الإثبات القضائي للزواج بين إشكالية النص
التشريعي ومقاصد ضمان استقرار الأسرة
د. الطيب لمنوار
أستاذ باحث بدار الحديث الحسنية بالرباط
لابد من التأكيد بداية على أهمية القضاء في ضمان الحقوق وحمايتها، لما لهذه المؤسسة التاريخية من دور حاسم وفعال في ترسيخ مبدأ سيادة القانون في المجتمع، عن طريق الموازاة بين التطبيق السليم للنصوص التشريعية، ومراعاة أهداف المشرع ومقاصد الشريعة الإسلامية . هذه الأخيرة التي أمرت باتباع الحق والحق فقط عند الحكم بين الناس، وتوعدت الحاكم بأشد العذاب إن هوضل سواء السبيل . قال تعالى : (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) ([2]).
ونظرا للعبء الثقيل الملقى على عاتق القضاء الأسري بموجب المادة 16 من مدونة الأسرة، وبناء على وجوب تحري الحق المأمور به شرعا قبل النطق بالحكم، فإني من خلال الموضوع الذي أثرت إن أشارك به في هذه الندوة الموفقة بإذن الله تعالى، سأحاول تسليط الضوء حول الأسباب الكامنة وراء وجود بعض الإشكالات العملية و الملموسة، التي حالت دون توفيق القضاء الأسري بين مقاصد الشريعة وغاية المشرع، بخصوص موضوع إثبات العلاقة الزوجية، وحماية حقوق الطفل، وضمان استقرار الأسرة والمجتمع.
ولعل أهم تساؤل يثار في هذا النطاق ينصب حول أمرين أساسين، أسهما بشكل كبير ومباشر في زعزعة ركائز الأمن الأسري .
– الأمر الأول : إشكالية الإثبات القضائي للزواج (المطلب الأول)،
– الأمر الثاني: إشكالية نسب الطفل الناتج عن علاقة زواج غير موثقة ( المطلب الثاني).
المطلب الأول: إشكالية الإثبات القضائي للزواج
لقد أوجبت المادة 16 من مدونة الأسرة إثبات العلاقة الزوجية عن طريق المحكمة في حالة عدم توثيق عقد الزواج أصلا أمام العدول حيث نصت على ما يلي: “تعتبر وثيقة عقد الزواج الوسيلة المقبولة لإثبات الزواج.
إذا حالت أسباب قاهرة دون توثيق العقد في وقته تعتمد المحكمة في سماع دعوى الزوجية سائر وسائل الإثبات وكذا الخبرة.
تأخذ المحكمة بعين الاعتبار وهي تنطر في دعوى الزوجية وجود أطفال أو حمل ناتج عن العلاقة الزوجية وما إذا رفعت في حياة الزوجين،
يعمل بسماع دعوى الزوجية في فترة انتقالية لا تتعدى خمس سنوات ابتداء من تاريخ دخول هذا القانون حيزا لتنفيذ)
يستفاد من مضمون هذه المادة إن المشرع الأسري أقر الازدواجية في مجال إثبات الزواج، مما جعل الفقه المغربي في حيرة من أمره فلا هو يتمسك بالشكلية فيبين محاسنها، ولا هو ينتقد الرضائية فيشرح مساوئها والعكس صحيح!
ومن أجل إن نبقى بمنأى عن الخلافات الفقهية ونتحاشى التأويلات الضيقة لأراء كبار فقهاء المذاهب الإسلامية، مراعاة لجلالها وتعظيما لشأنها، فضلت إن أناقش ثنائية الشكلية والرضائية من خلال معطيات واقع المجتمع المغربي في الوقت الحاضر.
والمشرع المغربي في قانون الأحوال الشخصية القديم لما أجاز للقاضي بصفة استثنائية سماع دعوى ثبوت الزوجية ([3])، راعى مبدأ التدرج في الأحكام، ولم يكن يقصد وقتئذ الإبقاء على حالة الاستثناء، ولا إقرار استمرارية العمل بمبدأ الرضائية في الزواج . وإنما أناط بالقضاء مهمة إثبات الزواج استثناء، من أجل تدارك الزيجات غير الموثقة فقط، باعتبارها زيجات مشروعة، تمت وفق الضوابط والشروط الشرعية، من أشهاد وولي وصداق، لا ينقصها إلا شرط الصحة، الذي هو الكتابة، لما فيه من المزايا على مستوى صيانة الحقوق وضمانها.
والدليل على ذلك إن المناشير الوزارية التي أعقبت فترة تشريع قانون الأحوال الشخصية، كانت تومئ بوضوح إلى قصد المشرع آنذاك. وهذا ما يتضح جليا من المنشور عدد 393 الصادر وقتئذ عن وزير العدل بخصوص ثبوت الزوجية والذي جاء فيه : “المشرع حينما جعل من عقد الزواج عقدا رضائيا شكليا فانه قصد بذلك إن ينقذ الأسرة المغربية مما كانت تتخبط فيه من الويلات والشرور التي كثيرا ما كانت تنجم عن عدم الإشهاد بالعقد الأمر الذي يسهل معه التحلل من التزامات الزوجية نتيجة إنكار علاقة الزواج التي كانت ثابتة بطريقة رسمية كما كان يتأتى معه ادعاء الزوجية استنادا إلى بيانات لا يطمان إلى صحتها…
غير أنه سجلت حالات كثيرة في الماضي ولازالت تسجل في الحاضر يقع فيها النكاح بحضور جماعة من الناس وتحدد بحضور هؤلاء جميع الأركان والشروط من صيغة وتبادل الإيجاب والقبول بين الزوجين ومن حضور الولي وتحديد الصداق الخ… وتزف الزوجة إلى بيت الزوجية ويعيش الزوجان مع بعضهما البعض ويتعاملان معاملة الأزواج وقد يرزقان بأبناء، ولكن كل ذالك دون إن يبرما عقد النكاح مسبقا.
وعدم كتابة العقد يرجع إلى عدة أسباب وعوامل منها على سبيل المثال لا الحصر:
– العادة المستحكمة في نفوس بعض الأشخاص سيما أولئك الذين يسكنون ببعض البوادي والمناطق النائية والذين جرت العادة عندهم على عدم إحضار العدول، والاكتفاء بإشهار الزواج عن طريق جمع أفراد عائلتي الطرفين وأقاربهم وجيرانهم في حفل أو وليمة.
– تعذر كتابة العقد نظرا لبعد العدول عن مقر سكنى الزوجين، وهذا السبب لا ينطبق إلا على الزيجات القديمة، إما في زمننا الراهن فان العدول ينتشرون في كل مكان، بل وينتقلون أيضا حتى إلى الأسواق البعيدة المتواجدة داخل الدائرة القضائية التي يزاولون فيها مهامهم في إطار تقريب التوثيق من المواطنين. ففي مثل هذه الأحوال فان الزواج يكون قائما و منعقدا غير إن شرط صحته لا يتحقق إلا بالكتابة.
– ومن هذا المنطلق أجاز المشرع للقاضي – بصفة استثنائية – سماع دعوى الزوجية واعتماد البينة الشرعية في إثباتها عملا بما نصت عليه الفقرة 4 من الفصل 5 .
غير أنه يتعين التأكيد على إن الأمر لا يعدو إن يكون مجرد استثناء أوجده المشرع لمعالجة حالات معينة ودقيقة ولذا لا يجوز التوسع في تفسيره … لذلك فثبوت الزوجية إنما ينطر إليه بعين الاعتبار إذا توفرت بعض الطروف الخاصة التي منعت من الإشهاد بعقد الزواج ..)
يتبين من المنشور أعلاه إن الهدف الذي كان يتغياه المشرع من الإثبات الاستثنائي الوارد في قانون الأحوال الشخصية القديم هو إثبات القضاء لعلاقات زوجية شرعية، تمت وفق الضوابط المشروعة، غير أنها لأسباب قاهرة لم توثق رسميا أمام العدول.
وقد كان الاجتهاد القضائي في ظل قانون الأحوال الشخصية السابق حريصا على مراعاة الظرف الاستثنائي القاهر الذي حال دون إبرام عقد الزواج . وبذلك فقد كان منسجما على التمام والكمال مع أهداف المشرع . وهذا ما نلمسه من خلال تأملنا لقرار المجلس الأعلى الآتي : “لا تسمع دعوى الزواج اعتمادا على البينة إلا بصفة استثنائية . لا يكفي لتبرير العدول عن إشهاد العدلين وإبراز حالة الاستثناء قول المحكمة بأن الزواج حضره جم غفير من الناس وأن الصداق قد وصف بمحضرهم وأن الزوجة زفت لبيت الزوجية ومكثت فيه” ([4]).
وهكذا فالاجتهاد القضائي سابقا كان يركز أيما تركيز على حالة الاستثناء، التي غالبا ما كانت تفسر بتعذر الإشهاد العدلي على الزواج، إما لعدم توفر العدول في الأماكن النائية، وإما بسبب اعتقاد بعض الفئات في المجتمع المغربي بأن انعقاد الزواج وفق العادات والتقاليد يغني عن العقد. فالتعليل الذي كانت تأخذ به محاكم الموضوع آنذاك في سماع دعوى الزوجية كان تعليلا مصادفا للصواب بكل تأكيد، ما دام إن المجلس الأعلى كان يشترط على محاكم الموضوع بيان حالة الاستثناء والا تعرض حكمها للنقض . فالقاضي حينئذ كان ملزما بأن يكون قناعته وهو ينظر في دعوى سماع الزوجية من خلال تصوره لظروف حدوث واقعة الزواج في حد ذاتها. بمعنى أن القاضي في ظل قانون مدونة الأحوال الشخصية القديم كان سرعان ما يهتدي إلى تجسيد حالة الاستثناء، فيحكم بثبوت الزوجية أو برفضها. وذلك نظرا لكون النص القانوني الذي يخاطبه كان يسعفه ويساير منطق الإثبات، لان الواقعة المراد إثباتها واقعة شرعية، تشهد عليها ظروف الحال التي هي العادات والتقاليد والأعراف النبيلة و مكارم الأخلاق . وكل ما هنالك إن القاضي مطالب بإثبات واقعة زواج صحيح، بشروطه وأركانه عدا شرط الكتابة الرسمية فقط.
وهذا بخلاف الإثبات القضائي للزواج في ظل قانون مدونة الأسرة الحالي الذي يلزم المحكمة باعتماد سائر وسائل الإثبات، وكذا الخبرة، عند سماع دعوى الزوجية، فضلا عن وجوب أخذها بعين الاعتبار وجود الأطفال والحمل . فعند تأمل مقتضيات المادة 16 من المدونة يتضح بجلاء مدى حرص المشرع على حماية حقوق الأطفال ولو على حساب النظام العام وقواطع الشريعة.
فالمشرع لما أوجب على المحكمة في المادة 16 الأخذ بعين الاعتبار وجود الأطفال كان يخاطب القضاء ([5]) ويوجهه إلى الطريقة المثلى لتفسير الظرف الاستثنائي أو السبب القاهر. وكأن لسان حال المشرع يقول: ” إذا وجد الأولاد فالزواج ثابت).
فلا داعي بعدئذ للمحكمة من إن تجهد نفسها في البحث عن الظرف الاستثنائي، ولا في مدى صحة العلاقة الزوجية وفسادها.
ومما يؤكد هذا التوجيه التشريعي للقضاء ويفسر قصد المشرع من مضمون المادة 16 منشور وزير العدل رقم 50 الصادر بتاريخ 02-02-2005 والموضوع ساعتئذ رهن إشارة جميع قضاة الأسرة في مختلف محاكم المملكة، والذي جاء فيه : “…إن صنيع المشرع بسنه هذه الدعوى الانتقالية لتدارك التوثيق المطلوب لرابطة الزوجية، وتخويله المحكمة اعتماد جميع وسائل الإثبات فيه إيحاء للتعامل معها بالبحث والتحري والاستقصاء عن كل ما يثبتها حفاظا على الحقوق والأنساب وعلى استقرار الأسرة . وعلى هذا الأساس فالمطلوب من المحكمة إذ تنطر في دعوى الزوجية إن تعتمد في إثباتها سائر وسائل الإثبات بما فيها شهادة الشهود والخبرة والقرائن . حيث تأخذ بعين الاعتبار وجود الأطفال أو الحمل الناتج عنه، وما إذا رفعت الدعوى في حياة الزوجين وكذا الفترة الانتقالية لسماع دعوى الزوجية …)
والجدير بالاستنتاج إن المشرع الأسري من خلال المادة 16 أسهم بشكل كبير في تغيير مسار الاجتهاد القضائي الأسري في هذا الباب، مما أدى إلى خرق بعض القواعد الفقهية والقضائية التي كانت بمثابة ثوابت داعمة لأسس النظام العام .
من هذه القواعد على سبيل المثال قاعدة قضائية أقرها الاجتهاد القضائي على مستوى المجلس الأعلى سابقا صيغتها : “بيان حالة الاستثناء واجب على المحكمة والا تعرض حكمها للنقض ) بمقتضى هذه القاعدة كانت المحاكم المغربية ملزمة ببيان حالة الاستثناء، وكانت لا تكتفي في تكوين قناعتها على واقعة وجود الأولاد فقط، بل كانت مجبرة على النظر بعمق في الأسباب التي أدت إلى عدم توثيق الزواج أمام العدلين في حينه، ومن ثمة قد تستنتج ظروفا أخرى يمكن إن تكون دليلا قاطعا على عدم الاستجابة لطلب سماع دعوى ثبوت الزوجية . وخاصة حينما يتعلق الأمر بوجود أسباب غير شرعية حالت دون توثيق عقد الزواج، كالحمل غير الشرعي، أو واقعة الاغتصاب التي يفرض الشرع انتظار مضي مدة الاستبراء للتأكد من خلو الرحم من أجل إبرام العقد الشرعي، وغير ذلك من الأسباب التي تتنافى وحالة الاستثناء من منظور الشريعة الإسلامية والنظام العام .
وقد سقت هذين المثالين فقط لأؤكد إن المشرع المغربي أقحم بموجب المادة 16 من المدونة مؤسسة القضاء الأسري بعزها وشرفها في عملية إضفاء الصبغة الشرعية على وقائع غير مشروعة . مع العلم بأن القضاء الأسري لم يعد حسبما يتبين من المنشور أعلاه قادرا على رفض دعوى سماع ثبوت الزوجية عند وجود الأولاد ولو كانوا ناتجين بسبب علاقة غير شرعية. وهذا ما يلاحظ جليا من خلال العدد الهائل من الأحكام القضائية الصادرة في الموضوع منذ دخول مدونة الأسرة حيز التنفيذ. فقد ارتفع عدد أحكام ثبوت الزوجية في حدود سنة 2008 فقط إلى عدد 23390 حكما، بعدما كان عددها لا يتجاوز 6918 حكما سنة 2004 . وبالتأكيد فان وزارة العدل تعرف كم وصل عدد هذا الصنف من الأحكام إلى حدود نهاية سنة 2013. مما لا شك فيه أن العدد تضاعف أضعافا مضاعفة . غير إن التساؤل المطروح يكمن في طبيعة تعليل الأحكام التي أصبحت تصدرها محاكم الأسرة إذ جلها أصبح يختزل الظرف الاستثنائي في وجود الأولاد، دون مراعاة مدى صحة العلاقة الزوجية من الناحية الشرعية . ومن أمثلة ذلك أسوق نص الحكم الآتي الصادر بتاريخ 08-10-2007 والذي جاء في منطوقه “وحيث إن المادة 16 من مدونة الأسرة أعطت للمحكمة صلاحية تقييم الحجج مع الأخذ بعين الاعتبار وجود الأطفال، وحيث يتبين للمحكمة من خلال اطلاعها على وثائق الملف … على إن السيد…كان متزوجا بالسيدة … منذ تاريخ مارس 2005، وأن هذا الزواج أكمر عن ازدياد الولد… مزداد بتاريخ 16-03-2007 وحيث انه والحالة ما ذكر فان طلب المدعي يكون مبنيا على أساس قانوني ويتعين الاستجابة إليه” ([6]).
من خلال حيثيات الحكم أعلاه يتضح بجلاء إن المحكمة أصدرت حكمها وفق مقتضيات المادة 16 من المدونة، وأن التعليل جاء منسجما مع المنشور الوزاري المذكور. ومما يزيد الأمر تأكيدا إن الاجتهاد القضائي على مستوى محكمة النقض أصبح بدوره يغض الطرف عن مناقشة التعليل المتعلق بالسبب القاهر في حالة وجود الأولاد والحمل، وهذا ما يظهر جليا من قرار المجلس الأعلى (محكمة النقض حاليا) عدد 146 مؤرخ في 2011/06/14 ملف شرعي عدد 2010/1/2/364 الذي عاب على محكمة الموضوع كونها لم تركز قرارها القاضي بسماع ثبوت الزوجية على أساس قانوني، ولم تعلله تعليلا كافيا، وأرجع سبب انعدام التعليل إلى ما يلي : “فإن المحكمة لما قضت بثبوت الزوجية دون إن تبين السبب القاهر الذي حال دون توثيق عقد الزواج، واستندت في ذلك إلى شهادة شاهدين غير عدلين، ودون مراعاة إن المدعية لم ترفع دعواها إلا بعد وفاة من تدعيه زوجا لها، مع عدم وجود أطفال أو حمل ناتج عن العلاقة الزوجية تكون قد بنت قرارها على غير أساس” ([7]). بمعنى إن النازلة لو كانت تتضمن الأطفال أو الحمل لكان القرار المطعون فيه غير معيب بصرف النظر عن أي تعليل أخر.
وهذا ما يؤكد إن الإشكال الحقيقي الذي كان وراء خرق قواعد النظام العام في إثبات الزواج هو النص التشريعي بالدرجة الأولى وليس الاجتهاد القضائي. مما يستوجب حتما على مؤسسة القضاء إن تجند طاقاتها كافة من أجل المطالبة بعدم التمديد في الفترة الانتقالية المنصوص عليها في المادة 16، ووضع حل نهائي لإشكالية حالة الاستثناء ([8]) التي أحرجت القضاء ومست جوهر الحق، لأن المحكمة يجب إن تتحرى الحق كل الحق في إصدار الأحكام، وليس من الحق في شيء إن يشهد القضاة على وقائع غير صحيحة شرعا، أو يصححوا علاقات فاسدة بمقتضى نص قانوني يشكل حالة نشاز في التشريع المغربي، خاصة وأن الواقع العملي أبان عن محدودية نجاعة هذا النص القانوني، الذي يوطد مظاهر الفساد في المجتمع، ويبرر الخطايا على حساب حقوق الطفل ومكارم الأخلاق، تحت ذريعة مراعاة خصوصية المجتمع المغربي والطابع الاجتماعي والثقافي . وهنا يمكن إن نتساءل، هل الجهل والأمية المؤديان إلى عدم توثيق الزواج ([9]) يعتبران من خصوصية الأمة المغربية ؟ أم هما وصمة عار في جبينها؟ وهل هذه الخصوصية تبرر المشروعية ؟. فالجواب بكل تأكيد بلى ؟ الخصوصية الحقيقية للمغاربة الأقحاح هي التشبث بالقيم الدينية ومكارم الأخلاق، ونبذ كل سلوك دنيء خارج عن النظام العام كالفساد والزنا والعياذ بالله.
وعلى هذا الأساس فالنص التشريعي يجب إن يرد في سياق إصلاح المجتمع، والحفاظ على ثوابت الأمة، وصيانة تراثها المادي والمعنوي. وليس من الدين والأخلاق قطعا إضفاء الصبغة الشرعية على وقائع غير مشروعة، من قبيل الإثبات القضائي للزواج غير الشرعي، وتخويل القضاء الحق في النسب الشرعي لأبناء غير شرعيين !.
المطلب الثاني: إشكالية النسب الناتج عن علاقة زواج غير موثقة
إن المشرع المغربي ألقى مسؤولية جسيمة على كاهل القضاء الأسري بمقتضى المادة 16 من مدونة الأسرة. فبموجبها أصبحت المحاكم المغربية تصدر أحكاما تترتب عنها آثار وخيمة منافية للنظام العام ومقاصد الشريعة الإسلامية السمحة.
ولعل أصل الإشكال يكمن في آثار الإثبات القضائي للزواج غير الشرعي، الذي يترتب عنه حتما تخويل حق النسب الشرعي لأطفال غير شرعيين.
ومن أجل ملامسة جوهر هذا الإشكال، يتعين تسليط الضوء على بعض الجوانب الفقهية والتشريعية والقضائية المتعلقة أساسا بالنسب الشرعي الناتج عن علاقة زوجية صحيحة، سواء تلكم العلاقة الثابتة بالعقد العدلي أو تلكم الثابتة بالحكم القضائي.
وعليه فالنسب إذا أطلق فقها لا يراد به إلا النسب الشرعي، فلا يصح إن يقال في اصطلاح الفقهاء نسب غير شرعي، وإنما يقال طفل غير شرعي ولد من علاقة غير مشروعة، والأصل في الدلالات الاصطلاحية غالبا هي المعاني اللغوية.
والنسب لغة هو نسب القرابات يقول ابن سيده : النسبة والنسبة والنسب : القرابة . ويكون بالآباء ([10]) بالأمهات.
فالولد الناتج من علاقة غير مشروعة اعتبره الشرع الحكيم ابنا للأم، يرث فيها وترث فيه، حماية للمولود وضمانا لرعايته، في حين منع الشرع الحنيف إن يلحق بأبيه فأحرى إن يرث فيه.
وبهذا تكون الشريعة الإسلامية قد أقرت النسب للولد الناتج عن الزواج ولو كان فاسدا ([11])، ولكنها منعت منعا مطلقا لحوق الولد بالزاني، جاء في الحديث الشريف ” الولد للفراش وللعاهر الحجر” ([12]). يظهر من لفظ الحديث مدى أهمية الفراش الشرعي في ثبوت النسب . ومن ثم تقرر شرعا عدم التساهل في أحكام النسب . وقد عبر الحديث على حد الرجم بكلمة (للعاهر الحجر) إشارة منه صلي الله عليه وسلم إلى خطورة جريمة الزنا في مجال العلاقة الأسرية . فلا يمكن إن تقوم هذه العلاقة وتستمر ولومع وجود الأولاد اذا كان أساس هذه العلاقة باطلا.
فاستقرار الأسرة وضمان استمرارها يتوقف على وجود العلاقة الشرعية بين الزوجين، وعلى اتصال النسب الشرعي بين الأولاد والآباء. ولذا تعتبر جريمة الزنا من أخطر الجرائم التي تهدد بنيان الأسرة، وتنخر كيان المجتمع . فقد تستمر العلاقة الزوجية مع الفقر والجوع، ولكنها يستحيل استمرارها مع ثبوت الزنا.
ولأجل ذلك شنع القران الكريم بجرم الزنا وسماه فاحشة، وأكد على ما يعقب فعله من ظلال السبيل وسوء العاقبة قال تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا) ([13]). فالسبيل السيئ لا يوصل إلى الهدف، وفشو الفاحشة سبب تصدع بنيان المجتمع وانهياره . ولعل من مقاصد تحريم الزنا ليس اختلاط الأنساب ([14])، وإنما استئصال جذور الخيانة التي تتنافى وبناء الأسرة وكذا استمرار العلاقة الزوجية باعتبارها النواة الأولى لبناء المجتمع.
وعليه فالسبب في وجود النسب الشرعي هو الزواج الشرعي، إما الزنا فلا يكون سببا لثبوت النسب . وهذا هو الحكم المقرر شرعا، وهو الذي أجمعت عليه الأمة، ولم يختلف إزاءه فقيه ولا محدث، ولا غيرهما، منذ بداية التشريع الإسلامي إلى الآن.
ومن هنا كانت أحكام النسب خصوصا وأحكام الأسرة عموما من قبيل النظام العام . وهذا ما استقر عليه الاجتهاد القضائي المغربي، سواء في ظل قانون مدونة الأحوال الشخصية السالف ([15])، أوفي ضوء قانون مدونة الأسرة الحالي ([16])، الذي قرر بنص صريح وجوب اعتبار النيابة العامة طرفا أصليا في جميع قضايا الأسرة بصفتها (النيابة العامة) حامية للمجتمع وحارسة للنظام العام .
والنسب الناتج عن الزواج غير الموثق هو نسب شرعي ما دامت العلاقة الزوجية مشروعة، فإذا ثبت غير ذلك كأن يكون الولد ناتجا عن واقعة اغتصاب، أو عن علاقة فساد، لا يكون هذا النسب شرعيا. فالعبرة في شرعية النسب هي مشروعية السبب الذي كان وراء وجود الولد. فإذا كان الولد ناتجا عن سبب مشروع ثبت نسبه إلى أبيه، واذا كان الولد ناتجا عن سبب غير مشروع لم يثبت نسبه.
من هذا المنطلق يجب تفسير الظرف الاستثنائي عند إثبات العلاقة الزوجية غير الموثقة. وليس من منطلق وجود الأولاد والحمل كما هو منصوص عليه في المادة 16 من المدونة، وكما يحث عليه المنشور الوزاري المذكور.
فالنص التشريعي والمنشور الوزاري المذكوران وجها الاجتهاد القضائي الأسري وجهة غير سليمة، وأوقعاه في فجوة مخالفة أحكام الشريعة والنظام العام .
ومن تجليات هذه الهفوة القضائية اعتبار جل الأحكام القضائية الصادرة في الموضوع، وجود الأولاد والحمل أساسا قانونيا للحكم بثبوت الزوجية والنسب . ومن أمثلة ذلك أذكر منطوقات الأحكام الآتية:
– منطوق حكم نصه: “… وحيث ازداد الابن ع على فراش الزوجية وهو حجة قاطعة على ثبوت نسبه للزوجين، وتترتب عليه كافة الآثار القانونية وحيث انه مراعاة من المحكمة لوضعية الزوجية وكذا حفاظا على نسب الابن ع فان دعوى الزوجية ارتكزت على أساس قانوني ومشروع مما ينبغي معه سماعها وذلك بالإشهاد وكبوت الزوجية بين المدعيين” ([17])،
– منطوق حكم نصه: ” وحيث إن المادة 16 من مدونة الأسرة أعطت للمحكمة صلاحية تقييم الحجج مع الأخذ بعين الاعتبار وجود الأطفال وحيث يتبين للمحكمة من خلال اطلاعها على وثائق الملف … على إن السيد… كان متزوجا بالسيدة … منذ تاريخ مارس 2005 وأن هذا الزواج أكمر عن ازدياد الولد… مزداد بتاريخ 16-03-2007 وحيث انه والحالة ما ذكر فان طلب المدعي يكون مبنيا على أساس قانوني ويتعين الاستجابة إليه ” ([18])،
– منطوق حكم نصه : “… وحيث انه من القرائن التي يمكن اعتمادها كذلك لوجود العلاقة الزوجية الخبرة المثبتة لعلاقة البنوة إلى المدعى عليه، بالإضافة إلى الاستماع إلى الشهود. وتبعا لذلك فقد أمرت المحكمة بإجراء خبرة طبية حول وجود علاقة بيولوجية بين المدعى عليه والبنت …مع إعمال الوسائل العلمية الطبية التي من شانها إثبات ما ورد أعلاه.
وحيث أنجز تقرير طبي من طرف المختبر الوطني للشرطة العلمية … الذي جاء فيه أنه تم أخذ عينة لعاب … للسيدة … المدعية والسيد… المدعى عليه والطفلة … لإجراء خبرة جينية لتحديد العلاقة البيولوجية ما بين الطفلة …بنت… والمسمى د بناء عليه يتعين من خلال نتائج الخبرة الطبية … بنسبة 99.99% . وحيث إن تقرير الخبرة الطبية أعلاه لم يكن محل طعن من طرف المدعى … وحيث إن المحكمة وهي تأخذ بعين الاعتبار إن دعوى إثبات الزوجية أقيمت في حياة الزوجين وأن هناك إنجاب البنت …وأن واقعة الزواج ثابتة بين الطرفين فإنها تحكم بثبوت الزوجية وكبوت نسب البنت المذكور بالمدعى عليه” ([19]).
يتجلى بوضوح من الحكم الأخير إن المحكمة فسرت مقتضيات المادة 16 تفسيرا يخالف النظام العام . حيث اعتبرت الاتصال الجنسي بين المدعية والمدعى عليه الثابت بالخبرة الطبية سببا موجبا لثبوت العلاقة الزوجية والنسب. والحال إن ثبوت العلاقة البيولوجية بين الابن وأبويه الطبيعيين لا يعني ثبوت العلاقة الزوجية شرعا، ولا ثبوت النسب الشرعي للولد الناتج عن ذلك.
فالخبرة الطبية المنصوص عليها في المادة 16 هي وسيلة من وسائل الإثبات الجديدة التي أقرها المشرع الأسري الحديث من أجل استجلاء الحق وبيان الحقيقة، لأنه قد يحدث إن ينكر الزوج الحمل أو الولد الناتج في فترة الزواج الصحيح، حيث يدعي إن الحمل الذي ظهر على زوجته ليس منه، وفي المقابل تتمسك الزوجة إن الحمل منه، وأنه أنما يدعي ذلك من أجل التملص من المسؤولية أو من أجل تبرير الطلاق أو من أجل شيء آخر…
ونظرا لخطورة هذا الادعاء، وحفاظا على تماسك الأسرة أوجب المشرع وهو على صواب اللجوء إلى الخبرة لاستئصال أسباب الاختلاف بين الزوجين في هذا النطاق فقط، وقطع دابر النزاع في موضوع النسب. ([20])
وكأن المشرع في هذه الحالة وضع الخبرة الطبية محل اللعان الوارد في الآية الكريمة: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (7) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (8) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ) ([21])
ومضمون هذه الآيات هو المقرر فقها عند المالكية في باب اللعان . يقول ابن عاصم في التحفة: ([22])
وإنما للزوج إن يلتعنا بنفي حمل أو برؤية الزنا(22)
وهكذا يتبين إن الخبرة الطبية وان أدت إلى إثبات العلاقة البيولوجية بين الوالد والمولود، فإنها لا تحسم من الناحية الشرعية في ثبوت النسب، إلا في حدود الارتياب الناشئ عن الحاق الولد عند ازدياده خلال فترة قيام علاقة زوجية صحيحة.
ويعزز هذا الاتجاه بعض الفقه المغربي، يقول أستاذنا الكبير الفقيه محمد الكشبور ” … لا يجب الاكتفاء بمجرد كبوت الطفل بيولوجيا إلى المدعى عليه لإثبات العلاقة الزوجية، لأن كبوت تلك العلاقة البيولوجية لا يعني وجود علاقة زواج إذ إن إثبات الرابطة البيولوجية بين المدعى عليه والأطفال الذين تدعي المدعية أنها ولدتهم على فراشه يعتبر قرينة تساعد المحكمة على إثبات تلك العلاقة الزوجية بكيفية غير مباشرة . فالزواج ليس مسالة فنية تتطلب تدخل الخبرة لاستجلائها، وإنما هو عقد ذو طبيعة قانونية” ([23]).
وأخيرا يجب التنبيه إلى إن الخبرة الطبية وان كانت لا تقل أهمية عن وسائل الإثبات الأخرى، باعتبارها حجة علمية قاطعة توصل إلى جوهر الحقيقة المبحوث عنها عادة، فإن هذه الحقيقة غير مرغوب فيها من الناحية الشرعية، وخاصة في نطاق إثبات جريمة الزنا التي اثر الشرع فيها الظن على اليقين، درءا لتنفيذ الحد، للأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم منها:
– حديث أنس (رضي الله عنه) قال : ” كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاءه رجل فقال يا رسول الله إني أصبت حدا فأقم في كتاب الله . قال أليس قد صليت معنا؟ قال نعم. قال : فإن الله قد غفر لك ذنبك أو حدك” ([24])،
– حديث: ” أدرأوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام إن يخطئ في العفو خير من إن يخطئ في العقوبة”([25]) .
وهكذا يتبين إن الإثبات بالخبرة الطبية في مجال النسب قد يؤدي إلى إثبات وقائع غير مشروعة، تستدعي تدخل النيابة العامة للمطالبة بحق المجتمع عن طريق المساءلة الجنائية، لثبوت ما يخالف النظام العام بشكل فظيع لا غبار عليه.
وهذه فجوة تشريعية أخرى جاءت بها المادة 16 من المدونة، فأوقعت القضاء الأسري في حرج كان بالإمكان إن يبقى منزها عنه لو أوجب المشرع اللجوء إلى الخبرة الطبية في أضيق الحدود، وبالضبط عند إنكار الزوج حمل زوجته واتهامها بالزنا، على غرار حكم اللعان المؤصل بنصوص الشريعة قرآنا وسنة.
والا فلا يعقل إن يسند إلى القضاء مهمة إثبات مطلق الزيجات غير الموثقة ولو كانت غير مشروعة، وتخويله حق إثبات النسب الشرعي لأطفال غير شرعيين، في الوقت الذي يطلب منه أن يتحرى الحق والعدل وفق ضوابط الشرع الحنيف والنظام العام.
فهذه إذن مفارقة يجب إن يوضع لها حد، ومشكلة يجب إن يوجد لها حل، اذا ما أريد للقضاء الأسري إن يكون في مستوى اللحظة التاريخية التي تفرض عليه الإسهام في إقرار العدالة الاجتماعية، وحماية الحقوق الدينية والمدنية للمتقاضين بأمانة وتجرد واستقلالية.
خاتمة:
لقد بات مؤكد ا إن المشرع الأسري من خلال المادة 46 من المدونة أسهم في وجود إشكالات ملموسة، أوقعت الاجتهاد القضائي في فجوات غير محمودة، يصعب تجاوزها ما لم يتم الغاء الفترة الانتقالية لسماع دعوى ثبوت الزوجية، التي جعلت من النافذة بابا، ومن الاستثناء قاعدة . حيث أصبح بموجبها بإمكان كل من تعذر عليه إبرام عقد الزواج أمام العدول بسبب أو بآخر، إن يوهم المجتمع بأنه أقام حفل زفاف ثم يلتجئ إلى المحكمة بعد انجاب الأولاد، أو بمجرد ظهور الحمل خارج العلاقة المشروعة، لإقامة ثبوت الزوجية، وإثبات النسب، ولو على حساب مكارم الأخلاق وضوابط الشرع .
ومن أجل رأب الصدع التشريعي وضمان استقرار الاجتهاد القضائي في مجال الأسرة، يتعين تعديل المادة 16 من المدونة . وذلك بعدم تمديد الفترة الانتقالية بعد انقضاء مدتها في غضون الأسبوع الأول من فبراير سنة 2014. وجعل الإثبات القضائي للزواج خاصا بحالات إنكار النسب، ونفي الحمل، دون الحالات الأخرى التي يكون فيها التراضي، والتي أقترح إن يتم تصحيح هذه الأخيرة عن طريق توثيقها أمام العدول، بعد إحضار الشواهد الإدارية اللازمة لإبرام عقد الزواج، والتأكد وجوبا من عدم وجود الحمل بشهادة طبية يوم الإشهاد.
وبالنسبة لضمان حقوق الأولاد، يتعين إبرام إشهاد عدلي باستلحاقهم من لدن الأب، وموافقة الأم على ذلك عند الاقتضاء.
وبهذا الاقتراح يمكن إخراج القضاء الأسري من دائرة السوء، وتنزيهه عن الشوائب الناتجة عن إثبات وقائع غير صحيحة ولا شرعية . لاسيما وأن القضاء بشكل عام هو مرأة العدالة وميزان الحق ومقياس القيم . ومن أجل إن يحظى بتقدير جميع فئات المجتمع، يجب إن يبقى في سموه كما كان دائما، متناغما مع نصوص القانون، ومنسجما مع مقاصد الشريعة، بعيدا عن الشبهات ومنزها عن الهفوات .
وأختم كلامي بمقطع شعري يحمل من الدلالات قدر ما أحمله من الاقتراحات . يقول ناظمه:
الناس قد أثموا فينا بظنهم وصدقوا بالذي أدري وتدرينا
ماذا يضرك في تصديق قولهم بأن نحقق ما فينا يظنونا
[1] مشاركة في أشغال الملتقى الثقافي الرابع لمبادرات نسائية في خدمة الدعوة والتنمية البشرية تحت شعار “إصلاح ذات البين وأثره في الاستقرار الأسري” الذي نظمه المجلس العلمي المحلي لعمالة مقاطعات سيدي البرنوصي بجهة الدار البيضاء الكبرى يومي الجمعة والسبت 27 و 28 دجنبر 2013 بالمركب الثقافي حسن الصقلي.
[2] سورة “ص”: الآية 25.
[3] نصت الفقرة الرابعة من الفصل الخامس من مدونة الأحوال الشخصية المغربية السابقة على أنه: “يجوز للقاضي بصفة استثنائية سماع دعوى الزوجية واعتماد البينة الشرعية في إثباتها”.
[4] قرار المجلس الأعلى عدد 165 بتاريخ 17 يوليوز 1972 .
[5] لأنه يعلم إن الأحكام القضائية لا تتفق في تفسير الظرف الاستثنائي.
[6] حكم صادر عن قسم قضاء الأسرة بالمحكمة الابتدائية ببركان عدد 1146 ملف رقم 147/07 بتاريخ 08-10-2007، غير منشور.
[7] القرار منسور في مجللا القضاء المدني، العدد الثامن، السنة الرابعة صيف/خريف 2013، ص 234.
[8] لقد مدد المسرع المغربي بمقتضى قانون رقم 08/09 بموجبه تم تعديل المادة 16 من قانون 70/03 بمثابة مدونة الأسرة (مادة فريدة) في الفترة الانتقالية المنقضية مدتها في فبراير 2009 وذلك بإضافة 5 سنوات أخرى ستنتهي إلى غاية الأسبوع الأول من فبراير 2014،
[9] هذان المنصران وردا في تبريرات بعض الباحثين المعاصرين المدافعين على استمرار العمل بثبوت الزوجية.
[10] ابن منظور: لسان العرب، الجزء الأول، مادة (نسب)، طبعة دار صادر ببيروت، الطبعة الأولى 1990، ص. 755.
[11] وهبة الزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلته، الجزء السابع، مطبعة دار الفكر، الطبعة الثالثة، سنة 1989، ص 275.
[12] رواه أحمد وأصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.
[13] سورة الإسراء: الآية 32.
[14] لأنه لوكان كذلك لما حرم في الحالات التي يؤمن فيها عدم الحمل ووجود الأولاد ؟
[15] قرار المجلس الأعلى عدد 132 صادر في 5-7-1971 جاء فيه : “…إن كوانين الأحوال الشخصية تعتبر من قبيل النظام العام الذى يحق إثارته في جميع المراحل”.
[16] تنص المادة 3 على أنه: “تعتبر النيابة العامة طرفا أصليا في جميع القضايا الرامية إلى تطبيق أحكام هذه المدونة”.
[17] حكم صادر عن قسم قضاء الأسرة بالمحكمة الابتدائية بقصبة تادلة عدد 454 ملف رقم 294 / 09 / 2005 بتاريخ 14-12-2005 غير منشور.
[18] حكم صادر عن قسم قضاء الأسرة بالمحكمة الابتدائية ببركان عدد 1146 ملف رقم 147/07 بتاريخ 08-10-2007، غير منشور.
[19] حكم صادر عن قسم قضاء الأسرة للمحكمة الابتدائية بالدار البيضاء عدد 7198 ملف رقم 619/ 03 بتاريخ 24-10-2005، غير منشور.
[20] الولد للفراش قاعدة شرعية أقرها الرسول صلى الله عليه وسلم من أجل إن تكون أحكام إثبات النسب منسجمة مع مقاصد القرآن الكريم في الزواج ، وما يترتب عنه من حقوق الأسرة من جهة، ومن أجل وضع الحد للقيافة التي كانت تعتمد في إثبات النسب من جهة ثانية . ويدل على ذلك الحديث المروي في الموطأ نصه “قال يحيى عن مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: كان عتبة بن أبي وقاص عهـد (عند موته) لأخيه سعد بن أبي وقاص إن ابن وليدة زمعة مني فاقبضه إليك، قالت: فلما كان عام الفتح أخذه سعد وقال: (هو) ابن أخي قد كان عهد إلي فيه، فقام إليه عبد بن زمعة فقال : ( هو) أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه. فتساوقا إدى رسول الله صلي الله عليه وسلم، فقال سعد يا رسول الله إن أخي قد كان عهد إدي فيه، وقال عبد بن زمعة (هو) أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه “فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم “هو لك يا عبد بن زمعة “ثم قال رسول الله صلي الله عليه وسلم “الولد للفراش وللعاهر الحجر” ثم قال لسودة بنت زمعة “احتجبي منه” لما رأى من شبهة (الغلام) بعتبة بن أبي وقاص، قالت (عائشة) : فما رآها (سودة ) حتى لقي الله عز وجل”.
يظهر من نص الحديث إن الرسول صلى الله عليه وسلم اعتمد قاعدة الولد للفراش كسند أصلي في إثبات النسب، واستأنس بالقيافة ( الشبه) كسند احتياطي (احتجبي منه) في منع الاختلاط غير المأذون فيه شرعا . ويجب التنبيه إلى إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعتمد على القيافة في إثبات النسب، وإنما احتاط بها فقط لدين سودة بنت زمعة مخافة ألا يكون ابن وليدة زمعة أخا لها، فتكون قد تجاوزت حدود احترام أحكام عورات ذوي المحارم. كما يجب التنبيه أيضا إلى إن الحديث لم يرد في سياق واقعة الزنا، لأن الأمر لا يتملق بعلاقة شرعية لعن زوجين عاديين، وإنما الأمر يتملق بعلاقة وطء بين حر (عتبة بن أبي وقاص) وأمة (وليدة زمعة ). وهذه العلاقة تنظمها أحكام استثنائية تختلف عن الأحكام الأصلية للعلاقة الزوجية المؤسسة شرعا بالقرآن والسنة.
[21] سورة النور من الآية 4 إلى الآية 9 .
[22] لمعرفة تفاصيل الفقه المالكي في اللعان ينظر أبو الحسن علي بن عبد السلام التسولي : “البهجة في شرح التحفة، الجزء الأول”، طبعة دار الفكر، ص 330.
[23] د. محمد الكشبور: “شرح مدونة الأسرة، الجزء الأولى، ص 289.
[24] أخرجه البخاري ومسلم.
[25] رواه الترمذي.


