الطرق البديلة لتسوية نزاعات الشغل)[1](

 

 

محمد أطويف

دكتور في القانون الخاص

كلية الحقوق بجامعة محمد الأول – وجدة

يعتبر الاستقرار السياسي إحدى الغايات الكبرى التي تسعى جميع الدول كيفما كانت طبيعة أنظمتها السياسية، ونفوذها العسكري، وحجم اقتصادها الوطني إلى تحقيقه، ومن الشروط الضرورية لتوفير الاستقرار السياسي نجد توفير وضمان الاستقرار الاجتماعي. ولاشك أن ضمان السلم الاجتماعي وتوفير مناخ تسوده الطمأنينة والعدالة الاجتماعية مسؤولية أصبحت أكثر من أي وقت مضى ملقاة على عاتق الدولة وأجهزتها، فلا أحد ينكر الدور الذي أصبحت تلعبه الدولة في التدخل في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وتتجلى هذه المسؤولية بشكل واضح في أنواع التشريعات التى تسنها الدولة لتوجه بها عملية التغيير وتضبط بها العلاقات القائمة بين أفراد المجتمع، ومن أهم أدوات الضبط الاجتماعي التي تستعملها الدولة القانون، ذلك أن وظيفة هذا الأخير هي إرساء النظام داخل المجتمع وكفالة التوازن ما بين حقوق والتزامات الأفراد، فبدونه لا يمكن ضبط التوازن داخل المجتمع ولا يمكن الحديث عن سلم اجتماعي، ومن ثمة منع المنازعات بين أعضاء المجتمع.

ومن أهم وأخطر النزاعات التي تنشأ بين أفراد المجتمع في عصرنا الحالي نجد نزاعات الشغل فهي تكتسي أهمية بالغة في انشغالات السياسيين والاقتصاديين والاجتماعيين وذلك للاعتبارات التالية:

  • كونها تمس شريحة عريضة من المجتمع تزداد باستمرار.
  • كونها تتعلق بمستلزمات الحياة لدى الطبقة العاملة، ذلك أن هذه النزاعات تمس مصدر عيش العامل وأسرته.
  • كونها تؤثر على السلم الاجتماعي داخل البلاد، فالتحكم في هذه النزاعات يساهم في ضمان الاستقرار.

إن نزاعات الشغل ترجع بالأساس إلى نظرة كل من طرفي علاقات الشغل إلى العمل، فالمؤاجر يرى في العمل فرصة من فرص الربح والاستثمار أكثر من المساهمة في تحقيق تطور اقتصادي وتنمية اجتماعية للبلاد أما الأجير فيري في العامل وسيلة أساسية لكسب مورد يوفر له عيشا كريما.

وفي ظل ما نجم عن هذا النظام الاقتصادي من ظروف اقتصادية واجتماعية مزرية للطبقة الشغيلة ظهرت المبادئ الإجتماعية والاشتراكية التي تنادي بتحرير الطبقة العاملة من الأوضاع الاجتماعية المزرية التي كانت تعيشها، وتنادي بضرورة تدخل الدولة في علاقات الشغل لحماية هذه الفئة الضعيفة اقتصاديا والمحرومة اجتماعيا وذلك بخلق الضوابط القانونية التي تنظم وتحكم علاقات الشغل التابع.

غير أن غاية التشريع الاجتماعي تبقى دون ملامسة للواقع في غياب تطبيق سليم لقواعده، وإذا كان جهاز القضاء الرسمي هو الذي أناط به الدستور مهمة الفصل في نزاعات الشغل عن طريق السهر على تنفيذ قواعد قانون الشغل، فإن الواقع العملي أثبت بأن هذا الأخير يعيش معضلة أساسية منذ أمد بعيد تتجلى في تراكم أعداد هائلة من القضايا تنتظر دورها للفصل فيها بسبب البطء في الحسم في النزاعات والتأخير في إصدار الأحكام، وتعدد أوجه الطعن عبر مختلف درجات التقاضي، بالإضافة إلى اتسام إجراءات التبليغ والتنفيذ بالتعقيد وافتقارها للسرعة والفعالية، مما يترتب عنه انتشار ظواهر سلبية وفي مقدمتها التمادي في النزاعات مهما كانت أسبابها وقيمتها بل والتفنن في إطالة أمدها، مع العلم أن معضلة تضخم وتراكم القضايا بالمحاكم ليست حكرا على الدول المتخلفة بل تعاني منها أيضا وبدرجات متفاوتة الدول المتقدمة بدورها مع فارق في نوعية وموضوع القضايا.

وأمام هذه الوضعية الصعبة التي يعاني منها جهاز العدالة، تعالت الأصوات الداعية إلى إصلاحه، والتفكير في إيجاد طرق موازية وبديلة عنه لتجاوز كل المعوقات والسلبيات التي بات يشكو منها هذا الجهاز، وهذا لا يعني الاستغناء عنه، وإنما التخفيف عنه. ومن هنا ترددت المطالبة بضرورة اللجوء إلى آليات من مزاياها البساطة والمرونة والسرعة والفعالية وقلة التكاليف، لذلك فقد اهتدى الفكر القانوني الحديث إلى ابتكار أساليب جديدة وطرق لحل ما قد يحدث من نزاعات كيف ما كانت طبيعتها مدنية، تجارية، أو اجتماعية… هذه الأساليب الجديدة سميت بالطرق الموازية أو البديلة للقضاء العادي والرسمي، فكانت أهم هذه الآليات هي المصالحة والوساطة والتحكيم.

وقد أصبحت الطرق البديلة لتسوية النزاعات تكتسي أهمية كبرى في العصر الحديث، وذلك بالنظر لما توفره من آليات قانونية لحسم النزاع بشكل متميز عن المساطر القضائية، ومنسجما أكثر مع خاصية السرعة التي أضحى يتطلبها زمن العولمة.

والمشرع المغربي عمل بدوره وعلى غرار جل التشريعات المقارنة، على إعادة النظر في المنظومة القانونية المتعلقة بالوسائل البديلة لحل النزاعات، وذلك مسايرة منه لمختلف المتغيرات الإقتصادية والإجتماعية التي شهدها مغرب القرن الواحد والعشرين، والرقى إلى مستوى الحداثة القانونية من أجل تحقيق العدالة وإرساء دولة الحق والقانون وسيادة المؤسسات الدستورية.

ويعتبر الصلح والتحكيم والوساطة من أبرز هاته الوسائل التي نص عليها المشرع المغربي في نصوص عديدة من قوانينه الداخلية، أهمها ق.ل.ع الذي خصص الفصول من 1098 إلى 1116 لعقد الصلح وظهير المسطرة المدنية المؤرخ في 12 غشت 1913 الذي عالج التحكيم في الباب الخامس عشر من القسم السابع، ثم قانون المسطرة المدنية الصادر بتاريخ 28 شتنبر 1974 الذي نظم التحكيم في الباب الثامن من قسمه الخامس. ثم صدرت مدونة الشغل بموجب قانون رقم 65.99 التي نصت في الباب الثالث من كتابها السادس على مسطرة التحكيم لتسوية نزاعات الشغل الجماعية في الفصول من 567 إلى 580.

غير أن أبرز تحول عرفته الترسانة القانونية المغربية في مجال الطرق البديلة لفض المنازعات، كان صدور القانون رقم 08.05 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية، والذي نسخ وعوض الباب الثامن بالقسم الخامس من قانون المسطرة المدنية وجاء هذا القانون الجديد منسجما مع توجهات قانون اليونسترال النموذجي للتحكيم ومسايرا لمجهودات الدولة المغربية الرامية إلى إدماج الوساطة في النظامين القانوني والقضائي عبر تفعيل آليات التعاون الدولي في هذا المجال مع مجموعة من المنظمات والهيئات، وتماشيا أيضا مع ما نص عليه اتفاق التبادل الحر مع الولايات المتحدة الأمريكية من إمكانية فض منازعات الاستثمار عن طريق الوساطة، حيث أصبح التحكيم وفقا لهذا القانون تحكمه الفصول من 306 إلى 54-327، في حين نظم هذا القانون الوساطة الاتفاقية بموجب الفصول من 55-327 إلى 70-327.

فالتحكيم والوساطة والصلح إلى غير ذلك من الوسائل أصبحت كلها تدخل ضمن إطار عام يطلق عليه اسم الطرق البديلة لتسوية النزاعات، والتي أصبحت إحدى الآليات المعتمد عليها نظرا لما تحققه من سرعة في البت، ومرونة وسرية في الإجراءات إلى جانب مشاركة الأطراف في حل النزاع أحيان. وعليه فإن وعي كثير من الدول بالدور الذي تلعبه هذه الوسائل لتسوية النزاعات، جعلها تعمل على تعديل تشريعاتها لجعلها تتوافق وأهداف الاتفاقيات الدولية في هذا المجال.

وتعتبر الطرق البديلة لتسوية النزاعات نظاما خاصا وموازيا للنظام القضائي، إذ تضطلع بدور مهم في الفصل في الخلافات التي تنشأ بين الأطراف سواء في المجالين المدني أو الإداري أو في المعاملات التجارية، بل حتى في المجال الاجتماعي، ونزاعات الشغل جزء من هذا الأخير.

وتكتسي الطرق البديلة لتسوية المنازعات أهمية كبرى، وتحظي بعناية خاصة في المغرب سواء من لدن الأجهزة الرسمية أو المجتمع المدني، هذه الأهمية والعناية نابعتان من فلسفة تنبني على التعايش بين نظام القضاء الرسمي والأنظمة أو الأجهزة الموازية التي تختلف حسب طبيعة النزاعات وأنواعها (مدنية، تجارية، جنائية، أسرية، مهنية، حرفية…)، وهو ما يسمح بتفادي أو تجاوز واقع القضاء الرسمي الذي يشكو من العديد من المعوقات.

وقد وجدت هذه الطرق البديلة في مجال قانون الأعمال ميدانا خصبا للتطبيق، فأخذت بذلك مكانها ضمن منظومته القانونية التي تتميز بالسرعة والحركة والتغيير كما استجابت لرغبة وعقلية رجال الأعمال والفرقاء الاجتماعين الذين أصبحوا يفضلون فض نزاعاتهم في وقت وجيز ووفق وسائل متفق عليها ومتفاوض بشأنها مسبقا، وذهب الفقيه لوييك كاديي إلى القول أنه ظهرت هناك إرادة للمرور من مرحلة الأمن القانوني المفروض إلى مرحلة الأمن القانوني المتفاوض بشأنه.

وتزداد-في نظرنا- أهمية اللجوء للطرق البديلة لتسوية نزاعات متى تعلق الأمر بنزاعات الشغل نظرا لطبيعة العلاقة التى تربط بين مكونات أرباب العمل والعمال فهي علاقات على جانب كبير من التعقيد، يغلب عليها طابع الخصوصية والتكتم والسرية والحساسية، كما أنها تتميز باختلاف طبائع مكوناتها بحكم اختلاف المحيط المهني والبيئة التي تربى وترعرع فيها أطرافها، وهو ما يجعل الحياة الشغلية أرضا خصبة لحصول الخلافات التي قد ترتفع حدتها لتتحول لاصطدامات ثم خصومات فنزاعات، والتي قد تطول فتعصف بالمقاولة كلها إذا لم تتم معالجتها بحكمة وروية. وهذا ما يقتضي تحليلا عميقا للجانب الاجتماعي والنفسي بهدف التوصل للحل الملائم الذي من شأنه أن يعيد الصلات الودية بين أطرافها، وقد يكون هذا الحل بعيدا عن جهاز القضاء وبدون الحاجة لتطبيق نصوص قانونية ملزمة بالرغم من أن العلاقة تأسست في جوهرها وفق القانون وستظل خاضعة له.

وإذا كان من الملاحظ أن نزاعات الشغل قد ارتفعت نسبتها في العقود الأخيرة بشكل مهول ومخيف، إذ تحتل رتب متقدمة في عدد القضايا المعروضة على المحاكم بمختلف درجاتها، وإن العديد من هذه النزاعات هو في جوهره بسيط يمكن التغلب عليه بتدخل وسيط أو حكم بين الأطراف، ولكن عندما يعرض على القضاء كل يسعى لمواجهة الآخر بالبحث عن وسائل إثبات واختلافتها أحيانا لكسب الدعوى، مما يؤدي إلى تعميق النزاع وحصول العداوة، وبالتالي استحالة استمرارية العلاقة الشغلية بمقوماتها المعنوية الأساسية من ود واحترام، وإلى التعجيل بتفكك المقاولة وتشتيتها مع ما يترتب عن ذلك من انعكاسات اجتماعية واقتصادية.

ويعد الصلح والوساطة والتحكيم طرقا فضلى في فض النزاعات في فروع القانون الاجتماعي، ومنها نزاعات الشغل سواء الفردية منها أو الجماعية، فتسوية نزاعات الشغل لا تكون في الأصل قضائية تحاكمية وإنما يقتصر دور القاضي في الغالب منها على توثيق الحل الصلحي أو التصديق عليه.

أولا: دوافع اختيار الموضوع

إن دوافع اختيار “الطرق البديلة لتسوية نزاعات الشغل” كموضوع لبحثنا هذا هي نتيجة لتظافر أسباب ذاتية وموضوعية تتمثل أساسا في:

– التوجه الجديد الذى عرفه العالم والمتجلى في الإهتمام المتزايد بالطرق البديلة لفض النزاعات على صعيد مختلف الأنظمة القانونية والقضائية.

– الاهتمام المتزايد بموضوع علاقات الشغل وما تثيره هذه العلاقات من نزاعات وصراعات تنعكس بشكل مباشر على الاقتصاد الوطني.

– الأزمات المتتالية التي يمر منها الاقتصاد العالمي، وتأثير ذلك على المقاولات والنقابات المغربية.

– الارتباط الوثيق لنزاعات الشغل بالنقابات العمالية، وما تشهده الساحة النقابية المغربية من صراعات وتحولات وتحالفات وانشقاقات تؤثر بشكل مباشر على نزاعات الشغل ومدى ارتباطها بالأهداف المهنية.

– حداثة الموضوع، فلا يخفى على الجميع أن الطرق البديلة لتسوية نزاعات الشغل في ظل المستجدات الجديدة من اتفاقيات دولية وثورة علمية وتكنولوجية، جعلت لهذا الموضوع بريقا خاصا في البحث.

– التداخل البين للاقتصادي بالاجتماعي بالسياسي في نزاعات الشغل بالمغرب وصعوبة تحديد تلك ذات الطبيعة المهنية.

– وجود نصوص قانونية تحدد الطرق والوسائل التي بموجبها يمكن الوصول إلى حلول سلمية لهذه النزاعات، وتطلعنا إلى ما جاءت به المدونة من جديد.

– أنه لأول مرة يعنى المشرع المغربي بتنظيم الوساطة الاتفاقية من خلال القانون رقم 08.05، وبالتالي التعرف على الأحكام المنظمة للوساطة الاتفاقية والتحكيم وفقا لفصول هذا القانون.

– اتساع وثيرة النزاعات الاجتماعية ) الطرد، الإعفاء، الإغلاق(…، والتي ازدادت بعد سن سياسة الخوصصة.

– إن إرساء ثقافة التشاور والحوار وتحقيق التوازن بين كل من الأجير والمشغل ليس بالأمر السهل الشيء الذي يفرض أن تراعي القوانين المهتمة بهذا الميدان هذا التوازن سواء من حيث الجوهر أو الشكل، خاصة وأن أصحاب العمل ومن خلال مركزهم القوي كانوا يعملون ما في وسعهم لإخضاع الطبقة الشغيلة لنظام صارم يضمن لهم السيطرة عليها.

– كثرة الانتقادات الموجهة للقضاء الاجتماعي، ورفض العديد من المؤاجرين العمل على تطبيق أحكامه.

– الدور الكبير الذي أصبحت تلعبه الطرق البديلة لحل النزاعات كآليات حديثة للفصل وبشكل فعال وسريع وودي في حل النزاعات قبل عرضها على القضاء، وفي مقدمتها الوساطة، التوفيق، التحكيم والصلح وهي وسائل قديمة وحديثة في نفس الوقت، بحيث وإن كانت معروفة لكن لم تستعمل بشكل منظم ومؤسس إلا في السنوات الأخيرة.

– نظرا لما تؤديه الطرق البديلة لحل المنازعات من أدوار رائعة في البحث عن الحل، ولما توفره من مرونة وسرية وسرعة في البت، لقلة الشكليات، ومحدودية الخصومة فيها، بل إن الأطراف المتنازعة هي نفسها التي تصوغ بنود حل النزاع بشكل تعاقدي، فأصبح الإقبال عليها في حل منازعات مختلفة ومتنوعة مطردا وممنهجا.

– الرغبة الشخصية في ملامسة واقع العلاقات المهنية وكيفية تأثرها وتأثيرها بنزاعات الشغل.

– العمل على تسليط الضوء على الطرق البديلة لتسوية نزاعات الشغل، والكشف عن مدى توفق المشرع المغربي في صياغة أحكامها.

هذه الاعتبارات كلها دفعتنا إلى التركيز على هذا الموضوع ومدى أهميته، وكان اختيارنا له من زاوية أخرى أنه لم يحظ بالدراسة والتأصيل الكافيين مما جعلنا نخوض غمار هذا الموضوع مركزين بالأساس على المغرب كفضاء مكاني، لكن هذا لا يعني عدم الانفتاح على التجارب المقارنة، والتي قد تساعد في الوصول إلى مقاربة أكثر شمولية لنزاعات الشغل بالمغرب، وذلك بعد تكييفها مع الشروط الموضوعية والذاتية التي يتميز بها المحيط المهني الوطني، دون إهمال المقتضيات التي تتضمنها توصيات المنظمات الدولية والإقليمية في هذا الشأن.

ثانيا: أهمية الموضوع

إن أهمية الموضوع لا تنبع من قناعة شخصية، وإنما ترتكز على اعتبارات اقتصادية واجتماعية وسياسية وعلمية وعملية في نفس الوقت، حيث يمكن تحديد أهمية هذا الموضوع:

1. على المستوى الإقتصادي: تبرز الأهمية الإقتصادية للموضوع من خلال الآثار التي تخلفها نزاعات الشغل على استقرار علاقات الشغل، ومن وراء ذلك الحفاظ على مناصب الشغل ومحاربة البطالة وإنعكاسات ذلك على مستوى الوثيرة الإقتصادية، وغير خاف الدور الكبير للأجور في إنعاش الدورة الإقتصادية والنهوض بالمستوى المعيشي للسكان. هذا مع العلم أن الغالبية العامة من السكان يدخلون ضمن طائفة العمال. وفي الجانب الآخر الأثر السلبي لنزاعات الشغل، فتزايد الإضرابات سيؤثر لا محالة على وتيرة الإنتاج وما يرافق ذلك من ركوض اقتصادي، الشيء الذي ينتج عنه تسريح العمال وارتفاع معدلات البطالة، وبهذا فإن الطرق البديلة لتسوية نزاعات الشغل تشكل آليات قانونية وقائية وعلاجية في نفس الوقت لمختلف المشاكل التي تعرفها علاقات الشغل، الأمر الذي ينعكس بالإيجاب على المصلحة الإقتصادية العامة.

2. على المستوى الإجتماعي: من المعلوم أن الطبقة الشغيلة تشكل الفئة الغالبة من المجتمع، وبالتالي فإن إستقرار أوضاع هذه الفئة وتحسن ظروف عملها سينعكس بالإيجاب على المجتمع ككل. فمحاربة الظواهر الإجتماعية السلبية يكون بالحفاظ على كيان واستقرار علاقة الشغل، والعمل على تطويرها وتحسين ظروفها. فإذا كانت الأسرة هي النواة الصلبة للمجتمع فإن الأجير هو القلب النابض للأسرة وبالتالي فأي تأثر لوضعه يؤدي إلى خلل في نواة المجتمع. وبما أن نزاع الشغل هو أخطر وضع يهدد استقرار علاقة الشغل، وأن الطرق البديلة لحل النزاعات تشكل الوسيلة الأنجع لفض وحل نزاع الشغل، فإن أهمية هذه الطرق في نزاعات الشغل تكمن أساس في الحفاظ على استقرار علاقات الشغل، ومن وراء ذلك حماية المصلحة العامة للمجتمع وتحقيق السلم الاجتماعي.

3. على المستوى السياسي: فالامتداد الكبير للطبقة الشغيلة داخل جميع مكونات المجتمع، حولها إلى قوة سياسية ضاغطة تحتل مكانة بارزة في جميع مستويات الحياة، هذا ناهيك عن الآثار الخطيرة على استقرار الأنظمة السياسية والوضع الأمني للدول جراء التوترات الإجتماعية التي يحدثها العمال. فخطورة الإضرابات واتساع رقعتها، أصبحت تهدد وضع الأنظمة السياسية للدول، فكثيرة هي الإضرابات التي قادها العمال وأدت إلى قيام الثورات وسقوط أنظمة الحكم.

هذا وإذا كانت نزاعات الشغل وخاصة الجماعية منها تشكل خطورة كبيرة على الوضع السياسي، فإنه عبر الصلح والتصالح والتحكيم والوساطة يتم تفادي تجاذب القوة بين طرفي علاقة الشغل وآثارها الخطيرة، الشيء الذي يؤدي إلى تحقيق السلم الإجتماعي وإشاعة الأمن والسلام بين أفراد المجتمع.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى يحتل موضوع الطرق البديلة لتسوية نزاعات الشغل أهمية متميزة سواء في جانبه النظري أو العملي.

أ-الأهمية العلمية للموضوع

تبرز الأهمية العلمية للطرق البديلة لتسوية نزاعات الشغل في جوانب متعددة، فهي تؤدي إلى تخفيف العبء على أطراف علاقات الشغل، فباللجوء إليها يتم اختصار الوقت والجهد وتجنب المصاريف المادية، هذا بالإضافة إلى الفعالية التي يتميز بها في التنفيذ، كما تؤدي إلى تخفيف العبء على القضاء الاجتماعي. فالطرق لتسوية نزاعات الشغل من صلح وتحكيم ووساطة… إما أن تمنع الأطراف من اللجوء أصلا إلى القضاء، أو تضع حدا للنزاع وهو بين يدي القاضي، وما لكل هذا من أثر إيجابي في التخفيف من حدة الضغط الواقع على القضاء بصفة عامة. هذا بالإضافة إلى المساهمة في تكريس العدالة التصالحية القائمة على حسم النزاعات عبر الحوار والتشاور المؤديان إلى التوافق والتراضي، الشيء الذي يضع حدا لما تتركه النزاعات من أحقاد وضغائن في النفوس، مما يفضي إلى نشر السلم الاجتماعي وإشاعة الأمن السلام بين الأفراد.

ب- الأهمية النظرية للموضوع

تتجلى الأهمية النظرية لموضوع الطرق البديلة لتسوية نزاعات الشغل من خلال الإشكالات التي تثيرها النصوص القانونية المنظمة للموضوع، وتضارب الآراء والمواقف الفقهية الهادفة إلى محاولة الإجابة على هذه الإشكالات. هذا بالإضافة إلى قلة الدراسات والبحوث التي تتعرض للموضوع في شكله الموسع، زد على هذا تشتت المقتضيات القانونية المنظمة للطرق البديلة لتسوية نزاعات الشغل بين مجموعة من القوانين، الشيء الذي يؤثر على فعالية هذه الطرق ويجعلها لا تفي بالغرض المنشود، وكل هذه عوامل تجعل من الموضوع أفقا خصبا للبحث والدراسة.

ثالثا: الإشكالية

أدت نجاعة الطرق البديلة في تسوية مختلف النزاعات إلى الاعتماد عليها، وتجسيدها في مختلف مواضيع المادة الاجتماعية، ونظرا لخصوصية وتشعب هذا المجال، فقد عرفت الطرق البديلة في نزاعات الشغل الفردية منها والجماعية صورا عديدة، ومظاهر مختلفة تجمع بين الصلح أو المصالحة، والوساطة ثم التحكيم هذا الثالوث المتحكم في نزاعات الشغل أصبح يعرف انتشارا واسعا في مختلف الأنظمة القانونية المقارنة المنظمة للمادة الاجتماعية.

وتتمحور الإشكالية التي يطرحها البحث في هذا الموضوع حول معرفة مدى تمكن المشرع المغربي من صياغة الأحكام المنظمة للطرق البديلة لتسوية نزاعات الشغل من صلح ووساطة وتحكيم، لهذا فإن الإشكالية المحورية التي يطرحها الموضوع تتلخص فيما يلي:

إلى أي حد استطاع المشرع المغربي تنظيم القواعد الموضوعية والمسطرية للطرق البديلة لتسوية نزاعات الشغل بشكل يحد ويساهم في حل هذه النزاعات بفعالية مما يضمن الحفاظ على استقرار علاقات الشغل، وتحقيق السلم الإجتماعي، وتكريس العدالة الإجتماعية، وذلك في ضوء الواقع والمستجدات التشريعية والعمل القضائي المغربي، وكتابات الفقه الإجتماعي في هذا الشأن؟

وبالتالي، فإن الضرورة العلمية والعملية لموضوع الطرق البديلة لتسوية نزاعات الشغل تطرح مجموعة من التساؤلات الجوهرية والأساسية التي سيتم معالجتها بالاستعانة بمزيج من مناهج البحث العلمي.

رابعا: منهجية البحث

يعتمد الباحث في كل مشروع علمي يخوضه بمنهج يوصله الى حقائق علمية وهو ما واجهنا عند إنجازنا لهذه الأطروحة، كما أن تشعب المحاور التي تطرحها إشكالية البحث، يقتضي منا الاستعانة بمزيج من مناهج البحث العلمي من أجل الإحاطة بالموضوع.

وعليه، سنتعمد منهجا علميا يقوم على المزاوجة بين الجانب الوصفي الذي لا غنى عنه في دراسة أي موضوع قانوني مع الحرص على تجنب الإسهاب، والجانب التحليلي الذي سيركز على المجالات التالية:

1-المزاوجة بين المنهجين الاستقرائي والإستنباطي، فالأول يقوم على وضع الموضوع في سياقه العام من خلال تجريد للنصوص القانونية المنظمة له، أما الثاني فيقوم على استخلاص القواعد والأحكام من هذه النصوص.

2- المزاوجة بين الجانبين النظري والعملي، بين التشريع من جهة والفقه والقضاء من جهة أخرى.

لذلك تم في هذا البحث استثمار مختلف الآراء الفقهية في الموضوع، ومجموعة من القرارات والأحكام الصادرة عن المجلس الأعلى أو عن محاكم الموضوع، المنشور منها وغير المنشور، كما عرف توظيف بعض الممارسات القضائية التي سادت في بعض المحاكم، وتمت الاستعانة ببعض الوثائق المرتبطة بالموضوع تضمنها ملحق هذه الدراسة نظرا لأهميتها العملية.

3- جعل هذه الدراسة مقارنة، وقد ركزنا في ذلك على القانون الفرنسي باعتباره مصدرا تاريخيا للقانون المغربي، فضلا عن معالجته مختلف إشكاليات الموضوع، كما اعتمدنا أيضا على القانونين المصري والتونسي كلما أسعفنا تنظيمها للموضوع من الاستئناس بالحلول لبعض الثغرات التي يعرفها القانون المغربي.

4- الجانب النقدي، وذلك بإبراز ثغرات التشريع المغربي واقتراح البديل لتقويم هذه الثغرات.

خامسا: التصميم العام للبحث

ولهذا وجدت من المناسب وحتى تعم الفائدة ويتخذ هذا البحث صفة الشمولية المطلوبة أن يكون التصميم العام للبحث على المنوال التالي:

الباب الأول: القواعد الموضوعية للطرق البديلة لتسوية نزاعات الشغل.

الباب الثاني: القواعد المسطرية للطرق البديلة لتسوية نزاعات الشغل.

سادسا: المقترحات والتوصيات

على امتداد صفحات هذا البحث، توقفنا عند الطرق البديلة لتسوية نزاعات الشغل، استعرضنا لمظاهر نزاعات الشغل، تحدثنا عن القواعد الموضوعية والمسطرية للطرق البديلة لتسوية نزاعات الشغل، أفردنا حيزا من البحث لكل من الصلح أو المصالحة والوساطة والتحكيم، بحيث قلنا أن بوسع هذه الطرق أن تتظافر وتتوحد لمواجهة نزاعات الشغل الفردية منها أو الجماعية لأن فيها إضرار لمصالح أطراف العلاقة الشغلية وبالاقتصاد الوطني ككل، وهذه المسألة لم تعد في حاجة إلى إثبات لأن سلبيات نزاعات الشغل أضحت مسلمة لم يعد بالإمكان دحضها.

ولاشك أن وعي المشرع المغربي بخطورة الآثار الناتجة عن أي خلل في علاقات الشغل، من شأنه أن يهدد إستقرارها وثباتها سواء في جانبها الفردي أو الجماعي، ورغبته في الحفاظ على المصالح العليا للاقتصاد الوطني وتحقيق السلم الإجتماعي، جعله يروم إلى تسوية نزاعات الشغل بالوسائل السلمية، لما تمتاز به من سرعة وفعالية في نفس الوقت، وهذا ما يفسر الإهتمام الكبير من جانب المشرع بالطرق البديلة لتسوية نزاعات الشغل، هذا الإهتمام ترتب عنه زخم تشريعي في المقتضيات القانونية المتعلقة بالصلح في نزاعات الشغل، لا من حيث تعدد القوانين المنظمة له ولا من حيث كثرة المواد والفصول.

هذا الزخم رافقه فشل ذريع في تحقيق الأهداف المتوخاة من مسطرة الصلح، فمن الصلح المدني وأثره السلبي على الطرف الضعيف في علاقة الشغل ما دام هذا النوع يقوم على الحرية التعاقدية ويفترض التوازن في طرفي العلاقة العقدية، إلى الصلح القضائي وتخلف القضاء عن القيام بدوره التصالحي، مرورا بمسطرة الصلح التمهيدي والإشكالات التي تثيرها النصوص القانونية المنظمة لها، وصولا إلى الدور التصالحي لمفتشي الشغل ولجان البحث والتصالح وما يرافق ذلك من خلل بنيوي في جهاز تفتيش الشغل بالمغرب والإشكالات التي تثيرها تركيبة لجان البحث والمصالحة.

لكن مازال هذا الصلح لم يرقى بعد إلى المستوى المطلوب، بسبب بعض المعيقات التي يتعين تجاوزها لتفعيل مقتضيات هذا الصلح، في حين نجد أن عمل الجهاز القضائي في هذا المجال لازال ضعيفا، ولم يتميز بالفعالية المطلوبة، ويرجع ذلك بالدرجة الأولى إلى سوء التطبيق للنصوص القانونية، والوسائل المرصدة لذلك، إلى جانب الثغرات التي تعتري هذه النصوص القانونية لهذا انتهينا في هذا البحث إلى استخلاص بعض المقترحات التي ترمي إلى تفعيل مؤسسة الصلح في مجال النزاعات الشغلية:

– ضرورة إجراء تعديلات على الكتاب السادس من مدونة الشغل المتعلق بتسوية نزاعات الشغل الجماعية بما يتماشى ومتطلبات الحياة العملية من جهة وبما يتماشى مع التعديلات الأخيرة التي طرأت على مستوى قانون المسطرة المدنية بمقتضى القانون رقم 08.05 المتعلق بالوساطة الاتفاقية والتحكيم لاسيما وأن مقتضيات الكتاب السادس تحيلنا في كثير من الأحيان على قواعد المسطرة المدنية.

– يجب العمل على التأسيس لقضاء اجتماعي متخصص ومستقل عن القضاء العادي، وذلك عبر إحداث المحاكم الإجتماعية، هذه الأخيرة يجب أن تتوفر على قسمين قسم خاص بقضاء الحكم وقسم آخر خاص بقضاء الصلح، الشيء الذي من شأنه توفير قضاة على مستوى وقدر عالي في إجراء محاولات التصالح وخاصة في نزاعات الشغل الفردية.

– إصدار مراسيم تحدد كيفية تشكيل أعضاء لجان البحث والمصالحة الإقليمية والوطنية، لإزالة الغموض والتذبذب الذي تعرفه تركيبة هذه اللجان، وكذلك بشكل يسمح لكل الأطراف الحضور والعضوية في هذه اللجان دون أن تتوقف هذه العضوية على شرط الأكثرية التمثيلية النقابية.

– إلزام أطراف النزاع الجماعي بضرورة الحضور الشخصي سواء أمام مفتشية الشغل أو لجان البحث والمصالحة مع تمديد مقتضيات المادتان 583 و585 من مدونة الشغل لتشمل جلسات الصلح أمام مفتشية الشغل، وبصفة عامة فإن نجاح آلية المصالحة في تسوية نزاعات الشغل الجماعية أو الوقاية منها يتطلب تعاون كل من هيئات التسوية والسلطات المحلية والإدارة المركزية المكلفة بالشغل والفرقاء الاجتماعيين.

– ينبغي جعل مهمة رئاسة لجان البحث والمصالحة من إختصاص قضاة الصلح، لأنه مع الأخذ بالمقترح السالف ذكره، سيكون لدينا قضاة مؤهلين لتولي هذه المهمة وقادرين على تسوية نزاعات الشغل الجماعية، وذلك بحكم التجربة والخبرة الكبيرة التي تكونت لهم في مجال الصلح. كما يتعين العمل على إعادة النظر في المقتضيات القانونية الخاصة بتركيبة لجان البحث والمصالحة.

ولزرع الأمن القانوني في نفوس طرفي نزاع الشغل الجماعي، فإنه يتعين أن تسند رئاسة اللجنة الإقليمية للبحث والمصالحة إلى قاض ينتمي للغرفة الاجتماعية بالمحكمة الابتدائية بدل إسنادها إلى السلطة الإدارية في شخص عامل العمالة أو الإقليم، أما اللجنة الوطنية للبحث والمصالحة فتسند رئاستها لمستشار بالغرفة الاجتماعية بمحكمة النقض عوضا عن الوزير المكلف بالتشغيل أو ممثله.

– يجب العمل على إعادة النظر في وضعية جهاز تفتيش الشغل بالمغرب، عبر وضع مقاربة شاملة لإصلاح هذا الجهاز، وذلك من خلال تحسين الوضع المادي لمفتشي الشغل والرفع من عددهم والرفع من مستوى التكوين والتكوين المستمر، وذلك حتى يكون مفتش الشغل في مستوى مهمة الصلح. كما يتعين أيضا إعادة هيكلة هذا الجهاز وتأهيله حتى يواكب المهام القانونية الجديدة التي أسندت له بمناسبة صدور مدونة الشغل للمساهمة في دعم استقرار العلاقات المهنية داخل المقاولة.

– يجب على الوزارة المكلفة بالشغل باعتبارها الوزارة الوصية أن تعمل عبر حملات تحسيسية دورية، على تحسيس طرفي علاقة الشغل بأهمية وإيجابيات مسطرة الصلح في نزاعات الشغل.

– يجب إعادة صياغة المقتضيات القانونية المتعلقة بالصلح في نزاعات الشغل داخل مدونة الشغل، وذلك من أجل وضع حد للغموض الذي يلف هذه المقتضيات وخاصة المادتين 41 و532 من مدونة الشغل، مع العمل على تخويل الأجير إمكانية الطعن في محاضر الصلح المبرم أمام مفتش الشغل لأن إعطاء هذه المحاضر قوة مطلقة يتعارض والرقابة القضائية التي من المفترض أن تكون مبسوطة لحماية الأجراء.

وفي ظل الجدل الفقهي الذي تثيره المادة 41 والمادة 532 من مدونة الشغل يتعين على المشرع التدخل لإعادة صياغة المادة 532 من مدونة الشغل وجعلها أكثر تحديدا، وذلك بجعل المادة 532 تؤكد بدورها على القوة الإبرائية لمحاضر الصلح التي يحررها العون المكلف بتفتيش الشغل متى نجح في التوفيق بين طرفي النزاع واحترام مختلف الشروط الخاصة بتحرير محضر الصلح المنصوص عليها في المادة 41 من مدونة الشغل، تعزيزا لحجية محاضر الصلح أمام القضاء، خاصة في ظل تحديد مدونة الشغل لمعظم التعويضات الواجبة للأجير، مما قد يجعل من محضر الصلح القائم على احترام هذه المقتضيات القانونية، وسيلة قانونية حاسمة للنزاع بشكل توافقي تصالحي، يرسخ لخصوصية قانون الشغل، ويضمن حقوق الأجير ويراعى مصالحه في أقرب الآجال، متجاوزا بذلك تعقيدات وطول المسطرة القضائية.

– العمل على تقييد إجراءات المصالحة على مستوى مفتشية الشغل بأجل معين، لتحقيق سرعة البت في النزاع، وذلك بهدف تقييد سلطة رب العمل وجعلها تخدم مصلحة الطرف الضعيف.

– يجب على القضاء أن يساير ما نصت عليه مدونة الشغل بخصوص الصلح المدني في نزاعات الشغل الفردية، والتي قضت ببطلان كل إبراء أو صلح وفقا للفصل 1098 من ق.ل.ع، والعمل على تجاوز الوضع الحالي أو ما يعرف بالإشهاد على التنازل نظرا لوقوع الصلح.

– إسناد مهمة الصلح القضائي لقاضي الصلح، وليس لقاضي الحكم ويستحسن إنشاء مكتب خاص بالصلح بالغرفة الاجتماعية، بالمحاكم الابتدائية، وذلك لتفعيل مقتضيات الصلح القضائي المنصوص عليها في المادة 277 من قانون المسطرة المدنية.

– اعتبار المواد من 73 الى 76 من مدونة الشغل أساس كل توصيل تصفية كل حساب في المادة الاجتماعية وضرورة التقيد بهذه النصوص القانونية من قبل القضاء، بدل العمل بالمادة 745 من ق.ل.ع، لقطع الطريق على المشغلين الذين يعمل البعض منهم إلى اتباع آلية الصلح المدني، لوضع حد لأي نزاع محتمل قد ينشب بينهم.

– ضرورة النص على مسطرة خاصة لتنفيذ إتفاقات التصالح في نزاعات الشغل الجماعية، مع النص على جزاءات رادعة لكل من يخل باتفاق الصلح.

ولتفعيل مؤسسة الصلح في نزاعات الشغل والتحسيس بأهميتها يجب إشراك المؤسسات التمثيلية في ذلك ويتعلق الأمر بمندوبي الأجراء ولجنة المقاولة، والمنظمات النقابية للأجراء، والمنظمات المهنية للمشغلين.

وباعتماد المشرع المغربي قانون 05-08 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية يكون قد أضاف لبنة ثانية في بناء العدالة التعاقدية بعد إقراره بداية التحكيم من خلال ما تم إدراجه في قانون المسطرة المدنية سابقا، ذلك أن نظام الوساطة لتسوية النزاعات يقوم على الإرادة الحرة للأطراف، ويتميز عن غيره من الأنظمة الأخرى، وتحديدا القضاء والتحكيم، بأن الأطراف يسيطرون على إجراءات الوساطة ونتيجتها، ولا يملك الوسيط فرض حلول على الأطراف المتنازعة.

كما أن نظام الوساطة يمتاز بالسرعة، والسرية والمرونة وقلة التكاليف، وتجنب البطلان إلى حد بعيد، كما أنه يضمن ربحا لكل الأطراف ويحافظ على أجواء الثقة بين الطرفين، إذ يسمح للأطراف بالوصول إلى حل توافقي رضائي في تدبير فضاء التحاور الفعال وتأمين الثقة بين الأطراف واستثمارها في المستقبل.

ورغم تضمين القانون رقم 08.05 بشأن التحكيم والوساطة الاتفاقية لمجموعة من المقتضيات الهامة، إلا أنه مشوب بعدد غير يسير من الثغرات والعيوب سواء على مستوى الشكل والصياغة، أو على مستوى المضمون. ونظرا لكون الوساطة في نزاعات الشغل تعتبر ضمانا لجلب المزيد من الاستثمارات ببلادنا والرقي بمجال المال والأعمال، فإننا نبدي بعض المقترحات المؤدية إلى النهوض بهذه الآلية:

  • ضرورة تدعيم الإطار القانوني المتعلق بالوساطة الاتفاقية بمقتضيات خاصة تراعي خصوصية بعض النزاعات كما هو الشأن بالنسبة لنزاعات الشغل التي تستوجب آليات من طبيعة خاصة تلائم طبيعة النزاع.
  • الدعوة إلى إضافة شرط خاص بالوساطة في الوثائق والعقود، وذلك من أجل الدفع بالأطراف باللجوء مباشرة إلى الوساطة في حل النزاعات.
  • التعجيل بإصدار النص التنظيمي الذي يحدد لائحة الوسطاء، مع تضمين النصوص القانونية الأحكام المتعلقة بالشخص الوسيط.
  • تمكين الوسيط من آليات تحقيق النزاع بما لا يتعارض مع خصوصية المسطرة.
  • الإشارة إلى ضوابط تحديد أتعاب الوسيط على غرار باقي المهن الحرة الأخرى.
  • وضع مدونة للسلوك تهم الوسطاء المعنيين والمعتمدين بمقتضى قرار وزير العدل.
  • التنصيص على ضرورة حضور المحامي لمسطرة الوساطة.
  • دعم مراكز الوساطة بالإمكانيات المادية وتفعيل المبادرات الفردية والجماعية الصادرة عن المجتمع المدني نحو إشاعة الوساطة ومأسستها داخل البنية المجتمعية.
  • خلق مراكز التكوين والتأهيل القادرة على استقبال المترشحين لمزاولة مهنة الوساطة، وكذا عقد ندوات وأيام دراسية ولقاءات في موضوع الوساطة.
  • تمكين القاضي من اقتراح الوساطة على الأطراف وهو بصدد النظر في النزاع.
  • تمكين الجهاز القضائي من آليات الرقابة والإشراف والتوجيه لمسطرة الوساطة وضبط نتائجها.

فالتحسيس بأهمية الطرق البديلة لتسوية نزاعات الشغل، وخاصة التحكيم سيمكن من تشجيع المقاولات والأفراد على الأخذ بهذه الطرق، فوجود إطار قانوني للتحكيم يضمن للأطراف الحصول على عدالة في ظروف يتم الاطمئنان إليها، بما يتيحه هذا القانون من تبسيط المسطرة وفعالية إجراءات البت والتنفيذ، وسيكون لذلك ولا شك آثارا إيجابية على المناخ العام للاستثمار الوطني والأجنبي وتقويم دعائم دولة الحق والقانون، لكن هذا الرأي لا يجب أن يؤخذ على إطلاقه فيتجلى بوضوح من خلال دراستنا المقارنة بين التشريع القديم (الباب الثامن من القسم الخامس من قانون المسطرة المدنية) والقانون الجديد رقم 08.05 أنه جاء مستجيبا لمجموعة من النواقص التي كانت تشوب التشريع الملغى ومن بينها التمييز بين التحكيم الداخلي والدولي وهذه نقطة تحسب له.

لكن رغم كل ما جاء به من إيجابيات، فإنه لا يخلو من بعض الهفوات والعراقيل التي تعيق مساطر التحكيم بالمغرب، ومن بين هذه العراقيل التي تبقى حاجزا بين طموحات المستثمرين الأجانب بالمغرب ومؤسسة التحكيم كوسيلة مفضلة لهم في تسوية المنازعات بسط الدولة يدها على مجريات التحكيم، ناهيك عن العائق التشريعي الذي يتجسد في إدراج القانون رقم 08.05 في قانون المسطرة المدنية عوض تخصيص مدونة مستقلة للتحكيم، ويرجع ذلك لإكراهات تتجلى في غياب الوسائل الأساسية المتطلب في التحكيم من مراكز وأطر متخصصة ذات كفاءة وخبرة في شتى الميادين خاصة ما يتعلق من المعاملات التجارية الدولية، رغم وجود بعض المراكز التحكيمي في المغرب (مثل مركز التحكيم في مراكش، الرباط، طنجة) إلا أنها غير مفعلة.

ويلاحظ أن المشرع المغربي وعلى غرار التشريعات المقارنة عمل على إسناد النظر في نزاعات الشغل خاصة الجماعية منها لهيئات خاصة تنظر في النزاع بشكل مترابط، ومتتابع وتنتهي بالتحكيم، وذلك مراعاة لطبيعة وخصوصية هذه النزاعات التي ترتبط بشكل مباشر بالاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، بل وحتى السياسي أيضا.

كما أن المشرع المغربي قد وسع من نطاق التحكيم التجاري على حساب التحكيم المدني بشكل غير مباشر من خلال اقتصار أغلب فصوله على المعاملات التجارية وإقصائه للمعاملات المدنية، فهذا يدل على الاتجاه الخاطئ والغير البناء الذي سلكه القانون رقم 08.05، فعوض تشجيع أفراد المجتمع المدني على فض نزاعاتهم عن طريق القانون التفاوضي، سلك القانون اتجاه تشجيعهم ولوج المحاكم رغم كون المترقبين لتعديل المسطرة كانوا ينتظرون توسيع من فئة المجتمع المدني للاستفادة من هذه الوسيلة لفض منازعاتهم خاصة النزاعات الشخصية ولما لا النزاعات الجنائية وكذا نزاعات الشغل، هذه الأخيرة التي تتخذ تارة مظاهر العنف كالإضرابات والاعتصامات واحتلال أماكن العمل والإغلاقات أثناء الإضرابات، وتارة أخرى تبقى سلمية وتتخذ شكل نزاعات لم تتحول إلى إضرابات أو إضرابات هادئة.

وتفاديا للآثار السلبية على المستويين الاجتماعي والاقتصادي من جهة، واللجوء إلى الأساليب العنيفة من جهة أخرى تم إحداث آليات ووسائل للحل السلمي للخلافات.

فالتجديدات التي جاءت بها مدونة الشغل على هذه المؤسسات وإن كانت إيجابية إلى حد ما مقارنة بتشريع الشغل السابق، فإنها لا تخلو من سلبيات تحتاج إلى إعادة النظر يتجلى بعضها في:

  • مراعاة الخصوصيات الثقافية المغربية في تنظيم وضبط هذه الطرق البديلة لتسوية المنازعات وتفعيل المؤسسات التاريخية تفاديا للتبعية المطلقة للنصوص المغربية المستمدة من التجارب الأجنبية.
  • نشر ثقافة الطرق البديلة عن طريق وضع استراتيجية إعلامية هادفة لهذا الغرض وتوفير الموارد البشرية والمادية اللازمة لها.
  • على المشرع المغربي أن يتدخل بنص صريح يجيز من خلاله اللجوء إلى التحكيم الاختياري في منازعات الشغل الفردية ولو بشروط معينة أو في حالات محددة كما فعل المشرع الفرنسي الذي أجاز التحكيم في منازعات الشغل الفردية، وذلك في حالة واحدة، وهي التي تتعلق بالاتفاق على التحكيم بعد انتهاء عقد الشغل، لأن انعدام التوازن بين الأجير ورب العمل لن يعود موجودا بعد إنهاء العلاقة الشغلية، والأجير سيكون في هذه الحالة قد استرجع كامل حرية التعبير عن إرادته التي كانت متأثرة بقيام عنصر التبعية وأن الأسباب التي كانت تقيد إرادته أثناء سريان عقد الشغل قد انتهت بانتهاء هذا العقد، بحيث أصبح قادرا على إبرام اتفاق تحكيم مع رب العمل دون أن تتأثر إرادته.
  • أن يقوم بالعدول عن التشكيل الفردي لهيئة التحكيم، حيث إن الحكم الواحد لا يستطيع وحده دراسة كل الجوانب المتعلقة بالنزاع، فكثرة النزاعات تكون في غالب الأحيان نزاعات معقدة تتداخل فيها عدة عناصر يصعب إيجادها في شخص واحد.
  • إضافة شرط الاختصاص في مجال القانون الاجتماعي بالنسبة للحكم لنظر النزاع الجماعي للشغل.
  • تمديد فترة نظر نزاع الشغل الجماعي الذي يحتاج حجمه إلى فحص دقيق، فالمدة التي حددها المشرع المغربي جد قصيرة-أربعة أيام- إذا ما نظرنا إلى ما يقتضيه حل النزاع الجماعي من تقص لأوضاع المقاولات ولأوضاع العاملين، ومن إجراءات للأبحاث وللتحريات ومن الاطلاع على المستندات والمعلومات المقدمة من الأطراف.
  • ينبغي تحديد التعويض الواجب منحه للحكم بمقتضى نص تنظيمي، وكذا كيف يتم تعويض الحكم في نزاعات الشغل الجماعية.
  • ينبغي التوافق حول الشروط الواجب توافرها في الحكم، واقتراح لائحة الحكام.
  • لضمان فعالية أكبر لتدخل الحكم في النزاعات الجماعية أن يتم إعداد حلقات تكوينية لهؤلاء الحكام بتنسيق مع الجهات المعنية-وزارة الشغل، المشغلين والنقابات- وإشراك الأساتذة الجامعيين المتخصصين في مجال العلاقات المهنية والحوار الاجتماعي، بالإضافة إلى مفتشي الشغل والقضاة.
  • أن يتم التفكير في المصالحة الاختيارية والتحكيم الإجباري- سلوك التحكيم الإجباري ونتيجته اختيارية- وأن يكون هناك قناعة للمعنيين بجدوى المسطرة في سلوكها، فالطابع الاختياري الذي أبقى عليه المشرع يوحي على أن اختياراته لم تكن موفقة بالقدر الكافي، وهو ما يدفع الأطراف اللجوء إلى وسائل أخرى غير سلمية كالإضراب والإغلاق.
  • التفكير في إعادة تنظيم التحكيم على درجتين تتمثل الأولى في عرض النزاع على المحكمين ودرجة ثانية لنقضه أمام المحكمة العليا للتحكيم، فاستحداث هذه الجهة الخاصة لنظر الطعون في القرارات الصادرة في النزاعات الجماعية للشغل ستراعي لا محالة طبيعتها من سرعة في البت وإفرادها بإجراءات بسيطة ومواعيد قصيرة حفاظا على مصالح الطرفين، وسيمكن ذلك من إدخال عناصر تسمح لها خبرتها في المجالات الفنية والاجتماعية والاقتصادية بالعضوية في مثل هذه الجهة بنظر الطعون في قرارات التحكيم.
  • ينبغي التنصيص على إجبارية سلوك مسطرة التحكيم في نزاعات الشغل الجماعية بعد فشل المصالحة أمام اللجنة الاقليمية للبحث والمصالحة أو اللجنة الوطنية للبحث والمصالحة، لأن الإبقاء على اختيارية التحكيم يفتح المجال أمام أطراف النزاع إلى اللجوء لوسائل القوة التي تهدد السلم الاجتماعي.
  • يجب التفكير في تمديد فترة نظر النزاع الشغل الجماعي الذي يحتاج حجمه إلى فحص دقيق، فالمدة التي حددها المشرع جد قصيرة- أربعة أيام- إذا ما نظرنا إلى ما يقتضيه حل النزاع الجماعي من تقصي للأوضاع المقاولات، ولأوضاع العاملين ومن إجراءات البحث والتحريات ومن الاطلاع على المستندات والمعلومات المقدمة من الأطراف.
  • إذا كان المشرع خول للفاعلين الاجتماعيين إبرام الاتفاقيات الجماعية وخوض الحوار الاجتماعي بشتى أشكاله، فإنه كان من باب أولى إعطائهم إمكانية اللجوء إلى التحكيم، وفي معزل عن الترابط المرحلي مع التصالح.

هذه أهداف لا يمكن أن تعرف طريقها نحو التفعيل إلا بتعاون وتظافر جهود مختلف الفاعلين من نقابات ومشغلين وأجراء وباحثين للنهوض بمبادئ قانون الشغل وطابعه الحمائي، بما في ذلك الاهتمام بالعنصر البشري، باعتباره الركيزة الأساسية التي يقوم عليها التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، خاصة في ظل انفتاح بلادنا على مفاهيم جديدة تواكب التطورات الدولية في مختلف المجالات، بما في ذلك مجال الشغل الذي أصبح يؤكد على مفهوم المقاولة المواطنة، تحقيقا للتنمية المستدامة التي لا يمكن أن تقوم لها قائمة إلا بالاهتمام بمختلف المساهمين في تطوير هذا المجال، وعلى رأسهم الطبقة الشغيلة.

وتجب الإشارة إلى أنه يتعذر في الوقت الراهن التوفر على المعلومات والإحصائيات المضبوطة بعدد النزاعات المعروضة على التحكيم أو الوساطة أو المنتهية بالصلح، لمعرفة حجمها وما تمثله نسبتها من مجموع النزاعات المعروضة على المحاكم، ليتيسر للباحثين تقييم هذه الطرق البديلة بشكل موضوعي وتبيان أهميتها ومكانتها في المنظومة القضائية بصفة عامة، لذا نقترح من أجل تجاوز هذه الصعوبات أن تبادر الوزارة الوصية إلى إصدار دورية تحث فيها المشتغلين في ميدان التحكيم والوساطة بضرورة تسجيل النزاعات المعروضة عليهم، بسجلات خاصة ممسوكة بكتابات الضبط بالمحاكم الابتدائية وذلك لغايات إحصائية فقط، كما يتعين إيلاء الاهتمام للمنازعات المنتهية بالصلح عن طريق توفير المعطيات الإحصائية المتعلقة بها على اعتبار أن وزارة العدل تظل المشرف هيكليا على تأطير منظومة العدالة بكل وسائلها وآلياتها.


[1] أطروحة تقدم بها الباحث لنيل الدكتوراه في القانون الخاص جامعة محمد الأول بوجدة، بتاريخ 22 فبراير 2014، ونال بها لقب دكتور في الحقوق بميزة مشرف جدا مع التوصية بالنشر.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading