حق الشفعة لفائدة الدولة في المجال الضريبي قراءة للمادتين 143 و 218 من المدونة العامة للضرائب
هشام المراكشي
باحث جامعي
جامعة محمد الخامس- الرباط
مقدمة:
إن الظاهرة الجبائية وإن أصبحت اليوم تعم جميع المجالات فأنه منذ زمن بعيد كانت ولا زالت تمس العقار، على اعتبار أنه كان ولا زال المصدر المهم للثروة ومن ثم الوعاء الرئيسي للجابايات وحفاظاً على خزينة الدولة ومواردها الجبائية فالمشرع الجبائي أوجد مجموعة من الضرائب من بينها واجبات التسجيل وللحفاظ على مداخيل هاته الأخيرة مما تشكل داخل المنظومة الجبائية نجد المشرع خول لإدارة الضرائب استخدام مجموعة من المساطر من بينها حق الشفعة المخول للإدارة الضريبية لمقتضى مادتين 143 و218 من المدونة العامة للضرائب[1]، والذي تعود جذوره بالنسبة للتشريع المغربي إلى الفصل 32 من قانون المالية لسنة 1973.
والشفعة إجراء مسطري تمارسه إدارة الضريبية لمحاربة التهرب من واجبات التسجيل عن طريق الأثمنة الصورية في العقود[2]عندما يتعلق الأمر ببيع العقار وهي تمارسها ” أي الشفعة” وفقاً للأحوال الشروط المنصوص عليها في المدونة العامة للضرائب، وتمارس الشفعة خصوصاً ضد المشتري[3]، ويمكن اعتبارها بمثابة امتياز لإدارة الضرائب.
والشفعة امتياز قد تأخذ به الإدارة الضريبية أو لا، وهذا راجع لعدة أسباب، من بينها وجود وسائل بديلة، فضلاً على أن ممارسة الشفعة من طرف الإدارة الضريبية يحتاج إلى موارد مالية مهمة وعموما فالشفعة لا تجوز إلا في العقار ومتى ثبت الحق فيها تملكت الدولة العقار المبيع ولو جبراً على المشتري.
وعليه فأن معالجتنا لهذا الموضوع ستكون على الشكل التالي:
- المبحث الأول: الضوابط الموضوعية والإجراءات المسطرية لممارسة حق الشفعة وأثارها على المتعاقدين والغير.
- المبحث الثاني: الحماية القانونية والقضائية للملزم.
المبحث الأول: الضوابط الموضوعية والإجراءات المسطرية للممارسة الشفعة وآثارها علي المتعاقدين والغير. لقد حدد المشرع الجبائي مجموعة من الشروط الموضوعية اللازم توافرها لممارسة الدولة حق الشفعة (المطلب الأول) كما قام بتحديد مجموعة من الإجراءات المسطرية الواجب علي الإدارة الضريبية سلوكها اتجاه الملزم عند ممارستها لهذا الحق وهاته الممارسة لا تخلو من آثار مهمة سواء علي المتعاقدين او علي الغير (المطلب الثاني).
المطلب الأول: الشروط الواجب توافرها لممارسة الدولة لحق الشفعة.
استنادا إلي مقتضيات المادة 143 من المدونة العامة للضرائب يتضح بأن المشرع المغربي حدد مجموعة من الشروط الواجب توافرها لإمكانية ممارسة الدولة لحق الشفعة ويمكن إجمالها فيما يلي:
- أن ينصت حق الشفعة علي عقار والذي ينقسم إلى ثلاث أصناف، عقارات بالطبيعة وعقارات بالتخصيص وأخيرا عقارات بحسب المال، بالإضافة إلى الحقوق العينية العقارية المتفرعة عن حق الملكية كتفويت وحق السطحية أو حق الانتفاع وغيره من الحقوق العينية الأصلية حيث لا يتصور قيام الدولة بحق الشفعة علي حقوق عقارية عينية تبعية أو أن تمارسها علي المنقولات[4].
- أن يكون هذا العقار أو الحقوق العينية محل نقل ملكية رضائي بين الأحياء وبمفهوم المخالفة فان البيوع الجبرية تكون خارج نطاق ممارسة الشفعة من طرف الإدارة الضريبية حيث لا يمكن إخفاء الثمن فيها لأنها تتم تحت إشراف السلطة القضائية، كما أن هذه الضريبة تشمل جميع التصرفات سواء كانت بعوض أو بغير عوض، ويستثني من ذلك الهبات بين الأصول والفروع.[5]
- أن يكون الثمن المصرح به أو التصريح التقديري لا يناسب القيمة التجارية للعقار وقت التفويت[6]. بمعني أن ممارسة حق الشفعة مرتبط بوجود نقصان في الثمن [7]وهذا الأخير لا يعتبر غشا جبائيا ولا يندرج ضمن المخالفات الجبائية ألا تجاوزا.[8]
- استحالة أداء الواجبات المفروضة بناء على تقدير الإدارة من طرف الملزم رضائياً، وهذا الشرط في جوهره يعتبر شرطاً ذي طبيعة مسيطرة وإجرائية، يتعين على الإدارة سلوكه قبل الانتقال لممارسة حق الشفعة وفقا للإجراءات المحددة في المادة 218 من المدونة العامة للضرائب[9] .
عموما فالمقتضيات المذكورة أعلاه هي الشروط الواجب توافرها حتى تستطيع الإدارة الضريبية ممارسة حقها في الشفعة ونشير إلى أن هاته الشرط وجب توفرها مجموعة وإذا تخلف شرط منها فالإدارة الضريبية لا يمكنها ممارسة حق الشفعة وإلا اعتبر قرارها غير مبني علي أساس قانوني صحيح.
المطلب الثاني: الإجراءات المسطرية لممارسة حق الشفعة وآثارها علي البائع والغير.
الفقرة الأولى: الإجراءات المسطرية لممارسة حق الشفعة.
ممارسة حق الشفعة من لدن إدارة الضرائب تبعا لتوافر الشروط الموضوعية السالفة الذكر لا يعطيها في استعمال هذا السلاح كيفما شاءت وإنما إلزامها القانون بمجموعة من الإجراءات المسطرية الواجب إتباعها وذلك بمقتضي المادة 217 من ذات المدونة باعتبارها هي التي تحدد الإجراءات المسطرية التي يتعين علي الإدارة سلوكها وهذه الإجراءات متمثلة في:
- ضرورة ممارسة حق الشفعة خلال اجل 6 أشهر كاملة ابتداء من تاريخ تسجيل التفويت بإدارة التسجيل، وعليه فان فوات مدة 6 أشهر دون قيام الإدارة الضريبية بأي إجراء فان حقها في ممارسة الشفعة يسقط بسبب التقادم وتجدر الإشارة إلى أن المشروع الجبائي قد أخذ بعين الاعتبار حالات نقل الملكية المبينة علي شرط واقف ونص علي أن الأجل لا يسري إلا من تاريخ تحقق هذا الشرط والمشرع هنا كان دقيقا حسب بعض الفقه ذلك لأن العبرة في احتساب الأجل هو تاريخ التسجيل سواء بالنسبة للتفويت التام أو التفويت المبني علي شرط واقف وليس من تاريخ تحقق التفويت أو تحقق الشرط لان الإدارة لا تكون علي علم بذلك إلا بعد تسجيله لدي إدارة التسجيل.
- ضرورة الالتزام بتبليغ مقرر الشفعة وفق الإجراءات المحددة في المادة 249 من المدونة العامة للضرائب إلى أطراف العقد وكذا باقي الأشخاص من قضاة التوثيق والمحافظين المحددين بنص هذه المادة، علما أن المشرع قد أوضح العلة التي علي أساسها اقر هذا المقتضي، وهي ضرورة إدراج حقوق الدولة في سجل التضمين الممسوك لدي قضاة التوثيق عندما يتعلق الأمر بعقار غير محفظ، وبسجلات المحافظة العقارية كلما تعلق الأمر بعقار محافظ أو في طور التحفيظ [10].
- ضرورة أداء الثمن من قبل الإدارة، ذلك أن المادة 218 المذكورة نصت علي أن المفوت له المنزوعة منه الأملاك يتسلم خلال الشهر الموالي لتبليغه مقرر الشفعة مبلغ الثمن المصرح به أو القيمة التجارية المثبتة، إضافة إلى واجبات التسجيل الموأداة والرسوم المدفوعة إلى المحافظة العقارية، وكذا مبلغ يحتسب علي أساس 5% من الثمن المصرح به أو القيمة التجارية المثبتة يمثل تكاليف العقد والمصاريف، وما يلاحظ بخصوص هذا الإجراء هو أن المشروع لم يرتب جزاء
البطلان علي عدم التقيد بأجل الشهر المحدد في نص هذه المادة وإنما رتب عليه فوائد تحتسب علي أساس المقدار القانوني المعمول به في القضايا المدنية تؤدي لفائدة المفوت له المنزوعة منه الأملاك بمجرد انصرام الأجل المذكور، وذلك بقوة القانون، وفي ذلك حماية لحق الإدارة في الشفعة ولو في حالة خرقها لهذا الإجراء وفي نفس الوقت حماية لوضعية المفوت له من تماطل الإدارة في أداء الثمن وباقي الواجبات الأخرى[11]، وان كنا نري انه من الأجدر التنصيص علي البطلان في حالة خرق الإدارة الضريبية لهذا الإجراء المسطري ويترتب علي سلوك هاته الإجراءات المسطرية من طرف الإدارة الضريبية حلول الدولة محل المفوت إليه المنزوعة أملاكه أو المشفوع فيها وقد اخذ المشرع الجبائي بعين الاعتبار إمكانية تفويت الممارس ضده الشفعة للعقار أو الحقوق العينية، حيث ذهب المشرع إلي اعتبار هذا التفويت وكأنه لم يكن وهذا ما ختم به المشرع المادة 218 من المدونة الضريبية حيث نص علي ما يلي: “تلك الحقوق يشطب عليها من الدفاتر العقارية إذا سبق إدراجها وتعتبر كأن لم تكن” ونعتبر هذا المقتضي خطير [12]لأنه لا يعير اهتمام لمبدأ حسن نية الغير المفوت إليه وكذا للضمانات التي يمنحها التقييد بالسجل العقاري، لهذا نقترح علي المشرع الجبائي إعادة النظر في هذا المقتضي أو علي الأقل إلزام الإدارة الضريبية بإجراء تقييد احتياطي مسبقا عند إبداء رغبتها في ممارسة حق الشفعة كما أن العقارات الصادر بشأنها مقرر الشفعة، نص المشرع علي عدم إمكانية بيعها من جديد إلا عن طريق المزاد العلني [13] إلا أن ما عابه بعض الفقه [14] علي المشرع الجبائي هو عدم تحديده لأجل معقول لإجراء المزاد العلني مما يفتح المجال أمام الإدارة الضريبية لتقوم بممارسة المضاربة العقارية.
الفقرة الثانية: آثار ممارسة الشفعة الضريبية علي البائع والغير
لا تقتصر آثار ممارسة الإدارة الضريبية لحق الشفعة علي المشتري الذي يفقد ملكه وإنما تمتد إلي البائع كذلك الذي كان طرفا في العقد، كما إنها قد تمتد إلى الغير الذي يقوم بشراء العقار من المشتري الأول.
- آثارها علي البائع: إن حلول الإدارة محل المفوت إليه المنزوعة منه أملاكه يجعلها تدخل مع البائع في علاقة مباشرة وعليه فالإدارة عليها الالتزام بالحقوق العينية والتحملات المرتبة من طرفه بالمقابل فالبائع ملزم اتجاه الإدارة الضريبية بضمان حقها وفقا للقواعد العامة، والتساؤل الذي يطرح هل من حق البائع ممارسة دعوى الإبطال؟ [15]
المبحث الثاني: الحماية القانونية والقضائية للملزم أثناء ممارسة حق الشفعة.
نظرا لندرة الأحكام القضائية المغربية بخصوص الشفعة سنجيب عن هذا التساؤل من خلال القضاء الفرنسي الذي ذهب في بعض قراراته إلى أن الشفعة لا تقف عائقا أمام ممارسة دعوي الأبطال من طرف البائع لكن يجب أن لا يكون هدفها هو التحايل دون ممارسة الإدارة الضريبية لحقها [16]، وهناك أحكام أخرى ذهبت إلى حرمانه من هذا الحق لاتخاذ التحايل حجة كافية يمنعه من حق يخوله إياه القانون لان هذا الحق الذي لا يقل شرعية عن حقوق الإدارة.
2- آثارها علي الغير: تمارس الغدارة الضريبية حقها في الشفعة علي الغير عندما يصبح طرفا معنيا عند شراءه العقار من المشتري الأول خصوصا وأن المدة الممنوحة للإدارة الضريبية للقيام ببحثها في الشفعة تصل إلى 6 أشهر، وتكون هذه الأخيرة دون على الغير الذي يقوم بتسجيل حقه لدى المحافظة العقارية ويعتقد أنه محمي عن طريق ظ.ت.ع، فيجد نفسه فقد هذا العقار ومشطب عليه من الدفاتر العقارية تحت قوة المادة 218 في فقرتها الرابعة[17]
أن الحديث عن الحماية القانونية والقضائية للملزم، يبقي رهيناً بالوقوف عند الضمانات الممنوحة له عند ممارسة الإدارة الجبائية لحق الشفعة، ومعلوم أن المخاطب الأول والأساسي بأحكام المواد السالفة الذكر هو الشخص المفوت إليه مشتري عقار أو الحقوق العقارية موضوع الشفعة، طالما أنه يعتبر هو الملزم بأداء واجبات التسجيل، لذلك سنحاول الوقوف عند مختلف الضمانات القانونية (المطلب الأول) والقضائية (المطلب الثاني) المخولة له، والتي عبرها يمكنه الدفاع عن مصالحة إزاء الإدارة الجبائية.
المطلب الأول: الحماية القانونية للملزم
كرس المشرع الجبائي للملزم ضمانات من اجل الحفاظ علي حقوقه وهو ما يمكن استخلاصه من النصوص القانونية الضابطة والمنظمة لمسطرة ممارسة الشفعة وكذا النصوص المنظمة للشروط المقررة لممارستها سواء من الناحية الشكلية أو الموضوعية.
فبالاضطلاع علي مقتضيات المادة 143 من المدونة العامة للضرائب، يتبين بأن المشرع المغربي قد أعطى للإدارة الجبائية بصيغة الجواز إمكانية ممارسة حق الشفعة بصرف النظر عن حق المراقبة المخول لها بمقتضي المادة 217 من ذات المدونة، لكن الإشكال المطروح هو هل يمكن للإدارة الجبائية سلوك المسطرتين معا في آن واحد، بعلة أن النص القانوني (المادة 143) جاء غير واضح، وأن المشرع استعمل عبارة ((بصرف النظر عن حق المراقبة … يجوز للوزير … أن يمارس لفائدة الدولة حق الشفعة …))؟
للإجابة علي هذا التساؤل يقتضي تحديد الغاية من المسطرتين معا، والمتمثلة أساسا في مكافحة النقصان في الأثمنة المصرح بها عند عمليات التفويت، وانه ما دامت الغاية واحدة، فإنه لا يسوغ مطلقا الجمع بين المسطرتين، وهي ضمانة أساسية يتعين مراعاتها لفائدة الملزم.
كما أن المشرع أعطي صلاحية ممارسة حق الشفعة إلى وزير المالية أو الشخص المفوض إليه ذلك، مما يدل علي أن سلوك هذه المسطرة يقتضي أن يكون علي مستوي عال، وأن أي ممارسة له خارج هذا الضابط القانوني قد يجعل المقرر القاضي باستشفاع العقار أو الحق العيني العقاري مشوبا بعيب عدم الاختصاص وهذا يدل علي أن سلوك مسطرة الشفعة يقتضي وجود إرادة صريحة ونوفر شروط مبررة لممارستها كأهمية العقار المفوت إليه.
ومن بين الضمانات القانونية كذبك أن المشروع الجبائي حصر ممارسة حق الشفعة بشأن العقارات والحقوق العينية العقارية التي تكون محل تفويت رضائي بين الأحياء، سواء بعوض أو بدون عوض مما يدل علي انه قصد حصر نطاقها من حيث العمليات المخاطبة بأحكام هذه المسطرة، وبالتالي فانه لا يسوغ التوسع في ذلك أمام صراحة هذا النص.
كما أضاف المشرع ضمانة ضرورة إشعار الإدارة للملزم – المشتري – بأداء الواجبات التكميلية المفروضة بناءا علي تقديرها وبالتالي لها متابعة المسطرة إلا بعد إثبات تعذر الحصول علي هذه الواجبات بالمرضاة، ورفض الملزوم أدائها.ومن بين الضمانات الإجرائية الأخرى التي متع بها المشرع الجبائي الملزم في هذا الإطار، ربط ممارسة حق الشفعة بأجل 6 أشهر، واعتباره أجل سقوط، إذ لا يمكن للإدارة اللجوء إليه بعد انصرام هذا الأجل ابتداء من تاريخ التسجيل، فضلا عن إلزامه الإدارة بضرورة أداء الثمن وكذا واجبات التسجيل.وتكاليف اعقد علي أساس 5% من الثمن المصرح به أو القيمة التجارية المثبتة داخل أجل شهر من تاريخ تبليغ مقرر الشفعة تحت طائلة ترتيب الفوائد القانونية، وهي ضمانة لفائدة الملزم لتفادي تماطل الإدارة في أداء ثمن التفويت وكذا باقي المصاريف الأخرى.
المطلب الثاني: الحماية القضائية للملزم
أن التفصيل بشأن الحماية القضائية المقررة للملزم أثناء ممارسة مسطرة الشفعة، تقتضي بشكل أولي تجسيد المساطر القضائية التي يكون من حق الملزم اللجوء إليها في هذا الإطار، وكذا تحديد طبيعة ونوعية الدعاوي المرفوعة أمام المحاكم للمنازعة بشأن هذه المسطرة، ثم بعد ذلك محاولة استجلاء مختلف الأسس والوسائل المعتمدة في بعض الدعاوي المثارة في ضوء الأحكام والقرارات المتوفرة ومحاولة استشراف بعض الوسائل الممكن اعتمادها من قبل المخاطبين بهذه المسطرة.
وتجدر الإشارة بشكل أولي إلى أن المشرع الضريبي كما سلف بيانه للإدارة الجبائية آليتين لمراقبة الأثمنة المصرح بها في العقود، الأولى تتعلق بحق المراقبة[18] المحدد في المواد من 217 وما يليه من المدونة العامة للضرائب، والثانية تتمثل في تخويلها الحق في ممارسة
حق الشفعة طبقا لما تنص عليه المادة 143 من ذات المدونة وباقي النصوص ذات الصلة، إلا انه إذا كان المشرع قد حدد آليات المنازعة القضائية بخصوص حق المراقبة، فانه علي العكس من ذلك بالنسبة لممارسة حق الشفعة لم يحدد المسطرة القانونية الواجبة الإتباع للمنازعة في قرار الشفعة المتخذ من طرف الغدارة الجبائية.
إلا إن المستقر عليه قضاء هو انه ما دام قرار الشفعة صادرا عن سلطة إدارية، ويلتزم بالنفاد ويؤثر في المركز القانوني للملزم، فانه إمكانية الطعن فيه عن طريق دعوى الإلغاء إما القضاء تبقي متأتية وهو ما سبق أن قررته الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى في قرارها عدد 342 بتاريخ 11/8/[19]1978 الذي قبلت فيه الطعن الموجه ضد القرار الصادر عن وزير المالية بشفعة عقار، في قضية “صالـــح الحسوني” ضد وزير المالية، وهو ما سلكته أيضا المحكمة الإدارية بوحدة [20]في حكمها عدد 331 بتاريخ 01/7/2012 في الملف عدد 32/2009/5 في قضية شركة “برومــو الصنوبر” ضد إدارة الضرائب، ولا يمكننا إلا الإشارة بالحكم الصادر عن إدارية وجدة ونعتبره قد صادف الصواب حكما وتعليلا ومن التعليلات الواردة في الحكم ما يلي: “إذا كان المشرع قد حدد المقتضيات القانونية والمسطرية الواجبة الإتباع النسبة لكل من الإدارة والملزم في حالة استعمال الغدارة حق المراقبة عبر آلية التصحيح والمراجعة والتي تنتهي بإمكانية اللجوء إلى المنازعة أمام القضاء فانه علي العكس من ذلك بالنسبة لممارسة حق الشفعة يتضح أن المشرع حدد المسطرة الواجبة الإتباع وفق لمقتضيات المادة 218 من م ع ض إلا انه لم يحدد الآلية القانونية الواجبة الإتباع للمنازعة في قرار الشفعة المتخذ من طرف الإدارة، لكن ما دام الأمر يتعلق بقرار إداري نافذ صادر عن سلطة إدارية، ومن شأنه التأثير علي المركز القانوني للمعني به فانه تبقي له صلاحية الطعن فيه بالإلغاء في إطار القواعد العامة الضابطة للطعن في القرارات الإدارية…….”، وفضلاً عن هذين القرارين هناك قرار آخر سار في هذا التوجه وهو ما يعرف بقضية المعهد الديني الكاثوليكي الاسباني بتطوان[21] ،والتي أسستها الجهة الطاعنة علي وسيلة الانحراف في استعمال السلطة، علي اعتبار أن الإدارة الجبائية كانت لها نية مسبقة في ممارسة الشفعة وذلك باتفاق بين إدارة التسجيل ووزارة التربية الوطنية من اجل تحويل المعهد الي ثانوية وانه كانت هناك رغبة من وزارة التربية الوطنية لاقتناء العقار، وبعد عرض النزاع إمام المجلس الأعلى الغرفة الإدارية أصدرت قرارا بوقف تنفيذ الشفعة إلا أن دعوى الموضوع لم يتم البت فيها لتقديم تنازل من طرف الجهة الطاعنة. وبذلك تبقي آلية الرقابة عن طريق دعوى الإلغاء المخولة للملزم للمنازعة في مقرر الشفعة المتخذ من طرف الإدارة الجبائية تشكل وبحق ضمانة أساسية يمكن اللجوء إليها كلما تبين له أن مقرر الشفعة المذكور مشوب بأي عيب من عيوب المشروعية المنصوص عليها في المادة 20 من قانون 41/90 المتعلق بأحداث المحاكم الإدارية.
واستنادا إلى كل ما ذكر فانه يبقي من حق المعني بالأمر اعتماد العيوب الخمسة المشار إليها في المادة 20 المذكورة كلما تبين له أن مقرر الشفعة مشوب بإحداهما والمطالبة بإلغائه على أساسها.
وعليه نتمنى أن يستقر القضاء الإداري علي اعتبار الشفعة الضريبية بمثابة استثناء من القواعد العامة في الميدان الضريبي[22] وجعلها تدخل ضمن خانة قضاء الإلغاء لما يشكل هذا الأخير من حمليه للملزم في صراعه التقليدي مع الإدارة الجبائية التي قد تلجأ إلى ممارسة حق الشفعة لدوافع خفية يغيب معها حياد الغدارة عن الغاية والهدف الذي علي أساسهما تم اللجوء إلي ممارسة هذا الحق خصوصا وان المشرع الجبائي قد اقر للإدارة الجبائية امتيازات مفرطة، إذ سمح لها بالرغم من ممارستها لحق الشفعة تطبيق العقوبات المنصوص عليها والمتمثلة في الغرامات والذعائر في الحالة التي يتم فيها إخفاء الثمن، وان كانت من الناحية العملية تكتفي بحرمان المخالف من ملكيته لفائدة الدولة لأن هذه العملية تحدث بلا ريب ضررا بالغا بالمفوت إليه بفقدانه للفرق بين الثمن المصرح به والثمن الحقيقي الذي سبق أداؤه[23]
خاتمة:
يعتبر النظام الضريبي في جميع الدول بمثابة العمود الفقري للاقتصاد الوطني وتوفير مداخيل مهمة الدولة، وكل دولة تسع لحماية مداخيلها بالوسائل المتاحة قانونا وبالفعل فان المشرع الغربي، ومن اجل حماية المنظومة الجبائية اوجد مجموعة من الامتيازات للإدارة الضريبية ومن بينها حق الشفعة المقررة في المادة 143 و 218 من المدونة العامة للضرائب.
وتكمن خطورة هذا الحق الجبري (حق الشفعة) انه لا يبحث عن سوء أو حسن نية المتعاقد أو المتهرب من واجبات التسجيل فحق الشفعة قد يمارس حتى ولو كان الثمن المصرح به في العقد حقيقيا، لأن كل ما يشترطه المشرع هو عدم التطابق بين ثمن التفويت والقيمة التجارية للعقار.
وخلاصة القول أن حق الشفعة المخول للإدارة الضريبية هو موضوع حساس وشائك ومعقد ومستعصي علي الفهم، ويطرح مجموعة من الإشكاليات يصعب الإجابة عليها كلها في غياب اجتهادات قضائية كثيرة في الموضوع وخاصة المنشورة، وربما لا تلجأ الإدارة الضريبية إليه إلا نادرا وتكتفي بالوسائل البلدية كمسطرة المراجعة والتصحيح.
لائحة المراجع
الأستاذ احمد ادريوش: مناهج القانون المدني المعمق الطبعة الأولى، 2012 مقالة خاصة بالتعليق علي أحكام الصورية في القانون الضريبي.
المصطفي شرف الدين: واجبات التسجيل والنظام التعاقدي، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، جامعة القاضي عياض، كلية الحقوق، مراكش، السنة الجامعية، 1999-2000.
الحسن الداودي، ضريبة التسجيل، دار النشر الجسور، وجدة، سنة 1997.
المحفوظ اشكر: التوازن بين حقوق الملزم والسلطات الإدارية في إطار المساطر الضريبية علي ضوء كتاب المساطر الضريبية الجديد رقم 26/04، رسالة لنيل دبلوم السلك العالي في التدبير الإداري، المدرسة الوطنية للإدارة سنة 2004-2005.
محمد بيصة: المنازعة في قانونية قرارات الإدارة المكلفة بربط الضريبية بين دعوي الإلغاء وطعون القضاء الشامل، أطروحة لنيل دكتوراه في الحقوق، جامعة الحسن الثاني، كلية الحقوق، الدار البيضاء السنة الجامعية 2004-2005.
محمد بيصة حجية الصلح في مواجهة الغير، تأملات في مفهوم التفويت في ضوء البند 1 من المادة 65 من مشروع المدونة العامة للضرائب، مجلة المحاكم المغربية العدد 106.
محمد خيري: حق الشفعة لفائدة الدولة، مقال منشور بمجلة المحاكم المغربية، عدد 112 سنة 2006.
محمد بادن: الشفعة الممارسة من طرف الدولة، الطبعة الأولى 2005.
الأستاذ حسن المولودي، ممارسة حق الشفعة في المادة الجبائية بين النص القانوني والاجتهاد القضائي دفاتر المجلس الأعلى، عدد 16، طبعة 2011 ندوة نظمت بمراكش حول موضوع: الإشكالات القانونية والعملية في المجال الضريبي.
عبد الغني الخالد، المسطرة في القانون الضريبي المغربي، أطروحة لنيل الدكتوراه، جامعة الحسن الثاني كلية الحقوق الداري البيضاء، سنة 2001.
زهير بونعامية: حق الشفعة المقررة لفائدة الدولة بين التكييف والممارسة، المجلة المغربية للقانون الاقتصادي عدد 2، سنة 2009.
هشام المراكشي: رسالة لنيل الماستر في القضاء الإداري، تحت عنوان الشفعة الضريبية، جامعة محمد الخامس السويسي كلية الحقوق سلا، السنة الجامعية 2011-2012.
[1] للتوسع في هذا الموضوع انظر هشام المراكشي: رسالة لنيل الماستر في القضاء الإداري، تحت عنوان الشفعة الضريبية، جامعة محمد الخامس السويسي، كلية الحقوق سلا، السنة الجامعية 2011-2012
[2] هناك فرق كبير بين أحكام الصورية كما هي منصوص عليها في الفصل 22 من ق ل ع وأحكام الصورية كما هي منصوص عليها في المادة 142 من المدونة العامة للضرائب، للإطلاع على هذا الفرق انظر الأستاذ أحمد أدريوش مناهج القانون المدني المعمق الطبعة الأولى 2012 مقالة خاصة بالتعليق على أحكام الصورية في القانون الضريبي ص 182-201
[3] لقد انتقد بعض الفقه هذا التوجه بشدة معتبراً أن الشفعة تمارس ضد الطرف الضعيف في العلاقة التعاقدية وهو المشتري مع العلم أن ثمن البيع غالباً ما يكون مفروضاً من طرف البائع الذي لا يتعرض لنفس الجزاء انظر زهير بونعامية: حق الشفعة المقررة لفائدة الدولة بين التكييف والممارسة، المجلة المغربية للقانون الاقتصادي عدد 2،سنة 2009.
[4] محمد خيري: حق الشفعة لفائدة الدولة، مقال منشور، ص18.
[5] إذا كان المشروع الضريبي قد اقتبس الشفعة من القانون العقاري فانه خرج عن أحكامه في هذا المقتضي إذ أن الشفعة في المادة العقارية لا تكون في التصرفات بدون عوض سواء كانت بين الأصول والفروع أو غيرهما انظر المادة 303 من مدونة الحقوق العينية التي تنص علي ما يلي: “لا شفعة فيما فوت تبرعا ما لم يكن التبرع صوريا أو تحايلا”.
[6] استحالة أداء الواجبات المفروضة بناءا علي تقدير الإدارة من طرف الملزم رضائي، وهذا الشرط في جوهره يعتبر شرطا ذي طبيعة مسيطرة وإجرائية، يتعين علي الإدارة سلوك قبل(6) الأستاذ حسن المولودي، ممارسة حق الشفعة في المادة الجبائية بين النص القانوني والاجتهاد القضائي مقال منشور في الندوة الوطنية حول موضوع الإشكالات القانونية والعملية في المجال الضريبي، دفاتر المجلس الأعلى، عدد 16، 2011 ص 320.
[7] عبد الغني الخالد، المسطرة في القانون الضريبي المغربي، اطروحة لنيل الدكتوراه، جامعة الحسن الثاني كلية الحقوق الدار البيضاء، سنة 2001، ص 204.
[8] الحسن الداودي، ضريبة التسجيل، دار النشر الجسور، وجدة، 1997، ص 149
[9] حسن المولودي ممارسة حق الشفعة ص 322.
[10] حسن المولودي المرجع السابق ص 323.
[11] المحفوظ اشكر: التوازن بين حقوق الملزم والسلطات الإدارة في إطار المساطر الضريبية علي ضوء كتاب المساطر الضريبية الجديد رقم 26/04، رسالة لنيل دبلوم السلك العالي في التدبير الإداري، المدرسة الوطنية للإدارة سنة 2004-2005، ص 93.
[12]وهو ما انتقده أيضا الأستاذ محمد خيري حيث اعتبره ذو طابع تحكمي ومخالف للقواعد العامة المعمول بها في مجال الشفعة انظر مقالته السابقة ص 22.
[13] حسن المولودي المرجع السابق ص 325.
[14] محمد بيصة حجية الصلح في مواجهة الغير. تأملات في مفهوم التفويت في ضوء البند 1 من المادة 65 من مشروع المدونة العامة للضرائب، مجلة المحاكم المغربية العدد 106 ص 94.
[15] هشام المراكشي العدد السابق ص 49.
[16] قرار صادر بتاريخ 18/07/1950 أشار إليه محمد بادن: الشفعة الممارسة من طرف الدولة، الطبعة الأولى 2005 ص 67.
[17] هشام المراكشي المرجع السابق ص 50.
[18] حسن المولودي المرجع السابق ص 329.
[19] قرار منشور بمجلة القضاء والقانون عدد 129 سنة 1989.
[20] حكم غير منشور أشار إليه كل من الأستاذ محمد بيصة م س ص 144 وكذلك الأستاذ حسن المولودي م س ص 329.
[21] أشار إلى هاته القضية الأستاذ حسن المولودي م س ص 330.
[22] للتوسع في موضوع: توزيع المنازعة الضريبية من دعوى الإلغاء وطعون القضاء الشامل، محمد بيصة المنازعة في قانونية قرارات الإدارة المكلفة بربط الضريبية بين دعوي الإلغاء وطعون القضاء الشامل، أطروحة لنيل دكتوراه في الحقوق، جامعة الحسن الثاني، كلية الحقوق، الدار البيضاء، السنة الجامعية 2004-2005.
[23] المصطفي شرف الدين: واجبات التسجيل والنظام التعاقدي، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعقمة في القانون الخاص، جامعة القاضي عياض، كلية الحقوق، مراكش، السنة الجامعية، 1999-2000، ص 224.


