استقلال القضاء هو أول
محور لإصلاح القضاء
ذ. إبراهيم ديبي
المحامي بهيئة أكادير
اكد خطاب العرش في 30 يوليو 2010 على تمسك المغرب بضرورة تعزيز ضمانات استقلال القضاء وهو نفس التوجه الذي الح عليه خطاب ذكرى 20 غشت 2009 والدي حدد خارطة طريق لإصلاح القضاء ودلك في ستة محاور أساسية أهمها محور استقلال القضاء.
وأن أي إصلاح للقضاء لا يمكن تصوره إلا بتحقيق استقلاله والاعتراف به كسلطة داخل الدولة وهنا يطرح السؤال هل فعلا يتجه المغرب نحو الاعتراف بالقضاء كسلطة فعلية داخل الدولة تمارس اختصاصاتها دون تأثير من باقي السلطات.
أن الجواب على هدا السؤال العريض يستدعى التطرق لمبدا فصل السلطات ومن تم لمبدا استقلال القضاء أن القضاة والمحاكم داخل الدولة هم اللذين يشكلان ما يسمى بالسلطة القضائية وهي ثالث سلطة في الدولة بعد السلطتين التشريعية والتنفيذية.
فالقضاء أصبح ضرورة حيوية في أي مجتمع، إذ يلزم الفرد أن يلجأ إليه كلما رأى أن حقوقه معرضة للخطر دلك أن الغاية التي يسعى القضاء إلى تحقيقها هي احترام القواعد القانونية المعمول بها داخل المجتمع، وتحقيق الاستقرار والأمن، وضمان حماية حقوق الأفراد وحرياتهم.
هكذا يظهر لنا أن وظيفة القاضي هي وظيفة سامية ونزيهة وهو سبيل الناس إلى السعادة وإلى العيش في حياة تشيع فيها الطمأنينة بحيث لا تمس أموالهم أو تنهك حرياتهم وشرفهم.
والواقع أنه يتحتم على الدولة أن تعتبر الجهاز الذي يقوم بوظيفة القضاء سلطة قائمة بذاتها، مستقلة عن باقي السلطات الأخرى واعتبار القضاة أشخاصا مستقلين ويتأتى لهم ذلك بمنحهم حصانة فعلية تمكنهم من الابتعاد عن المؤثرات الخارجية التي تحول بينهم وبين العمل في إطار الحق والعدالة.
والخلاصة أن المهمة التي يقوم بها القضاء جد خطيرة وصعبة إذ أنهم ليسوا كباقي الموظفين العاديين.
ولهذا الأمر كان لابد من الاعتراف بضرورة توافر عنصريين أساسيين:
العنصر الأول: وهو استقلال السلطة القضائية، ولن يتحقق دلك إلا عن طريق ثلاث أسس وهي:
1- ضرورة الاعتراف بالقضاء كسلطة مستقلة بذاتها عن باقي السلط في الدولة وليس اعتباره فقط وظيفة من وظائف الدولة أو مرفقا من مرافقها خاصة وأن الأشكال مازال قائما من الناحية الفقهية حول اعتبار القضاء سلطة مثله مثل باقي السلط في الدولة.
2- ضرورة الاعتراف باستقلال القضاء، وهذا الاستقلال ليس ميزة تضفي على القضاء وإنما هو اثر طبيعي لوجود سلطة تقف على قدم المساواة مع سلطتي الدولة الأخريين بمعنى أخر أن تتوفر للقضاء استقلالية حقيقية حتى يتمكن من تطبيق القانون بكل نزاهة وتجرد وبكل قوة.
3- ضرورة تحقيق حيدة الفضاء أي أن لا يكون متأثرا بالأهواء السياسية فيصبح مصبوغا بطابع سياسي.
العنصر الثاني هو استقلال القضاة
واستقلال القضاة لن يتحقق إلا عن طريق الاعتراف لهم ببعض الضمانات التي يكون من شأنها أن تقوي نفوذهم بحيث لا يتأثروا بالخوف أو التعسف أو الطغيان أو الهوى وهاته الضمانات هي التعيين والترقية والتأديب والعزل وأن تقوم بتحقيق هذه الضمانات هيئة قضائية صرفة وهذه الهيئة في المغرب هي المجلس الأعلى للقضاء.
ويرى فقهاء السياسة والقانون المهتمين بدراسة الدولة أن كل الأنظمة السياسية تعرف تقسيما في أجهزة الدولة فكل جهاز يقوم بوظيفة معينة وله اختصاصات معينة.
والقضاء من أجهزة الدولة إذ تتولاه الهيئة القضائية، ويقوم بوظيفة الفصل في المنازعات وتحقيق العدالة.
ويتجلى لنا أنه لا يمكن اعتبار القضاء مستقلا إلا إذا اعترفنا بأنه يشكل فعلا سلطة ثالثة في الدولة لها نفس القوة والأهمية التي تتمتع بها السلطتين الأخريين وهما السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية.
أن مبدا استقلال القضاء يطرح أمامنا مشكل اعتبار القضاء سلطة لها كيان مستقل عن باقي السلط وتتطلب دراسة هذا المشكل أن نقوم بعرض لمبدأ فصل السلطات ثم لأهم التطبيقات العملية لهذا المبدأ وذلك في مختلف البلدان والأنظمة السياسية.
أن تنظيم السلطات في البلدان الديموقراطية الليبرالية يقوم على مبدأ فصل السلطات الذي يقضي بالتمييز بين كل السلطات في الدولة.
والهدف المتوخى من هذا المبدأ هو إقرار مبدأ استقلال القضاء والذي هو نتيجة لتطبيق مبدا الفصل بين السلطات الثلاث في الدولة.
أول من كتب عن هذا المبدأ هو الفيلسوف البريطاني (جون لوك) حيث ميز بين ثلاث سلط في الدولة هي:
– السلطة التشريعية.
– السلطة التنفيذية.
– السلطة الاتحادية: ويعني بها سلطة إعلان حالة السلم والحرب وعقد المعاهدات.
أما بالنسبة للسلطة القضائية فاعتبرها (لوك) جزءا من السلطة التشريعية إذ أن مجلس اللوردات في بريطانيا كان أنداك بمثابة محكمة تفصل في بعض القضايا والمنازعات الهامة.
وبعد (لوك) جاء الفيلسوف الفرنسي (مونتسكيوه) فأخذ نظرية (لوك) ووضعها في قالب قانوني دقيق، حيث أصدر كتابه الشهير (روح الشرائع) سنة 1748 الذي عرض فيه مبدأ فصل السلطات مميزا بين ثلاث سلط في الدولة هي:
– السلطة التشريعية وهي التي تضع الفانون.
– السلطة المنفذة للقانون العام وهي التي تعلن حالة الحرب والسلم.
– السلطة المنفذة للقانون المدني: وهي التي تعاقب على الجرائم وتفصل في الدعاوى.
ويلح (مونتسكيو) على وجود توزيع هذه السلطات الثلاث على هيئات مستقلة عن بعضها البعض في كل الحكومات ذات الشكل النيابي وذلك لاعتبارين هما:
1- أن الحرية السياسية لا يمكن تحقيقها إلا في نظام يستبعد إساءة استعمال السلطة، وقد عبر (مونتسكيوه) عن هذه الفكرة بقولته الشهيرة: “لكي يكون النظام قائما على أساس، يجب أن توقف السلطة السلطة”
2- أن فصل السلطات هو الوسيلة الوحيدة التي تكفل احترام القوانين وتطبيقها بصورة صحيحة.
والملاحظ أن (مونتسكيوه) اعتمد في نظريته على النظام الإنجليزي حيث درس الدستور الإنجليزي وتوصل إلى مبدأ الفصل بين السلطات ثم نادى بالحرية السياسية فهو يرى أنها كلما تحققت إلا وكانت الحكومة معتدلة حسب تعبيره وتجدر الإشارة إلى أن الفيلسوف الفرنسي (جان جاك روسو) كتب هو كذلك عن مبدأ فصل السلطات فهو يرى أن السلطة التشريعية هي التي تعبر عن سيادة الأمة، بما أنها تعتبر ممثلة للشعب، أما السلطة التنفيذية فلم يعتبرها سلطة مستقلة بل هي مندوبة عن الشعب يمكن له أن يراقبها وأن يسقطها.
أما السلطة القضائية فهي في نظر (روسو) جزء من السلطة التنفيذية وبالتالي سلطة غير مستقلة بذاتها.
ولقد تعرض مبدأ فصل السلطات لعدة انتقادات وذلك من القرن الثامن عشر إلى يومنا هذا، كما تعرض لمقاومة عنيفة من طرف الذين يمس المبدأ بمصالحهم ويمكن تلخيص هذه العيوب التي لاحظها المفكرين والسياسيين على المبدأ فيما يلي:
1- تعذر الفصل بين الهيئات التي تقوم بوظائف التشريع والتنفيذ والقضاء وكذلك فأن سير الحكومة يقتضي قيادة واحدة ومسؤولية مركزة.
2- تعدد السلطات في الدولة مع استقلال بعضها عن بعض سيؤدي إلى ضعفها.
3- فصل السلطات مبدأ وهمي لا يمكن تحقيقه بصورة عملية فلا بد أن تطغى إحدى السلط على الأخرى.
والواقع أن الفصل بين السلطات الثلاث في الدولة لا يعني العزلة والانكماش إذ أن التجربة التي تعرفها بعض البلدان أثبتت لنا استحالة الفصل المطلق بين السلطات لذا كان من الضروري السعي لتحقيق نوع من التوازن بين السلطات لتحقيق التعاون الصادق بينها.
هكذا يظهر لنا أنه بمجرد تطبيق مبدا فصل السلطات فأن من شأن ذلك أن ينتج عنه استقلال كل سلطة عن أخرى مع إمكانية تعاملها مع باقي السلط في حدود القيود التي يضعها الدستور.
والدستور الأمريكي من أقدم الدساتير المكتوبة في العالم والتاريخ ويثبت لنا أنه من أقوى الدساتير صونا للحريات الفردية والحقوق العامة وأنه من الدساتير التي رفعت من شأن القضاء حيث جعلته مستقلا عن باقي السلطتين استقلالا واقعيا وحقيقيا.
ولقد تأثر واضعوا هذا الدستور بالتنظيم الدستوري الإنجليزي حيث كان مصدرهم الوحيد كما تأثروا بأفكار رواد الثورة الفرنسية خاصة جون لوك ومنتسكيوه الذي وضع مبدأ فصل السلطات لكنهم اقتبسوا منها فقط فحصلوا على نظام من نوع خاص.
والواقع أن النظام الأمريكي هناك من اعتبره نظام رئاسي نظرا للدور الذي يلعبه رئيس الجمهورية في هذا النظام لكن هناك من وصفه بنظام فصل السلطات أد يعتبر من الأسس الرئيسية التي يقوم عليها الدستور الأمريكي حيث نجد أن السلطة التنفيذية يمارسها الرئيس الأمريكي وهو يجمع بين رئاسة الدولة ورئاسة الحكومة إذ أنه يتولى تعيين الوزراء وعزلهم وأيضا يتحمل المسؤولية أمام البرلمان – الكونجرس.
كما نجد السلطة التشريعية يمارسها (الكونجرس) بمجلسيه الشيوخ والنواب، أما السلطة القضائية فيعهد بها إلى المحكمة العليا وعدد المحاكم الدنيا.
وبما أنه يتعذر تحقيق الفصل التام بين السلطات الثلاث كان حتميا أن يقترن مبدأ فصل السلطات بنظم (المراقبة والتوازن) لهذا تضمن الدستور الأمريكي بعض الإجراءات والتقنيات التي من شأنها أن تخلق ظروف التعاون
وقد قال الرئيس الثاني للولايات المتحدة في هذا الصدد “أن السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية تشكل ما يعني مفهوم الحكومة، وأنه بواسطة إيجاد توازن بين هذه السلطات، يصبح بالإمكان تقييد الميول السيئة في طبيعة البشر، والخلاص من شرورها، وصيانة الحريات التي نص عليها الدستور”.
والقضاء في الولايات المتحدة أصبح في الواقع سلطة لا ينازع فيها لاختصاصه دون سواه بتفسير الدستور وبكفالة تطبيقه تطبيقا عمليا.
وقد قيل أن المحكمة العليا الأمريكية هي بمثابة مجلس نيابي ثالث، لا يقل سيادة سياسية عن مجلس الشيوخ ومجلس النواب، والقضاة في الولايات المتحدة ينتخبهم الشعب مباشرة والهدف من ذلك هو أن يكون الشعب الأمريكي مصدر السلطة القضائية كما هو مصدر السلطتين التشريعية والتنفيذية.
وهذه المحكمة العليا تمارس بجانب الرئيس والكونجرس سلطات واسعة في استقلال تام عنهما.
وتتألف هذه المحكمة من تسعة قضاة يعينهم الرئيس بموافقة مجلس الشيوخ مدى الحياة، وتقوم بمراقبة دستورية القوانين وشرعيتها، وتلعب هذه المحكمة دورا أساسيا بوصفها أسمى محكمة فضائية ونجد أن قراراتها لها انعكاسات سياسية حيث استطاعت هذه المحكمة مقاومة سياسة الرئيس (روزفلت) وعرقلتها بل وإفشالها مع أن هذا الرئيس كان من بين الشخصيات القوية التي أدعن لها الكونجرس الأمريكي.
ونجد الشعب الأمريكي يضمر لها الإجلال والاحترام والتقدير وذلك ناتج عن الثقة التي ولدتها لدى الجميع وقد قال قاضي أمريكي عضو بالمحكمة العليا الأمريكية سنة 1939:
(إن استقلال القضاء القوي يعتبر حصنا عظيما للشعب واذا ما خضع القضاء لأهواء خاصة، وضع القضايا في اطار سياسي بدلا من إطارها القانوني، فان هذا يعني أن القضاء نفسه قد اصبح آله بيد السياسة فقد كان كفاح الشعب الطويل من اجل العيش في ظل حكومة قوانين لا حكومة أشخاص، وكان كفاح الشعب من أجل المساواة أمام القضاء في ظل القانون، ومن اجل نظام قانوني يطبق علي الجميع بالتساوي وبدون تمييز.
فالقضاء في حكومة تحكمها القوانين، يعمل علي زرع الثقة في الأوساط السياسية، والشعور بالمسئولية في نفوس المشرعين والذين ينفذون القانون).
الخلاصة أن المغزى الحقيقي لمبدأ فصل السلطات ونظام التوازن في الولايات المتحدة هو الحيلولة دون تجمع السلطات بيد واحدة مما قد يؤدي إلى الدكتاتورية أو إلى الحكم البوليسي وبالتالي التخلص من أي إجراء تعسفي أما في بريطانيا فيعتبر النظام البريطاني النموذج الأمثل للنظام البرلماني النيابي، كما يمتاز عن الأنظمة الأخرى بقيامه على دستور عرفي مرن، وهذه الميزة تمكنه من أن يتطور حسب تطور الأوضاع الاجتماعية ومقتضياتها، وينتج عن ذلك أن السلطة التشريعية تتمتع باختصاصات واسعة فلا يحدها أي قيد في سنها للتشريع ،أو في تعديل العادات التي أوجدت المبادئ الدستورية متى تبين لها أهمية وحيوية التطورات التي يعرفها المجتمع حتى قيل:(أن البرلمان الإنجليزي يستطيع أن يفعل كل شيء، إلا أن يحول الرجل إلى امرأة أو العكس).
لكن هذه المقولة لا يجب أخذها بعين الاعتبار، ذلك أن التجربة البريطانية أثبتت لنا عمليا عدم قيام البرلمان البريطاني بأي استبداد في ممارسة سلطته المطلقة في التشريع، ولعل أول تطبيق لنظام فصل السلطات كان في القرن السابع عشر في دستور(كرومويل) حيث وزع السلطة على جهات متعددة وفصلها بعضها عن بعض ولا سيما فصل السلطة التشريعية عن السلطة التنفيذية، أما بالنسبة للقضاء فلم يعتبره سلطة مستقلة وأن كان قد حرص على استقلاله غير أنه سرعان ما قضي على عهد (كرومويل) وعادت الملكية من جديد وتلاشى مبدأ فصل السلطات.
وفي بريطانيا على الرغم من عدم التنصيص على مبدأ فصل السلطات في الدستور أو التشريع فأن ذلك المبدأ نجده مطبق بصورة واقعية وفعلية وأن لم يعتبر القضاء سلطة إلا أنه في التطبيق العملي يتضح أنه سلطة.
وقد لعب القضاء البريطاني دورا هاما في حماية الحريات والحقوق، فهو يجب أن يكون المثل الذي يجب أن تأخذ به أقضية العالم في أداء رسالتها.
وقد قال أحد الفقهاء البريطانيين: “مادام القضاة قد أمسكوا بالميزان في أيديهم، فلن تكون هناك قائمة لدولة البوليس في بريطانيا” ولهذا نرى بأن القضاة في بريطانيا يتمتعون باحترام عميق من المواطنين وبوضع اجتماعي ممتاز وأنهم بعيدين عن السياسة ويمتازون بحيدة تامة في أداء عملهم.
واختيار القضاة في بريطانيا يتم على أساس كفاءتهم الفنية وشهرتهم في الميدان القانوني ولا تتدخل الاعتبارات السياسية في اختيارهم ويعينون بمرسوم ملكي بعد موافقة المجلس الوزاري ويظلون في أماكنهم مدى الحياة ويجوز استثناءا نقل القاضي إلى مكان آخر بقرار يوافق عليه مجلس البرلمان.
ويعتبر مجلس اللوردات هو المحكمة الاستئنافية العليا في بريطانيا ولا يقوم كله بهذه الوظيفة القضائية وإنما يقوم بها اللوردات القضائيون التسعة، إذ أن هذا المجلس في القديم كان يقوم بدور المجلس الأعلى للقضاء ففقد هذه الميزة، إلا أن القضاة التسعة الذين يعينون فيه مدى الحياة يمارسون مهام المجلس القضائية بمساندة لجنة من الخبراء القانونيين ومن القوانين ذات الأهمية الكبرى التي تعطي القضاء البريطاني سلطة حماية الحريات الفردية القانون الذي يقرر نظام دعوى استحضار الشخص المتهم . وقد صدر هذا القانون سنة 1679 كقانون يبتغي تأمينا أحسن لحرية المواطن والحيلولة دون الاعتقالات وهذا النظام يحقق غاية حماية الحريات الفردية على نحو ممتاز ومقتضى هذا النظام أنه لا يجوز لأي شخص يحدث اعتداء على جسده سواء بالحبس أو الاعتقال أو تقييد الحركة بمنع السفر أو بالإبعاد إلى مكان معين أو بفرض إقامة إجبارية أو ما إلى ذلك من صنوف الاعتداء على حرية الجسد في الحركة، يجوز لأي شخص يحدث له مثل ذلك أن يتظلم لدى القضاء ويفصل في تظلمه خلال 24 ساعة، وهذا الإجراء أو إما يشابهه كفالة أساسية من ضمانات الحرية وقيد حقيقي على ممارسة السلطة العامة، وسلاحا ناجحا تتمسك به السلطة القضائية أما بالنسبة لحصانة القاضي أي عدم قابليته للعزل، فبحسب القواعد الدستورية العرفية الجاري بها العمل منذ سنة 1800 فأنه لا يعزل قاضي إلا إذا أوصى البرلمان بمجلسيه بعزله (مجلس العموم ومجلس اللوردات).
خلاصة القول أنه بالرغم من عدم وجود قواعد دستورية أو تشريعية في بريطانيا تبحث في القضاء كسلطة أو في استقلاله أو استقلال القضاة، هناك أعراف جرى عليها العمل حتى تأصلت في أذهان البريطانيين وأصبحت أقوى من القواعد الدستورية أو التشريعية في البلاد التي أخذت بأسلوب الدساتير المكتوبة.
وأن إيمان القضاء البريطاني بأن الحريات الأساسية ضرورية لبناء شخصية الأنسان ووقوفه بحزم أمام محاولات السلطة التنفيذية النيل منها وردها مهزومة، فرض على هذه السلطة والسلطة التشريعية احترام القضاء والقضاة.
وكلنا نذكر قول رئيس وزراء بريطانيا الأسبق السير (ونستون) عندما أخبر عن استثراء الفساد في البلاد:
(أن بريطانيا بخير ما دام القضاء فيها بخير).
خلاصة القول أنه بالرغم من عدم وجود قواعد دستورية أو تشريعية في بريطانيا تبحث في القضاء كسلطة أو في استقلاله أو استقلال القضاة، هناك أعراف جرى عليها العمل حتى تأصلت في أذهان البريطانيين وأصبحت أقوى من القواعد الدستورية أو التشريعية في البلاد التي أخذت بأسلوب الدساتير المكتوبة.
أما في فرنسا فقد اختلفت جميع الدساتير التي تعاقبت في موقفها من القضاء، فبعضها نجده يأخذ بمبدأ فصل السلطات الثلاث، في حين ذهب البعض الآخر إلى أنه لا توجد إلا سلطتين في الدولة هما: السلطة التشريعية والسلطة الإدارية، وأن القضاء هو جزء لا يتجزأ من السلطة الإدارية فدستور سنة 1791 ودستور السنة الثالثة للثورة ضلا مخلصين لنظرية (مونتسكيوه)، وخصصا فصلا متميزا للسلطة القضائية، حيث اعتبراها سلطة قائمة بذاتها مستقلة عن السلطتين الأخريين وأن كانا قد ربطا بهذه الفكرة ضرورة انتخاب القضاة.
أما دستور سنة 1848 فقد اعلن صراحة عن مبدا الفصل بين السلطات وخصص للسلطة القضائية فصلا مستقلا كونها متميزة عن السلطتين الأخريين إلا أنه منح رئيس الجمهورية الحق في تعيين جميع القضاة.
أما بافي الدساتير الأخرى فقد اعتبرت القضاء تابع للسلطة التنفيذية.
فالوثيقة الدستورية لسنة 1814 أوردت عنوانا عن (النظام القضائي) بدون أن تسميه سلطة وقد نصت المادة 57 منها على أن (كل قضاء ينبع عن الملك وهو ينظمه باسمه عن طريق قضاة يعينهم ويقيلهم).
وقد جرى نفس الشيء بالوثيقة الدستورية لسنة 1830.
أما عن دستوري 1856 و1870 فقد نصا بصراحة على أن الأحكام تصدر باسم رئيس الدولة.
كما جاءت القوانين الدستورية لسنة 1875 ساكتة بالنسبة للتنظيم القضائي باستثناء النصوص المخصصة لمحكمة العدل العليا أما دستور الجمهورية الرابعة لسنة 1946 فقد عالج القضاء بمختلف فروعه (المدني – الجنائي- الدستوري – السياسي) كما اهتم بإقرار استقلال القضاة دون الإشارة إلى اعتبار القضاء سلطة مستقلة.
أما بالنسبة للدستور الحالي أي دستور الجمهورية الخامسة لسنة 1958 فقد تعرض للقضاء باسم الهيئة القضائية.(Autorite judiciaire) وليس باسم السلطة القضائية، وقد نص في المادة 22 منه على أن الهيئة القضائية تعتبر حامية للحريات الفردية وأن الدستور يضمن احترام هذا المبدأ عن طريق استقلال الهيئة القضائية.
كما نصت المادة 64 على أن رئيس الجمهورية الفرنسي يعتبر هو الضامن لاستقلال الهيئة القضائية وذلك بمساعدة المجلس الأعلى للقضاء ويتكون هذا المجلس بالإضافة إلى رئيسيته الذي هو رئيس الجمهورية من وزير العدل وتسعة قضاة يعينهم رئيس الجمهورية.
وسبب عدم تمتع القضاء في فرنسا بالسلطة من الناحية الدستورية، أن البرلمانات قبل الثورة الفرنسية (وهو الاسم الذي كان يطلق على المحاكم) كانت تتدخل في أعمال السلطتين التشريعية والتنفيذية، واخذ عليها محاباتها للملك مما جعل رجال الثورة يضمرون لها الحقد والكراهية إلا أنه رغم ذلك فالثورة لم تعدم رجالا وقفوا إلى جانب القضاء ودافعوا عن استقلاله فصدر أول دستور للثورة سنة 1791 وأخذ بمبدأ استقلال السلطة القضائية ثم وضع نفس الجزء في دستور السنة الثالثة الثورة . إلا أنه في الدساتير التي تلته نزع عن القضاء صفة السلطة عندما استطاع المعدون له التغلب عن المعتدلين.
الخلاصة نقول أنه رغم عدم الاعتراف بالقضاء كسلطة من الناحية الدستورية فأن نظرية (مونتسكيوه) ظلت مطبقة من الناحية الواقعية حتى أن المشرع عدل الكثير من القوانين بما ينسجم ويتوافق مع هذا المبدأ.
أما بالنسبة لبعض الدول العربية والأجنبية:
ذهبت أغلب الدساتير العربية إلى اعتبار القضاء سلطة من بينها:
– دستور جمهورية مصر العربية لسنة 1971 حيث بحث القضاء تحت عنوان السلطة القضائية وقد نصت المادة 165 منه على أن: (السلطة القضائية مستقلة، وتتولاها المحاكم على اختلاف درجاتها وأنواعها وتصدر أحكاما وفق القانون).
– دستور الكويت لسنة 1962 حيث عالج في الفصل الخامس من الباب الرابع وضع القضاء تحت عنوان (السلطة القضائية).
– دستور المملكة الأردنية الهاشمية لسنة 1956 حيث بحث القضاء في الفصل السادس تحت عنوان (السلطة القضائية.
– دستور الجمهورية السورية لسنة 1972 حيث نص في المادة 131 على أن: (السلطة القضائية مستقلة، ويضمن رئيس الجمهورية هذا الاستقلال ويعاونه في ذلك المجلس القضاء الأعلى).
كما أن أغلب الدساتير الأجنبية نهجت هذا المنهج أيضا.
– دستور ألمانيا الاتحادية لسنة 1949 ينص في المادة 92 منه على أن: (يعهد بالسلطة القضائية إلى القضاة وتتولاها المحكمة الدستورية الاتحادية، والمحكمة العليا الاتحادية، والمحاكم الاتحادية التي ينص عليها هـذا الدستور ومحاكم الولايات).
– وكذلك الدستور الإيطالي لسنة 1947 ينص صراحة على أن القضاء سلطة إذ أنه لم يترك أي مجال للشك في اعتباره سلطة مستقلة حيث نصت المادة 104 منه على أن: (القضاء نظام).
– والدستور التركي لسنة 1961 أكد في المادة 7 من الباب الأول الذى جاء تحت عنوان (السلطة القضائية) (تتولى محاكم مستقلة ممارسة السلطة القضائية باسم الأمة التركية).
– والدستور الياباني لسنة 1943 جاء في مادته 76 على أن: (السلطة القضائية تمارسها المحكمة العليا، والقضاة مستقلون لا سلطان عليهم لغير ضمائرهم وهم لا يلزمون في قضائهم إلا أحكام الدستور والقانون).
– والدستور الهندي لسنة 1949 عالج شؤون القضاء في الفصل 4 منه تحت عنوان (السلطة القضائية الاتحادية).
المبحث الرابع: موقف الدساتير المغربية الثلاث من القضاء:
في عهد مولاي عبد الحفيظ قدم مشروع دستور وضعه الوطنيون المغاربة سنة 1908 يطالبون فيه الملك بإقراره، وتعتبر هذه الوثيقة الدستورية الأولى في المغرب ولو كان يذكر أن هناك مذكرة دستورية سبقت ذلك كان كاتبها مجهول الاسم وقد ورد ذلك في كتاب علال الفاسي (حفريات من الحركة الدستورية في المغرب).
والذي يهمنا في الوثيقة الدستورية لسنة 1908 هو التعرف على موقفها من القضاء ويتسنى لنا دراسة الدساتير الثلاث التي تلتها.
ومن خلال هذه الوثيقة الدستورية يتضح لنا أن السلطة القضائية تخضع لسلطة الملك، حيث كان السلطان هو الذى يعين القضاة وفي يده سلطتان قضائيتان مهمتان هما: حق العفو وحق عزل بعض الموظفين الذين يعملون تحت إشرافه
وبعد الاستقلال صدر العهد الملكي في شكل خطاب وجهه المغفور له محمد الخامس إلى الأمة يوم 8 ماي 1953 الذي أكد فيه على عزمه على إعلان نظام ملكية دستورية تصان فيها الحريات وحقوق الموظفين وفي تاريخ 2 يونيو 1961 أعلن عن الدستور واعتبر بمثابة قانون أساسي مؤقت تسير عليه الحكومة إلى أن يتم أنجاز الدستور ويدخل في حيز التنفيذ وعند تولية الملك الحسن الثاني أوفي بالعهد الذي تركه والده على عاتقه وهو أنه لن تمضي سنة 1962 حتى نكون قد وفينا بعهدنا ” أي وضع الدستور وهكذا أعلن عن الدستور سنة 13 نوفمبر 1962 وقد ضمن هذا الدستور في بابه السادس كافة الشروط الشكلية لاستقلال القضاء بقطع النظر عن الفصل 82 الذي يؤكد ” القضاء مستقل عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية”.
فما هي إذن مظاهر هذا الاستقلال عن السلطتين:
نجد أن تعيين القضاة كان يتم بمرسوم ملكي، الفصل 34 ولكن التعيين هو من اختصاصات الملك طبقا للفصل 30 الذي يقرر أن “له حق التعيين في الوظائف المدنية والعسكرية” غير أن الفصل 84 أضاف أن التعيين يتم باقتراح من المجلس الأعلى للقضاء وهو ذلك الجهاز الذي يسهر على تطبيق الضمانات الممنوحة للقضاة فيما يرجع إلى الترقية والتأديب.
وبما أن وزير العدل عضو في هذا المجلس فأنه يعتبر كنائب للرئيس الذى هو الملك ويستمد سلطته منه عن طريق التفويض وبما أنه يعتبر من السلطة التنفيذية وهذه الأخيرة سوف يكون لها تأثير على السلطة القضائية وقد نص الفصل 33:” يرأس الملك المجلس الأعلى للقضاء ويعين القضاة طبق الشروط المنصوص عليها في الفصل 84 ” .
كما نص الفصل 85 من الدستور:” لا يعزل قضاة الأحكام ولا ينقلون إلا بمقتضى القانون”.
ونجد الفصل 86 يحدد تكوين المجلس الأعلى للقضاء فينص على أن:” المجلس الأعلى للقضاء يرأسه الملك، ويتألف المجلس الأعلى للقضاء بالإضافة إلى الرئيس من:
– وزير العدل كخليفة للرئيس.
– رئيس المجلس الأعلى.
– النائب العام لدى المجلس الأعلى.
– نائبين ينتخبهما قضاة المحاكم الاستئنافية من بينهم.
– نائبين ينتخبهما قضاة المحاكم الإقليمية من بينهم.
– نائبين ينتخبهما قضاة محاكم السدد من بينهم.
وعدد الفصل 87 الغاية من أنشاء المجلس الأعلى حيث ينص على أنه “يسهر المجلس الأعلى للقضاء على تطبيق الضمانات الممنوحة للقضاة فيما يرجع لترقيتهم.
وفي 1970 عدل الدستور وكانت الفصول هي نفسها مع بعض التعديلات تتجلى خاصة في الفصل 77 الذي نص على أن القضاة يعينون بظهير شريف وليس بمرسوم ملكي ذلك أن السلطة التنظيمية أصبحت من اختصاصات الحكومة.
ثم في الأخير صدر دستور 10 مارس 1972 الذي نجد فيه فيما يخص الباب المتعلق بالقضاء نفس الفصول الصادرة في دستور 1970.
من خلال عرضنا للدساتير الثلاث نصل إلى أبداء الملاحظات التالية فيما يخص الموقف الذي اتخذته هذه الدساتير من القضاء:
1- اعتبرت الدساتير الثلاثة القضاء بمثابة سلطة قائمة بذاتها وجعلته مستقلا عن باقي السلطات التشريعية والتنفيذية.
الفصل 82 من دستور 1962 – الفصل 75 من دستور 1970 – الفصل 76 من دستور 1972.
2- النصوص الدستورية المتعلقة بالقضاء هي نصوص مستمدة من الدستور الفرنسي الحالي ففيما يخص المجلس الأعلى للقضاء نجد أن رئيس الجمهورية في الدستور الفرنسي هو الذي يعين أعضاء هذا المجلس، مع أنه من قبل لم يكن يعين إلا اثنين من أعضائه وعددهم 12 قاضيا، حيث كان دستور 1946 يفرض انتخاب ثلث المجلس من القضاة أما في المغرب فنجد أن أعضاء المجلس بعضهم معين بظهير شريف مباشرة، أما الأعضاء الستة الذين ينتخبون من قضاة مختلف المحاكم فيعينون كذلك بظهير شريف ولكن بعد انتخابهم.
وهكذا يتضح لنا أن المشرع الدستوري المغربي تأثر إلى حد ما بالمبادئ الدستورية الفرنسية وخلاصة القول أن الدساتير المغربية الثلاث اعتبرت القضاء سلطة، ونصت على مبدأ استقلال القضاء وذلك بأن قررت ضماناته الأساسية خاصة ضمانة عدم القابلية للعزل التي وردت في الفصل 79 من الدستور الحالي، كما جعلت من المجلس الأعلى للقضاء الجهاز الوحيد الذي يسهر على تطبيق الضمانات الممنوحة للقضاء.
الفصل الثاني:
مظاهر استقلال القضاء في المغرب.
لكي تتمكن السلطة القضائية من أداء وظيفتها على أحسن وجه وبالتالي يتحقق استقلالها فأنه يكون من الضروري بل من الواجب على السلطتين التشريعية والتنفيذية عدم التدخل في أعمالها، فلا يجوز للسلطة التشريعية مثلا أن تقوم بإصدار تشريعات يكون من شأنها أن ترفع عن القضاة حصانتهم من العزل أو النقل وإلا فأن مثل هذه التشريعات ستكون مخالفة للقواعد الدستورية التي تقرر هذه الحصانة كضمانة هامة ضد تدخل السلطة التشريعية في مهام السلطة القضائية كذلك لا يجوز للسلطة التنفيذية أن تتدخل في شؤون تعيين القضاة أو ترقيتهم وإلا نتج عن ذلك أن يصبح القضاء خاضعا لهذه السلطة خضوعا تاما.
على هذا الأساس سنعالج موضوع مظاهر استقلال القضاء في مبحثين:
المبحث الأول:
مظاهر الاستقلال تجاه السلطة التشريعية:
يقتضي البحث عن مظاهر استقلال السلطة القضائية عن السلطة التشريعية التطرق لثلاث أمور:
أولا: عدم حجب حق القاضي من طرف السلطة التشريعية وذلك بإصدارها بعض التشريعات التي تبيح حق التقاضي في موضوعات معينة دون موضوعات أخرى.
ثانيا: إصدار بعض التشريعات التي تعفي بعض الأحكام القضائية التي تصدر بحق الدولة فتجعل بذلك حق التقاضي ليس له أي أثر أو مفعول.
ثالثا: إصدار تشريعات تحرم القضاة من ضمانة مهمة ألا وهي حصانتهم من العزل أو النقل.
أولا: عدم حجب حق التقاضي:
حق التقاضي أو حق الالتجاء إلى القضاء هو حق طبيعي، وهو من الحقوق الفردية أو من الحريات العامة التي تنص عليها الدساتير، ويعني هذا الحق أن لكل شخص الحق في أن يلجأ إلى المحاكم لاستحقاق حقه وكذلك لكل شخص الحرية في الالتجاء إلى القضاء بقصد الحصول على الحماية القضائية، ويجب أن لا يقيد هذا الحق بأي قيد إلا في الحدود التي يرسمها القانون.
وهناك بعض التشريعات قد تحد من هذا الحق بأن تنشأ محاكم مختصة في دعاوى معينة، فتحول دون من إصابة حيف من بعض الدعاوى بأن تطلب منه مراجعة القضاء المختص بطلب إزالة هذا الحيف والنتيجة العملية لمثل هذه التشريعات أنها تمنع سماع الدعاوى المتعلقة بموضوعات معينة، ونقول أن مثل هذه التشريعات هي غير دستورية لأنها تتنافي مع مبدأ المشروعية ومع مبدأ استقلال القضاء ومع طبيعة حق التقاضي الذي هو حق دستوري أكدته أغلبية الدساتير الحديثة.
فهو يتنافى مع مبدأ المشروعية وهو المبدأ الذي يعني سيادة القانون أو خلق دولة القانون.
وقد نصت على هذا المبدأ أغلب الدساتير العربية والأجنبية من بينها الدستور المغربي لسنة 1972 الذي نص في المادة 4 على أن: “القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة ويجب على الجميع الامتثال له”.
فمبدأ المشروعية يعني أن تكون سيادة القانون على جميع السلطات في الدولة (تشريعية وتنفيذية وقضائية) وبذلك يكون على السلطة التشريعية عندما تريد سن القوانين أن تهتدي بالقواعد الدستورية ومبادئ الحق الطبيعي حتى يمكن أن تكون تلك القوانين التي شرعتها مطابقة لما ورد في الدستور وهكذا تتحقق سيادة القانون.
وعلى السلطة التنفيذية كذلك عندما تصدر قراراتها أن تتقيد بالقواعد والأحكام التي وضعها لها القانون وإلا كانت قراراتها باطلة.
ولكي تتحقق دستورية القوانين ومشروعية القرارات الإدارية لا بد من رقابة قضائية التي يمكن عن طريقها ضمان عدم التلاعب بإحكام القانون وبالتالي حماية حريات الأفراد وحقوقهم.
لذلك فأن كل نيل من رقابة القضاء عن طريق النيل من اختصاصه بإصدار تشريعات تستهدف المنع أو التضييق يؤدي إلى إهدار مبدأ المشروعية.
كما أن حجب حق التقاضي يتنافى مع استقلال القضاء عن السلطتين التشريعية والتنفيذية لأن السلطة القضائية هي المختصة وحدها بممارسة تطبيق القانون على المنازعات التي تقدم إليها، وولايتها في هذا الشأن ولاية مطلقة تجد سندها في الدستور نفسه ولا يجوز أنشاء جهات استثنائية أو منع التقاضي نهائيا في نزاع معين بدون نص في الدستور يسمح بهذا الأمر، لأن متل هذا التصرف قد يسلب من السلطة القضائية اختصاصا أعطاها إياه الدستور عندما وكل إليها أمر البث في المنازعات كسلطة مستقلة.
وفي الأخير نرى بأن حجب حق التقاضي يتنافى مع طبيعة هذا الحق إذ أنه حق دستوري نصت عليه أغلب الدساتير الحديثة فهو من الحقوق الطبيعية لكل أنسان، تبث عليها الضمير العالمي، واستقر عليها وجدان الإنسانية في شتى الأمصار وفي مختلف العصور، فإذا لم يرد في بعض الدساتير فلان (المشرع الدستوري) لم يرى موجبا لإيراده بنص صريح لأنه أضحى من الحقائق الدستورية المسلم بها، لهذا نقول بأن السلطة القضائية لا يمكنها أن تباشر مهامها إلا إذا كان حق التقاضي مضمونا بالنسبة للجميع وفي سائر النزاعات.
ثانيا: عد الغاء الأحكام القضائية أو تعطيل تنفيذها أو وقفه:
هناك بعض الأحكام القضائية التي تصدر بحق الدولة، قد تصدر بشأنها تشريعات تعطل أثارها وذلك بإلغائها أو وقف تنفيذها، وبذلك تكون هذه التشريعات تجعل حق التقاضي بدون اثر أو بدون نتيجة.
والأمثلة على مثل هذه التشريعات كثيرة، لكن السؤال المطروح ما مدى دستورية هذه التشريعات؟.
إن إصدار المشرع لمثل هذه التشريعات يدل على تدخل من جانبه في أعمال السلطة القضائية.
وينال من استقلالها، لأن المفروض في المشرع أن يحترم استقلال القضاء باحترام اختصاصه ضمانا لحسن تطبيق القانون وتحقيق العدالة، وأن يحترم الأحكام القضائية المبرمة لأنه عنوان الحقيقة والصواب وهذه قاعدة قديمة عرفها الرومان من ثلاثة آلاف سنة . وأن يترك القضاء يؤدي وظيفته بدون أي تدخل من جانبه فلا يحجب حق التقاضي عن أحد، كما لا يتعرض للدعاوى القائمة التي هي قيد النظر، كما لا يصيب الأحكام القضائية بسهامه وأن في القول بخلاف ذلك إهدار للقيمة الفعلية للرقابة القضائية على تصرفات السلطتين التشريعية والتنفيذية بحيث لا يعود ثمة فائدة على الإطلاق لوجود السلطة القضائية مادام في إمكانية المشرع التعرض للأحكام القضائية بقوانين يصدرها تعطل من آثار هذه الأحكام.
أن احترام الأحكام القضائية من الأمور المسلم بها في الحقوق الحديثة، بل والحقوق القديمة أيضا، فقد ذكر الفقيه الفرنسي عميد كلية حقوق بوردو:
“أنه في جميع البلاد المتمدنة التي تأخذ بنظام سيادة القانون، ينبغي أن تقوم جهات قضائية ذات نظام قوي، تتألف من رجال أكفاء، يتمتعون بالاستقلال المطلق تجاه السلطة السياسية، وأنه يجب توفير الاحترام من الحكام والمحكومين للأحكام والقرارات التي تصدر من هذه الجهات القضائية.
وعلى جميع الجهات العامة مهما كان شأنها، ابتداء من البرلمان، وانتهاء بأبسط المجالس المحلية ابتداء من رئيس الدولة، وانتهاء بأصغر مواطنيه، وعلى كل هؤولا أن يحنوا رؤوسهم للقضاء. وبكلمة موجزة، على الجميع الاعتراف بأن الدولة مرتبطة بأحكام محاكمها “.
ثانيا: الحصانة القضائية:
نص الدستور المغربي لسنة 1972 في الفصل 79 على أنه:
” لا يعزل قضاة الأحكام ولا ينقلون إلا بمقتضى القانون”.
يتضح لنا من خلال هذا النص أن الدستور المغربي الحالي أناط مهمة بيان شروط عزل القضاة ونقلهم إلى القانون أن الحصانة القضائية مبدأ دستوري عام، فهي من الحقوق والضمانات الأساسية التي يتمتع بها القضاة فهي ضمانة هامة لحيدة القضاء كما أنها تشكل أقوى تدعيم لمبدأ استقلال القضاء فبمجرد أن يتم تعيين القاضي فأنه يصبح متمتعا بالحصانة القضائية.
وتعني الحصانة القضائية عدم القابلية للعزل أو النقل أو صيانة القاضي من العزل أو النقل ويراد منه: الصرف من الخدمة وبحمايته من النقل، النقل من بلد إلى آخر ومن الوظيفة المحددة التي عين فيها إلى وظيفة أخرى
ويتمتع جميع القضاة من حكم ونيابة عامة، بالحصانة من العزل باستثناء القضاة الذين لم يمض على تعيينهم في القضاء مدة 3 سنوات.
وبالنسبة لحصانة النقل، فأن جميع القضاة يتمتعون بها كمبدأ باستثناء قضاة النيابة العامة حيث يتم نقلهم بمرسوم يصدر بناء على اقتراح من وزير العدل وقضاة الحكم الذين لم يمض على تعيينهم في القضاء مدة 3 سنوات والقضاة الذين طلبوا النقل خطيا والقضاة الذين قضوا ثلاث سنوات فأكثر في الوظيفة المحددة في مرسوم تعيينهم عندما تقضى الضرورة بنقلهم والقضاة الذين ينقلون ترفيعا من فئة إلى أخرى، والقضاة المحكوم عليهم من قبل المجلس الأعلى للقضاء بعقوبة أشد من قطع الراتب.
وقد نظمت الحصانة القضائية بمقتضى الظهير الشريف الصادر بمثابة قانون بتاريخ 11 نونبر 1974 والمتعلق بالنظام الأساسي لرجال القضاء.
وقد نصت المادة 55 من هذا الظهير على أنه:
“يمكن لقضاة الأحكام أن يعينوا في مناصب جديدة بطلب منهم أو نتيجة ترقية أو أحداث محكمة أو حذفها، ويتم هذا التعيين بظهير باقتراح من المجلس الأعلى للقضاء”.
ويوضع قضاة النيابة العامة تحت سلطة وزير العدل ومراقبة وتسيير رؤسائهم الأعليين ويتم نقلهم بظهير باقتراح من وزير العدل بعد استشارة المجلس الأعلى للقضاء المادة 56 من خلال هذا النص يتضح لنا أن هناك تدخل من جانب السلطة التنفيذية في أعمال النيابة العامة مما يمكن أن ينتج عنه عدم استقلال النيابة العامة تجاه الإدارة.
لكن رغم ذلك نقول بأن أعضاء النيابة العامة يشكلون هينة قضائية وإشراف وزير العدل عليهم لا يجعل منهم موظفين إداريين بل هم قضاة كباقي قضاة الحكم تابعين لسلك القضاء ويتمتعون بضمانة العزل التي تحميهم من تسلط الإدارة.
كما نصت المادة 57 من ظهير 11 نونبر 1974 على أنه:
“يمكن لوزير العدل أن ينتدب بقرار عند الحاجة ولملء فراغ في قضاء الحكم أو التحقيق أو النيابة العامة قاضيا للقيام بهذه الأعمال لمدة لا تتجاوز ثلاث أشهر في كل سنة غير أنه يمكن له بنفس الطريقة وبموافقة القاضي المعني بالأمر أن يجدد الانتداب لفترة واحدة أخرى لا تتجاوز ثلاثة اشهر.
ويكون للقضاة المنتدبون تطبيقا للفقرتين السابقتين من درجة أدنى أو مساوية للمنصب الشاعر” والقرار الذي يتخذه وزير العزل بانتداب قاض ليس فيه أي اعتداء على استقلال القضاء ما دام أن ذلك القرار أملته ضرورة سد الفراغ الذي تعرفه بعض الأماكن سواء في فضاء الحكم أو التحقيق أو النيابة العامة لكن بشرط أن لا يتجاوز ذلك الانتداب 3 أشهر.
أن حصانة القاضي من العزل لا تعني عدم قابليته صرفه من الخدمة على الإطلاق بل يجوز أن يتم ذلك إذا صدر قرار من مجلس القضاء الأعلى بعزله ما دام هذا المجلس يعتبر بمثابة مجلس تأديب للقضاة، وذلك إذا ارتكب عملا من شأنه أن يشين مسلك القاضي ويعينه، وفى هذه الحالة، يمكن إيقاع عقوبة العزل.
ويصدر المجلس قراره بالأغلبية هذا وأن بعض الدساتير الأجنبية تشترط موافقة السلطة التشريعية على العزل ومن هذه الدساتير العرفية البريطانية التي ذهبت منذ عام 1700 إلى عدم جواز عزل القاضي إلا إذا أوصى البرلمان بمجلسيه بعزله.
والدستور الياباني في سنة 1963 الذي نص على عدم جواز عزل القاضي إلا بعد اتهامه من قبل السلطة التشريعية وثبوت ذلك (المادة 78).
والدستور الأمريكي لسنة 1773 نص في الفترة الأولى من المادة 2 منه على أن جميع القضاة يبقون في مناصبهم ما داموا حسني السلوك، وأنهم يتقاضون في مواعيد معينة لقضاء خدماتهم مكآفات لا تنقص أثناء استمرارهم في مناصبهم.
وبالنسبة لقضاة المحكمة العليا، فأنهم يبقون في مناصبهم مدى الحياة مادام سلوكهم حسنا، ما لم يستقيلوا أو يطلبوا إحالتهم إلى التقاعد براتب تام.
هذا وأن بحثنا عن حصانة العزل والنقل يدفعنا إلى بحث ناحية هامة جدا حدثت في قضائنا كثيرا وهي التشريعات المختلفة التي صدرت في الماضي ورفعت بموجبها حصانة العزل عن القضاة.
وأن المرء حينما يستمع للتصريحات الرسمية التي صدرت بشأن القضاء وما وأكبها من قوانين في طليعتها ثلاث دساتير لا يسعه إلا أن يقول بأن المغرب في إطار فصل السلط واستقلال القضاء يتوفر على عدالة نزيهة وضمانات أكيدة وأحكام سليمة تضمن للمتساكنين فيه حياة الطمأنينة والكرامة الإنسانية والعيش الرغيد.
ولكنه حينما يعيش واقع القضاء وواقع المحاكم وواقع المظلومين والمضطهدين والضائعين لا يلبث أن يدين سياسة الخرق للقوانين حقا أننا نتوفر على دستور على الرغم من التعديل والتغيير الذي أدخل إليه فأنه احتفظ في الباب الخاص بالقضاء بنصوصه الأولى، التي يمكن أن تكون أساسا لفصل السلط واستقلال القضاء، لولا العوائق التي وقفت وتقف في وجهها، لتجعل من القضاء الأداة المسخرة لخدمة مصالح و أغراض الحكام وذوي السلطة والنفوذ سواء في مجال تطبيق تلك النصوص، أو في إصدار نصوص أخرى تناقضها، أو بعدم اعتبار وجودها أن اقتضى الحال.
ويتجلى ذلك فيما يلي:
تأليف المجلس الأعلى للقضاء:
يظهر من الفصل 86 من الدستور المشار له سابقا عند عرضنا لموقف الدساتير ألمغربية الثلاث من القضاء أن تأليف المجلس الأعلى للقضاء محصور في الأعضاء المذكورين فيه، غير أنه جرى العمل أن يتم اجتماع المجلس بحضور الكاتب العام لوزارة العدل وحضور مقرر من الوزارة تابع لسلطة الوزير وضمن مصالحه وهو الذي يتولى تسجيل محاضر الجلسات وبيده ملفات للقضاة يعمل فيها بأمر الوزير وبإذنه وللوزير أن يوقف القاضي إلى أن يتأتى للمجلس الأعلى أن يجتمع ليطلعه أن شاء على ما قام به من توقيف للقاضي أو نقله إذ له الحق وحده أن يحضر جدول الأعمال، وأن يثير موضوعات الاجتماع دون غيره من بقية الأعضاء الأخرين.
ومما لا شك فيه أن عملا من هذا القبيل من شأنه أن ينسف مفعول فصل السلطات الذي أقره الدستور، وأن يقضي على مبدأ استقلال القضاء.
ملاحظة علي موضوع الحصانة القضائية:
يأخذ على التشريع الحالي بشأن السلطة القضائية أنه رفع حصانة النقل عن القضاة متى دعت الحاجة إلى ذلك، فلقد صدر ظهير انتداب القضاة في 13/11/1963 وينص الفصل الأول منه على أنه:
يجوز لوزير العدل في حالة ما إذا كان عدد قضاة المحاكم غير كاف لأي سبب أو إذا لم يكن من يتولى مهام النيابة أو التحقيق أن يبتدي بموجب قرار قضاة المحاكم أو النيابة بمحاكم الاستئناف أو المحاكم للقيام خارج دوائر نفوذهم عند الاقتضاء بمهام قضائية في إحدى محاكم الاستئناف أو المحاكم.
غير أن هذا الظهير الذي فرضته حالة خاصة أخذ بعض وزراء العدل يستعملونه كسلاح لتهديد القضاة والضغط عليهم والانتقام منهم أن اقتضى الحال، وذلك بتكليفهم بمهام الحكم في نواحي نائية عن أماكن عملهم وسكناهم، لمدة ثلاثة اشهر في السنة، ويمكن تجديدها لفترة واحدة أخرى لا تتجاوز 3 اشهر.
أن نفس هذا الفصل ورد في الظهير المتعلق بالنظام الأساسي لرجال القضاء وذلك في المادة 57 منه.
أن حصانة القاضي من النقل حصانة ضعيفة ما دام مهددا بالنقل بدون موافقته، لهذا أقترح أن لا يكون نقل القاضي الجالس أو قاضي الحكم إلى ميدان التحقيق أو النيابة إلا بموافقته الخطية.
أن إقرار مبدأ الحصانة القضائية ليس من شأنه أن يحول دون تدخل السلطة التشريعية أو السلطة التنفيذية في أعمال السلطة القضائية.
المبحث الثاني
: مظاهر الاستقلال تجاه السلطة التنفيذية:
لكي تتضح لنا معالم استقلال السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية يجب التعرف على الكيفية التي يتم بها اختيار القضاة أي طريقة تعيينهم فإذا كانت هذه العملية تتم من طرف إحدى السلطتين التشريعية أو التنفيذية فأن القضاء سيفقد استقلاله، إذ من شأن ذلك أن يجعل القضاة تابعين لميولات السلطة التي عينتهم وبالتالي تفقدهم الحيدة والنزاهة المتطلبة في القضاء كما يجب تناول موضوع الترقية والجهة المختصة بهذا الشأن، وكذلك مسألة مرتب القضاة بما أن المرتب من شأنه أن يساعد في استقلال القضاة وضمان حيدتهم: وفي الأخير نتناول مسؤولية القضاة من الناحية التأديبية والجنائية والمدنية.
أولا طريقة اختيار القضاة:
إذا انطلقنا من نظرة الشريعة الإسلامية إلى القاضي أو الشخص الذي يقيم العدل بين الناس نجد أنها ترى بأنه يعتبر ظل الله في توزيع العدل بين الناس فهي بهذا تعظم من شأن القائم بالقضاء وتجعل الوظيفة القضائية من أسمى الوظائف وبهذا كانت النزاهة والاستقامة هي روح القضاء.
فالنزاهة ضرورة أكيدة لممارسة عمل القضاء، لأن القاضي هو القائم بتوزيع العدل بين الأفراد على مختلف طبقاتهم ومراكزهم، وهو الذي يستخلص حق الضعيف من القوي، ويرد بغي الناس بعضهم على بعض، ويدفع الأذى عنهم، وتعرض عليه جليل الأمور، وجسام القضايا. ونزاهة القاضي لا يمكن تحقيقها إلا بوسائل من أهمها طريقة اختيار القاضي، فهذه الوسيلة تشكل ضمانة مهمة يمكن بها الحصول على طائفة من الأشخاص يستطيعون تحمل عبء القضاء ومسؤولياته العظمى.
وبهذا نرى بأن طريقة اختيار القضاة هي من أهم الضمانات التي يمكن بها تحقيق استقلال السلطة القضائية خاصة عن السلطة التنفيذية.
ويشترط فيمن يعين قاضيا أن يكون ذو كفاءة كبيرة تساعده على القيام بحل المنازعات كما يشترط فيه أن يتمسك بمبدأ حيدة القضاء الذي يلزمه أن يكون بعيدا كل البعد عن الأحزاب السياسية وذلك حتى لا تستولي عليه الأهواء والميولات الحزبية في الأحكام التي يصدرها.
ومن هذا يتبين لنا أن المبدأ الأساسي الذي يقوم عليه القضاء هو النزاهة، فمتى تحققت هذه النزاهة استطاع القاضي أن يقيم العدل دون خضوع لأي سلطة بل فقط يبدي حكمه بما يمليه عليه ضميره وشعوره بالعدالة.
هذا وهناك عدة طرق متبعة في اختيار القضاة سنعرض لكل طريقة على حدة ونبين مزاياه أو عيوبها ومدى ما استطاعت أن تحققه من استقلال للقضاء لنصل المثلى التي يجب اتباعها، ثم في الأخير نتكلم عن الطريقة المتبعة في اختيار القضاة في التشريع المغربي.
الطريقة الأولي التي نادى بها الفقهاء هي ضرورة اختيار القضاة عن طريق الانتخاب أي عن طريق الاقتراع العام وذلك كما ينتخب نواب الشعب في المجالس التشريعية إذ أن ذلك يعد تحقيقا لمبدأ الديموقراطية الذي يقضي بأن الأمة هي مصدر جميع السلطات.
ولقد كانت هذه الطريقة متبعة في فرنسا إبان الثورة الكبرى وذلك من سنة 1790 إلى السنة الثامنة للثورة لكن سرعان ما ساء الحال فعدل عنها.
والملاحظ أن هذه الطريقة ما زالت متبعة حاليا في معظم الولايات السويسرية وكذلك الحال في الولايات المتحدة الأمريكية وذلك بالنسبة لبعض قضاة الولايات، أما بالنسبة لبعض قضاة الاتحاديين فأن تعيينهم يتم من طرف السلطة التنفيذية لكن وعلى الرغم من ذلك فلهذه الطريقة مساوئ عدة تتجلى فيما يلي:
– أنها تجعل القضاة خاضعين لناخبيهم إذ أن القضاة المنتخبون سوف يميلون في أحكامهم إلى إرضاء ناخبيهم وبهذا يجرد القضاة من صفة النزاهة.
– أن الانتخاب تسيطر عليه الأحزاب السياسية مما يجعل القاضي يميل إلى الأهواء السياسية وبالتالي ينعدم القضاء.
– أن طريقة الانتخاب لا تمكن من اختيار قضاة أكفاء، وبهذا تنعدم الكفاءة والمؤهلات التي يجب توافرها في القاضي.
– أن انتخاب القاضي لمدة محدودة لا يمكن من اختيار قضاة ذوي خبرة واسعة خاصة إذا كانت مدة الانتخاب قصيرة.
الطريقة الثانية التي نادى بها الفقهاء هي ترك اختيار القضاة لجهاز مختلط أو هيئة مشتركة تتكون من القضاة وغير القضاة أي المحامين ووكلاء الدعاوى وأساتذة الحقوق وغيرهم من المشتغلين بالقانون باعتبار أنهم أقدر من غيرهم على حسن الاختيار.
وقد أخذت بهذا الأسلوب الدول التي يتكون مجلس القضاء فيها من قضاة وغير قضاة ومن بينها فرنسا حيث يتألف مجلس القضاء الأعلى حاليا برئاسة رئيس الجمهورية ووزير العدل نائبا للرئيس، وتسعة أشخاص:
ثلاثة من مستشاري محكمة النقض وثلاثة من محاكم الاستئناف والمحاكم الابتدائية يجري اختيارهم من قائمة يضعها المجلس تضم ثلاثة أسماء وشخصين معروفين بالعلم في القانون:
لكن هذا الأسلوب يعاب عليه أنه يصعب على هيئة مختلطة أن تقدر وضع القضاء ومن يصلح لتولي المنصب القضائي ومن لا يصلح.
الطريقة الثالثة هي ترك اختيار القضاة إلى السلطة التنفيذية، لأن هذه السلطة مسؤولة أمام السلطة التشريعية عن حسن سير العمل في الدولة ومنها القضاء، لكن هذا الرأي يجعل القضاة خاضعين خضوعا تاما للسلطة التنفيذية.
وتكاد تكون بريطانيا الدولة الوحيدة التي تستقل فيها السلطة التنفيذية بتعيين القضاة ولم يحصل عمليا أن أساءت هذه السلطة استعمال اختصاصاتها ذلك أن القضاء في بريطانيا تحكمه تقاليد تفقد السلطة التنفيذية كل علاقة لها بالقضاة سواء فيما يتعلق بترقيتهم أو عزلهم.
والطريقة الرابعة هي أن يتم اختيار القضاة من طرف الهيئة القضائية نفسها، وقد نادت بهذا الرأي حكومة الدفاع الوطني في فرنسا سنة 1870، لكن يعاب عليه أنه أسلوب معقد وغير علمي على الإطلاق.
وهناك طريقة أخري وهي أناطه انتخاب القضاة بالسلطة التشريعية، ويعاب عليها أنها تجعل القضاء تابعا لهذه السلطة فيفقد بذلك استقلاله كما تؤدي إلى تغلغل الاعتبارات السياسية في القضاء وينتج عن ذلك انعدام حيادة القضاء.
بعد عرض مختلف الطرق التي اتبعت لاختيار القضاة يبقى علينا أن نتساءل ما هي الطرق المثلى التي يمكن بها تجنب هذه العيوب؟
أن الطريقة المتبعة في تعيين القضاة في كثير من الدول ومن بينها المغرب هي أن تقوم السلطة التنفيذية بالترشيح ثم التعيين ولكن مع مراعاة الشروط الخاصة التي يتطلبها القانون فيمن يعين قاضيا وقد تشرك الإدارة معها رجال القضاء في الترشيح لوظائف القضاة كما هي الحال في القانون المغربي.
وإذا كانت السلطة التنفيذية هي التي تتولى تعيين القضاة وترقيتهم ونقلهم فأن الاختصاص الحقيقي في هذه الأمور يمارسه عملا المجلس الأعلى للقضاء وهذا ما يجري به العمل في المغرب وسوريا ومصر.
ويلاحظ أن المادة 6 من النظام الأساسي لرجال القضاء تقضي بأن الناجح في المباراة المنصوص عليها في المادة الخامسة يعين حسب تفوقه ملحقا قضائيا بقرار من وزير العدل، ويتقاضى مرتبا يحدد بمرسوم وتعويضا تمثيليا عن بذلة الجلسة، ويقضي تمرينا لمدة سنتين يشتمل على:
– طور للدراسات والأشغال التطبيقية بالمعهد الوطني للدراسات القضائية مدة 5 أشهر يرمى إلى تحقيق تكوينهم المهني بواسطة تعليم خاص.
– تدريب بمحاكم الاستئناف والمحاكم الابتدائية مدته 15 شهرا.
ويشارك الملحقون القضائيون بهذه الصفة تحت مسؤولية القضاة في النشاط القضائي، غير أنه لا يمكن أن يفوض لهم في الإمضاء.
ويمكن لهم خاصة:- مساعدة القضاة المكلفين بالتحقيق والأحداث في جميع إجراءات التحقيق الإعدادي وكذا مساعدة قضاة النيابة العامة في ممارسة الدعوى العمومية . كما يمكن لهم حضور في المجلسات المدنية والجنائية زيادة على النصاب القانوني والمشاركة فيها وفي المداولات دون أن يكون لهم حق التصويت.
كما يجب عليهم:
– أن يرتدوا في الجلسات بذلة قضاة المحاكم الابتدائية أن يحافظوا على السر المهني.
– تدريب مدته 4 اشهر تقسم بين المؤسسات السجنية والمقاولات العمومية أو الخاصة والابناك والعمالات.
وتحدد قرارات لوزير العدل طريقة تطبيق الطور الدراسي والتدريبين المشار إليهما في الفقرات السابقة وكذا الأوقات التي تجري فيها.
وتقضي المادة السابعة بأن الملحق القضائي يؤدي بعد انصرام مدة التدريب بالمحاكم امتحان نهاية التمرين وذلك ضمن الشروط المحددة بمقتضى مرسوم . ويمكن للملحق القضائي الذي نجح في الامتحان أن يعين قاضيا بمقتضى ظهير باقتراح من المجلس الأعلى للقضاء في الرتبة الأولى من الدرجة الثالثة.
ويعفي كل من لا تتوفر فيه الشروط من تعيينه كقاضي أو يوضع رهن إشارة إدارته الأصلية بقرار لوزير العدل ويلتزم الملحقون القضائيون مسبق وقبل إجراء امتحان نهاية التمرين بقضاء ثمان سنوات على الأقل في سلك القضاء ويرد الملحق القضائي الذى لم ينفذ هذا الالتزام المرتبات التي أخذها أثناء مدة التمرين بنسبة المدة الباقية لانتهاء الفترة المحددة كما أن الملحق القضائي الذي لم ينه تدريبه يلتزم برد المرتبات المسلمة له أثناء التمرين غير أنه يعفي الملحق القضائي من الرد إذا وضع حدا لوظيفته أو لتمرينه حسب بسبب عدم قدرته البدنية، أو إذا تقرر ذلك لسبب خطيرو مبرر بقرار لوزير العدل (المادة 8).
ملاحظات حول مسألة التعيين:
تعيين قضاة التحقيق: يعين قضاة التحقيق بقرار من وزير العدل لمدة ثلاث سنوات من بين قضاة الحكم في المحاكم الاستئنافية ويباشرون عملهم في دوائر هذه المحاكم.
ويمكن لوزير العدل بقرار مماثل أن يعفيهم من هذه المهمة (الفصل 6- 19 من ظهير الإجراءات الانتقالية).
يلاحظ من خلال هذا الفصل أن المشرع لم يفصل سلطة التحقيق عن السلطة التنفيذية بل لقد وضعها نسبيا تحت تأثير هذه الأخيرة بحيث يتبين من مسطرة تعيين قاضي التحقيق وإعفاءه أن لوزير العدل سلطة واضحة إزاء قاضي التحقيق وكان ينبغي أن يتم التعيين والإعفاء عن طريق المجلس الأعلى للقضاء ضمانا لاستقلال قاضي التحقيق في أداء وظيفته، وهي وظيفة قضائية لها ارتباط وثيق بحقوق الأفراد وحرياتهم.
ثانيا: مرتب القضاة ومركزهم:
بما أن منصب القاضي يفرض على من يتولاه أن يبتعد عن مواطن الشبهة، وأن يتفرغ لعمله لأن القاضي يمسك بيده ميزان العدل لهذا كان لا بد من تخصيص مرتبات …… للقضاة وإعطاء مركز القاضي مكانة سامية.
وقد قال ماريشال أول رئيس للمحكمة العليا الأمريكية في هذا الصدد:
(حتي تتحقق المصلحة العامة، ويكون القاضي مستقلا تماما في عمله، فلا يؤثر عليه سوي ضميره ووجدانه يجب أن يصان مرتبه، فلا ينتقص بأي شكل من الأشكال حتي لو كان ذلك تحت ستار ضريبة تفرض علي المرتب).
وبعض النظم تحرص على ألا يكون تحديد مرتبات القضاة في متناول السلطة التشريعية ومن هذا القبيل ما يجرى عليه العمل في بريطانيا حيث لا يصوت البرلمان على مرتبات القضاة أثناء اعتماده الميزانية.
وإنما تضاف هذه المرتبات إلى الميزانية الجديدة بدون أي تصويت أو مناقشة ولا شبهة في أن سيطرة البرلمان على التحكم في مرتبات القضاة من شأنه أن يهدد استقلال القضاة بالضياع خاصة إذا كان البرلمان ضعيفا أمام السلطة التنفيذية.
وقد نادت الشريعة الإسلامية بضرورة كفاية مرتب القاضي حيث نجد للإمام علي كرم الله وجهه كلمات رائعة في هذا الشأن ضمنها في كتابه إلى الأشتر النخعي حين ولاه على مصر وقد جاء فيها:
(ثم اختر للحكم بين الناس افضل رعيتك في نفسك …. وافسح لهم في البذل (العطاء) بما يزيد علته وتقل معه حاجته إلي الناس، وأعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك، ليأمن بذلك اغتيال الرجال له عندك، فانظر في ذلك نظرا بليغا).
تدريب مدته 4 أشهر تقسم بين المؤسسات السجنية والمقاولات العمومية أو الخاصة والأبناك وأما في المغرب فأن مرتب القاضي ومركزه لا زال دون المكانة اللائقة، فالمرتبات المخصصة للقضاة لازالت هزيلة لا تمكنهم من مواجهة مطالب الحياة وبالتالي لا تضمن لهم المظهر اللائق الذي سوف ينتج عنه انعدام الهيبة والاحترام الضروريين للقضاة.
وأن من الضروري فصل مرتبات القضاة عن مرتبات باقي الموظفين العاديين وإخضاعهم إلى سلم منفصل تماما عن سلم أولئك، وترك زيادة أمور مرتباتهم منوطا بالمجلس الأعلى للقضاء لا بيد السلطة التشريعية.
ثالثا: ترقية القضاة
يخب لضمان استقلال القضاء الحيلولة دون تدخل السلطة التنفيذية في ترقيات القضاة وترك السلطة القضائية تضطلع بهذه المهمة دون مشاركة من أحد.
لقد نصت المادة (23) من النظام الأساسي لرجال القضاء على أنه تقع ترقية القضاة درجة ورتبة وتتم بصفة مستمرة من درجة إلى أخرى ومن رتبة إلى أخرى، ولا يمكن ترقية أي قاض إلى الدرجة الأعلى ضمن حدود المناصب الشاغرة أن لم يكن مسجلا بلا لائحة الأهلية ولا يسجل في هذه اللائحة إلا القضاة القائمون بمهامهم، ولا يعتبر القاضي في حالة القيام بمهامه إلا إذا كان معينا بصفة نظامية في إحدى الدرجات، ويمارس فعليا وظيفته بإحدى المحاكم أو إحدى مصالح الإدارة المركزية لوزارة العدل، ويشترط لكي يتم تسجيل القاضي في لائحة الأهلية توافر أقدمية لمدة خمس سنوات في الدرجة عند وضع اللائحة، غير أنه لا يمكن أن يسجل في لائحة الأهلية للترقية إلى الدرجة الثانية إلا القضاة الذين بلغوا الرتبة السابعة من الدرجة الثالثة.
وتعتبر عند وضع لوائح الأهلية الشهادات الجامعية التي يتوفر عليها المعنيون بالأمر مع كفاءتهم واستعدادهم لمزاولة المهام الموازية للدرجة العليا.
ويتقيد الترقي من رتبة إلى أخرى بالأقدمية والنقط التي يحصل عليها القاضي ضمن الشروط المحددة بالمرسوم يهيئ وزير العدل ويحصر سنويا لائحة الأهلية بعد استشارة المجلس الأعلى للقضاء ويحدد مرسوم شروط القضاة وكيفية تحضير لائحة الأهلية.
ويرى البعض أن الترقية مهما أحيطت بسياج من الضمانات فأنها تتنافي مع ما يجب أن يتمتع به القاضي من استقلال ذلك ولو أخذنا بمعيار الكفاءة كأساس للترقية فأن ذلك يعني إخضاع عما القاضي للتقييم وهذا ينتقص من شأن القاضي لأن الأمر لا يحتمل تعددا في مراتب الكفاءة بالنسبة للقضاة، وإنما هو ينحصر في أمرين:
إما أن القاضي صالح للوظيفة فيبقى، أو غير صالح فينحى.
لذلك يفضل الكثيرون النظام القضائي البريطاني الذي يكاد لا يعرف مبدأ الترقية، إلا أن الأخذ بهذا النظام يوجب إجراء تغيير في نظام القضاء وبنيته وذلك بالارتفاع بمرتبات القضاة إلى أعلى مستوى، وألا يكون التفاوت كبيرا بين أدنى مرتب للوظائف القضائية وبين أعلاها إجلالا لوظيفة القاضي أيا كان مستواها هذا وقد علق الروائي الفرنسي “بالزاك” وهو رجل قانون على موضوع الترقية في القضاء بقوله: (مهما يكن امر القضاء، فان تنظيمه علي أساس تفاوت الدرجة في الترقية محفوف بالمحاذير، ومن شأنه أن يهدد نزاهة القضاء).
رابعا: المسؤولية التأديبية والجنائية والمدنية للقضاة:
عندما يفصل القاضي في النزاعات المعروضة عليه فأنه يتمتع باستقلال كامل في إصدار الحكم قصد الفصل في الدعوى، وإذا ما أخطأ فأن حكمه هذا يكون معرضا للإلغاء بطريق من طرق الطعن، ولا يعرضه للمساءلة التأديبية.
يستدعي المجلس الأعلى للقضاء في أقرب اجل ممكن وتسوي بصفة نهائية حالة القاضي الموقوف داخل أجل أربعة أشهر ابتداءا من يوم تنفيذ القرار.
يتقاضى القاضي مرتبه بأكمله ويحق له استرجاع المبالغ المقتطعة منه إذا لم يصدر أي مقرر في شأنه عند انصرام الأجل المشار إليه سابقا أو لم تصدر ضده أية عقوبة أو صدرت عنه عقوبة من الدرجة الأولى.
لا تسوى نهائيا وضعية القاضي الذي وقعت متابعته جنائيا إلا عند صيرورة الحكم الصادر غير قابل للطعن ولا تطبق خلال هذه المدة مقتضيات الفقرة السابقة المتعلقة باسترجاع المرتب بأكمله.
ويحق للمعني بالأمر إذا انتهت المتابعة الجنائية استرجاع المبالغ المتقطعة من مرتبه عند وجوده بالنسبة إلى المتابعة التأديبية في الحالة المشار إليها في الفترة السابقة، وتجدر الإشارة في النهاية إلى أن القاضي الذي غادر عمله بدون مبرر ينظر بالرجوع إليه داخل السبعة أيام الموالية لتبليغ الإنذار إليه، ويمكن أن تصدر ضد المعني بالأمر إذا لم يستأنف عمله بعد مرور هذا الأجل عقوبة العزل مع الاحتفاظ بحقوقه في راتب التقاعد أو الحرمان منها بظهير بعد استشارة المجلس الأعلى للقضاء، ويسري مفعول هذه العقوبة من يوم مغادرته لعمله دون مبرر، كما تطبق عليه كل هذه المقتضيات بقوة القانون على القاضي الذي يتخلى عن العمل قبل التاريخ المحدد لقبول استقالته (المادة: 63).
أما فيما يخص المساءلة المدنية فينبغي أن يكون هناك نظام خاص بالمسؤولية المدنية للقضاة عما يصدرونه من أحكام حتى لو شابتها الأخطاء ويذكر الفقه الدستوري في هذا الشأن أن مبدأ المسؤولية من المبادئ الرئيسية في الحكومة الدستورية، ويفترض هذا المبدأ مساءلة كل مسؤول في الدولة ما يرتكبه من أخطاء تصيب الغير بالضرر وعلى الرغم من أن القضاء جزء هام من أجزاء الحكومة الدستورية إلا أنه وجد من الضروري أن يعفي تماما من أي تطبيق لمبدأ المسؤولية المدنية إذا كانت تتعلق بأخطاء يمكن أن يكون القاضي قد ارتكبها أثناء ممارسته وظيفته، ويستثنى من ذلك الحالات التي تعمل في حناياها الانحراف الجسيم بالسلطة أو انعدام الخلق النزيه أو عدم الكفاءة اللازمة للاستمرار في الوظيفة.
وفي نطاق المسؤولية المدنية أو ما يسمى بمخاصمة القضاة لم يقبل المشرع المغربي مبدأ المسؤولية إلا في الأحوال الأتية:
1- إذا ادعي ارتكاب تدليس أو غش أو غدر من طرف قاضي الحكم أثناء تهييئ القضية أو الحكم فيها أو من طرف قاضي من النيابة العامة أثناء قيامه بمهامه.
2- إذا قضي نص تشريعي صراحة بجوازها.
3- إذا قضي نص تشريعي بمسؤولية القضاة يستحق عنها تعويض.
4- عند وجود إنكار العدالة (المادة 391)
ويعتبر القاضي منكر العدالة إذا رفض البث في مقالات أو إهمال إصدار الأحكام في القضايا الجاهزة بعد حلول موعد تعيينها في الجلسة (المادة 392).
ويعتبر أيضا منكر العدالة إذا رفض البث في مقالات أو أهمل شخصيا بعد أجل خمسة عشر يوما بين الأول والثاني.
ويقوم بهذين الأخطارين طبقا للشروط الخاصة بإثبات الحالة والإنذارات – رئيس كتابة الضبط بالحكمة التي تعلو مباشرة المحكمة التي ينتمي إليها القاضي أو رئيس كتابة الضبط بالمجلس الأعلى، إذا تعلق الأمر بقضاة من محكمة الاستئناف أو من المجلس الأعلى ولا تتم الإجراءات إلا بطلب مكتوب موجه مباشرة إلى رئيس كتابة الضبط المختص من طرف المعني بالأمر ويجب على كل رئيس لكتابة الضبط أحيل عليه الطلب أن يقوم بالإجراءات القانونية اللازمة في ذلك وألا تعرض للعزل، كما نصت المادة 394 على أنه يمكن مخاصمة القاضي بعد بقاء الأخطارين السابقين بدون جدوى.
والحقيقة أن المشرع المغربي أحسن صنعا بحصر المسؤولية المدنية للقاضي في حالات قليلة لأن المصلحة العامة تقضي بأن يكون لدى القاضي الحرية في ممارسة وظيفته بدون خوف من العواقب وبدون تقرير هذا المبدأ لا يستطيع أن يمارس وظيفته باطمئنان وثقة، لأنه سيكون في حالة خوف دائم مما قد يرفع عليه من دعاوى في شأن تصرفات يكون قد أتاها أثناء نظره في الدعاوى والبث فيها.
إلا أنه قد يقع ما يعرضه لهذه المساءلة فتكون إذ ذاك مساءلته ضرورية وذلك لحسن سير العدالة ومن الصعب جدا أن نعرف الخطأ أو نحدد مقدما الوقائع التي يمكن أن تكون سببا لمسؤولية القاضي التأديبية، وقد عرف المشرع الفرنسي خطأ القاضي بأنه: (كل مخالفة لواجباته أو مقتضيات وظيفته أو اذا قام باي عمل مخل بالشرف أو لا يتفق وكرامة القضاء).
أما في المغرب فقد نصت المادة 58 من النظام الأساسي لرجال القضاء على أنه: (يكون كل إخلال من القاضي بواجباته بواجباته المهنية أو بالشرف أو بالوقار أو بالكرامة خطأ من شأنه أن يكون محل عقوبة تأديبية).
وتطبيق على القضاة العقوبات التأديبية التالية:
الدرجة الأولى:
1)- الإنذار.
2)- التوبيخ
3)- التأخير عن الترقي من رتبة إلى رتبة أعلى لمده لا تتجاوز سنتين.
4)- الحذف من لائحة الأهلية.
الدرجة الثانية:
1)- التدحرج من الدرجة.
2)- الإقصاء المؤقت من عن العمل لمدة لا تتجاوز ستة أشهر مع حرمانه من أي مرتب باستثناء التعويضات.
3)-الإحالة على التقاعد التلقائي أو الانقطاع عن العمل إذا لم يكن للقاضي الحق في راتب التقاعد.
4)- العزل مع حذف الحقوق في التقاعد أو الحرمان منها.
يمكن أن تكون العقوبتان الأخيرتان من الدرجة الأولى مصحوبتين بالنقل التلقائي.
تكون العقوبة الأولى والثانية من الدرجة الثانية مصحوبة دائما بالنقل التلقائي (المادة 59 ن أ ر ق).
ويجب أن تضطلع بمهمة تأديب القضاة هيئة قضائية لا أن يترك أمر بحثها إلى هيئة غير قضائية، فتكون هذه خاضعة لأوامر الحكومة وتوجيهاتها.
وقد نصت المادة 60 ن أ ر ق على أنه تصدر العقوبات بعد استشارة المجلس الأعلى للقضاء بقرار لوزير العدل بالنسبة لعقوبات الدرجة الأولى وبظهير بالنسبة لعقوبات الدرجة الثانية.
وينهي وزير العدل إلى المجلس الأعلى للقضاء الأفعال المنسوبة للقاضي، ويعين بعد استشارة الأعضاء المعنيين بقوة القانون مقررا يجب أن تكون درجته أعلى من درجة القاضي المتابع ويحق لهذا الأخير الاطلاع على الملف وعلى جميع مستندات البحث باستثناء نظرية المقرر.
ويشعر القاضي علاوة على ذلك قبل ثمانية أيام على الأقل بتاريخ اجتماع المجلس الأعلى للقضاء للنظر في قضيته كما يمكن للمجلس الأعلى للقضاء أن يأمر بإجراء بحث تكميلي قبل البث في القضية.
وتجدر الإشارة إلى أنه يمكن للقاضي المحال على المجلس الأعلى للقضاء أن يؤزر بأحد زملائه أو أحد المحامين ويحق للمساعد المعين الاطلاع على المستندات.
وعند وجود متابعة جنائية يمكن للمجلس الأعلى للقضاء أن يوقف النظر إلى أن يقع البث فيها بصفة غير قابلة للطعن وقد نصت المادة 62 ن أ ر ق على أنه يمكن توقيف القاضي حالا عن مزاولة مهامه بقرار لوزير العدل إذا توبع جنائيا أو ارتكب خطأ خطيرا.
ينص قرار توقيف القاضي على ما إذا كان المعني بالأمر يحتفظ بمرتبه طيلة مدة توقيفه أو يحدد القد الذي سيقتطع له منه باستثناء التعويضات العائلية التي يتقاضاها بأكملها.
خامسا: عدم تعطيل الأحكام القضائية أو رفض تنفيذها من طرف السلطة الإدارية.
لتوضيح هذه الضمانة سأورد مثالا وقع في جمهورية مصر العربية، فلقد جاءت وكالة فرانس بريس بخبر صغير من القاهرة يقول أن محكمة جنح قصر النيل بالقاهرة وهي المحكمة التي يرأسها قاضي شجاع هو الأستاذ حسين العقاد قد حكمت بحبس الجنرال محمد صلاح الدين مدير امن القاهرة والكومسير أحمد بكر ضابط قسم البوليس بقصر النيل لمدة ثلاث أشهر مع الشغل وعزلهما من وظيفتهما لأنهما امتنعا عن تطبيق الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري لصالح الدكتور عبد المحسن حمودة بإقامة احتفال بذكرى الزعيم المصري مصطفي النحاس ورغم هذا الحكم فأن مدير أمن القاهرة وكومسير شرطة قصر النيل قاما بتعطيل إقامة هذا الاحتفال خلال فترة طويلة.
أن ما يهمنا في هذا الحكم هو ما تضمنته حيثياته التي جاء فيها بأن صدوره هو تأكيد لحجية الأحكام القضائية وضرورة احترامها استنادا لمبدأ سيادة القانون التي هي الحماية الحقيقية للمجتمع وأن لا أحد فوق القانون وهكذا فأن القضاء في مصر يعطي العالم الثالث من حين لأخر الدروس والعبر لا فقط من حيث سلامة الأحكام بل لأن القضاة يتوفرون على الجرأة والشجاعة مما يمكنهم من الصمود والوقوف في وجه كل التجاوزات والخروقات التي تحلو ممارستها لبعض من يتولى بعض مواقع المسؤولية في الشرطة وغيرها من الأجهزة التنفيذية والذين لا بد وأن يخضعوا للقانون كغيرهم من الناس الذين يخطئون في حق المجتمع.
أما في المغرب فلا يزال بعض رجال السلطة الإدارية يتولون الفصل بين الخصوم وينزلون العقاب بمن يرون، رغم أن هؤلاء الرجال (الباشوات، القواد، الخلفاء) قد أزيلت عنهم الاختصاصات التي كانوا يزاولونها في مجال القضاء، إلا أنهم لم يتخلوا عنها بكيفية قاطعة بحيث لم يعودوا يتدخلون في تلك الشؤون من قريب أو من بعيد، بل أنهم لم يتخلوا عنها بكيفية قاطعة بحيث لم يعودوا يتدخلون في تلك الشؤون من قريب أو بعيد، بل أن بعض رجال السلطة التنفيذية لا يتورعون عن مضايقة القضاة الذين لا يعملون بتعليماتهم ولا ينفذون أوامرهم في القضايا المعروضة عليهم، بل لا يتورعون أحيانا أن يلقوا عليهم القبض ويفتشوا مساكنهم.
لهذا يجب على السلطة التنفيذية احترام مبدأ فصل السلط وذلك بعدم التدخل في اختصاصات السلطة القضائية، كما يجب حماية حرمة القضاء من تعسف رجال السلطة الإدارية ومتابعة كل من مس بهذا المبدأ.
لقد جاء أعيان لندن إلى رئيس وزراء بريطانيا “بنجمان ديزرايلي” يشتكون له من فساد الوضع فسألهم عن رأيهم في أحوال القضاء فأجابوا بأنه نزيه فقال لهم: “أبشروا يا قوم فلا خوف على مجتمع يتحكم فيه قضاء نزيه وينعم بسيادة القانون”.
المبحث الثالث : حيده القضاء:
من الواجبات المفروضة على القاضي أن يكون محايدا وأن يتصف قضاؤه بالحيدة، وحيدة القضاء هي ضرورة حتمية لاستقلاله، وبالتالي لنزاهة هذا القضاء بحيث يجب على القاضي عند الفصل في المنازعات أن يلتزم بما يمليه ضميره وحسن سير العدالة. وتعني حيدة القضاء عدم الاشتغال بالعمل السياسي، فحفاظا على استقلال القضاء يحذر على القاضي إبداء آراء سياسية أو الاشتغال بالسياسة أو الدخول في المنازعات الحزبية أو ترشيح نفسه للانتخابات في الهيئات أو التنظيمات السياسية، فإذا رغب في ذلك عليه أن يقدم أولا استقالته. ذلك أن ممارسة العمل السياسي تتنافي مع ممارسة العمل القضائي.
وقد احتكم الناس من قديم إلى القضاء فصوروه دائما أنه جبهة محايدة يمكن الاطمئنان إلى حكمها بالاطمئنان إلى حيدتها ولهذا السبب رمز إلى العدالة بامرأة معصوبة العينين تمسك بالسيف في يد وبالميزان في يد أخرى.
وقد نصت المادة 13 من النظام الأساسي لرجال القضاء على حيدة القضاء فبمقتضاها يحب أن يحافظ القضاء في جميع الأحوال على صفات الوقار والكرامة التي تتطلبها مهامهم ويمنع على الهيئة القضائية كل نشاط سياسي وكذا كل موقف يكتسي صبغة سياسية ويمنع عليها أيضا كل عمل من شأنه إيقاف أو عرقلة تسيير المحاكم.
يظهر لنا أن أول شرط يتطلب في حيدة القضاء أن يبتعد القاضي عن الاشتغال بالسياسة لكن نتساءل ما معنى هذا الشرط؟ هل يعني أن يكون هناك حاجز مطلق بين القضاء والسياسة فإذا كان الجواب بالإيجاب فأن هذا الأمر غير صحيح لأن القضاة مواطنون ومن حقهم بل من واجبهم أن يكون لهم إلمام تام بالتطورات الاجتماعية والاقتصادية وكذلك السياسية للدولة التي ينتمون إليها لكن مبدأ الحيدة يمنع عليه الانتماء السياسي إلى حزب معين يجعلهم ينحرفون عن طبيعة الحيدة.
فالقضاة لهم حقوقهم السياسية ولهم تفكيرهم السياسي ولا يمكن عزلهم عن مشكلات بلدهم وأن ممارستهم للحقوق السياسية هي ممارسة مشروعة إذا كان لا ينتج عنها إخلال بطبيعة المحايدة.
نتساءل أيضا: ما حكم الشخص الذى كان له انتماء حزبي وأراد الاشتغال بالقضاء؟.
الواقع أن الانتماء السياسي السابق لا يجب أن يكون حائلا بين صاحبه وبين العمل في القضاء وكل ما يعنيه حذر الانتماء السياسي على القضاة، أن لا يكون القاضي مندوب حزب فوق منصة القضاء فبمجرد أن يؤدي القاضي اليمين فأنه ينقطع ما بين القاضي وبين ماضيه الحزبي، لأنه لا يمكن أن يتوفر للقاضي استقلاله إذا استمر في حزبيته بحيث يكون ملتزما بتعليمات وأوامر الحزب ويكون معرضا للحساب والمساءلة إذا ما خالفهما.
فالذي يفرض مبدأ الحياد على القضاء هو أن لا يكون القضاء ذو طابع سياسي لأن من شأن ذلك أن يهدد بحرمة القضاء ونزاهته كما أنه لن يخضع لحك القانون بل سيكون خضوعه للحكام وفي هذا الشأن قال وزير خارجية فرنسا سابق: (إذا دخلت السياسة حرم القضاء خرجت منه العدالة حتما).
والسبب في عدم صبغ القضاء بطابع السياسة هو أن ميدان السياسة ميدان نجد فيه بجانب المبادئ والمثل العليا والتضحيات، المصالح والرياء والشهوات لذلك كان حتما أن يبتعد القاضي عن ذلك الميدان.
وذلك لكي يضمن أداء رسالته أداء حسنا تلك الرسالة التي تتجلى في العدالة.
وفي الأخير فأن الحيدة لا تعني فقط الابتعاد عن الاشتغال بالسياسة وإنما تعني كذلك الابتعاد عن كل ما من شأنه أن يخل بهذه الحيدة، فمثلا: لا يجب أن يقع القضاة تحت تأثير ضغط شعبي داخل المحكمة وخارجها.
ولهذا قضت المحكمة العليا الأمريكية في سنة 1923 أن المحاكمة التي يسيطر على جوها الغوغاء لا يمكن أن تعتبر محاكمة نزيهة عادلة.
وضعية القضاء المغربي:
سبق أن أشير إلى أن المهمة الرئيسية التي يقوم بها القضاة هي تفسير القانون، لهذا كان من الواجب إذا ما أردنا أن تفسر لقوانين بعدل وتطبق بنزاهة، أن يتمتع القضاء بوضع مستقل وأن يكون متحررا من الضغوط السياسية التي تتولد عن ارتباطه إما بالسلطة التنفيذية أو حتى السلطة التشريعية نفسها حيث من المحتمل أن تكون هذه الأخيرة خاضعة للانقسامات الناجمة عن السياسات الحزبية.
لقد تعمدت في كتابة هذا البحث المتواضع القاء نظرة على مختلف التجارب العالمية في مجال استقلال القضاء مند ظهور هذا المبدأ إلى الأن وذلك بقصد المقارنة بين نظامنا القضائي وجميع الأنظمة السياسية خاصة النظام الأمريكي والبريطاني حيث يتمتع القضاء بسلطة قوية أما بخصوص الدول العربية فلقد أعطى القضاء المصري بعض الإشارات على استقلاليته بالرغم من جميع العراقيل التي توضع أمامه.
وبخصوص المغرب فأن هناك إرادة سياسية عليا تتبنى مبدا استقلال القضاء والتي امرت بفتح هدا الورش فجميع الخطب الملكية الأخيرة أكدت على ضرورة إصلاح القضاء بل أن الخطاب الملكي الأخير بمناسبة افتتاح دورة البرلمان أعطى فيه الملك إشارة قوية حيث سمى الأمور بمسمياتها فسمى القضاء بالسلطة القضائية.
أن إيماننا بمبدأ استقلال القضاء أو بمبدأ فصل القضاء عن السلطتين التنفيذية والتشريعية يجعلنا نطالب بالعمل على تحقيق هذا المبدأ في بلادنا وتطبيقه تطبيقا صحيحا وواقعيا، فلا يكفي التنصيص على المبدأ في الدستور بل لا بد أن يمارس المبدأ بصورة فعلية وبكيفية عملية، بحيث يتجلى لنا عند اللجوء إلى القضاء أن هناك قضاء مستقلا ونزيها وقويا . لأن الهدف الرئيسي من استقلال القضاء هو صيانة حقوق هؤلاء الذين يلجأون إليه، مؤمنين أن الملجأ الوحيد لحماية الحق ونصرته، وإزهاق الباطل وهزيمته.
وكل ذلك لن يتحقق إلا عن طريق شروط وضمانات لا بد من توافرها فيمن يعملون بالقضاء ومن هذه الشروط النزاهة وهي روح القضاء، والاستقامة والكفاءة الفنية وعفة النفس والترفع عن الأغراض واتقاء الشبهات.
أما إذا لم يتوافر في القاضي شرط من هذه الشروط واصبح الأشخاص الذين يلجأون إلى القضاء لحماية حقوقهم يخشون على حقوقهم من الطغاة أنفسهم ويضطرون من أجل التوصل إليها إلى استعمال وسائلهم الغير المشروعة لحمايتها.
أن تطبيق مبدأ استقلال القاضي في وضعية كهذه يؤدي بالضرورة إلى الفوضى والاضطراب الاجتماعي حيث يشكل خطرا على قضايا الأفراد وحقوقهم وبالتالي يصبح عاملا هداما لكيان الدولة وسمعتها.
لهذا كان من الضروري قبل إعطاء القضاء سلاحهم الذي هو الاستقلال عن كلا السلطتين التشريعية والتنفيذية أن نقوم أولا بتقويم القضاة وتقييمهم لجعله كفيلا باسترجاع الثقة والشفافية.
لهذا أقترح وربما سبق آخرون إلى هذا الاقتراح إعادة النظر في الظهير المعتبر بمثابة قانون والمتعلق بالنظام الأساسي لرجال القضاء، ويجب أن يحدد فيه نطاق مبدأ استقلال القضاء ومدى ممارسة القضاة لهذا الاستقلال حتى يتأتى التوسط بين الأفراط والتفريط الباديين في المجال المطبق حاليا.
كما يجب مراجعة النصوص المتعلقة بتأليف المجلس الأعلى للقضاء مع توسيع اختصاصاته وتمكين مكونات أخرى في المجتمع كالمحامين والأساتذة الجامعيين من التمثيلية داخل هذا المجلس كما يجب أن يكون المجلس مؤسسة مستقلة بداتها لها ميزانية مستقلة عن وزارة العدل ومقر خاص بها مع تمكينها من اقتراح تصوراتها في مجال السياسة العامة المرتبطة بأمور العدالة مع توضيح مهامه باعتباره الركيزة الأساسية المعول عليها في تركيز مبدا استقلال القضاء مع تمكينه من ملفات القضاة لتتبع مسيرتهم مند التعيين إلى الإحالة على التقاعد.
وكذلك يجب دعم استقلال النيابة العامة عن وزير العدل.
وفي مجال اختيار القضاة يجب وضع معايير موضوعية تنبني على التجربة والكفاءة والنزاهة كأسس للترقية والتعيين كما يجب دعم استقلال المعهد العالي للقضاء عن وزارة العدل.
ويجب مراقبة جودة الأحكام بخلق الية لتقييم هاته الأحكام وتشجيع الاجتهاد القضائي على جميع درجات التقاضي وذلك كله من اجل إقرار عدالة نزيهة، وقضاء متوفر على الضمانات الضرورية لحفظ كرامة القاضي وصيانة حقوق المتقاضين.
وهذا هو السبيل لضمان سلامة كيان الدولة وحفظها من الهزات العنيفة التي – غالبا – ما يكون الظلم والاستهتار بحقوق الناس سببا لها وحافزا على إثارتها.


