تأصيل فكرة التعددية بين البشر في الحياة من منظور القرآن الكريم

دراسة فكرية تحليلية نقدية

الاستاذ المساعد الدكتور

شوكت زين العابدين محمد السندي

جامعة زاخو/ إقليم كوردستان- العراق

shawkat.mohammed@uoz.edu.krd

(مُلَخَّصُ البَحث)

من المعلوم أن الإسلام جاء من أجل بناء الإنسان وتنظيم المجتمع وصولاً إلى تحقيق أهداف اجتماعية, والحفاظ على بنية الأخلاق على أساس من التوازن بين ما هو روحي ومادي؛  بغية توفير الأمن مع التهذيب الاجتماعي القائم على الالتزام بتعاليم الإسلام وآدابه وقيمه, في معادلة متكافئة بين الحاجات الروحية والاجتماعية من أجل تحقيق العدالة والسعاِدة والرفاهية لأبناء المجتمع , وكل ذلك من أجل التعايش وبناء السلام المجتمعي .

تعد فكرة التعددية والتنوَع بين بني البشر في حياة الدنيا أمرا فطريا طبيعيا بين الناس في المجتمع البشرى، ولا يزال البشر مختلفين فيما بينهم، وآية من آيات الله في إثبات الخلق والإيجاد طالما أن هناك حياة، وتأصيل قرآني في مجال عقيدة التوحيد والدعوة إلى الإيمان، وأسلوب منطقي في فتح المجال أمام الفكر الإنساني يعمد إلى إعمال العقل والفهم للوصول إلى إسعاد الناس. تهدف: هذه الدراسة إلى بيان أن التعددية أمر إلهي بين المجتمع البشرى يجب إتباعه، وأصل في الدعوة إلى الإتفاق، والتواصل معهم، والقدرة على المستجدات، وازدهار الحياة ثقافةً، وحضارةً، وحواراً، والاعتراف بوجود الآخر من أجل بناء السلام الإنساني العالمي. أهمية هذا البحث: بيان تأصيل منظور القرآن الكريم بأن فكرة التعددية مفهوم يخدم في المجالات  المتعددة وأغراض مختلفة، مما يجب تقبله تماماً فكراً وعقلاً، وتسهم في إيجاد تجربة مميزة وفريدة من نوعها لكل فرد والمجتمع، ويسهل مشاكل الناس أفراداً واسراً ومجتمعاً، ويعالج  التحاور مع المخالف، وتجنب التعصب للرأي، وتحويل الأضداد إلى ثقافة تعارف وتآلف. والتأكيد على مبدأ الدخول في السلم كافةً الذي دعا إليه دين الإسلام. اتبع الباحث المنهج الفكرى التحليلي النقدي. ومن أهم استنتاجات البحث: فكرة تأصيل التعددية تدريب النفس على العفو والتسامح والتحاور مع المخالف على أساس العدل والحرية والحق، وإن الإسلام يحترم حقوق الإنسان المشروعة المدنية والقانونية على وفق منهج العدل والإحسان. التعددية تناقض فكرة الآحادية البغيضة من ظلم وعنف، والتعصب والتميز قديماً وحديثاً، ويقبل فكرة الأخوة الإنسانية بقبول المخالف الآخر، وينشر فكرة التسامح والتعايش والمساواة. ويتضمن هذا البحث ثلاثة مباحث: المبحث الأول: تأصيل مفهوم فكرة التعددية من منظور القرآن الكريم. المبحث الثاني: آثار قبول فكرة التعددية الإيجابية على الفرد والمجتمع. المبحث الثالث: نقد فكرة الأحادية وتحليلها .

الكلمات المفتاحية: تأصيل، التعددية، البشر، الحياة، القرآن الكريم

مقدمة:

أسباب اختيار البحث: نقصد بالتعددية في التشريع الإسلامي التنوع المحمود بين الخلق في الحياة؛ لأن المتأمل في خلق الله تعالى يرى أن حياة الناس لابد فيها من الإختلاف؛ بل إن الاختلاف آية من آيات الله تعالى في الخلق جميعاً بين البشر، وأمر إلهي سائغ؛ وسيبقى ما بقي الحياة، مما يجب الإيمان به عقيدةً والانقياد إليه، والتسليم به شرعاً.

وإن الاختلاف والتعدد في رؤية الفكر الإسلامي يعمد إلى تحقيق المصالح الناس على وفق مشترك إنساني؛ من إعمار الأرض، وإزدهار الحياة بروح الأخوة والسماحة والمحبة، وإستمرار الوجود الإنساني والإنفتاح على الآخرين.

مشكلة البحث: بيان ونقد مخاطر فكرة الأحادية المذموم، ومخاطر فساده، من إنكار ومحو وجود الآخر، وعمليات الإبادة والتهجير القسرى، وآثارها السلبية.

اهمية البحث: عليه سوف يجيب هذا البحث عن تأصيل التعددية وهو أصل من أصول دين الإسلام الحنيف، وفق لغة الحوار من الشورى والتشاور، ومنافعها المشروعة بجدوى التواصل والحوار بين الناس، وأهم آثارها الإيجابية من الاعتراف بالآخر والشعور بالتفائل.

ويحقق غاية سامية من ديمومة أعمال العقل في الفهم والتفكر والتدبر والتصور، من أجل بناء تعايش مشترك، وتجديد الحياة.

وتوضيح منهج القرأن الكريم في كيفية قبول فكرة التعددية كمبدء من مبادئ التشريع الإسلامي، وتحويل الإختلاف إلى ثقافة تعارف وتآلف. وآداب بناء شخصية المخالف فرداً واسرةً ومجتمعاً من أجل تحقيق السلام الإجتماعي.

لذا اقتضت طبيعة البحث تقسمه الى مقدمة: ذكرت فيها أسباب ومشكلة وأهمية البحث وثلاث مباحث وخاتمة ذكرت فيها اهم النتائج والتوصيات التي توصل إليها الباحث، والمصادر والمراجع.

المبحث الاول: تأصيل مفهوم فكرة التعددية من منظور القرآن الكريم.

المطلب الأول: تعريف مفهوم فكرة التعددية

المطلب الثاني: تأصيل التعددية من منظور القرآن الكريم

المطلب الثالث: بعض صور ايجابية من الحكمة النبوية عن قبول التعددية والآخر

المطلب الرابع: قبول التعددية في الفكر الديني الإسلامي

المبحث الثاني: آثار قبول فكرة التعددية الإيجابية على الفرد والمجتمع

المطلب الأول: من آثاره الإيجابية على الفرد

المطلب الثاني: من آثاره الإيجابية على المجتمع

المبحث الثالث: نقد وتحليل فكرة الأحادية.

الخاتمة: النتائج والتوصيات اولاً: النتائج 00 ثانيا:التوصيات

المصادر والمراجع

المبحث الاول: تأصيل مفهوم فكرة التعددية من منظور القرآن الكريم.

المطلب الأول: تعريف مفهوم فكرة التعددية

لغة: كلمة اصلها اسم مؤنث، مصدر صناعي من تعَدد: التعدَدُية منسوب إلى التعدُد. وهي نقيض الأحادية.

إصطلاحاً: مفهوم يحدد قبول عدة من انواع الواقع والحقيقة، القائمة بين مختلف الجماعات الإنسانية؛ من الأنماط المتنوعة ثقافياً، وجنسياً، وعرقياً، ودينياً.[1]

المطلب الثاني: تأصيل التعددية من منظور القرآن الكريم

بإجماع المسلمين يعد القرآن الكريم المصدر الأول من مصادر التشريع الإسلامي، ودستور الأمة، يجب إطاعته وإتباعه، نصاً وإجمالاً، وللقرآن الكريم منهج ومنظومة قيم ثابتة في حكم وجود الآخر المتعدد، لا تتغير بتغير الزمان والمكان، ويحدد معالم الفكر الإسلامي، وسوف نبحث في هذا المطلب تلك المبادىء في تأصيل مفهوم التعددية، والتي تعني الإختلاف والتنوع، من محاور متعددة في أبعاده الإنسانية والإيمانية بما يأتي:

أولا: تنوع الخلق والخليقة: أن الإختلاف والتنوع والتعدد؛ آية من آيات الله في الكون على وحدانيته وعظمته، ومن حجج الله على خلقه، في كمال قدرته الربابية،[2] قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ﴾ [الروم:22ٍِ]. أي: أن آية خلق السموات والأض، وتعدد لغات، وتنوع الوان البشر هي الأصل في المجتمع البشري. ودعوة للتدبر والتفكر لكل ذي علم وبصيرة.

ثانياً: الإنسانية كلها اسرة واحدة: شرع الخالق الإسلام ديناً، للربط بين الشعوب، للتعارف وتبادل المنفعة، وفق مبدأ المساواة العامة،[3] خاطب الله تعالى النوع الإنساني كله بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾[الحجرات:13]. اي: اي لا عنصرية ولا عصبية بين الناس، الإنسانية كلها اسرة واحدة.من أب واحد هو آدم عليه السلام، وأم واحدة هي حواء.

ثالثاً: حفظ كرامة الإنسان، والمساواة بين الناس: الأصل في الإسلام حفظ كرامة الإنسان، والمساواة بين الناس، على رغم إختلافهم، وتعدد مشاربهم،[4] كما بينه القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾[الإسراء:70].أي أن ذرية آدم مكرم ومفضل على سائر المخلوقات الأخرى.

رابعاً: اختلاف الناس في إعتقاداتهم: الإختلاف بين البشر في الإيمان والهداية وعدمه فطرة طبيعية، وسنن من سنن الله في خلقه، وحكمة إلهية سيبقى ما بقي الوجود في الحياة،[5] قال عز وجل: ﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ﴾ٍ[هود:118]. أي: أن الحكمة الإلهية أقتضى أن تكون الناس مختلفين في اعتقاداتهم  على حسب عقله ونظره.[6]

خامساً: التنوع في الشرائع المرسلة: كل مافي القرآن الحكيم حق من رب العالمين منها التنوع في الشرائع المرسلة من التوراة والأنجيل والقرآن،[7] قال تعالى: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾[المائدة:48].أي: فرقكم ربكم فرقا ليختبركم فيظهر المطيع منكم من العاصي ويجزي كل بعمله في الآخرة وليس في الدنيا.

سادساً: التسامح في العقيدة: التسامح الديني،[8] والإعتراف بحق الأديان الأخرى بالوجود بين البشر، أصل من أصول الدين الإسلامي الحنيف، جاء في القرآن كثير من الآيات المحكمات ينفي الإكراه في الدين من غير قناعة[9]، قال جل جلاله: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة:256]. أي: لايجوز الدخول في الدين أكراهاً. بل الله أعلم من يصلح للهداية فيهديه، ويوفقه إليه. قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾[القصص:56]. بذلك ينمحي أثر الحقد الديني في الصدور.

سابعاً: الإيمان مسؤلية فردية: يجب أن تكون بإختيار وبحرية وإرادة الفرد، لايكره أحداً على الإيمان، لأنه من أعمال قلبية.  ففي مسؤلية الإيمان الفردية،[10] أمر الله تعالى:  ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقاً ﴾[الكهف:29]. أي: إن الإيمان رشد ونور، فمن أراد أن يؤمن ويصدق فليفعل فهو خير له. والكفر ظلال وغي، ومن أراد أن يجحد ويكفر فليفعل فما ظلم وهلك إلا نفسه. الإيمان حكمة إلهية يهدي من يشاء ويضل من يشاء لا يشارك أحد في حكمه كما أمر جل وعلا: ﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾[يونس:99]. وقوله تعالى: ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ ﴾[الغاشية:22]. أي: الخطاب لسيدنا محمد صل الله عليه وسلم يأمره ربه ليس عليك أن تكره الناس على الإيمان. فعجباً كيف لغيره!!!.

المطلب الثالث: بعض صور ايجابية من الحكمة النبوية عن قبول التعددية والآخر

وفي هذا المطلب نبحث في الحكمة النبوية الشريفة المصدر الثاني من التشريع الإسلامي في كيفية التعامل مع الآخر المتعدد، من خلال ثلاثة فروع:

الفرع الأول: ماورد من رسول الله من أقوال

نتوقف على روائع من أقوال الرسول في حسن التعامل مع الآخر المتعدد  للدروس والعبر منها:حفظ الحياة يكون بحفظ النفس: عن عبدالله بن عمرو رضى الله عنهما: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاماً)[11]. هذا من عدالة الإسلام مع الناس هم سواسية خاصة في مقاصد الشرع الضرورية.

المساواة في حفظ الحقوق: عن أبي موسى رضى الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: (فكوا العاني، -يعني: الأسير- وأطعموا الجائع، وعودوا المريض)[12]. حكمة نبوية في حفظ الحقوق العامة لايفرق فيه بين المسلمين وغيرهم، من أجل تحقيق العدالة الإجتماعية.

أساس المودة في المجتمع عودة الناس لبعضهم منها: عيادة الآخر عن انس رضي الله عنه: أن غلاماً ليهود كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم، فمرض فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده، فقال:( أسلم فأسلم)[13]. فالعيادة والتعامل أساس بناء علاقات الترابط الإجتماعي في المجتمع.

الفرع الثاني: ما أقره رسول الله في حياته

منها: حسن إستقبال رسول الله لوفد رؤساء نصارى  نجران في المدينة المنورة، فدخلوا عليه مسجده حين صلى العصر، يقول بعض من رآهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ: ما رأينا وفداً مثلهم، وقد حانت صلاتهم، فقاموا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوهم؛ فصلوا إلى المشرق[14].

الفرع الثالث: ما عمله رسول الله في حياته:

 ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في سيرته الإنسانية والنبوية أروع نماذج للبشرية، من خلال خلقه العظيم، وحسن تربيته من ربه، ورعايته لأصحابه، وعطفه على الضعيف والفقير، وبلاغته في التعبير، وقوته في الإقناع، كأحد عظماء عرفهم التاريخ، وللإستشهاد نذكر نموذجين من الدروس العملية مع الآخر المتعدد.

إستحكام أمر الإسلام بالسيادة والسلطة، حينما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة واستقر مقامه فيها، وكان في المدينة طوائف مختلفة من الناس منهم: المسلمون (الأنصار والمهاجرون)، واليهود بطوائفهم، والوثنون المشركون، أقتضت الحاجة والضرورة، بأن وضع الرسول أسس تكوين الدولة وتنظيمها كي تسير على مبادئ، الإسلام، وتسود فيها أحكامه[15]. ففي السنة الأولى من الهجرة: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم الكثير من الأعمال الجليلة التطبيقية والعملية في المدينة منها تنظيم أمور المسلمين، الدينية، والإدارية، والمالية، والإقتصادية، والعسكرية.من خلال: تأسيس أول مسجد في الإسلام في قباء، وعمل في بناء المسجد الذي يعرف اليوم بالحرم النبوي الشريف، وإعلان المؤاخات بين المهاجرين والأنصار، وتكليف بلال الحبشي بالآذان، والمستخلفون في الإدارة[16].

وفي السنة الثانية من الهجرة: قام الرسول صلى الله عليه وسلم بالأمور التطبيقية للسياسة الشرعية فقد عمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإتفاق مع اليهود والمهاجرين والأنصار، بإعلان أول معاهدة مفصلة عرفت بدستور المدينة، تضمن بنودها سبع واربعون (47)، مادة كما جاء مفصلاً في كتاب الموسوعة المحمدية الشريفة[17]. وهي أول قانون للمدينة، وادع فيه اليهود وعاهدهم وأقرهم على دينهم وأموالهم، واشترط عليهم وشرط لهم، كما قرر في هذه المعاهدة: حرمة النفس، وحرمة الأموال، وحرمة الأعراض، وحرمة المدينة، وأي خلاف يخاف فساده مرده إلى الله ورسوله[18].

وحسب الدراسات الحديثة في حقوق الإنسان يعد دستور المدينة، أول لائحة مدنية وقانونية مكتوب في حفظ حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، سبق الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادرة بقرار الجمعية العامة في 10/ 12/ 1948. ولكن من الناحية التطبيقية والعملية وللأسف شتان بين الإعلانين في عصرنا الحاضر. مما يبرهن بان العيب في المسلمين لا في الإسلام، ويجب التجديد في المسلمين لا في الإسلام.هذا هو الإسلام الحق الرباني، وهذا واقعنا الأليم، وإنحطاط المسلمين، وحاضر الأمة!!. مما يتطلب منا المزيد ثم المزيد من علم بالدين وتعاليمه السمحاء، وتقديم بحوت علمية أكاديمية، وإنعقاد المؤتمرات العالمية من أجل إيقاظ المسلمين والبشرية من سباتها، وبيان وجه الحق للإسلام، ومعرفة الشخصية الإنسانية والنبوية لهذا الرسول العظيم.

المطلب الرابع: قبول التعددية في الفكر الديني الإسلامي

هناك إجماع بين أصحاب الفكر الإسلامي بان التعدد والتنوع أصل من أصول الدين الإسىلامي، ومبدء من مبادئ مصادر التشريع . تقرر توجيه الفكر الديني العام في التعامل مع الآخرين بالبر والقسط والسلام.[19] كما في قوله تعالى: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ [الزخرف:89]. يضم مبادئ أصول الإسلام مع الآخر وهم غير المسلمين – من اليهود والمسيحين والمشركين والكفار- عدداً من القيم بدليل من القرآن مثل:

حق الحياة:[20]﴿ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ﴾ [المائدة:32]. فالحياة هبة من الله تعاى لا يجوز شرعاً وإنسانياً الإعتداء علىيها ، بل يجب حفظها ورعايتها.

الصلح:[21]﴿فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ [النساء:128] من مبادئ الاسلام الصلح مع الآخر ولو علم المقابل غير مخلص!.

السلام:[22] ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾[الأنفال:61]. يؤثر الإسلام السلام في حكمه ونظامه، من أجل يعيش العالم في أمن وأمان.

التسامح:[23]﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾فصلت:34]. أمر الإسلام أتباعه حيال المجتمع البشري بالتسامح، والحلم.

العدالة وأداء الأمانات:[24]﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً ﴾[النساء:58]. العدل والعدالة بين الناس أساس إجتماعي تبتني عليه المساواة في الحقوق.

الوفاء بالعهود والمواثيق:[25]﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ﴾[النحل:91]. أوجب الإسلام الوفاء بالعهد، من أجل إيجاد الأمن والسلم في العالم البشري[26].

المسؤولية الشخصية:[27] ﴿ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ﴾ [الطور:21]. ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾ [فاطر:18] في تشريع الفكر الإسلامي كل إنسان مرهون بعمله، لايحمل مسؤولية غيره من الناس.

المعاملة بالمثل:[28] ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ ﴾[النحل:126].[29]

إجارة مشرك: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ ﴾ [التوبة:6]. من سماحة الإسلام أن الله يأمر- رسوله صل الله عليه وسلم- أن يجير المشرك إذا استجاره[30].عدم التعرض للأديان، هناك أتباع الديانات في البلاد التى فتحها المسلمون منذ أكثر من اربعة عشر قرناً، ولم يرغم أحداً على الدخول في الإسلام. وأهل الديانات المختلفة يعيشون بين المسلمين، وفي بلادهم، بأمان واطمئنان، لهم ما للمسلمين، من حقوق وواجبات[31].  المساواة بين الناس كافة من غير تمييز، وهذه المساواة محمية بنص القرآن، وتشريع الإسلام، وأمراء الإسلام، وقضاء الإسلام[32].

المبحث الثاني: آثار قبول فكرة التعددية الإيجابية على الفرد والمجتمع

المطلب الأول: من آثاره الإيجابية على الفرد

من آثاره شعور الفرد بالقيم العليا لتكريم الله تعالى لبنى آدم على سائر المخلوقات ذاتي ونفسي؛ فلا علاقة له بدين، أومذهب،أ وقوم، أولون، أوجنس من ذكر أو أنثى[33].

التنوع والتعدد والإختلاف هو احد عناصر يقظة الوعي بما يساعد على التطور والتجدد الذاتي، لأنه لاتسقيم هوية “الأنا” من دون هوية “الآخر”[34]. ومن حالاته الإيجابية المساكنة وهي أن يكون غير المسلمين في رعاية المسلمين يتمتعون بحقوق من حرية الرأي والدين، وحرية التصرف بالملكية الخاصة، حفظ نفوسهم، وأعراضهم، وأموالهم، وحسن التعامل معهم[35].

التشريع الإسلامي رسم قانوناً عاماً من آيات بينات، يمنح الآخر المختلف شرعية الوجود والحقوق الإنسانية في الدنيا، وأن الله تعالى وحده مالك يوم الدين يحكم بينهم يوم القيامة. من الحكمة الإلهية أن جعل الناس مختلفين تتعدد آرئهم وأفهامهم، فجاء الحوار الهادف وسيلة من وسائل التقارب والتعارف والتعاون بينهم،[36] ونظراً لأهمية التعارف بين البشر، دعا الله تعالى المجتمع الإنساني أفراداً وجماعات إلى لغة الحوار البناء الإيجابي والموضوعي مع الآخرين، مما يعمق تعدد الثقافة الإنسانية، للفرد والمجتمع، وتصحيح الأفكار المسمومة تجاه الآخرين، وتقليل التعصب، وإيجاد اسس للتعايش. ومن مزايا التعدد ثقة الفرد بشخصيته المستقلة، وحرية الحركة الفكرية، ومسؤوليته عن نفسه ومصيره. ومدى تأثره بأفكار الأخر والتأثير عليه وفق المنهج الفكرى السليم.[37] حماية الحرية الشخصية، سواء أكانت حرية الرأي والفكر، أو حرية الملك والتصرف، أو حرية الحياة والإجتماع، ضمن نطاق الكمال الإنساني والوئام الروحي.[38]

المطلب الثاني: من آثاره الإيجابية على المجتمع

في إطار عام الجامع لأحكام القرآن أن وظيفة النبوة هو التبلغ والدعوة إلى التوحيد، قال تعالى: ﴿مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ وَاللّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ [المائدة:99]. والله هو الحاكم بين العباد وأن المحاسبة والجزاء بين الناس سواء في الإنسانية أو في الدين تكون في الأخرة وليس في الدنيا، كما في قوله عز وجل: ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ [الحج:69].

وفق دستور القرآن الكريم قام اسس بناء الإسلام على شعبتين هما: العقيدة: وهي أصله ومنشأه. إيمان وعبادة، منشأه تنظيم العلاقة بين الإنسان وربه.  والشريعة: هي تكاليف عملية في أداء ما أوجبه عليه، غايته تنظيم علاقة الإنسان مع أخيه المسلم، وبالناس اجمع[39]. إنطلاقاً من هذا الفهم الدقيق الواقعي تعمل مع الآخرين من ذوى حضارات أو أديان أو ثقافات مختلفة. من إقامة العدالة، وصيانة الأمن والسلام، لأن الإسلام لا يضيق بالآخر ولا يسعى لإلغائه.

وفق رؤية القرآن الكريم التنوع الحضاري والثقافي والديني نظام إلهي في الوجود، وحقيقة كونية عالمية، كما في قوله تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [الشورى:15] وتأسيساً على هذه المبادئ وقيم المساوات والعدل والسلام قامت دولة المدينة مدنية من غير التميز. حدد الرسول الكريم صل الله عليه وسلم بالاتفاق مع الآخرين حق المواطنة للجميع دون استثناء في دولة المدينة.

وفق تصوير المعاني للقرآن الكريم النبيلة، وتجسيد الرسول الكريم في سيرته العطرة مما يجب أن يكون عليه المجتمع المتعدد والمتنوع في ظل مبادئ الإسلام مبدأ سلطة الناس شعباً وامةً في إختيار من يحكمه، وتقرير حق الناس في المشاركة في شؤون الحكم تحقيقاً للمسؤولية الفردية والجماعية في ضمان استقامة الحكم وعدالته، والرقابة وتبادل السلمي للسلطة.

الحكمة الإلهية العليا في القرآن الكريم تقتضي أن يكون الموقف مستقيماً وفق مقتضى الحال. ومتناغما مع الضمائر الإنسانية. من تأصيل تحقيق حرية الإنسان، والعدالة في الحكم فيما بينهم، قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ [النحل:125].

من آثاره الإيجابية التعاون الإنساني[40] فيم بينهم في كافة مجالات الحياة وهو مبدء عام في الإسلام وخاصة بين الأديان السماوية لأنهم في أصولها الصحيحة، ودعوتهما إلى الإيمان واحدة، قال تعالى:﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾[المائدة:2]. وفق مفهوم القرآن الكريم التعاون الإنساني يعزز الأمن والسلم والتعايش المشترك. وخير مثال هيئة الامم المتحدة حالياً.

من آثاره التعايش السلمي بين فئات متباينة، وقيام حياة مشتركة، من أجل أن يسود الأمن، والسلام، والتعامل الحسن، في نطاق الشعور الإنساني العام[41].

الخطاب العام في القرآن الكريم حسب دراسات الفكر التجددى الإسلامي  موجه بشكل عام  إلى الإنسان وإلى الناس إشعاراً بتساوى في الإنسانية.

المبحث الثالث: نقد وتحليل فكرة الأحادية

إن التطرف الذي يعيشه بعض أبناء المسلمين اليوم يعود لأسباب: المصالح الذاتية، ودولية وسياسية وإجتماعية وإقتصادية وثقافية.[42] كما تقول الآية الكريمة :﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ [الممتحنة:8].

وفي مجال الفكري فإن عدم نشر وتطبيق مفهوم التسامح في الإسلام هو احد أسباب التطرف. وخاصة بعد عصر خلفاء الراشدين، كواقع تاريخي متناقض لموقف الاسلام من الآخر. كما صوره القرآن الكريم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة:8].

من خلال دراسة احداث التاريخ قديماً وحديثاُ ولمصالح الذاتية، والمصالح المتغيرة، جرى بين الناس وفي المجتمعات التعددية ذات مصالح متغيرة، وفقه كثير من المعاصرين من تشدد تجاه الآخر المختلف، بالضد من تعاليم الدين أو دستور مدون. والسبب يعود في الغالب إلى قراءة النصوص من الآيات والأحاديث مبتورة عن السياق والظروف. وادق ما يستدل به واجمل القول كلمة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لراليه عمرو بن العاص” متى اسعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً”[43].

ومما ينقد فكرة الأحادية الإستبداد بالرأي، والتفرد بالأمر، والسيطرة على الحريات، وعدم إشتراك أولي الفكر والرأي، والعلم والتجربة، لإختيار الأصلح، والأنفع،[44] وهذا يعارض مع نص مبدء حكم مشروعية الشورى في الإسلام. ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:38]. ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ ﴾ [آل عمران:159].

ومما يعد من سلبيات ظاهرة الأحادية الفردية: إنتشار ظاهرة التعصب والعنف، وفكرياً: حجب حق التفكير والتعبير، وسياسياً: يعنى إحتكار الحكم، ودينياً: تكفير أي رأي حر تجديدي متنور[45].

إن التطرف والأحادية مع الآخر سيؤدى إلى صراعات والتطرف الديني لا تنتهي بين المجتمعات الإسلامية وغيرها من المجتمعات. والتنفير والبعد من الدين.

يعود جذور التطرف في عدد من الدول الإسلامية إلى عددة اسباب منها:

●      فتاوى فقهية وفكرية سياسية كان لها أثرها في تعميق الخلاف بين المسلم المعاصر والآخر، بتضليل البسطاء من عوام المسلمين بكراهية الآخر، بل الإستعداد للعدوان عليه، كما في العراق وسوريا واليمن ولبنان وتركيا وإيران، وغيرهم من الدول[46].

●      أن كثير من المتشددين الاصولين التقليدين من تيار متطرف لا يقبل بأي دور للعقل في التشريع،[47] يختلطون بين القدر الإلهي والتشريع، وبين الدين والدنيا، بين ماهو حادث في التاريخ الإسلامي، وبين ماهو تكليف إلهي. حركة طالبان والسلفين نموذجاً.

●      الفهم الخاطئ للجهاد في الإسلام. بين الإفراط والتفريط،[48] إنما شرع الجهاد لرفع الظلم ودفع العدوان، أن أعمال القتل والتفجير الموجهة إلى المدنين ليس من الجها ولا من الإسلام بشيئ وأن مثل هذه الأعمال تسئ إلى الإسلا م والمسلمين.مما يضع القائمين بها في دائرة الإستفهام عقلاً؟ والشك دينياً.

الخاتمة: النتائج والتوصيات

أولاً: النتائج: بعد الدراسة توصل الباحث إلى بعض النتائج منها:

⮚  من الأحكام المستمدة مباشرةً من القرآن الكريم، ومن الفطرة البشرية، إختلاف الأمم فيما بينهم في الأديان، والمعتقدات، وأعمال الإيمان، إعتيرها الشارع الحكيم من خصائص إرادة الذات الإلهية، السرمدية الأزلية، ألوهيته وربوبيته، لحكمة إلهية عالية .

⮚  من خلال فهم مفهوم التعددية التنوعية في الحياة نقف على معرفة وظيفة الإنسان في هذا الوجود الكوني من البناء والتعمير، وغاية وجوده الإجتماعي الخير والصلاح، وتحديد منهج حياته في التواصل مع الآخر. من أجل تحقيق التعايش والسلام الدائم المشترك، والحياة الكريمة الرفيعة.

⮚  من مبادئ التشريع الاسلامي حفظ المشترك الإنساني المتعدد والمتنوع بين الناس في الحياة من الهوية كاللغة واللون، والعرق والقومية، وتطبيق العدل والحرية والمساواة والتسامح بين الناس .

⮚  دعائم نظام الحكم في الإسلام حسب النصوص الشرعية هي: العدل، والتسامح، والشورى. اما العدل: فيقصد به إعطاء كل ذي حق حقه، فالتسامح: يعني العفو والتجاوز، وتعني الشورى: وضع رجل مناسب في مكان المناسب.

⮚  الاعتراف بالاخر، ضمان لحفظ العدالة الإجتماعية، والضمان والتضامن الإجتماعي، والسلم الإجتماعي، والوحدة الإجتماعية، من أجل تحقيق السلام العالمي.

⮚  إن كل هذا الصراع الفكري والسياسي مفتعل ومستورد لا أصل له في الحضارة الإسلامية. وإن جمود العلماء والمفكرين هو الذي أدى إلى ظهور تيار متطرف باسم الدين والإسلام.

ثانياً: التوصيات

⮚     يوصي الباحث المفكرين في مجال تجديد الفكر الإسلامي، والعلماء المجتهدين المتنورين بفهم مقاصد الشريعة تقديم جهودهم وخدماتهم من أجل تأصيل مصطلحات ودلالات القرآن العقلية والفكرية بلغة مناسبة للعصر.

⮚     الدعوة إلى لغة الحوار البناء والموضوعي مع الآخرين كما دعا القرآن الكريم إليه، وهو أصل من أصول التسامح الإسلامي، لأن لغة الحوار يزيد من عمق مكونات كل ثقافة، والإحتكاك السلمي، وإيجاد اسس للتعايش، وهذا سيؤدي إلى الخلاص من أحد أهم أسباب التوتر من العالم اليوم: الإرهاب والتطرف.

⮚     تعاون المجتمع الدولي للوقوف بحزم بأسلوب علمي ومنهجيى ضد دعواة المتطرفين من الجانبين الغربي والاسلامي. ففي العالم الغربي: أمثال صموئيل هنغتون ممن ينادي بصراع الحضارات. وفرانسيس فوكوياما، صاحب نظرية نهاية التاريخ. وفريد زكريا وفكرة الرجل الأخير. والمتطرفين في العالم الإسلامي: ممن ينادون إلى إستخدام الإرهاب وقتل الأنفس البريئة، وإستهداف أماكن عامة مدنية، بحجة رد الظلم عن المسلمين في العالم.

المصادر والمراجع:

القرآن الكريم

01-  ابن كثير، عماد الدين أبو الفداء إسماعيل، البداية والنهاية، تحقيق سعيد اللحام، (بيروت: دار نوبليس، ط1، 2009م).

02-  أحمد، محمد شريف، دروس في الإنفتاح على الرأي الآخر، (أربيل:مطبعة جامعة صلاح الدين، ط1، 1434ه، 2013م).

03-      البخاري،  محمد بن اسماعيل ابن إبراهيم، صحيح البخاري، (بيروت: دار نوبليس، ط1، 2010م).

04-      الحسيني، أبو النصر مبشر الطرازي، الإسلام الدين الفطري الابدي، ( بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، 1405ه، 1984م).

05-      العجوز، الشيخ احمد محي الدين، مناهج الشريعة الإسلامية، (بيروت: مكتبة المعارف، د.ط، 1403ه/1983م).

06-      العلي، صالح احمد، الدولة في عهد الرسول(ص)، (بغداد: مطبعة المجمع العلمي العراقي، ط1، 1988م).

07-      اللَحام، سعيد، الموسوعة المحمدية الشريفة، (بيروت: دار نوبليس، ط1، 2010م)

08-      اللحيدان، عبدالله بن فهد، التسامح في الإسلام، (الرياض: دار الحضارة للنشر والتوزيع، ط1، 1431ه/ 2010م).

09-      حميد، عفاف عبدالغفور، آداب الحوار وضوابطه من خلال قصص القرآني، مجلة معالم القرآن والسنة، ع/3-4/ 2007-2008/،كلية دراسات القرآن والسنة/ جامعة العلوم الإسلامية الماليزية/.

10-      ربيع، منيب محمد، ضمانات الحرية بين واقعية الإسلام وفلسفة الديمراطية. (الرياض: مكتبة المعاف، ط1، 1408ه/ 1988م).

11-      سلامة، عبدالله، رؤية الإسلام لحقوق الإنسان، (د.م، د.ط، 2004م).

12-      شعبان، عبدالحسين، الإسلام وحقوق الإنسان، (كوردستان:مؤسسة موكرياني، ط2، 2001م)، ص207.

13-      طبارة، عفيف عبدالفتاح، روح الدين الاسلامي، (بيروت: دار العلم للملاين، ط25، 1985م).

14-      طباره، عفيف عبدالفتاح، مع الأنبياء في القرآن الكريم، (بيروت: دار العلم للملايين، ط6، 1976م).

15-      عمر، احمد مختار عبدالحميد، معجم اللغة العربية المعاصرة، (د.م، عالم الكتب، ط1، 1429ه/ 2008م).

16-      وجدي، محمد فريد، مقدمة المصحف المفسر، (القاهرة: كتاب الشعب، د.ط، 1977م).

الموقع الإلكتروني

الموقع الإلكتروني: قاموس المعاني: https://www.almaany.com/ar/dict/ar- اطلعت عليه بتاريخ 1/8/2021م

الخلاصة

فكرة تأصيل التعددية بين البشر وهو التنوع في التشريع الإسلامي، فطرة إنسانية بين الناس، وآية عظيمة من آيات الله تعالى في إيجاد الخلق. وأن فكرة التعددية الإختلافية تدرب النفس على العفو والتسامح والتحاور مع المخالف على أساس العدل والحرية والحق. وأن التعددية تناقض فكرة الأُحادية الدكتاتوري البغيظ من ظلم وعنف والتعصب والتميز، ومن إنكار ومحو وجود الآخر. ويحقق غاية سامية من ديمومة أعمال العقل من الفهم والتفكير،والتدبر والتصور،من أجل بناء تعايش مشترك، وتجديد الحياة.

 ويتضمن هذا البحث ثلاث مباحث: المبحث الاول: تأصيل مفهوم فكرة التعددية من منظور القرآن الكريم. المبحث الثاني: آثار قبول فكرة التعددية الإيجابية على الفرد والمجتمع. المبحث الثالث: نقد وتحليل فكرة الأحادية.

الهوامش والتعليقات الختامية



[1] عمر، احمد مختار عبدالحميد، معجم اللغة العربية المعاصرة، (د.م، عالم الكتب، ط1، 1429ه/ 2008م)، ج2/ ص1463. وينظر الموقع الإلكتروني: قاموس المعاني: https://www.almaany.com/ar/dict/ar- اطلعت عليه بتاريخ 1/8/2021م.

[2] طبارة، عفيف عبدالفتاح، روح الدين الاسلامي، (بيروت: دار العلم للملاين، ط25، 1985م)، 67و77.

[3] وجدي، محمد فريد، مقدمة المصحف المفسر، (القاهرة: كتاب الشعب، د.ط، 1977م)، ص112 . وينظر: أحمد، محمد شريف، دروس في الإنفتاح على الرأي الآخر، (أربيل:مطبعة جامعة صلاح الدين، ط1، 1434ه، 2013م)، ص74.

[4] أحمد، محمد شريف، دروس في الإنفتاح على الرأي الآخر، ص75- 76.

[5] طبارة، عفيف عبدالفتاح، روح الدين الاسلامي، ص281.

[6] وجدي، محمد فريد، مقدمة المصحف المفسر، ص113.

[7] طبارة، عفيف عبدالفتاح، روح الدين الاسلامي، ص282.

[8] اللحيدان، عبدالله بن فهد، التسامح في الإسلام، (الرياض: دار الحضارة للنشر والتوزيع، ط1، 1431ه/ 2010م)، ص8.

[9] العجوز، الشيخ احمد محي الدين، مناهج الشريعة الإسلامية، (بيروت: مكتبة المعارف، د.ط، 1403ه/1983م)، ج1/ص220.وينظر: طبارة، عفيف عبدالفتاح، روح الدين الاسلامي، ص281.

[10] ربيع، منيب محمد، ضمانات الحرية بين واقعية الإسلام وفلسفة الديمراطية. (الرياض: مكتبة المعاف، ط1، 1408ه/ 1988م)، ص97-99.

[11] البخاري،  محمد بن اسماعيل ابن إبراهيم، صحيح البخاري، (بيروت: دار نوبليس، ط1، 2010م)، ج5/ 891. باب إثم من قتل معاهداً بغيرجرم. رقم الحديث:3166.

[12] البخاري، صحيح البخاري، ج5/ 854. باب فكاك الأسير، رقم الحديث: 3046.

[13] البخاري، صحيح البخاري، ج9/1661. باب عيادة المشرك، رقم الحديث: 5657.

[14] اللَحام، سعيد، الموسوعة المحمدية الشريفة، (بيروت: دار نوبليس، ط1، 2010م)، ج4/180. بتصرف

[15]العلي، صالح احمد، الدولة في عهد الرسول(ص)، (بغداد: مطبعة المجمع العلمي العراقي، ط1، 1988م)، ص99-112.

[16] طباره، عفيف عبدالفتاح، مع الأنبياء في القرآن الكريم، (بيروت: دار العلم للملايين، ط6، 1976م)، ص369و371.

[17]اللَحام، الموسوعة المحمدية الشريفة، ج5/22-25. وينظر:ابن كثير، عماد الدين أبو الفداء إسماعيل، البداية والنهاية، تحقيق سعيد اللحام، (بيروت: دار نوبليس، ط1، 2009م)، ج6/165-168.

[18] طباره، مع الأنبياء في القرآن الكريم، ص373.

[19] سلامة، عبدالله، رؤية الإسلام لحقوق الإنسان، (د.م، د.ط، 2004م)، ص50.

[20] شعبان، عبدالحسين، الإسلام وحقوق الإنسان، (كوردستان:مؤسسة موكرياني، ط2، 2001م)، ص207. وينظر: سلامة، عبدالله، رؤية الإسلام لحقوق الإنسان، ص17.

[21] الحسيني، أبو النصر مبشر الطرازي، الإسلام الدين الفطري الابدي، ( بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، 1405ه، 1984م)، ج2/ص58.

[22] العجوز، الشيخ احمد محي الدين، مناهج الشريعة الإسلامية، ج1/ ص215.

[23] الحسيني، أبو النصر مبشر الطرازي، الإسلام الدين الفطري الابدي، ج2/ص87.

[24]المصدر السابق ، ج2/ص92.

[25] اللحيدان، عبدالله بن فهد،التسامح في الإسلام، ص10.

[26] الحسيني، أبو النصر مبشر الطرازي، الإسلام الدين الفطري الابدي، ج2/ص 58.

[27] شعبان، عبدالحسين، الإسلام وحقوق الإنسان، ص210.

[28] اللحيدان، عبدالله بن فهد، التسامح في الإسلام، ص11.

[29] المصدر السابق، ص5- 15. بتصرف.

[30]العجوز، الشيخ احمد محي الدين، مناهج الشريعة الإسلامية، ج1/ص221.

[31]المصدر السابق،  ج1/ص222. وينظر: اللحيدان، عبدالله بن فهد، التسامح في الإسلام، ص30.

[32]العجوز، الشيخ احمد محي الدين، مناهج الشريعة الإسلامية، ج2/ص59. وينظر: سلامة، عبدالله، رؤية الإسلام لحقوق الإنسان، ص64.

[33] سلامة، عبدالله، رؤية الإسلام لحقوق الإنسان، ص29.

[34] شعبان، عبدالحسين، الإسلام وحقوق الإنسان، ص111.

[35] العجوز، الشيخ احمد محي الدين، مناهج الشريعة الإسلامية، ج1/ص219.

[36] حميد، عفاف عبدالغفور، آداب الحوار وضوابطه من خلال قصص القرآني، مجلة معالم القرآن والسنة، ع/3-4/ 2007-2008/،كلية دراسات القرآن والسنة/ جامعة العلوم الإسلامية الماليزية/ ص13-15.

[37]  المصدر السابق: ص38-39.

[38]العجوز، الشيخ احمد محي الدين، مناهج الشريعة الإسلامية، ج2/ص59-60.

[39] المصدر السابق، ج3/ص7-11.

[40] اللحيدان، عبدالله بن فهد، التسامح في الإسلام، ص 40-42.

[41] العجوز، الشيخ احمد محي الدين، مناهج الشريعة الإسلامية، ج1/ص217.

[42] شعبان، عبدالحسين، الإسلام وحقوق الإنسان، ص110.

[43]سلامة، عبدالله، رؤية الإسلام لحقوق الإنسان، ص66.  وينظر: شعبان، عبدالحسين، الإسلام وحقوق الإنسان، ص207.

[44] العجوز، الشيخ احمد محي الدين، مناهج الشريعة الإسلامية، ج2/62.

[45] شعبان، عبدالحسين، الإسلام وحقوق الإنسان، ص110.

[46] شعبان، عبدالحسين، الإسلام وحقوق الإنسان، ص78.

[47] شعبان، عبدالحسين، الإسلام وحقوق الإنسان، ص92.

[48] اللحيدان، عبدالله بن فهد،التسامح في الإسلام، ص16.

Abstract

The idea of ​​rooting pluralism among humans, which is diversity in Islamic legislation, is a human instinct, and one of the great signs of God Almighty in creating creation.

And that the idea of ​​differential pluralism trains the soul to pardon, tolerance and dialogue with others on the basis of justice, freedom and truth.

Pluralism contradicts the odious dictatorial monism of injustice, violence, fanaticism and discrimination, as well as the denial and erasing of the existence of the other.

It achieves a sublime goal of permanence of the mind’s actions from understanding and thinking, contemplation and visualization, in order to build a common coexistence and renew life.

This research includes three topics: The first topic is rooting the concept of the idea of ​​pluralism from the perspective of the Holy Quran. The second topic is the effects of accepting the idea of ​​positive pluralism on the individual and society. The third topic is criticism and analysis of the idea of ​​unilateralism.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
ร—
error: Content is protected !!

ุงูƒุชุดุงู ุงู„ู…ุฒูŠุฏ ู…ู†

ุงุดุชุฑูƒ ุงู„ุขู† ู„ู„ุงุณุชู…ุฑุงุฑ ููŠ ุงู„ู‚ุฑุงุกุฉ ูˆุงู„ุญุตูˆู„ ุนู„ู‰ ุญู‚ ุงู„ูˆุตูˆู„ ุฅู„ู‰ ุงู„ุฃุฑุดูŠู ุงู„ูƒุงู…ู„.

Continue reading