التدريب وتنمية الموارد البشرية

الأهداف والخطط

د. نزار عون

 

 

الإنسان عماد التنمية وحجر الأساس في البناء الاقتصادي والاجتماعي والحضاري للأُمم، ورغم أن الجميع يسلم بهذه الحقيقة إلا أن اهتمام الدول – سواء المتقدمة أو النامية – بالعنصر البشري من حيث تربيته وتعليمه وتدريبه وتنميته برفع قدراته وكفاءاته يختلف ويتباين تبعًا لظروف ومعطيات كل دولة. والتدريب يكتسب أهمية خاصة في عصرنا نظرًا للتطور التكنولوجي المتسارع وما يحتِّمه هذا التطور من ضرورة مسايرة المجتمعات لكل ما هو حديث في العلوم وأساليب العمل والإنتاج بهدف اللحاق بركب التنمية والحضارة، وتختلف الاجتهادات حتى في بعض المراجع العلمية في طرح مفهوم التدريب ومدى ارتباطه وتأثيره في تنمية قدرات وطاقات وملكات البشر، ولعل الاختلاف في الاجتهادات مرتبط إلى حد كبير بمعطيات معينة في كل دولة والتي يمكن تلخيصها فيمايلي:

  1. مستوى التنمية الصناعية الذي وصلت إليه الدولة، إذ إن هذا المستوى متصل عضويًا بمدى النجاح الذي حققته تنمية الموارد البشرية وتدريبها والارتفاع بقدراتها بالطرق التي تتلاءم والمستويات الفنية والإدارية والإشرافية المطلوبة أصلاً لإحراز التقدم الصناعي في البلاد.
  2. نظم التعليم والتدريب ومدى ترابطها ببعضها البعض وكذلك درجة استجابتها لمتطلبات خطط تنمية الموارد البشرية على مستوى الدولة، فلا شك أن نجاح دولة بعينها في وضع هياكل التعليم المتناسبة مع تطور وحاجة البلاد، وكذلك سياسة ونظم التدريب التي تتماشي ومتطلبات التنمية مع الحفاظ على توفير قنوات اتصال مدروسة وفعَّالة بين التعليم والتدريب، وسوق العمل كفيل بإحداث التغييرات المناسبة في بنية القوى العاملة لخدمة التطور المنشود في البلاد على جميع الأصعدة وخاصة الاقتصادية والاجتماعية.
  3. مستويات المهارة والقدرات الفنية والإدارية والإشرافية في سلم العمالة في الدولة، ومن الطبيعي أن هذه المستويات تعكس مباشرة الاحتياجات التدريبية وتحدد أنواع التدريب المطلوب للشرائح المختلفة في هياكل العمل والوظائف والإنتاج، وتجدر الإشارة هنا إلى أن لكل من هذه المستويات أنواع محددة الأهداف والتدريب قد تختلف من مكان إلى آخر حتى في الدولة نفسها.
  4. التطور الاجتماعي للدولة والنظرة نحو المرأة ومشاركتها في عمليات التنمية، إذ تثبت تجارب الدول أن الأنظمة الاجتماعية السائدة فيها ومدى تقبلها لمشاركة المرأة في مسيرة البناء والتنمية لها كبير الأثر فيما قد يحققه التدريب كونه أصلاً مرتبطًا بالإنسان وسلوكه ومعطيات النشأة والمجتمع كمحصلة عملت على فرز نوعيات معينة من الأفراد حسب أطر اجتماعية محددة، والمجتمع في نظرته للمرأة وما تسمح لها به التقاليد المرعية من مشاركة في التنمية قد يحد من أنشطة التدريب ومؤسساته التي تستهدف في الأصل إعداد البشر من الجنسين للمشاركة في بناء المجتمع والحضارة.
  5. تطور أنظمة التدريب ومدى عناية الدول به، ففي الدول النامية خاصة نجد أن عناية الدولة بالتدريب ومؤسساته وتطوير نظمه يشكل حجر الزاوية في تحقيق تنمية الموارد البشرية، ولذلك فإن نجاح التدريب أو فشله مرتبط بقناعة الدولة في أهميته من عدمها.
  6. تطور الدولة من الناحية الاقتصادية ومدى ارتباط هذا التطور وإحداثه بالعمل المادي والعامل البشري في البلاد، ومن الطبيعي أن تطور الدولة إلى جانب أمور أخرى على العاملين المادي والبشري، ولكن مدى مساهمة كل من هذين العاملين في عملية إحداث التطور ينعكس بشكل أو بآخر على أنشطة وأنظمة التدريب في الدولة.
  7. نظرة المجتمع إلى الفئات الوسطى من الفنيين والعمالة اليديوة بشرائحها المختلفة ومدى أهمية دور هذه الفئات في مسيرة التنمية.
  8. مدى مشاركة القطاع الخاص والقطاعات الأخرى غير الحكومية في أنشطة التدريب وتنمية الموارد البشرية.

