معاصرة لإصدار الحكم كعدم توقيع الحكم أو عدم تسبيبه أو البطلان بسبب مخالفة الحكم للنظام العام في دولة مقر التحكيم.

ومن استقراء هذه الحالات يتبين أنها تتعلق في مجموعها إما بالعيوب الشكلية أو الإجرائية سواء السابقة أو اللاحقة لإصدار حكم التحكيم وبالتالي فإن حكم التحكيم يعتبر صحيحا ومشروعاً إذا كانت تلك الإجراءات غير مشوبة بالعيب أي ما يهم المحكمة هو صحة هذه الإجراءات غير مشوبة بالعيب، أي ما يهم المحكمة هو صحة هذه الإجراءات لتقرير مشروعية الحكم من عدمها وبصرف النظر عما إذا كان الحكم مشوبا بعيب عدم العدالة حيث لا يعتبر ذلك سبب من أسباب بطلان حكم التحكيم ولا يمس مشروعيته.

وإضافة إلى كون معظم التشريعات الوطنية متفقة علي حالات البطلان وعلي المحكمة المختصة وصلاحيتها في نظر دعوي البطلان فإنها تتفق كذلك علي الآثار المترتبة علي صدور الحكم القضائي ببطلان حكم المحكمين.

في الواقع هناك شبه إجماع بين التشريعات الوطنية المتعلقة بالتحكيم بأن المحكمة المختصة في النظر في إبطال حكم المحكمين هي إما محكمة دولة مقر التحكيم بصرف النظر عن نوع التحكيمي ( وطني أو دولي ) أو محكمة الدولة التي طبق قانونها الإجرائي علي إجراءات التحكيم والتي تكون في الغالب نفس الدولة.

أما فيما يتعلق بحكم المحكم فهو يتمتع في الغالب بقوة الأمر المقضي بمجرد صدوره ما عدا التشريعات التي تجيز الطعن به بالاستئناف، وبالتالي فإن هذا الحكم في الغالب ينتج جميع آثاره القانونية ما لم يكن مشوبا بغلط في الإجراءات حيث يجوز للخصوم في هذه الحالة رفع دعوي بطلانه أما إذا كان اتفاق التحكيم صحيحا وصدر الحكم وفقا لإجراءات شكلية صحيحة فإن حكم المحكم يعتبر صحيحا ومشروعاً ولا يمكن رفع الدعوي ببطلانه وإن كان الحكم مشوبا بعيب عدم العدالة حيث إن المحكمة المختصة التي تنظر دعوي البطلان لا يقيم عدالة الحكم من عدمه وإنما يأخذ بنظر الاعتبار الإجراءات السابقة أو المعاصرة لصدور الحكم لتقرير مشروعيته.

وفيما يتعلق بالأثر القانوني الذي يرتبه صدور حكم ببطلان حكم المحكمين فلا إشكال بين النظم القانونية حول هذه المسالة إذ يعتبر الحكم باطلاً ومتجرداً من أية آثار قانونية يربه سواء فيما يتعلق بحجية أو في قوته التنفيذية، ومن الطبيعي أن لا يرتب الحكم القضائي الصادر ببطلان الحكم التحكيمي أية مشاكل قانونية إذا كانت دولة مقر التحكيم هي نفسها الدولة المطلوب تنفيذ الحكم فيها، إذ لا يعقل أن تلتزم قضاء هذه الدولة بتنفيذ ذات الحكم الذي سبق وأن تم إبطاله، إلا أن المشكلة تثور في حالة اختلاف دولة مقر التحكيم التي أصدرت حكم البطلان عن الدولة المطلوبة تنفيذ ذات الحكم فيها في الواقع لا تزال هذه المسالة موضع خلاف في فقه التحكيم الدولي وفي القضاء المقارن رغم أن اتفاقية نيويورك لعام 1958 والخاصة بالاعتراف بأحكام التحكيم الأجنبية وتنفيذها تنص في المادة 5/1/H علي أن الاعتراف بالحكم التحكيمي أو تنفيذه يمكن أن ترفض إذا قدم المطلوب تنفيذ الحكم ضده ما يفيد بطلان هذا الحكم من قبل المحكمة المختصة في دولة مقر التحكيم أو من المحكمة المختصة في الدولة التي صدر فيها حكم التحكيم، ويتبين من هذه المادة بأن الأصل في هذه الاتفاقية هو قابلية الحكم للتنفيذ إذا توافرت جميع شروط صحته أي تقديم وثيقة الحكم ووثيقة اتفاق التحكيم من قبل طالب التنفيذ أما رفض الاعتراف بالحكم وتنفيذه فهو استثناء علي الأصل إذ أن حالاته محددة علي سبيل الحصر وفق المادة (5/1) من الاتفاقية ويمكن تصنيفها إلى طائفتين([20]): الطائفة الأولي : وتشمل الحالات التي يقع عبء إثباتها علي عاتق من صدر ضده حكم التحكيم وهي علي النحو التالي :

أ – عدم أهلية أطراف التحكيم أو عدم صحة الاتفاق وفق قانون الدولة الذي صدر فيه الحكم.

ب- عدم تبليغ المطلوب تنفيذ الحكم ضده بإجراءات التحكيم وتعين المحكم أو استحالة تقديمه الدفاع عن نفسه.

ج- كون حكم التحكيم يتعلق بنزاع غير وارد في بنود الإحالة للتحكيم أو أنه يتجاوز وثيقة التحكيم.

د- تشكيل هيئة التحكيم أو إجراءات التحكيم مخالف لاتفاق أطراف التحكيم أو لقانون الدولة الذي تم فيه التحكيم .

هـ- لم يصبح الحكم ملزما للأطراف أو تم إبطاله أو إيقافه من قبل السلطة المختصة في الدولة التي تم فيه التحكيم أو صدر الحكم بموجب قانونها.

أما الطائفة الثانية فيتعلق بالحالات التي يحق فيها للمحكمة المطلوب منها تنفيذ الحكم أن ترفض تنفيذه ومن تلقاء نفسها وتشمل هذه الحالات:

  1. إذا كان قانون بلد التنفيذ لا يجيز تسوية النزاع عن طريق التحكيم.
  2. كون الاعتراف بحكم التنفيذ أو تنفيذه يخالف النظام العام في دولة تنفيذ حكم المحكمين.

في الواقع أن أسباب البطلان المتفق عليها دوليا هي ذات أسباب رفض الاعتراف المنصوص عليها في المادة (5/1) من اتفاقية نيويورك، حيث إن كل من الاتفاقية الأوربية للتحكيم الدولي لعام 1961 واتفاقية واشنطن لعام 1965 وكذلك القانون النموذجي للتحكيم التجاري الدولي عام 1965 تنص علي نفس الأسباب الواردة في اتفاقية نيويورك، وعليه فإن الحكم ببطلان حكم التحكيم بناء علي هذه الأسباب من قبل محاكم دولة المقر يرتب بالنتيجة رفض محكمة التنفيذ القيام بتنفيذه وترتيب آثاره، أما إذا كانت الأسباب التي استندت عليها محكمة مقر التحكيم في إبطال حكم التحكيم هي أسباب ذات خصوصية وطنية كالخطأ في تطبيق القانون فاحتمال رفض الاعتراف بآثره واسعة وفق نص المادة (7) من اتفاقية نيويورك التي تنص علي ” أن نصوص هذه الاتفاقية لا تخل بصحة المعاهدات الجماعية أو الثنائية المصادقة عليها من قبل الدول الأعضاء، كما أن كل عضو لا يحرم من الاستفادة من حكم التحكيم الأجنبي بالكيفية والقدر المسموح به في القانون الوطني للدولة المطلوب منها الاعتراف بالحكم وتنفيذه أو وفق الاتفاقيات سارية المفعول.

ويتبين مما سبق أنه لا يمكن تنفيذ أحكام التحكيم الباطلة في مقر دولة التحكيم إذا كانت أسباب رفض تنفيذ حكم التحكيم الأجنبي في الدولة المطلوب التنفيذ فيها هي نفس أسباب البطلان في دولة مقر التحكيم، وعليه إذا توصل قاضي التنفيذ في الدولة المطلوب تنفيذ الحكم فيها بأن الأسباب التي استند إليها قضاء دولة مقر التحكيم لابطال حكم التحكيم تتطابق مع أسباب رفض التنفيذ في قانونه الوطني فإنه سيرفض تنفيذ حكم التحكيم استناداً إلى المادة (4/1/5) من الاتفاقية، أما إذا كانت الأسباب مختلفة جاز له الاعتراف بالحكم التحكيمي، وتنفيذه استنادا إلى المادة الخامسة التي تمنحه السلطة التقديرية في هذا المجال وبشرط سماح قانونه الداخلي لهذا التنفيذ.

أما فيما يتعلق بموقف القضاء الدولي من تنفيذ أحكام التحكيم الباطلة فسوف نتعرض لبعض القضايا التي استندت إلى المادة الخامسة من اتفاقية نيويورك التي تنص علي رفض تنفيذ حكم صادر ببطلانه من قضاء دولة مقر التحكيم والمادة السابعة التي تجبر الاستناد في تنفيذ حكم التحكيم الأجنبي علي القانون الوطني إذا كان ذلك أفضل لطالب التنفيذ، فيما يتعلق بقضية norsolor فإن هيئة التحكيم في فيينا واستناداً إلى قواعد التحكيم الخاصة بغرفة التجارة الدولية كانت قد قررت إلزام الشركة التركية pabalk بدفع تعويض إلى الشركة الفرنسية norsolor علي إثر قيام الشركة الأولي بإنهاء عقد الوكالة التجارية الذي كان يربطها بالشركة الثانية، ورغم التصديق علي هذا الحكم من قبل كل من المحكمة التجارية في فيننا عام 1981 ومحكمة بداية باريس في نفس التاريخ إلا أنه تم إلغاء هذين الحكمين من قبل محكمين استئناف فيينا وباريس إذ قررت المحكمة الأولي إبطال حكم التحكيم لعدم تأسيسه علي قانون وطني معين([21]).

بينما قررت استئناف باريس إبطال حكم محكمة البداية لصدور حكم من القضاء النمساوي بإبطال حكم التحكيم([22])، وقد استندت المحكمة علي نص المادة الخامسة من اتفاقية نيويورك التي تجيز رفض تنفيذ حكم التحكيم الذي ابطل بحكم قضائي من محاكم دولة مقر التحكيم، غير أن محكمة النقض الفرنسية قررت جواز تنفيذ حكم التحكيم الأجنبي في فرنسا علي الرغم من صدور حكم ببطلانه في دولة مقر التحكيم ( النمسا) وذلك استناداً إلى المادة السابعة من الاتفاقية التي تجيز الاستناد في تنفيذ هذا الحكم علي القانون الوطني لدولة التنفيذ إذا كان ذلك أفضل لطالب التنفيذ ـ كما استندت المحكمة علي المادة 1502 من قانون المرافعات الفرنسي التي حددت الحالات التي تمنع الاعتراف بالحكم الأجنبي وقررت بأن صدور حكم أجنبي ببطلان حكم تحكيمي لا يدخل ضمن هذه الحالات أي أن القانون الفرنسي لا يمنع من تنفيذ الحكم التحكيمي رغم صدور حكم ببطلانه من محكمة أجنبية طالما كان الوطني الفرنسي هو الأفضل لطالب التنفيذ، وبذلك أزيلت العوائق القانونية أمام المحاكم الفرنسية لتنفيذ أحكام التحكيم الصادرة خارج فرنسا بالرغم من صدور حكم ببطلانها وذلك استنادا إلى المادة السابعة من اتفاقية نيويورك وبشرط أن يكون القانون الفرنسي هو الأفضل أو الأصلح لطالب التنفيذ.

ولقد تكرر اتجاه القضاء الفرنسي في تنفيذ حكم التحكيم الأجنبي رغم صدور حكم ببطلانه من دولة مقر التحكيم في قضية سلطة طيران إمارة دبي ضد شركة Bechtel والذي صدر فيها الحكم التحكيمي لصالح هذه الشركة بتاريخ 20/2/2002 وأصدرت محكمة باريس أمرا بتنفيذه بتاريخ 15/5/2004، بينما أصدرت المحكمة المدنية في دبي الحكم ببطلان حكم التحكيم وفقا للمادة (216) من قانون الإجراءات المدنية المتعلق بالتحكيم رقم (11) لسنة 1992 والمعدل بالقانون رقم (30) لسنة 2005 حيث لم يتم تحليف الشهود باليمين القانونية قبل الإدلاء بشهادتهم، واستنادا إلى هذا الحكم قامت سلطة الطيران في إمارة دبي بالطعن بالاستئناف في قرار محكمة باريس القاضي بتنفيذ أمر التحكيم واستندت في استثنائها علي المادة (13/3/1) من اتفاقية التعاون القضائي بين دولة الإمارات وفرنسا لعام 1991 والتي تنص علي أن الحكم القضائي الصادر في إحدى الدولتين يعتبر باتاً وغير قابل للطعن فيه وقابل للتنفيذ في الدولة التي صدر فيها، كما استند هذا الاستئناف علي أن أي اعتراف بحكم التحكيم الباطل في دولة المقر يخالف النظام العام الدولي.

وبنتيجة الاستئناف قامت محكمة استئناف باريس برفض جميع أسباب الاستئناف وتأكيد قرار محكمة باريس وبررت برفض جميع أسباب الاستئناف وتأكيد قرار محكمة باريس وبررت ذلك بأن المادة 13/3/1 من اتفاقية التعاون القضائي تطبق علي الأحكام القضائية فقط وبأن الاعتراف بحجية حكم التحكيم الدولي الباطل في دولة مقر التحكيم لا يخالف النظام العام الدولي([23]).

وفيما يتعلق بالقضاء الأمريكي فمن المعروف أن تنفيذ أحكام التحكيم الوطنية أو الدولية تحتاج إلى قرار تنفيذي من إحدى المحاكم المختصة والتي تملك استنادا إلى المادة (9) من قانون التحكيم الفدرالي FAA سلطة إصدار الأمر بتنفيذ أحكام التحكيم الوطنية إلا في حالة إثبات عدم حياد المحكم أو كون الحكم التحكيمي مشوبا بالغش أو بسبب فساد أو عدم اختصاص المحكم، كما منحت المحاكم الأمريكية لنفسها حق إبطال الحكم التحكيمي في حالة مخالفته الواضحة للقانون والتي يمكن ملاحظته من قبل أي محكم.

أما فيما يخص تنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية فإن المحاكم الأمريكية تلتزم باتفاقية نيويورك والتي تم إدماجها في الباب الثاني والثالث من قانون التحكيم الفدرالي الأمريكي لعام 1970 حيث تجد أن المادة (207) منها تلزم هذه المحاكم بتنفيذ حكم التحكيم الأجنبي إلا في حالة شموله بالرفض بموجب المادة (5) من هذه الاتفاقية.

ومن الجدير بالذكر أن القضاء الأمريكي قد استقر علي رفض الاعتراف بحكم التحكيم الأجنبي الذي سبق وأن صدر حكم ببطلانه من محاكم مقر دولة التحكيم ويظهر هذا الاتجاه واحدا بعد قضية chromalloy حيث حذا فيه القضاء الأمريكي حذو القضاء الفرنسي وما عدا ذلك فإنه يربط بين مشروعية حكم التحكيم وقانون وقضاء الدولة التي صدر فيها الحكم حيث نجد في قضية baker marine موافقة محكمة الاستئناف الأمريكية علي حكم المحكمة المحلية في نيويورك برفض تنفيذ حكم تحكيمي صادر لمصلحة شركة baker marine النيجرية ضد شركة chevron, danes النيجيريتين وذلك لصدور حكم بإبطالها من المحكمة الفدرالية النيجيرية وقد استندت محكمة الاستئناف الأمريكية في رفضها تنفيذ هذا الحكم التحكيمي الصادر بشأنه حكم بالبطلان في نيجريا إلى مجموعة من التبريرات القانونية منها:

أولاً : أن إرادة الأطراف قد انصرفت إلى تطبيق القانون النيجيري وبالتالي
لا يجوز لشركة baker marine التمسك بتطبيق القانون الأمريكي بحجة الاستناد إلى المادة (7) من اتفاقية نيويورك باعتباره الأفضل لطالب التنفيذ وعليه فإن التمسك بالقانون الأمريكي يخالف قاعدة عامة آمرة وهي : ” قانون التحكيم الفدرالي التي يهدف إلى ضمان تنفيذ اتفاقيات التحكيم ووفقا للبنود الواردة فيها”.

ثانياً : من القواعد الثابتة في القضاء الأمريكي هو أن الاختصاص بنظر دعوي بطلان الحكم التحكيمي ينعقد لقضاء دولة المقر ووفقا لقانونها الداخلي وبالتالي فإن الحكم الصادر ببطلان حكم التحكيم من قبل محكمة نيجرية يعتبر صحيحا ومشروعاً.

ثالثاً : عدم اشتمال الحكم التحكيمي علي حالة من حالات رفض تنفيذ الحكم التحكيمي المنصوص عليها في المادة الخامسة من اتفاقية نيويورك.

رابعاً : رغم ما تملكه المحاكم الأمريكية من سلطة تقديرية في رفض أو تنفيذ حكم التحكيم المفضي ببطلانه في دولة مقر التحكيم فإن شركة baker marine لم تقدم أي سبب مقنع لتنفيذ الحكم وعدم الاعتراف بالحكم القضائي النيجري القاضي ببطلان حكم التحكيم([24]).

وقد سلك القضاء الأمريكي نفس المسلك في قضية martin spier([25])، حيث قامت المحكمة المحلية للدائرة الجنوبية في مدينة نيويورك برفض تنفيذ حكم تحكيم صادر لمصلحة المهندس الأمريكي maltin spire في إيطاليا ضد الشركة الايطالية calzaturificio tecnica وذلك بسبب إبطال حكم التحكيم بحكم قضائي باتب ومؤيد من قبل محكمة النقض الايطالية لتجاوز المحكم لصلاحياته حسب وثيقة التحكيم.

وقد اعتمد القضاء الأمريكي في هذه القضية علي الأسباب التي سبق وأن اعتمدت عليها محكمة الاستئناف الأمريكية في قضية balker marin وقد ذهبت المحكمة إلى القول بأن المحاكم الايطالية هي المختصة في نظر الدعوي بموجب اتفاقية نيويورك باعتبار إيطاليا هي الدولة التي صدر فيها أو بموجب قوانينها حكم التحكيم.

ويبدو من استقراء هذه القضايا والقضايا اللاحقة أن اتجه القضاء الأمريكي يميل إلى اتجاه رفض تنفيذ أحكام التحكيم الباطلة علي أساس أن السماح بتنفيذ حكم تحكيم سبق وأن صدر بحقه حكم قضائي ببطلانه يتعارض مع قاعدة أساسية في اتفاقية نيويورك وهي أن حكم التحكيم يفقد حجيته التنفيذية في دولة التنفيذ إذا ما تم إبطاله من قبل قضاء الدولة التي صدر فيها، بينما يعتمد القضاء الفرنسي المادة السابعة من اتفاقية نيويورك وعلي تنفيذ الحكم التحكيمي في فرنسا رغم صدور قرار قضائي بإبطاله علي أساس أن هذه المادة لا تعتبر بطلان الحكم في دولة مقر التحكيم سببا لرفض الاعتراف به في فرنسا، وتري المحاكم الفرنسية بأن المادة السابعة من اتفاقية نيويورك تمنحها الرخصة في تنفيذ حكم أجنبي رغم بطلانه في حالة توافر الشروط الواردة في المادة 1502 باعتبار هذه المادة أفضل لطالب التنفيذ من المادة (5/1) من الاتفاقية لأنها لا تعتبر رفض الحكم من قبل قضاء دولة أخري سبباً مقنعاً لرفض الاعتراف به في فرنسا.

ونري في هذا الصدد أن قيام المحاكم الفرنسية بتنفيذ حكم رغم صدور حكم بإبطاله من قضاء مقر التحكيم يعني تجاهل المحاكم الفرنسية لاتفاق التحكيم ذاته والذي هو أساس وجود الحكم التحكيمي، ولا يفسر اتجاه المحاكم الفرنسية إلا بتوجهها لتحقيق غاية معينة هو أبعاد حكم التحكيم الدولي عن قوانين ورقابة قضاء الدولة التي صدر فيها أي تبني ” نظرية ” التحكيم اللامنتمي لقانون معين، ويحق لنا أن نتساءل عن السند القانوني الذي تستند إليها المحاكم الفرنسية في عزل هذا القضاء فهو من جانب يرفض اندماج التحكيم الدولي في القانون الوطني لدولة مقر التحكيم ومن جانب آخر يسمح بهذا الاندماج مع القانون الفرنسي علي أساس قانون دولة التنفيذ، ورغم أن محكمة التنفيذ يتمتع بسلطة تقديرية في رفض الاعتراف بالحكم التحكيمي وتنفيذه استنادا إلى اتفاقية نيويورك التي لا تجيز تنفيذ حكم التحكيم الباطل في دولة مقر التحكيم، كما أنها لا تمنع حزما تنفيذ هذا الحكم، أي أنها وإن كانت ملزمة بعدم رفض الاعتراف بالحكم وتنفيذه لسبب من الأسباب غير تلك الواردة في المادة الخامسة من الاتفاقية، إلا أنها غير ملزمة أيضا برفض الاعتراف والتنفيذ رغم تواجد أحد الأسباب الواردة في المادة الخامسة ومن بينها إبطال حكم المحكم في مقر دولة التحكيم فهي تمتع بسلطة تقديرية في الرفض والتنفيذ، لذا فإن المشكلة ليس في وجود السلطة التقديرية لمحاكم التنفيذ من عدمها بل في حدود وكيفية ممارستها، وعليه نري أن صدور حكم بإبطال حكم تحكيمي علي أساس الفقرات الأربعة الأولي من المادة 5/1 من اتفاقية نيويورك وهي الحالات التي تشمل جوهر العملية التحكيمية حيث تمس اتفاق التحكيم ذاته وهيئة التحكيم وإجراءاته وحكمه يعني بطلان حكم التحكيم وعدم وجود أي مبرر لاستعمال السلطة التقديرية للمحاكم في هذا المجال.

ومما سبق يمكن القول بأن تبني المحاكم الفرنسية لمبدأ جواز تنفيذ الحكم التحكيمي الأجنبي في فرنسا رغم صدور قرار ببطلانه من دولة مقر التحكيم علي أساس أن القانون الفرنسي لا يمنع من تنفيذه وأن المادة (7) من اتفاقية نيويورك تجيز الاستناد في تنفيذ حكم التحكيم الأجنبي علي القانون الوطني لدولة التنفيذ إذا كان أفضل لطالب التنفيذ لا يعني في النتيجة سواء فسح المجال للمحاكم الفرنسية بتنفيذ أحكام التحكيم الصادرة في الخارج رغم صدور حكم ببطلانها، وبالتالي سوء استخدام السلطة التقديرية.

وبخلاف القضاء الفرنسي فإن القضاء الأمريكي سلك مسلكا مغايرا حيث استقر علي رفض الاعتراف بحكم التحكيم الأجنبي الباطل احترام لحجية الحكم القضائي الأجنبي، فالقضاء الأمريكي ملتزم بمسالة ربط مشروعية التحكيم بقانون قضاء دولة مقر التحكيم وبذلك يعتبر هذا النهج أكثر ملائمة مع مقصود السلطة التقديرية لمحاكم التنفيذ ومع معايير الرخصة التي تنص عليها المادة السابعة من اتفاقية نيويورك.

وقبل التطرق إلى الآثار التي يرتبها بطلان حكم المحكمين، نري ضرورة بيان موقف المشرع الإماراتي من تنفيذ حكم التحكيم الأجنبي، ولاسيما أن دولة الإمارات قد انضمت إلى اتفاقية نيويورك لعام 1958 في 12/8/2006، في الواقع لم يخصص المشرع الإماراتي قانوناً خاصاً للتحكيم بتناول تنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية، الأمر الذي يعني الرجوع إلى قانون الإجراءات المدنية ولا سيما إلى المادتين ( 235) و (236)، إذ تنص الأولي علي الحالات التي يجوز فيها تنفيذ الحكم من قبل المحاكم الإماراتية وهي:

  1. إذا تبين عدم اختصاص محاكم الدولة بالمنازعة التي صدر فيها الحكم وبأن المحاكم الأجنبية التي أصدرته هي المختصة طبقا لقواعد الاختصاص الدولية.
  2. صدور الحكم من محكمة مختصة وفقاً لقانون البلد الذي صدر عنه.
  3. حضور الخصوم في الدعوي التي صدر فيها الحكم الأجنبي.
  4. حيازة الحكم لقوة الأمر المقضي .
  5. عدم تعارض الحكم مع حكم سبق صدوره من محاكم الدولة وعدم تضمنه ما يخالف الآداب أو النظام العام .

وتنص المادة (236) علي سريان أحكم المادة (235) علي أحكام المحكمين الصادرة في بلد أجنبي بشرط أن يكون هذا الحكم صادر في مسألة يجوز التحكيم فيها طبقا لقانون الدولة وقابل للتنفيذ في البلد الذي صدر فيه.

ويتبين من استقراء هذه النصوص أن دور المحكمة الإماراتية هو التحقق من عدم وجود مانع من تنفيذ قرار المحكم وذلك باستيفائه للإجراءات الشكلية ورعايته لمبدأ المواجهة في الخصومة وعدم معارضته لحكم آخر سبق صدوره في نفس الموضوع وبين نفس الخصوم مع ضرورة عدم تعارض قرار المحكم مع النظام العام أو الآداب، ولا تملك المحكمة التصرف علي صحة عدالة حكم المحكمين.

ومن خلال المفهوم المخالف للمواد أعلاه يبين بأن المحكمة المختصة بتنفيذ الأحكام الأجنبية لن تقوم بتنفيذ حكم التحكيم الأجنبي في الحالات التالية:

  1. عدم اختصاص هيئة التحكيم وعدم حيازة الحكم لقوة الأمر المقضي به.
  2. عدم مراعاة حقوق الدفاع بين أطراف الخصومة التحكيمية.
  3. تعارض الحكم التحكيمي مع حكم سبق وأصدرته المحاكم الإماراتية.
  4. صدور حكم التحكيم الأجنبي في مسائل لا يجوز عرضها علي التحكيم.
  5. مخالفة الحكم التحكيمي الأجنبي لقواعد النظام العام .

ومما سبق يمكن القول أن دور قاضي التنفيذ في دولة الإمارات هو التحقق من مدي استيفاء حكم التحكيم الأجنبي للمتطلبات الشكلية التي يتطلب المشرع الإماراتي توافرها في حكم التحكيم لتنفيذه في دولة الإمارات، ويمكن تعزيز هذا الرأي بالقرار الصادر من محكمة تمييز دبي في الطعن رقم 125/1995([26])، إذ ذهبت المحكمة إلى القول بأن الرقابة القضائية علي حكم المحكمين عند النظر في طلب المصادقة علي حكمهم قد سنها المشرع للتأكد من شرعية أعمالهم، فالأمر بالتصديق يعني التحقق من عدم وجود مانع من تنفيذ حكم المحكمين داخل البلاد لاستيفائه للشروط الشكلية، وأن ما ذهب إليه المشرع الإمارات يتماشي مع المادة (3) من اتفاقية نيويورك التي تلزم الدول الأعضاء بالاعتراف بحجية أحكام التحكيم الأجنبية وتنفيذها وفقا للشروط المنصوص عليها فيها وكذلك فيما يتماشي مع المادة (5) من هذه الاتفاقية التي بينت حالات رفض الاعتراف بأحكام التحكيم الأجنبية وتنفيذها وهي مماثلة للحالات الواردة في المادة (235) من قانون الإجراءات المدنية الإماراتي.

وفيما يتعلق بالآثار القانونية المترتبة علي بطلان حكم التحكيم ولاسيما في العقود الاستثمارية ذات التمويل الخاص ومنها منازعات عقود B.O.T، نري أن نصوص قانون التحكيم الإماراتي لم تتطرق إلى بيان ذلك، الأمر الذي يعني الرجوع إلى القواعد العامة في قانون المرافعات، وهذا يعني إفساح المجال واسعا أمام الاجتهادات الفقهية حول جواز أطراف العقد بالرجوع إلى القضاء أو التمسك بالتحكيم.

ونري في هذا المجال إمكانية التمسك بالتحكيم ما دام البطلان غير قائم علي أساس بطلان الاتفاق كما لو ورد البطلان علي جزء من حكم المحكمين يمكن فصله عن الأجزاء الأخرى، أما في حالة بطلان التحكيم لعدم توفر أحد أركانه أو شروط صحته أو عدم خضوع محله للتحكيم أصلا لأسباب تتعلق بالنظام العام فإنه يتعذر في هذه الحالة التمسك بالتحكيم مرة أخري والاستمرار في إجراءاته.

وبالانتقال من هذا التعميم نري أن طلب بطلان التحكيم إذا كان يستند إلى المادة (216) من قانون التحكيم الإماراتي التي تحدد الحالات التي يجوز فيها طلب بطلان حكم المحكمين فإن قرار البطلان يمس اتفاق التحكيم في وجوده وصحته فلا يجوز اللجوء إلى التحكيم مرة أخري، وهنا قد يدور تساؤل عن مدي إمكانية التمسك باتفاقية التحكيم إذا كان قرار البطلان ينصب علي المنازعات الخاصة بتفسير العقد بينما كان اتفاق التحكيم شاملا لكافة المنازعات المتعلقة بتفسير وتنفيذ العقد، هنا لابد من القول أن حكم البطلان يتعلق بتفسير العقد ويظل اتفاق التحكيم منتجا لآثاره فيما يتعلق بتنفيذ العقد، بحيث إذا أثيرت منازعات حول ذلك فيما بعد فإنه يجوز اللجوء إلى التحكيم مرة أخري بذات الاتفاق ولمدة جديدة لحسمها لأن اتفاق التحكيم قد انقضي بالنسبة لمنازعات التفسير فقط ولم يستهلك بالنسبة لمنازعات التنفيذ.

وقد يدور تساؤل أخر حول إمكانية هيئة التحكيم التي أصدرت الحكم اتخاذ الإجراءات اللازمة لإزالة أسباب طلب البطلان وفقا لقانون التحكيم الإماراتي.

في الواقع لم يمنح المشرع الإماراتي أية فرصة لهيئة التحكيم لإصلاح لأسباب التي بني عليها البطلان حيث إنه بمجرد قيام هيئة التحكيم بإصدار حكمها فإنها تستنفذ ولايتها وبالتالي لا تملك الرجوع عن القرار التحكيمي التي أصدرتها أو أن تعدلها إلا أنها تملك وفق المادة (214) إعادة النظر فيما قد أغفلت عن الفصل فيها من مسائل التحكيم أو القيام بتوضيح الحكم وتفسيره إذا ما اكتنفه الغموض وذلك في حالة إعادة الحكم إليها من قبل المحكمة المختصة أثناء النظر في طلب تصديق حكم المحكمين من قبلها، ووفقاً لهذه المادة علي المحكمين في هاتين الحالتين أن يصدروا قراراهم خلال ثلاثة أشهر من تاريخ إبلاغهم بقرار المحكمة إلا إذا قررت المحكمة خلاف ذلك، وهذا لا يجوز الطعن في قرار المحكمة إلا مع الحكم النهائي الصادر بتصديق الحكم أو إبطاله، ومن الجدير بالذكر أن إجازة القانون الإماراتي لهيئة التحكيم بتفسير حكمها بعد إصدارها يمكن اعتبارها استثناء علي إثر الحكم التحكيم لأنه من المعروف أن المحكم بستنفذ سلطته بمجرد إصداره للحكم التحكيمي، إلا أن معظم القوانين والاتفاقيات الدولية أوردت استثناء علي هذا الأثر وسمحت لبيئة التحكيم أن تقوم بتفسير حكمها في حالة اتسامه بالغموض، ويبدو أن المشرع الإماراتي قد ساير في ذلك قواعد اليونسترال لعام 2010 في المادة (37) وكذلك المادة (33/B) من القانون النموذجي كما ساير معظم التشريعات العربية وبخلاف ذلك لم يتضمن اتفاقية عمان العربية للتحكيم أي نص يجيز تفسير الحكم من قبل هيئة التحكيم الأمر الذي يعد قصوراً تشريعياً يجب تلافيه.

أما فيما يتعلق بتصحيح حكم التحكيم فقد منح المشرع الإماراتي هذه الصلاحية لمحكمة الموضوع وفقا للمادة (215) التي تنص علي أنه ” .. تختص هذه المحكمة بتصحيح الأخطاء المادية في حكم المحكمين بناء علي طلب ذوي الشأن بالطرق المقررة لتصحيح الأحكام، وفي هذا الصدد قررت محكمة تمييز دبي في الطعن رقم 99/9 لعام 2000 بأنه ” من المقرر عملاً بنص المادة (215) من قانون الإجراءات المدني أنه لا ينفذ حكم المحكمين إلا إذا صادقت عليه المحكمة التي أودع قلم كتابها وذلك بعد الاطلاع علي الحكم ووثيقة التحكيم والتثبت من أنه لا يوجد مانع من تنفيذه وتختص هذه المحكمة بتصحيح الأخطاء المادية في حكم المحكمين..”.

ونري في هذا الصدد بأن المشرع الإماراتي لم يكن موقفا في منح المحكمة المختصة صلاحية تصحيح الأخطاء المالية والحسابية حيث نري أن هيئة التحكيم هي أكثر قدرة علي معالجة هذه الأخطاء وبدلاً من تدخل المحكمة لتصحيح هذه الأخطاء بإمكانها إعادة الحكم إلى البيئة التحكيمية أسوة بالحالات المنصوص عليها في المادة (214)، كما أنه بإمكان ذوي الشأن طلب إجراء تصحيح تلك الأخطاء من البيئة التحكيمية مباشرة بدلاً من اللجوء إلى المحكمة كسباً للوقت والتكاليف، إذ أن هيئة التحكيم أدري بظروف النزاع للعروض عليها بينما المحكمة لم تنظر في النزاع أصلاً.

وفيما يتعلق بالاتفاقيات الإقليمية والدولية نجد أن اتفاقية عمان قد نصت في المادة 33/1/2 علي جوز تصحيح الحكم من قبل هيئة التحكيم كما نصت المادة (38) من قواعد اليونسترال والمادة (33) من القانون النموذجي علي ذلك.

لا شك أن منح هيئة التحكيم صلاحية تصحيح الأخطاء المادية والحسابية لها أهمية خاصة في المنازعات المتعلقة بتفسير أو تنفيذ العقود الاستثمارية الإستراتيجية ذات التمويل الخاص بضمنها عقود B.O.T والتي تحتاج استمرارية العلاقات بين أطرافها علي الثقة والتوازن في رعاية المصالح، إذ أن منح هيئة التحكيم في هذه الصلاحية يشجع المستثمرين باللجوء إلى التحكيم وبالتالي يبدد مخاوفهم من اللجوء إلى القضاء الوطني، ناهيك عن كسب الوقت الذي يعتبر عاملاً هاماً في تنفيذ العقود الاستثمارية المتعلقة بالركائز الاقتصادية ومنها عقود B.O.T.

ونؤيد بهذا الصدد المادة (38) من قواعد الأونسترال المعدلة لعام 2010 حيث يجوز لأي طرف أن يطلب من هيئة التحكيم مباشرة وخلال (30) يوما تصحيح ما وقع في قرار التحكيم من أخطاء حسابية أو كتابية أو مطبعية أو أي أخطاء أخري أو أي سهو ذي طابع مشابه، كما يجوز لهيئة التحكيم أن تجري تلك التصحيحات من تلقاء نفسها في غضون (30) وبما من تاريخ إرسال قرار التحكيم، ونري في هذا الصدد أن قيام هيئة التحكيم بتصحيح الحكم التحكيمي بناء علي طلب أطراف الخصومة أو من تلقاء نفسها من شأنها ترسيخ الثقة بالتحكيم وبالتالي استقرار المعاملات والمراكز القانونية التي نشئها الحكم التحكيمي إضافة إلى تجنب اللجوء إلى القضاء وما يترتب علي ذلك من إضاعة للوقت والمال، ونري ضرورة الاستفادة من هذه المادة في حالة صدور قانون خاص بالتحكيم في دولة الإمارات أو في حالة تعديل القانون الحالي.

الفصل الثاني

دور المحكم في احترام إرادة أطراف التعاقد

فيما يتعلق بالقانون الواجب التطبيق

سبق وأن بينا بأن عقود مشروعات البنية الأساسية ذات التمويل الخاص ومنها عقود BOT تتمتع بخصائص ذاتية متأنية من كون الدولة أو أحد أشخاص القانون العام غالباً ما يكون أحد أطراف هذه العقود الإستراتيجية مما يمنح اتفاق التحكيم الخاص بتسوية منازعاتها خصوصية مميزة، ومن هنا تثور تساؤلات عديدة عن القانون الواجب التطبيق وعن دور أطراف التحكيم في اختيار هذا القانون وعن دور المحكم في احترام إرادة الأطراف المتعاقدة بهذا الشأن سواء إذا كان التعبير عن هذه الإرادة المشتركة صريحاً أو ضمنياً.

في الواقع أن الإجابة علي هذه التساؤلات ليست سهلة حيث لا يخضع المحكم لقانون معين، إذ يتم اختيارهم من قبل الخصوم أنفسهم ويستمدون سلطاتهم من الاتفاق المبرم بينهم، وهذا ما سنحاول التطرق إليه في هذا البحث معتمدين علي اتجاه الفقه الدولي إلى تبني قاعدة التنظيم الذاتي للعقود Self Regulatory Contracts أي أن العقد هو نظام قانوني ذاتي له القدرة علي إيجاد قواعد قانونية وبالتالي فإن ما يتفق عليه أطراف التعاقد فيما يتعلق بحقوقهم والتزاماتهم هي القواعد القانونية الملزمة لهم سواء فيما يتعلق بتفسير أو تنفيذ العقد المبرم بينهم.

ويمكن القول ابتداءً أن النظم القانونية المعاصرة أصبحت تتبني قاعدة إخضاع منازعات عقود واتفاقيات الاستثمار للقانون المختار صراحة من قبل أطراف التعاقد أو تلك التي يمكن استخلاصها من إرادتهم الضمنية، وعليه سنتطرق في هذا الفصل إلى الاختيار الصريح للقانون الواجب التطبيق ومن ثم الاختيار الضمني، كما ستطرق إلى مدي صلاحية المحكم في احترام الإرادة المشتركة للمتعاقدين.

المبحث الأول

الاختيار الصريح للقانون الواجب التطبيق في منازعات عقود

B.O.Tانطلاقاً من قيام التحكيم علي إرادة أطراف النزاع فإن إعطاء الأولوية لقانون الإرادة يتفق مع اعتبار التحكيم عدالة خاصة تستمد شرعيتها من اتفاق التحكيم حيث إن إرادة أطراف التحكيم هي مصدر اختصاص المحكم، وبالتالي فإن حرية طرفي التحكيم في اختيار القواعد التي تحكم موضوع النزاع ومدى حقوقهم والتزاماتهم من شأنه تحقيق العدالة والآمان لأطراف النزاع حيث إن تلك القواعد قائمة علي إرادة وتراضي أطراف التعاقد، وبالتالي فهي تحقق التوازن بين مصالحهم المتعارضة كما أنها تحترم حقوقهم المتولدة من العقد وتحقق التعاون بينهم، كما أن تنظيم العقد للمسائل التي يمكن أن تثور بين الأطراف المتعاقدة يعد عامل استقرار وله أهمية بالغة([27]).

ورغم إقرار الفقه المعاصر بمبدأ السيادة القاعدية للأطراف المتعاقدة أي مقدرتها علي إيجاد قواعد ذاتية لتنظيم حقوقهم وواجباتهم فإن بعض النظم القانونية لا تزال وبدرجات متفاوتة تتجاهل العمل بذلك من ذلك نص المادة (42) من اتفاقية واشنطن لعام 1965 التي لم تنص علي حسم النزاع وفق شروط عقد التحكيم بل نصت علي قيام هيئة التحكيم بالفصل بالمنازعة وفق النظم القانونية التي يتفق عليها الأطراف المتنازعة، هذا ويساير هذا الاتجاه كل من قانون التحكيم الفرنسي لعام 1981 وقانون التحكيم الهولندي لعام 1993 وقانون التحكيم الانجليزي لعام 1996 وقانون التحكيم السويسري لعام 1987م.

وتبين من ذلك أنه رغم اتفاق هذه القوانين علي اللجوء إلى التحكيم لتسوية منازعات عقود الاستثمار بما في ذلك منازعات عقود B.O.T إلا أنها تتجاهل ضرورة تطبيق أحكام العقد أو اتفاق الاستثمار.

وعلي خلاف تجاهل هذه الأنظمة القانونية لأولوية تطبيق الأحكام التعاقدية، هناك نظم قانونية تستوجب تطبيق الأحكام العقدية بعد تطبيق القانون الوطني، الذي يحدده الأطراف حيث تنص قواعد UNCITRAL المعدلة في عام 2010
( المادة 35/1 ) علي قيام هيئة التحكيم بتطبيق القانون الذي يعينه الطرفان علي موضوع النزاع، كما نصت الفقرة الثالثة من هذه المادة علي أنه في جميع الأحوال، تفصل هيئة التحكيم في النزاع وفقا لشروط العقد، كما أن المادة 28/4 من القانون النموذجي (model law) تؤكد علي هذا المعني، ويساير هذا الاتجاه المادة 17/2 من نظام التحكيم لغرفة التجارة الدولية بباريس لعام 1988 أما المادة 28 من لائحة مركز التحكيم التجاري لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية لعام 1994، فقد أعطت الأولوية في التطبيق لاشتراطات وأحكام العقد حيث تنص هذه المادة علي قيام هيئة التحكيم بالفصل في النزاع طبقا لأحكام العقد المبرم بين الطرفين ومن ثم القانون الذي يختاره الطرفان، كما أن اتفاقية عمان العربية للتحكيم التجاري لعام 1987، تنص في المادة 21/1 علي أن يتم فصل المنازعة وفقاً للعقد المبرم بين الطرفين وأحكام القانون الذي يتفق عليه الطرفان.

ويتبين من ذلك أنه رغم اتفاق هذه الأنظمة القانونية علي الإقرار بمبدأ السيادة القاعدية للمتعاقدين، إلا أن الخلاف في التفضيل في الأسبقية في التطبيق بين القانون الذي يعينه الطرفان وبين أحكام العقد، إذ يري جانب من الفقه المعاصر إلى ضرورة التزام هيئة التحكيم بتسوية المنازعات وفقاً لأحكام العقد أولاً ومن ثم القانون الذي يختاره أطراف العقد في حالة التعذر في معرفة أحكام الاتفاق([28]).

ومن استقراء هذه الأنظمة ومن قوانين معظم دول العالم كقانون التحكيم الايطالي لعام 1994 والألماني لعام 1997 والاسباني لعام 2003 والياباني لعام 2003 والتونسي لعام 1993 والمصري لعام 1997 والمادة 43 من مشروع القانون الاتحادي الإماراتي لسنة 2006 يتبين اتفاقها علي قاسم مشترك وهو إعطاء الأولوية لقانون الإرادة المشتركة لطرفي التحكيم إذ يستمد نظام التحكيم وجوده من اتفاق الأطراف باللجوء إليه، وهذا يعني أن هذه الأنظمة والقوانين تعترف بحق أطراف العقد في تعيين أو تحديد القانون الواجب التطبيق علي موضوع النزاع.

وفي هذا الاتجاه نري أن الفقه المعاصر يتجه إلى منح أطراف التحكيم حرية كاملة في اختيار القانون واجب التطبيق([29])، كما أن اتجاه معظم قوانين التحكيم ونصوص لوائح هيئات ومؤسسات التحكيم يتفق مع هذا الاتجاه، حيث نجد أن مجمع القانون الدولي سواء في دور انعقاده في مدينة أوسلو عام 1977 أو في دور انعقاده في مدينة أثينا عام 1979 تناشد أطراف التعاقد علي ضرورة التحديد الصريح للقانون الواجب التطبيق، كما تنص المادة 28 من القانون النموذجي للأمم المتحدة علي حق أطراف العقد في اختيار القانون الواجب التطبيق حيث تنص هذه المادة علي أنه ” تفصل هيئة التحكيم في النزاع وفقاً لقواعد القانون التي يختارها الأطراف بوصفها واجبة التطبيق علي موضوع النزاع”.

ونري في هذا الصدد أن منح أطراف العقد الحق في اختيار القانون الواجب التطبيق علي موضوع النزاع هو في الواقع تجسيد لمبدأ احترام سلطان الإرادة والتي تقر به معظم التشريعات القانونية الوطنية والأنظمة القانونية لمراكز التحكيم الوطنية والدولية لذا فإن أي تقاعس عن تحديد القانون الواجب التطبيق يعني المزيد من المشاكل والمعوقات القانونية وبالتالي ضياع الوقت والجهد وبالتالي تعريض هيئات التحكيم في اجتهادات قد تكون غير صائبة في اختيار القانون الواجب التطبيق.

ونري بهذا الصدد بأن القانون الذي يختاره الأطراف المتعاقدة يجب أن يكون علي صلة بالنزاع المعروض علي التحكيم، وتدعم هذا الرأي بما ينص عليه القانون التحكيم المصري، واللبناني والفرنسي إضافة إلى المادة 43/2 من مشروع القانون الاتحادي لسنة 2006 التي تنص علي أنه ” إذا اتفق الطرفان علي القواعد الموضوعية واجبة التطبيق علي موضوع النزاع طبقت هيئة التحكيم القواعد الموضوعية في القانون الذي تري فيه أنه الأكثر اتصالا بالنزاع، وبذلك نري مدي تكريس المشرع الإماراتي لحق أطراف التعاقد في اختيار القانون الواجب التطبيق وصلاحية هيئة التحكيم في تطبيق القانون الأكثر اتصالا بالنزاع ما عدا حالة التحكيم بالصلح حيث يتم تسوية المنازعات وفق قواعد العدالة والاتصال وهذا ما تنص عليها المادة 212 من قانون الإجراءات المدنية الإماراتي رقم (11) لسنة 1992 والمعدل بالقانون رقم (30) لسنة 2005، كما أن عدم اختيار هذا القانون ابتدأ عند تحرير العقد لا يعني حرمان أطراف التعاقد في تحديد هذا القانون لاحقا في اتفاق مستقل أو شفاهة أمام هيئة التحكيم، وهذا ما تنص عليه المادة 3/2 من اتفاقية روما لعام 1980 لدول الاتحاد الأوربي بشأن القانون الواجب التطبيق، كما أن القانون الدولي الخاص السويسري لعام 1987 وكذلك القانون الدولي المجري لعام 1979 يؤكدان علي سريان القانون الذي يختاره الأطراف علي منازعات التحكيم سواء، تم اختيار هذا القانون قبل أو إبرام عقد التحكيم، ووفقا لما تقررها بعض الاتفاقيات الدولية كالمادة 3/2 من اتفاقية روما فإن المحتكمين يملكون سلطة تعديل القانون الواجب التطبيق بشرط عدم الإضرار بحقوق الغير حسن النية.

ونري بهذا الصدد أنه في حالة اتفاق أطراف التحكيم علي قانون معين فإن مقتضيات المنطق والعدالة تستوجب تطبيق القواعد الموضوعية في هذا القانون من دون قواعد الخاصة بتنازع القوانين أو قواعد الإسناد([30])،ويؤيد هذا الاتجاه كل من القانون الأسباني لعام 2003 حيث تنص المادة 34/2 علي أن تحديد قانون أو نظام قانوني لدولة معينة، يقصد به القانون الموضوعي لتلك الدولة وليس قواعد التنازع فيه، ما لم يتفق علي خلاف ذلك، هذا وينص كل من قانون التحكيم الياباني لعام 2003 وقانون التحكيم الألماني لعام 1997 وقانون التحكيم التركي 1999 وكذلك المصري والعماني والأردني علي ذلك ومن الضروري هنا التطرق إلى فرضية كون القانون الواجب التطبيق يتضمن حكما متعلقا بالنظام العام يخالف شروط العقد وكيفية التوفيق بين التزام المحكم بتطبيق القانون الذي اختاره الإرادة المشتركة للأطراف المتعاقدة وبين ضرورة مراعاة هيئة التحكيم لشروط العقد محل النزاع.

فيما يتعلق بهذه المسالة نري أن كلا من الشروط التعاقدية والقانون الواجب التطبيق هما من اختيار إرادة الأطراف المتعاقدة، وبالتالي فإن لهذه الأطراف أعمال شروط العقد التي لا تتعارض مع القواعد الآمرة في القانون الواجب التطبيق وتعديل أو إلغاء تلك التي تتعارض مع هذه القواعد.

في الواقع أن اختيار أطراف التعاقد للقانون الواجب التطبيق يلعب دوراً هاماً في العقود الاستثمارية سواء أكان التحكيم وطنياً أو دولياً، إذ أن الرأي السائد في فقه وقضاء مختلف الدول بأن الإرادة المشتركة للأطراف المتعاقدة هي معيار الإسناد الأول والأكثر أهمية في العقود الاستثمارية التي يبرمه القطاع العام ولاسيما في العقود الإستراتيجية وخاصة عقود B.O.T، إذ يترتب علي تحديد القانون الواجب التطبيق صراحة من قبل المتعاقدين تجنب الكثير من العوائق والمشاكل القانونية والاجرائية حيث إن هذا القانون يكون في معظم الحالات هو القانون الوطني للدولة المتعاقدة([31])، والمانحة لعقد الاستثمار.

ولأهمية تعين القانون الواجب التطبيق علي العقود الاستثمارية ولا سيما في عقود B.O.T فقد أصبحت الجهة المانحة للاستثمارات الإستراتيجية عن طريق هذه العقود تحرص أشد الحرص علي هذه المسألة لتسوية المنازعات المتعلقة بهذه العقود تحرص أشد الحرص علي هذه المسالة لتسوية المنازعات المتعلقة بهذه العقود عن طريق التحكيم، وتؤكد الإحصائيات أن غالبية عقود الاستثمارات التي تعقدها الدولة سواء مع القطاع الخاص الوطني أو الأجنبي تتضمن اختيار القانون الوطني باعتباره القانون الواجب التطبيق سواء بصفة منفردة أو معضداً بغيره من القوانين.

لقد كانت مصر سباقة بين الدول في هذا المجال إذ نصت عقود BOT التي أبرمتها مع بعض الشركات الأجنبية لإنشاء مطارات بمرسي علم، والعلمين، ورأس سدر علي تطبيق القوانين المصرية حصر لتسوية منازعات هذه العقود وسلكت مصر نفس المسلك في العقد التي أبرمتها مع شركة أجنبية لإقامة محطة كهرباء سيدي كرير وفق عقد B.O.T إذ نصت المادة 20/8 من العقد علي أن ” تخضع هذه الاتفاقية والالتزامات المترتبة عليها للقوانين المصرية ويتم تفسيرها وتأويلها وفقاً لهذه القوانين”.

ويتبين من دراسة هذه العقود بأن القانون الواجب التطبيق في منازعات عقود B.O.T التي أبرمتها الدول المصرية هو القانون المصري علي سبيل الحصر من دون الالتفات إلى أي قانون أجنبي آخر.

وفيما يتعلق بحكومة مدغشقر فإنها سلكت مسلكاً آخر في عقد B.O.T المبرم بينها وبين إحدى الشركات الكندية عام 1996 لإقامة مشاريع وأنشطة تعدينية إذ جاءت في المادة 33 من هذا العقد بأن قانون دولة مدغشقر يطبق في حل المنازعات التي تنشأ عن تنفيذ أو تفسير هذا العقد ـ إلى جانب عدة مصادر قانونية أخري وبذلك أفسح المجال أمام محكمة التحكيم بالبحث عن الحل أولاً في أحكام القانون المدغشقري ومن ثم في الصادر الأخرى كأحكام القضاء الوطني ومن ثم أحكام القضاء الفرنسي ومن ثم في المبادئ العامة للقانون.

ويتبين من ذلك أن حكومة مدغشقر قد تبنت القانون الوطني كقانون واجب التطبيق مع تعضيده بقوانين أخري أي أن القانون الوطني ليس بالقانون الوحيد الواجب التطبيق في منازعات عقود B.O.T بل يشاركه في ذلك مصادر أخري.

ومما سبق يمكن القول أن الدول المانحة للامتياز تحرض علي أن تتضمن عقود B.O.T نصاً صريحاً بشأن القانون الواجب التطبيق والتي غالبا ما تكون القانون الوطني للدولة المتعاقدة أو يكون معضدا بغيره من القوانين.

وفيما يتعلق بالمشرع الإماراتي فإن موقفه لا يختلف في ذلك عن غيره من المشرعين إذ لا يتضمن قانون الإجراءات المدنية المتعلقة بالتحكيم المعدل بالقانون رقم (30) لسنة 2005 استبعاد التحكيم في حل المنازعات الناشئة عن تنفيذ أو تفسير عقود الاستثمارات ويضمنها عقود B.O.T وقد قررت المحكمة الاتحادية العليا في الطعن رقم 365 في 9/3/1991 بأنه يمكن الاتفاق علي إحالة كافة المنازعات الناشئة عن تطبيق العقد أو تنفيذه أو تفسيره إلى التحكيم، كما لا يستبعد المشرع الإماراتي تطبيق القانون الذي يختاره الإرادة الصريحة أو الضمنية للأطراف المتعاقدة والذي هو في الغالب القانون الإماراتي لوحده أو معضداً بقوانين أخري، وقد ساير المشرع الإماراتي بذلك الاتجاه الحديث للقانون النموذجي للأمم المتحدة ولاسيما المادة 28 التي تنص علي قيام هيئة التحكيم بفصل النزاع وفق القانون الذي يتفق عليه أطراف عقد التحكيم، وقد أكد المشرع الإماراتي علي هذا النهج في مشروع قانون التحكيم الاتحادي حث تنص المادة 143/0 علي أنه ” تطبق هيئة التحكيم علي موضوع النزاع القواعد التي يتفق عليها الطرفان، وأن اتفاق علي تطبيق قانون دولة معينة اتبع القواعد الموضوعية فيه دون القواعد الخاصة بتنازع القوانين ما لم يتفق علي ذلك.

وفيما يتعلق بالإجراءات التي يتعين علي المحكمين إتباعها في حالة عدم اتفاق أطراف التحكيم علي الإجراءات الواجبة الإتباع في تسوية المنازعات المتعلقة بتفسير أو تنفيذ العقود الإستراتيجية ومن ضمنها عقود B.O.T، نري أن المشرع الإماراتي تبني حرية الأطراف في الاتفاق علي هذه الإجراءات، وفي حالة عدم وجود أي اتفاق بصدد ذلك فإن هيئة التحكيم تتبع الإجراءات التي تراها ملائمة إذ تنص المادة 212 من قانون التحكيم الإماراتي علي أنه ” يصدر المحكم حكمه غير مقيد بإجراءات المرافعات عدا ما نص عليه في هذا الباب (باب التحكيم) والإجراءات الخاصة بدعوة الخصوم وسماع وجه دفاعهم .. ومع ذلك يجوز الاتفاق علي إجراءات معينة يسير عليها المحكم.

وبناء علي ما تقدم فإن الأصل في هذه الإجراءات هو ما يتفق عليها أطراف التحكيم، وفي حالة انتفاء الاتفاق فالمحكم يلتزم بإتباع إجراءات مناسبة وبشرط عدم تعارضها مع الإجراءات المنصوص عليها في قانون التحكيم ـ وهذا ما سار عليه القضاء في دولة الإمارات إذ قضت محكمة تمييز دبي في الطعن رقم (15) بتاريخ 8/10/1995 بأن الأصل في المادة 212 من قانون الإجراءات المدنية يدل علي أن المحكم لا يتقيد بحسب الأصل بإجراءات المرافعات المتبعة في الدعاوي أمام المحاكم ولكنه يلتزم بإتباع الإجراءات الواردة في باب التحكيم وما يتفق عليه الخصوم من إجراءات معينة.

المبحث الثاني

عدم تعيين الأطراف المتعاقدة للقانون الواجب التطبيق في منازعات عقود

B.O.Tفي أغلب حالات إبرام عقود B.O.T يتفق أطراف العقد علي تطبيق قانون معين علي المنازعات التي تنشأ عن تفسير أو تنفيذ هذه العقود مما يؤدي إلى عدم إثارة مشاكل قانونية حيث يلتزم المحكم بتطبيق قانون إرادة طرفي المنازعة غير أن المشكلة تثور في حالة عدم تطرق أطراف العقد إلى تحديد القانون الواجب التطبيق علي موضوع النزاع حيث لا يزال ذلك يثير جدلاً فقهياً واسعاً([32])، حول إمكانية قيام هيئة التحكيم بالاجتهاد للوصول إلى تحديد القانون الواجب التطبيق.

تتباين مواقف لوائح مؤسسات وتشريعات التحكيم في هذه المسالة فمنها ما تري بأن لهيئة التحكيم أن تحدد مباشرة القانون الذي تراه مناسبا لحكم المنازعة ومنها ما تدعو إلى الأخذ بقواعد الإسناد المناسبة لتحديد هذا القانون ومن لوائح ومراكز التحكيم التي أخذت بفكرة قواعد الإسناد مركز القاهرة الأقليمي للتحكيم التجاري الدولي المعدلة لعام 2000 حيث تنص المادة (23) علي أنه إذا لم يتفق الأطراف علي تعيين القانون الواجب التطبيق وجب تطبيق القانون الذي تعينه قواعد تنازع القوانين التي تراها هيئة التحكيم أنها واجبة التطبيق، وكذلك تنص المادة 12 من نظام مركز التحكيم التجاري لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية لعام 1993 علي أنه في حالة عدم تعيين الأطراف للقانون الواجب التطبيق .. يطبق المحكمون القانون الذي تحدده قواعد تنازع القوانين التي يرونها مناسبة.

ويتبين من هذا الاتجاه بأن هيئة التحكيم لها صلاحية تحديد القانون الواجب التطبيق عن طريق قواعد الإسناد، إلا أن ذلك يجب أن لا يفسر علي أساس إطلاق يدها في تطبيق ما تشاء من قواعد التنازع أو الإسناد لدولة ما دون أخري بل لابد أن تؤدي قواعد الإسناد إلى تحديد قانون ملائم لمعطيات المنازعة المعروضة علي التحكيم وهذا ما يسير عليه نظام مركز التحكيم التجاري لدول مجلس التعاون لدول الخليج في المادة 12 وبعض قوانين التحكيم التجاري في بعض الدول كاليونان وبلغاريا.

وبخلاف هذا الاتجاه تتجه بعض مؤسسات التحكيم وكذلك تشريعات التحكيم في بعض الدول إلى منح هيئة التحكيم اختيار القانون الواجب التطبيق مباشرة في حالة انعدام اتفاق الأطراف حول ذلك، وقد تبني هذا الاتجاه محكمة لندن للتحكيم الدولي LCLA لعام 1998حيث تنص المادة 22/3 علي قيام هيئة التحكيم بتطبيق القانون أو القواعد القانونية التي تراها مناسبة، ويتفق هذا الاتجاه مع قواعد الأونستيرال العام 2010 حيث تلزم هيئة التحكيم وفقا للمادة (35) بتطبيق قواعد القانون التي يعينها الأطراف باعتبارها منطبقة علي موضوع المنازعة، وفي حالة عدم تعيين تلك القواعد من قبل الأطراف تقوم هيئة التحكيم بتطبيق القانون الذي تراه مناسباً، كما أن غرفة التجارة الدولية باريس ” تؤيد هذا الاتجاه حيث تنص المادة 17/1 من نظامها علي أنه” إذا لم يتفق الأطراف علي القانون الواجب التطبيق تقوم محكمة التحكيم بتطبيق قواعد القانون الذي تراه ملائماً، كما نري أن نظام التوفيق والتحكيم لغرفة تجارة وصناعة دبي لعام 1994 ينص في المادة 33 علي أنه ” إذا لم يتفق الأطراف صراحة أو ضمناً علي القانون الواجب التطبيق في موضوع النزاع تطبق هيئة التحكيم القانون أو القوانين الأوثق ارتباطها بموضوع النزاع”، ولا يختلف موقف لائحة تحكيم الجمعية الأمريكية AAA ( المادة 29/1 ) المعدلة لعام 1992 وكذلك لائحة جمعية التحكيم الايطالية ( المادة 17/2) لعام 1985.

كما ويساير هذا الاتجاه كل من قانون التحكيم الاسباني لعام 2003 والمصري لعام 1999 والفرنسي علام 1981 والهولندي لعام 1986 والألماني لعام 1997 والتونسي لعام 1993 والجزائري لعام 1993 والأردني لعام 2001 عن هذا الاتجاه.

ومن الضروري هنا أن نؤكد بأن هيئة التحكيم عندما تقوم بتطبيق القانون الواجب التطبيق فإنها تبذل جهودا للوصول إلى تحديد القانون الذي تراه أكثر اتصالاً بالنزاع أو القانون المناسب أو الملائم ويجب أن يتفق مع الإرادة الضمنية للأطراف المتعاقدة وعلي ضوء الاستعانة بالنظريات المعروفة في النظم القانونية المعاصرة مثل نظرية التوطن ونظرية القانون الملائم ونظرية الأداء المتميز([33]).

ومن الضروري أن نشير هنا أن الأساس الاتفاقي للتحكيم يمنح المحكم صلاحية الفصل في النزاع وفق مبادئ العدل والإنصاف في حالة اتفاق الأطراف علي ذلك صراحة أي أن أطراف العقد قد لا يحددون القانون الواجب التطبيق إنما يمنحون هيئة التحكيم الفصل في النزاع وفق مبادئ العدالة والإنصاف دون التقيد بقواعد قانونية معينة كما هو الحال في التحكيم مع التفويض بالصلح وتجيز معظم التشريعات ذلك من ذلك قانون التحكيم المصري حيث تنص المادة 39/4 علي أنه يجوز لهيئة التحكيم، إذا اتفق طرفا التحكيم صراحة علي تفويضها بالصلح أن تفصل في موضوع النزاع علي مقتضي قواعد العدالة والإنصاف .. كما تنص المادة 212/2 من قانون التحكيم الإماراتي علي أنه ” يكون حكم المحكمة علي مقتضي قواعد القانون إلا إذا كان مفوضا بالصلح فلا يتقيد بهذه القواعد ..” ويتفق هذا الاتجاه مع كل من الاتفاقية الأوربية للتحكيم ( المادة 7 ) لعام 1961 واتفاقية واشنطن لعام 1965 الخاصة بتسوية منازعات الاستثمار واتفاقية عمان العربية للتحكيم التجاري العام ( مادة 21/2) كما يتفق ذلك مع لائحة تحكيم غرفة التجارة الدولية بباريس لعام 1981 ( مادة 17/3) ولائحة إجراءات التحكيم التجاري لدي مركز التحكيم التجاري لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية لعام 1994 (مادة 24).

ونري بهذا الصدد أنه رغم أن أغلب التشريعات المقارنة يجيز للمحكمة المفوض بالصلح أن يفصل في النزاع الذي نشأ أو الذي يمكن أن ينشأ بسبب تفسير أو تنفيذ العقد وفقا لمبادئ العدالة والاتصال وذلك في حالة اتفاق الأطراف علي ذلك، فإن هذا النوع من التحكيم يشوبه الكثير من الحذر وعدم توفر الأمان القانونية حيث مسالة تحقق العدالة قد تكون نسبية ويتوقف علي القناعة الشخصية للمحكم الذي قد يصيب أو قد يخطأ.

ومن هنا فإن اللجوء إليه أصبح نادرا في الحياة العملية كما أن أغلب التشريعات وإن كانت تجيزه إلا أنها تحاول التضييق من نطاقه وتشترط الاتفاق الصريح باللجوء إليه من قبل أطراف العقد، وبالتالي فلا يملك المحكم تسوية المنازعة وفق قواعد الإنصاف والعدالة في حالة عدم الاتفاق الصريح للأطراف المتعاقدة باللجوء إلى هذه القواعد وذلك بخلاف حالة سكوت هذه الأطراف عن القانون الواجب التطبيق حيث يلزم المحكم بالبحث عن هذا القانون عن طريق الكشف عن الإرادة الحقيقية للأطراف المتعاقدة، ومعرفة اتجاهها نحو اختيار نظام قانوني معين حيث إن العبرة بالمقاصد الحقيقية للأطراف المتعاقدة وليس بالألفاظ المستعملة أو التغافل أو السكوت عن تحديد القانون الواجب التطبيق.

وبصرف النظر عن الاجتهادات الفقهية الخاصة بحالة عدم تعبير الأطراف المتعاقدة عن تحديد القانون الواجب التطبيق، نري أنه في حالة خلو عقود B.O.T من نص صريح لتحديد هذا القانون علي موضوع النزاعات الخاصة بهذه العقود فإنه يجب علي المحكم الاجتهاد للوصول إلى معرفة ذلك القانون لتسوية المنازعة، ويتم ذلك عن طريق الكشف عن الإرادة الحقيقية للأطراف المتعاقدة من خلال تفسير وتحليل أحكام العقد أو من ظروف أو ملابسات القضية التحكيمية والظروف المحيطة بعملية التعاقد، فدور المحكم في الكشف عن الإرادة الضمنية للأطراف عملية معقدة إذ علي المحكم استقراء العقد وكافة الظروف المحيطة به كمكان إبرام العقد أو مكان تنفيذه ولغته ومصطلحاته بغية معرفة المقاصد الحقيقية لأطراف التعاقد في تطبيق قانون معين، فهذه المقاصد يجب أن تعبر فعلاً عن الإرادة الضمنية ويجب أن تكون حقيقة ومؤكدة، ولابد من التزام هيئة التحكيم بالواقعية والموضوعية في استنباط القانون الواجب التطبيق في تفسيرها لمقاصد الإرادة الضمنية للأطراف المتعاقدة ويجب أن يكون هذا القانون في كل الأحوال هو القانون المناسب أو الملائم أو الأكثر ارتباطاً بموضوع النزاع.

وبالرغم من عدم تطرق قانون التحكيم الإماراتي لهذه المسألة، نري أنه في غياب تعبير الإرادة الصريحة عن القانون الواجب التطبيق علي موضوع النزاع في كافة العقود الاستثمارية ولا سيما في عقود B.O.T فإنه يجب تطبيق قانون الدولة المانحة الامتياز أي قانون دولة مقر المشروع باعتباره القانون الأكثر ارتباطاً بالمشروع الذي يتم تنفيذه في نطاقها الجغرافي([34])، وأكثر ملائمة واتصالاً بموضوع النزاع([35])، ويمكن دعم هذا الرأي بالاستناد إلى المادة الرابعة من اتفاقية روما لعام 1980 التي تنص علي أنه ” يطبق علي العقد قانون الدولة التي يرتبط بها بصورة وثيقة”، كما تقضي المادة (42) من اتفاقية واشنطن لتسوية منازعات الاستثمار لعام 1965 بأن هيئة التحكيم تفصل في النزاع وفقا للقواعد التي يختارها الأطراف وفي حالة عدم الاتفاق فإنها تطبق قانون الدولة المتعاقدة، كما أن الأحكام الصادرة من هيئات التحكيم تؤيد هذا الاتجاه، إذ قرر مركز التحكيم التجاري في القاهرة عام 1985 تطبيق القانون المصري باعتباره قانون الدولة المتعاقدة واستند في ذلك بأن هذا القانون هو أكثر صلة بالعقد وبأنه قانون محل إبرام العقد وتنفيذه، كما قررت هيئة التحكيم في نزاع بين دولة أفريقية وشخص بلجيكي بشأن الامتياز الممنوح لهذا الأخير في شراء منتجات المناجم إلى تطبيق قانون الدولة المتعاقدة.

ويستفاد مما سبق بأنه في حالة غياب الاختيار الصريح للقانون الواجب التطبيق فإن القانون الإماراتي واجب التطبيق في عقود B.O.T التي تبرم في دولة الإمارات باعتباره قانون الإرادة المفترضة في هذه العقود والأكثر ارتباطاً واتصالاً بها، وبالتالي فهو أكثر القوانين ملائمة لحكم المنازعات الناشئة عن عقود B.O.T التي تبرمها الدولة أو أحد أشخاص القانون العام مع أشخاص القانون الخاص، ويؤيد هذا الاتجاه مشروع قانون التحكيم الاتحادي لعام 2006 إذ تنص الفقرة الثانية من المادة (43) علي أنه ” إذا لم يتفق الأطراف علي القواعد القانونية واجبة التطبيق علي موضوع النزاع طبقت الهيئة القواعد الموضوعية في القانون الأكثر اتصالاً بالنزاع”، وبذلك حسم المشرع الإماراتي في هذا المشروع مشكلة تحديد القانون الواجب التطبيق في منازعات عقود B.O.T في حالة عدم تعبير أطراف العقد عن إرادتهم بصراحة.

في الواقع أن المشروع الإماراتي يساير الاتجاه الذي يتبناه فقه القانون الدولي الخاص فيما يتعلق بسلطة المحكمين في تطبيق القانون الأكثر ارتباطاً بالعقد وهو قانون الدولة المتعاقدة وذلك في حالة عدم تعبير أطراف العقد عن القانون الواجب التطبيق، كما يساير هذا المشروع اتجاه أغلب التشريعات الدولية منها تشريعات الدول العربية ومن ضمنها القانون التونسي مادة (73) والجزائري مادة (458) والبحريني (28/4) والمصري ( مادة 39/2) والعماني (مادو 39/2) والأردني (مادة 36).

وبناء علي ما تقدم تؤكد بأن قانون التحكيم الإماراتي باعتباره قانون دولة المشروع ( في عقود B.O.T التي تبرمها دولة الإمارات) هو القانون الواجب في حالة عدم وجود نص صريح بتطبيق قانون ما علي هذه العقود لارتباط جميع عناصر هذه العقود بقانون دولة الإمارات، أي أن قانون دولة الإمارات هو القانون الأكثر اتصالاً بأي نزاع ينشأ من تفسير أو تنفيذ عقود B.O.T لذا فهو القانون الواجب التطبيق رغم عدم تطرق أطراف العقد إلى ذلك بنص صريح.

المبحث الثالث

مدى احترام المحكم للإرادة المشتركة للمتعاقدين

سبق وأن تطرقنا إلى مدي قدرة أطراف عقود B.O.T في اختيرا القانون الذي يطبق عن المنازعات الناشئة عن تفسير أو تنفيذ هذه العقود حيث بينا بأنه يحق لأطراف التعاقد اختيار القواعد القانونية في إطار النظام العام والمصلحة المشروعة كما بينا بأنه في حالة عدم الاتفاق الصريح علي القانون الواجب التطبيق فإن المحكم يستخلص الإرادة الضمنية الأكيدة لأطراف التعاقد من قرائن وظروف وملابسات العقد للوصول إلى هذا القانون والذي هو القانون الأكثر اتصالاً بموضوع النزاع.

والتساؤل الذي يثار هنا حول مدي إمكانية منح المحكم سلطة استبعاد قانون الدولة المتفق عليه صراحة لتطبيقه علي منازعات B.O.T أو استبعاد القانون الذي تأكد للمحكمة بأنه قانون الإرادة المفترضة ( الإرادة الضمنية) لأطراف التعاقد لتطبيقه علي العقد.

في الواقع أن الخلاف الفقهي حول هذه المسالة لا تزال مستمرة بين مؤيد ومعارض حيث يحاول كل فريق تبرير موقفه وفي هذا الصدد نؤيد الرأي القائل بأن المحكم لا يملك استبعاد قانون الدولة المتعاقدة والذي تم اختياره صراحة أو ضمنا من قبل اتفاق الأطراف وتدعم رأينا بما يلي:

  1. يقوم التحكيم أساساً علي اتفاق إرادة أطراف النزاع في تحديد القانون الذي يحكم موضوع النزاع وإجراءات التحكيم وبالتالي فإن المحكم يستمد سلطته في فض المنازعات من إرادة الأطراف وبالتالي فإنه ملزم باحترام هذه الإرادة وعدم مخالفتها، فهو لا يملك نظاماً قانونياً خاصاً به ولا يستمد ولايته من سلطان دولة معينة بل يستمده من العقد المبرم بين أطراف التحكيم.
  2. إن إرادة أطراف التحكيم هي مصدر اختصاص المحكم وبالتالي فإن التزامه بتطبيق القانون الذي حدده الأطراف صراحة أو ضمناً ليس مصدره وظيفة المحكم وإنما مستمد من المهمة الموكلة إليه من أطراف العقد.
  3. لا يملك المحكم سلطات وساعة في تفسير أو تنفيذ القانون المختار صراحة أو ضمنا من قبل أطراف التحكيم فهو يطبق هذا القانون بوصفة أمر واقع قرره أطراف التعاقد وبالتالي لا يستطيع تفسيره تفسيرا مغايرا للتفسير المعتمد في الدولة صاحبة القانون ناهيك أنه ملزم بالنظام القانوني لهذه الدولة وبالتالي عليه تطبيق القانون و بالحالة التي اتفق عليه أطراف التعاقد حيث إن القانون المختار من قبل الأطراف يصبح قاعدة قانونية تستمد إلزامها وقوتها من إرادة أفراد التحكيم وبالتالي علي المحكم تطبيقه بحالته الواقعية باعتباره مسلمة من المسلمات وكذلك الأمر بالنسبة للقواعد القانونية التي يختارها الأطراف إذ أنها تندمج في اتفاقية التحكيم وتصبح شروطا تعاقدية([36])، ملزمة.

وبالانتقال من هذا التعميم إلى قانون التحكيم الإماراتي نري أن إهمال المحكم لتطبيق القانون المختار صراحة أو ضمنا من قبل أطراف التعاقد في عقود B.O.T وبالحالة التي يكون عليها وقت الاختيار يعني خروج المحكم عن المهمة المكلف بها ومخالفته لقواعد التحكيم الإماراتي وبالتالي فإن ذلك يترتب عليه بطلان قرار التحكيم إذ تنص المادة (216/1) علي أنه ” يجوز للخصوم طلب بطلان حكم المحكمين .. إذا خرج الحكم عن حدود الوثيقة ” كما أجازت المادة 57/1 من مشروع قانون التحكيم الاتحادي لعام 2006 إبطال حكم المحكمين إذا استبعد تطبيق القانون الذي اتفق الأطراف علي تطبيقه علي موضوع النزاع.

وتبين من ذلك بأنه إذا كان حكم للمحكمين في منازعات عقود B.O.T يتضمن استبعادا للقانون الذي عينة أطراف التعاقد صراحة أو ضمنا فإنه وفقا للقانون الإماراتي يجوز للخصوم طلب بطلانه لتجاوز المحكم علي إرادة أطراف التحكيم، والقول بخلاف ذلك يعني تجاهل إرادة أطراف التعاقد وبالتالي مخالفة الحالة التي تنص عليها المادة (216/1) والذي يجعل حكم التحكيم عرضه للبطلان إذ خالف وثيقة الاتفاق العقود بين أطراف التعاقد، كما أن مشروع قانون التحكيم الإماراتي قد عبر بوضوح عن رأيه في هذا الموضع في المادة 57/1 حيث قرر أنه في حالة استبعاد المحكم للقانون الواجب التطبيق للقانون والمتفق علي أعمال أحكامه فإن ذلك يؤدي إلى إبطال حكمه.

في الواقع أن اتجاه المشرع الإماراتي في هذه المسالة يتفق مع اتجاه المشرع المصري الذي اتخذ موقفا صريحا من إهمال المحكم للقانون المتفق عليه من قبل أطراف التعاقد صراحة أو ضمناً إذ نص في المادة 53 من قانون التحكيم لعام 1994 علي بطلان حكم التحكيم إذا استبعد المحكم تطبيق القانون الذي اتفق الأطراف علي تطبيقه علي موضوع النزاع، كما يتفق اتجاه المشرع الإماراتي مع نصوص اتفاقية واشنطن حيث يمكن إبطال حكم المحكم في حالة استبعاده للقانون الذي اتفق عليه أطراف التعاقد صراحة أو ضمنا وذلك استنادا إلى المادة (52) من هذه الاتفاقية.

ولتلافي المشاكل الناجمة عن القانون الواجب التطبيق نري من الضروري أن تولي الجهات الحكومية ولا سيما في الدول النامية عند إبرامها لعقود B.O.T اهتماما واضحاً للقانون الواجب التطبيق وأن يتم صياغة الاتفاق بشكل صريح واضح غير خاضع لتفسير أو تأويل ممثلي الشركات العالمية المتعاقدة لأن أي صياغة مبهمة لبيان هذا القانون يعني إفساح المجال لمختلف التفسيرات والتأويلات ومنح الفرص لهيئات التحكيم لاستبعاد هذا القانون واستبداله بقانون آخر لمصلحة الشركات العالمية، وهناك أمثلة كثيرة تم فيها استبعاد قانون الدولة المتعاقدة حيث تم صياغة القانون الواجب التطبيق بطريقة أقرب إلى الغموض منها إلى الوضوح من ذلك ما حدث من خلافات في قضية ARAMCO حول التحكيم عام 1955 حيث نص العقد علي أن تفصل المحكمة في النزاع طبقا للقانون الساري في المملكة العربية السعودية فيما يتعلق بالمسائل التي تدخل في اختصاص المملكة وطبقا للقانون الذي تحدده محكمة التحكيم في المسائل التي تخرج عن اختصاص المملكة العربية السعودية ( المادة الرابعة من مشارطه التحكيم)، ويتبين من ذلك بأنه لم يتم أي إشارة أو تفسير حول ما يعني بها المسائل الداخلة في اختصاص المملكة أو تلك الخارجة عن اختصاصها، وقد وظفت هيئة التحكيم ذلك لصالح شركة ARAMCO وقررت بأن القانون السعودي المنبثق من الشريعة الاسلامية ووفقا لما هو مقرر في المذهب الحنبلي هو الذي يلجأ إليه لتحديد الطبيعة القانونية لعقد امتياز البترول الممنوح من قبل المملكة السعودية لشركة ARAMCO إلا أنها توصلت إلى أن هذا المذهب لا يفرق بين المعاهدات التي تبرم بين الدول وعقود القانون العام أو العقود الإدارية التي تكون الدولة طرفا فيها بوصفها سلطة عامة أو العقود التجارية، إذ تخضع جميع هذه العقود وفقا للمذهب الحنبلي إلى قاعدة العقد شريعة المتعاقدين وبالتالي فإن هذه الهيئة قررت استبعاد القانون السعودي علي أساس أن المذهب الحنبلي لا يتضمن أي قاعدة محددة تطبق علي الامتيازات البترولية لذا قررت تطبيق المبادئ العامة للقانون علي العقد .

وفي قضية التحكيم بين حاكم إمارة أبو ظبي وشركة النفط البريطانية Petroleum Development لعام 1951 استبعد المحكم البريطاني asqulth قانون أبو ظبي رغم أن القرائن والدلائل المنبثقة من العقد كانت تعبر عن الإرادة المفترضة
(الضمنية) لأطراف التعاقد إلى أن قانون أبو ظبي هو واجب التطبيق حيث إن المحكم قد أقر بذلك صراحة علي أساس أنه أوثق القوانين صلة بالعقد إلا أنه عاد وتذرع بحجة ممارسة حاكم أبو ظبي للسلطة القضائية وفقا للشريعة الإسلامية وبالتالي فإنه يتمتع بسلطة تقديرية واسعة وبالتالي فإنه ادعي بعدم ملائمة قانون أبو ظبي لحكم المعاملات التجارية الحديثة وتمسك بتطبيق القانون الانجليزي علي العقد.

ومن استعراض هذه القضايا نري ضرورة تضمن عقود B.O.T وبنص صريح للقانون الواجب التطبيق لتلافي توظيف أي غموض أو لبس لمصلحة الشركات الأجنبية التي تعاقد مع الدولة في مجال الاستثمارات الاقتصادية الإستراتيجية إذ يستغل المحكم في الغالب ذلك لاستبعاد إرادة الأطراف الصريحة أو الضمنية التي تؤكد تطبيق قانون الدولة المتعاقدة.

ويتبين من استعراض هذه القضايا كأمثلة حية علي عدم اهتمام الدول المتعاقدة بصياغة شرط القانون الواجب التطبيق صياغة محكمة تجنبها محاولات الشركات العالمية لتطبيق القوانين التي تراعي مصالحها فقط، وهذا ما يمكن تحقيقها في عصرنا الحاضر ولا سيما أن أغلب الدول النامية ومنها الدول العربية تملك امكانيات بشرية مؤهلة تمكنها من الدخول في مفاوضات صريحة شفافة وإبرام العقود علي أساس تحقيق التوازن بين المصالح المتعارضة ولا سيما أن عقود B.O.T تنص علي مرافق إستراتيجية هامة ذات اتصال مباشر بجمهور المواطنين في الدول المضيفة للاستثمار كما أنها تحقق مصالح للدولة المتعاقدة وكذلك لشركة المشروع.

الخاتمة

  1. إن تميز عقود B.O.T عن غيرها من العقود علي أساس كونها عقوداً استثمارية تنموية ذات انعكاسات قومية قد جعلت منها عقوداً متداخلة ومتعددة الأطراف وبالتالي فإن هذه الخصوصية انعكست علي المنازعات المتعلقة بها بحيث إن أي تراخ في حسمها يعني تعطيل استثمارات مالية هائلة، وهذا ما دفع بالمشرعين في مختلف الدول إلى البحث لإيجاد وسائل بديلة لفض المنازعات الخاصة بهذه العقود بدلاً من اللجوء إلى القضاء وسلبياته المتمثلة في بطء التقاضي واهتمامه بالإجراءات الشكلية المعقدة سواء فيما يتعلق بالطعن في الأحكام وتعدد درجات التقاضي أو تنفيذ الأحكام، ومن هنا تم تبني مجموعة من الوسائل الودية لحل المنازعات الناجمة عن إبرام وتنفيذ عقود B.O.T مثل التحكيم، والتوفيق، الصلح، الوساطة، المفاوضة، ونظراً لما يتمتع به التحكيم من خصائص تتلائم مع خصوصية منازعات عقود B.O.T فقد أصبحت معظم العقود الخاصة بمشروعات البنية الأساسية ذات التمويل الخاص ومنها عقود B.O.T تتبني التحكيم لتسوية المنازعات بطريقة ودية.
  2. لقد توصلنا من خلال هذا البحث بأن اللجوء إلى التحكيم رغم أنه أصبح من المسائل المستقرة في معظم العقود الاستثمارية المتعلقة بالركائز الأساسية ومنها عقود B.O.T التي تعقدها الدول ومن ضمنها دولة الإمارات العربية، إلا أن تحقيق مزايا التحكيم يعتمد علي حسن توظيفه لجذب الاستثمارات الأجنبية وتوطين الاستثمارات الوطنية الأمر الذي يستوجب وجود قوانين خاصة به منسجمة مع الاتفاقيات الدولية والإقليمية ومن هنا نجد أن معظم تشريعات الدول قد تناولت تنظيم قواعد التحكيم بشكل تفصيلي وذلك إضافة إلى الاتفاقيات الدولية، وفيما يتعلق بقانون الإجراءات المدنية الإماراتي الحالي المتعلق بالتحكيم والمعدل بالقانون رقم (30) لسنة 2005 فإنه يتسم بالعمومية إلا أن ذلك لا ينفي مرونته إذ نجد أن المادة (203) لم تعين المنازعات الخاضعة للتحكيم تحديداً، ولم تجعل من الطبيعة القانونية لأطراف النزاع أو من طبيعة العلاقة القانونية معيار لتطبيقها وهذا يعني أن المشرع الإماراتي أجاز بذلك اللجوء إلى التحكيم لحسم المنازعات الناشئة عن العقود المبرمة بين أشخاص القانون العام أو الخاص ومن ضمنها عقود B.O.T، فهو يؤكد علي جواز التحكيم في كافة العقود بصرف النظر ما إذا كانت عقود إدارية أو تجارية أو استثمارية حيث نص في المادة (203/4) علي جواز التحكيم في كل المسائل التي يجوز الصلح فيها ولم يستثني بذلك إلا العقود التي لا يجوز أن تكون محلا للتصالح ويقصد بذلك المسائل المتعلقة بالنظام العام كمنازعات الجنسية الوطنية أو المسائل الجنائية أو السيادية.
  3. وفيما يتعلق بطلب بطلان حكم المحكمين من قبل الخصوم تبين من خلال هذا البحث أن المشرع الإماراتي في مجال إصلاح خطأ حكم المحكمين قد استغني عن طرق الطعن المقررة بالنسبة للأحكام القضائية واقتصر علي منح الخصوم رع دعوي طلب بطلان حكم التحكيم مستهدفا من وراء ذلك عدم إطالة أمد النزاع في المنازعات التجارية بصفة عامة، ولا شكل أن حسم المماطلة في تمديد النزاع له دور مهم في حسم منازعات عقود B.O.T وكافة العقود الاستثمارية ذات التمويل الخاص حيث إن السرعة في حسم المنازعات هي من أهم مزايا عملية التحكيم والتي تلائم مع متطلبات التجارة والاستثمار واستقرار الحقوق والمراكز القانونية، ومن هنا فإن طلب بطلان حكم المحكمين في منازعات B.O.T استنادا إلى المادة (216) من قانون التحكيم الإماراتي بدلا من اللجوء إلى أساليب الطعن والنقض ينسجم أيضا مع خصوصية وطبيعة التحكيم وتحقق الكثير من الفوائد في حسم منازعات هذه العقود، إلا أن ذلك لا يعني التوسع في تفسير أسباب البطلان وإنما يجب توخي الدقة والمصلحة في تفسير ذلك وعدم مجاراة طرق الطعن في الأحكام القضائية.

وفيما يتعلق بالآثار المترتبة علي الحكم ببطلان حكم المحكمين، نري في هذا الصدد استمرار التزام الأطراف باللجوء إلى التحكيم طالما أن الحكم بالبطلان غير قائم علي بطلان الاتفاق علي التحكيم في ذاته بسبب عدم توفر أحد أركانه أو شروط صحته أو لأن محل التحكيم لا يجوز التحكيم فيه لتعلقه بالنظام العام.

وفيما يتعلق بتنفيذ الحكم التحكيمي الصادر بحقه حكم قضائي يقضي ببطلانه، نري أنه إذا كان حكم التحكيم تم إبطاله استنادا إلى المادة (7) من الاتفاقية فيجوز تطبيقه، وعليه إذا صدر قرار ببطلان حكم المحكم في مقر دولة التحكيم فيما يتعلق بعقود B.O.T فيجب عدم تنفيذه إذا كانت تدخل ضمن حالات المادة (7).

وفيما يتعلق بالقانون الواجب التطبيق فإن المشرع الإماراتي لم يستبعد أي تطبيق لقانون الإرادة الصريحة أو الضمنية حيث نص في مشروع قانون التحكيم ( المادة 143/1) علي تطبيق القواعد التي يتفق عليها أطراف العقد والذي غالباً ما يكون القانون الإماراتي لوحده أو معضدا بقوانين أخري، كما أن القانون الإماراتي هو الواجب التطبيق في حالة غياب الاختيار الصريح للقانون باعتباره القانون الأكثر اتصالا بالنزاع ( المادة 43 من مشروع قانون التحكيم)، وساير المشرع الإماراتي في ذلك الاتجاه الغالب في الفقه والتشريع المقارن كفقه القانون الدولي الخاص ومعهد توحيد القوانين كما ساير في ذلك القانون التونسي والجزائري والأردني والبحريني والمصري.

وفيما يتعلق بدور المحكم في تطبيق أو استبعاد القانون الذي يتفق عليها الأطراف لتطبيقه علي منازعات عقود B.O.T، فإن المشرع الإماراتي أجاز للخصوم طلب بطلان قرار المحكم في حالة إهماله لإرادة أطراف التعاقد إذ نص في المادة (216/1) علي جواز الطعن في حكم المحكم إذا كان يخالف وثيقة التحكيم المتفق عليها بين أطراف التعاقد، كما أن مشروع قانون التحكيم الإماراتي لعام 2006 ينص علي إبطال حكم المحكم في حالة استبعاده للقانون المتفق علي أعمال أحكامه في حل المنازعات الناشئة بين أطراف العقد، وبذلك يتفق موقف المشرع الإماراتي مع موقف المشرع المصري وكذلك مع موقف قواعد اتفاقية واشنطن.

كما توصلنا من خلال هذا البحث إلى ضرورة تلافي الدولة عند إبرامها لعقود B.O.T استعمال الصياغة المبهمة بشأن القانون الواجب التطبيق لتجنب المشاكل التي تثور بسبب ذلك واستغلالها من قبل الشركات المتعاقدة لصالح تطبيق القانون التي تضمن مصالحها واستبعاد تطبيق قانون الدولة المتعاقدة.

ونري في خاتمة هذا البحث التأكيد علي ضرورة إصدار قانون خاص بالتحكيم أسوة بالدول المتطورة الأخرى بدلاً من الاعتماد علي القانون الحالي أو الاستعانة بالقواعد العامة أو قواعد قانون الإجراءات المدنية مع ضرورة الاهتمام بمراكز التحكيم الحالية لتقوم بدورها الريادي في مجال التحكيم الوطني والدولي واعتمادها علي محكمين ذوي خبرة وكفاءة من المتخصصين في القضايا التحكيمية.

Conclusion

Today, proliferation of capital markets sits more and more with the private sectors due to their huge financial and technological capacities and expertise. Most countries find that it is necessary to rely on this sector for the establishment, financing and management of investment projects.

Private sector are nowadays substantially involved in the construction, management and funding of public infrastructure projects based on various types of contracts such as BOT, BOOT, BLOT, BROT, BOO, ROT, MOO etc. These types of contracts are usually complex in nature by virtue due to the number of parties involved, the corresponding number of contracts, enormous value and the length of the implementation period.

Therefore, when settlement of disputes arise, appropriate and effective means to achieve natural justice in most friendly ways will be required negotiation, conciliation, mini-trial and arbitration to resolve disputes instead of resorting to the judiciary system. The writer believes means of arbitration is vital in resolving disputes of investment contracts, including BOT contracts, which are normally complex by its diverse financial and technical nature.

This paper have looked at different cases where arbitration to settle disputes have been applied to avoid judicial systems and to protect the strategic investment projects where concerned parties have requested nullification of the final arbitrator’s award. The role of arbitrator in respect to the joint will of the Contracting Parties and the applicable laws in the settlement of disputes of B.OT contract, have also been discussed in this paper. With regard to the invalidity of the award of the arbitrators, it was found the legislature of the UAE has abounded the judicial ways to challenge the award of arbitrator and replaced by granting the conflicting parties to sue the invalidity of the arbitration award.

The legislature of the UAE’s speedy procedure to resolve disputes of contract such as BOT, that has au important advantage for the arbitration process. Article (216) of the UAE Arbitration is consistent with privacy and the nature of arbitration and brings a lot of interest in resolving disputes of these types of contracts. However this does not mean that exaggeration and expansion of the interpretation should not be avoid in judicial decisions.

المصادر العربية:

  1. حمد علي السيد خليل، مدي إمكانية التعايش والطعن معاً، بحث مقدم لمؤتمر التحكيم التجاري الدولي، دبي والمؤتمر السادس عشر لكلية القانون مجلد (3) عام 2008.
  2. أحمد حسان مطاوع: التحكيم في العقود الدولية للإنشاءات، دار النهضة العربية، القاهرة 2007.
  3. أحمد حسان مطاوع : التحكيم في العقود الدولية للإنشاءات، دار النهضة العربية، القاهرة 2007.
  4. أحمد عبد الكريم سلامة: قانون العقد الدولي ـ دار النهضة العربية ـ القاهرة 2008.
  5. أحمد عبد الفتاح الشلقاني: التحكيم في عقود التجارة الدولية، مجلة إدارة قضايا الحكومة، العدد(4) لعام 1966.
  6. أحمد شرف الدين: سلطة القاضي إزاء أحكام التحكيم، بدون ناشر، الطبعة الثانية.
  7. جمال عمران أغنية الورفلي، تنفيذ أحكام التحكيم التجاري الأجنبي، دار النهضة العربية، القاهرة 2009.
  8. حسن الهنداوي: مشروعات B.O.T دار النهضة العربية، القاهرة 2007.
  9. حفيظة السيد حداد: الطعن بالبطلان علي أحكام التحكيم الصادرة في المنازعات الدولية، دار الفكر العربي الجامعي 1997.
  10. عصام أحمد البهجي: التحكيم في عقود B.O.T دار الجامعة الجديدة 2008.
  11. علاء أباريان : الوسائل البديلة لحل النزاعات التجارية، منشورات الحلبي الحقوقية 2008.
  12. محمد الروبي : التحكيم في عقود التشييد والاستغلال والتسليم، بحث مقدم إلى مؤتمر كلية القانون السادس عشر ـ دبي 2008.
  13. محمد عبد العزيز بكر: فكرة العقد الإداري عبر الحدود، دار النهضة العربي، القاهرة 2000.
  14. محمد حسين منصور: العقود الدولية، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية.
  15. محسن شفيق: التحكيم التجاري الدولي، دار النهضة العربية، القاهرة 1997.
  16. محي الدين إسماعيل: منصة التحكيم التجاري الدولي، النسر الذهبي للطباعة ـ القاهرة 1988.
  17. محمود السيد النخبوي : أركان الاتفاق علي التحكيم، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية 2001
  18. عكاشة محمد عبد العال، القانون الذي يحكم النزاع في التحكيم التجاري بحث مقدم إلى مؤتمر كلية القانون السادس عشر حول التحكيم التجاري 2008.
  19. فوزي سامي: التحكيم التجاري الدولي ـ مكتبة الجامعة ـ دبي 2006.
  20. فتحي والي: قانون التحكيم في النظرية والتطبيق، منشأة المعارف، الإسكندرية 2007.

المصادر الأجنبية:

  1. Kausi (J): State Contracts with foreigners Helsinki. Finland 1976.
  2. Lew (J.DM): applicable law in commercial Arbitration Ocean Publication. New York 1978.
  3. Michael Mustil & Steward C. Boyd. The law and practice of commercial Arbitration in England. London 1989.
  4. Paual Newman, Alternative Dispute Resolution. Britain 1999.
  5. H. Trimmer. The Law of foreign trade in the Legal systems of the countries of planned Economy in the sources of the international Trad, ed- by Schmitt of. London. 1964.

[1] KAUSI (J) state contrats with foreigners. Helsinki. Finland 1976 p.3

[2] أحمد حسان مطاوع، التحكيم في العقود الدولة للإنشاءات، دار النهضة العربية، القاهرة 2007 ص 605.

[3] حسن الهنداوي، مشروعات B.O.T  دار النهضة العربية القاهرة، 2007 ص 729.

[4] paula newman, alternative dispute resolution britain 1999. p.3.

[5] عصام أحمد البهجي، التحكيم في عقود B.O.T، دار الجامعة الجديدة 2008 ص 58.

[6] علاء أباريان، الوسائل البديلة لحل النزاعات التجارية، منشورات الحلبي الحقوقية 2008 ص 40.

[7] أحمد عبد الفتاح الشقاني، التحكيم في عقود التجارة الدولية، مجلة إدارة قضايا الحكومة، العدد 4 لعام 1966 ص8.

[8] محسن شفيق، التحكيم التجاري، جامعة القاهرة 1974، ص 20 .

[9] محي الدين إسماعيل ، منصة التحكيم التجاري الدولي، النسر الذهبي للطباعة، ( القاهرة ، 1988 ص 6).

[10] حفظة السيد الحداد، الطعن بالبطلان علي أحكام التحكيم الصادرة في المنازعات الدولية ـ دار الفكر الجامعي 1997، ص 67.

[11] جمال عمران الورفلي، تنفيذ أحكام التحكيم التجاري الأجنبية، دار النهضة العربية، القاهرة، 2009، ص 161.

[12] Lew ( J.D.M) applicable law in commercial arbitration. Ocean publication new york 1978
p 85.

[13] أحمد خليل ـ مدي إمكانية تعايش التحكيم والطعن معا، بحث مقدم إلى مؤتمر التحكيم التجاري الدولي دبي 2008 ص 891.

[14] محمد عبد العزيز بكر، فكرة العقد الإداري عبر الحدود ـ دار النهضة العربية، 2000، ص 286.

[15] جمال عمران الورفلي، المصدر السابق، ص 89.

[16] أنظر جمال عمران الورفلي، المصدر السابق، ص 221.

[17] محمود السيد النخبوي ـ أركان الاتفاق علي التحكيم، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية 2001 ، ص 378.

[18] Michael Mustil & steward c. Boyd. The Law and practice & Commercial Arbitration in England.London 1989 P.82-

[19] أحمد شرف الدين ـ سلطة القاضي إزاء أحكام التحكيم، بدون ناشر ـ الطبعة الثانية ، ص155.

[20] محسن شفيق، التحكيم التجاري الدولي، دراسة في قانون التجارة الدولية، دار النهضة العربية، القاهرة 1997، ص 10.

[21] decision of jan 29, rev, arb., 1983, 516 .

[22] decision of nov 19, rev, arb, 1983, 472 .

[23] أنظر في تفاصيل هذه القضية في منشور جمعية المحامين الدوليين لعام 2006 العدد (2).

(2006) vol (2) newsletter of the Arbitration committee of the Legal practice Division of the International Bar Association, 2.

[24] International Arbitration report, pp. JM-D-2 August 1999 United States Court or Appeals for the Second circuit. 12 August 1999.

[25]Martin Spier V. Calzaturificion Technical, S.P.A, United State District Court New York, 22 oct 1999, published in 2000 18 (1) ASA Bulletin , p 144.

[26] مجلة القضاء والتشريع، لسنة 1997 ، ص 136.

[27] H. trammer : the law of foreign trade in the legal systems of the countries of planned economy in the sources of the law of international trade, de-by Schmitt hof London, 1964, p.41.

[28] أحمد عبد الكريم سلامة، القانون الواجب التطبيق علي موضوع التحكيم، مجلة الأمن والقانون، شرطة دبي، السنة السادسة عشرة، العدد الأول، ص 17.

[29] أنظر في ذلك: د. محسن شفيق، التحكيم التجاري الدولي، دار النهضة العربية 1997، ص 226، د. فتحي والي، قانون التحكيم في النظرية والتطبيق، منشأة المعارف، الإسكندرية 2007، ص 423.

[30] أحمد عبد الكريم سلامة، الأصول في التنازع الدولي للقوانين، دار النهضة العربية، القاهرة، 2008، ص 431.

[31] محمد الروبي ، التحكيم في عقود التشييد والاستغلال والتسليم ، بحث مقدم إلى مؤتمر التحكيم التجاري الدولي، أبو ظبي 2008 ص 173.

[32] فوزي سامي، التحكيم التجاري الدولي، مكتبة الجامعة، دبي 2006 ص19.

[33] أحمد عبد الكريم سلامة، قانون العقد الدولي، القاهرة، دار النهضة العربية، 2008 ، ص 168.

[34] عصام أحمد البهجي، التحكيم في عقود BOT دار الجامعة الجديدة للنشر ـ الإسكندرية، 2008، ص 141.

[35] محمد حسين منصور ، العقود الدولية، طبعة دار الجامعة الجديدة، بدون سنة الطبع، اسكندرية 498.

[36] عكاشة محمد عبد العال، القانون الذي يحكم موضوع النزاع في التحكيم التجاري، بحث مقدم إلى مؤتمر كلية القانون ـ جامعة الإمارات العربية حول التحكيم التجاري 2008 ، ص 608.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading