” الوسائل الحديثة لإثبات المخالفات في مدونة السير: إشكالية الضبط، إمكانيات المنازعة ورقابة القضاء”
إعداد
ذ/ يوسف وهابي
المحامي بهيئة الجديدة
تقديم:
جاءت مدونة السير الجديدة لتحل محل قوانين ترجع إلى فترات الخمسينات والستينات والسبعينات من القرن الماضي، ومن الطبيعي أن يتضمن النص الجديد تحولات كبرى على مستوى الإثبات بالنظر إلى التطور الذي عرفة المجتمع على كافة المستويات.
لذلك عرف إثبات المخالفات المرورية نقلة نوعية من خلال تقنين وسائل حديثة لإثبات المخالفات لا شك أنها ستؤثر على تشريعات أخرى وستطرح إشكالات عديدة أمام القضاء.
وهذا يدفعنا إلى التطرق لوسائل الإثبات الحديثة وما تثيره من إشكاليات على مستوى الضبط وإمكانيات المنازعة والدفاع المتاحة لمستعملي الطريق ونطاق رقابة القضاء وامتدادات سلطته التقديرية على مستوى تحديد المستويات.
المحور الأول:
الوسائل الحديثة لإثبات المخالفات وإشكالية الضبط
أولا: تقنيات وأجهزة الضبط الآلي:
إلي عهد قريب كانت وسائل المستعملة لإثبات المخالفات وظروف حوادث السير لا تخرج عن وسائل إثبات تقليدية تتمثل في الاعتراف وشهادة الشهود والاستعانة بالصور الفوتوغرافية وآثار الفرامل والرسوم البيانية والحالة الميكانيكية للمركبات والمعاينات المجردة لضباط الشرطة القضائية.
أما الآن فإن التطور التكنولوجي كان له أثر كبير في توسيع نطاق وسائل الإثبات وتطعيمها بوسائل تقنية حديثة تتناول فيما يلي أهمها:
- آليات المعاينة التقنية:
يدخل في إطار آليات المعينة التقنية رادارات مراقبة السرعة الثابتة أو المتحركة وكاميرات المراقبة وأي جهاز قياس آخر يعمل بطريقة آلية يمكن من تقديم دليل مادي علي ارتكاب المخالفة. وهذه العبارة التي استعملها المشرع في الفقرة الأخيرة من المادة 85 “وآي جهاز قياس آخر بطريقة آلية” تترك الباب مفتوحاً لاستيعاب كافة الاختراعات التكنولوجية والرقمية التي سيخترعها العقل البشري وتساعد في كشف المخالفات المرورية.
والجديد هو أن هذه الآليات والأجهزة التقنية يمكنها معاينة وإثبات المخالفات المرورية حتى في حالة عدم وجود العون محرر المحضر بمكان المخالفة.
وتعمل هذه الآليات والأجهزة بارتباط بنظام المراقبة والمعاينة الآلية للمخالفات وهو نظام يشرف عليه أعوان منتدبون من طرف وزارة النقل.
ويتم وضع هذه الأجهزة في أماكن وتسجل مجموعة من المعلومات حول مخالفات السير ويوضع محضر لكل مخالفة ولا يتطلب هذا المحضر توقيع المخالفات استثناء من المادة 24 من القانون من القانون المسطرة الجنائية التي تنص على توقيع المصرح أو الإشارة إلى رفضه التوقيع مع بيان أسباب الرفض.
- آليات معاينة السياقة تحت تأثير الكحول:
تمر مرحلة معاينة السياقة تحت تأثير الكحول بمرحلتين:
مرحلة أولى وهي مرحلة اشتباه يتم فيها الفحص بواسطة رائز للنفس وهو جهاز يتم النفخ فيه للكشف عن مستوى تشبع الهواء المنبعث من الفم بالكحول. وفي حالة وجود علامات دالة على هذا الاشتباه يتم الانتقال إلى مرحلة التحاليل والفحوصات الطبية السريرة والبيولوجية الرامية إلى إثبات الحالة الكحولية، ويتم ذلك عن طريق أخذ نسبة من الدم وإخضاعها للتقارير المختبرية .
ويتم استخدام هذه الوسائل من طرف ضباط الشرطة القضائية إما بتعليمات من وكيل الملك أو بمبادرة منهم ويخضع لها من يأتي ذكرهم:
- كل من يفترض أنه ارتكب حادثة سير أو اشترك في حدوثها حتى ولو كان هو الضحية.
- كل من يسوق مركبة أو مطية على الطريق العمومية ويرتكب مخالفة لمدونة السير.
ويلجأ إلى هذا الفحص حتى في حالة عدم وجود أية علامة على السكر البين.
ونفس الشيء يطبق على معاينة حالة السياقة تحت تأثير مواد مخدرة أو أدوية.
3- تقارير البحث التقني والإداري للجان البحث في حوادث السير المميتة:
أوجبت مدونة السير إجراء بحث تقني في كل حوادث السير المميتة والذي تقوم بانجازه لجنة وطنية ولجان جهوية تقنية وإدارية تحدث من طرف وزارة النقل، ويكون هذا البحث موضوع تقرير يوجه إلى النيابة العامة وإلى المحكمة المختصة لأخذه بعين الاعتبار في تحديد مسؤولية الأطراف.
والجديد في هذا البحث هو طابعه التقني أنه سيستند إلى معلومات فنيين وخبراء في مجال حوادث السير والذين يمكنهم تحديد الأسباب التي أدت إلى وقوع الحادثة استناداً إلى معطيات علميه , وهذا سيقوم دون شك معطيا مهمه من شانها اناره المحكمة للوصل الي تقدير جيد للمسؤولية.
ثانياً: صعوبات وضمانات الضبط الآلي:
1- صعوبات الضبط الآلي:
لا شك أن استخدام هذه الآليات ستعترضه عدة صعوبات وعراقيل، فمن المعلوم أن عملية الضبط الآلي إنما تنصب بالأساس على المركبات وليس على السائقين، وبالتالي فإن المركبة موضوع المخالفة قد تكون مسروقة أو يستعملها شخص ما دون إذن مالكها، أو قد تكون أرقام المركبة مزيفة، أو تحمل المركبة صفيحة مركبة أخرى.
ومن جهة أخرى فإن مدونة السير تنص على وضع هذه الآليات في أماكن محددة، أي أماكن ستصبح مع مرور الوقت معروفة ومشهورة وبالتالي سيتعامل معها السائق بمنطق المناورة فيتخذ احتياطاته كلما اقترب من محيط هذه الآليات، وبعد أن نمر يمر بسلام يرجع لعاداته القديمة في السياقة. مع أن المفترض هو أن تكون أماكن وضع هذه الآليات متجددة ومتنقلة لضمان مزيد من الفعالية. ثم ما هو الامتداد المكاني التي يمكن أن تغطيه هذه الآليات، هل ستشمل كل المناطق، كل الجهات أم ستقتصر على بعض المحاور الطرقية الكبرى؟
وفيما يخص آليات وتقنيات معاينة السياقة تحت تأثير الكحول أو المخدرات أو الأدوية، فإن تشغيلها والعمل بها يحتاج الى إمكانيات ضخمة والتساؤل يطرح بعمق حول مدى توفر هذه الإمكانيات خاصة وأن حوادث السير والمخالفات يمكن أن ترتكب في كل ربوع المملكة بمدارها الحضري والقروي بما فيها المناطق النائية التي تبتعد بمسافات طويلة عن المراكز الحضرية التي يمكن افتراض توفرها على مختبرات قادرة على تحليل عينات الدم لإثبات حالة التخدير أو تناول الأدوية أو الكحول.
ويمكن أن نضيف إلى هذه الصعوبات طريقة تعامل الأفراد معها، فمن المعلوم انه كلما اخترع المشرع وسائل جديدة لضبط الجرائم كلما اجتهد المخاطبون بالقانون باختراع أساليب جديدة للمناورة والتملص من الضبط والعقاب، ولذلك سيلجأ بعض السائقين دون شك إلى البحث عن آليات وأجهزة لكشف آليات الضبط الآلي أو لتعطيل عملها أو للتشويش عليها فهل وضع المشرع ضمانات لتأمين اشتغال هذه الآليات في أحسن الظروف؟
2- ضمانات الضبط الآلي:
لحسن الحظ أن المشرع انتبه إلى إمكانية التملص الآلي من عمليات الضبط الآلي، وخصص مادة قانونية لزجر هذه الأفعال من خلال المادة 165 التي جاء فيها: “يمنع وضع أو تكييف أو استعمال أو تركيب آلة أو جهاز أو مادة معدة إما لتكشف وجود أداة مستعملة لمعاينة المخالفات لأحكام هذا القانون والنصوص الصادرة لتطبيقه وإما للإخلال بسير تلك الأداة.
يعاقب على كل مخالفة لأحكام الفقرة السابقة بغرامة من خمسة ألاف (5000) إلى عشرة آلاف (10.000) درهم.
علاوة على ذلك، تأمر المحكمة بمصادرة الآلة أو الجهاز أو المادة المستعملة لارتكاب المخالفة المذكورة لفائدة الدولة.
غير أنه يمكن للمحكمة أن تأمر بمصادرة المركبة لفائدة الدولة، إذا تعذرت مصادرة الآلة أو الجهاز أو المادة السالفي الذكر”.
وقد اعتبر المشرع البيانات المتعلقة بالمصادفة وتواريخ مراقبة صلاحية الآلة من البيانات الإلزامية التي يجب أن تتضمنها محاضر المخالفات.
وإلى جانب الضمانات التي يوفرها المشرع لآليات الضبط الآلي، هناك ضمانات أخرى مخولة للمخالفين منها وجوب الاحتفاظ بعينة من الدم في حالة إنجاز التحقيقات الهادفة إلى إثبات الحالة الكحولية عن طريق التحاليل والفحوصات الطبية السريرية والبيولوجية، وهذا من شأنه تمكين المخالف من المطالبة لاحقاً بإجراء فحص طبي مضاد أو خبرة مضادة في حالة المنازعة.
مع العلم أن المعنى بالأمر الذي خضع للتحاليل بواسطة جهاز يمكن من تحديد تركز الكحول من خلال تحليل الهواء المنبعث من الفم يمكنه أن يطلب إنجاز مراقبة ثانية على نفقته وفي هذه الحالة يتعين إجراء هذه المراقبة بقوة القانون.
المحور الثاني:
إمكانيات المنازعة في الإثبات الناتج عن الوسائل الحديثة:
أولا: الجهات المختصة بتلقي المنازعات وإحالتها على المحكمة:
فتحت مدونة السير لكل مشتبه في ارتكابه مخالفة المجال للمنازعة في ثبوتها أو في نسبتها إليه.
وقد حددت مدونة السير الجهات التي يمكن أن تقدم إليها المنازعة وهي كالتالي:
- وكيل الملك: والمقصود طبعاً هو وكيل الملك المختص أي وكيل الملك لمحل ارتكاب المخالفة أو وكيل الملك لمحل سكني المخالف أو مكان اعتقاله.
- العون محرر المحضر الذي عاين المخالفة: إي ضابط أو عون الشرطة القضائية التابع للدرك الملكي أو التابع للأمن الوطني وكذا العون المكلف بمراقبة النقل والسير على الطرق التابع لوزارة النقل.
- المصلحة الصادر عنها الإشعار بالمخالفة: وذلك ففي حالة معاينة آلية، وهي المصلحة التي تشرف عليها أعوان تابعون لوزارة النقل.
طبعا المنازعة التي تقدم إلى العون محرر المحضر أو إلى المصلحة الصادر عنها الإشعار بالمخالفة يجب أن تحال على وكيل الملك المختص.
وتتكلف النيابة العامة بعد ذلك بإحالة المنازعة على المحكمة لتثبت في الموضوع.
ثانياً: شكليات وآجال المنازعة:
1- شكليات المنازعة:
ارتأى المشرع أن يحدد شكل المنازعة التي يمكن أن يتقدم بها المخالف، إذ اشترط أن تأخذ المنازعة شكل شكاية معللة تتضمن إشارة إلى أسباب المنازعة.
واشترط لقبول الشكاية من الناحية الشكلية القيام بالأداء عنها من خلال إيداع مبلغ الحد الأقصى للغرامة سواء تعلق الأمر بمخالفة من الدرجة الأولى أو الثانية أو الثالثة. وذلك مقابل وصل يسلم من طرف كاتبة ضبط المحكمة المختصة أو قابضة المالية.
2- أجل المنازعة:
يجب أن تقدم المنازعة داخل أجل محدد تحت طائلة عدم القبول وقد حدد هذا الأجل في 15 يوماً يبتدئ من اليوم الموالي ليوم ارتكاب المخالفة وهو أجل كامل لا يحتسب فيه اليوم الأخير.
المحور الثالث:
حجية الوسائل الحديثة لإثبات المخالفات بين حقوق الدفاع ورقابة القضاء:
أولا: الجبة الظنية لمحاضر المخالفات:
هل الدلائل المستخلصة من الوسائل الحديثة لإثبات المخالفات المرورية هي دلائل قطعية أم دلائل ظنية؟ وما هي الحجية الممنوحة لها من طرف المشرع؟ وما هي حدود السلطة التقديرية للقضاء في هذا الصدد؟ وما هي حقوق الدفاع المخولة للمخالفين في مواجهة هذه الآليات؟
إن البعض قد يقول إن هذه الآلات لا يمكن الطعن في دلائلهه لأنها لا تعرف المحاباة أو التحامل، ولا فرق عندها بين أبيض وأسود ولا بين عربي وعجمي، إنها عادلة إلى أقصى الحدود ولكن مهلا إن هذه الآلات معرضة هي أيضا للعطب والخطأ بل إنها قد تصاب بالجنون فتبدأ في الخبط خبط عشوائي، ولا ننسى أن الفيروسات التي تهاجم جسم الإنسان أصبحت أنواع أخرى منها تهاجم الأجهزة الالكترونية والرقمية.
إذن لا داعي للمبالغة ولا داعي لاستئمان هذه الآلات والوثوق بها إلى ما لا حدود؟
لذلك كان المشرع واقعيا حينما اعترف لهذه الوسائل بحجية ظنية وغير قطعية.
إن ما تشهد به هذه الآلات يوثق به ولكن لا مانع يمنع من إثبات العكس وهذا هو صريح المادة 196 التي جاء فيها “يوثق بمضمن المحاضر المحررة في مكان المخالفة، أو اعتمادا على التقييدات الالكترونية، بموجب هذا القانون إلى أن بثبت ما يخالف ذلك بأية وسيلة من وسائل الإثبات.”
وكذا المادة 202 التي نصت على ما يلي: ” يوثق بمضمن محاضر المخالفات التي ترتكز معاينتها على أدلة مادية تقدمها أجهزة تعمل بطريقة آلية، مع عدم وجود العون محرر المحضر في مكان ارتكاب المخالفة، إلى أن بثبت ما يخالف مضمن هذه المحاضر بأية وسيلة من وسائل الإثبات.”
ثانيا: قرائن الارتكاب وحقوق الدفاع:
لقد افتر المشرع قرائن قانونية لتفادي التملص من العقاب نجملها فيما يلي:
وهكذا إذا ارتكبت مخالفة مرورية بواسطة مركبة مسجلة في اسم شخص ذاتي ولم يتم التعرف على هوية السائق أثناء معاينة المخالفة أو تعذر التعرف عليه فيما بعد، اعتبرت المخالفة كما لو ارتكبها الشخص المقيد اسمه بشهادة تسجيل المركبة ويمكن إثبات ما يخالف ذلك بأية وسيلة
وفي حالة ارتكاب مخالفة مرورية بواسطة مركبة مسجلة في اسم شخص معنوي ولم يتم التعرف على هوية السائق أثناء معاينة المخالفة أو تعذر التعرف عليه فيما بعد، يجب على الأشخاص الذاتيين يمثلون الشخص المعنوي الكشف عن هوية السائق عند ارتكاب الأفعال وإذا لم يتمكنوا من ذلك يتعين عليهم الكشف عن هوية الشخص المسؤول عن المركبة وذلك داخل اجل 30 يوما التالية ليوم تبليغ الإشعار بالمخالفة.
إذا لم يكن الشخص المسؤول عن المركبة هو الذي كان يسوقها عند ارتكاب الأفعال وجب عليه الكشف عن هوية السائق وفق الكيفيات المحددة سالفاً. وفي حالة عدم احترام هذه المقتضيات اعتبرت المخالفة كما لو ارتكبها الشخص المقيد اسمه بشهادة تسجيل المركبة ويمكن إثبات ما يخالف ذلك بأية وسيلة.
إذن إثبات عكس ما ورد في محاضر المخالفات هو إمكانية مفتوحة لمالكي المركبات.
ومن جهة أخرى يجب أن تكون هذه المحاضر محررة طبقاً للقانون.
وقد نصت مدونة السير على مجموعة من المعلومات التي يجب أن يتضمنها المحضر ومجموعة من الواجبات والشروط التي يجب أن يتقيد بها محررو المحضر ومن بينها:
الواجب المتلقي على عاتق الضباط والأعوان المكلفون بإثبات مخالفات السير بحمل إشارة خاصة تظهر الاسم الشخصي والعائلي للضباط أو العون المعني وصفته وصورته ورقمه المهني.
كما لا يحق لهؤلاء اعتراض المركبات على الطريق السيار إلا عند محطات الأداء وعند نقط الخروج من الطريق السيار، بمعنى أن أي اعتراض خارج هذا الإطار يعتبر مخالفا للقانون وأية مخالفة تسجل ضمن الوضعية تكون خارج إطار القانون.
وفي إطار حقوق الدفاع فإن المخالفة إذا تعلقت بتجاوز السرعة المسموح بها دون أن يتعدى هامش التجاوز 10% و 7 كيلومترات في جميع الأحوال، فإن المخالفة المسجلة تكون محل منازعة وتتعرض للبطلان.
كما يفتح باب المنازعة إذا كان الإشعار بالمخالفة لا يتضمن بيانات كافية عن المخالفة كعدم بيان تاريخ المخالفة أو ساعتها أو وسيلة المراقبة المستعملة أو البيان المصور لصحيفة تسجيل المركبة التي ارتكب بواسطتها المحالفة.
أو عدم تضمن محاضر المخالفات للإشارة إلى طبيعة الآلة التقنية المستعملة وكذا بيانات المصادفة وتواريخ مراقبة صلاحية الآلة.
ـــــــــــ انتهى ــــــــــــ


