الطبيعة القانونية لأعمال إدارة الدعوى المدنية
دكتور
محمد نصر الرواشدة
أستاذ مساعد تعليم القانون – قسم القانون الخاص
جامعة عمان العربية-عمان
تلخيص:
لما تبين للمشرع الأردني أن أسباب المماطلة والتأخير في الفصل بالدعاوى تعود إما إلى عمل المحكمة الإداري، أو الإجراءات القانونية للدعاوى وعملية التقاضي، فقد بدأ بإعادة النظر بالنصوص القانونية التي تتعلق بإجراءات الدعوى ومراحلها، ومن بينها مرحلة تبادل اللوائح وحصر البيانات.
لذلك جاء تعديل قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني رقم 24 لسنة 1988 بموجب القانون المعدل رقم 26 لسنة 2002 الذي استحدث إدارة جديدة، تقوم بأعمال تتصل بشكل مباشر بالعمل القضائي، وذات طبيعة خاصة تعمل على الحد من هذه المماطلات من جهة، وتهدف من جهة أخرى إلى تخفيف العبء الملقى على عائق قاضي الموضوع، وقد سميت الإدارة الجديدة بإدارة الدعوى المدنية، وفي هذا البحث سوف نحاول تحديد طبيعة عمل هذه الإدارة من حيث كونه عمل قضائي أم إداري ام أنه عمل مختلط.
Legal Adaptation for Work of Civil Case Management
Dr. Mohammad N. Al-Rawashdeh
Associate-Law College-Private Law Section
Amman Arab University-Amman
Abstract:
When the Jordanian legislature found out that the reasons for procrastination and delay in deciding cases was related to the administrative work of court, or to the legal proceedings for claims and litigation process, the legislature began to reconsider the legal text relating to the procedures and stages of the proceedings, including the stage of statements, exchange, presentation and determination of evidence.
Therefore, the Jordanian Law of Civil Procedure No. 24 of 1988 was amended under the amended Law No. 26 of 2002, which created a new department for activities directly related to the judicial work, and with a special nature that works to reduce these delays on the one hand, and on the other hand, aims to organize the judicial work and ease the burden on the trial judge. The new Department has been named Civil Case Management. In this study, I will try to identify the nature of the work of this administration and whether it is a judicial or administrative or a mixed work between the two.
مقدمة:
عانى نظامنا القضائي عبر السنين الماضية مشكلة كادت أن تؤدي إلى تغير نظرة العامة لهذا المرفق الحيوي، وهذه المشكلة تتلخص ببطء الإجراءات وزيادة تكاليف عمليات التقاضي، وهو ما دفع المتقاضين إلى عقد تسويات مجحفة للخلاص من معاناة التقاضي التي قد تأتي على ما في جيوبهم ثم على ما في عقولهم. وقد لجأ البعض إلى ترك حقوقهم لعلمهم أن حالة التقاضي قد تجعل منهم دائمي الإقامة في المحاكم. ولعل الطريقة التي أوجدها المشرع الأردني للمساهمة في حل هذه المشكلات كانت بمثابة الحل الذي أسهم في توفير التكاليف والوقت والجهد والخصوم والمحكمة.
حيث وفرت هذه الطريقة سيطرة حقيقية على ملف الدعوى في وقت مبكر من عمر الدعوى المدنية، من خلال بسط موضوع الدعوى أما قاض متخصص يقوم بتشخيص حالة الاختلاف وما قد يناسبها من تدابير، ويطلب من الأطراف حصر بياناتهم التي تلاءم النزاع على ضوء اتساع مساحة الخلاف أو ضيقها، ثم يحاول تقريب وجهات نظر المتداعين وصولاً إلى الصلح وتثبيته في الملف، أو الإشارة عليهم بما قد يساعدهم من وسائل غير التقاضي لحل خلافهم خارج أروقة المحاكم.
فالنظام الجديد لا يخفف العبء القضائي فحسب، وإنما العبء المالي عن المتداعين، حيث يأتي مبدأي حصر البينة وتركيز الخصومة الواردين في المادتين 57 و 59 من قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني رقم 24 لسنة 1988 وتعديلاته، من أجل ضمان حصر المدد المتعلقة بالجلسات وتبادل اللوائح، وضمان التزام المحاكم وأطراف النزاع بتطبيق هذه النصوص، وذلك كله تحت طائلة تطبيق عقوبات رادعة بحق من يخل بهذه الالتزامات التي ترتبها هذه المواد مما يساهم بشكل أو بأخر إلى الحد من نفقات التقاضي([1]).
وبالرغم من كل التعديلات التي أدخلها المشرع إلا أن حجم العمل القضائي بقى كبيراً نسبياً، كون أي عمل يقوم به القاضي في إطار وظيفته القضائية يحتاج إلى الخضوع إلى مجموعة الإجراءات القضائية المحددة قانوناً، فكان لابد من محاولة اختصار هذه الإجراءات، دون التأثير على سلامة العملية القضائية ككل متكامل، ومحاولة منع المماطلة التي يتبعها بعض أطراف المنازعات سعياً منهم إلى استمرار عرض النزاع لأطول فترة ممكنة أمام القضاء، وبالنتيجة يؤثر في الثقة العامة بالقضاء وقدرته على حسم المنازعات، من هذا الباب تمت دراسة الإجراءات القضائية التي تطيل أمد الدعاوى، وحصر بواطن التأخير فيها، فوجد أن أكثر المراحل إطالة كانت مرحلة تبليغ الخصوم ومرحلة تبادل اللوائح وتقديم البينة وخاصة البينة الشخصية. مما دعى المشرع الأردني إلى الاستهداء بالوسائل والإجراءات التي أخذت بها الدول لتيسير فض النزاعات وسرعة الفصل فيها، ومنها نظام إدارة الدعوى، واستحداث وظيفة تسمى قاضي إدارة الدعوى يتولاها أحد القضاة في محكمة البداية بهدف السيطرة القضائية المبكرة على ملف الدعوى وإتاحة الفرصة للاجتماع مع أطراف النزاع وحثهم على حل النزاع ودياً بينهم وكذلك لتضييق نطاقي الخلاف بين الأطراف، وذلك كله دون أن يبدي رأيه في موضوع هذا النزاع. وعليه تم تعديل قانون أصول المحاكمات المدنية رقم 24 لسنة 1988 بموجب القانون المعدل رقم 26 لسنة 2002، وهذا لتعديل أدخل فكرة إدارة الدعوى المدنية من خلال إدخال المادة 59 مكرر إلى ذلك القانون([2]).
كما تبنى المشرع حلاً لمشكلة تبادل اللوائح وتقديم البينة، أصبحت من خلالها المشكلة تحت السيطرة، وذلك من خلال إلزام الخصوم بتقديم بياناتهم في مواعيد محدد تحت طائل الحرمان من تقديمها وذلك عملاً بمبدأ حصر البينة. والحكمة من ذلك هي إعطاء القاضي صلاحية أكبر في أدارة حركة الدعوى والمزيد من الهيمنة على الخصومة فلا تترك بمحض إرادة الخصوم، فضلاً عن تمكين القضاء من الإسراع في البت في الدعوى وتسهيل مهمة المتقاضين في الوصول إلى حقوقهم([3]).
ومن خلال التدقيق بالمسمى العام الذي أطلق على هذه الدائرة، نجد أن المسمى ينقسم إلى شقين أساسين هما الإدارة والدعوى المدنية.
والإدارة لغة مشتقة من الفعل أدار أي أحاط، فأدار الشيء أحاط به، والمدير هو من يتولى النظر في الشيء أو من يتولى إدارة جهة معينة([4]).
أما في الاصطلاح، فالإدارة بمعناها العام لا تتعدى عن كونها توفير نوع من التعاون والتنسيق بين الجهود البشرية المختلفة من أجل تحقيق هدف معين([5]). وفي حدود بحثنا هذا لم يرد مصطلح الإدارة بهذا المعنى المفتوح والعام بل ربط بالاختصاص القضائي من خلال الدعوى. وبهذا المعنى عوملت الدعوى وكأنها منشأة بحاجة إلى إدارة تتولى شؤونها العامة والخاصة من أجل تحقيق الجدوى الاقتصادية التي أقيمت من اجلها الدعوى. لذلك لابد من تحديد المقصود من التسمية والهدف من ربط الدعوى بالإدارة وهل قصد المشرع من ذلك اخرج الدعوى من حدود العملية القضائية أم أنه أراد فقط أن يخضع الدعوى لعملية تنظيمية تهدف إلى ظبط حركتها وزيادة سرعتها، وبالنتيجة ما المقصود بإدارة الدعوى المدنية، وبما أن هذا البحث ليس مخصصاً لتعريف الدعوى فسوف يقتصر الباحث على محاولة تعريف إدارة الدعوى المدنية للانطلاق إلى تحديد الطبيعة القانونية لها([6]).
ربما أن الأنظمة القانونية التي طبقت فكرة إدارة الدعوى قد اختلفت من حيث وظيفة المشرف على الدعوى، ومن حيث صلاحيات القاضي أو الموظف الذي يشرف عليها (مدير الدعوى) ومن حيث بداية ونهاية أجراءاتها، فيرى الباحث أن وضع تعريف محدد لهذا المستحدث القانوني يتوقف على النظام القانوني الذي ينظم أحكامها، ففي الأنظمة المقارنة يمكن تعريفها بأنها: الإجراءات القانونية التي يقوم بها أحد قضاة المحكمة أو أحد موظفيها المختصين بذلك على طول فترة التقاضي، لضمان سير الدعوى المدنية بطريقة منهجية سليمة بهدف الفصل فيها بأسرع وقت ممكن وأقل التكاليف سواءً على المحكمة أو على الخصوم.
أما إدارة الدعوى المدنية حسب أحكام النظام الأردني فإنه يمكن تعريفها بأنها: مجموعة من الإجراءات القانونية التي يقوم بها قاض معين لهذا الخصوص، يتم من خلالها التأكد من صحة تمثيل الأطراف، وحصر البيانات، وتهيئة الفرصة المناسبة لجمع الأطراف بهدف تحديد جوهر النزاع، وعرض حل النزاع بينهم مصالحة أو بإحدى الطرق البديلة عن التقاضي أو إحالة الملف إلى محكمة الموضوع([7]).
وفي موضوع دراستنا هذه، نبحث في جزئية من النظام الجديد الذي تبناه المشرع الأردني في قانون أصول المحاكمات المدنية المعدل رقم 26 لسنة 2002([8])، وذلك من خلال الإجابة على تساؤلين الأول، ماهية المستحدث الجديد في النظام القانوني الأردني “إدارة الدعوى المدنية” وطبيعته وفيما إذا كان بعد إجراءً مهماً من إجراءات الدعوى المدنية أم لا؟، أما الثاني، فهل يعتبر عمل إدارة الدعوى المدنية عملاً إدارياً أم قضائياً؟، وبالنتيجة تحديد طبيعته القانونية.
كل ذلك سنتناوله، من خلال تقسيم هذه الدراسة إلى مبحثين على النحو التالي:
المبحث الأول: المقصود بالتكييف القانوني لأعمال إدارة الدعوى وأهميته.
المبحث الثاني: تحديد الطبيعة القانونية لأعمال إدارة الدعوى المدنية وأثره.
المبحث الأول: المقصود بالتكييف القانوني لأعمال إدارة الدعوى وأهميته
بعد أن وضحنا سابقاً التعريف الأقرب إلى الدعوى المدنية، يمكننا الآن البحث في التكييف القانوني الذي يستوجب تحديد وصف قانوني دقيق وتحديد قالب قانوني توضع فيه العملية القانونية محل البحث. ومن خلال هذا المبحث سوف نتولى دراسة التكييف القانوني لإدارة الدعوى المدنية من خلال مطلبين.
المطلب الأول: المقصود بالتكييف القانوني لإدارة الدعوى المدنية
تتولى المحكمة البحث في مجموعة الوقائع المعروضة عليها في الدعوى وربطها مع بعضها البعض لإعطائها وصف معين([9])، حيث يقوم قاضي الموضوع بإعطاء الواقعة المقدمة من قبل الخصوم الوصف القانوني الصحيح الذي يتفق مع طبيعتها، وهذا ما استقرت عليه محكمة التمييز الأردنية في العديد من أحكامها([10]).
فالتكييف القانوني لا يغدو أن يكون في مجمله عبارة عن دراسة واقعة معينة من جميع جوانبها وما رافقها من ظروف وملابسات تتعلق بها أو بأحد أطرافها من جهة، والبحث عن النص القانوني الذي ينطبق عليها من جهة أخرى([11])، أي أنها عملية تتضمن إجراء مطابقة بين الواقعة المقامة بها الدعوى كما حدثت على أرض الواقع وبين الوصف الذي قدمه المشرع في النص القانوني لهذه الواقعة، وعندها يقوم القاضي بإسقاط النصوص القانونية على الواقعة المعروضة عليه حتى يتوصل إلى نتيجة تتمثل في إدراج الواقعة تحت وصف قانوني معين يحكمها.
وفي إطار بحثنا في التكييف القانوني لإدارة الدعوى المدنية لن نتحدث عن تكييف إدارة الدعوى المدنية على أنها واقعة –حسب المفهوم السابق للتكييف- بل سوف نحاول تحديد الطبيعة القانونية السليمة لمثل هذه المنظومة القانونية، في ظل تعريفها السابق بأنها مجموعة من الإجراءات.
المطلب الثاني: أهمية تحديد الطبيعة القانونية لأعمال إدارة الدعوى المدنية
يرى الباحث أن تحديد الطبيعة القانونية للأعمال التي يقوم بها مدراء الدعوى المدنية ووضعها في القالب القانوني الملائم له أهمية كبيرة من عدة نواح أبرزها ما يلي:
أولا: من حيث مدى التقيد بأحكام نصوص المواد المنظمة لإدارة الدعوى
القواعد المنظمة لإدارة الدعوى المدنية قواعد وردت ضمن نصوص قانونية وضعت لتحقيق أهداف معينة أبرزها السرعة في فصل الدعاوى، من هنا يثور التساؤل التالي: هل يملك قاضى إدارة الدعاوي المدنية تجاوز هذه الإجراءات وعدم إتباعها كلياً أوجزئياً؟ كأن يتبع مثلاً الأسلوب الانجليزي الذي يترك للتقاضى الحرية في رسم النظام الذي سيحكم الدعوى دون أن يضع نصوص القانون كاملة دو أن يكون له حرية في تجاوز بعضها والعمل بالبعض الآخر، وهو ما يجعل من عمل القاضي معيباً أو باطلاً([12]).
عند المقارنة بين أنظمة إدارة الدعوى المدنية في الولايات المتحدة وبريطانيا والأردن، نجد أن نص المادة 59 مكرر من قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني أتبعت النظامين الأمريكي والبريطاني في آن واحد من حيث إلزام المحكمة بإخضاع الدعوى لهذا النظام القانوني والسير على أساسه، فلا تملك المحكمة أن تبدأ بنظر موضوع الدعوى الخاضعة لنظام إدارة الدعوى مباشرة قبل أن تمر في مرحلة إدارة الدعوى المدنية. إلا أن النظام الأردني اتفق مع النظام الأمريكي في تحديد صلاحيات وواجبات مدير الدعوى في حين أختلف مع النظام الإنجليزي في أن الأخير تدخل فقط في مسألة المدد وأعطى لمدير الدعوى صلاحيات واسعة في إختيار الإجراءات التي يطبقها على الدعوى المدنية وترك له حرية اختيار الطريقة التي يدير فيها الدعوى فهو مثلاً ترك حرية واسعة للقاضي في عقد اجتماع لإدارة الدعوى، في حين أن النظام الأردني حدد على سبيل الحصر صلاحيات قاضى إدارة الدعوى ومنعه من تجاوز الحدود التي رسمتها المادة 59 مكرر من القانون لأعمال إدارة الدعوى في هذه المرحلة، ومنها إلزام قاضي إدارة الدعوى في هذه المرحلة، ومنها إلزام قاضى إدارة الدعوى بعقد إجتماع لأطراف الدعوى المدنية، إلا أن هناك اتفاقاً بين الأنظمة الثلاثة على ضرورة إخضاع الدعوى المدنية لإدارة المحكمة وسيطرتها المبكرة بهدف تحقيق الغايات المرجوة من إقامة الدعوى بأقصر الطرق وأقل التكاليف.
من ذلك نخلص إلى أن إخضاع الدعوى المدنية لإدارة المحكمة أمر حتمي ولا يدخل في صلاحية المحكمة التقديرية، لكن يبقى التساؤل هل يستوجب ذلك تطبيق النصوص في مجملها أم أنه يجوز لقاضي إدارة الدعوى المدنية تجاوز بعض النصوص؟.
بالرجوع إلى قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني يجد الباحث أن نظام إدارة الدعوى المدنية ورد ضمن نصوص آمرة لا يجوز مخالفتها أو الاتفاق على عدم تطبيقها على الدعاوى التي نص القانون على إخضاعها لهذا النظام، كما أن نص المادة 59 مكرر من قانون أصول المحاكمات المدنية جاء آمراً لقاضى إدارة الدعوى بإتباع كافة الإجراءات الواردة في ذلك النص وبالتالي لم يترك للقاضي أي خيار في تجاوز أي إجراء من تلك الإجراءات ضمن المدة الممنوحة له ليستكمل تلك الإجراءات خلالها.
ثانياً: من حيث قابلية الطعن بحالة الإخلال بهذا الإجراء
حيث تتوقف قابلية الطعن بالإجراء من عدمه وطريقة الطعن به على تكييف هذا الإجراء وتحديد طبيعته القانونية، هل أنه مجرد عمل إداري – ولذلك أطلق عليه إدارة الدعوى المدنية- يخضع لطرق الطعن في الأعمال الإدارية؟ أم أنها إجراءات قانونية وبالتالي فأن الإخلال بها يشكل مخالفة لقاعدة قانونية تجعل الإجراء معيباً وقابلاً للطعن بها بطرق الطعن المعروفة في قانون أصول المحاكمات المدنية. سيما وأن الطعن بالقرارات الإدارية يتم أمام محكمة العدل العليا يتم الطعن بالقرارات القضائية الصادرة عن محاكم الدرجة الأولى لدى محاكم الاستئناف، كما أنه هي يجوز للخصوم الاعتماد على مخالفة أي من القواعد المنظمة لها كسبب للطعن وهل يوجد لهم مصلحة في الطعن اعتماداً على مخالفة أي من هذه الإجراءات.
كل ذلك يوجب علينا تحديد الطبيعة القانونية لإدارة الدعوى المدنية من حيث تنظيمها القانوني وتحديد الوصف الذي ينطبق عليها وبالتالي إمكانية الإجابة على بحمل الأسئلة الواردة حول أهمية تكييف أعمال إدارة الدعوى وتحديد طبيعتها القانونية.
المبحث الثاني: الطبيعة القانونية لأعمال إدارة الدعوى المدنية وأثره
حتى نحدد مدى إمكانية الطعن بأي مخالفة لإحدى القواعد الخاصة بتنظيم عمل إدارة الدعوى المدنية؟ وهل أن الإخلال بها يقبل التصحيح من عدمه؟ وهل يملك الخصوم الاتفاق على مخالفة هذه الإجراءات أو تملك المحكمة تجاوز هذه المرحلة؟. وكذلك لتحديد المحكمة المختصة بنظر الطعن الموجه نحو مخالفة هذه القواعد فإنه لا بد من تحديد الوصف القانوني السليم لإدارة الدعوى المدنية، وهو ما سيتم بيانه تالياً.
المطلب الأول: تحديد الطبيعة القانونية لأعمال إدارة الدعوى المدنية
من خلال الإطلاع على مجموع الأعمال التي تنفذ من قبل إدارة الدعوى المدنية يتضح أنها لا تغدو عن كونها أعمال تهدف إلى فرض سيطرة مبكرة للمحكمة على ملف الدعوى منذ لحظة تسجيلها بهدف الحد من الوقت والتكاليف، على عكس ما نظر إليها أغلب القانونيين في الأردن في بداية تطبيقها على أنها إحدى الوسائل البديلة المستحدثة لفض النزاعات، وكانت لنظرتهم هذه ما يبررها، إذ أن أهداف إدارة الدعوى تقترب كثيراً من أهداف الحلول البديلة لفض النزاعات من حيث الحد من الوقت والتكاليف، ولكن بالرغم من هذا التقارب إلا أنه لا يمكن اعتبار إدارة الدعوى وسيلة من الوسائل البديلة لفض النزاعات بسبب الاختلافات الجوهرية التي تميزها عن هذه الحلول من عدة جوانب.
فهي مجرد وسيلة تهدف للسيطرة المبكرة على ملف الدعوى منذ تسجيلها يمارس من خلالها عدد من القضاة بمساعدة عدد الموظفين المختصين والمؤهلين صلاحية مراقبة بعض الأمور الخاصة بالدعوى ومنها إجراء التبليغ واستكمال جمع البيانات وتقديمها للمحكمة وتبليغها للطرف الثاني في الدعوى وتهيئة الظروف الملائمة أمام أطراف النزاع للاجتماع بهدف التحاور والنقاش ومحاولة حل النزاع قبل إحالته على قاضي الموضوع من خلال عرض الصلح عليهم أو توجيههم باللجوء لأحدى الطرق البديلة عن التقاضي، وذلك كله بهدف اختصار أمد المحاكمة والتقليل من النفقات. ومن هنا فهي عملية يمارسها في القانون الأردني قاض مختص ولكن تبدأ إجراءاتها بعد تسجيل الدعوى في سجلات المحكمة وتستمر لحين إصدار قاضي إدارة الدعوى قراره بإحالة الدعوى لمحكمة الموضوع بعد أن ينجز مهامه ولكن دون التعرض لموضوع الدعوى([13]). بعكس الحال في الحلول البديلة، حيث لا يتم اللجوء إلى المحكمة بل يصدر الوسيط فى الوساطة الخاصة أو المحكم فى التحكيم قراره الفاصل فى الدعوى فى بادئ الأمر ويرتب آثاره, ثم يأتى دور المحكمة فى قرارات المحكمين التي تصادق على هذه القرارات لغايات إضفاء الصيغة التنفيذية عليها.
كما أن الحلول البديلة تعتبر طرق بديلة عن القضاء واختيارية لحل النزاعات تغني الأطراف عن اللجوء للمحكمة وهي الطريقة التقليدية لحل النزاعات، فهي حلول بديلة لأن الأطراف يلجأوون إليها لحل النزاع بوساطة أشخاص غير القضاة – باستثناء الوساطة القضائية- بل عبر اللجوء لطرف ثالث هو الوسيط الذي تقريب وجهات النظر بين أطراف النزاع أو بطرح حلول من قبله تتناسب ووضع الخصومة المعروضة عليه، أو قد يكون محكماً يتولى إصدار قرار فاصل في النزاع المعروض عليه، وفي جميع الوسائل البديلة عن التقاضي لا يتقيد الشخص الثالث بإجراءات قانونية محددة كما هو الحال في عملية التقاضي وإجراءاتها التي تعد إجراءات إدارة الدعوى جزء منها.
وفي جميع الحالات فإن القرارات الصادرة من قبل المحكم تؤدي إلى حسم النزاع كما أن الوسيط قد يساعد الأطراف على حسم الخصومة وإلهائها، بعكس القاضي في إدارة الدعوى المدنية فهو لا يملك إصدار قرار فاصل بالموضوع باستثناء حالة مصادقته على صك الصلح بين الأطراف الذي ينهى النزاع، ولذلك يستبعد من قائمة الحلول البديلة.
كما أن الحلول البديلة هي وسائل إختياريه ممنح الأطراف حرية في إختيار الشخص الثالث وحرية في اختيار الإجراءات المتبعة أمامه في حل النزاع، وغالباً ما يفضل الأطراف اللجوء إليها كبديل للقضاء العادي صاحب الولاية العامة في حل النزاعات، أما إدارة الدعوى المدنية فهي جزء من إجراءات الدعوى كما هو الحال في مرحلة تبادل اللوائح أو تقديم المرافعات، حيث يجب أن تبدأ بدعوى الخاضعة لهذا النظام بمرحلة تمهيدية أولى هي مرحلة إدارة الدعوى المدنية، فلا يملك الأطراف تقديم الدعوى الخاضعة لتبادل اللوائح لقاضى الموضوع مباشرة قبل أن تمر تلك الدعوى على إدارة الدعوى حتى تقوم بمهامها ومن ثم يتم إحالتها إلى محكمة الموضوع.
ومن استعراضنا السابق للتنظيم التشريعي لأحكام إدارة الدعوى المدنية وجدنا نظامين، الأول النظام الإنجليزي الذي ترك للقاضي أمر رسم النظام والسياسة التي سيتبعها في السير بالدعوى منذ تسجيلها حتى يتم الفصل بها، لذلك يرى الباحث أن إدارة الدعوى في هذا النظام عبارة عن عمل ولائي خاصة وأنه عمل لا يمس بأصل الدعوى، والعمل الولائى يقوم به القاضي بتقديره الشخصي للتحكم بسير الدعوى والفصل بها ولا يكون منظماً قانوناً بخلاف الحال في الدول التي تأخذ بالنظام الأمريكي ومنا الأردن.
من ذلك كله نلخص إلى أن تكييف هذا العمل يتوقف حسب طبيعة النظام المتبع، فإذا ما حدد بموجب نصوص تشريعية ثابتة فهو عمل إداري أولي لإدارة الدعوى المدنية يستند لنصوص القانون التي تنظمه، أما إذا ترك لتقدير القاضي فهو عمل ولائي. بالمقابل يثور تساؤل هن طبيعة القرارات الصادرة عن إدارة الدعوى المدنية هل هي قرارات قضائية أم إدارية؟.
والحقيقة أن سبب هذا التساؤل ينبع من طبيعة الإجراء فما يتم القيام به في إدارة الدعوى هو مجرد عمل يهدف إلى حسن سير الدعوى منذ تسجيلها إلى حين الفصل بها بحيث لا يتوقف الأمر على مجرد تطبيق نصوص قانونية معينة بل لا بد من أن يتمتع من يقوم بهذه المهمة بدرجة عالية من الفطنة والذكاء وأن يكون صاحب إمكانيات عالية في فن الإدارة ولا يقتصر الأمر على كونه قاضياً، لأن إدارة الدعوى تتضمن عدة جوانب، الأول جانب قانوني ينظم بموجب نصوص القانون، والثاني جانب قضائي حيث أن من يتولى القيام بهذه المهمة في بعض الدول ومنها الأردن قضاة وتعتبر إجراء من إجراءات القاضي، وأخيراً الجانب الإداري، وإذا كان من أهم أهداف الإدارة هو إتباع أفضل السبل في إدارة المنشأة ورسم السياسة العامة التي تتفق وحالتها من أجل تحقيق أهداف إقامة هذه المنشأة، فإن إدارة الدعوى وفي مثل هذا الطرح تحتاج إلى شخص على درجة عالية في فن الإدارة إلى جانب القدرة القانونية والخبرة القضائية.
ولتحديد طبيعة عمل قاضي إدارة الدعوى المدنية، لا بد من التطرق إلى المعايير التي فرقت بين العمل القضائي والعمل الإداري وهى ثلاثة معايير على النحو التالي:
أولا: العيار الشكلي:
يقوم هذا العيار على النظر إلى الجهة التي تقوم بالعمل، فإذا كان العمل صادراً عن مرجع قضائي أي من خلال قاض معين وفق الأصول عندها يعتبر العمل قاضياً، أما إذا كان من قام بهذا العمل أحد الموظفين الإداريين فهو عمل إداري([14]).
وقد اعتمدت محكمة العدل العليا الأردنية هذا المعيار قراراتها في فترة من الفترات، حيث جاء في أحد قراراتها: “1- إن محكمة العدل العليا لا تختص بنظر الإلغاء المقدم ضد الأعمال التشريعية والقضائية. 2-إن الرأي السائد يعرف القرارات القضائية بأنها هي الصادرة عن هيئات القضائية سواء أكانت هذه القرارات في طبيعتها أعمال قضائية أو أوامر ولائية أو أعمالاً متعلقة بسير الدعوى وتحريكها أو إجراءات تنفيذ الأحكام. 3- إن المعيار الذي يرجع إليه لتحديد القرارات القضائية هو المعيار الشكلي الذي يضع موضع الاعتبار الهيئة التي يصدر عنها القرار هل هي سلطة لها الصفة القضائية أم لا([15]).
وبناء على هذا المعيار فإن أعمال إدارة الدعوى المدنية تعتبر أعمالاً قضائية لكونها صادرة عن قاض مختص ومعين للقيام بهذا العمل على وجه التحديد، حتى ولو كانت القرارات التي يصدرها القاضي مدير الدعوى قرارات ولائية أو متعلقة بسير الدعوى وتحريكها، لأن موضع الاعتبار حسب هذا المعيار هو الجهة التي يصدر عنها القرار هل هي سلطة لها الصفة القضائية أم غير ذلك.
ثانياً: المعيار الموضوعي:
هو المعيار الذي يعتمد على طبيعة العمل بغض النظر عن صفة من يقوم به فإذا كان العمل يؤدي إلى الفصل في خصومة ما فإنه يكون عملاً قضائياً حتى لو صدر عن أشخاص غير القضاة([16])، وقد أخذت بهذا المعيار محكمة العدل العليا الأردنية في بعض قراراتها ومنها قرارها الذي جاء فيه: “إن القرار المطعون فيه ليس من القرارات الإدارية بالمعنى المنصوص عليه في المادة 10/3/ و من قانون تشكيل المحاكم النظامية وإنما هو قرار له صفة قضائية ولذلك فهو غير خاضع للطعن أمام محكمة العدل العليا”([17])، وكذلك قرارها الذي جاء فيه: “إن اختصاص الحاكم الإداري في نظر دعوى إخراج بمقتضى قانون الزراعة هو اختصاص قضائي وأن قراراته التي يصدرها في هذه الدعاوي تعتبر ذات صبغة قضائية لا تخضع للطعن أمام محكمة العدل العليا”([18]).
وبالقياس إعتماداً على مفهوم المخالفة لمضمون المعيار وتوجهات محكمة العدل العليا الأردنية، تعتبر الأعمال التي يقوم بها مدير الدعوى حسب هذا المعيار هي أعمال إدارية حتى ولو أصدرها قاضى مختص بإصدارها ما دامت هذه الأعمال أو القرارات لا تؤدي إلى الفصل بالنزاع الذي صدر القرار بمناسبته.
ثالثاً: المعيار المزدوج:
جاء هذا المعيار ليسد النقص الذي لحق بالمعيارين السابقين، من خلال النظر إلى الجهة التي تقوم بالعمل من ناحية والهدف من القيام بهذا العمل من جهة أخرى، وبالتالي ولاعتبار العمل عملاً قضائياً لا بد من صدوره عن قاض بل وأن يكون الهدف من العمل هو للفصل في الدعوى وحسم النزاع، ويعتبر هذا المعيار من أفضل المعايير التي تم اعتمادها للتميز بين العمل القضائي والعمل الإداري([19]).
وقد أخذت محكمة العدل العليا الأردنية بهذا المعيار للتمييز بين العملين القضائي والإداري في قرارها الذي جاء فيه: “1- إن شراح القانون قد اختلفوا في وضع معايير للتفرقة بين القرار القضائي والقرار الإداري فمنهم من أخذ بالمعيار الشكلي ومنهم من أخذ بالمعيار الموضوعي. 2- الرأي الراجح الذي اتجه إليه القضاء في مختلف البلدان هو الأخذ بالمعيارين معاً مع بعض الضوابط. وبمقتضى هذا الرأي يعتبر القرار قضائياً إذا صدر عن هيئة تستمد ولاية القضاء من قانون محدد لاختصاصها مبين لإجراءاتها وأن يكون حاسماً بصورة نهائية في نزاع بين طرفين….” ([20]).
وبالرغم من أن محكمة العدل العليا الأردنية لم تستقر على الأخذ بمعيار محدد في أحكامها القضائية، إلا أن الباحث يرجح ويؤيد توجه المحكمة في القرار الأخير الذي أخذ بالمعيار المزدوج الذي يعتبر العمل قضائياً بشرط:
1- صدوره عن شخص له صفة القضاء في خصومه معينة مستمداً هذه الصفة من قانون محدد0
2- أن يكون قراره فاصلاً في الخصومة.
وبما أن العمل في نطاق إدارة الدعوى المدنية يهدف إلى السيطرة المبكرة على الدعوى بفرض تنظيم السير فيها وليس الغاية منه فصل الدعوى مباشرة، فهو يخرج عن الأعمال القضائية هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية، ولكون من أنبط بهم العمل في الإدارة هم من القضاة المختصين والذين تم تعيينهم لهذه الغاية، فأن العمل يكون عملاً قضائياً لصدوره عن سلطة قضائية مختصة. ولكن إذا ما نظرنا إلى طبيعة العمل والغاية منه فإنه يكون عملاً إدارياً صادراً عن سلطة قضائية، لذلك يرى الباحث أن هذا العمل لا يعدو أن يكون عملاً تنظيمياً يهدف إلى الرقابة والتيسير على قاضي الموضوع من خلال تحديد جوهر النزاع وبالتالي إلزام الخصوم بحصر البينات المنتجة للفصل في هذا النزاع من قبل قاضي الموضوع، وكذلك فرض الرقابة على ملف الدعوى بهدف ضمان إلتزام أطراف النزاع بالمواعيد المحددة لتقديم البينات.
وكل هذه المهام يقوم بها القاضي مدير الدعوى ليس بصفته قاضياً بل بصفته خبيراً ومختصاً بالقانون ابتداء وإجراءات التقاضي ثانياً ووسائل الإدارة ثالثاً، وليس أدل على ذلك من أن من يقوم بهذا العمل في الأنظمة المقارنة هم من موظفي المحكمة المؤهلين علمياً والمدربين عملياً. ولا يغير من الأمر شيئاً إناطة هذا العمل في النظام الأردني بقضاة مختصين بهذا العمل تحديداً يناءً على نص المادة 59 مكرر من قانون أصول المحاكمات الأردنية.
وبتطبيق المعايير الثلاثة السابقة يتضح بأن العمل الجاري في إدارة الدعوى المدنية هو عمل قضائي لصدوره عن جهة قضائية مشكلة ومختصة بموجب القانون، ولكنه من ناحية أخرى له صفة إدارية فهو يأتي ضمن مجموعة إجراءات قضائية متسلسلة في المرتبة على مدى عمر الدعوى المدنية، ولكن يجب تسليط الضوء على أجراء من الإجراءات الواجب اتخاذها في الدعوى المدنية أكثر من كونه عملاً صادراً عن قضاء، والسبب يكمن في أن هذا العمل يمكن القيام به وإنجازه من قبل موظفين مؤهلين وليسوا قضاة بل يكفيهم أنهم حقوقيون.
لذلك يمكنني الجزم بأن الأعمال التي يقوم بها مدراء الدعوى المدنية من القضاة أو غيرهم من الموظفين لا تتعدى كونها أعمالاً تنظيمية إدارية بحته لا تحتمل الصفة القضائية، والسبب علاوة على ما ذكرته سابقاً أن مدراء الدعوى لا يملكون صلاحيات فصل النزاع أو إصدار أي قرارات جوهرية فيه، بل تنحصر صلاحياتهم في مراقبة أداء الأطراف ومدى تقيدهم بالقانون وكذلك إحالة الدعوى إلى محكمة الموضوع بعد إتمام الإجراءات المطلوب منه إتمامها أو إحالة الدعوى للحل بإحدى الطرق البديلة عن التقاضي بناءً على طلب من أطرافها، ولا يمكن اعتبار مصادقة القاضي مدير الدعوى على صك المصالحة الذي يبرمه أطراف النزاع نتيجة المفاوضات التي تجري أمام إدارة الدعوى بمثابة فصل النزاع بل هو تصديق وتثبيت لإجراء تم أمامه بهدف إكسابه الصفة القطعية تمهيداً لتنفيذه حسب أحكام القانون كما أن صلاحيته تلك مستمدة من إرادة الأطراف.
المطلب الثاني: أثر تحديد الطبيعة القانونية لأعمال إدارة الدعوى المدنية
كأثر للتكييف السابق لأعمال إدارة الدعوى المدنية، يمكن القول بأنه لا يتصور إمكانية الطعن بأي من هذه القرارات أمام القضاء العادي والإداري، وذلك لعدم تصور توافر المصلحة لأي من الخصوم في الطعن في أعمال إدارة الدعوى، كما أن القرارات التي يتخذها قضاة إدارة الدعوى لتنظيم سير الدعوى سواء في إجراء التباليغ أو إحالة الدعوى لمحكمة الموضوع أو لإحدى الطرق البديلة عن التقاضي لا يضر بمصالح أي من أطرافها ولا ينتقص من حقوقهم ولا يؤثر على مراكزهم القانونية حتى نتصور معه إعطائهم مكنة الطعن بأي من هذه القرارات، سيما في ظل قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني الذي جعل الحضور أمام قاضي إدارة الدعوى جوازي لأطراف النزاع ومنع القاضي من إجراء محاكمة الطرف المتغيب عن الحضور.
مع العلم بأن الإجراء الوحيد الذي يقوم به قاضي إدارة الدعوى والذي يتصور بموجبه أن يتضرر أحد الخصوم هو إجراء تبليغه بالنشر في حال أعيدت مذكرات التبليغ للائحة الدعوى مع مشروحات من المحضر المختص تفيد بعدم العثور على الشخص المطلوب تبليغه، في هذه الحالة يصدر قاضي إدارة الدعوى قرارا بتبليغه بالنشر([21]) وبعد مرور المدة المحددة المرد على لائحة الدعوى يتم تبليغه مرة أخرى للحضور أمام قاضي ‘إدارة الدعوى أيضاً بالنشر وعند عدم حضورة يقرر القاضي إحالة الملف إلى محكمة الموضوع التي تبلغه موعد أول جلسة أمامها، وبهذه الحالة وفي حال حضر أمام محكمة الموضوع يحرم المدعى عليه من الرد على لائحة الدعوى ويحرم من تقديم بياناته ويحق له فقط تقديم دفوعه وإعتراضاته على بيانات المدعى ويسمح له بتقديم اليمين الحاسمة كبينة وحيدة له في الدعوى، وهذا هو الضرر الوحيد الذي يمكن تصوره بناء على قرارات قاضي إدارة الدعوى المدنية([22]).
أما في الأنظمة المقارنة، وحيث أن هناك العديد من القرارات التي يصدرها القاضي أو موظف المحكمة الذي يدير الدعوى المدنية وتكون هذه القرارات أو بعضها فاصلاً في كل أو جزء من النزاع، كما أن بعضها يؤثر لحد كبير في جوهر النزاع لذا يوجد مجال للطعن في هذه القرارات وحددت قواعد الإجراءات في هذه الأنظمة وسائل الطعن في هذه القرارات، والطعن يتم أمام جهات قضائية، مما يعنى إضفاء الصفة القضائية على هذه القرارات([23]).
النتائج والتوصيات
أولاً: نتائج الدراسة:
خلص الباحث إلى النتائج التالية:
1- بين الباحث أهمية تحديد الطبيعة القانونية لأعمال إدارة الدعوى المدنية.
2- توصل الباحث إلى عدم إمكانية الطعن بأعمال إدارة الدعوى المدنية بأي وسيلة أو طريقة من طرق الطعن.
3- توصل الباحث إلى أن أعمال القضاة مدراء الدعوى المدنية لا تخرج عن كونها أعمال إدارية تنظيمية.
ثانياً: التوصيات:
بعد دراسة نظام إدارة الدعوى المدنية المعمول به في الأردن بناءً على قانون أصول المحاكمات يوصى الباحث المشرع الأردني وفي أي تعديل قادم على قانون أصول المحاكمات المدنية بما يلي:
لذلك نتمنى على مشرعنا الكريم أن يوسع من صلاحيات قضاة إدارة الدعوى بما يسمح لهم إجراء محاكمة الطرف الذي يتغيب عن الحضور أمامهم، وكذلك أن ينص في أي تعديل على الفصل بين سلطات وصلاحيات مدير الدعوى، وأن يعطى قضاة إدارة الدعوى الحق في نظر موضوع النزاع كما هو الحال في الأنظمة الأخرى.
1- إعطاء قاضي إدارة الدعوى المدنية صلاحية تجزئة عناصر الدعوى ووقائعها وطلباتها، وبالتالي إصدار حكم قابل للتنفيذ فوراً في أي جزئية يرى القاضي أن المدعى عليه أقر فيها من خلال جوابه على الدعوى.
2- إعطاء قاضي إدارة الدعوى المدنية صلاحية البت بالطلبات الأولية والطلبات المستعجلة التي تقدم مع لائحة الدعوى أو اللائحة الجوابية.
3- صلاحية إسقاط دعوى المدعي أو محاكمته في حال تغيبه عن اجتماع إدارة الدعوى، وفي حال الإسقاط الحكم عليه بمصاريف الدعوى وأتعاب محاماة للمدعي عليه إن حضر الاجتماع.
قائمة المراجع:
أولا: مراجع عربية:
أ) الكتب:
1- إبراهيم، محمد محمود، (1982)، النظرية العامة للتكييف القانوني للدعوى في قانون المرافعات، دار الفكر العربي، جامعة الزقازيق.
2- انطاكي، رزق الله (1964-1956)، أصول المحاكمات في المواد المدنية والتجارية، الطبعة السادسة، مطبعة المفيد الجديدة، دمشق.
3- الجواخدار، حسن، (1993)، شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني، ط1، عمان، الجزء الثالث والرابع.
4- الرواشدة/ محمد نصر، (2010) إدارة الدعوى المدنية في النظام القضائي، دراسة مقارنة بالنظامين الأمريكي والبريطاني، ط1، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان.
5- الزعبي، عوض أحمد، (2003)، أصول المحاكمات المدنية، الجزء الثاني، التقاضي –الأحكام وطرق الطعن، “دراسة مقارنة”، ط1، دار وائل للنشر، عمان.
6- الغويري، أحمد عودة، (1989)، قضاء الإلغاء في الأردن، دراسة تحليلية تطبيقية مقارنة، ط1، بدون دار نشر.
7- القضاة، مفلح مراد، (1988)، أصول المحاكمات المدنية والتنظيم القضائي في الأردن، ط1، دار الثقافة، عمان.
8- القضاة، مفلح عواد، (2004)، أصول المحاكمات المدنية والتنظيم القضائي، دار الثقافة، عمان.
9- القطاونة، أحمد وكناكرية، وليد، (2003)، إدارة الدعوى المدنية، ط1، مطابع الدستور التجارية، عمان.
10- المصري، أحمد وليد هاشم، (2003)، شرح قانون أصول المحاكمات المدنية “دراسة مقارنة”، ط1، دار قنديل للنشر والتوزيع، عمان.
11- درويش، عبد الكريم وتكلاء ليلى، (1977)، أصول الإدارة العامة، مكتبة الانجلو المصرية، القاهرة.
12- سالم، فؤاد الشيخ ورمضان، زياد والدهان، اميمة ومخاترة محسن، (1995)، المفاهيم الإدارية الحديثة، ط5، مركز الكتب الأردني.
13- عبد الله، عبد الغني بسيوني، (1982)، أصول علم الإدارة العامة، الكتاب الأول، ماهية الإدارة العامة- العملية الإدارية، الدار المصرية الحديثة، الإسكندرية.
14- كنعان نواف، (2001)، القانون الإداري، الكتاب الثاني، الدار العلمية الدولية ودار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان.
15- والي، فتحي، (1980) ن، الوسيط في قانون القضاء المدني، دار النهضة العربية، القاهرة.
ب) الرسائل الجامعية:
محمد نصر الرواشدة، (2007)، إدارة الدعوى المدنية في النظام القضائي الأردني، دراسة مقارنة بالنظامين الأمريكي والإنجليزي، رسالة دكتوراة، كلية الدراسات القانونية العليا، جامعة عمان العربية للدراسات العليا، عمان.
ج) الدوريات:
مجلة نقابة المحامين الأردنيين، مجلة شهرية تصدر عن نقابة المحامين الأردنيين، عمان، الأعداد الصادرة في سنوات 1982، 1983، 1985، 1992، 2002، 2006.
هـ) القوانين:
1- قانون أصول المحاكمات الأردنية رقم 24 لسنة 1988 وتعديلاته.
2- قانون الوساطة لتسوية النزاعات المدنية رقم 12 لسنة 2006.
و) المعاجم:
معجم لسان العرب لإبن منظور، المجلد 4، الطبعة الأولى، دار صادر للطبع والنشر، لبنان 1990.
ثانياً/ المراجع الأجنبية:
Books:
1- Handbook of court administration and management, Steven W Hays; Cole Bleas Graham, New York. M. Dekker, 1993.
2- THE WHITE BOOK, Volum1 and 2, London, Sweet & Maxwell 2004.
3- CIVIL LITIGATION, Kevin Browne and Margret Catlow, College of Law Publishing 2004, LONDON UNI.
Researchs:
Stephen A. Mayo. ALTERNATIVE DISPUTE RESOLUTION MECHANISMS, INSTITUTE FOR THE STUDY AND DEVELOPMENT OF LEGAL SYSTEMS, June 17, 1997, (http://www.isdls.org).
[1] فقد ألزمت المادة 57 من قانون أصول المحاكمات المدنية الأطراف إرفاق مستندات الدعوى كاملة مع لائحة الدعوى عند تقديمها إلى علم المحكمة. وفي الوقت نفسه ألزمت المادة 59 المدعى عليه أن يقدم إلى علم المحكمة المختصة خلال ثلاثين يوماً من اليوم التالي لتاريخ تبلغه لائحة الدعوى حواياً كتباياً على هذه اللائحة من أصل وصور بعدد المدعين مرفقاً حافظة بالمستندات المؤيدة لجوابه مع قائمة بمفردات هذه الحافظة، وقائمة بياناته الخطية الموجودة تحت يد الغير، وقائمة بأسماء شهوده وعناوينهم الكاملة والوقائع التي يرغب في إثباتها بالبينة الشخصية لكل شاهد على حده.
[2] تنص المادة 59 مكرر من القانون على أن: 1-أ- تنشأ في مقر محكمة البداية إدارة قضائية تسمى (إدارة الدعوى المدنية) على أن يحدد وزير العدل المحاكم التي يتم فيها إحداث هذه الإدارة. ب- يسمى رئيس المحكمة قاض أو أكثر للعمل في إدارة الدعوى المدنية وللمدة التي يحددها ويختار من بين موظفي المحكمة العدد اللازم لهذه الإدارة. 2-يتول قاضي إدارة الدعوى المهام والصلاحيات التالية أ- الإشراف على ملف الدعوى عند وروده مباشرة إلى المحكمة وتسجيله في سجلتها، مراعيا بذلك أحكام المواد (56) و (57) و (58) و (59) و (109) من هذا القانون. ب- اتخاذ الإجراءات اللازمة لتبليغ أطراف الدعوى بالسرعة الممكنة. ج- تعيين جلسة لأطراف الدعوى وتبليغهم بموعدها وفق الأصول المقررة خلال مدة لا تتجاوز سبعة أيام بعد انتهاء المدة المحددة في المادة (59) من هذا القانون. د- الاجتماع بالخصوم أو وكلاؤهم القانونيين في جلسة أولية بعقدها للتداول معهم في موضوع النزاع دون إبداء رأيه فيه، والتحقق من استكمال الوثائق المتعلقة بصحة الخصومة وطلب أي مستند يكون لدى الغير ورد ذكره في قائمة بيانات الخصوم، وإذا تعذر إحضار المستند ضمن المدة المحددة وفقاً لأحكام هذه المادة تحال الدعوى إلى قاضى الموضوع. هـ- حصر نقاط الاتفاق والاختلاف بين الفرقاء وحثهم على تسوية النزاع القائم بينهم ودياً. 3- يمارس قاضي إدارة الدعوى الصلاحيات المقررة لقاضي الموضوع في تثبيت الصلح أو إي اتفاق آخر، وإصدار القرار وفق ما تقتضيه أحكام المادة (78) من هذا القانون وفرض الغرامات المنصوص عليها في المادة (14) وفي المادة (72) منه. 4- إذا تخلف احد الإطراف عن حضور الجلسة التي حددها قاضى إدارة الدعوى أو رفض حضورها أو انتهت المدة المنصوص عليها في هذه المادة يحيل الدعوى إلى قاضى الموضوع مرفقا بها المحضر المشار إليه في الفقرة (5) من هذه المادة. 5- ينظم قاضى إدارة الدعوى محضرا بما قام به من إجراءات متضمنا الوقائع المتفق والمتنازع عليها بين الأطراف ويحيل الدعوى إلى قاضى الموضوع خلال ثلاثين يوماً من تاريخ أول جلسة يعقدها. 6- لا يجوز لقاضى إدارة الدعوى تحت طائلة البطلان النظر في موضوع الدعوى التي سبق له واتخذ قرارا بإحالتها إلى قاضى الموضوع.
[3] د.محمد وليد هاشم المصري، شرح قانون أصول المحاكمات المدنية “دراسة مقارنة”، الطبعة الأولى، دار قنديل للنشر والتوزيع، عمان 2003، من 168. د.عوض أحمد الزعبي، أصول المحاكمات المدنية، الجزء الثاني، التقاضي- الأحكام وطرق الطعن، “دراسة مقارنة”، الطبعة الأولى، دار وائل للنشر، عمان 2003، ص512.
[4] ابن منظور، معجم لسان العرب، المجلد 4، الطبعة الأولى، دار صادر للطبع والنشر، بيروت 1990، ص296.
[5] د. عبد الكريم درويش و د. ليلى تكلا، أصول الإدارة العامة، مكتبة الانجلو المصرية، القاهرة 1977، ص49.
[6] لمزيد من التفاصيل حول تعريفات إدارة الدعوى المدنية والتعريف بالإدارة والدعوى أنظر لطفاً: محمد نصر الرواشدة، إدارة الدعوى المدنية في النظام القضائي الأردني “دراسة مقارنة بالنظامين الأمريكي والإنجليزي”، رسالة دكتوراه، عمان، جامعة عمان العربية للدراسات العليا 2007، ص13 وما بعدها.
[7] للمزيد حول تعريف إدارة لطفاً أنظر/ محمد الرواشدة، المرجع السابق، ص25 وما بعدها.
[8] مع العلم بأن هذا القانون تم تعديله مرتين الأولى بموجب القانون المعدل رقم 20 لسنة 2005 والثانية بموجب القانون المعدل رقم 16 لسنة 2006.
[9] د.محمد محمود إبراهيم، النظرية العامة للتكييف القانوني للدعوى في قانون المرافعات، جامعة الزقازيق، دار الفكر العربي، القاهرة 1982، ص98 وما بعدها وص 110 وما بعدها.
[10] على سبيل المثال أنظر قرار محكمة التمييز رقم 3079/2002 المنشور على ص 1801، العدد 7من مجلة نقابة المحامين الأردنيين الصادرة عام 2003، وكذلك القرار رقم 2537/1999 المنشور على ص 440، العدد 1 من مجلة نقابة المحامين الأردنيين الصادرة عام 2002.
[11]حسن الجرخدار، شرح قانون أصول المحاكمات الجزائرية الأردني، الجزئيين الثالث والرابع، ط 1، عمان 1993 ص134 وما بعدها.
[12] للمزيد حول موقف القانون الإنجليزي والقانون الأمريكي في الصلاحيات الممنوحة لمدير الدعوى أنظر د. محمد نصر الرواشدة، إدارة الدعوى المدنية في النظام القضائي الأردني، دراسة مقارنة، ط1، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان 2010، ص93 و 104 وما بعدهما. وكذلك قانون الإجراءات المدنية في ولاية كاليفورنيا المسمى بــ CALIFORNIA CODE OF CIVIL PROCDURE والمنشور على الموقع الإلكتروني www.law.comell وكذلك THE WHITE BOOK, Volum1 and 2, London, Sweet & Maxwell 2004, p6 & Handbook of court administration and management, Steven W Hays; Cole Bleas Graham, 196 & 2165. وكذلك New York. M. Dekker, 1993. P 156 & 278 وكذلك CIVIL LITIGATION, Kevin Browne and Margaret Catlow, College of Law Publishing 2004, LONDON UNI. P5 & 55& 91.
[13] وفي النظامين الأمريكي والبريطاني يمارسها قاض أو موظف في المحكمة، د. محمد الرواشدة، مرجع سابق، ص58 وما بعدها و 117 وما بعدها.
[14] د. نواف كنعان، القانون الإداري، الكتاب الثاني، ط1، الإصدار الثالث، الدار العلمية الدولية ودار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان 2001، ص246. د. أحمد عودة الغويري، قضاء الإلغاء في الأردن “دراسة تحليلية تطبيقية مقارنة” الطبعة الأولى، عمان 1989، ص180.
[15] قرار محكمة العدل العليا في الدعوى رقم 25/1984 المنشور على الصفحة 1043 من العدد رقم 4، من مجلة نقابة المحامين الأردنيين عام 1985.
[16] د. نواف كنعان، المرجع السابق، ص246.
[17] قرار محكمة العدل العليا في الدعوى رقم 58/1963 المنشور على الصفحة 555 من العدد رقم 1 من مجلة نقابة المحامين الأردنيين عام 1964.
[18]قرار محكمة العدل العليا في الدعوى رقم 68/1982 المنشور على الصفحة 960 من العدد رقم 7 من مجلة نقابة المحامين الأردنيين عام 1982.
[19] أحمد القطاونة ووليد كناكرية، إدارة الدعوى المدنية، ط1، مطابع الدستور التجارية، عمان 2003، ص 129 وما بعدها.
[20] قرار محكمة العدل العليا في الدعوى رقم 7/1959 المنشور على الصفحة 89 من العدد رقم 1 من مجلة نقابة المحاميين الأردنيين عام 1959، وكذلك قراراها في الدعوى رقم 61/1977 المنشور على الصفحة رقم 30 العدد 2 من مجلة نقابة المحاميين الأردنيين عام 1978. والذي جاء فيه: “لقد استقر الفقه والقضاء على أن القرار لا يعتبر قرار قضائي غير خاضع للطعن أمام محكمة العدل العليا إلا في حالتين الأولى أن يصدر عن محكمة بمقتضى وظيفتها القضائية ويحسم على أساس قاعدة قانونية خصومة قضائية بين خصمين ويقرر في قوة الحقيقة القانونية وجود حق أو عدم وجوده والثاني أن يصدر عن هيئة لا تتكون من عناصر قضائية وإنما استندت عليها سلطة قضائية للفصل فيما أنبط بها من خصومات تتوافر فيها خصائص الخصومة القضائية”.
[21] المادة 59 مكرر من قانون أصول المحاكمات المدنية.
[22] المواد 59 و 59 مكرر من قانون أصول المحاكمات المدنية.
[23] كما هو الحال في مسألة تجزئة وقائع الدعوى وإصدار حكم فاصل في النزاع في المسائل المتفق عليها والسير بالدعوى في باقي المسائل محل الخلاف، أو الحكم بشطب أو إسقاط جزء من الدعوى أو الدفاع كجزاء عن عدم التقيد بالمواعيد.