ويكتسب التدريب دعمًا مميزًا في البلاد التي تفرض على القطاعات الاقتصادية المختلفة غير الحكومية المشاركة في دعم أنشطة التدريب والأجهزة المشرفة عليه، ولذلك نجد أن الدول الصناعية قطعت أشواطًا ملموسة في مجال إشراك قطاعات التنمية في جهود التدريب نظرًا لأن المخرجات التدريبية لسوق العمل تخدم أهداف جميع القطاعات، ولقد وضعت معظم الدول المتقدمة تشريعات تحكم العلاقة بين أجهزة التدريب والقطاعات الاقتصادية المختلفة، وأهمها ينحصر فيما يلي:

  • وجوب مشاركة جميع المؤسسات والشركات أو المنشآت في جهود التدريب استجابة لعوامل ومتطلبات إنجاح تنمية الموارد البشرية وتطوير الاقتصاد الوطني.
  • الأعداد اللازم تشغيلها من الخريجين سنويًا في كل مؤسسة أو منشأة طبقًا لخطة توزيع اليد العاملة المدربة على القطاعات الاقتصادية لتحريك جميع مرافق الدولة مع متطلبات التنمية.
  • قيمة المشاركة المادية لكل مؤسسة أو منشأة في موازنة التدريب السنوية تماشيًا مع مدى الاستفادة من العمالة المستخرجة وعوامل أخرى كثيرة.

يتضح مما سبق تزايد اهتمام العالم بالتدريب يعكس التطور الذي وصلت إليه بعض الدول أو الرغبة عند البعض الآخر في إحداث تطور من خلال تحسسه لأهمية تنمية الموارد البشرية كعماد للاقتصاد الوطني والتقدم والرفاهية، ولهذا نجد أن التدريب لأغراض إعداد العمالة وتنمية القدرات والكفاءات البشرية أصبح علمًا قائمًا بحد ذاته يرتكز على أسس ونظريات وقواعد وخطط تهدف في محصلتها إلى ضمان الاكتفاء الذاتي من الأيدي العاملة المدربة الوطنية، ونخلص إلى تحديد المفهوم الحديث للتدريب كركيزة أساسية لتنمية الموارد البشرية بأنه عبارة عن نظام علمي مدروس يقوم على مجموعة من العمليات المتكاملة بهدف إعداد الأفراد للعمل على استمرار تنميتهم وترقيتهم من خلال اكتسابهم معلومات ومهارات قد تكون فنية أو مهنية أو إشرافية في مجالات محددة، وعلى مهن ووظائف تماشيًا مع برامج تدريبية موضوعة طبقًا لمواصفات علمية مستندة إلى تحليل دقيق للوظائف في سوق العمل.

