آليات تفعيل نظام الوساطة الأسرية

وفاء بونكاب

دكتورة في الحقوق

مقدمة

في إطار الحكامة الجيدة في تسيير مرفق القضاء، ومسايرة التوجه العالمي نحو تسيير الولوج إلى العدالة، واعتماد الوسائل البديلة لحل النزاعات بشكل عام، والأسرية منها بشكل خاص، أصبح المغرب ينفتح على تجارب دول أجنبية في مجال الوساطة الأسرية، إيمانا منه بضرورة اعتماد هذه الوسيلة في حل الخلافات الشخصية بين الأفراد، للوصول بهم إلى عدالة لينة، تصالحية تقضي على نزاعاتهم من الجذور، وتضع  حلولا نهائية لها.

لذا أصبحت الوساطة الأسرية ضرورة ملحة من أجل مواكبة مستجدات مدونة الأسرة حفاظا على أهدافها العليا في إرساء أسس متينة للأسرة من جهة وضمانا لحقوق أطرافها ورعاية لمصالح الأبناء وتسهيل حصول المواطنين على حقوقهم من جهة أخرى.

ومن هنا يتضح أن إمكانية نجاح الوساطة كآلية بديلة لحل النزاعات الأسرة موجودة، وما بقي إلا اتخاذ مجموعة من التدابير الكفيلة بتفعيلها على المستوى القانوني، إلا أن بقاء النصوص القانونية جامدة لا يجدي في شيء بل يجب بلورتها على مستوى الواقع من خلال آليات التفعيل على المستوى العملي.

ونظرا لأهميتها سنحاول دراسة موضوع آليات تفعيل نظام الوساطة الأسرية في مبحثين:

المبحث الأول: آليات التفعيل على المستوى القانوني.

المبحث الثاني: آليات التفعيل على المستوى العملي.

المبحث الأول : آليات التفعيل على المستوى القانوني

إن تفعيل نظام الوساطة الأسرية في المجتمع المغربي، يقتضي تدخل المشرع من أجل النص عليها بشكل صريح وواضح في مدونة الأسرة لإضفاء طابع الشرعية عليها وإزالة أي لبس أو غموض يكتنف عملها، كما أن الحديث عن الوساطة الأسرية يقتضي خلق هيئة خاصة بالوسطاء تتولى القيام بمساعي الوساطة (المطلب الأول)، ولما كانت النزاعات الأسرية تتطلب السرعة في إيجاد الحلول لها حتى لا تتفاقم الأمور وتؤدي إلى انهيار كيان الأسرة، فإن نجاح الوساطة الأسرية متوقف على أن تتم داخل أجل معقول، وحتى يتحقق ذلك لابد من اعتماد نظام إدارة الدعوى كما هو معمول به في العديد من التشريعات المقارنة (المطلب الثاني).

المطلب الأول : التنصيص على الوساطة الأسرية في مدونة الأسرة

إن الدين الإسلامي يحبذ الصلح ويدعو إليه، كما أن المشرع المغربي وعيا منه بأهميته، نص عليه في عدة قوانين سواء المدنية أو التجارية أو الجنائية.

فهناك مؤشرات سواء الواردة في نصوص مدونة الأسرة أو في الخطاب الملكي أو على الصعيد العملي كلها تصب في اتجاه الأخذ بالوساطة، ولهذا يتعين على المشرع المغربي تقنين الوساطة في مدونة الأسرة بشكل دقيق وخالي من الغموض.[1] كما أن صدور قانون 08.05، والذي نص على الوساطة الاتفاقية دون القضائية والإجبارية، جعل تطبيق الوساطة على النزاعات الأسرية تعترضه بعض الصعوبات.

ومن هنا، يبدو أن تدخل المشرع من أجل التغلب على العقبات التي تعترض نجاح الوساطة الأسرية، واتخاذ التدابير اللازمة لتفعيلها ضرورة حتمية، لهذا يجب عليه تقنين نظام الوساطة الأسرية في نصوص قانونية واضحة، ومفصلة، خالية من الغموض وغير قابلة لعدة تأويلات،[2] وإدماجها في مدونة الأسرة ضمن الآليات المرصدة للصلح، وأن يكون الأمر تحت إشراف ورقابة القضاء، حتى يساير ما ذهبت إليه التشريعات المقارنة السباقة إلى تنظيم وتقنين الوساطة الأسرية.

إلا أن اعتماد نظام الوساطة وإدماجها داخل النظام القانوني والقضائي بالمغرب من خلال الاستفادة من تجارب الدول الأجنبية التي كانت سباقة للأخذ بها، يقتضي الأخذ بعين الاعتبار خصوصية المجتمع المغربي، وتركيبة الأسرة التي تشكله، والتحولات الثقافية والاجتماعية التي تعرفها.[3]

ونورد في هذا المقام تعريف الوساطة كما تبناه المجلس الاستشاري للوساطة الأسرية بفرنسا والذي يقضي : “أن الوساطة الأسرية عملية تقوم على أساس بناء روابط عائلية، تمحورت حول استقلالية ومسؤولية الأشخاص المعنيين بأوضاع انفصام العلاقة أو انفصال الزوجين يقوم خلالها شخص ثالث محايد ومستقل ومؤهل دون أن يملك سلطة القرار هو الوسيط الأسري، بإتاحة الفرصة للطرفين عبر جلسات حوار سرية للتواصل وتدبير نزاعاتهم في مجال الأسرة، وهو مجال متنوع وفي تطور مستمر”.[4]

يتضح من خلال هذا التعريف أن الوساطة في المفهوم الغربي تعتمد على المبادرة الإرادية من أفراد الأسرة التي تختار أو تقبل اللجوء إلى الوساطة بعد الانفصال أو الطلاق للحفاظ على أدوارهم الأبوية بعد الفراق.

وهكذا نجد أن مفهوم الوساطة على النحو السائد والمأخوذ به في عدد من الدول الأجنبية لا يتماشى وطبيعة الخصوصية الثقافية والفكرية التي تحكم الأسرة المغربية كأسرة مسلمة لها عادات وتقاليد خاصة تميزها عن تلك التي تحكم الأسرة الغربية، كما لا يتوافق مع الأساس والغاية التي أريد من وراء اعتمادها، كما أنها لا تتوافق والأهداف التي يسعى المشرع إلى تحقيقها، والمتمثلة في الحفاظ على استقرار الأسرة وضمان استمراريتها وحماية حقوق أفرادها وتفادي الآثار المجتمعية الوخيمة الناتجة عن وقوع تفككها.[5]

وبالتالي فإن الأمر يوجب اعتماد نظام الوساطة يتلاءم والواقع الذي سيفعل فيه عن طريق احترامه للمرجعية الفكرية والثقافية والدينية للمجتمع المغربي، حيث يجب تسخيره في تعميق أواصر التسامح والصلح بين أفراد الأسرة والحفاظ على كيانها مجتمعة، وذلك بجبر ما تم كسره جراء النزاع الحاصل بين أفرادها.

المطلب الثاني : خلق هيئة خاصة بالوسطاء

إن نجاح الوساطة الأسرية وتفعيلها على أرض الواقع لا يقتصر على الأخذ بهذا النظام وتبنيه تشريعيا ضمن الآليات المرصدة للصلح، بل يقتضي خلق هيئة للوسطاء باعتبارهم “خبراء” أصحاب مهنة حرة، يجب أن يكون لهم جدول خاص ضمن لائحة الخبراء، وقد يتكون هؤلاء من رجال القانون مستقلين، والمتقاعدين من القضاء ومساعدي القضاء، وكل من أبان عن كفاءة ومقدرة في هذا المجال.[6]

ولضمان نجاح مؤسسة الوسيط لابد من الحرص على انضباط هذا الجهاز من خلال تخصيص جانب واسع من المراقبة والتأديب، بحيث يتم إنزال العقوبات  التأديبية بكل وسيط أخل بواجبه المهني حتى يظل جسم هذه الهيأة سليما، كما أن نجاح هذه المؤسسة وتحقيقها للنتائج المرجوة رهين بتعويض هؤلاء الوسطاء عن عملهم وتحديد أتعابهم بشكل يتماشى مع المجهودات التي يقدمونها للإصلاح ذات البين بين أطراف العلاقة الأسرية.[7]

وعلى هذا الأساس، فإن نجاح الوساطة الأسرية يقتضي تدخل المشرع من جديد من أجل إيجاد إطار قانوني ينظم مهنة الوسطاء، فالوسيط يعتبر العنصر الأهم والركيزة في إنجاح الوساطة، ومن ثم كان لابد من إيجاد شخص مهني مؤهل ومدرب على مهارات تمكنه من تحقيق الوساطة، وأن يكون قادرا على التعمق في دراسة المشكلات التي يعاني منها طرفي النزاع، للتوصل إلى حلول لها بعد التعرف على جذورها بصورة واقعية.[8]

كما يجب عليه أن يزود الأطراف بالنصائح ولا يعرض أو يفرض العلاج، ولكن يساعد الأطراف على التوصل إلى القرار من خلال المقترحات، كما يجب أن يتسم بعدم التحيز لطرف دون الآخر.[9]

كما يجب أن يكون واقعيا في تناول القضايا، ويراعي الأوضاع الحقيقية المتعلقة بالنزاع، فلا يقتصر على حل واحد، ولكن يجب البحث على حلول متنوعة لاختيار الأطراف المتنازعة، وهذا يتطلب الانفتاح على حقيقة المستجدات المتعلقة بالمشكلة الأسرية وكل مستجد في إطار المهنة.[10]

فبالموازاة مع إيجاد إطار قانوني ينظم مهنة الوساطة، فإن نجاح هذه الأخيرة يتطلب خلق وإنشاء مراكز لتكوين الوسطاء، يسند إليها مهمة تأهيل وتكوين أشخاص لممارسة مهنة الوساطة.

وفي هذا الإطار، عمدت العديد من الدول الغربية السباقة إلى اعتماد الوساطة كإحدى البدائل لحل النزاعات الأسرية، على إحداث مراكز للوساطة تهدف إلى مساعدة الأزواج المتنازعين على حل خلافاتهم وديا وتحقيق صلح أسري بعيدا عن القضاء وتعقيداته المسطرية، أو يكون اللجوء إليها بإحالة من القضاء في حالة اتفاق الأطراف على ذلك.[11]

كما سارت على نفس المنوال بعض التشريعات العربية وإن كانت لم تتبنى نظام الوساطة الأسرية في تشريعاتها الداخلية، كما هو الشأن بالنسبة للمشرع المصري الذي عمل بموجب قانون رقم 10 لسنة 2004، الخاص بإنشاء محاكم الأسرة على خلق مكاتب لتسوية المنازعات الأسرية تهدف إلى إنهاء النزاع بين أطراف العلاقة وديا.

والمغرب بدوره سار على نفس النهج حيث عرفت الآونة الأخيرة حركية نشيطة في هذا الشأن، حيث تم تنظيم عدة أوراش لتكوين الوسطاء بشراكة مع وزارة العدل وبعض الجمعيات على الصعيد الوطني والمنظمات العالمية المهتمة بالوسائل البديلة لحل النزاعات كمنظمة البحث عن الأرضية المشتركة.

المبحث الثاني : آليات التفعيل على المستوى العملي

لاشك في أن من رهانات نجاح الوساطة كوسيلة بديلة لتسوية المنازعات الأسرية بالمغرب، لا يقتصر على الجوانب التشريعية التي تعنى بوضع الأرضية القانونية، بل لابد من إيلاء الجهة المعنية – من قريب أو من بعيد- بتطبيق هذا التشريع، الأهمية اللازمة، بما في ذلك الاهتمام بدور القضاء في هذا التطبيق، والاعتماد على دعم فعاليات المجتمع المدني (المطلب الأول)، وهيئات الدفاع بهدف إسهامها الفاعل في إنجاحه (المطلب الثاني).

المطلب الأول : دور القضاء والمجتمع المدني في إنجاح الوساطة الأسرية

إن تفعيل آلية الوساطة الأسرية بالمغرب، يقتضي ضرورة الرفع من فعالية القضاء، وذلك بالعمل على توفير مؤسسات قضائية حقيقية مستقلة ومتمتعة بكل صلاحيات السلطة القضائية مما من شأنه أن ينعكس إيجابيا وبشكل مباشر على الوسائل البديلة[12] بما فيها الوساطة.

فالواقع اليومي يثبت أن الظروف التي يمارس فيها القضاة مهامهم تؤثر في أغلب الأحيان سلبا على عطائهم، لذلك بات من الضرورة العناية بجهاز القضاء وتجهيزه بالموارد البشرية المؤهلة وبالأعداد الكافية، وكذا بالبنيات والتجهيزات، وحتى يساهم القضاة في تفعيل الوسائل البديلة يجب إخضاعهم لتكوين خاص في هذا المجال، بحيث يصبح هناك قضاة مختصين لهم إطلاع شمولي ليس فقط بالجانب القانوني بل بكل المواد المتدخلة كعلم الاجتماع الأسري وعلم النفس وغيرها من العلوم التي لها علاقة بالأسرة، وهذا من شأنه أن يولد لديهم إحساسا عميقا بأهمية الأسرة وبضرورة استمراريتها، وبأن يواكب هذا الإحساس العمل على الاهتمام والاعتناء بكل الوسائل الودية لنزع فتيل الخلاف، وهذا ما نبه إليه جلالة الملك محمد السادس وأكد عليه بقوة في خطابه بتاريخ 29 يناير 2003 عندما دعا إلى تكوين قاض الأسرة المتخصص ترسيخا لتماسك العائلة في ظل التكافؤ والإنصاف.[13]

ونشير إلى أن النزاعات الزوجية والأسرية، تشكل مجالا من المجالات الخصبة التي تنشط فيها الوساطة، إذ أعطى المشرع المغربي لقاض الأسرة دورا أساسيا في إصلاح ذات البين وتضييق فجوة الخلاف الأسري القائم بين الأطراف المتنازعة، إلا أنه حتى يضطلع القاضي بهذا الدور الهام يجب ألا يقتصر الأمر على تكوينه فقط بل يلزم أن يدعم بأطر ذات كفاءات عالية، وبالإمكانات اللازمة الميسرة للبحث، وإيجاد مؤسسة مختصة في الوساطة، تكون تابعة للقاضي تساعده على القيام بمهمة التوفيق والمصالحة بين أفراد العائلة، حيث أن مهمة القاضي التي أناطها به المشرع وهي الوساطة لا يمكن القيام بها على الوجه الأكمل دون تدخل أطراف أخرى متخصصة في مجال الوساطة الأسرية.[14]

وقد عملت جل التشريعات على الأخذ بالوسائل البديلة لحل النزاعات، ومنها الوساطة، إذ أن اللجوء إلى هذه الوسائل أصبح يدخل في إطار الحكامة في تسيير الإدارة القضائية وحسن تصريف العدالة، وذلك بالنظر إلى ما تحققه هذه الآليات من نتائج ملموسة، وإلى ما يعاني منه نظام القضاء من مشاكل ومعوقات رغم الجهود المبذولة لتطوير أدائه وتحسين صورته.[15]

وفي خضم الإعداد لمشروع القانون رقم 08.05 فقد كان للمجتمع المدني ببلادنا مساهمات متميزة، إذ أنه في سنة 2004 وقعت وزارة العدل مع المنظمة العالمية “البحث عن أرضية مشتركة” بروتوكولا للتعاون بإدخال الوسائل البديلة لحل المنازعات إلى النظام القضائي المغربي، وبعد تنفيذ المرحلة الأولى من هذا البرنامج بنجاح تم توقيع سنة 2005 البرتوكول المتعلق بالمرحلة الثانية وخلال هاتين المرحلتين تم إحداث مجموعة عمل من القضاة والمختصين للعمل على تنفيذ المشروع وتتبعه في جميع مراحله ونظمت عدة أوراش تكوينية في المغرب وبريطانيا، كما تم الانفتاح على فعاليات المجتمع المدني المحلي من أجل تقديم مقترحاتهم بشأن هذا المشروع.[16]

ويمكن أن نشير إلى أن ممارسة المجتمع المدني لدور الوساطة في حل النزاعات خاصة الأسرية منها كان سباقا لوجود النص القانوني المؤطر لهذه الآلية، إذ أنه وجد مركزان بالمغرب يعملان على حل الخلافات المعروضة عليهما عن طريق الوساطة دون اللجوء إلى القضاء، ويتعلق الأمر بجمعية شمل الأسرة والمرأة،[17] وجمعية إيناسي، بالإضافة إلى جمعيات تتوفر ضمن آلياتها على مجالس للصلح دورها ينحصر في قضايا العنف الزوجي والنسب وإهمال الأسرة وغيرها من القضايا الأخرى ذات الارتباط بالأسرة.[18]

وتجدر الإشارة هنا إلى أن هناك عدة منظمات وجمعيات أجنبية اتخذت مبادرة تطوير الوساطة ببلادنا منها الأسرية، والعمل على تجاوز معيقات تطبيقاتها، ونذكر منها على سبيل المثال “منظمة البحث عن أرضية مشتركة” التي تعمل مع فعاليات المجتمع المدني بالمغرب من أجل ترسيخ ثقافة الوساطة إذ تهدف هذه المنظمة إلى :

  • تقوية قدرة الأفراد والمؤسسات على حل النزاعات عن طريق التعاون.
  • تطوير ثقافة الحوار عن طريق التقريب بين الفاعلين في المجتمع المدني والسلطات العمومية.
  • تعزيز ثقة المواطنين بهذه الوسائل البديلة.
  • العمل على إحداث مؤسسة مغربية لإدارة الوسائل البديلة في حل المنازعات.[19]

وبالإضافة إلى ذلك، فقد تضمن برنامج المنظمة تعزيز قدرات مراكز الاستماع للنساء ضحايا العنف وذلك بالعمل على تطوير برنامج لتغيير مسار النزاعات يركز على دعم عمل هذه المراكز، وتعزيز قدرات الأطر بتقنيات الوساطة، وكذا التواصل بين الأفراد حتى يكونوا قادرين على المساهمة بفعالية في حل النزاعات الزوجية المعروضة عليهم، ومنع حدوث حلقات عنف جديدة.

لذلك فإنه يبدو ومن خلال ما تم ذكره أن دور المجتمع المدني أكيد وفعال ومحوري في إنجاح العمل بالوساطة والتوعية بها، غير أن ذلك وحده لا يكفي وإنما يتعين العمل وبشكل كبير على تكوين الأطر العاملة في حقل الوساطة وكذا تأطير عملهم بنص قانوني يحدد صفاتهم وضوابط عملهم.

المطلب الثاني : دور المحامي في تفعيل الوساطة

لقد اختلفت الآراء حول الجهة التي يجب أن تمارس الوساطة، إذ التجأ البعض بحصر شخص الوسيط في المحامي، بالنظر لأهليته المهنية، ودرايته القانونية، وارتباطه الوثيق بالنزاعات وبتقنيات حلها، في حين ذهب اتجاه آخر إلى ضرورة تعيين الأشخاص المقيمين في لائحة يحصرها وزير العدل كل سنة بناء على نص تنظيمي لممارسة الوساطة وقد يقيد بها : القضاة المتقاعدون، المحامون، الخبراء، المهنيون، الغرف والجمعيات المهنية، مراكز التوثيق، مركز الدراسات والاستشارة القانونية وكل شخص طبيعي أو اعتباري يتفق عليه الأطراف ويختارونه للقيام بالوساطة في نزاع معين.[20]

وفي هذا الصدد، تبين من تجارب بعض الدول التي أخذت بالوساطة كبديل لحل النزاعات، أن نسبة كبيرة من المحامين تكاد تفوق 90% ممن يمارسون مهنة الوساطة هم محامون بعد إثبات الذات والخبرة والنجاح في الوساطة.

وتبعا لذلك، فدور المحامي في بريطانيا تطور لدرجة أن القانون فرض على المحامي اللجوء إلى الوساطة قبل التوجه إلى المحكمة، وأن يناقش مع زبونه الإمكانيات المتوفرة في الوساطة، وذلك تحت طائلة اعتباره مخلا بواجبه المهني في حالة عدم احترامه لهذا المقتضى، ومن الأمثلة على تطور شركات المحامين ودورها في إشعاع وتطوير الوساطة داخل وخارج بريطانيا شركة “هاموندس”.[21]

وانطلاقا من ذلك، يعتبر دور المحامي في إنجاح مشروع مؤسسة الوساطة مهما، وذلك للاعتبارات التالية :

  • المحامي جزء من أسرة القضاء، وهو شريك للقضاء في تصريف العدالة.
  • لا يمنع المحامي بقوة القانون، إلا من نشاط يمس باستقلاله وبالطبيعة الحرة للمهنة.
  • ما دام المحامي يقوم بدور المحكم، فإن له أن يقوم أيضا بدور الوسيط أو المصالح أو الموفق.
  • طبيعة مهنة المحامي تفيد، كما هو الحال بالنسبة للقاضي، ممارسته يوميا داخل مكتبة أو خارجه بمساعي المصالحة والوساطة والتوفيق.
  • الموقف الرسمي لجمعية هيئات المحامين بالمغرب مع مشروع إدماج الوساطة، وذلك بالصورة التي تأخذ بعين الاعتبار الحقوق المكتسبة لمهنة الدفاع، أي الوساطة التي يجد فيها المحامي نفسه، ويسهم فيها بصورة مباشرة وفاعلة.[22]

فللمحامي دور كبير في مرحلة ما قبل الوساطة، من خلال تهييء زبونه لها وتوضيح مسارها ورهانات القوة والضعف في موقفه وموقف خصمه، وأثناء الوساطة في تقييم المواقف والمصالح، والتهيؤ للمحاكمة في حالة فشل الوساطة، وللمحامي دور كبير كوسيط من خلال التركيز على الاهتمامات والخيارات والتوازنات، والسعي إلى تقريب وجهات نظر الأطراف في حياد وموضوعية.

وذلك راجع لتوفره على بعض المميزات تساعده على لعب دور بارز في مجال الوساطة كالمعرفة الجيدة للمجتمع بفضل ممارسته الميدانية، واستقباله لمختلف شرائح ومكونات المجتمع وتوقع حجج الخصم والحصول على الأجوبة الملائمة للرد.[23]


[1] فتيحة غميظ : “رهانات إدماج الوساطة الأسرية بالنظام المغربي”، مجلة العلوم القانونية، العدد الثاني، 2014، ص : 48.

[2] الحسن بويقين : “مدى إمكانية تطبيق نظام الوساطة بالمغرب”، مرجع سابق، ص : 23.

[3] لقباقبي حنان : “الطرق البديلة لتسوية المنازعات الأسرية”، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله فاس، السنة الجامعية 2005-2006. ص : 121.

[4] هذا التعريف تبناه المجلس الاستشاري للوساطة الأسرية بفرنسا.

[5] حنان لقباقبي : “الطرق البديلة لتسوية المنازعات الأسرية”، مرجع سابق، ص : 162.

[6] عثمان أخديم : “الوسائل البديلة لحل النزاعات الأسرية –الوساطة نموذجا-“، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة عبد المالك السعدي بطنجة، السنة الجامعية 2009-2010، ص:171.

[7] إدريس فجر : “من إجراء التصالح أو التوفيق أمام القاضي إلى نظام الوسيط لحل النزاعات الأسرية”، أشغال الندوة العلمية التي نظمتها شعبة القانون الخاص، بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بفاس بشراكة مع وزارة العدل وهيئة المحامين بفاس، يومي 4 و5 أبريل 2003، تحت عنوان : “الطرق البديلة لتسوية المنازعات”، منشورات جمعية نشر المعلومة القانونية والقضائية، سلسلة الندوات والأيام الدراسية، العدد 2، مطبعة فضالة المحمدية، الطبعة الأولى، سنة 2004.، ص : 149.

[8] Abair Comhla Airson : Social work departement, family mediation, Previous reference, p : 12.

[9] Gerygory Billikopf : Helping others resolve differences, U.S.A, university of California, 2004, p : 6.

[10] Carmen Campeas : How to maximize your results in mediation, the coalition for collaborative divorce, 2005, p : 28.

[11] محمد الفلاقي : “الصلح والطرق البديلة لتسوية النزاعات الأسرية، الوساطة الأسرية نموذجا”، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بجامعة محمد الأول وجدة، السنة الجامعية 2007-2008، ص : 91.

[12] إسماعيل أوبلعيد : “مدى إمكانية نجاح تفعيل الوساطة في الواقع المغربي”، المجلة المغربية للوساطة والتحكيم، العدد 6، دجنبر 2012، ص : 69.

[13] محمد ناصر متيوي مشكوري ومحمد بوزلافة : “الوسائل البديلة لتسوية المنازعات الأسرية”، أشغال الندوة العلمية التي نظمتها شعبة القانون الخاص بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بفاس، بشراكة مع وزارة العدل، وهيئة المحامين بفاس يومي 4 و5 أبريل 2003، تحت عنوان “الطرق البديلة لتسوية المنازعات”، منشورات جمعية نشر المعلومة القانونية والقضائية، سلسلة الندوات والأيام الدراسية، العدد 2، مطبعة فضالة المحمدية، الطبعة الأولى سنة 2004.، ص:201.

[14] عثمان أخديم : “الوسائل البديلة لحل النزاعات الأسرية –الوساطة نموذجا-“، مرجع سابق، ص : 178.

[15] بنسالم أوديجا : “الوساطة كوسيلة من الوسائل البديلة لفض المنازعات”، مطبعة دار القلم الرباط، الطبعة الأولى، 2009.، ص : 185.

[16] كلمة السيد وزير العدل بمناسبة التوقيع على بروتوكول التعاون المتعلق بالمرحلة الثالثة من برنامج إدخال الوسائل البديلة لحل المنازعات بالمغرب بين وزارة العدل ومنظمة البحث عن أرضية مشتركة والتعاون البريطانية بتاريخ 15 يناير 2007.

[17] هي جمعية تأسست في 3 يوليوز 1998، من طرف مجموعة من الباحثين في العلوم الإنسانية وفاعلين في المجتمع المدني ويعمل تحت شعار “من أجل أسرة متماسكة ومنسجمة”، ومن أهدافها خلق فضاء لمساعدة الأسرة والبحث عن حلول تشاركية للمشاكل الأسرية المطروحة من أجل تماسكها واستقرارها عن طريق الوساطة وتدبير النزاعات الأسرية والتحسيس بأهمية الأسرة.

[18] محمد أطويف : “الوساطة الاتفاقية على ضوء القانون 08.05، مقال منشور بمجلة القضاء المدني تحت عنوان : “الوسائل البديلة لتسوية المنازعات : الصلح-الوساطة-التحكيم، في ضوء مستجدات القانون رقم 08.05 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية”، العدد 5، الطبعة الأولى، سنة 2013.، ص : 44.

[19] حنان لقباقبي : “الطرق البديلة لتسوية المنازعات الأسرية”، مرجع سابق، ص : 141.

[20] إنصاف بوزيدي : “الطرق البديلة في تسوية المنازعات الأسرية ودورها في حماية الأسرة”، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بجامعة محمد الخامس السويسي الرباط، السنة الجامعية 2008-2009.، ص : 96.

[21] شركة “هاموندس Hammonds”، وهي عبارة عن شركة يبلغ عدد أعضائها من المحامين الذين يتولون مهمة الوساطة في نزاعات وطنية ودولية حوالي 260 محاميا، ويمتازون بمهنية عالية في مجال الطرق البديلة لفض النزاعات، ومنها الوساطة، ولها فروع داخل المملكة المتحدة وخارجها في مجموعة من العواصم الدولية، وهي الحقائق التي تم الوقوف عليها من خلال الزيارة الميدانية الفعلية لهذه المؤسسة بلندن، وتم الاطلاع عليها من خلال مطويات تم الحصول عليها بعين المكان بمناسبة قيام مجموعة من القضاة وأطر وزارة العدل بزيارة لبريطانيا من أجل الوقوف على تجربتها في مجال تطبيق الوساطة، وذلك بتاريخ 21-24 يوليوز 2004.

[22] بنسالم أوديجا : “إدماج الوساطة في النظامين القانوني والقضائي بالمغرب السياق العام : الإشكاليات المطروحة، أي دور المحامي في التجربة”، مرجع سابق، ص : 408.

[23] إسماعيل أوبلعيد : “مدى إمكانية نجاح تفعيل الوساطة في الواقع المغربي”، مرجع سابق، ص : 70.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading