الطبيعة القانونية للجريمة المعلوماتية
ذ/ الحسن بكــــــــــار
باحث جامعي، محام متمرن بهيئة الجديدة
لقد كان الهدف الحقيقي من إيجاد أجهزة الحاسوب هو تسخيرها لخدمة الإنسان في مجال الأعمال والمعاملات، إلا أنه مع تطور تكنولوجيا المعلومات والاتصال واتساع نطاق استخدام هذه الأجهزة، ثم انتشار ظاهرة الاعتماد عليها، فإن ذلك أدى إلى ظهور بعض الجرائم المرتبطة بها وبأنظمتها، ثم بدأت هذه الجرائم في التكاثر مع مرور الوقت فتعددت بذلك أشكالها وصورها، وتسمى هذه الجرائم بالجرائم المعلوماتية.
وأدى انتشار هذه الأخيرة إلى عجز القوانين الجنائية التقليدية وعد قدرتها على مواجهتها بالنظر إلى الصعوبات المطروحة فيما يتعلق بتحديد الطبيعة القانونية لهذا النوع من الجرائم سواء من حيث تعريفها أو الخصائص المميزة لها أو تحديد أركانها ومن ثم أصبحت الدول ملزمة بتطوير تشريعاتها الجنائية لمواكبة هذا النوع من الجرائم المستحدثة، وفي هذا الصدد قام المشرع المغربي وعلى غرار باقي التشريعات بإصدار القانون رقم 07.03 المتعلق بالإخلال بسير نظم المعالجة الآلية للمعطيات لملأ الفراغ التشريعي الحاصل لكن بالرغم من ذلك فقد أغفل الجرائم العادية التي تنصب على المعلومات المخزنة في الحاسب الآلي كجريمة السرقة مثلا التي تطرح حاليا مجموعة من الإشكالات القانونية فيما يخص تحديد الطبيعة القانونية خاصة محل الاعتداء والنشاط الإجرامي باعتبارها من أهم العناصر المكونة لها.
وسوف نعمل على تناول هذه الإشكالات التي تطرحها الجريمة المعلوماتية من حيث طبيعتها القانونية على الشكل التالي:
المطلب الأول: مفهوم الجريمة المعلوماتية
الفقرة الأولى: تعريف الجريمة المعلوماتية
الفقرة الثانية: خصائص الجريمة المعلوماتية
المطلب الثاني: الطبيعة القانونية لجريمة سرقة المعلومات المخزنة في الحاسب الآلي.
الفقرة الأولى: محل الاعتداء في سرقة المعلومات لمخزنة في الحاسب الآلي.
الفقرة الثانية: النشاط الإجرامي في سرقة المعلومات لمخزنة في الحاسب الآلي.
المطلب الأول: مفهوم الجريمة المعلوماتية
لقد أدى التطور المستمر واللامتناهي لتكنولوجيا المعلومات والاتصال حتى الآن إلى مجموعة من الصعوبات فيما يخص وضع تعريف جامع وشامل للجريمة المعلوماتية كما أدى ذلك أيضا إلى جعل هذه الأخيرة تتميز بخصائص تختلف عن الجرائم التقليدية.
الفقرة الأولى: تعريف الجريمة المعلوماتية
رغم الصعوبات التي تطرحها الجريمة المعلوماتية من حيث التعريف، فقد بدل الفقه جهوداً كبيرة في محاولة لوضع تعريف محدد لهذه الجريمة، وفي هذا الإطار انقسم الفقه إلى اتجاهين: اتجاه مضيق وآخر موسع في تعريفها.
أولاً: الاتجاه المضيق
من بين التعريفات التي جاء بها أصحاب هذا الاتجاه أن الجريمة المعلوماتية هي التي تقع على جهاز الكمبيوتر أو داخل نظامه فقط، ويبقى التعريف الأكثر تداولاً لدى هؤلاء كون الجريمة المعلوماتية تتمثل في كل فعل غير مشروع يكون العلم بتكنولوجيا الكمبيوتر بقدر كبير لازم لارتكابه من ناحية وملاحقته من ناحية أخرى[(1)]، وبإلقاء نظرة موجزة على هذا التعريف، يتبين أن هذا الأخير يضيق من مفهوم الجريمة بحصره لها في الحالات التي تتطلب قدراً كبيراً من المعرفة الفنية لأجهزة الحاسب الآلي.
ثانياً: الاتجاه الموسع:
ذهب أصحاب هذا الاتجاه إلى أن الجريمة المعلوماتية تتمثل في كل سلوك إجرامي يتم بمساعدة الكمبيوتر أو كل سلوك غير مشروع أو غير أخلاقي أو غير مصرح به يتعلق بالمعالجة الآلية للبيانات أو بنقلها، إلا أن التعريف بدوره كان أكثر توسعاً في تحديد مفهوم الجريمة المعلوماتية[(2)] ومن بين التعريفات التي كانت أكثر تحديداً لها هو تعريفها أنها كل تلاعب بالحاسب الآلي ونظامه من اجل الحصول بطريقة غير مشروعة على مكسب أو إلحاق خسارة بالمجني عليه.
ومن خلال هذه التعريفات يمكن القول أن الجريمة المعلوماتية هي كل نشاط إجرامي يؤدي فيه نظام الكمبيوتر دورا لإتمامه على أن يكون هذا الدور مؤثرا في ارتكاب الجريمة، وحتى يكون تعريف الجريمة المعلوماتية متكاملا فإنه يجب أن يكون مقبولا ومفهوما على المستوى العالمي، وان يراعى فيه التطور السريع والمتلاحق لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وأن يحدد الدور الذي يقوم به جهاز الكمبيوتر في إتمام النشاط الإجرامي.
الفقرة الثانية: خصائص الجريمة المعلوماتية
تتميز الجريمة المعلوماتية بخصائص تميزها عن الجريمة التقليدية ومن أهم هذه الخصائص:
أولا: الجريمة المعلوماتية جريمة عابرة للحدود
فهي تتميز بأنها لا تعترف بالحدود بين الدول والقارات ولذلك فهي جريمة عابرة للحدود بين الدول وتعتبر شكلا جديدا من أشكال الجرائم العابرة للحدود الإقليمية بين دول العالم كافة، فترتكب عن بعد عبر مسافات، حيث لا يتواجد الفاعل على مسرح الجريمة[(1)]وهو ما يعني عدم التواجد المادي للمجرم المعلوماتي في مكان ارتكاب الجريمة ومن الوجهة التقنية أيضاً يكون هناك تباعد بين الكمبيوتر أداة الجريمة وبين المعطيات أو البيانات محل الجريمة في نظام الحاسب المستهدفة بالاعتداء.
ثانيا: صعوبة إثبات الجريمة المعلوماتية
ترجع صعوبة إثبات الجريمة المعلوماتية إلى عدة أمور:
فهي لا تترك آثار مادية لما بعد ارتكابها، على اعتبار أنها تقع في بيئة إلكترونية يتم بها نقل المعلومات وتداولها بالنبضات الالكترونية وغير مرئية ولا توجد مستندات ورقية.
- صعوبة الاحتفاظ الفني بدليل الجريمة المعلوماتية ذلك أن المجرم المعلوماتي يستطيع في أقل من ثانية أن يمحو يحرف أو يغير البيانات والمعلومات الموجودة في الكمبيوتر.
- تحتاج إلى خبرة فنية ويصعب على المحقق التقليدي التعامل معها فهي تتطلب إلمام خاص بتقنيات الكمبيوتر ونظم المعلومات سواء لارتكابها أو التحقيق فيها لملاحقة مرتكبيها.
- تعتمد على الخداع في ارتكابها والتضليل في التعرف على مرتكبيها بالإضافة إلى إحجام البنوك عن الإبلاغ بها خوفاً على سمعتها.
- تعتمد على الذكاء في ارتكابها فهي توصف بجرائم الذكاء.
ثالثا: قلة الإبلاغ عن وقوع الجريمة المعلوماتية
وذلك لعدم اكتشاف الضحية أو خشيته من التشهير لذلك فمعظم الجرائم تم اكتشافها بالمصادفة، بل وبعد وقت طويل من ارتكابها التي لم تكتشف أكثر بكثير من تلك التي اكتشفت [(1)].
المطلب الثاني: الطبيعة القانونية لجريمة سرقة المعلومات المخزنة في الحاسب الآلي
نظرا لما تشغله المعلومات، من قيمة اقتصادية كبيرة كان هناك تهافت من قبل الأفراد والمؤسسات المختلفة من أجل تشريع عملية التقدم في كل المجالات بالمقابل كانت هناك طائفة متواجدة دائما للقيام بالاستغلال غير المشروع لهذه المعلومات وبكل الأساليب المتاحة أمامها، وسرقة المعلومات المخزنة في جهاز الحاسب الآلي هي أكثر الأساليب انتشاراً في مجال الاعتداء على المعلومات التي لا تزال بحاجة في تشريعنا إلى ما يكفل حمايتها من مخاطر سرقتها واختلاسها من أصحابها وهو ما يطرح إشكالية مدى انطباع عناصر جريمة السرقة العادية على سرقة المعلومات المخزنة في الحاسب الآلي وخاصة ما يتعلق بمحل الاعتداء وفعل الاختلاس فيها.
الفقرة الأولى: محل الاعتداء في سرقة المعلومات المخزنة في الحاسب الآلي:
من خلال مقتضيات القانون الجنائي المغربي يتبين أن المشرع المغربي لم يقم بتعريف المعلومات تاركاً ذلك للنفقة.
وقد اتجه أغلب الفقه إلى أن المعلومات تتمثل في مجموعة من الرموز أو الحقائق أو المفاهيم أو التعليمات التي تصلح لأن تكون محلا للتبادل أو الاتصال أو التفسير أو التأويل أو للمعالجة بواسطة الأفراد أو الأنظمة وهي تتميز بالمرونة بحيث يمكن نقلها وتجزئتها وجمعها أو نقلها بوسائل مختلفة[(2)]، ويتضح من خلال هذا التعريف أن المعلومات تعد من قبل الأشياء المعنوية لا المادية والأمر الذي يشكل عقبه في مجال تطبيق نصوص جريمة السرقة التقليدية
على سرقة المعلومات المخزنة في الحاسب الآلي، ذلك أن هذه النصوص تفترض أن محل الاعتداد هو المال المنقول المادي، والمسلم به بالنسبة للمعلومات هو انعدام الكيان المادي والملموس لها، وبذلك فإنه إذا كان الشق المادي للنظام المعلوماتي( والمشتمل في جهاز الحاسوب والمعدات الملحقة به والدعامات والأشرطة والأقراص بكل أشالها التي تخزن المعلومات وغير ذلك) يشكل مالا ماديا منقولا يمكن إخراجه من حيازة مالكة أو حائزة الشرعي وإدخاله في حيازة الجاني، وبالتالي انطباق جريمة السرقة المنصوص عليها في الفصل 505 من القانون الجنائي عليه، فإن التساؤل يثار حول ما إذا كان بالإمكان انطباق وصف المال على المعلومات بالرغم من طبيعتها اللامادية (المعنوية)؟
بهذا الخوص نشير إلى أن هناك اتجاهين سائدين في تحديد مدى انطباق وصف المال على الأشياء المعنوية.
الاتجاه الأول: يعتمد على صفة المادية في الأشياء لاعتبارها مالا، فهذا الاتجاه من الفقه يعرف المال أنه “كل شيء يمكن حيازته ماديا” وبالتالي فلأشياء المعنوية لا تتمتع من وجهة نظرهم بصفة المال، فقد ينظر إليها باعتبارها إما عديمة القيمة أو ذات قيمة منخفضة [(1)].
الاتجاه الثاني: يرى أن التطورات التي حدثت في العقود القليلة الماضية والتي ما زالت مستمرة إلى الآن فيذ مجال تكنولوجيا المعلومات جعلت المعلومة تحظى بأهمية بالغة في مجال المعاملات المختلفة مما أدى مما أدى في بعض الأحيان إلى ارتفاع قيمتها عن قيمة الأموال المادية واستتبع ذلك ضرورة البحث عن معيار آخر غير معيار مادية الشيء لإضفاء صفة المال على شيء معنوي، ويتعلق للأمر بمعيار القيمة الاقتصادية للشيء، فهذا الاتجاه يرى إمكانية إصباغ صفة المال على المكونات المعنوية للنظام المعلوماتي على أساس ما تتمتع به من قيمة اقتصادية[(2)].
وفي هذا الإطار نرى أنه لا يمكن التسليم بفكرة الكيان المادي للمعلومات لمجرد أن التطور التكنولوجي يفرض علينا ذلك على اعتبار أن العلة من اشتراط أن يكون موضوع أو محل جريمة السرقة مال منقول مملوك للغير هو أن السرقة جريمة اعتداء على الملكية ولا يصلح محلا للملكية إلا شيء له صفة المال وفقا للقانون وبالتالي فإن المعلومات لا تصلح محلا
لجريمة السرقة لكونها مالا معنويا يتجرد من الصفة المادية مما يستدعي ضرورة وضع أحكام ونصوص قانونية تتناسب وطبيعيتها الخاصة..
الفقرة الثانية: النشاط الإجرامي في جريمة سرقة المعلومات لمخزنة في الحاسب الآلي:
بالرجوع إلى الفصل 505 من القانون الجنائي نجده ينص على أن ((من اختلس عمدا مالا مملوكا للغير يعد سارقا …)) وبذلك يتبين أن النشاط الإجرامي في جريمة سرقة التقليدية يتمثل في فعل الاختلاس ومن خلال مقتضيات الفصل أعلاه يتضح أن فعل الاختلاس يتجلى في يلب الجاني المال أو الشيء بإخراجه من حيازة صاحبه وإضافته غالى حيازته، وهو ما لا ينطبق على سرقة المعلومات على اعتبار أن من يقوم بسرقة المعلومات بشكل مستقل عن الدعامة المادية لم يزح هذه المعلومات من حيازة مالكها، حيث لم يترتب على سلوك الفاعل حرمان صاحبها منها، وإن أدى هذا السلوك إلى التأثير في قيمة هذه المعلومات من الناحية الاقتصادية، وبالتالي فإن فعل الاختلاس المشكل للنشاط الإجرامي في جريمة السرقة غير متوافر في هذه الحالة.
وقد ذهب بعض الفقه[(1)] إلى أن المعلومات من قبيل القوى ذات القيمة الاقتصادية ويمكن قياس سرقتها على سرقة الكهرباء، في حين ذهب اتجاه آخر إلى عكس ذلك، ونحن بدورنا نسير في هذا الاتجاه الأخير، ذلك أن المعلومات المخزنة في جهاز الحاسب الآلي هي عبارة عن نبضات الكترونية ولا يمكن اعتبارها طاقة كما هو الحال بالنسبة للتيار الكهربائي كما أن اعتبار المعلومات من قبيل الطاقة هو توسع في تفسير الفصل 521 من القانون الجنائي وهو ما يتنافى مع المبدأ الجوهري في القانون الجنائي والمتمثل في شرعية الجريمة والعقوبة والذي يعد من أهم نتائجه عدم التوسع في تفسير النصوص الجنائية، كما انه لا يمكن قياس سرقة المعلومات على سرقة التيار الكهربائي فقد استقر الفقه والقضاء على اعتباره من قبيل الأشياء المادية ذلك أن الكهرباء تصلح موضوعا للملكية والحيازة وصالحة السيطرة عليها والتحكم فيها ونقلها من موضوع لآخر وبالتالي صالحة للخروج نهائياً من حيازة شخص آخر ليس له الحق فيها ومن تم يمكن القول بإمكانية تحقق فعل الاختلاس المشكل للنشاط الإجرامي لجريمة السرقة على عكس المعلومات المخزنة بالحاسب الآلي.
بناء على ما تقدم نجد أن تصور سرقة المعلومات أمر غير ممكن في القانون الجنائي المغربي وذلك لتخلف أهم أركان جريمة السرقة كما حددها المشرع في الفصل 505، وبالتالي إعمالا لمبدأ شرعية الجريمة والعقوبة ولتجنب القياس والتوسع في تفسير النصوص الجنائية وجب على المشرع التدخل لتجريم هذا الفعل بشكل يراعي الطبيعة الخاصة للمعلومات.
[(1)] خالد ممدوح إبراهيم، الجرائم المعلوماتية، دار الفكر الجامعي، الإسكندرية، الطبعة الأولى السنة 2009، الصفحة 73.
[(2)] خالد ممدوح إبراهيم، الجرائم المعلوماتية، دار الفكر الجامعي، الإسكندرية، الطبعة الأولى السنة 2009، الصفحة 73.
[(1)] نائلة عادل: محمد فريدة قورة، جرائم الحاسب الآلي الاقتصادية، منشورات الجبلي الحقوقية الطبعة الأولى 2008.
[(1)] خالد ممدوح إبراهيم، مرجع سابق ص 86.
[(2)] نهلة عبد القادر المومني، الجرائم المعلوماتية، دار النشر والتوزيع الطبعة الأولى، السنة 2008، ص 99.
[(1)] و نهلا عبد القادر المنومي، المرجع السابق، ص 109.
[(1)] السعيد رمضان: جرائم الكمبيوتر، ص 353.


