دور نظام التأديب في توجيه سلوك الموظف العام بالتطبيق على الوحدات المحلية بمحافظة الجيزة
د. هويدا محمود إبراهيم أبو الغيط*
مستخلص
يعاني الجهاز الإداري للدولة في مصر من تعدد حالات الفساد والإهمال لذا أصدرت وزارة التخطيط مدونة للسلوك الوظيفي عام 2014 تحدد فيها القيم الأخلاقية ومعايير السلوك الوظيفي بهدف تعزيز السلوك السليم وتجاوز مظاهر الفساد، أيضاً تضمن قانون الخدمة المدنية رقم 81 لسنة 2016 بعض التعديلات في الباب الخاص بالسلوك الوظيفي والتأديب، حيث منح النيابة الإدارية سلطة توقيع العقوبات وتم زيادة عدد العقوبات التي يجوز توقيعها على الموظف العام. ورغم هذه الإجراءات إلا انهما زالت هذه المنظمات تعاني من تعدد حالات الفساد والتسيب، والإهمال في الأداء وتعطيل مصالح المواطنين. واستهدفت هذه الدراسة التعرف على انطباعات العاملين بالنسبة للتطبيق السليم لقواعد التأديب ومدونة السلوك الوظيفي، وهل هذه الإجراءات الحكومية ساهمت في تفعيل دور نظام التأديب في الحد من السلوكيات الوظيفية غير المرغوبة؟ وهل يتم مراعاة العوامل الأساسية الواجب توافرها لتحقيق الفعالية في توجيه السلوك. وذلك من خلال دراسة ميدانية لعدد من أحياء محافظة الجيزة، وانتهت الدراسة الي ان تدخل الهيئات القضائية وتبني الطابع القضائي في التأديب اضعفت فعالية نظام التأديب في مصر. وانه لم يتم تفعيل ما جاء بمدونة السلوك الوظيفي حيث لم يتم نشر المدونة أو وضعها على الموقع الإلكتروني الخاص بالوحدات المحلية. وأوصت الدراسة بإعادة النظر في قواعد التأديب للعمل على ان يتسلح الرؤساء المباشرين بسلطة توقيع الجزاء وترك الحرية لهم في ذلك.
كلمات مفتاحية: تأديب الموظف العام – السلوك الوظيفي – السلطة التأديبية.
Abstract:
The administrative apparatus of the state in Egypt suffers from multiple cases of corruption and neglect, so the Ministry of Planning issued a code of professional conduct in 2014, in which it defines ethical values and standards of professional behavior with the aim of promoting proper behavior by announcing it to employees in workplaces. Also, Civil Service Law No. 81 of 2016 included some amendments in the section on professional behavior and discipline. Despite these amendments, public organizations still suffer from numerous cases of corruption and neglect. This study aimed to identify the employees’ impressions regarding the effectiveness of the disciplinary rules and the functional code of conduct, and whether the basic factors that support behavior guidance are taken into account. This was done through a field study of a number of local units in Giza Governorate. The study concluded that the intervention of judicial bodies and the adoption of a judicial character in discipline weakened the effectiveness of the discipline system in Egypt. Also, the code of professional conduct was not published or placed on the website of the local units. The study recommended the necessity of amending the disciplinary rules and that it is important to grant the direct superiors the authority to impose the appropriate penalty for the disciplinary violation and leave them freedom in that. Also, factors that help motivate the public employee to adhere to the work rules must be provided
Key Words: Disciplining a public employe – Job behavior- Disciplinary Authority
مقدمـــة:
الجهاز الإداري للدولة مسؤول عن تنفيذ السياسات العامة، كما أنه مسؤول عن تنفيذ جميع القوانين المنظمةللنظام العام في المجتمع. لذلك من المهم أن يقوم الموظف العام بواجباته بنزاهة وأمانة، ويحظر على وجه الخصوص القيام بعمل يتعارض مع الحياد والالتزام الوظيفي أثناء تأدية وظيفته، ومن هنا اهتم قانون الخدمة المدنية رقم 81 لسنة 2016 بتحديد واجبات الموظف العام والأعمال المحظور عليه القيام بها، كما تضمن نظام تأديب الموظف العام عدد من العقوبات التي تتدرج في الشدة إلى ان تصل الي عقوبة الفصل من الخدمة لكل من يخالف الواجبات، ولا يلتزم بالسلوك الوظيفي المرغوب، إلا ان الواقع العملي أظهر ان هناك أعداد كبيرة من حالات الفساد وإساءة استخدام السلطة الوظيفية التي يتسلح بها الموظف العام ليكون قادراً علي تنفيذ القوانين والمحافظة علي النظام العام. وكما نعلم تبين للحكومة الحالية ان هناك أعداد ضخمة من التعديات على الأراضي الزراعية ومخالفات في البناء وغيرها من حالات مخالفة النظام العام، وان ذلك يرجع الي ان بعض القوانين المنظمة للنظام العام في المجتمع يتم تجاهلها بصفة خاصة بالوحدات المحلية، ولا يتم تنفيذها عمداً او إهمالاً من العاملين بهذه الوحدات، مما أدي إلى انتشار الفوضى والعشوائية في القري والمدن المصرية وأثر ذلك سلباً على مسيرة التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ولا ننكر ان هناك جهود عديدة للحد من ظاهرة الإهمال والفساد في المنظمات العامة، وأصدرت وزارة التخطيط والمتابعة والإصلاح الإداري في مصر عام 2014 مدونة للسلوك الوظيفي[1] لإعلانها بكافة المنظمات التابعة للجهاز الإداري للدولة في مصر لإرساء ونشر المعايير الأخلاقية والقيم المهنية الملزمة للسلوك الوظيفي وآداب الوظيفة العامة من جانب، وتعريف المواطنين بالأخلاقيات الواجب على الموظف العام التحلي بها وحقوقهم في تقديم الشكوى إذا لم يلتزم الموظف بهذه الأخلاقيات من جانب آخر.
ويجب الإشارة ان ظاهرة عدم التزام بعض العاملين بمنظمات الجهاز الإداري للدولة بأخلاقيات الوظيفة العامة لا تعد من الظواهر الحديثة أو ترتبط بدولة ما، انما هي ظاهرة معروفة في كثير من الدول منذ عقود طويلة، الا ان ضخامة حالات الإهمال وضعف فعالية نظام التأديب في مصر يستلزم ضرورة التعرف على الأسباب والعمل على علاجها خاصة ان الدولة خلال السنوات الأخيرة تسعي بقوة نحو إحداث تنمية شاملة ومستدامة في قري ومدن مصر وقدمت الحكومة مبادرة حياة كريمة وغيرها من المبادرات للإسراع بعمليات التنمية.
المشكلة البحثية:
اهتمت الدولة بسلوك الموظف العام كما سبق وأن اشرنا وأصدرت مدونة للسلوك وأخلاقيات الخدمة المدنية، كما تضمن قانون الخدمة المدنية الأخير رقم 81 لسنة 2016 بعض التعديلات في الفصل الخاص بالسلوك الوظيفي والتأديب، وذلك بزيادة عدد العقوبات التي يجوز توقيعها علي الموظف العام عما كان واردا بقانون الخدمة المدنية السابق 18 لسنة 2015، كما تم منح النيابة الإدارية الحق في توقيع عقوبات علي الموظف العام او حفظ التحقيق علي خلاف قانون العاملين المدنيين السابق رقم 47 لسنة 1978 والذي كان يقصر اختصاصها علي التحقيق وعرض نتيجتة علي السلطة المختصة لتوقيع عقوبة أو حفظ التحقيق، إلا انه رغم هذه التعديلات إلا ان الجهاز الإداري بالدولة ما زال يعانى من عدة مشكلات وتحديات تتمثل في تعدد حالات الفساد والمحسوبية والتسيب، والإهمال في الأداء وتعطيل مصالح العملاء[2]، كما أن كثير من العاملين بهذا الجهاز لا يلتزمون بنظم العمل ويتسم بعضهم بعدم الاكتراث بالعقوبات الواردة بقانون الخدمة المدنية[3]، مما تشير أن نظام التأديب الحالي لا يحقق الهدف منه بالفاعلية المتوقعة ولم تُحدث مدونة السلوك الوظيفي وما ورد باللائحة التنفيذية لقانون الخدمة المدنيةمن واجبات علي الموظف الالتزام بها الأثر الإيجابي المتوقع علي سلوك الموظف العام. خاصة ان تطبيق نظام التأديب يشوبه الكثير من الضعف ولا يوجد التزام كافي بمراعاة العوامل الأساسية المدعمة لنجاحه في توجيه سلوك الموظفين.
أهمية الدراسة:
وتبدو أهمية هذه الدراسة في هذا التوقيت نظراً لما تشهده مصر من متغيرات اقتصادية واجتماعية وسياسية، تتطلب الحد من فرص الفساد والإهمال في تقديم الخدمات العامة المحلية، بنبذ السلوكيات السلبية من تراخى وتعطيل الأعمال، فلا يمكن إنكار حالة عدم الرضا الواضحة تجاه أداء وسلوكيات العاملين بالوحدات المحلية في مصر وما ترتب عليه من تعثر عمليات التنمية والاستثمار، فرغم تعدد العوامل والأسباب لذلك، إلا أن تفشى الفساد والتسيب والإهمال في الإدارة المحلية يعد أحد أهم معوقات التنمية.
تساؤلات الدراسة:
وتطرح هذه الدراسة التساؤلات التالية:
-ما هي انطباعات العاملين بالوحدات المحلية عن نظام التأديب في الوحدات المحلية؟
-وما هي عناصر نظام التأديب الواردة بقانون الخدمة المدنية الحالي ونقاط الضعف فيها؟
-وهل التعديلات الأخيرة ساهمت في تفعيل دور نظام التأديب في الحد من السلوكيات الوظيفية غير المرغوبة؟
-وما هي العوامل التي تساهم في تفعيل دور نظام التأديب والتزام الموظف العام بواجباته والسلوك التنظيمي المرغوب؟
الهدف من الدراسة:
وتهدف هذه الدراسة إلى التعرف على آراء العاملين بالمنظمات العامة بالنسبة لدور نظام التأديب، وما يتضمنه قانون الخدمة المدنية رقم 81 لسنة 2016 من إجراءات تأديبية وعقوبات، في الحد من السلوكيات السلبية للموظف العام، وعما إذا كانت الوحدات المحلية قد التزمت بنشر مدونة السلوك وإعلام الموظفين بواجباتهم الواردة بهذه المدونة، أيضاً تحديد نقاط الضعف في عناصر هذا النظام وتقديم مقترحات لمعالجة هذه النقاط.
الدراسات السابقة:
تعددت الدراسات العربية ذات الصلة بموضوع التأديب إلا أنها دراسات قانونية نظرية وتركز غالبيتها على دراسة ضمانات الموظف العام أثناء التحقيقات والمحاكمات التأديبية وغيرها من الجوانب القانونية الإجرائية، وهناك عدد محدود من الدراسات باللغة الإنجليزية، ولعل أهمها والتي ترتبط بموضوع الدراسة وتناولت الجوانب الإدارية بشكل مباشر هي كما يلي:
– Beauty Chewe and Thomas Kweku Taylor, (2021)Disciplinary Procedures, Employee Punctuality and Employee Performance at Ndola City Council (Zambia)
اهتمت هذه الدراسة بمشكلة كثرت حالات التغيب من بعض الموظفين عن العمل وعدم الالتزام بمدونة قواعد السلوك في مكان العمل، مما يؤثر على كفاءة وجودة تقديم الخدمات من قبل السلطة المحلية. وهدفت الدراسة إلى تحديد العلاقات بين الإجراءات التأديبية والالتزام بالمواعيد وأداء الموظف في مجلس مدينة ندولا، وتقييم تأثير الإجراءات التأديبية على الالتزام بمواعيد العمل والأداء وذلك من خلال إجراء دراسة ميدانية وتوصلت الي أن العوامل بما في ذلك الثقافة التنظيمية، والكيان المؤسسي العام، والتأخر في دفع المكافآت التحفيزية للموظفين تؤثر على أداء الموظف بشكل فعال من الإجراءات التأديبية. واوصت أنه ينبغي للإدارة أن تستعرض القضايا المتعلقة بالثقافة التنظيمية فيما يتعلق بالالتزام بالمواعيد لتحسين الأداء.[4]
– Xavier Knight and Wilfred Isioma Ukpere, (2014) The Effectiveness and Consistency of Disciplinary Actions and Procedures within a South African Organization
وتهدف هذه الدراسة الي التعرف على مدي انطباعات الموظفين عن كيفية التطبيق للإجراءات التأديبية، وأنها تتسم بالاتساق والثبات ويتم تطبيقها بشكل صحيح، وتهدف الي تصحيح السلوك الذي يتعارض مع الأهداف التنظيمية، واعتمد الباحث علي إجراءدراسة ميدانية من خلال عدد من المقابلات مع العاملين، وأظهرت النتائج انهم لا يتعاملون بنفس المعاملة عند ارتكابهم نفس المخالفة التأديبية، وأنه تم تطبيق الإجراءات التأديبية بشكل غير متسق وأنها غير فعالة. وأوصت بضرورة أن يتلقى القادة داخل المنظمة محل الدراسة التوجيه والتدريب المناسب، وغرس شعور المديرين والمشرفين والموظفين على حد سواء بقيم الشركة ولوائحها وقواعدها، وإعلان قواعد التأديب بلوحات الإعلانات بالشركة[5].
– Martadha and Sakdan) 2010) Improving Disciplinary Proceeding in Enhancing Good Governance in the Public Sector
وتهدف هذه الدراسة الي إبراز أهمية الإجراءات التأديبية كعنصر تحكم مهم وأنها آلية لتعزيز وتقوية جودة الحوكمة الرشيدة بين الموظفين العموميين. وانتهت الدراسة الي ان الاجراءات التأديبية التقليدية المعتمدة على العقاب تعد اقل فعالية في التأثير على السلوك واوصت بضرورة التدرج في توقيع العقوبات، وعدم الاعتماد على أسلوب العقوبات بشكل متعمد لان الهدف الأساسي هو تعديل السلوك التنظيمي وليس العقاب.[6]
– David N. Campbell, R.L. Fleming, and Richard C. Grote, (1985)Discipline Without Punishment.
وهدفت هذه الدراسة الي مناقشة الإجراء التأديبي الرسمي، وانه لا يناسب المتغيرات الثقافية والاجتماعية ويعيق عمليات التفاعل بين العاملين وتحقيق أهداف المنظمة وقد يؤدي الي الحد من فرص تقديم مبادرات من العاملين لتطوير العمليات الإنتاجية، وانتهت الدراسة الي ان الشركات يجب ان تهتم بتطبيق أنظمة الانضباط غير العقابية كاستراتيجية لبناء الالتزام والإنتاجية[7].
منهجية الدراسة:
هذا وستعتمد الدراسة على المنهج الوصفي التحليلي من خلال دراسة الأدبيات المتعلقة بعناصر التأديب، مع إجراء دراسة ميدانية للتعرف على آراء العاملين بالوحدات المحلية بمحافظة الجيزة بالنسبة لجدوي نظام التأديب ومدي فعاليته في توجيه السلوك الوظيفي للعاملين بها، وقد تم اختيار محافظة الجيزة حيث يقطنها 9.407 مليون نسمة، وتنقسم إلى 9 احياء إدارية و10 مدن[8]، تم اختيار ثلاثة احياء الأكثر ازدحاماً بالسكان وتقدم العديد من الخدمات العامة التي تمس حياة المواطن، وذلك من خلال إعداد استبيان يتناول عدد من أسباب ضعف نظام التأديب والعوامل الإدارية الأخرى التي يمكن ان تساهم في تعديل سلوك الموظف العام.
وستعمل الدراسة الميدانية على اختبار الفروض التالية:
– توجد علاقة ذات دلالة إحصائية بين التطبيق السليم لإجراءات التأديب وبين فعالية نظام التأديب في توجيه السلوك.
– توجد علاقة ذات دلالة إحصائية بين تدخل الهيئة القضائية في إجراءات التأديب وبين فعالية نظام التأديب في توجيه السلوك.
– توجد علاقة ذات دلالة إحصائية بين تقييد سلطة رؤساء الوحدات الإدارية والالتزام بالسلوك الوظيفي المرغوب.
وعلى ذلك ستقسم الدراسة إلى الموضوعات التالية:
أولاً: العوامل الأساسية التي تساعد على التطبيق السليم لإجراءات التأديب
ثانياً: نظام التأديب وإجراءاته في مصر ونقاط الضعف
ثالثاً: نتائج الدارسة الميدانية
رابعاً: الخلاصة وتوصيات الدراسة
أولاً: العوامل الأساسية التي تساعد على التطبيق السليم لإجراءات التأديب
ينظر لنظام التأديب على أنه هو العمود الفقري لضبط سلوك العاملين،وللتشغيل السليم للمنظمة. فلا شك أن الإجراءات التأديبية يمكن أن تساعد في تحقيق الانضباط والالتزام بقواعد وواجبات العمل. إلا ان ذلك يرتبط بالتطبيق السليم للإجراءات، وتوافر عدد من العوامل المدعمة لذلك. ومن أهم أسس التطبيق السليم والعوامل المدعمة له ما يلي:
-الفورية Immediate من المهم مواجهة المخالفات الوظيفية والإهمال في الأداء بالعقوبات الفورية بحيث يشعر العاملين بوجود الصلة المباشرة بين سوء السلوك والعقوبة، وان يكون الفاصل الزمني بين الفعل غير المرغوب فيه وإجراءات التحقيق وفرض العقوبة وتنفيذها أقصر ما يمكن حتى يدرك الموظفون التأثير السلبي للفعل غير المرغوب فيه[9]. وكلما تم إجراء التحقيق في وقت لاحق، كلما أصبح الشخص أكثر نسيانًا وشعر أن العقوبة ليست مستحقة.
-Consistent ثبات واستمرار الإجراءات التأديبية بنفس النمط والأسلوب لكافة العاملين وبالمثل ودون الاختلاف بينهم البعض. وبعبارة اخري يجب ان يتسم تطبيق إجراءات التأديب بالاستقرار والاتساق والإنصاف والتدابير التصحيحية الدائمة.[10]
-Impersonal الموضوعية وتجنب الميول الشخصية والأهواء. يجب توفير القواعد التي تضمن حق الموظف في التظلم مما يصدر في حقه من عقوبات إذا ما كان هناك إساءة في استخدام السلطة التأديبية.
– Fair and just action الالتزام بالعدالة و مراعاة تناسب العقوبة مع خطورة سوء السلوك، بمعنى آخر يجب أن تكون العقوبة مناسبة للجريمة وعادلة.
-Prior warning and notice بمعني يجب أن يعطي نظام التأديب تحذيرًا مسبقًا للموظفين فيما يتعلق بالآثار المترتبة على عدم الامتثال لمعايير وقواعد السلوك في المنظمة وذلك من خلال نشر القواعد المنظمة للتأديب، ومدونة السلوك واخلاقيات العمل وإعلانها في أماكن العمل، كما يجب علي الموظف التوقيع علي العلم بهذه القواعد عند بداية التعيين.[11]
-يجب ان تكون المهمة الرئيسية لنظام التأديب هي الإصلاح والتقويم ورفع كفاءة الأداء وليس الانتقام والهيمنة حيث ان الهدف الأساسي لهذا النظام هو تعديل السلوك غير المرغوب فيه للموظف، ومن هنا يجب أن يكون النظام التأديبي وقائيًا وليس عقابيًا.
-يجب أن يتمتع المشرف المباشر ورؤساء الوحدات الإدارية بالسلطة التأديبية المناسبة للمهام الموكلة إليهم إعمالا لقاعدة تساوي السلطة مع المسؤولية.
– أخيرًا يجب الإشارة الي انه من الأهمية مراعاة العلاقات التبادلية بين النظم الفرعية المختلفة بالمنظمة وتجنب المؤثرات السلبية على أداء الموظف والتي قد تحدثها نظم فرعية اخري على سبيل المثال: عدم وضوح إجراءات العمل، أو وجود خلل تنظيمي أدى إلى تكرار حدوث هذه المخالفات التأديبية. أيضاً معالجة نقاط الضعف في نظام الترقية وشغل الوظائف القيادية ونظام منح المكافآت والحوافز المالية، والتي قد تؤثر سلباً على سلوك الموظف.
ولا حاجة للقول أنه وفقاً للنظرة التقليدية في الإدارة ينظر لنظم التأديب علي انه هو الوسيلة الأساسية لحث الموظف العام علي البعد عن المحظورات حتى لا يتعرض للألم والضرر الذى يسببه العقاب، وتنطلق هذه النظرة من أن العامل يميل الي التهرب من أداء واجباته الوظيفية بالجودة المطلوبة كسلاً منه وتهرباً من مشاق العمل، وقد لخص ما كجريجور McGregor هذه النظرة عندما قدم نظرية (x) التي تفترض ان الناس بطبيعتهم كسالي، يكرهون العمل، وهم في حاجة دائمة الي من يوجههم ويراقب أعمالهم، وانهم يلتزمون فقط بأداء واجباتهم الوظيفية تحت التهديد بمعاقبته وحرمانه من المكافأة المالية[12]. ويعتقد ما كجر يجور ان ذلك الافتراض ليتسم بالدقة لأنه من المؤكد ان هناك أفراد لديهم القدرة على العمل الجاد متي تهيأت لهم الظروف لذلك، فليس كل الناس كسالي بطبيعتهم بل أن الكثير منهم يرغبون في العمل ويسعون لإشباع الرغبة الي الإنجاز والتفوق إذا أتيحت لهم الفرصة لذلك، وسمي ما كجريجور نظرية (Y) التي تقوم على فلسفة أن الموظف يحب العمل لأنه يشبع حاجات إنسانية لديه وهي الحاجة للإنجاز[13]. وانه يحاول من خلال العمل أن يثبت قدرته العقلية المتميزة وتحمل المسئولية. من هنا ليس كل الموظفين يلتزمون بقواعد العمل أو يعملون علي تحسين الأداء وتقديم الأفكار الجديدة خوفا من العقاب. ويري ما كجريجور انه من الخطأ ان يستخدم الرؤساء في الوحدات الإدارية أسلوب التهديد بالعقاب مع مرؤوسيه، إذ أن ذلك قد يأتي بنتائج عكسية ويفقد الموظف الرغبة في الأداء والتعاون لتحقيق الأهداف المرسومة.
وفي هذا السياق فقد قسم هرتيزبرج (Herzberg) العوامل المؤثر على سلوك الموظف الي عوامل صحية (Hygiene Factors) وعوامل دافعة (Motivators) حيث نظر للحوافز المادية والحاجة للعلاقات الاجتماعية مع زملاء العمل على انها عوامل صحية يجب توافرها بالقدر المناسب، وان النقص في إشباعها قد يسبب السخط والاستياء لدي العامل وهي لا تدفعه الي تحسين الأداء إلا بقدر محدود للغاية، وعلى ذلك فإن توقيع العقوبات التي تؤثر في العائد المادي للموظف لا تعد من العوامل المؤثرة على السلوك إيجابيا بالضرورة[14]. وأوضح ان هناك عوامل معنوية تؤثر على سلوك العاملين بشكل كبير وهي العوامل الدافعة أهمها: إشباع الحاجة الي الإنجاز، والتقدير والاحترام من الزملاء والرؤساء، والثقة في قدراته، والرغبة في تحمل المسئولية وتقلد وظيفة ثرية بالأنشطة والمهام.
ومن هذا المنطلق فقد توصلت دراسة (Campbell Fleming and) ان أسلوب التهديد بالعقاب يعد أسلوب تقليدي وضعيف التأثير علي سلوك الموظف وانه يجب العمل على تنمية الرغبة الطبيعية لدى الفرد نحو الالتزام بالسلوكيات المرغوبة وتحسين مستوي الأداء وليس الخوف من العقاب[15].
وفى هذا السياق يهمنا الإشارة أن هناك عدد من الدراسات اولت اهتمام بمناقشة تحديد مفهوم التأديب وانضباط الموظفين في أداء واجباتهم. فقد عرفHasibuan الانضباط بأنه هو وعي واستعداد الشخص لطاعة جميع قواعد المؤسسة والأعراف الاجتماعية السائدة[16]، واتفق معه Vonaiحيث عرف الانضباط بأنه يشمل الضبط والتنظيم والولاء والأخلاق والواجب وضمير المنظمة[17]، وفى نفس السياق عرف Siagianالانضباط على أنه شكل من أشكال التدريب الذي يسعى إلى تحسين وتشكيل المعرفة والسلوكيات التنظيمية للموظفين بحيث يسعى الموظفون طواعية للعمل بشكل تعاوني مع الموظفين الآخرين على تحسين أداء العمل[18]. ورغم ان Bedeian أشار إلى أن التأديب والانضباط هو إجراء تم اتخاذه ضد موظف لانتهاكه القواعد المعمول بها، إلا أن الأفضل هو الانضباط الذاتي[19] .
ويجب التأكيد في هذا السياق ان هناك بعض العوامل الإدارية والتنظيمية التي تعمل على تحسين أداء العاملين بالمنظمات العامة أهمها[20]:
– وضوح الاختصاصات وتصميم الوظائف بشكل يوفر الإثراء الوظيفي.
– تحسين جودة الحياة للموظف العام وتوفير الاحتياجات الأساسية له بقدر مناسب من خلال تحديد المرتبات باستخدام الأساليب العلمية لتقييم الجهود والمشاق لكل وظيفة مع مراعاة مستوي الأجور بالدولة ومستوي المعيشة. فلا حاجة للقول ان مستوي رواتب العاملين بالجهاز الإداري للدولة في مصر منخفض ولا يتناسب مع مستوي المعيشة الحالي.
– توفير نظام جيد للحوافز الإيجابية المادية والمعنوية، مع الاهتمام بأساليب تقديم الثناء والتقدير للمتميزين أداءً وخلقاً[21]،
– التأكيد على استخدام أساليب القيادة الديمقراطية التي تؤمن بالإنصات للمرؤوسين واحترام آراءهم وتنبى منهج المشاركة في صنع واتخاذ القرارات.
ونخلص مما سبق ان نظام التأديب الذي يفتقد العوامل السابق الإشارة إليها لا يضمن امتثال الموظفين للقواعد التي تحكم العمل.
ثانياً: العناصر الأساسية لنظام تأديب الموظف العام في مصر
أولت نظم الخدمة المدنية في غالبية الدول اهتمامها بنظام تأديب الموظف العام وتقنين قواعدها نظراً لأن إهماله ومخالفته لنظم العمل وقواعده قد يؤثر سلباً بشكل مباشر أو غير مباشر على مستوى الخدمة العامة ومصالح المواطنين، بل وقد يؤدى إهماله والقيام بأعمال غير مشروعة إلى فقدان الثقة بين المواطن والنظام السياسي برمته. ونظام التأديب هو مجموعة القواعد والأحكام التي تبين واجبات الموظف العام والأعمال المحظور عليه القيام بها، ويحدد العقوبات التي توقع عليه بمعرفة السلطة التأديبية المختصة وفق إجراءات تأديبية معينة لتوفير قدراً من الضمانات التي تحد من فرص إساءة استخدام سلطة توقيع العقاب التأديبي. وسنتناول هذه العناصر بشيء من التفصيل:
أ- واجبات الموظف العام والأعمال المحظورة:
حدد قانون الخدمة المدنية المصري واجبات الموظف العام في المواد 59 و60 والتي تنص على أنه “يتعين على الموظف الالتزام بأحكام هذا القانون ولائحته التنفيذية وغيرهما من القوانين واللوائح والقرارات والتعليمات المنفذة لها، ومدونات السلوك وأخلاقيات الخدمة المدنية الصادرة من الوزير المختص. ويحظر عليه مباشرة الأعمال التي تتنافى مع الحيدة والتجرد والالتزام الوظيفي، أثناء ساعات العمل الرسمية”. كما نص على انه “كل موظف يخرج على مقتضى الواجب في أعمال وظيفته، أو يظهر بمظهر من شأنه الإخلال بكرامة الوظيفة يُجازى تأديبياً”[22].
وحددت اللائحة التنفيذية لهذا القانون هذه الواجبات والمحظورات بشيء من التفصيل، كما حددت مدونة السلوك التي أصدرتها وزارة التخطيط والمتابعة والإصلاح الإداري والمعهد القومي للإدارة العليا في ضوء رؤية مصر 2030 ووفقا للمادة (57) من قانون الخدمة المدنية 81 لسنة 2016 في عام2019 قائمة كبيرة من الواجبات ولعل أهمها[23]:
-الالتزام بمواعيد العمل الرسمية.
-المحافظة على كرامة الوظيفة وصين سمعتها ومراعاة آداب اللياقة في تصرفاته مع الجمهور.
-المحافظة على ممتلكات وأموال الوحدة التي يعمل بها.
-ان ينفذ ما يصدر اليه من أوامر بدقة وأمانه.
-الالتزام بما ورد في مدونة السلوك وأخلاقيات الخدمة المدنية.
-ويحظر علية مباشرة الأعمال التي تتنافي مع الحيدة والتجرد والالتزام الوظيفي.
-أو ان يؤدي أعمال للغير بأجر أو مكافأة ولو في غير أوقات العمل الرسمية إلا بإذن من السلطة المختصة.
-أو استغلال نفوذه الوظيفي.
-سوء معاملة الجمهور متلقي الخدمة أو التباطؤ المتعمد في أداء الخدمة وتأخيرها أو إساءة استعمال السلطة.
-إفشاء أي معلومات يطلع عليها بحكم وظيفته.
-ممارسة أي عمل حزبي أو سياسي أو جمع تبرعات لصالح أحزاب او جماعات أو نشر دعاية أو الترويج لها إذا كان داخل مكان العمل أو بمناسبة تأديته.
هذا وقد أكدت مدونة السلوك ان أهدافها تتلخص في: إرساء ونشر المعايير الأخلاقية والقيم السامية والقواعد المهنية للسلوك الوظيفي، وتعريف المواطنين بحقوقهم من خلال أخلاقيات السلوك المرغوب فيه ومستوي الأداء المطلوب، وإرساء قواعد المحاسبة وأسس وضعية تتسم بقدر من الشفافية والمساءلة، وتوفير أداة قوية للرقابة الذاتية الداخلية بالمؤسسة الحكومية، وألزمت المدونة منظمات الجهاز الإداري للدولة بما يلي[24]:
– انه يجب على الموظف الاطلاع على مدونة قواعد السلوك الوظيفي وموافقته عليها كتابة عند بداية ممارسة العمل الوظيفي،
– ان أي مخالفة لأحكام هذه المدونة تستوجب المساءلة واتخاذ الإجراءات والعقوبات التأديبية وفقا لأحكام القانون،
– وانه يجب تضمين الخطة التدريبية المنفذة بكل وحدة إدارية برنامجا تدريبياً خاصاً للعاملين الجدد على محتوي مدونة السلوك الوظيفي للتعريف بأهدافها ومقاصدها وأهمية وضرورة الالتزام بأحكامها.
– هذا وأوجبت المدونة على جميع وحدات الجهاز الإداري للدولة نشر المدونة في مكان ظاهر بها ووضعها على موقعها الإلكتروني وللمواطنين الحق في مراقبة تنفيذ القواعد الواردة بها وإبلاغ وحدة خدمة المواطنين بالجهة الإدارية في حالة مخالفتها.
ويلاحظ انه رغم هذه النصوص والالتزامات الواردة بمدونة السلوك الوظيفي؛ الا انه مازالت الشكوى من سوء معاملة الموظف العام للجمهور مستمرة واظهرت العديد من الدراسات مظاهر ضعف الأداء وعدم التزام الموظف العام بهذه الواجبات. هذا وستحاول الدراسة الميدانية التعرف على مدي التزام المنظمات العامة بما جاء بمدونة السلوك وهل يتم الإعلان عنها وموافقة الموظف على ما جاء بها كتابةً.
ويجب الإشارة في هذا الصدد الي ان عديد من الدول قد حرصت على إعداد مدونة للسلوك الوظيفي مثل دولة فرنسا واعتبارها جزء من عقود العمل ويلتزم الموظف بالتوقيع عليها، على سبيل المثال: دولة نيوزيلندا أصدرت المدونة بموجب القانون رقم 57 لسنة 1988[25]، كما اعدت المملكة الأردنية الهاشمية مدونة للسلوك الوظيفي ونصت بقانون الخدمة المدنية الأردني على الالتزام بها[26]. أيضاً حرصت قوانين الخدمة المدنية ببعض الدول العربية على النص على واجبات الموظف العام والأعمال المحظورة عليه والتي لا تختلف كثيراً عما نص عليه قانون الخدمة المدنية رقم 81 لسنة 2016 ولائحته التنفيذية، وإن كانت تضيف بعض قوانين الخدمة المدنية في الدول العربية بعض الأعمال المحظورة الأخرى منها[27]:
– انه يحظر على الموظف العام القيام او الاشتراك في ترويج الأقاويل الكاذبة والإشاعات التي تمس أجهزة الدولة وأداءها لواجباتها.
-والقيام باي نشاط سياسي محظور.
– تقديم أي شكوى كيدية ضد أحد زملائه ورؤساءه.
– وقبول هدية أو مكافأة أو عمولة من أي نوع، ويكون لها تأثير على قيامة بواجباته.
-استغلال وظيفته لخدمة أغراض أو أهداف أو مصالح حزبية أو القيام أو الاشتراك في أي مظاهرة أو إضراب أو اعتصام أو تحريض عليها أو أي عمل يمس بأمن الدولة ومصالحها أو يعطل مصالح المواطنين والمجتمع والدولة[28].
– والقيام بأي تصرف أو اعمال تسئ الي الأخلاق والآداب العامة،
-وإيقاع عقاب بدني بأي صور من الصور على أي من الأطفال الموجودين في دائرة عمله بما في ذلك المؤسسات التعليمية أو التأهيلية أو التدريبية.
ويلاحظ ان بعض هذه الأعمال المحظورة التي تم إضافتها في بعض الدول العربية لها أهميتها ويفضل النص عليها صراحة بقانون الخدمة المدنية المصري، وتتفق مع التطور الاجتماعي والسياسي الحالي وهي: القيام بأي نشاط سياسي محظور، استغلال وظيفته لخدمة أغراض حزبية، وقبول الهدايا والعمولات، وإيقاع عقاب بدني على الأطفال بأي صورة من الصور. فمن المعلوم انه عقب ثورة يناير2011 وسيطرة جماعة الإخوان على السلطة تم تعيين أعداد كبيرة من أعضاء هذه الجماعة في الجهاز الإداري للدولة ومارسوا بعض الأعمال المحظورة المشار اليها، واستغلال وظيفتهم في تحقيق أغراض الجماعة، لذا فإنه من الأهمية النص صراحة على هذه الأعمال المحظورة لحث العاملين على تجنبها.
ب- الإجراءات والعقوبات التأديبية:
1- العقوبات التأديبية
تهدف العقوبة التأديبية بصفة أساسية الي حسن أداء الموظف العام وحثه على الالتزام بالواجبات والامتناع عن ممارسة الأعمال المحظورة عليه المحددة في القانون. وهي تختلف بذلك عن العقوبات الجنائية التي توقع على الأفراد إذا ما ارتكب إحدى الجرائم المنصوص عليها بقانون العقوبات، وهي جرائم تتعلق بالمحافظة على الأمن والنظام العام وحماية المجتمع وضمان استقراره. فإذا ما تبين من خلال التحقيق وجود شبهة ارتكاب الموظف جريمة جنائية (جريمة الرشوة أو اختلاس المال العام)[29] فتتولي النيابة العامة التحقيق معه وفقاً لقانون الإجراءات الجنائية. وتستقل الجرائم الجنائية عن المخالفة التأديبية، وأخذت مصر بنظام القائمتين للجزاءات حيث خصصت قائمة مستقلة للوظائف التنفيذية، وأخرى للوظائف القيادية الأولي: تتضمن عدد ثمان جزاءات تتدرج كما يلي[30] : الإنذار، الخصم من الأجر بحيث لا يتجاوز الخصم أكثر 60 يوما في السنة، الوقف عن العمل لمدة لا تتجاوز 6 اشهر مع صرف نصف الأجر الكامل، تأخير الترقية عند استحقاقها لمدة لا تزيد علي سنتين، الخفض الي وظيفة في المستوي الأدنى مباشرة مع الاحتفاظ بالأجر دون تخفيض او مع خفض الأجر، الإحالة للمعاش، وأخيراً الفصل من الخدمة. اما بالنسبة لقائمة الجزاءات التي يجوز توقيعها على الوظائف العليا فقد اقتصرت على عدد أربع جزاءات هي: التنبيه، اللوم، الإحالة الي المعاش، والفصل من الخدمة.
2- الإجراءات التأديبية
وفقاً للقانون المصري لا يجوز توقيع أي من الجزاءات المشار اليها علي الموظف العام الا بعد التحقيق معه كتابة وسماع أقواله[31]، لتوفير قدر من الضمانات لتمكن الموظف من الدفاع عن نفسة وتجري الجهة الإدارية التحقيقات مع الموظفين العاملين بها عدا التحقيق مع شاغلي الوظائف القيادية حيث تختص هيئة النيابة الإدارية بالتحقيق معهم[32]، كما انه وفقا لقانون الخدمة المدنية رقم 81 تختص هذه الهيئة أيضاً بالتحقيق في حالة المخالفات المالية التي يترتب عليها ضياع حق من الحقوق المالية للدولة، ولها بعد انتهاء التحقيق في أي من هاتين الحالتين توقيع كافة الجزاءات عدا ثلاث جزاءات وهي[33]: الخفض الي وظيفة في المستوي الأدنى مباشرة مع خفض الأجر، والإحالة الي المعاش، والفصل من الخدمة. حيث ان الجهة المختصة بتوقيع هذه الجزاءات الشديدة هي المحكمة التأديبية التي تعد إحدى محاكم القضاء الإداري في مصر (مجلس الدولة).
وبالنسبة للمخالفات الأخرى والتي يجري فيها التحقيق بمعرفة الجهة الإدارية، فوفقاً للقانون يجوز للرؤساء المباشرين حفظ التحقيق او توقيع جزاء الإنذار أو الخصم من الأجر، بما لا يجاوز ثلاثون يوما في السنة ولا يزيد علي ثلاث أيام في المرة الواحدة، ويجوز للوظائف الإشرافية والقيادية توقيع الخصم من الأجر بما لا يجاوز أربعين يوما في السنة ولا يزيد علي 15 يوم في المرة الواحدة. كما تختص السلطة المختصة بتوقيع جميع الجزاءات عدا الثلاث جزاءات الشديدة المشار اليها سلفاً والتي تختص المحاكم التأديبية بتوقيعها[34].
ويجب الإشارة ان بعض الدول العربية لم تأخذ بالمزج بين الطابع القضائي والإداري كما هو الحال في مصر. ولا يوجد لديها هيئة للنيابة الإدارية أو قضاء إداري مستقل. وعلي ذلك يتم التحقيق مع الموظف بمعرفة الوحدات الإدارية. ويجيز قانون الخدمة المدنية بالمملكة الأردنية الهاشمية لسنة 2020 تشكيل لجنة للتحقيق مع الموظف في حالة ارتكابه مخالفة مسلكية من ثلاث أعضاء تشكل من رئيس الوحدة التي يعمل بها الموظف وعدد 2 من كبار الموظفين من غير دائرة الموظف المحال للتحقيق، وتقدم هذه اللجنة تقريرا بنتيجة التحقيق للجهة التي كلفتها بالتحقيق لاتخاذ القرار المناسب[35]، ولهذه الجهة توقيع أي من الجزاءات المنصوص عليها، عدا جزائي الاستغناء عن الخدمة والعزل حيث يختص بتوقيعهما مجلس تأديبي يشكل برئاسة أمين عام وزارة العدل، وأمين عام ديوان الخدمة المدنية، ومستشار من ديوان التشريع والرأي وتحال التحقيقات لهذا المجلس بقرار من الوزير المختص وتكون قراراته نهائية غير قابلة للطعن إداريا. وإذا كان مرتكب المخالفة التأديبية من موظفي المجموعة الأولي من الفئة العليا فيجوز للوزير المختص إيقافه عن العمل، ويشكل مجلس الوزراء لجنة برئاسة وزير العدل وعضوية وزيرين يختارهما مجلس الوزراء للنظر في المخالفة، إما إذا كانت المخالفة المرتكبة من موظفي المجموعة الثانية من الفئة العليا تشكل اللجنة برئاسة وزير العدل وعضوية رئيس ديوان التشريع والرأي ورئيس الديوان وترفع كل من اللجنتين تقريراً الي مجلس الوزراء لاتخاذ القرار بالنسبة للعقوبات المناسبة[36].
هذا ورغم ان نظام التأديب بالمملكة الأردنية الهاشمية تبني الطابع الإداري إلا انه منح المشرع الأردني سلطات محدودة للمستويات الوظيفية المختلفة بالنسبة لتوقيع الجزاءات، كما هو الحال في مصر، حيث يختص الرئيس المباشر بتوقيع جزاء الإنذار فقط، ويختص مدير الوحدة بتوقيع عقوبة الخصم من الراتب الأساسي، ويقرر الأمين العام العقوبة إذا كانت العقوبة التأديبية على المخالفة لا تتجاوز حجب الزيادة السنوية لمدة ثلاث سنوات.ويصدر قرار العقوبة من الوزير إذا كانت العقوبة التأديبية لا تتجاوز حجب الزيادة السنوية لمدة خمس سنوات، وفي حالة إيقاع الموظف عقاب بدني بأي صور من الصور على أي من الأطفال الموجودين في دائرة عمله بما في ذلك المؤسسات التعليمية أو التأهيلية أو التدريبية يتم العرض علي الوزير المختص وله اتخاذ القرار المناسب في هذه الحالة.
أيضاً تبنت سلطنة عمان الطابع الإداري للتأديب بشكل واضح وصريح وتميز عن النظام في المملكة الأردنية في أنه منح الرئيس الأعلى والرئيس المباشر بالوحدات الإدارية سلطات أكبر حيث يملك رئيس الوحدة حفظ التحقيق أو توقيع عقوبتي الإنذار أو الخصم من الراتب لمدة لا تزيد على ثلاثون يوماً في السنة وبما لا يجاوز عشرة أيام في المرة الواحدة، أو إحالة الموظف مرتكب المخالفة التأديبية إلى مجلس المساءلة[37].
كما يجوز لرئيس الوحدة تفويض الرئيس الأعلى أو الرئيس المباشر فيما يتعلق بالتصرف فى المخالفات البسيطة وذلك بحفظ التحقيق أو توقيع عقوبة الإنذار أو الخصم من الراتب لمدة لا تزيد على ثلاثة أيام فى المرة الواحدة، وبما لا يجاوز خمسة عشر يوما في السنة. وأجاز نظام الخدمة المدنية بعمان أن يكون التحقيق شفهياً مع كتابة أقواله وتحقيق دفاعه، وذلك بالنسبة للمخالفات البسيطة.وأجاز للموظف التظلم من الجزاءات خلال 30 يوما لرئيس الوحدة[38]. وبالنسبة لتوقيع الجزاءات الأشد فقد قضى بتشكيل مجالس للمساءلة بالوحدات الإدارية تشكل من ثلاثة أعضاء من بينهم رئيس الوحدة، ويشترط ألا تقل وظيفة رئيس المجلس عن مدير عام ولا يقل درجة عضو المجلس عن درجة الموظف المحال إلى المساءلة الإدارية[39]، ويلاحظ أن هذا المجلس هو مجلس إداري ولا يشارك في عضويته أحد أعضاء السلطة القضائية. وتختص هذه المجالس بتوقيع الجزاءات التأديبية عدا ما يختص بتوقيعها رئيس الوحدة. كما قضى أيضاً بتشكيل مجلس مركزي إداري للمساءلة يختص بالبت في التظلمات وتوقيع الجزاءات على شاغلي وظائف الدرجة (أ) وحتى الثانية، ويصدر بتشكيلة قرار من رئيس مجلس الخدمة المدنية. وأجاز التظلم من قراراته إلى رئيس مجلس الخدمة المدنية.[40]
وهكذا فضل نظام التأديب العماني الحد من تدخل السلطات القضائية مغلباً اعتبارات الفعالية الإدارية انطلاقاً من أن التأديب يعتبر أحد الآليات الإدارية التي تساعد الرؤساء على توجيه المرؤوسين، أيضاً وفر قدرا من الضمانات للموظف الحكومي من تعسف الرؤساء الإداريين وذلك بتشكيل مجالس المساءلة.
ثالثاً: نتائج الدراسة الميدانية:
تم تصميم استمارة استبيان لاختبار صحة الفروض الأتية:
– توجد علاقة ذات دلالة إحصائية بين التطبيق السليم لإجراءات التأديب وبين فعالية نظام التأديب في توجيه السلوك.
– توجد علاقة ذات دلالة إحصائية بين تدخل الهيئة القضائية في إجراءات التأديب وبين فعالية نظام التأديب في توجيه السلوك.
– توجد علاقة ذات دلالة إحصائية بين تقيد سلطة رؤساء الوحدات الإدارية والالتزام بالسلوك الوظيفي المرغوب.
وذلك من خلال التعرف على آراء العاملين بالوحدات المحلية بمحافظة الجيزة بالنسبة لجدوي نظام التأديب واجراءاته، ومدي فعاليته في توجيه السلوك الوظيفي للعاملين، ومدى توافر العوامل الأساسية للتطبيق السليم لنظام التأديب، وعما إذا كانت القواعد المحددة في مدونة السلوك معلنة.
مجتمع وعينة الدراسة: يتكون مجتمع الدراسة من العاملين الإداريين بثلاث احياء هم شمال الجيزة، والعجوزة والدقي وقد تم اختيار الأحياء نظراً لتجاور حدودها الجغرافية وتشابهها في الطبيعة السكانية والخدمات المحلية، وبها أكبر عدد من العاملين والذي بلغ 1044. ونظراً لاهتمام الدراسة بالتعرف على آراء مفردات العينة بالنسبة لنظام التأديب واجراءاته والتطبيق السليم لهذا النظام سوف نكتفي بمديري الإدارات وعددهم (87) ورؤساء الاقسام وعددهم (100) باعتبار انهم مشرفين على اداء العاملين بالإدارات والأقسام المختلفة بالوحدات المحلية محل الدراسة، وقد تم إجراء دراسة استطلاعية على عينة قوامها (30) مفردة من مجتمع الدراسة تهدف إلى التأكد من وضوح عبارات الاستبيان ومحتواها. وبناءً على الآراء والمقترحات ونتائج الاختبار الاستطلاعي للاستبانة فقد تم اجراء بعض التعديلات عليها من حيث المحتوى والمضمون ووضعت بصورتها النهائية وتم تطبيقها على عينة الدراسة. هذا وفقد استخدمنا عينة عشوائية من العاملين، بلغ إجمالي الاستمارات التي تم توزيعها (187) استمارة، تم استرداد (144) استمارة صحيحة.
قياس صدق وثبات استبانة الدراسة: يقصد بصدق استمارة الاستبيان امكانية قياس الظاهرة المبحوث من خلال الاداة المستخدمة، اما ثبات استمارة الاستبيان فيقصد به أن تعطى استمارة نفس النتائج في حالة تكرار توزيعها على نفس العينة وتحت نفس الظروف[41]، وفى هذه الدراسة تم حساب ثبات أداة الدراسة باستخدام معامل الفا كرونباخ. ويوضح الجدول رقم (1) نتائج قياس مدى ثبات وصدق محاور الاستبيان.
الجدول رقم (1) قياس ثبات الاتساق الداخلي والصدق الذاتي لمقاييس متغيرات الدراسة
|
م |
المحاور |
معامل الصدق |
|
|
1 |
تطبيق نظام التأديب |
0.862 |
0.929 |
|
2 |
تدخل الهيئة القضائية في تأديب الموظفين وتوقيع العقوبات |
0.901 |
0.949 |
|
3 |
سلطة الرؤساء في توقيع العقوبات التأديبية |
.8830 |
0.940 |
وقد تم إدخال البيانات الواردة بإجابات المستقصي منهم آليا باستخدام الحاسب الآلي وتحليل بيانات الدراسة للوصول إلى النتائج باستخدام برنامج التحليل الإحصائي (SPSS) اعتمادا على الحدود الحقيقية لفئات مقياس ليكرت باعتبار أن موافق تماما تأخذ الرقم 5، موافق 4، محايد 3، غير موافق 2، غير موافق تماما 1، وطبقا لحساب قيمة الوسط الحسابي، تكون الدرجة (3) محايد هي قيمة وسطية، بحيث إذا كان الوسط الحسابي للإجابة عن عبارة ما أكبر من (3) اعتبر ذلك أكبر من المتوسط ويقع في منطقة الموافقة، وإذا كان أقل من (3) اعتبر ذلك أقل من المتوسط ويقع في منطقة عدم الموافقة .
تحليل نتائج استجابات مفردات العينة:
جدول رقم (2) استجابات مفردات عينة الدراسة للعبارات الدالة على محور تطبيق نظام التأديب
وتوضح بيانات الجدول السابق (2) أن نظام التأديب لا يتم تطبيقه بشكل سليم مما اضعف دوره في توجيه السلوك فقد وافقت مفردات العينة علي انه قرارات الإحالة للتحقيق و تحديد العقوبات بالأهواء والعلاقات الشخصية للرؤساء مع الموظفين وبلغ المتوسط الحساب (3.98)، أيضاً لا يتم مراعاة فورية تنفيذ العقوبات عقب ارتكاب المخالفة التأديبية (4.03)، كما ان السياسات التأديبية ليست واحدة بالنسبة لكافة الموظفين حيث كثيرا ما تتأثر بالظروف الشخصية بالموظف فهي لا تتسم بالثبات (4.16)، كما وافقت مفردات العينة علي انه في بعض الحالات يتجنب الرؤساء المباشرين إحالة الموظف للتحقيق إذا ما خالف قواعد العمل نظرا لوجود علاقات شخصية بينهم وبلغ المتوسط الحسابي(4.13).
كما انه غالبا لا تتناسب العقوبات التي يتم توقيعها على الموظفين مع جسامة المخالفات وبلغ المتوسط الحسابي (4.70)، وقد يرجع ذلك الي ان هناك بعض الرؤساء يميل الي التساهل والبعض الآخر قد يتشدد في تحديد العقوبة.
ورغم ان مدونة السلوك الزمت منظمات الجهاز الإداري بنشرها بأماكن العامل وتلقي التدريب حولها، إلا ان إجابات مفردات العينة لم توافق علي انه تم نشر المدونة في مكان ظاهر بها ووضعها على موقعها الإلكتروني وبلغ المتوسط الحسابي (1.84)، كما لم توافق علي انه تم الإعلان عن المخالفات التأديبية والعقوبات في أماكن العمل لتجنب ارتكابها (1.91)، او انه تم إطلاع الموظف على مدونة قواعد السلوك الوظيفي وموافقته عليها كتابة عند بداية ممارسة العمل الوظيفي (1.65)، أيضاً لم توافق مفردات العينة علي ان الخطة التدريبية المنفذة بكل وحدة إدارية تضمنت برنامجاً تدريبياً خاصاً للعاملين الجدد على محتوي مدونة السلوك الوظيفي للتعريف بأهدافها ومقاصدها وأهمية وضرورة الالتزام بأحكامها حيث بلغ المتوسط الحسابي(1.84).
هذا وقد وافقت مفردات العينة على ان نظام التأديب الحالي وفر ضمانات عديدة للموظف على حساب الفعالية الإدارية (3.60)، وانه غالباً لا تتفق القرارات التأديبية مع توقعات الموظفين (3.76)، كما لم يوافقوا بشكل عام على أن تطبيق نظام تأديب الموظف الحالي يؤثر بشكل ملحوظ على انضباط العمل والسلوكيات الغير مقبولة أو غير المشروعة فقد بلغ المتوسط الحسابي (1.65)،كما وافقت مفردات العينة بمتوسط حسابي بلغ (3.60) أن الرؤساء يكتفون بتوقيع عقوبة الإنذار رغم عدم تناسبها مع جسامة المخالفة التأديبية مما أضعف من فعالية دوره في التأديب، وقد يرجع ذلك إلى تجنب الرؤساء عقوبة الخصم لضعف الأجور.
جدول رقم (3) استجابات مفردات عينة الدراسة للعبارات الدالة على محور تدخل الهيئة القضائية في تأديب الموظفين وتوقيع العقوبات
وتوضح بيانات الجدول السابق (3)ان تدخل الهيئة القضائية ادي الي ضعف فعالية نظام التأديب حيث وافقت مفردات العينة على انه عادة ما تستغرق التحقيقات في النيابة الإدارية أشهر طويلة وقد تتعدى عام كامل او اكثر وبلغ المتوسط الحسابي (4.16)، كما وافقوا علي أن طول الفترة الزمنية التي تستغرقها التحقيقات بمعرفة النيابة الإدارية ترجع الي حرصها علي استدعاء كافة الشهود و جمع ادلة قاطعة تؤكد ارتكاب الموظف المخالفة التأديبية المنسوبة اليه وبلغ المتوسط الحسابي (4.20)، أيضا وافقت مفردات العينة علي انه في كثير من الأحيان يصعب علي النيابة الإدارية جمع أدلة كافية تثبت إدانة الموظف ويتم حفظ التحقيقات، ويفلت الموظف المهمل من العقوبة حيث بلغ المتوسط الحسابي (3,88)، ويجب الإشارة هنا ان تعدد حالات الإفلات من العقوبة رغم ما يتردد بين العاملين عن سوء سمعة الموظف وإهماله في العمل وعدم التزامه بتعليمات الرؤساء افقد نظام التأديب فاعليته. كما وافقوا على انه غالبا لا تتناسب العقوبات التي توقعها النيابة الإدارية مع جسامة المخالفات وآثارها السلبية على مستوي الأداء والصورة الذهنية للوحدة المحلية لدي المواطنين وبلغ المتوسط الحسابي (3.69).
كما وافقت مفردات العينة بمتوسط بلغ (4,13) على انالمحاكمات التأديبية بمجلس الدولة تستمر سنوات. كما وافقوا على انه ونادراً ما تقضى بفصل الموظف المهمل، والذي تسبب في إهدار المال العام مراعاة لحياته الأسرية وبلغ المتوسط الحسابي (3.60).
جدول رقم (4) استجابات مفردات عينة الدراسة للعبارات الدالة على محور سلطة الرؤساء في توقيع العقوبات التأديبية
|
م |
العبـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــارات |
المتوسط الحسابي |
الانحراف المعياري |
|
تقييد سلطة الرؤساء المباشرين في توقيع عقوبة الخصم من الراتب لمدة لا تزيد عن 30 يوم في السنة أدت الي ضعف دوره في توجيه مرؤوسيه |
4,16 |
0,98785 |
|
|
2 |
السلطة التأديبية للرئيس المباشر مقيدة وليست في صالح تحقيق الأهداف |
4,13 |
1,02389 |
|
3 |
تم تقييد سلطة رؤساء الوحدات الإدارية بغرض عدم إساءة استخدام سلطة التأديب |
3,70 |
1,2911 |
ويتضح من الجدول رقم (4) ان إجابات مفردات العينة توافق بشكل عام على ان نظام التأديب المصري غلب اعتبارات ضمان عدم إساءة سلطة التأديب من الرؤساء على الفعالية الإدارية، وقد وافقت مفردات العينة على ان تقييد سلطة الرؤساء المباشرين في توقيع عقوبة الخصم من الراتب لمدة لا تزيد عن 30 يوم في السنة أدت الي ضعف دوره في توجيه مرؤوسيه وبلغ المتوسط الحسابي (4.16).
أيضاً وافقت مفردات العينة على ان السلطة التأديبية للرئيس المباشر مقيدة وليست في صالح تحقيق الأهداف حيث بلغ المتوسط الحسابي (4.13). كما وافقت مفردات العينة على أن سلطة رؤساء الوحدات مقيدة بغرض عدم إساءة استخدام سلطة التأديب بمتوسط حسابي (3.70)، ويرجع إلى أن ان المشرع غلب اعتبارات الضمان للموظف على حساب الفاعلية الإدارية، رغم أن حسن اختيار الرؤساء والقادة وعدم الاعتماد على نظام الأقدمية قد يحد من فرص إساءة استخدام سلطة التأديب.
رابعاً: نتائج وتوصيات الدراسة:
انتهت الدراسة الي عدد من النتائج أهمها:
– اظهرت الدراسة الميدانية انه لم يتم تفعيل ما جاء بمدونة السلوك الوظيفي وبقانون الخدمة المدنية حيث انه لم يتم نشر المدونة في مكان ظاهر بالوحدات المحلية محل هذه الدراسة أو وضعها على الموقع الإلكتروني الخاص بها. أيضاً لا يوجد اهتمام باطلاع الموظف على مدونة السلوك وموافقته عليها كتابة عند بداية ممارسة العمل الوظيفي، أو تدريب العاملين ورفع الوعي لديهم بأخلاقيات وواجبات الوظيفة.
– لا يوجد التزام لدي الوحدات المحلية بالتطبيق السليم لإجراءات التأديب حيث أظهرت الدراسة الميدانية انه لا يتم مراعاة العوامل الأساسية لذلك واهمها: الفورية في فرض الجزاء التأديبي عقب وقوع المخالفة التأديبية، اتساق وثبات واستمرار أسلوب التعامل مع المخالفات التأديبية لكافة العاملين دون اختلاف بين حالة وأخري، الموضوعية الكاملة وتجنب الميول الشخصية، الالتزام بالعدالة ومراعاة تناسب العقوبة مع خطورة سوء السلوك، أيضاً نشر القواعد المنظمة للتأديب والتحذير المسبق.
– تدخل الهيئات القضائية (هيئة النيابة الإدارية، والمحاكم التأديبية بمجلس الدولة) وتبني الطابع القضائي في التأديب اضعفت فعالية نظام التأديب في مصر نتيجة طول زمن التحقيقات والمحاكمات القضائية، بالإضافة الي أن الهيئات القضائية عادة ما تواجه صعوبة في جمع أدلة كافية للإدانة لذا تلجأ هذه الهيئات الي حفظ التحقيق او الحكم بالبراءة مما يؤدي الي إفلات الموظف مرتكب المخالفة التأديبية من العقاب، أيضاً قد أدي منح النيابة الإدارية الحق في توقيع الجزاءات التأديبية الي ضعف دور الرؤساء الإداريين في تأديب مرؤوسيهم وتوجيهم.
– كما ترتب على تبني هذا النمط القضائي والحد من سلطة الرؤساء الإداريين في توقيع العقوبات خوفاً من إساءة استخدام هذه السلطة الي إهمال الفاعلية الإدارية، وعدم إعمال قاعدة تساوي السلطة مع المسؤولية.
– وهكذا فلم تحدث التعديلات في قانون الخدمة المدنية الأخير تحسننا في فعالية نظام التأديب، وفي هذا الصدد يجب الاهتمام بتوفير العوامل التي تساعد على رفع مستوي الولاء للمنظمة وتنمية القيم الأخلاقية والاستعداد والالتزام طواعية بقواعد العمل والسلوكيات الإيجابية، ولا شك أن ذلك يستلزم توفير البيئة المناسبة والثقافة التنظيمية المشجعة ولعل أهمها نمط وأساليب القيادة، ونظام الحوافز المادية والمعنوية، واعمال قاعدة الشخص المناسب في المكان المناسب. مع التأكيد على ان أسلوب العقاب ليس هو الوسيلة الناجحة في حث الموظف على الالتزام بالسلوكيات الإيجابية في العمل.
– وتوصى الدراسة بضرورة إعادة النظر في قانون الخدمة المدنية رقم 81 لسنة 2016، إذ انه من الأهمية تفعيل سلطة الرؤساء والقادة الإداريين، والحد من تدخل الهيئة القضائية حيث أن الرؤساء هم الأقرب للموظف والاقدر على تقييم سلوكياته خلال فترة عمله.
– أيضاً يجب العمل على توفير العوامل الإدارية والتنظيمية التي تساعد علي تحسين أداء العاملين بالمنظمات الحكومية والالتزام بقواعد العمل وتجنب الإهمال وأهمها: تحسين مستوي الأجور، إعادة تصميم الوظائف والعمل على إثرائها وإزالة رتابة العمل (Job enrichment).
– كما انه من الأهمية العمل علي حسن اختيار القادة وتدريبهم على تجنب النمط القيادة التقليدي الذي يعتمد على مركزية صنع واتخاذ القرارات.
– ومن الأهمية أن يتسلح الرؤساء المباشرين بسلطة توقيع الجزاء وترك الحرية لهم في ذلك كما هو مطبق بمنظمات الأعمال الخاصة حتى يستمد الرئيس المباشر هيبته من سلطته التأديبية، فإذا انتزعت منه فربما يفقد أهم الأسلحة التي تمكنه من توجيه العاملين خاصة وأن حريته في منح الحوافز الإيجابية المادية مقيدة باللوائح المالية.
هوامش الدراسة
[1] وزارة التخطيط والمتابعة و الاصلاح الإداري، المعهد القومي للإدارة، مدونة سلوك واخلاقيات الوظيفة العامة، بتاريخ 15/4/2022 الساعةpm 7:41،https://www.eeaa.gov.eg/portals/0/eeaaReports/employees
[2]على محمد نبيل هلال، دور اختيار القيادات في الحد من الفساد في المنظمات العامة بالتطبيق على الشركة القابضة للصناعات المعدنية، رسالة دكتوراة غير منشورة، أكاديمية السادات للعلوم الإدارية،2022، ص 66.
[3]المرجع السابق، ص 78.
[4] Beauty Chewe and Thomas Kweku Taylor, Disciplinary Procedures, Employee Punctuality and Employee Performance at Ndola City Council (Zambia)., African Journal of Social Sciences and Humanities Research ISSN: 2689-5129 Volume 4, Issue 2, 2021 (pp. 32-48)
[5]Xavier Knight and Wilfred Isioma Ukpere, The Effectiveness and Consistency of Disciplinary Actions and Procedures within a South African Organization, Mediterranean Journal of Social Sciences Vol 5 No 4 March 2014, E-ISSN 2039-2117 ISSN 2039-9340 Mediterranean Journal of Social Sciences MCSER Publishing, Rome-Italy Vol 5 No 4 March 2014.
[6]Martadha and Sakdan , Improving Disciplinary Proceeding in Enhancing Good Governance in the Public Sector, in International Conference on Public Polices & Social Sciences : E-Proceedings, 26 to 27 May 2010, https://ir.uitm.edu.my/id/eprint/33243
[7]Campbell, David N; Fleming, R L; Grote, Richard C. Discipline Without Punishment – At Last Campbell,
Harvard Business Review Vol. 63, Issa. 4, (Jul/Aug 1985): 162.
[8] موقع محافظة الجيزة http://www.giza.gov.eg/Brotocol/about.aspx
[9]Employee Discipline and Features of a Sound Disciplinary System
https://www.managementstudyguide.com/employee-discipline.htm
[10]Factors necessary for effective disciplinary system https://www.whatishumanresource.com/Factors-necessary-for-effective-disciplinary-system
[11] Wilfred Isioma Ukpere, The Effectiveness and Consistency of Disciplinary Actions and Procedures within a South African Organization, Mediterranean Journal of Social Sciences Vol 5 No 4 · March 2014.
[12]McGregor Douglas.The Human Side of Enterprise, New York: McGraw. Hill, 1960, P. 33-34
14 JudithR. Gordon, A Diagnostic Approach to Organizational Behavior, Third ed, (Allyn and Bacon,)1991, p.p.150-152
[15]Campbell, David N; Fleming, R L; Grote, Richard C. Discipline Without Punishment – At Last
Harvard Business Review Vol. 63, Iss. 4, (Jul/Aug 1985): p.162.
[16]Hasibuan, M. S. P. Human resource management. Revised Edition Moulds 17, Jakarta: P T. Bumi Script. 2013.
[17]Vonai, C. Management of discipline for good performance: A theoretical perspective. Online Journal of Social Sciences Research,2013, 2(7), 214 – 219
[18]Siagian, S. P , 21st Century Management. Jakarta: Earth Literacy,2005.
[19]Bedeian, A. G,Principle of Management: Chicago: Dryden Pressm,1987.
[20] راجع كل من: – جوناثان سيملانسكى، ترجمة: هند رشدى، إدارة الموارد البشرية، القاهرة: كنوز للنشر والتوزيع، 2009م، ص 86.
– جيرالد جرينبرج، روبرت بارون، إدارة السلوك التنظيمى، تعريب وترجمة: رفاعى محمد رفاعى، اسماعيل على بسيونى، المملكة العربية السعودية، الرياض: دار المريخ للنشر، 2004م، ص25.
– على السلمى، إدارة الموارد البشرية، ط2،(القاهرة: دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع،1997، ص92
[21] ماهر الصواف، معايير نجاح المنظمات الحكومية الصواف
[22]راجع: قانون الخدمة المدنية رقم 81 لسنة 2016 ولائحته التنفيذية
[23] راجع: وزارة التخطيط والمتابعة والاصلاح الإداري، المعهد القومي للإدارة، مدونة سلوك واخلاقيات الوظيفة العامة، مرجع سبق ذكره
[24] راجع: مدونة سلوك واخلاقيات الوظيفة العامة، المرجع السابق
[25] المرجع السابق
[26] راجع: قانون الخدمة المدنية للمملكة الأردنية الهاشمية رقم 9 لسنة 2020م.
[27] مرسوم سلطاني رقم (120/2004) والمعدل بالمرسوم رقم 115 لسنة 2007 بإصدار قانون الخدمة المدنية، الفصل الثاني عشر، واجبات الموظفين والأعمال المحظورة عليهم.
[28]قانون الخدمة المدنية للمملكة الأردنية الهاشمية رقم 9 لسنة 2020 م. مواد 68 ،69
[29] راجع: المادة رقم (158) من اللائحة التنفيذية لقانون الخدمة المدنية رقم 81 لسنة 2016م.
[30] راجع: المادة رقم (61) من قانون الخدمة المدنية المصري رقم 81 لسنة 2016م.
[31] مادة رقم (59) من قانون الخدمة المدنية المسرى رقم 81 لسنة 2016 م.
[32] مادة رقم (60) من قانون الخدمة المدنية المصري.
[33] راجع: المواد 61،62،63 من قانون الخدمة المدنية المصري.
[34] المادة رقم (62) من قانون الخدمة المدنية المصري.
[35] المادة رقم (142) ه-1 من قانون الخدمة المدنية للمملكة الأردنية الهاشمية.
[36] راجع المادة رقم (143) من المرجع السابق.
[37]المادة رقم (117) من المرسوم السلطاني العماني رقم 120/2004 قانون الخدمة المدنية والمعدل بالمرسوم رقم 115 لسنة 2007م.
[38] المادة رقم (117)، المرجع السابق.
[39] المادة رقم (118)، المرجع السابق.
[40] مواد 191، و120، و121، المرجع السابق.
[41] احمد عبدالله اللحلح، مصطفى محمود أبو بكر، البحث العلمي- تعريفه- خطواته- مناهجه- المناهج الاحصائية، الإسكندرية : الدار الجامعية، 2002م .