الارتقاء بمستوى الأداء

إن من أهم أولويات التدريب هو إيصال معلومات وتكوين مهارات واتجاهات معينة لمجموعة من المتدربين بوساطة وسيلة من وسائل الاتصال وأساليب التدريب، وذلك بهدف التأثير على سلوك المتدربين الوظيفي والاجتماعي للارتقاء بمستوى الأداء لديهم، ولكي نحقق هذا الهدف علينا أن نبني أساليب التدريب على أسس علمية مدروسة تستند على مبدأ التحليل الوظيفي للمهام والمسؤوليات، والمهارات والمعلومات والمواقف والسلوك، بغية الحصول على مواد تدريبية تشتمل على القدرات والمعارف والاتجاهات المتعلقة بالدور الوظيفي المباشر للعاملين، ولمواجهة متطلبات العمل الوظيفي التي سيقابلها المتدرب في مواقع العمل بعد حضور البرنامج التدريبي، مع تهيئة المناخ المناسب الذي يساهم في تنشيط عملية الاستفادة من المعلومات التي يتلقاها المتدرب داخل قاعات التدريب، ومن هذا المنطلق فإن التدريب الناجح يعمل على رفع مستوى أداء العاملين بالكيفية التي تمكّنهم من أداء واجباتهم الوظيفية على أكمل وجه.

والتدريب بطبيعة الحال يعتبر إحدى الأدوات الرئيسية التي يمكن من خلالها إحداث التوازن بين قدرات العاملين والدور المعقد للوظائف، والتدريب لا يقتصر على مجرد تزويد المتدربين بالمعلومات بل يعتبر محاولة جادة لإكسابهم الخبرات والمهارات الجديدة وتغيير سلوكهم، وكذلك تمكينهم من اكتساب القدرة على استخدام الوسائل والأساليب الحديثة بالممارسة الفعلية، والتدريب على هذا النحو يعود بالنفع على جهة العمل وعلى الفرد في الوقت نفسه. وتعتبر أهداف التدريب هي الغايات التي يسعى التدريب إلى تحقيقها، وهي عبارة عن نتائج يجري تصميمها وإقرارها قبل البدء بأي عملية تدريبية، فنكون قد حققنا أهم خطوة نحو فهم واستيعاب الأساليب والوسائل الكفيلة بوصولنا إلى هذا الهدف، وإذا لم نتمكن من تحديد الهدف من التدريب فإن التدريب في هذه الحالة سيصبح عملية محكومًا عليها بالفشل، وعلى ضوء ذلك فإنه يمكننا استخلاص عدد من الأهداف التي تحاول الأجهزة الحكومية والمنظمات تحقيقها من وراء وضع البرامج التدريبية وهي على النحو التالي:

  • المساعدة على تحسين مستوى أداء الأفراد العاملين ورفع الكفاءة والإنتاجية.
  • المساعدة على تنمية معرفة العاملين بسياسات وأهداف وإجراءات العمل، وزيادة مهاراتهم وقدراتهم على التخطيط والرقابة واتخاذ القرارات، وتنمية الشعور بالمسؤولية نحو التعاون مع الزملاء والرؤساء.
  • تغيير سلوك الأفراد لسد الثغرة بين الأداء الفعلي ومستوى الأداء المرغوب.
  • المساهمة في عملية تخطيط القوى العاملة.

أهداف التدريب

وعلى هذا الأساس فإنه يمكننا تصنيف أهداف التدريب إلى ثلاث مجموعات أساسية هي على النحو التالي:

1- أهداف تدريبية عادية:

وتعني الغايات التي يهدف التدريب إلى تحقيقها، والتي تتخذ عادة لمواجهة مواقف عادية متكررة من حين لآخر، ويشمل هذا النوع من التدريب (التدريب الأساسي) أو التمهيدي، حيث يتم من خلاله تزويد العاملين الجدد بالمعلومات المتعلقة بالعمل الذي سيقومون به في الأجهزة أو الإدارات التي سيعملون بها، وتتضمن هذه المعلومات أهداف الجهاز أو الإدارة وأنظمتها وتعليماتها، وكذلك واجبات الأفراد ، ومما لا شك فيه أن هذا النوع من التدريب لا يحتاج إلى جهد ذهني أو إبداع من جانب مصمم البرامج لأنه يستمد من تاريخ الجهاز أو الإدارة واحتياجاتها، ويهدف في المقام الأول إلى المحافظة على مستوى الأداء المعتاد والمألوف من دون الارتقاء به إلى الأحسن.

2- أهداف تدريبية لحل المشكلات:

وهذا النوع من الأهداف يتجه نحو إيجاد حلول مناسبة وصالحة لحل المشكلات التي تواجه العاملين في الإدارة أو الوحدة، ومحاولة الكشف عن المعوقات والانحرافات التي تعوق الأداء، وبطبيعة الحال عن البرامج التدريبية التي تستهدف تخليص الوحدة أو الإدارة من المشكلات التي قد تعيق أداءها المألوف، وهي لا شك أفضل من تلك البرامج التدريبية التي تقتصر أهدافها على تحقيق استمرارية وبقاء الوحدات أو الإدارات في حدود أنماط الأداء المقررة، أي المحافظة على المتحقق ولو كان من دون الهدف المنشود.

3- أهداف تدريبية ابتكارية (إبداعية):

وهي تعد أعلى مستويات المهام التدريبية، حيث تضيف أنواعًا من السلوك والأساليب الجديدة لتحسين الأداء الوظيفي وخفض تكاليف التدريب، وتستهدف الأهداف الابتكارية تحقيق نتائج غير عادية (إبداعية) لرفع مستوى الأداء الوظيفي نحو آفاق لم يسبق التوصل إليها، ويظهر لنا الفرق واضحًا بين الأهداف التدريبية لحل المشكلات والأهداف الإبداعية الابتكارية، وهو أن الأولى تستهدف حل المشكلات واستعادة التوازن للوحدة أو الإدارة ومعالجة مصادر انحراف الأداء عن الأنماط المقررة، بينما تستهدف الأهداف الإبداعية الابتكارية نقل الوحدة أو الإدارة إلى مستويات من الكفاءة والفعالية والخروج بها من أسر المعتاد والمألوف، أي بمعنى آخر البحث عن التطوير والتجديد وعدم الرضا بالمتحقق.

خطط التدريب

مما لا شك فيه أن أية خطة لأي عمل كان لابد من أن يوضع إلى جانبها خطة أخرى لمتابعة وتقييم ذلك العمل، وإذا ما أردنا تحقيق أهداف النشاطات التدريبية المرسومة، فإن بادئ ذي بدء يجب وضع الخطط اللازمة لمتابعة وتقييم النشاط التدريبي للتأكد من أنه يسير وفقًا للخطط المرسومة له، وأن إنجازاته تتم في حدود التوقيتات المقدرة له مع التأكيد على محاولة اكتشاف نقاط الضعف والفجوات التي تظهر أثناء مرحلة التنفيذ لتداركها، والمقارنة لما تم تحقيقه نتيجة للتدريب بالمجهود والمال اللذين بذلا في سبيله. وتجدر الإشارة هنا أن خطة التدريب – شأنها شأن الخطط الأخرى – وضعت لتحقيق أهداف وإنجازات محددة يجب أن يصاحبها إجراءات للمتابعة، للتأكد من أن الخطة التدريبية تسير وفق ما تم التخطيط له لتحقيق أهدافها المنشودة. وعلى هذا الأساس، وبما أن المتابعة تسير في اتجاه تنفيذ الخطة التدريبية، فإنها تقترن تلقائيًا بعملية التقييم، فهما عمليتان مترابطتان تهدفان أساسًا إلى الارتقاء بمستويات التدريب وتطويره تطويرًا سليمًا حتى يمكن أن تتحقق الكفاية الإنتاجية المستهدفة للأفراد العاملين عن طريق التدريب، ومن هنا فإن عمليتي المتابعة والتقييم تتطلبان وضع خطتين فرعيتين ملحقتين بخطة التدريب ومكملتين لها، إحداهما للمتابعة والأخرى للتقييم.

أولاً  عملية المتابعة:

هي عملية مراقبة تنفيذ الخطة التدريبية للوقوف على مدى التقيد في التنفيذ بخطوط الخطة العريضة، وللتأكد من أن عملية التنفيذ تتم في حدود التوقيتات المحددة لإنجاز مراحل الخطة التدريبية حتى تحقق الهدف النهائي لها، مع مواكبة التنفيذ والتدخل لإزالة أية معوقات قد تعترض سير تنفيذ خطة التدريب. وقد يكون التدخل أحيانًا للتعديل والتطوير في الإجراءات التنفيذية للخطة، والمهمة الأساسية لعملية المتابعة هي تجميع البيانات والمؤشرات والإحصائيات التي تعتبر أساسًا لعملية التقييم، أي إن عملية المتابعة تخدم عملية التقييم وتحضر لها. فالمتابعة  إذن ما هي إلا مجموعة إجراءات تضمن مراقبة نفيذ الخطة التدريبية ومراقبة انتظام نشاطاتها وسيرها نحو الهدف المرسوم. وعملية المتابعة تسعى إلى تحقيق عوامل عدة، منها مراقبة تنفيذ الخطة التدريبية للتأكد من أنها تسير في الاتجاه الصحيح وفقًا للمنهج المحدد لها، ومتابعة تنفيذ الخطة لمعرفة ما إذا كانت تسير في حدود الموازنة المحددة لها وأن ما يصرف على العمل التدريبي لا يقل ولا يزيد عن الاعتمادات المقررة، والتدخل الفوري للمعاونة وإزالة معوقات التنفيذ وزيادة القوة الدافعة لمواصلة السير بالخطة نحو تحقيق أهدافها، ومتابعة تنفيذ الخطة التدريبية للتأكد من أنها ستنجز في الوقت المحدد لها، والتعديل والتطوير لأي مرحلة من مراحل التنفيذ وفقًا لمتطلبات الظروف الطارئة.

ثانيًا  عملية التقييم:

هي قياس مدى التأثير الذي تركه التدريب على المتدربين، وكمية التحصيل التي حصل عليها المتدربون من العملية التدريبية والعادات الجديدة والمهارات والمعارف والاتجاهات التي اكتسبوها، ونوعية التغيير الحادث في سلوكهم. وعلى هذا الأساس فإن التقييم عملية هادفة لقياس كفاءة العمل التدريبي ومقدار ما تمَّ تحقيقه من أهداف الخطة التدريبية، وإبراز نواحي الضعف والقصور للاستفادة منها في تطوير العمل التدريبي والارتقاء به. ومن هذا المنطلق يمكن اعتباره أيضًا مجموعة الإجراءات التي تقاس بها كفاءة البرنامج التدريبي ومدى نجاحه في تحقيق أهدافه المرسومة له، وكذلك الإجراءات التي تقاس بها كفاءة المتدربين ومدى التغير الذي نجح التدريب في إحداثه في سلوكهم، وأيضًا مجموعة الإجراءات التي تقاس بها كفاءة المدربين الذين قاموا بتنفيذ العمل التدريبي. وعادة ما تسعى العملية التقيمية إلى تحقيق عوامل عدة، منها التعرف على مقدار ما تمَّ إنجازه من الخطة وما تمَّ إحرازه من أهدافها مع قياس صلاحية البرامج التقييمية وأساليب التدريب التي استخدمت في تنفيذها ومدى مساهمتها في تلبية الاحتياجات التدريبية، والتعرف على مدى ما وصل إليه الأفراد الذين تمَّ تدريبهم من كفاءة، وتقدير مدى الفائدة التي حققت لهم من التدريب، والمتابعة والتأكد من مدى الالتزام بالخطة الزمنية الموضوعة للعمل التدريبي، ومتابعة التقيد بالالتزامات والاعتمادات المالية المخصصة للإنفاق على العمل التدريبي.

ثالثًا  مجالات المتابعة والتقييم في التدريب:

إن عمليات المتابعة والتقييم في العملية التدريبية يجب أن تشمل جميع أبعاد ومجالات عملية التدريب، وبشكل أساسي لابدَّ من أن تغطي المجالات الثلاثة التالية:

  • متابعة وتقييم البرامج التدريبية.
  • متابعة وتقييم المدربين.
  • متابعة وتقييم المتدربين.

وسنتحدث فيما يلي عن كل مجال من المجالات الثلاثة بالتفصيل مبتدئين بمجال تقييم البرامج التدريبية أولاً، وهذه العملية تتم في ثلاث خطوات لقياس كفاءة البرامج التدريبية ومدى صلاحيتها لسد فجوة الاحتياجات التدريبية:

  1. الخطوة الأولى: تقييم البرامج التدريبية قبل التنفيذ، ونوردها على النحو الآتي: تبدأ عملية تقييم العمل التدريبي بوضع موضوعات المنهج التدريبي في ثلاث أسبقيات.
    • الأسبقية الأولى: المعلومات والخبرات والمهارات والاتجاهات التي يتحتم تزويد المدربين بها، والتي تعتبر الحد الأدنى الذي يلي الاحتياجات التدريبية للمتدربين.
    • الأسبقية الثانية: المعلومات والخبرات والمهارات والاتجاهات التي ينبغي تزويد المتدربين بها، والتي تعتبر أساسًا لزيادة كفاءة البرنامج التدريبي في تلبية الاحتياج التدريبي والوصول بالمتدربين إلى معدلات الأداء الأمثل.
    • الأسبقية الثالثة: المعلومات والخبرات والمهارات التي يمكن تزويد المتدربين بها، والتي لا ترتبط ارتباطًا مباشرًا بالاحتياجات التدريبية وإنَّما تعتبر موضوعات تكميلية تساعد على زيادة كفاءة المتدربين وإكسابهم المزيد من الخبرات لشغل وظائفهم.

وهنا لابدَّ لنا من النظر إلى منهج التدريب من حيث استكمال الموضوعات المقررة للأسبقية الأولى وحسب إجمالي الساعات التدريبية المتاحة تستكمل الأسبقيتان الثانية والثالثة على أساس المستوى المطلوب الوصول إليه في التدريب. ومن ناحية أخرى ينظر  إلى عدد الساعات المخصصة لكل موضوع على أساس مدى كفايتها أو نقصها أو زيادتها عن الحد الأمثل الذي يمكّن من تقديم الموضوع الذي تمَّ اختياره كاملاً للمتدربين ومدى ملائمته لنوعية المتدربين. ولابدَّ لنا في هذه الحالة من مراجعة أساليب التدريب التي سبق اختيارها أثناء التخطيط لتقديم كل موضوع في البرنامج التدريبي ومدى ملائمة كل أسلوب لمستوى المتدربين.

كما ينبغي قياس المنهج التدريبي من حيث التسلسل المنطقي لموضوعاته لتحقيق التدرج في بناء المادة التدريبية في أذهان المتدربين من دون عناء أو ارتباك وبما يحقق الراحة للمتدربين، كما يجب أن لا نغفل هنا مراجعة مساعدات التدريب السمعية والبصرية المزمع الاستعانة بها في تقديم موضوعات التدريب من حيث ملائمتها وكفايتها وفاعليتها في تحقيق الغرض من استخدامها. وأخيرًا وبعد إتمام تقييم المنهج والأنواع والأساليب تجرى التعديلات اللازمة إذا كان هناك تعديلات، ثم يوضع المنهج التدريبي بعد التعديل في برنامج زمني محدد التوقيتات، وعلى هذا الأساس فإن عملية تقييم البرنامج التدريبي قبل التنفيذ بوجه عام هي عملية وزن وقياس للبرنامج لاكتشاف أية ثغرات أو أية نواحي قصور في تصميمه، وذلك بهدف إمكانية معالجتها قبل البدء بالتنفيذ.

  1. الخطوة الثانية: متابعة تنفيذ البرامج التدريبية بغية التأكد من أن عملية التنفيذ تسير في الاتجاه الصحيح المحدد لها وفي حدود التوقيتات المقررة والاعتمادات المالية المتاحة وفي حدود الانحرافات المسموح بها، وعلى هذا الأساس يتم اختيار أية خطوة من خطوات التنفيذ أثناء العمل التنفيذي للتأكد من تنفيذها وفقًا للمخطط المعد لها، وهناك مجموعة من العناصر يجب متابعتها وتقييمها، نورد منها:
    • مدى الالتزام بالوقت المخصص لكل موضوع تدريبي في البرنامج.
    • مدى التوفيق في توزيع الوقت على عناصر الموضوع، ووفقًا لأهميتها مع الحرص على مراعاة التسلسل المنطقي لموضوعات البرنامج.
    • مدى نجاح أساليب التدريب في جذب اهتمام المتدربين وشد انتباههم، وعمَّا إذا كانت مساعدات التدريب السمعية والبصرية المستخدمة كافية ومناسبة للموضوع المستخدمة من أجله.
    • هل كان كل مدرب من مدربي البرنامج على المستوى المطلوب من حيث قدرته على تحقيق رسالة التدريب.
    • التأكد من أن جميع الموضوعات المقررة تمت تغطيتها في البرنامج التدريبي.
    • كما أنَّه من الضروري بمكان الاجتماع بالمدربين على فترات وتقييم التقارير المرفوعة عن التدريب من المدربين والتعرف على آرائهم، وكذلك الاجتماع بالمتدربين لمعرفة انتقاداتهم وما إلى ذلك.
  2. الخطوة الثالثة: تقييم البرنامج التدريبي بعد التنفيذ، ويتم على أساس قياس مدى ما حققته البرامج التدريبية من تلبية للاحتياجات التدريبية المصممة لذلك، ومدى ما تحقق من أهداف الخطة التدريبية بوجه عام. وتتم هذه العملية عقب الانتهاء من تنفيذ البرنامج التدريبي مباشرة وبطريقة شاملة لتحقيق عوامل عدة، منها:
    • اكتشاف نواحي الخلل في تصميم البرنامج بالنسبة للهدف الموضوع من أجله.
    • التعرف على التعديلات الجوهرية في المواد العلمية والتدريبية لتحقيق التغطية الكاملة للاحتياجات التدريبية.
    • محاولة اكتشاف نواحي القصور في مساعدات التدريب السمعية والبصرية لتطويرها بما يتلاءم واحتياجات المتدربين.
    • التدخل لتعديل التوقيتات الزمنية والتسلسل لموضوعات البرنامج إذا لزم الأمر.
    • إعادة النظر في مستوى المدربين والمحاضرين وتدريبهم للارتقاء بمستوى أدائهم التدريبي.

وعادة ما تتم عملية تقييم المتدربين بعد التنفيذ عن طريق الاجتماع بمشرفي البرنامج والمدربين والمحاضرين في نهاية البرنامج لمناقشتهم والوقوف على آرائهم في البرنامج ونواحي القوة والضعف والقصور في تنظيم وتنفيذ البرنامج، ودراسة التقارير المقدمة من المشرفين على البرنامج، مع محاولة التعرف على آراء المتدربين سواء منها الشفهية أو التي يتم تدوينها في استمارات استقصاء توزع عليهم بهدف معرفة آرائهم وتقييمهم للبرنامج التدريبي.

وختامًا نقول إن التدريب يعد عملية مستمرة تبدأ بدخول الفرد الحياة العملية في أي مجال من المجالات وتستمر معه حتى نهاية خدمته وذلك لما للتدريب من أهمية قصوى في تزويد العاملين على اختلاف مستوياتهم وتخصصاتهم بالمعلومات والمعارف والمهارات اللازمة لإنجاز الأعمال الموكلة إليهم بأقل قدر من الجهد، وفي الوقت المحدد لإنجازها، كما يؤثر في تغيير اتجاهات وسلوك العاملين تأثيرًا إيجابيًا، للمساعدة على مواكبة التطور المستمر المتسارع في التقنيات الحديثة، لاسيما إذا عرفنا بأن التقنيات أخذت في الاتساع والتطور المستمر. وعادة تسبق عملية التدريب، عملية التخطيط له، وذلك بتحديد الاحتياجات التدريبية، وعلى ضوء ذلك يتم تقرير الأهداف التي يسعى التدريب إليها ودرجة أهمية تلك الأهداف وأحسن السبل لبلوغها.

ونخلص إلى القول بأن التدريب يعد حجر الأساس لأي عمل تطويري، ولا غنى بأي حال من الأحوال لأي إدارة أو مصلحة تنشد الرقي والتقدم والاستمرارية من أن تعطي التدريب ما يستحق من الاهتمام والعناية الكافية، حيث أن أي عمل ناجح لابد أن يعتمد على القوى البشرية المؤهلة والمدربة تدريبًا عاليًا لمواكبة التطور العصري والارتقاء بمستوى الأداء إلى أعلى المستويات المنشودة.


[*] باحث وناقد سوري .

https://powderencouraged.com/zht6b3bs66?key=8523542c4aaf6f083ce56f74bd271319
https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من فضاء المعرفة القانونية -espace connaissance juridique

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة