الضمانات الأساسية في مجال التأديب
ذ. عبد الغني يفوت
مستشار بالمحكمة الإدارية بالدار البيضاء
يعتبر الموظف العمومي أو العامل في مرافق الدولة في وضعية نظامية تجاه الإدارة أو المرفق الذي يعمل لديه ومن ثمة تقع عليه عدة التزامات إدارية أو وظيفية منها ما يرتبط بالجانب الأخلاقي ومنها ما يرتبط بأداء الوظيفة المسندة إليه. فالجانب الأول يوجب على الموظف أن يتحلى بأخلاق مثالية من شأنها أن تصون كرامة الوظيفة أو الجهاز الإداري الذي ينتمي إليه كأن لا يضع نفسه موضع الريبة والشبهات وارتكاب الفواحش والجانب الثاني من هذه الالتزامات يقتضي القيام بالعمل وفقا للضوابط القانونية المعمول بها وأن يحترم رؤساءه وألا يفشي الأسرار الوظيفية التي تصل لعلمه بحكم وظيفته وأن يحافظ على الأموال العمومية التي يعهد بها إليه وذلك باحترام القواعد والأحكام المالية التي تنظم النفقات العمومية.
ذلك أن الوظيفة العمومية هي خدمة وطنية شريفة تناط بالقائم عليها مجموعة من الواجبات يتحملها كمقابل للحقوق المعترف له بها وهذا ما عملت به نظرية الوظيفة العمومية ذات البيئة المغلقة التي الزمت الموظفين بالخضوع لهذه الواجبات لاجتناب كل ما من شأنه أن يجعلهم محل العقوبات ([1]) هذا وإن قوانين الوظيفة العمومية وكذا القوانين المنظمة للمرافق التابعة للدولة تقرر بعض المقتضيات المحددة لواجبات الموظفين والمستخدمين كما تقرر بعض الجزاءات التأديبية عن مخالفة الالتزامات الوظيفية التي قد تصل إلى درجة المساءلة الجنائية، وقد تحدث المشرع المغربي في الباب الثالث من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية ([2]) عن حقوق وواجبات الموظفين في الفصول من 13 إلى20. حيث الزم الموظف باحترام سلطة الدولة والتقيد بشروط ممارسة الحق النقابي ومنع عليه ممارسة أي نشاط مهني يدر عليه مدخولا إلا بموجب قرار استثنائي. كما أوجب المشرع على الموظف العمومي كتمان السر المهني وأقر مسؤوليته خلال القيام بالأعمال والمهام المسندة إليه. وكل إخلال بالواجبات الأخلاقية والوظيفية المفروضة على الموظف أو العامل في المرفق العام تشكل مخالفة تأديبية تعرضه للجزاء التأديبي.
ولعل أغلب التشريعات الوظيفية تتفادى التعريف بالمخالفة أو الجريمة التأديبية تاركة الأمر في ذلك للقضاء وقد ذهبت محكمة القضاء الإداري المصرية في قرارها الصادر بتاريخ 1953/11/25 إلى القول بأنه ” لكي تكون ثمة جريمة تأديبية تستوجب المآخذة وتستأهل العقاب يجب أن يرتكب الموظف فعلا أو أفعالا تعتبر إخلالا بواجبات وظيفته أو مقتضياتها ([3]) وذهبت الجمعية العمومية لقسم الفتوى والتشريع لتعريف المخالفة التأديبية بأنها ” كل فعل يرتكبه الموظف ويكون من شأنه اعتباره جريمة تأديبية يحق للجهة الإدارية محاسبته عليها توقيع الجزاء المناسب ([4]).
وفي إطار تطبيق مقتضيات النظام الأساسي للقضاة اعتبر مجلس الدولة الفرنسي في قرار صادر بتاريخ 5 ماي 1982 أن قيام أحد القضاة بتكرار خرق قواعد الاختصاص وعدم احترام رئيسه المباشر بإرساله خطابا حاملا لعبارات عنيفة وغير لبقة يشكل مخالفة تستوجب التأديب ([5]) في حين ذهب بعض الفقه في المغرب ([6]) إلى وضع بعض القواعد التي من شأنها المساعدة على تحديد مفهوم الخطأ التأديبي وهذه القواعد هي:
- أن تكون المخالفة المقترفة لها طابع الخطأ أي أنها تشكل إخلالا بالواجبات الوظيفية.
- أن يكون اقتراف الخطأ أثناء مزاولة الموظف لمهامه بأن تكون الصلة بين الموظف والإدارة لازالت قائمة.
- ألا يكون الخطأ ناتجا عن ظروف قاهرة أو إكراه.
- أن يكون الخطأ حقيقيا غير مفترض حتى يمكن مساءلة الموظف عليه.
إلا أنه استثناءا مما ذكر فإن المشرع في الفصل 54 من القانون المتعلق بهيئة أطباء الأسنان الوطنية ([7]) ذهب إلى أنه ” يعتبر خطأ تأديبيا من وجهة نظر الهيئة كل إخلال بالواجبات المهنية ولا سيما:
- خرق القواعد المهنية والإخلال بمبادئ الشرف والاستقامة وكرامة المهنة.
- عدم التقيد بالقوانين والأنظمة المطبقة على طبيب الأسنان في مزاولة مهنته.
- الإخلال بالقواعد والأنظمة التي تسنها الهيئة وعدم التقيد بالاحترام الواجب في حق أجهزتها.
ونظرا لما قد يترتب على إحالة الموظف أو العامل بمرافق الدولة على المجلس التأديبي من آثار منها ما يؤثر في مساره الوظيفي فيحرمه من الترقية السريعة ومنها ما قد يؤدي إلى عزله من وظيفته فإن المحاكمات التأديبية تحاط بالعديد من الضمانات منها ما ورد التنصيص عليه في القوانين ومنها ما استلهم من المبادئ العامة للمحاكمات.
ولعل الدراسات التي أحاطت موضوع المحاكمات التأديبية قسمت هذه الضمانات إلى أنواع ثلاثة منها ما يسبق توقيع الجزاء التأديبي كوجوب إشعار المتابع تأديبيا بالمخالفات المنسوبة إليه والاطلاع على ملفه الشخصي وضمان حق الدفاع وإجراء تحقيق في المخالفة التأديبية ومن هذه الضمانات ما يعاصر توقيع الجزاء التأديبي وتتمثل في ضرورة ضمان حياد الجهاز التأديبي وتعليل القرار التأديبي وتشمل الضمانات اللاحقة لتوقيع العقوبة إثبات حق الموظف في ممارسة التظلم الإداري والقضائي وحسبنا أن نأتي على ذلك بعد الحديث عن الجهة التي لها حق التأديب.
الجهة التي لها حق تأديب الموظف أو العامل بمرافق الدولة
ورد في المادة الخامسة والستين من قانون الوظيفة العمومية على أنه تخص حق التأديب السلطة التي لها حق التسمية، وتقوم اللجان الإدارية المتساوية الأعضاء بدور المجلس التأديبي ويغير حينذاك تركيبها وفقا لمقتضيات الفصل الخامس والثلاثين ([8]) ونفس المبدأ أكد عليه المشرع الفرنسي في القانون الصادر بتاريخ 1983/7/13 إلا أن مجلس الدولة في قرار صادر بتاريخ 1985/7/26 أضاف إلى المبدأ المذكور عبارة ” ما لم توجد مقتضيات صريحة تعطي الاختصاص لسلطة أخرى” ([9]).
أما المشرع المصري فقد أسند الاختصاص للمحاكم التأديبية يحدد اختصاصها على أساس المستوى الوظيفي للعامل فتختص المحكمة الإدارية العليا بمحاكمة العاملين من مستوى الإدارة العليا وتختص المحاكم التأديبية العادية بمحاكمة من يشغلون وظائف أدنى من هذا المستوى ويطعن في أحكام هذه المحاكم أمام المحكمة الإدارية العليا بعد عرض المنازعة على هيئة فحص الطعون ([10]).
ويكون القرار التأديبي صحيحا سواء اتخذ من الجهة التي لها حق التسمية أو من طرف السلطة الإدارية المفوض لها في ذلك. وكل إخلال بهذا الأمر يجعل القرار مشوبا بعيب الاختصاص ومآله الإلغاء علما أن عيب الاختصاص بمفهومه الشامل يتعلق بالنظام العام تملك المحكمة أثارته تلقائيا كسبب للإلغاء ولو لم يتمسك به الطاعن لما ينطوي عليه من غصب الاختصاص وخرق القواعد القانونية التي تحدد الجهة المختصة في مباشرة العمل القانوني وذلك على حد العبارات الواردة في أحد قرارات المحكمة الإدارية بوجدة ([11]). كما ذهبت المحكمة الإدارية بالرباط في قضية رمضان بن امحمد ضد وزير الصيد البحري إلى أن توقيع قرار العزل من طرف رئيس قسم الموارد البشرية دون الإشارة إلى توفره على تفويض في التوقيع من طرف الوزير يجعل القرار متسما بتجاوز السلطة لعيب الاختصاص ويتعين إلغاؤه ([12]) نفس الاتجاه سارت عليه المحكمة الإدارية بأكادير حيث أقرت بأن مندوب وزارة الصحة بإقليم بوجدور أمام عدم إدلائه بما يفيد حصوله على تفويض لتأديب الموظفين التابعين له يكون قرار التوبيخ الصادر عنه جديرا بالإلغاء لصدوره عن جهة إدارية غير مختصة ([13]).
الضمانات السابقة على الإحالة على المجلس التأديبي
وهي كما سبق الذكر حق المتابع تأديبيا في إشعاره بالمخالفات الإدارية المنسوبة إليه والاطلاع على الملف التأديبي بعد إجراء تحقيق في المنسوب إليه ثم ضمان حقوق الدفاع.
- إشعار المعني بالأمر بالمخالفة المنسوبة إليه
ويقتضي ذلك إعلام الموظف المعني بالأمر بالمخالفات المنسوبة إليه وتاريخ انعقاد المجلس التأديبي وإخطاره بإمكانية الاطلاع على ملفه التأديبي وتعيين محام لمؤازرته خلال انعقاد المجلس التأديبي، ويجب أن تكون المهلة الفاصلة بين انعقاد المحاكمة التأديبية وتاريخ الاستدعاء كافية لإعداد دفاع المعني بالأمر، ويمكن أن يكون الاستدعاء بوسائل التبليغ المحددة في الفصل 36 وما يليه من قانون المسطرة المدنية كما يمكن أن يتم بالطرق الإدارية مع الاشعار بالتسلم ومتى تمسك الموظف بإخلال الإدارة بهذا الاجراء فإن عبىء اتباث احترامه يقع عليها عن طريق الادلاء بشهادة التسليم أو التوقيع على محضر التبليغ.
وإذا كان المشرع في قانون الوظيفة العمومية لم يشر لهذا الإجراء فإن القضاء استلهمه من المبادئ العامة للمحاكمات الجنائية، في حين ذهبت بعض التشريعات إلى التنصيص عليه صراحة كما هو الشأن بالنسبة للمشرع المصري في المادة الرابعة والثلاثين من قانون مجلس الدولة التي أشارت على أن قرار الإحالة ينبغي أن يتضمن أسماء المعنيين بالأمر والمخالفة المنسوبة إليهم والنصوص القانونية الواجبة التطبيق ([14]).
ومتى حضر الموظف المتابع خلال الجلسة الأولى للمجلس التأديبي وأجلت القضية بناء على طلبه أو لسبب من الأسباب كاستدعاء الشهود فلا يحق له التمسك بعدم الاستدعاء. وتكون الغاية قد تحققت إذا حضر المعني بالأمر بصفة تلقائية بناء على علمه الشخصي وتمكن من تحضير دفاعه وبالتالي لا يسوغ له التمسك بهذه الوسيلة للطعن بالإلغاء في القرار التأديبي. غير أنه إذا رجعت شهادة التبليغ بأن المعني بالأمر يتواجد خارج الوطن أو في عطلة رسمية أو أنه يتواجد في حالة صحية تحول دون حضوره أو بصفة عامة في وضعية يستحيل عليه حضور المجلس التأديبي، وجب تأجيل جلسة التأديب إلى حين زوال العذر أو المانع.
- الاطلاع على الملف التأديبي وإعداد الدفاع
وهذه الضمانة أشار إليها المشرع صراحة إلى الفصل السابع والستين من قانون الوظيفة العمومية حيث ورد فيه أن للموظف المتهم الحق في أن يطلع على ملفه الشخصي بتمامه وعلى جميع الوثائق الملحقة به وذلك بمجرد ما تقام عليه دعوى التأديب ويمكنه أن يقدم إلى المجلس التأديبي ملاحظات كتابية أو شفاهية وأن يستحضر بعض الشهود وأن يحضر معه مدافعا باختياره وللإدارة حق إحضار الشهود.
ويتم الاطلاع على الملف التأديبي من طرف المعني بالأمر شخصيا أو من طرف محامية ولو تضمن الملف المذكور معلومات ذات طابع سري وفي ذلك ذهبت المحكمة الإدارية بالرباط في قرارها الصادر بتاريخ 1989/3/17 ([15]) إلى أن منع محامي الطاعن من الاطلاع على ملفه الإداري بدعوى أنه سري ودون أن يمكن هذا الأخير من أنه يدافع عن نفسه معززا في هذا الشأن بمساعدة المحامي الذي اختاره لهذه المهمة يشكل إخلالا جوهريا بحقوق الدفاع، وفي قرار حديث لها ذهبت المحكمة الإدارية بالدار البيضاء إلى أن ضمان حق المتهم تأديبيا في الدفاع عن نفسه يقتضي تمكينه من تحقيق دفاعه ومنحه أجلا كافيا ومقبولا لتحضير دفاعه بصفة شخصية أو بواسطة محامية وأن عدم احترام ذلك يشكل إخلالا بالضمانات الأساسية ويعرض القرار التأديبي للإلغاء ([16]) بعدما ثبت للمحكمة أن محامي الطاعن تقدم للمجلس التأديبي بطلب تأجيل البت إلى حين إعداد الدفاع فرض طلبه بعلة أن المهلة التي منحت للمعني بالأمر كانت كافية لإعداد الدفاع، وفي نفس الاتجاه ذهبت المحكمة المذكورة إلى أن عدم استدعاء المتابع تأديبيا للمثول أمام المجلس التأديبي على النحو المتطلب قانونا لتمكينه من تقديم دفاعه قبل اتخاذ عقوبة في شأنه يشكل خرقا لحق الدفاع يستوجب إلغاء القرار التأديبي ([17]).
هذا وأن إغفال هذه الضمانة الأساسية يؤدي حتما لإلغاء القرار التأديبي المتخد ولو أن إغفال احترامها لم يكن له أي تأثير على القرار ولو أن المتابع تأديبيا كان عالما بكافة المؤاخذات الموجهة إليه وذلك حسبما أقره مجلس الدولة الفرنسي في قراره الصادر بتاريخ 1981/10/30 قضية مركز الطب النفساني للأطفال ([18]). وأشار المجلس أن هذه الوسيلة ليست من النظام العام ولابد من إثارتها من طرف الطاعن. كما أن الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى في قرارها عدد 1059 وتاريخ 1998/11/26 (قضية خدراني حسن ضد وزير التربية الوطنية) ذهبت إلى أن ” الثابت من وثائق الملف خاصة ما أدلت به الإدارة رفقة مقالها الاستئنافي أنها وإن وجهت كتابا إلى المعني بالأمر تحت رقم 2875 بتاريخ 1994/6/20 إلا أنها لم تدل بما يثبت توصل المدعي بذلك الكتاب كما أن محضر مجلس التأديب لم يتضمن بدوره ما يفيد استدعاء المدعي ولا مثوله أمامه للدفاع عن نفسه.
وحيث إن الحكم المطعون فيه عندما بنى قضاءه على كون الملف خال مما يفيد توجيه استفسار للمعني بالأمر قبل اتخاذ العقوبة في حقه يجعل القرار مشوبا بالتجاوز في استعمال السلطة يكون هذا التعليل كافيا لتبرير منطوق حكمها القاضي بإلغاء العقوبة المتخذة مادام حق الدفاع قبل اتخاذ أي عقوبة بالموظف من الحقوق الأساسية والجوهرية التي لا يمكن التغاضي عنها” ([19]).
وللإشارة، فإن السيد الوزير الأول أصدر منشورا تحت عدد 96/1 وتاريخ 1996/2/1 حول تمثيل المحامين للموظفين المحالين على المجالس التأديبية أعطى من خلاله تعليماته لكافة الإدارات لتقديم التسهيلات الضرورية للسادة المحامين الذين يؤازرون الموظفين أمام المجالس التأديبية وذلك تطبيقا لمقتضيات الفصل 67من قانون الوظيفة العمومية وللاجتهادات القضائية التي تقر ضرورة احترام حقوق الدفاع ([20]).
إجراء بحث في موضوع المخالفة التأديبية
تقتضي المخالفة التأديبية في بعض الأحيان البحث وإجراء تحقيق بشأنها قبل تقرير إحالة المعني بالأمر على المجلس التأديبي والغاية من هذا التحقيق هو التأكد من صحة الأفعال المنسوبة للموظف وإسنادها إليه. حيث يتم الاستماع إليه وللشهود متى تطلب الأمر ذلك وقد يتم اللجوء إلى الخبرة ولكافة إجراءات التحقيق القانونية وغالبا ما تسند هذه المهمة للإدارة المعنية نفسها عن طريق جهاز التفتيش لديها، كما هو الشأن بالنسبة للمملكة المغربية.
وفي الدول العربية، فإن هذا الجهاز يختلف من دولة لأخرى فمهمة التحقيق في مصر تسند لهيئة النيابة الإدارية ولهيئة الرقابة والتحقيق في المملكة العربية السعودية ولقسم التحقيق بالجهاز المركزي للرقابة الإدارية العامة في الجمهورية الليبية ([21]).
وفضلا عن التحقيق الذي تقوم به الإدارة التابع لها الموظف فإن النظام الأساسي للوظيفة العمومية زيادة في التحقيق أعطى للمجلس التأديبي ضمن مقتضيات الفصل الثامن والستين إمكانية إجراء بحث إن لم يكتف بالمعلومات المعطاة له عن الأعمال المؤاخذ عليها المعني بالأمر أوعن الظروف التي ارتكبت فيها تلك الأعمال وهو ما يشكل في نظرنا ضمانة إضافية يستحسن اللجوء إليها لتفادي بعض الانزلاقات التي قد يعرفها التحقيق الإداري الأولي، ولا مانع أيضا من استشارة ذوي الخبرة في الميدان الذي ينتمي إليه الموظف.
وتفاديا للتأثير على إجراءات التحقيق أو إتلاف بعض الوثائق التي من شأنها إثبات المخالفة الإدارية فإن المشرع كإجراء احتياطي أعطى في المادة 73من قانون الوظيفة العمومية للإدارة إمكانية توقيف الموظف عن العمل خلال ارتكاب هفوة خطيرة سواء تعلق الأمر بإخلال في التزاماته المهنية أم بجنحة ماسة بالحق العام. وتسوى وضعية الموظف إن لم يتم استدعاؤه للمجلس التأديبي خلال أجل أربعة أشهر ابتداء من اليوم الذي جرى فيه العمل بالتوقيف، إلا إذا تعلق الأمر بمتابعة جنائية فإن حالته لا تسوى إلا بعد صيرورة الحكم نهائيا.
والتحقيق ينتهي إما بحفظ أوراق الملف لعدم ثبوت أي مخالفة في حق الموظف أو عدم كفاية الأدلة وقد ينتهي بإحالته على المجلس التأديبي بعد تحرير تقرير في الموضوع أو بإحالة المعني بالأمر على النيابة العامة متى ثبت أن الأخطاء المرتكبة لها طابع جنائي.
الضمانات ال معاصرة لتوقيع العقوبة التأديبية
ومن هذه الضمانات ما يهم أعضاء المجلس التأديبي الذي يجب أن يتوفر فيهم عنصر الحياد وأن يكون تشكيل الجهاز التأديبي بصفة قانونية ومن هذه الضمانات ما يرتبط بالقرار التأديبي الذي يجب أن يكون معللا بأن يكون معتمدا عناصر واقعية وقانونية أدت لإدانة المتابع تأديبيا.
-
حياد أعضاء المجلس التأديبي
ويقصد بالحياد (impartialité) أن من يبدي رأيه يمتنع عليه الاشتراك في نظر القضية والحكم فيها وذلك ضمانا لحيدة القاضي أو عضو المجلس التأديبي الذي يجلس من المتهم مجلس الحكم وبين سلطة الاتهام حتى يطمئن إلى عدالة قاضية وتجرده من التأثر بعقيدة سبق أن كونها عن المتهم موضوع المحاكمة ([22]) بمعنى أنه يجب على كل من يجلس مجلس القضاء ألا يكون قد كتب أو استمع أو تكلم حتى تصفو نفسه من كل ما يمكن أن يستشف رأيه في المتهم بما يكشف لهذا الأخير مصيره مقدما بين يديه ([23]).
وإذا كان المشرع المغربي في قانون الوظيفة العمومية وفي المرسوم ([24]) المنظم للجان الإدارية المتساوية الأعضاء لم يتحدث على عنصر الحياد خلال الحديث عن مسطرة تأديب الموظفين فإنه لا مانع من الاستئناس بمقتضيات الفصل 295 وما يليه من قانون المسطرة المدنية المنظمة للتجريح، وعلى هذا الأساس يكون عضو المجلس التأديبي ملزما بالتنحي عن حضور الجلسة التأديبية:
- إذا كان له مصلحة شخصية في الملف التأديبي،
- إذا وجدت قرابة أو مصاهرة بينه وبين المتابع تأديبيا،
- إذا قدم استشارة أو أدلى بشهادة خلال إجراءات التحقيق،
- إذا وجدت صداقة أو عداوة مشهورة بين أحد أعضاء المجلس التأديبي والموظف.
وإذا علم أحد أعضاء المجلس التأديبي بوجود سبب من أسباب التجريح عليه أن يتنحى عن حضور المجلس التأديبي ضمانا لمصداقية القرار التأديبي ويطمئن المتابع تأديبيا لهذا القرار، علما أن تقدير ما إذا كان السبب المثار من طرف الطاعن يستوجب تنحي عضو المجلس يدخل ضمن السلطة التقديرية للمحكمة التي تقرر ما إذا كان هذا السبب قد مس بعنصر الحياد أم أنه لم يكن كذلك.
وقد ذهبت المحكمة الإدارية بالدار البيضاء في أحد قراراتها إلى أنه من مقومات المحاكمة التأديبية ضرورة توفر عنصر الحياد في الجهاز التأديبي حتى يمكن الاطمئنان لقراره فحضور المسؤول الذي حرر التقرير التأديبي في مواجهة الموظف وكذا أحد الشهود على المخالفة الإدارية بصفتهم أعضاء في المجلس التأديبي يشكل مسا بعنصر الحياد يستوجب إلغاء القرار التأديبي بسبب مخالفة القواعد العامة للمحاكمات ([25]).
وفي قرار للمحكمة الإدارية بالرباط بتاريخ 18/3/ 1994 ([26]) ذهبت فيه إلى أن ترأس المفتش العام للمجلس التأديبي رغم أنه هو الذي حرر محضر التفتيش المستند إليه في تأديب الطاعن جعل من الرئيس المذكور خصما وحكما وأبعده عن الحياد والتجرد الذي كان يجب أن يتحلى به مما أضفى على القرار المطعون فيه صبغة عدم المشروعية المتجلية في فقدان الطاعن للضمانات التي يوفرها القانون للموظف المتابع تأديبيا.
وفي قرار حديث أكدت المحكمة الإدارية بالدار البيضاء نفس المبدأ ([27]) بقولها، تشكيل المجلس التأديبي بعدد أقل من الأعضاء المحددين قانونا وعدم الإدلاء بما يفيد استدعاء باقي الأعضاء المشكلين للمجلس المذكور يشكل مخالفة قانونية ومسا بأحد الضمانات الأساسية المخولة للمتابع تأديبيا، أن مبدأ الحياد يقتضي أن كل من يتولى التحقيق في المخالفة التأديبية أو اتصل بأي مرحلة من مراحل الاتهام ليس له الحق في حضور المحاكمة التأديبية… مشاركة أحد المسؤولين في اجتماع المجلس التأديبي رغم سبق إجرائه بحثا حول ما نسب للموظف المتابع تأديبيا وإبداء رأيه في المخالفة التأديبية في تقرير مقدم للإدارة… يجعل عنصر الحياد غير متوفر في الجهاز التأديبي.
- تشكيل المجلس التأديبي
تحدث المشرع المغربي عن تشكيل المجلس التأديبي في الفقرة غف من الفصل 65 من قانون الوظيفة العمومية حيث أورد فيها على أن اللجان الإدارية المتساوية الأعضاء تقوم بدور المجلس التأديبي ويغير حينذاك تركيبها وفقا لمقتضيات الفصل 35، وأشارت هذه المادة الأخيرة إلا أنه إذا كانت اللجان الإدارية تعمل كلجان للترقي، فإن تركيبها يغير بكيفية لا يجوز معها بأي حال من الأحوال لموظف ذي رتبة معينة أن يبدي اقتراحا يتعلق بترقي موظف أعلى منه درجة في الرتبة. والربط بين مقتضيات الفصلين65 و 35 من النظام الأساسي للوظيفة العمومية يعني كما سبق الذكر أنه لا يحق لموظف ذي رتبة أقل النظر في قضية تتعلق بتأديب موظف أعلى منه رتبة، والإخلال بالمبدأ المذكور من شأنه أن يرتب عدم قانونية تشكيلة المجلس التأديبي وبالتالي عدم مشروعية القرار التأديبي، وعلى العكس من ذلك، فإن المحكمة الإدارية بالدار البيضاء في أحد قراراتها ([28]) ارتأت أن حضور ممثل للموظفين من درجة أعلى من درجة الموظف المتابع تأديبيا بدل الموظف الذي يمثل صنف الموظفين الذين ينتمي إليه الموظف المتابع في غياب أي ضرر لا يخل بالضمانات التي من أجلها سنت ضوابط تحديد ممثلي الموظفين في المجلس التأديبي بل إنه يحقق زيادة في الضمانات.
وتطبيقا لمقتضيات الفصل الواحد والثلاثين من المرسوم رقم 2-59-20 الصادر بتاريخ 26شوال 1378 الموافق 5 ماي 1959 فإنه “لا تصح مداولات اللجان الإدارية المتساوية الأعضاء إلا إذا راعت قواعد التأسيس والتسيير المنصوص عليها في الظهير الشريف بمثابة نظام عام للوظيفة العمومية وكذا في هذا المرسوم. وعلاوة على ذلك، فإن الثلاثة أرباع على الأقل من أعضائها يجب أن يكونوا حاضرين وإذا لم يدرك النصاب القانوني فيرسل استدعاء جديد في أجل ثمانية أيام إلى أعضاء اللجنة التي يكون اجتماعها صحيحا إذا حضره نصف أعضائها”. وفي هذا الإطار، فإن المحكمة الإدارية بالدار البيضاء قد الغت قرارا تأديبيا بسبب خرق المقتضيات المذكورة حيث تبين لها أن اللجنة التأديبية انعقدت لأول مرة بنصف أعضائها في حين أن الأمر كان يتطلب توجيه استدعاء ثان في محاولة لحضور ثلاثة أرباع من أعضائها وهو ما لم يثبت للمحكمة احترامه ([29]).
- تعليل القرارات التأديبية
سبب القرار الإداري هو العنصر القانوني أو الواقعي الذي يحدو بالإدارة لإصداره، فهو حالة واقعية أو قانونية تحمل الإدارة على التدخل قصد إحداث أثر قانوني معين محل القرار ابتغاء تحقيق الصالح العام وهو هدف القرار ([30]) وسبب القرار التأديبي هو ثبوت مخالفة الموظف أو العامل بمرافق الدولة للواجبات الأخلاقية والوظيفية المفروضة عليه ويكون تدخل الإدارة لتحقيق الردعين الخاص والعام وللحفاظ على كرامة الوظيفة أو القطاع الذي ينتمي إليه المتابع تأديبيا.
وقد استقر القضاء الإداري على أن الجزاء التأديبي كأي قرار إداري يجب أن يقوم على سبب يبرره فإذا ثار نزاع حول ذلك، فإن للقضاء التحقق من صحة قيام الأفعال المنسوبة إلى الموظف وهل هي مستخلصة استخلاصا سائغا من أصول تنتجها أو التكييف القانوني لهذه الأفعال على فرض حصولها وهل تكون الجريمة التأديبية طبقا للقانون، وليس من شك أن سلطة الإدارة من هذه الناحية أو تلك ليست سلطة تقديرية بل هي سلطة محددة بحدود القانون وتلك القيود هي رقابة قانونية وليست رقابة موضوعية تتحرى بها مدى مطابقة القرار الإداري للقانون أو عدم مطابقته إياه ([31]).
ومن شروط السبب المؤدي لاتخاذ القرار التأديبي أن يكون قائما عند اتخاذه وأن يكون حقيقيا ومحددا بوقائع ظاهرة، وإذا كان سبب القرار التأديبي هو الحالة الواقعية والقانونية التي دفعت الإدارة لاتخاذ قرارها فإن ذلك يعني ضرورة توافر الظروف المادية الخاصة التي كانت السبب في اتخاذ القرار أو الشروط القانونية المؤدية لصدور هذا القرار، فمتى انعدم الباعث المادي أو القانوني كان القرار مشوبا بعيب السبب وفي ذلك تقول المحكمة الإدارية العليا في أحد قراراتها ” ومن حيث أن القرار الصادر بفصل المدعية هو قرار تأديبي يجب أن يقوم على سبب ولا يجب في هذه الحالة – كما يقول الحكم المطعون فيه ثبوت واقعة معينة مما أسند للمدعية في الشكوى وفي تقرير المباحث – إذ يكفي لتحقيق المسؤولية وبالتالي إنزال العقاب الإداري أن تستخلص الجهة الإدارية الواقعة التي بنت عليها الجزاء استخلاصا سائغا ومقبولا من واقع الأوراق المطروحة عليها، وليس لجهة القضاء رقابة على هذا الاقتناع مادامت الأوراق التي استخلص منها هذا الاقتناع تؤدي إليه… “([32]). والقضاء الإداري خلال رقابته لعيب السبب في مجال التأديب ملزم برقابة الوجود المادي للواقعة المؤدية للجزاء التأديبي ويقرر إلغاء القرار التأديبي متى ثبت قيامه على وقائع غير صحيحة ([33]) كما أنه ملزم بتسليط رقابته على التكييف القانوني للوقائع عن طريق التأكد من الوصف القانوني الذي أعطته الإدارة للمخالفة الوظيفية فمتى كانت هذه المخالفة لا تجد لها أي سند في القانون كان القرار فاقد لأحد أهم أركانه وهو ركن السبب… ([34])وتمشيا مع ما سار عليه مجلس الدولة الفرنسي والمصري وكذا الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى بدأ القضاء الإداري يخرج عن القاعدة العامة المستمدة من حق الإدارة في اختيار الجزاء التأديبي المناسب وأصبح يراقب مدى ملاءمة القرار التأديبي للمخالفات الإدارية ويقرر إلغاء هذه القرارات متى ثبت له وجود عدم تناسب بين السبب والقرار. ففي قرارها الصادر بتاريخ 20/2/2006أثبتت المحكمة الإدارية بالدار البيضاء إلى أن سلطة الإدارة في ملاءمة العقوبة التأديبية للمخالفة المنسوبة للطاعن ليست مطلقة. وأن هذه السلطة مقيدة بعدم الانحراف والخطأ البين في التقدير ([35]) وفي إطار رقابتها على مدى ملاءمة العقوبة للفعل المنسوب للموظف ذهبت إلى:
وحيث لما كان الثابت فقها وقضاء أن مبدأ التناسب بين خطورة الذنب المرتكب من طرف الموظف العمومي والجزاء المقرر له في قرار التأديب في فقه القانون العام أو القانون الإداري هو صفة لعلاقة منطقية ومنسقة تربط بين عنصرين أو أكثر من عناصر القرار الإداري أو العمل القانوني العام بحيث يتعين على مصدر القرار الإداري عدم إغفاله أو الخروج عليه نزولا على دواعي الشرعية ذلك أن مبدأ التناسب باعتباره من المبادئ العامة للقانون هو ميدان الجزاء وشرعيته باعتباره من الحدود الدنيا لمتطلبات الحماية المقبولة التي توفرها الدولة القانونية لحقوق مواطنيها وحرياتهم والتي تندرج تحتها ألا يكون الجزاء على أفعالهم إفراطا بل متناسبا معها ومتدرجا بقدر خطورتها ووطأتها على الصالح العام فلا يكون هذا الجزاء إعناتا ومن ثم فإن شرعية الجزاء لا يمكن ضمانها إلا إذا كان متناسبا مع أفعال أتمها المشرع أو منعها.
وحيث إن ما تمسكت به الإدارة من كون القرار الطعين قد انبنى على إخلالات مهنية صادرة عن الطاعن أجملتها في قيامه بتبديد أوراق رسمية تتعلق بصفحات من السجل العام الخاص بالواردات على مستوى المصلحة التي كان يشرف على تسيير شؤونها فإنها أسباب لا يمكن الارتكان إليها لتقرير عقوبة العزل في حق الطاعن الذي دأب منذ التحاقه بمكتب استغلال الموانىء على العمل بتفان وجدية جعلته يتحمل مسؤوليات مهمة في المكتب الذي ينتمي إلى أسلاكه وذلك لأزيد من عشرين سنة دون أن تسجل بملفه أية خروقات أو شوائب تمس بكفاءته المهنية أو الأخلاقية مما يكون معه قرار العزل الصادر في حقه متسما بالغلو في التقدير وخارقا لمبدأ التناسب الواجب توافره في الجزاء التأديبي.
وحيث إنه استنادا لما سبق بيانه يكون الطعن مرتكزا على أساس سليم الأمر الذي يناسب التصريح باعتباره وإلغاء القرار المطعون فيه ([36]).
الضمانات اللاحقة لتوقيع العقوبة التأديبية
وتتجلى الضمانات اللاحقة لصدور العقوبة التأديبية في ثبوت حق المتابع تأديبيا في ممارسة مسطرة التظلم الإداري للجهة الإدارية مصدرة القرار أو للسلطة الإدارية التي تعلوها، ومن بين هذه الضمانات أيضا إمكانية اللجوء للقضاء الإداري للمطالبة بإلغاء القرار التأديبي متى تبين للمعني بالأمر أن هذا القرار مشوب بالشطط في استعمال السلطة ([37]).
- التظلم الإداري
التظلم وسيلة اختيارية يتعرض بواسطتها المعني بالأمر على القرار الإداري عن طريق مراسلة الجهة مصدرة القرار ويسمى تظلما استعطافيا (recours gracieux) أو السلطة الرئاسية ويسمى تظلما رئاسيا (recours hiérarchique) بقصد التراجع عن موقفها والتأكد من مشروعية هذا القرار تفاديا لإلغائه من طرف القضاء وتحميل الإدارة المصاريف القضائية والتعويض.
وإذا كان القرار صادرا عن الوزير فلا يوجد إلا شكل واحد للتظلم الإداري وهو الطعن الاستعطافي، فلا يعتد بالطعن الموجه إلى الوزير الأو ل لأن هذا الأخير لا يعتبر من الناحية الإدارية سلطة رئاسية على الوزير، ونفس الأمر بالنسبة لرئيس الجماعة في علاقته مع سلطة الوصاية (وزارة الداخلية) أو مدير المؤسسة العمومية مع الوزارة التي تمارس عليه الوصاية. ففي جميع هذه الأحوال ينبغي تقديم طعن استرحامي ([38]).
وقد نظم المشرع مسطرة التظلم في المادة الثالثة والعشرين من القانون رقم 90-41 المحدث للمحاكم الإدارية حيث أشار إلى أنه: ” يجب أن تقدم طلبات إلغاء القرارات الصادرة عن السلطات الإدارية بسبب تجاوز السلطة داخل أجل ستين يوما يبتدئ من نشر أو تبليغ القرار المطلوب إلغاؤه إلى المعني بالأمر.
ويجوز للمعنيين بالأمر أن يقدموا، قبل انقضاء الأجل المنصوص عليه في الفقرة السابقة، تظلما من القرار إلى مصدره أو رئيسه، وفي هذه الصورة يمكن رفع طلب الإلغاء إلى المحكمة الإدارية داخل أجل ستين يوما يبتدئ من تبليغ القرار الصادر صراحة برفض التظلم الإداري كليا أو جزئيا.
إذا التزمت السلطة الإدارية المرفوع إليها التظلم الصمت في شأنه طوال ستين يوما اعتبر سكوتها عنه بمثابة رفض له، وإذا كانت السلطة الإدارية هيئة تصدر قراراتها بتصويت أعضائها فإن أجل ستين يوما يمد، إن اقتضى الحال ذلك، إلى نهاية أول دورة قانونية لها تلي إيداع التظلم…
إذا التزمت الإدارة الصمت طوال ستين يوما في شأن طلب قدم إليها اعتبر سكوتها عنها ما لم ينص قانون على خلاف ذلك بمثابة رفض له، وللمعني بالأمر حينئذ أن يطعن في ذلك أمام المحكمة الإدارية داخل أجل 60يوما يتبدئ من انقضاء مدة الستين يوما المشار إليها أعلاه…”
والأصل في التظلم أنه جوازي للمعني بالأمر سلوكه باللجوء للجهة الإدارية للعدول عن قرارها قبل سلوك مسطرة الطعن القضائي وللإشارة فقد عرف تنظيم هذا الطعن طريقتين منذ إحداث الطعن من أجل الشطط في استعمال السلطة إذ أن الطعن الإداري كان في مرحلة أولى إجباريا فأصبح اليوم اختياريا، ذلك أن مقتضيات الفصل 14من الظهير بتاريخ 27 شتنبر 1957 المؤسس للمجلس الأعلى والملغى حاليا كان ينص على إجبارية استعمال الطعن الإداري كما يلي: ” لا يقبل أي طلب بإلغاء قرار صادر عن السلطة الإدارية من أجل الشطط في استعمال السلطة إلا إذا تقدمه طعن إداري في القرار المذكور لدى السلطة التي تعلو مباشرة تلك السلطة التي صدر عنها. وإن لم توجد سلطة أعلى يقدم الطعن الإداري بصورة استعطاف لإعادة النظر في القرار إلى السلطة التي أصدرته نفسها”.
ووفقا لمقتضيات المادة 23 أعلاه فإن ممارسة التظلم توجب على المتضرر من القرار احترام الآجال المحددة من طرف المشرع وذلك برفع الدعوى داخل أجل ستين يوما التالية لتبليغ القرار الصريح برفض التظلم أو خلال أجل الستين يوما تبتدئ من انقضاء أجل جواب الإدارة. مما يفيد أن التظلم سواء كان رئاسيا أو استعطافيا يؤدي لتمديد ميعاد الطعن بالإلغاء، وأن العبرة في قطع أجل الطعن بالتظلم الأول وأن تكرار التظلمات لا يؤدي في جميعها لتمديد أجل الطعن بالإلغاء.
وقد وضع بعض الفقه الإداري ([39]) للتظلم الإداري المنتج لأثاره في قطع أجل الطعن بالإلغاء بعض الشروط منها أن يقدم بعد صدور القرار الإداري النهائي وأن يكون محددا لا يتضمن عبارات عامة وأن يقدم من صاحب الشأن بحيث لا ينقطع ميعاد الطعن إلا بالنسبة لمن تقدم بالتظلم دون غيره من المعنيين بالقرار وأن يقدم التظلم للجهة المختصة وأن يكون مجديا بمعنى أن التظلمات التي سيكون مآلها الرفض لا جدوى من تقديمها للإدارة المعنية. والأصل هو فوات ستين يوما من تاريخ تقديم التظلم دون أن تجيب عنه السلطات المختصة هو بمثابة قرار ضمني برفض التظلم -إلا أنه متى سلكت الإدارة مسلكا إيجابيا في بحث التظلم، فإن هذا المسلك يعتبر مانعا لسريان قرينة الرفض الضمني ولا يسري ميعاد دعوى الإلغاء إلا من تاريخ الإبلاغ بالموقف النهائي لجهة الإدارة:
وفي هذا تقول المحكمة الإدارية العليا لا ومن حيث أنه فيما يتعلق بما انتهى إليه الحكم المطعون فيه من عدم قبول دعوى إلغاء قرار مجازاة الطاعنة لرفعها بعد الميعاد القانوني، فإنه لما كان الثابت من الأوراق أن القرار المطعون فيه صدر بتاريخ 1979/6/12 وأعلنت به الطاعنة في 1979/7/22 وتظلمت منه لمفوض الدولة بتاريخ 1979/8/27 وإنه وإن كان الأصل أن فوات ستين يوما من تاريخ تقديم التظلم دون أن تجيب عنه السلطات المختصة هو بمثابة قرار ضمني برفض التظلم بحيث أنه كان يتعين عليها أن تقيم الدعوى بإلغاء القرار المتظلم منه في موعد غايته 1979/12/25، إلا أن قضاء هذه المحكمة قد استقر على أنه إذا ما سلكت الإدارة مسلكا إيجابيا في بحث التظلم فإن هذا المسلك يعتبر مانعا لسريان قرينة الرفض الضمني ولا يسري ميعاد دعوى الإلغاء إلا من تاريخ الإبلاغ بالموقف النهائي لجهة الإدارة…” ([40]).
وإذا كان الأصل وفقا لما سبق ذكره أن التظلم الإداري مسطرة اختيارية إلا أنه في بعض الأحيان قد يكون وجوبيا إذا ما اشترط المشرع ضرورة اللجوء إليه قبل اللجوء للطعن بالإلغاء في القرار الإداري ومن ذلك مثلا ما ورد في الفقرة 3 من المادة 48 من الميثاق الجماعي الجديد ([41]) والتي ورد فيها: “… لا يمكن تحت طائلة عدم القبول من لدن المحاكم المختصة، رفع دعوى التعويض أو الشطط في استعمال السلطة غير دعاوى الحيازة أو الدعاوى المرفوعة لدى القضاء المستعجل، ضد الجماعة أو قرارات جهازها التنفيذي إلا إذا كان المدعي قد أخبر من قبل الجماعة ووجه إلى الوالي أو عامل العمالة أو الإقليم التابعة له الجماعة مذكرة تتضمن موضوع وأسباب شكايته وتسلم هذه السلطة للمدعي وصلا بذلك…”
وإذا كان المشرع استعمل عبارة “اخبار” التي لا تعني التظلم الإداري بشكل صريح فإن الطعن في القرارات التابعة لرئيس الجماعة وغيرها من القرارات يوجب سلوك المسطرة أعلاه تحت طائلة عدم قبول دعوى الإلغاء ([42]).
- التظلم القضائي
تمارس مسطرة التظلم القضائي عن طريق دعوى الإلغاء التي أسندها المشرع في القانون رقم 90/41 المحدث للمحاكم الإدارية مع مراعاة الاستثناءات الواردة في القانون المذكور بشأن إسناد الاختصاص للغرفة الإدارية وللمحكمة الإدارية بالرباط ([43]).
وقد خصص المشرع لدعوى الإلغاء مقتضيات الباب الثالث من القانون أعلاه حيث أشارت المادة العشرون إلى أن “كل قرار إداري صدر من جهة غير مختصة أو لعيب في شكله أو لانحراف في السلطة أو لانعدام التعليل أو لمخالفة القانون يشكل تجاوزا في استعمال السلطة، يحق للمتضرر الطعن فيه أمام الجهة القضائية الإدارية المختصة”.
ودعوى الإلغاء هي التي يرفعها أحد الأفراد أو إحدى الهيئات أمام القضاء الإداري بغية إلغاء قرار إداري مخالف للقانون ويمكن أن توجه إلى أي قرار إداري دون حاجة إلى نص لأنها تعتبر دعوى القانون العام فيما يخص القرارات الإدارية ([44]) ولقبول دعوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة لابد من توافر بعض الشروط منها ما يرتبط بطبيعة القرار محل الطعن بالإلغاء ومنها ما يتصل بشخص الطاعن وهناك شروط إجرائية تعني أجل الطعن بالإلغاء وممارسة مسطرة التظلم متى أوجب المشرع سلوكها، والقاضي الإداري ملزم بمراقبة توفر هذه الشروط قبل البت في مشروعية القرار الإدارية، ومن خصائص دعوى الإلغاء بسبب الشطط في استعمال السلطة أنها ليست دعوى بين خصوم ولكنها دعوى ضد مقرر إداري بقصد التوصل إلى إلغائه بأمر المحكمة ([45]).
الشروط المتعلقة بالقرار موضوع الطعن بالإلغاء
يشترط لقبول دعوى الإلغاء أن يتعلق الأمر بقرار إداري، وقد استقر قضاء مجلس الدولة المصري على تعريف القرار الإداري أنه ” إفصاح جهة الإدارة في الشكل الذي يحدد القانون عن إرادتها الملزمة، بما لها من سلطة عامة بمقتضى القوانين واللوائح وذلك بقصد إحداث مركز قانوني، متى كان ذلك ممكنا وجائزا قانونا بهدف تحقيق المصلحة العامة ([46]). ويستفاد من التعريف المذكور أن القرار الإداري يجب أن يكون صادرا عن سلطة إدارية مع مراعاة الاستثناءات التي وضعها الفقه والقضاء كما هو الشأن بالنسبة للقرارات الملكية وبعض أعمال السلطة التشريعية والقضائية كما يجب أن يكون هذا القرار صادرا عن الإرادة الصريحة أو الضمنية للإدارة بما لها من سلطة إصدار الأوامر كما يجب أن تترتب عن القرار الإداري آثار قانونية من شأنها إحداث أو تغيير أو إلغاء بعض المراكز القانونية.
ومن ثمة فالقرارات الصادرة عن سلطة غير إدارية والتي ليس لها طابع نهائي ولا تأثير لها على المركز القانوني للمعنيين بالأمر لا تستفيد من دعوى الإلغاء وفي ذلك ذهبت الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى في قرارها الصادر بتاريخ 1967/6/19 في قضية الشركة الكهربائية المغربية ضد وزير الأشغال العمومية إلى أنه لا يكون قابلا للطعن عن طريق دعوى الإلغاء بسبب الشطط في استعمال السلطة مجرد عمل تحضيري لا يؤثر في الوضع القانوني للطالب الذي يحتفظ بحقه في إقامة دعوى الإلغاء عند صدور قرار نهائي نافذ ([47]) وفي قضية رزقي التجاني ضد وزير العدل بتاريخ 1962/7/15، ذهبت الغرفة الإدارية إلى أن رسالة وزير العدل التي ليس موضوعها سوى تبليغ تدبير اتخذ بظهير والتي لا تتضمن أي عنصر حاسم لا تشكل مقررا مؤثرا قابلا لإحالته أمام قاضي تجاوز السلطة ([48]).
الشروط المرتبطة بطالب الإلغاء
يشترط في طالب الإلغاء أن يكون ذا صفة ومصلحة لتقديم دعواه ويجمع الفقهاء إلى أن الصفة في دعوى الإلغاء تندمج مع المصلحة فتكون الصفة متوفرة كلما كانت هناك مصلحة للطاعن في تقديم دعوى الإلغاء، ويجد شرط المصلحة سنده التشريعي ضمن مقتضيات الفصل العشرين من القانون رقم 41/90 المحدث للمحاكم الإدارية حيث أشار المشرع إلى أن “كل قرار إداري صدر من جهة غير مختصة أو لعيب في شكله أو الانحراف في السلطة أو لانعدام التعليل أو لمخالفة القانون يشكل تجاوزا في استعمال السلطة يحق للمتضرر الطعن فيه أمام الجهة القضائية الإدارية المختصة “. فتضرر طالب الإلغاء فردا أو جماعة من قرار إداري يكسبه المصلحة لتقديم دعوى الإلغاء أمام جهة القضاء الإداري.
والمصلحة المتطلبة في دعوى الإلغاء هي نفس المصلحة المتطلبة في الدعاوى المدنية إلا أنها تنفرد بأحكام خاصة. فالمصلحة كشرط لقبول الدعوى المدنية تستهدف حماية حق شخصي أما في قضاء الإلغاء فإنها ترمي الدفاع عن المشروعية ويكفي لقبولها أن يكون طالب الإلغاء في مركز قانوني أثر عليه القرار المطعون فيه تأثيرا مباشرا.
وإذا كان مجلس الدولة الفرنسي في بداية الأمر يتشدد في شرط المصلحة فإنه بدأ يتساهل في ذلك وأصبح يكتفي منذ سنة 1889 بمجرد مساس القرار الإداري بمصلحة المدعي حيث قبل دعوى مرفوعة من طرف السيد كازانوفا “Casanova ” ضد قرار المجلس القروي بتعيين طبيب محلي لعلاج المرضى بالمجان استنادا إلى صفته كممول لخزينة البلدة فتمسك الطبيب بعدم قبول الدعوى لتخلف شرط المصلحة لدى السيد “كازانوفا ” بيد أن مجلس الدولة الفرنسي قبل الدعوى وقرر أن صفة الطاعن ثابتة لكونه يدفع ضريبة للبلدية ([49]) ويشترط في المصلحة المخولة لإقامة الدعوى أن تكون شخصية ومباشرة. إذ لا مصلحة للزوجة مثلا أن تطعن في قرار عزل زوجها. وإذا كان الأصل العام أن الدعوى تكون غير مقبولة متى كانت المصلحة محتملة فإن الأمر يختلف بالنسبة لدعوى الإلغاء التي تهدف تحقيق مصلحة عامة وهي الأخرى تكون دائما محققة ([50]). ومن ثمة فلا يشترط لاستيفاء شرط المصلحة في دعوى الإلغاء أن يكون للمعني بالأمر مصلحة حالة وإنما يكفي أن تكون له مصلحة محتملة.
الشروط المرتبطة بآجال و مسطرة تقديم دعوى الإلغاء
حدد المشرع في المادة 23 من القانون رقم 90/41 المحدث للمحاكم الإدارية أجل الطعن بالإلغاء بفواته فحص هذه القرارات في ستين يوما من تاريخ نشر أو تبليغ القرار المطلوب إلغاؤه إلى المعني بالأمر، وفي حالة تقديم تظلم لمصدر القرار أو رئيسه ترفع الدعوى داخل أجل ستين يوما من تبليغ قرار رفض التظلم. وإذا التزمت الإدارة الصمت طوال ستين يوما بشأن التظلمات المقدمة إليها ترفع الدعوى داخل أجل الستين يوما ابتداء من انقضاء أجل الجواب.
والنشر هو اتباع الإدارة شكليات معينة لكي يعلم الجمهور بالقرار والتبليغ هو الطريقة التي تنقل بها الإدارة القرار إلى علم فرد بعينه أو أفراد بذواتهم من الجمهور. والقاعدة أنه إذا نص القانون على وسيلة معينة للنشر فيجب أن تتبع تلك الطريقة ([51]).
والحكمة في جعل هذا الميعاد قصيرا هو عدم ترك أعمال الإدارة عرضة للطعن فيها أمدا طويلا، وتوفير عنصر الثبات والاستقرار للمراكز القانونية التي نشأت للأفراد بناء على أعمال الإدارة، وبذلك روعي في تحديد ميعاد دعوى الإلغاء خدمة الصالح العام والصالح الخاص في وقت واحد دون الاضرار أو النيل من مراكزهم ([52]).
وأجل الطعن بالإلغاء من النظام العام يمكن تقديمه في أي مرحلة من مراحل الدعوى كما يمكن للمحكمة أن تقضي من تلقاء نفسها بعدم قبول الدعوى متى قدمت خارج ميعاد الطعن، ومن ثمة فلا يجوز المساس بالحقوق والمراكز القانونية التي ترتبت عن القرار كما لا يجوز سحب هذه القرارات بعد اكتسابها حصانة نهائية بعد فوات أجل الطعن.
وتبليغ القرار يتم بالطريقة الإدارية كما يمكن أن يتم وفقا لمقتضيات قانون المسطرة المدنية إلا أن التبليغ يجب أن يشمل كافة عناصر القرار حتى يتمكن المعني بالأمر من تحديد مواقفه بشأنه قبولا أو رفضا… وفي حالة المنازعة في واقعة التبليغ فإن عبء الإثبات يقع على الإدارة مصدرة القرار تحت طائلة بقاء أجل الطعن مفتوحا لممارسة دعوى الإلغاء.
وإذا كانت مقتضيات الفصل 23 أعلاه قد سوت بين النشر والتبليغ في حساب أجل الطعن بالإلغاء فلابد من التمييز بين القرارات التنظيمية التي تعني مجموعة من الأشخاص والقرارات الفردية التي تخص أشخاص معنيين بذواتهم فهذه الأخيرة لا يمكن الاكتفاء فيها بالنشر بل لابد من اللجوء لوسيلة التبليغ لإمكانية مواجهة المعنيين بها بفوات أجل الطعن بالإلغاء.
وقد استقر الفقه والقضاء على أنه إذا قام الدليل وفقا لظروف النزاع علم الطاعن بالقرار علما يقينيا شاملا لكافة محتويات هذا القرار بشكل يمكنه من تحديد مركزه القانوني بدأ أجل الطعن ابتداء من هذا العلم اليقيني. وبمقتضى الفصل الخامس والعشرين من قانون المحاكم الإدارية فإن أجل قبول طلب إلغاء القرارات الإدارية بسبب تجاوز السلطة ينقطع إذا رفع إلى جهة قضائية غير مختصة ولو كان المجلس الأعلى ويبتدئ سريان الأجل مجددا ابتداء من تبليغ المدعي الحكم الصادر نهائيا بتعيين الجهة القضائية المختصة.
والملاحظ أن المشرع اكتفى في المادة المذكورة بوسيلة واحدة لإطالة ميعاد الطعن بالإلغاء في حين أن الفقه والقضاء اعتمد وسائل أخرى لتمديد الأجل منها القوة القاهرة بمعناها المتفق عليه وطلبات المساعدة القضائية التي يهدف فيها المعني بالأمر إعفاءه من الرسوم القضائية وتعيين أحد المحامين للنيابة عنه. كما أن الأجل يمدد إذا تعرضت عليه الجهة الإدارية المختصة فهذا التعرض يقطع ميعاد الطعن بالإلغاء قياسا على حق الأفراد في تقديم التظلم الإداري، وهناك بعض الدراسات ([53]) التي أشارت لوسيلة أخرى لتمديد الأجل وهي تقديم الدعوى ضد غير ذي صفة حيث يبدأ حساب الأجل ابتداء من صدور الحكم بعدم قبول الدعوى لتقديمها في مواجهة إدارة غير معنية بالقرار، في حين أن هناك جانب من الفقه ([54]) يعارض هذا التوجه بعلة أن دعوى الإلغاء هي دعوى عينية توجه ضد قرار إداري وليس ضد الجهة الإدارية مصدرة القرار، وأن رفع الدعوى ضد غير ذي صفة لا يعد سببا لانقطاع ميعاد الطعن، ونحن نميل لهذا الاتجاه الثاني على أساس أن تبليغ المعني بالأمر بالقرار الإداري بشكل قانوني سوف يمكنه لا محالة من معرفة الجهة مصدرة القرار ذات الصفة في التقاضي فضلا على إمكانية مواجهته بنظرية العلم اليقيني بالقرار خلال تقديم الدعوى ثانية أمام القضاء لذلك نرى استبعاد هذه الوسيلة الأخيرة كسبب لتمديد ميعاد الطعن بالإلغاء.
وإضافة لشرط الأجل فإنه عملا بمقتضيات الفقرة الأخيرة من الفصل 23 أعلاه فإنه لكي تقبل دعوى الإلغاء يجب ألا يكون المشرع قد خول المعني بالأمر وسيلة أخرى يستطيع بمقتضاها الحصول على نفس النتيجة التي تحققها دعوى الإلغاء فمتى وجدت هذه الوسيلة القانونية وجب عليه اتباعها دون اللجوء لدعوى الإلغاء تحت طائلة الحكم بعدم قبول دعواه وهو ما يصطلح عليه بالدعوى الموازية Le recours parallele.
نخلص مما سبق إلى أنه نظرا للآثار الخطيرة التي تترتب على إحالة الموظف العام أو العامل في مرافق الدولة أو غيرهم من المهنيين الذين يخضعون لإجراءات التأديب على المجالس التأديبية، فإن الفقه والقضاء الإداري استقر على توفير ضمانات المحاكمات التأديبية المفصلة أعلاه. لأن هذه الضمانات تمليها قواعد العدالة والإنصاف والمبادئ العامة للمحاكمات. وإن لم يتم التنصيص عليها قانونا. فتحقيق هذه الضمانات من شأنه أن يوفر اطمئنان المتابع تأديبيا لقرار المجلس التأديبي.
وإيمانا من المشرع المغربي بأهمية هذه الضمانات وتفاديا لقرارات تأديبية مشوبة بتجاوز السلطة ومخالفة القانون، فإنه أوجب حضور قاضي من المحكمة الإدارية في أعمال المجالس التأديبية لبعض الهيئات المهنية كهيئة أطباء الأسنان الوطنية، فوفقا للفصل 60 من القانون رقم 07/05 ([55]) يعين وزير العدل القاضي المذكور للمشاركة في أعمال المجلس التأديبي للمجالس الجهوية بصفته مستشار قانوني بهدف تحقيق مصداقية وقانونية قرار المجلس المذكور.
كما أنه بمقتضى الفصل 57 من القانون المنظم لمهنة الطب ([56]) فإن المشرع أجاز للمجلس الجهوي استدعاء نقيب هيئة المحامين لحضور أعمال المجالس التأديبية لهيئة الأطباء الجهوية بصفة مستشار. وفي انتظار تعديل مقتضيات القانون المذكور وفي إطار اتفاق بين وزارة العدل والهيئة الوطنية للأطباء فقد تم تعيين بعض قضاة المحاكم الإدارية كمستشارين قانونيين لحضور أعمال المجالس التأديبية للمجالس الجهوية للأطباء. وإننا نأمل أن ينهج المشرع هذا المسار بالنسبة لكافة المقتضيات التي تنظم المحاكمات التأديبية لأن من شأن ذلك أن يؤدي لصدور قرارات تأديبية مطابقة للقانون وغير مشوبة بالشطط في استعمال السلطة وأن يقلص عدد الطعون بالإلغاء المقدمة أمام المحكمة الإدارية في مجال التأديب لأن الموظف المتابع تأديبيا متى اطمأن لقرار المجلس التأديبي فإن ذلك لا شك سوف يحول بينه وبين اللجوء لممارسة دعوى الإلغاء في هذا القرار التأديبي.
[1] ذ. رضوان بوجمعة، الوظيفة العمومية المغربية على درب التحديث، ص. 241
[2] ظهير شريف رقم 1.58.008 بتاريخ 4 شعبان 1377 (1958/2/24).
[3] خميس إسماعيل، المحاكمات التأديبية أمام مجلس الدولة، ص 10
[4] نفس المرجع السابق، ص. 170.
[5] René Chapus, Droit Administratif, 2e édition, p. 272
[6] ذ. رضوان بوجمعة، المرجع السابق، ص.264
[7] ظهير شريف رقم 41 – 07- 1 صادر في 28 ربيع الأول 1428 ( 17 / 4/ 2007) بتنفيذ القانون رقم 05/07 المتعلق بهيئة أطباء الاسنان الوطنية.
[8] بمعنى لا يجوز لموظف ذي رتبة معينة أن يبدى اقتراحا يتعلق بتأديب موظف أعلى منه في الرتبة.
[9] René Chapus, p. 271
[10] خميس السيد إسماعيل، المحاكمات التأديبية، ص. 337.
[11] قرار المحكمة الإدارية بوجدة عدد 2000/259 وتاريخ 31/10/2000، الخشين عبد القادر ضد وزير التربية الوطنية.
[12] قرار عدد 174 وتاريخ 1999/3/18
[13] قرار عدد 55/02 وتاريخ 2002/5/23 قضية برغوت لحسن ضد وزير الصحة، انظر كذلك قرار المحكمة الإدارية بالدار البيضاء بتاريخ 1995/11/20، قضية فتيتة زبيدة ضد بلدية برشيد.
[14] خميس السيد اسماعيل، المرجع السابق، ص. 389.
[15] المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، العدد 47 مقال للاستاذ محمد الاعرج، حول ” حماية حقوق الموظف من خلال الرقابة على مسطرة حق الدفاع ”
[16] قرار عدد 301وتاريخ 2008/2/18 في الملف رقم 06/406 غ، قضية عمر بن الفتاح (غير منشور).
[17] قرار عدد 814 بتاريخ 2006/11/20 في الملف رقم 2075/06 غ، أمروس عبد الحكيم ضد كلية الآداب والعلوم الإنسانية ببني ملال، انظر كذلك القرار عدد 764 وتاريخ 2006/11/1 ملف رقم 137/06 والقرار عدد 466 وتاريخ 2006/5/29 ملف رقم 1039/05 غ (غير منشورة).
[18] René Chapus, Droit Administratif, 6e édition, p. 287
[19] مذكور في الدليل العلمي للاجتهاد القضائي في المادة الادارية، الجزء الاول، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، ص.257.
[20] عبد الوهاب رافع، نزاعات الوضعية الفردية للموظفين والعاملين بالإدارات العمومية من خلال العمل القضائي، ص. 56.
[21] التأديب الإداري في الوظيفة العامة، علي جمعة محارب، الصفحة 487.
[22] طعن رقم 438لسنة 2008 علنيا جلسة 1981/11/21 مذكور في الجرائم التأديبية للمستشار ممدوح طنطاوي، الطبعة الثانية، ص. 321.
[23] الدكتور سليمان محمد الطماوي، قضاء التأديب، ص. 590
[24] مرسوم رقم 2.59.200 الصادر في 26شوال 1378 الموافق 5 ماي 1959.
[25] حكم عدد 363وتاريخ 2001/6/20 منشور بالمجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 54-56 ص. 23، عبد الحق بهية ضد غرفة التجارة والصناعة والخدمات بسطات.
[26] أشار إليه الاستاذ محمد نميرى، دور القضاء الاداري في حماية حقوق الدفاع بالنسبة للموظفين وفي مراقبة ملاءمة العقوبة، مجلة المحاكم الادارية، العدد الثاني، ص 91
[27] قضية عبد الكبير عرباني ضد إدارة الجمارك، قرار عدد 246-وتاريخ 2008/2/11 ملف رقم 2005/830 غير منشور.
[28] ملف رقم 05/217 غ حكم بتاريخ 2005/5/11 تحت عدد 328 قضية محمد أديب ضد وزير الصحة.
[29] قرار عدد246 بتاريخ 2008/2/11 في الملف 830/2005غ المشار إليه سابقا.
[30] المحكمة الإدارية، طعن رقم 257 لسنة 26 جلسة 1982/2/27.
مذكور في شروط قبول الطعن بإلغاء القرار الاداري، د. عبد العزيز عبد المنعدم خليفة، ص40.
[31] محكمة القضاء الإداري قضية عدد 1386 بتاريخ 1953/12/23 (مذكور في قضاء الملاءمة والسلطة التقديرية للإدارة، د. سامي جمال الدين، ص. (187.
[32] المحكمة الإدارية العليا 1960/9/21 المذكور في القضاء الإداري: ولايتا الإلغاء والتعويض للدكتور محمد عبد الحميد أبو زيد، ص.127).
[33] حكم المحكمة الإدارية بالدار البيضاء عدد 108 وتاريخ 14/2/2007 ملف رقم 338/0
[34] حكم المحكمة الإدارية بالدار البيضاء في الملف عدد 02/413 بتاريخ 2003/4/23 وحكمها كذلك في الملف عدد 02/269 بتاريخ 2003/9/24.
[35] حكم عدد 163-ملف رقم 05/331 غ.
[36] حكم المحكمة الإدارية بالدار البيضاء عدد824 وتاريخ 2008/4/30 في الملف رقم 06/621غ، المسوكر محمد ضد مكتب استغلال الموانئ.
[37] حدد المشرع عيوب القرار الإداري في المادة 20من القانون رقم 41/90 المحدث للمحاكم الإدارية.
[38] عبد الله حداد، القضاء الإداري المغربي على ضوء القانون المحدث للمحاكم الادارية، ص. 103
[39] عبد العزيز عبد المنعم خليفة، الموسوعة الإدارية الشاملة في إلغاء القرار الإداري وتأديب الموظف العام، الجزء ، ص. 255
[40] ميعاد رفع دعوى الإلغاء في ضوء أحكام المحكمة الإدارية العليا ومحكمة القضاء الإداري للاستاذ فؤاد أحمد عامر، ص. 272
[41] القانون رقم 78.00 المتعلق بميثاق الجماعي، جريدة رسمية عدد 5058 بتاريخ 2002/21/11 ص. 3468.
[42] المحكمة الإدارية بالدار البيضاء، حكم عدد593 وتاريخ 2007/9/12 ملف رقم 05/92.
[43] الفصلين 9و11 من قانون المحاكم الإدارية.
[44] القضاء الإداري: ولايتا الإلغاء والتعويض، ذ. محمد عبد الحميد أبو زيد، ص. 14.
[45] قرار المجلس الاعلى بتاريخ 1969/11/21، الشركة الفلاحية ضد وزير الفلاحة، مذكور في المرجع العلمي في الاجتهاد القضائي الإداري للاستاذ ابراهيم زعيم إسماعيل، ص. 131.
[46] عبد العزيز عبد المنعم خليفة، المرجع السابق، ص.13.
[47] مذكور في المرجع السابق للاستاذ إبراهيم زعيم، ص. 120.
[48] المرجع السابق، ص. 114.
[49] ذ. محمد عبد الحميد أبو زيد، ولايتا الإلغاء والتعويض، ص. 37.
[50] سليمان الطماوي، الوجيز في القضاء الإداري، 1974 ص. 322 انظر كذلك: القانون الإداري للأستاذة مليكة الصروخ، ص. 577 في إشارة لحكم إدارية الرباط، عدد 100 وتاريخ 1995/4/13.
[51] سليمان الطماوي، قضاء الإلغاء، ص. 501 وما بعدها.
[52] الدكتور محمد عبد الحميد أبو زيد، المرجع السابق، الصفحة 51.
[53] فؤاد أحمد عامر، ميعاد رفع دعوى الإلغاء، ص. 323.
[54] سامي جمال الدين، الدعاوى الإدارية والإجراءات أمام القضاء الإداري.
[55] ظهير شريف رقم 1.07.41 صادر في 28ربيع الاول 1428 (2007/4/17) بتنفيذ القانون رقم 07/05 المتعلق بهيئة أطباء الاسنان الوطنية، جريدة رسمية، عدد 5519.
[56] ظهير شريف رقم 44.84.1 صادر في 17 جمادى الثانية (1984/3/21) 1404بمثابة قانون يتعلق بهيئة الاطباء الوطنية.


