تعذر التبليغ على ضوء العمل القضائي

د/ الرافة وتاب

قاض بالمحكمة الابتدائية

بأزيلال

التبليغ وسيلة قانونية تتحكم في سير الدعوى منذ بدايتها حتى نهايتها لارتباطه الوثيق بها، فهو يمكن المبلغ اليه من تتبع المساطر القضائية المتخذة ضده من حضور للجلسات وإعداد دفاعه ومناقشة الدعوى، لأنه لا يعقل من الناحية المنطقية محاجة الشخص بإجراء ما إلا بعد إشعاره به ومنحه الآجال الكافية لإبداء ما يملك من أجوبة وأوجه دفاع.

وبخصوص مآل مرجوعات التبليغ فإنه لا يخرج عن ثلاث فرضيات إما : التواصل بالاستدعاء أو برفض التسلم أو تعذر التسليم[(1)]

وإذا كان المشرع قد اعتبر الرفض بمثابة تسلم للاستدعاء تسليما صحيحا في اليوم العاشر الموالي للرفض الصادر من الطرف أو الشخص الذي له الصفة في تسلم الاستدعاء (الفقرة الخامسة من الفصل 39 من ق م م ) ، فإنه لما يتعذر التسليم فآثاره ليست من قبيل الرفض وإنما قرر المشرع اللجوء إلى طرق تبليغ أخرى هي: التبليغ بواسطة البريد المضمون والتبليغ عن طريق القيم.

الأمر الذي نتساءل معه حول ما إذا كان يتعين استنفاذ التبليغ بواسطة البريد المضمون في جميع الأحوال التي يتعذر فيها تسليم التبليغ بالطرق العادية (التسليم ورفض التسليم)، لأسباب ليست من قبيل الرفض قبل اللجوء لتطبيق مسطرة التبليغ بواسطة القيم؟ أم أن ذلك لازم في أحوال معينة لا غير، وأنه يمكن بالتالي التبليغ بواسطة قيم مباشرة بالنسبة للأحوال الأخرى؟[(2)]

هذا يقتضي منا دراسة حالات تعذر التبليغ والتي نلخصها في ثلاث حالات:

  • حالة تعذ تبليغ مجهول العنوان.
  • حالة تعذر التبليغ لخلل في العنوان.
  • حالة تعذر التبليغ بسبب عدم التواجد.

وسنخصص كل حالة بشيء من التفصيل مدرجين بين الفنية والأخرى للمفاهيم التي يمكن أن ترد بمرجوعات شواهد التسليم، والتي إن اختلفت في المفردات يبقى المعنى واحد.

أولاً: تعذر التبليغ لمجهول العنوان

قد يضمن المدعي بعنوان خصمه الذي يعتقد أنه يسكن به والمضمن غالبا بالصك العقاري أو العقود التي تشكل محور الدعوى المرفوعة أو الطعن المقدم، لكن يتبين أثناء التبليغ أن المراد تبليغه انتقل من العنوان المذكور إلى مكان مجهول أو وجهة غير معروفة أو غير معلومة  أو انتقل من عنوانه المعروف “وهي مفردات وإن اختلفت فالمعنى واحد وهو أن المعني بالأمر مجهول العنوان.

جاء في هذا الصدد في قرار صادر عن محكمة الاستئناف بالدار البيضاء على أن: “إفادة عون التبليغ بأن المطلوب تبليغه انتقل من عنوانه المعروف يفيد أيضا أنه مجهول العنوان بحيث أن المعنى واحد وإن اختفت المفردات.

لا يشترط حتما ذكر أن المطلوب تبليغه “مجهول العنوان” في إفادة عون التبليغ، بحيث أن كل ما يفيد ذلك كاف لتعيين قيم في حقه”[(3)].

لكن هل هذا يعني تطبيق مسطرة القيم بمجرد ورود ملاحظة تعذر التبليغ بالمرجوع بسبب انتقال المبلغ إليه لوجهة مجهولة، أم لا بد من سلوك إجراءات التبليغ بواسطة البريد المضمون؟

عالجت الفقرة السابعة من الفصل 39 من ق م م الحالة التي يكون فيها محل إقامة الطرف غير معروف ، حيث يعين عونا من كتابة الضبط بصفته قيما يبلغ إليه الاستدعاء بينما لم تنص على توجيه الاستدعاء بواسطة البريد المضمون قبل اللجوء للتبليغ للقيم، كما أنها لم تحل على مقتضيات الفقرة الثالثة من نفس الفصل التي تتحدث على أنه في حالة عدم العثور على الطرف أو أي شخص في موطنه أو محل إقامته توجه كتابة الضبط الاستدعاء بالبريد المضمون مع الإشعار بالتوصل.

وهو مسلك محمود نهجه المشرع لأن العنوان الموجود على الطي تمت محاولة التبليغ إلى المعني بالأمر به، وهو عنوانه الحالي الذي انتقل منه لمكان مجهول وغير معروف، فيكون عبثا إعادة استدعائه بنفس العنوان بواسطة البريد المضمون لأنه ستكون النتيجة واحدة في كلا الطريقتين هي : تعذر التبليغ ومن  ثم فلا فائدة ترجى من انتظار مآل التبليغ عن طريق البريد المضمون.

فضلا على أن المشرع المغربي جعل من البريد المضمون وسيلة احتياطية في التبليغ، إذ يستفاد من الفقرتين الثالثة والرابعة من الفصل 39 ن ق م م أنه لا يوجد الاستدعاء بالبريد المضمون مع الإشعار بالتوصل إلا إذا تعذر على عون كتابة الضبط أو المفوض القضائي أو السلطة الإدارية تسليم الاستدعاء لعدم العثور على الطرف أو أي شخص في موطنه أول محل إقامته، ومن ثم لا يمكن جعل الاستثناء قاعده[(4)].

لهذا فتضمن شهادة التسليم بما يفيد أن المطلوب ضده مجهول العنوان وتكاليف الطالب للإدلاء بعنوان خصمه، لأن في ذلك فائدة له وأن من شأن سلوك مسطرة القيم تطويل للإجراءات، مع إثبات عجزه عن ذلك يؤدي حتما إلى سلوك مسطرة القيم.

لكن لما تضمن ملاحظة  “انتقل من العنوان” فهي لا تجزم كون العني بالأمر أصبح مجهولا وهو ما لا يبرر اللجوء مباشرة لهذه المسطرة، بل لا بد من الاستدعاء عن طريق البريد المضمون، فقد جاء في هذا الصدد في أمر صادر عن السيد رئيس المحكمة الابتدائية بالفداء درب السلطان أن: “إفادة عون التبليغ بشهادة التسليم بكون المطلوب تبليغه بالحكم “انتقل من العنوان” غير كاف لتنصيب قيم في حقه، ما دام طالب الإجراء لم يقم باستدعائه بواسطة البريد المضمون مع الإشعار بالتوصل طبقا للفقرة الثالثة من الفصل 39 من ق م م “[(5)].

ثانياً: تعذر التبليغ لخخل وارد في العنوان

وهذا يكون العنوان المدلى به لا وجود له أصلا أو أن يكون هناك نقص بأحد مكوناته كأن تتضمن شهادة التسليم ملاحظات: (أن الرقم أو الزنقة أو الدرب المضمن بشهادة التسليم غير موجود أو لم يعثر عليه…)

لذلك بات لزاما على العون المكلف بالتبليغ أن يبين بشهادة التسليم أين يكمن النقص في العنوان أو أنه غير صحيح، بدل الاكتفاء بتضمين العبارة المألوفة “العنوان  ناقص أو غير صحيح” لأن ذلك لا يكلف الخصم عناء تصحيحه متى كان المراد تبليغه يقطن بنفس الحي أو الحومة التي ضمن الرقم أو الزنقة خطأ فبمجهود بسيط يمكنه الإدلاء بالعنوان الصحيح.

وهو أمر مطلوب في المدعي أو الطاعن الذي عليه أن يستنفذ جهده في سبيل البحث والتحري عن عنوان أو تكملة ما نقص من بيانات بخصوص عنوان المبلغ إليه، لأن مجرد إدراج مآل التبليغ بالملف وهو يحمل ملاحظة تعذر التسليم لخلل في العنوان لا يبرر اللجوء مباشرة إلى مسطرة القيم، بل لا بد من إثباته قيامه بتلك التحريات.

فهل في هذه الحالة يقتضي الأمر سلوك إجراءات التبليغ بواسطة البريد المضمون قبل تطبيق مسطرة القيم أم أن الأمر غير ذلك؟

الحقيقة أنه لما كانت الأسباب الواقعية لتعذر تسليم التبليغ إنما تنصب على خلل في عنوان المبلغ إليه لا غير، فإننا نرى أن هذه الأسباب لا تدرج في زمرة الأسباب التي يجب إزاءها إعادة إرسال التبليغ بواسطة البريد المضمون، إذ أنه من العبث ـ كما بيناه بخصوص الحالة الأولى ـ إعادة إرسال التبليغ بهذا الطريق لعنوان وهمي أو غير صحيح أو ناقص من بعض مقوماته إذ أن هذا التبليغ سيقلي حتما ذات المصير الذي لقيه لما أرسل بشكل عادي[(6)]

ثالثا: تعذر التبليغ بسبب عدم التواجد أو عدم العثور:

استنادا إلى الفقرتين الأولى والثانية من الفصل 38 من ق م م فإنها تشترط:

  • أن يتم التبليغ في موطن أو محل إقامة المبلغ إليه، وإذا حصل ذلك خارج هذا المكان يقع التبليغ باطلا.
  • أن يحصل هذا التبليغ للأشخاص المحددين قانونا أي من ذوي الصفة، وهو تعداد وارد على سبيل الحصر.

لذلك فحالة عدم التواجد تقتصر على هاذين الشرطين أي عدم التواجد بالموطن أو محل الإقامة (الفقرة الثانية من الفصل المذكور)، وعدم تواجد أي ممن ذكر من ذوي الصفة (الفقرة الأولى من نفس الفصل) فبتعذر التسليم يتحقق الشرطان.

وأنه ينبغي أن يستحضر عند ورود عبارة “عدم التواجد أو عدم العثور” عدم وجود من حددتهم الفقرة الثانية أعلاه فترة انتقال عون التبليغ للموطن أو حل الإقامة مع مراعاة حالة الغياب العرضي والتي على العون أن يتحراها.

فهناك بعض الأشخاص الذي لا يتواجدون بسكناهم غلا في وقت متأخر من الليل وقد يغادرونه في وقت مبكر، كما أن هناك من تفرض عليهم ظروف عمليهم عدم التواجد إلا خلال العطلة الأسبوعية ففي هاتين الحالتين يتطلب الأمر أن يوجه الاستدعاء إلى هؤلاء خارج الأوقات المذكورة أو إلى موطن العمل.

مما يتطلب الأمر تدخل تشريعيا لإيجاد مسطرة مقننة تمكن من يهمه الأمر لدى النيابة العامة أو السلطة المحلية، مع منحة مدة معينة للتقدم إلى الجهات المذكورة لسحب الاستدعاء المشار إليه، وإلا اعتبرت اللامبالاة بمثابة رفض للتسلم، مع الإشارة إلى ضرورة التحري والتأكد من كون الشخص لا زال يسكن فعلا بالعنوان الذي حضر إليه بالاستماع إلى الجيران وعند الاقتضاء إلى أعوان السلطة مع تسجيل هويتهم وإفادتهم للرجوع إليها عند الحاجة تفاديا للسقوط في عبارة مغادرته إلى مكان مجهول[(7)]

وحالة عدم التواجد تخضع لمقتضيات الفقرتين 3 و 4 من الفصل 39 من ق م م التي جاء بها أنه: “إذا تعذر تسليم الاستدعاء لعدم العثور على الطرف أو أي شخص في موطنه أو محل إقامته”.

وهو مبرر قانوني للمرجوع الذي يتضمن ملاحظات: تعذر التبليغ أو عدم العثور أو أن المحل مغلق، إذ يخول في هذه لحالة اللجوء إلى استدعاء من له الصفة بواسطة البريد المضمون قبل اللجوء غلى تطبيق مسطرة القيم. هذا ما يؤكده القرار الصادر عن المجلس الأعلى بقوله: “مقتضيات الفصل 57 من ق م م القديم ـ الفصل 39 من ق م م الجديد لسنة 1974 التي تنص على أنه إذا تعذر تسليم الاستدعاء لعدم العثور على الخصم أو على أي شخص في موطنه أو في محل إقامته ذكر ذلك في الشهادة المرفقة ويعاد إرسال الاستدعاء بالبريد المضمون تحت غلاف مضمونه وهي مقتضيات واجبة التطبيق ويؤدي الإخلال بها في كل حكم إلى النقض والإبطال من أجل المس بحقوق الدفاع”[(8)].

كما جاء في نفس الصدد في قرار للمجلس الأعلى أنه “حينما يرجع تبليغ الإنذار بملاحظة: المحل مغلق “يكتفي بإعادة توجيهه من طرف كتابة الضبط بالبريد مع الإشعار بالتوصل، الذي على ضوء نتيجته تقرر المحكمة ما ينبغي اتخاذه ولا يلجأ لمسطرة القيم إلا إذا كان موطن المبلغ إليه ومحل إقامته غير معروف كما تقضي بذلك الفقرة الثامنة من الفصل 39 من ق م م “[(9)].

هذا وتجدر الإشارة أنه في بعض حالات الاستعجال يمكن الفصل في الملف في غيبة المدعي عليه إذا تعذر العثور عليه، كما جاء في الحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية بالجديدة الذي ينص على أنه: يمكن الاستغناء عن حضور المدعي عليه والفصل في الطب في غيبته في حالة الاستعجال إذا تعذر العثور عليه بعنوانه الثابت بوثيقة رسمية.

وأنه يعتبر الأمر الصادر عن رئيس المحكمة بإدخال الكهرباء بمثابة إذن للمدعي بالتعاقد مع الجهة المختصة ليس في حالة امتناع المدعي عليه فقط، وإنما أيضا في حالة تعذر العثور عليه”[(10)]


[(1)] يراجع في هذا اصدد الحسين بويقين: “رفض التبليغ (الفصل 39 من قز م. م)” ، منشور بمجلة المرافعة العدد 11 دجنبر 2001 ص: 49 وما يليها.

الرافة وتاب: “قراءة في ملاحظات شواهد التسليم السلبية”، منشور بمجلة الملف العدد 12/مارس 2008 ص: 202 وما بعدها..

[(2)] عوض أحمد المحسن العبد العزيز الزعبي: “الحكم المدني بواسطة قيم في القانون المغربي” أطروحة لنيل دكتوراه الدولة في القانون الخاص، تحت إشراف الدكتور محمد السماحي، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، الرباط الجزء الأول السنة الجامعية 1992 – 1993 ، ص186.

[(3)] القرار عدد 6738 الصادر بتاريخ 25-9-1997 موضوع الملف عدد 4727-98، اورده محمد بفقير “دراسات قضائية وفقه ـ قضاء ـ قانون “الجزء الثالث مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء، الطبعة الأول 2003، ص186 وما يليها.

[(4)] يونس الزهري: “الحجز التنفيذي على العقار في القانون المغربي”، الجزء الأول سلسلة الدراسات القانونية المعاصرة 13، المطبعة والوراقة الوطنية مراكش، الطبعة الأولى 2007.

[(5)] الأمر الصادر بتاريخ 16-4-1997 في الملف الاستعجالي عدد 2487-97، أورده محمد بفقير: “دراسات قضائية ـ فقه ـ قضاء ـ قانون”، الجزء الرابع مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبيعة الثانية 2005، ص139.

[(6)] عرض أحمد المحسن عبد العزيز الزعبي، مرجع سابق، ص239.

[(7)] الحسين بويقين، مرجع سابق الذكر، ص 163 وما بعدها.

[(8)] القرار عدد 812 موضوع الملف المدني عدد 38574 الصادر بتاريخ 16 يوليوز 1976 أورده عمر بوحموش، الدليل القضائي في العمل القضائي (القرارات الصادرة في الميدان المدني ص 1957 إلى أواخر 1998 مطبعة دار السلام الرباط الطبعة الثانية 1999 ص 192.

[(9)] القرار عدد 163 الصادر بتاريخ 16-2-2005 في الملف التاري عدد 1139 – 3 – 1 – 2004 منشور بمجلة القضاء والقانون عدد 152 سنة 2006، ص 175.

وبمجلة المحاكم المغربية العدد 152 لسنة 2006 175 إلى 178.

كما اعتبرت محكمة الاستئناف بالرباط أنه: “لما يرجع استدعاء المدعي عليه بملاحظة الباب مغلق ولم تأمر المحكمة باستدعائه بالبريد المضمون بالإضافة إلى عدم سلامة التبليغ للقيم الذي لم يثبت توصله بالإجراءات تكون قد خرقت القرار عدد 4904 الصادر بتاريخ 2-4-1997 موضوع الملف عدد 5421 – 96 منشور بمجلة رسالة المحاماة العدد 16 ماي 2001 ص 182.

وفي نفس الصدد القرار الصادر عن المجلس الأعلى عدد 1375 الصادر بتاريخ 6-10-1999 موضوع الملف التجاري عدد 227 – 94، الذي أكد على أنه عند عدم العثور على المدعي عليه في العنوان الوارد في المقال يتعين إعادة استدعائه بالبريد المضمون قبل تعيين قيم عنه، وإلا اعتبر ذلك خرقا للفصل 39 من قانون المسطرة المدنية” منشور بمجلة الندوة العدد 16 ص 75.

[(10)] الأمر الصادر عن السيد رئيس المحكمة الابتدائية بالجديدة موضوع الملف عدد 4/402/7 بتاريخ 9-1-2008، منشور بمجلة الملف العدد 12//مارس 2008ص 258 وما يليها.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading