المساطر الاستعجالية أمام المحاكم الإدارية

 

د. أحمد أجعون

أسـتـاذ بـاحـث

جامعة المولى اسماعيل – مكناس

 

كما يقال إن القضاء هو فن إنهاء الخصومات والدعاوى، لكن هذه الوظيفة يكتنفها بعض البطء لما تحتاجه من وقت طويل لدراسة الملفات والحصول على جميع المعلومات والاستماع لكافة الأطراف والقيام بجميع الإجراءات اللازمة (الخبرة- المعاينة- الاستماع إلى الشهود…)، لذلك تم استحداث مجموعة من المساطر الاستعجالية التي تستهدف اختصار المساطر وتبسيط الإجراءات وتسريعها بالإضافة إلى تقليل النفقات.

وقد حرص المشرع المغربي، لدى إحداثه للمحاكم الإدارية، أن يخصص للقضاء الإستعجالي الإداري مكانة هامة بين فصوله. وبذلك أصبح المغرب يعرف – ولأول مرة – قضاء إستعجاليا في المجال الإداري متميزا ومستقلا عن قضاء الموضوع. فقد نصت المادة 19 من القانون رقم 90-41 على أنه: “يختص رئيس المحكمة الإدارية أو من ينيبه عنه بصفته قاضيا للمستعجلات والأوامر القضائية بالنظر في الطلبات الوقتية والتحفظية”. كما أن المادة السابعة من نفس القانون تحيل على مقتضيات قانون المسطرة المدنية التي تنظم العديد من فصوله موضوع القضاء الاستعجالي.

ونصت المادة 6 من القانون رقم 03-80 المحدث للمحاكم الاستئنافية الإدارية على ما يلي: “يمارس الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف الإدارية أو نائبه مهام قاضي المستعجلات إذا كان النزاع معروضا عليها”.

وبالموازاة مع القواعد المنظمة للقضاء الاستعجالي الإداري، سن المشرع مساطر استعجالية أخرى سواء في نفس القانون أو بمقتضى نصوص خاصة. وهذه المساطر الخاصة بالاستعجال تم وضعها لتعزيز حماية حقوق وحريات الأفراد والجماعات التي قد تتضرر من تصرفات الإدارة التي تتمتع بالعديد من الامتيازات.

وإذا كان المجال لا يتسع لحصر مختلف المساطر الاستعجالية التي تعرض على المحاكم الإدارية، فإننا سنقتصر على تطبيقين مختلفين لهذه المساطر الاستعجالية بغية الوقوف على أهم مميزاتها، وكذا نقط التشابه والاختلاف بينها سواء فيما يتعلق بالقواعد المنظمة لها أو المساطر التي تخضع لها أو أخيرا فيما يتعلق بالضمانات التي توفرها وحدود سلطة القاضي في كل منها. يتعلق الأمر بدعوى وقف تنفيذ القرار الإداري ودعوى الطعن بالإلغاء الاستعجالي في القرار المتعلق باقتياد الأجنبي إلى الحدود. ولعل السبب في اختياري لهذين الدعويين هو أنهما يقعان على طرفي نقيض؛ فالأولى دعوى استعجالية أسند اختصاص البت فيها إلى قضاء الموضوع والثانية دعوى موضوعية أوكل أمر البت فيها إلى القاضي الاستعجالي. كما أن البحث في واقع وآفاق القضاء الاستعجالي الإداري ببلادنا، يستدعي التطرق للمستويات الأساسية: القاضي المختص- حدود التقيد بالقواعد التقليدية للقضاء الاستعجالي – أجل البت في القضايا.

انطلاقا مما ذكر، ارتأينا معالجة هذا الموضوع في ثلاثة مطالب على النحو التالي:

المطلب الأول: دعوى وقف تنفيذ القرار الإداري

المطلب الثاني: الطعن في القرار المتعلق باقتياد الأجنبي إلى الحدود

المطلب الثالث: واقع وآفاق القضاء الاستعجالي الإداري بالمغرب

المطلب الأول:دعوى وقف تنفيذ القرار الإداري

للقيام بوظائفها الرامية إلى تحقيق المصلحة العامة، تتمتع الإدارة بامتيازات السلطة العامة ومن ضمنها امتياز الأثر الفوري الذي تستفيد منه قراراتها، وذلك بسبب تمتعها بقرينة الشرعية والسلامة حتى يثبت العكس. ومن نتائج هذا الامتياز أن الطعن بالإلغاء في القرار الإداري لا يوقف تنفيذه كقاعدة.

لكن تفاديا للآثار السلبية التي قد تترتب عن هذه القاعدة، أقرت معظم التشريعات استثناء يسمح للمتضرر اللجوء إلى القضاء لطلب وقف تنفيذ قرار إداري مؤقتا حتى يتم البت في دعوى الإلغاء. في هذا الصدد نصت المادة 24 من القانون المحدث للمحاكم الإدارية على ما يلي: “للمحكمة الإدارية أن تأمر بصورة استثنائية بوقف تنفيذ قرار إداري رفع إليها طلب يهدف إلى إلغائه إذا التمس ذلك منها طالب الإلغاء صراحة”.

يتضح من هذه المادة أن المحكمة كهيئة جماعية هي المخولة لاتخاذ إجراء وقتي متمثل في الأمر بوقف تنفيذ القرار الإداري في انتظار البت في إلغائه، وهي لا تستجيب لطلب وقف تنفيذ القرار الإداري إلا بصفة استثنائية وعادة عند توفر الشروط الثلاثة الآتية التي يتشدد القضاء كثيرا في استيفائها:

  • يجب أن يتقدم به رافع الدعوى بصفة صريحة في نفس الوقت الذي يتقدم فيه بطعن بالإلغاء، إذ أن دعوى إيقاف التنفيذ ليست مستقلة وإنما مرتبطة وجودا وعدما بدعوى الإلغاء([1]) .
  • يجب أن يبين رافع الدعوى من خلال الطعن أن هناك أسبابا حقيقية تستوجب إيقاف التنفيذ.
  • يجب أن يكون الضرر المتوقع حدوثه بتنفيذ القرار الإداري خطيرا ويصعب إصلاحه.

فقد قضت المحكمة الإدارية بالدار البيضاء([2]) بما يلي: “وحيث تواتر العمل القضائي على أن الاستجابة لإيقاف تنفيذ قرار إداري معلقة على عنصري الاستعجال المتمثلة في الضرر الذي لا يمكن تداركه في المستقبل وجدية الوسائل المعتمدة في دعوى الإلغاء، والتي يستشفها القاضي الإداري من ظروف وملابسات كل قضية على حدة، والتي من شانها حسب قراءتها الظاهرية أن تؤدي إلى إلغاء القرار الإداري المطعون فيه لا محالة. وحيث أن الثابت من وثائق الملف كون عملية الهدم المأمور بها ، من شانها إلحاق أضرار يتعذر تداركها لاحقا، فضلا عن أن الوسائل المثارة في دعوى الإلغاء هي على جانب من الأهمية، مما ارتأت معه المحكمة الاستجابة لطلب إيقاف تنفيذ القرار المطعون فيه إلى حين البت في دعوى الإلغاء المعروضة على هذه المحكمة”.

وإذا تفحصنا هذه الشروط، نلاحظ أن سلطة القاضي محدودة فيما يتعلق بالشرط الأول المتمثل في الطلب الصريح المقترن بدعوى الموضوع، في مقابل تمتعه بسلطة تقديرية فيما يتعلق بالشرطين الثاني والثالث، أي جدية الوسائل وخطورة الأضرار التي ستنتج عن تنفيذ القرار. كما أن استعمال المشرع للفظ “يمكن” يجعل من وقف التنفيذ مجرد مسألة اختيارية داخلة في نطاق السلطة التقديرية للقاضي.

غير أنه إذا كان شرط الاستعجال في طلب وقف التنفيذ يتحقق بوجود أضرار قد يتعذر تداركها إذا تم إلغاء القرار المطعون فيه، فإن المحكمة تكتفي في تقدير جدية هذه الأسباب بالنظر في ظاهرها التزاما بقاعدة عدم المساس بالموضوع.

والحكم البات في طلب إيقاف تنفيذ القرار الإداري شأنه شأن الأوامر الاستعجالية حكم ذو طبيعة مؤقتة (jugement provisoire) ولا يكتسب إلا حجية مؤقتة، ومن تم تستطيع المحكمة أن تغير موقفها إذا طرا طارئ بعد صدور الحكم البات في طلب إيقاف التنفيذ ولا يقيدها ما قضت به في طلب الإيقاف عند النظر في دعوى الإلغاء إلا إذا بتت في الدفع بعدم الاختصاص النوعي عند تناولها لطلب إيقاف التنفيذ لأن الحكم في الاختصاص حكم قطعي([3]).

لكن رغم التسليم بأن الحكم البات في طلب وقف التنفيذ حكم وقتي، فإنه أحيانا قد يؤدي إلى إنهاء النزاع من الناحية الواقعية، ويصبح الطعن غير ذي موضوع.فعندما تأمر المحكمة بإيقاف تنفيذ القرار الإداري القاضي بمنع المريض من السفر إلى الخارج ويسافر المعني بالأمر لا تبقى للبت في الطعن نفس الأهمية. أيضا إذا تم تنفيذ الحكم بإيقاف تنفيذ القرار الإداري القاضي بمنع الطالب من المشاركة في الامتحان ينتهي النزاع من الناحية الواقعية ويستوي الحكم بالاستجابة للطعن أو برفضه.

وأخيرا، فالحكم البات في طلب وقف التنفيذ يجوز أن يصدر في غيبة الأطراف لذلك فهو يقبل الاستئناف ولا يقبل الطعن بالتعرض ولا بإعادة النظر.

نخلص للقول أن طلب إيقاف التنفيذ يعد من صميم المادة الاستعجالية، لكن المشرع المغربي أسند اختصاص البت فيه لمحكمة الموضوع التي تعقد جلساتها بهيئة متركبة من ثلاثة قضاة، خلافا لقاعدة اختصاص رئيس المحكمة الابتدائية أو الإدارية بالبت في الطلبات المستعجلة بالإضافة إلى عدم تميزه بمسطرة خاصة. فالجميع  متفق على أن  القضاء الجماعي المتقيد بإجراءات التقاضي العادية والبطيئة لا يتلاءم وظروف الاستعجال التي تبرر طلب الإيقاف ولا يصلح للبت بالسرعة المناسبة في هذه الدعوى([4]). كما أن وقف التنفيذ، وإن كان يتم بحكم إلا أنه إجراء وقتي يظل معلقا على نتيجة الحكم في طلب الإلغاء فيزول كل أثر للحكم إذا رفضت الدعوى موضوعيا ويصبح غير ذي موضوع إذا حكم بإلغاء القرار.

وعليه، فالأمر يستدعي تدخلا تشريعيا لإسناد هذا الاختصاص لقاضي المستعجلات. فالحكمة تقتضي أن يتم البت في هذا الطلب بسرعة وقبل تنفيذ القرار الإداري الذي قد يلحق بالمعني بالأمر أضرارا من المتعذر تداركها وهو ما لا يتيسر دائما للمحكمة المتركبة بصفة جماعية.

المطلب الثاني: الطعن في القرار المتعلق باقتياد الأجنبي إلى الحدود

خول القانون المتعلق بدخول وإقامة الأجانب بالمغرب([5])  للأجنبي الذي صدر في حقه قرار بالاقتياد إلى الحدود إمكانية الطعن بإلغائه أمام رئيس المحكمة الإدارية بصفته قاضيا للمستعجلات خلال أجل 48 ساعة التي تلي تبليغه إليه([6]). ويبت رئيس المحكمة أو من ينيبه عنه داخل أربعة أيام كاملة ابتداء من رفع الأمر إليه، ويمكنه أن ينتقل إلى مقر الهيئة القضائية الأكثر قربا من المكان الذي يوجد به الأجنبي إذا كان هذا الأخير محتفظا به. ويكون الأمر الصادر عن رئيس المحكمة الإدارية قابلا للاستئناف داخل أجل شهر من تاريخ التبليغ. ولا يكون الاستئناف موقفا للتنفيذ.

وهذه المقتضيات تعتبر نسخة مطابقة للأصل لما هو عليه الأمر في التشريع الفرنسي الذي يمكن بدوره الأجنبي موضوع قرار الاقتياد إلى الحدود من الطعن فيه بالإلغاء أمام رئيس المحكمة الإدارية، وذلك في ظرف 48 ساعة التالية لتبليغه إذا كان التبليغ بالطريق الإداري أو خلال سبعة أيام إذا كان التبليغ عن طريق البريد. ويفصل رئيس المحكمة الإدارية أو من يقوم مقامه خلال 72 ساعة من تقديم العريضة إليه ([7]).

يلاحظ إذن أن المشرع أسند ولأول مرة للقضاء الاستعجالي ممثلا في رئيس المحكمة الإدارية البت استعجاليا في مسألة إلغاء قرار إداري. هذا الاختصاص (الإلغاء) كان أصلا حكرا على قضاء الموضوع أي المحكمة الإدارية وهي متركبة بصفة جماعية.

والاختصاص الجديد المسند لقاضي المستعجلات جاء على خلاف شرطي الاستعجال وعدم المساس بالموضوع اللازمين لاختصاص هذا النوع من القضاء، وكذا على خلاف القواعد المنظمة لدعوى الإلغاء، سواء من حيث الآجال أو المسطرة أو الضمانات التي تقررها مثل هذه الدعوى.

بالنسبة لشرط توفر الاستعجال([8]) فالطعن في قرار الاقتياد إلى الحدود، يعد من ضمن الدعاوى المستعجلة حكما ما دام المشرع ألزم رئيس المحكمة الإدارية بصفته قاضيا للمستعجلات بالبت في هذه الطعون دون إمكانية استعمال سلطته في تقدير حالة الاستعجال، ومن تم يكون القاضي في هذه الحالة في غنى عن البحث عن هذا العنصر.

فالأجنبي الذي صدر في حقه قرار بالاقتياد إلى الحدود يكون في خطر حقيقي يهدد بقاءه فوق التراب الوطني يتعين معه ألا يخضع للقواعد العامة للتقاضي ولميعاد الطعن العادي، وما يتطلبه ذلك من وقت، بل يفترض البت في طلبه بالسرعة اللازمة.

أما بالنسبة لشرط عدم المساس بأصل الحق الذي يقصد به امتناع القاضي المختص بالمستعجلات من الفصل في جوهر النزاع([9])، يلاحظ أن الطعن في قرار الاقتياد إلى الحدود يشكل استثناء على هذا الشرط ويدخل ضمن الدعاوى الاستعجالية الموضوعية([10]) مادام القاضي المختص يتولى الفصل في جوهر النزاع، أي إلغاء القرار الإداري المعيب.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإخضاع دعوى إلغاء القرار المذكور لاختصاص القضاء الاستعجالي أفقدها مجموعة من الضمانات التي توفرها دعوى الإلغاء عموما:

  • عندما أسند المشرع الاختصاص لرئيس المحكمة الإدارية أو من ينوب عنه بدل المحكمة، وهي متركبة بصفة جماعية (ثلاثة قضاة + كاتب الضبط + المفوض الملكي) فإنه أفقد المتقاضي ضمانة مهمة وهي إسناد مهمة النظر في القضية للقضاء الجماعي الذي يتميز عن القضاء الفردي.
  • وعندما قلص أجل تقديم الطعن إلى 48 ساعة بدل الستين يوما المخولة أصلا للطعن بالإلغاء في القرارات الإدارية([11])، أفقد الأجنبي ضمانة الاستفادة من حيز زماني مهم لالتماس إلغاء القرار الذي يتضرر منه.
  • أيضا عندما حدد أجل أربعة أيام للقاضي المختص للبت في هذا الطعن، فإنه انتقص من السمة التحقيقية للمسطرة أمام المحاكم الإدارية بما يؤدي إلى التسرع في الحكم وعدم التريث الذي قد يتسبب في عدم الالتفات إلى أوجه معينة من الدفوع…
  • يشكل الإلغاء الاستعجالي للقرار المذكور استثناء من قاعدة معروفة هي أنه لا يترتب على ممارسة دعوى الإلغاء بسبب الشطط في استعمال السلطة وقف تنفيذ القرار. فقد نصت المادة 24 من القانون رقم 03-02 على أنه: “لا يمكن تنفيذ قرار الاقتياد إلى الحدود قبل انصرام أجل 48 ساعة التالية لتبليغه أو قبل البت في الموضوع في حالة رفع الأمر إلى رئيس المحكمة الإدارية “.

المطلب الثالث: واقع وآفاق القضاء الاستعجالي الإداري بالمغرب

إن البحث في واقع القضاء الاستعجالي الإداري يكشف عدم إيلائه الاهتمام اللازم رغم كل المحاولات، وهو ما يستدعي إعادة النظر في المساطر المؤطرة للدعاوى الاستعجالية في اتجاه تدعيم السرعة والفعالية  مع الحرص على الضمانات. وهذا ما سنتولى معالجته على ثلاث مستويات:

أولا: على مستوى القاضي المختص

عمل القانون المحدث للمحاكم الإدارية والقانون المحدث لمحاكم الاستئناف الإدارية على تكريس قاعدة إناطة اختصاص القضاء المستعجل برؤساء المحاكم المعنية (فالقضاء المستعجل يدعى بالمحكمة الرئاسية). فالمادة 19 من القانون رقم 90-41 أسندت صراحة هذا الاختصاص إلى رئيس المحكمة باعتباره المختص الأصيل الذي له الصلاحية في ممارسته شخصيا، وأن ينيب عنه غيره من القضاة، نفس الشيء بالنسبة للرئيس الأول لمحكمة الاستئناف الإدارية الذي أصبح يمارس مهام قاضي المستعجلات عندما يكون النزاع معروضا عليها.

فالأقدمية والحنكة والتجربة القضائية لرئيس المحكمة أو الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف تؤهلهم للقيام بهذه المهام، لكن إسنادهم هذا الاختصاص كثيرا ما يرهق كاهلهم مما يدفعهم إلى التفكير في منح هذه الاختصاصات لبقية القضاة بالنيابة.فثقل المهام الإدارية الموكولة لهم وكثرة انشغالاتهم ووفرة مادة القضاء الاستعجالي، جعلت القاعدة استثناء إذ نادرا ما يمارس رؤساء المحاكم هذه المهام على الرغم من دقتها وحساسيتها.

وقد تنبه المشرع لهذا المشكل عندما خول للرئيس إمكانية تخفيف الثقل عبر منح هذا الاختصاص لباقي القضاة. في هذا الإطار تجدر الإشارة إلى انه إذا كان قانون المسطرة المدنية قد سعى إلى منح اختصاص البت في القضايا الاستعجالية في حالة ما إذا عاق الرئيس مانع قانوني، لأقدم القضاة مفترضا فيه الخبرة والإلمام بالميدان فان المشرع في قانون 90-41 وسع هذا الاستثناء في اتجاهين اثنين:

  • أنه لم يحصر هذا الاستثناء على الحالة التي يتعرض فيها رئيس المحكمة لعائق قانوني، بل انه بإمكان الرئيس أن ينيب عنه لهذه الغاية غيره في جميع الحالات ودون سبب معين.
  • أنه لم يشترط مبدأ القدم فيمن ينوب عن رئيس المحكمة ، وإنما سمح لهذا الأخير بان ينيب عنه من يشاء من القضاة لتولي اختصاصات القضاء المستعجل. وحسنا فعل المشرع عندما لم يسند هذه المهام بصفة تلقائية إلى أقدم القضاة خصوصا وان هذا الأخير يمكن أن يكون مسنا وغير نشيط.

غير أننا مع ذلك نميل إلى فكرة تكوين مجموعة من قضاة الأمور المستعجلة أمام المحاكم الإدارية بدلا من الاقتصار على إسناد هذه المهمة إلى رئيس المحكمة أو لمن ينيبه عنه. فالرئيس رغم ما يفترض فيه من كفاءة وخبرة تجعله بالفعل أهلا لممارسة هذه المهمة، فإن عدم تفرغه بسبب مسؤولياته الإدارية كرئيس للمحكمة تجعل مهمته كقاضي للمستعجلات تفوق طاقته. لذلك فالأمر يقتضي التفكير وبحزم في خلق تخصص للقضاء الاستعجالي لتكوين قضاة أكفاء قادرين على تحمل هذه المسؤولية، خاصة وأن مثل هذه المنازعات متنوعة وتعرف  تطبيقات متعددة.

وارتباطا بموضوع القاضي المختص، يلاحظ أن اختصاص محكمة الموضوع بدعوى وقف تنفيذ القرارات الإدارية، لا يتفق والطابع الاستعجالي والاستثنائي لهذه الدعوى وهو ما تنبهت له غالبية الدول التي تتبنى نظام القضاء الإداري عندما أمره إلى القضاء الاستعجالي.

ثانيا: على مستوى  القواعد العامة التقليدية للقضاء الاستعجالي

تتمحور هذه الشروط على شرطين أساسيين: شرط الاستعجال وشرط عدم المساس بأصل الحق. والاستعجال يقصد به الخطر الحقيقي الذي يهدد الحق المراد المحافظة عليه باتخاذ إجراءات سريعة لا تحتمل التأخير والانتظار، ولا يمكن أن تتحقق عن طريق قضاء الموضوع،  ولو بتقصير مدة البت في الجوهر.

وعلى الرغم من كون أغلب الدعاوى الاستعجالية الإدارية مرتبطة بحالة الاستعجال، فإن هناك بعض الدعاوى المستعجلة بنص القانون “إذ يكون القاضي في هذه الحالة في غنى عن البحث عن عنصر الاستعجال لأن الدعوى مستعجلة حكما”، وبالتالي فالقاضي المختص لا يمكنه أن يطلب من المدعي إثبات عنصر الاستعجال، كما لا يمكن للمدعى عليهم التمسك بانتفاء هذا العنصر وانعدامه لما يكتنف هذه القضايا من استعجال واضح وبين.

ومن هذه القضايا دعوى الإذن بالحيازة في إطار مسطرة نزع الملكية من أجل المنفعة العامة، والطعن في القرار القاضي باقتياد الأجنبي إلى الحدود في إطار القانون المتعلق بدخول وإقامة الأجانب بالمغرب.

أما بالنسبة لشرط عدم المساس بأصل الحق؛ فالمقصود به امتناع القاضي المختص من الفصل في جوهر النزاع، مع أن ذلك لا يفيد بتاتا منعه من فحص المستندات وإثارة أوجه الدفع والدفاع لتقدير أهمية الإجراء الوقتي وجديته، ولكن المقصود بذلك هو عدم الخوض في جوهر الحق وموضوعه بما يمكن أن يغير من مراكز الخصوم القانونية. “ولا شيء يمنع قاضي المستعجلات من حماية المراكز القانونية للأطراف إذا كانت واضحة، وذلك بالتدخل لإرجاع الأمور إلى نصابها متى تحقق عنصر الاستعجال، وكان من شأن هذا التدخل الحد من الخطر الذي يهدد الحق المراد حمايته([12]).

ولعل السبب وراء حرمان قاضي المستعجلات من التصدي لجوهر النزاع هو غياب مجموعة من الضمانات عن المسطرة الاستعجالية، وبالتالي فهذا العنصر هو نتيجة حتمية لطابع السرعة الذي يميز هذا القضاء عموما.

ويلاحظ أن التشريعات الجديدة للقضاء الاستعجالي في العديد من الدول سمحت للقاضي الاستعجالي  بالبت في الجوهر والخوض في موضوع النزاع دون التقيد بشرط عدم المساس بأصل الحق، وهو ما سار عليه المشرع المغربي في عدد من القوانين سواء على مستوى القضاء الاستعجالي العادي كما هو الشأن في القانون رقم 07-14 المغير والمتمم لظهير 12 غشت 1913 المتعلق بالتحفيظ العقاري، الذي خول مثلا لرئيس المحكمة الابتدائية التي يقع في دائرة نفوذها العقار بصفته قاضيا  للمستعجلات الأمر بالتشطيب على التقييد الاحتياطي (حتى ولو كان بناء على مقال للدعوى في الموضوع)، كلما كانت الأسباب المستند عليها غير جدية أو غير صحيحة. أو على مستوى القضاء  الاستعجالي الإداري كما هو الشأن بالنسبة للقانون المتعلق بدخول وإقامة الأجانب الذي أسند لرئيس المحكمة الإدارية اختصاص البت استعجاليا في الطعن بالإلغاء ضد القرار القاضي باقتياد الأجنبي إلى الحدود، وذلك على خلاف القواعد المنظمة للقضاء الاستعجالي، وتلك المنظمة لدعوى الإلغاء.

ثالثا:على مستوى أجل البت في الدعاوى الاستعجالية.

كثيرا ما يلاحظ أن الدعاوى الاستعجالية تأخذ وقتا ليس بالقصير للبت فيها سواء تلك التي تندرج في إطار القضاء الاستعجالي أو تلك التي تدخل في المساطر الاستعجالية عموما، مما يطرح تساؤل حول الجدوى من إقرارها([13]). فتحت ذرائع تراكم الملفات والقضايا ومحدودية عدد القضاة المختصين، وطول الإجراءات التحقيقية التي تستلزمها بعض النوازل، كثيرا ما يتطلب البت في قضايا استعجالية جلسات متعددة ومدد طويلة أدت في بعض الحالات إلى تجريد هذه القضايا من صبغتها الاستعجالية، مما أفقدها الحكمة وراء اعتبارها كذلك. لذلك فالمشرع مطالب بسن أجال محددة للبت في بعض الدعاوى الاستعجالية حرصا على الفلسفة من إقرارها التي تروم السرعة حفاظا على الحقوق التي يخشى عليها من فوات الوقت.

وعلاقة بهذا الموضوع، يلاحظ أن المشرع قد يحدد أجلا معينا للقضاء للبت في موضوع معين سواء تعلق الأمر بالقضاء الاستعجالي([14]) أو الدعاوى التي ينظر فيها قضاء الموضوع على وجه الاستعجال([15])، فهل يعتبر هذا الأجل آمرا وإلزاميا للهيئة المختصة؟ شخصيا لا أتفق مع الفقه الذي يعبر أن هذا الأجل تحفيزي فقط، ولا يترتب على مخالفته أي جزاء، وذلك من منطلق أن إرادة المشرع عندما تكون واضحة في تقرير آجال آمرة،  فإن ذلك تقتضيه استقرار الأوضاع القانونية للأطراف، مما لا يتعين مخالفتها وإلا ترتب عن ذلك الطعن في تلك الأحكام أو الأوامر لهذا السبب.

خاتمة:

نخلص للقول أن طلب وقف التنفيذ طلب استعجالي أسند أمر البت فيه للمحكمة وفق إجراءات عادية، ودعوى إلغاء قرار اقتياد الأجنبي إلى الحدود دعوى موضوعية أسند أمر البت فيها لقاضي المستعجلات وفق إجراءات استعجالية مما يجعلهما على طرفي نقيض.

في الختام يمكن القول أن المساطر الاستعجالية المطبقة أمام المحاكم الإدارية بالمغرب متعددة ومتنوعة وغير خاضعة لنفس القواعد، ومن تم يطرح التساؤل عن إمكانية توحيد مساطرها وآلياتها بما يضمن سهولة استيعابها من المتقاضين والنجاعة في الحفاظ على الحقوق والحريات، وأيضا بما يضمن الحد الأدنى من الضمانات.

في هذا الاتجاه؛ وعلى سبيل المقارنة نشير إلى أن العديد من الدول اتخذت نفس المبادرة حيث عمدت إلى سن مقتضيات جديدة ومفصلة للقضاء الاستعجالي الإداري استهدفت تبسيط وتسريع مسطرة البت في هذه القضايا، مع منح سلطات استثنائية للقاضي الاستعجالي الإداري، وسجلت تغييرا عميقا في المسطرة القضائية الإدارية.  فالمشرع الفرنسي مثلا أصدر بتاريخ 30 يونيو 2000 قانونا متعلقا بالقضاء الاستعجالي أمام المحاكم الإدارية([16]) كمنظومة موحدة تضم مختلف المساطر الاستعجالية والأوامر الولائية، إلى جانب إيقاف التنفيذ الذي عاد بموجب هذا القانون إلى مقامه الطبيعي ضمن مندرجات ولاية قاضي المستعجلات. هذا القانون منح سلطات واسعة للقاضي الاستعجالي الإداري. والمشرع الجزائري عدل مقتضيات القانون التعلق بالإجراءات المدنية والإدارية([17])، وسن قواعد مفصلة للقضاء الاستعجالي الإداري (الاستعجال في مادة إثبات الحالة في تدابير التحقيق- الاستعجال في مادة التسبيق المالي- الاستعجال في مادة إبرام العقود والصفقات – الاستعجال في المادة الجبائية…).


[1]   قضى المجلس الأعلى بان “كل طلب يرمي إلى إيقاف تنفيذ قرار إداري دون طلب إلغاء هذا الأخير يكون مصيره عدم قبول الطلب” قرار رقم 15 بتاريخ 17/6/1972. وبالتبعية فالتنازل عن دعوى الإلغاء يستتبع التنازل عن طلب الإيقاف كما أن الحكم برفض دعوى الإلغاء يجعل من طلب الإيقاف طلبا غير ذي موضوع.راجع إبراهيم زعيم “مسطرة وقف التنفيذ ومسطرة الاستعجال في المادة الإدارية” المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية عدد 12 يوليو – شتنبر 1995 ص 63.

[2] المحكمة الإدارية بالدار البيضاء في الملف رقم 4/11/27 بتاريخ 7/7/2011 منشور بالمجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية عدد مزدوج 99/100 ص 286.

[3] بالنسبة لمجلس  الدولة الفرنسي لازال يؤكد بأنه يجوز للمحكمة الإدارية أن تحكم بقبول دعوى الإلغاء  و لو سبق لها أن قررت رفض طلب إيقاف تنفيذ القرار المطعون فيه بعلة عدم قبول تلك الدعوى.

[4] راجع محمد منقار بنيس: إيقاف تنفيذ القرارات الإدارية في التشريع المغربي بالمقارنة مع تشريعات أخرى، المجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية، سلسلة مواضيع الساعة عدد 9 ، ص 107.

[5] – القانون رقم 03-02 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 196-03-1 بتاريخ 11 نوفمبر 2003 ج ر عدد 5160 بتاريخ 13/11/2003  ص 3817.

[6] المادة 23 من القانون رقم 03-02.

[7] َ Art 22 bis de l’ordonnance relative aux conditions d’entrée et séjour des étrangers en France modifié par la loi 2003-1119-2003 du 27/11/2003

وقد استقر رأي الفقه و القضاء الفرنسيين على أن مدة 72 ساعة هي بمثابة اجل تنظيمي لا يترتب على مخالفته بطلان الحكم أو سقوط حق الأجنبي في الطعن و ذلك على عكس مدة 48 ساعة التي يتعين على الأجنبي الطعن خلالها حيث يترتب على انقضائها سقوط حقه في الطعن. أنظر بهذا الخصوص:

–   Dominique Turpin “reconduite à la frontière – répertoire de droit international 2 Dalloz 1999 n °49

–     راجع على سبيل المثال الأمر الاستعجالي الصادر عن المحكمة الإدارية بليل تحت رقم n°022435 بتاريخ 3 يوليوز 2002 M. Rodolfo  M.c/Préfet du Pas – de- Calais الذي ألغى فيه رئيس المحكمة الإدارية المذكورة قرارا للوالي المذكور باقتياد السيد ردولفو إلى الحدود و القرار الثاني بتحديد الفلبين كبلد الرجوع.

[8] “الخطر الحقيقي الذي يهدد الحق المراد المحافظة عليه باتخاذ إجراءات سريعة لا تحتمل التأخير والانتظار ولا يمكن أن تتحقق عن طريق (قضاء الموضوع) ولو بتقصير مدة البت في الجوهر”.

[9] نصت المادة 152 من قانون المسطرة المدنية على أن الأوامر الاستعجالية لا تبت إلا في الإجراءات الوقتية “ولا تمس بما يمكن أن يقضي به في الجوهر”.ولعل السبب وراء حرمان قاضي المستعجلات من التصدي لجوهر النزاع هو غياب مجموعة من الضمانات عن المسطرة الاستعجالية و بالتالي يبقى هذا العنصر نتيجة حتمية لطابع السرعة الذي يميز هذا القضاء عموما.

[10] على سبيل المثال الدعاوي الاستعجالية لنقل الحيازة مقابل التعويض المؤقت قي إطار مسطرة نزع الملكية من اجل المنفعة العامة.بخصوص الخلاف الفقهي راجع أطروحتنا لنيل الدكتوراه في موضوع “اختصاصات المحاكم الإدارية في مجال نزع الملكية من اجل المنفعة العامة”كلية الحقوق الرباط 2000 ص 30 و ما بعدها.

[11]   المادة 360 من قانون المسطرة المدنية والمادة 23 من قانون المحاكم الإدارية.

[12] قرار محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط عدد 231 بتاريخ 30 أبريل 2007 المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية عدد 93 -2010 ص 209.

[13] فمثلا ما الجدوى من  الدعوى الاستعجالية للإذن بالحيازة في موضوع مسطرة نزع الملكية من اجل المنعة العامة  إذا كان البت فيها سيستغرق مدة طويلة.

[14] فالقانون المتعلق بدخول وإقامة الأجانب مثلا ينص على أن رئيس المحكمة أو من ينيبه عنه يبت في الطعن بالإلغاء الذي يقدمه الأجنبي ضد قرار اقتياده إلى الحدود داخل أربعة أيام كاملة ابتداء من رفع الأمر إليه .

[15] نذكر  هنا على سبيل المثال ما نصت عليه المادة 13 من القانون المحدث لمحاكم الاستئناف الإدارية  من أن هذه الأخيرة تبت في طلب الاستئناف  المتعلق بوقف تنفيذ قرار إداري  داخل 60 يوما  تبتدئ من تاريخ توصل كتابة ضبط محكمة الاستئناف بالملف.

[16] راجع بشأن بعض نماذج  من القوانين المتعلقة بالقضاء الاستعجالي في الدول الأوروبية: المساطر الاستعجالية في المنازعات الإدارية، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة مواضيع الساعة عدد 50-2005 ، ص 133 وما بعدها.

[17] القانون رقم 09/08 الصادر بتاريخ 25-2-2008، الجريدة الرسمية عدد 21 المؤرخة في 23-4-2008 .

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading