أخلاقيات المساءلة التأديبية في الوظيفة العمومية
ذ. الصديق حيدة
مفتش إقليمي رئيس بوزارة الاقتصاد والمالية
أستاذ جامعي زائر بكلية الحقوق بسلا
مقدمة:
لا شك أن مفهوم الوظيفة العامة قد تبلور في العصور الحديثة، أي عند تطور علم الإدارة وتشعبها في جميع المجالات، وأصبح الموظف العام يرتبط ارتباطا تنظيميا بالوظيفة العامة من حيث الواجبات والحقوق، مع التسليم بأن الأفراد مختلفون في القدرات والمهارات، إلا أن الكفاءة والجدارة في العمل من أهم الشروط الواجب توفرهما بالموظف العام، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المبدأ حيث قال سبحانه وتعالى “إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأَمِينُ”([343]).
وفي الفقه الإسلامي فإن تحديد مفهوم الوظيفة جاء من خلال ما تضمنته الآية الكريمة من قوله تعالى: “إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا وإذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا”([344]).
فهذه الآية الكريمة اعتبرت كل فرد في المجتمع مكلفا بواجبات نحو ربه ونفسه ومجتمعه، وعليه وفقا لهذا التكليف أن يخلص في العمل الذي أوكل إليه أو كلف به، ويتحمل المسؤولية والأمانة أمام الله ثم المجتمع.
مما يستخلص معه أن نظرة الإسلام للوظيفة أعم وأشمل، ذلك أنه ينظر إليها على أنها تكليفا وليست تشريفا أي أنها واجبا وليست حقا، والشاهد على ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: “إنا لا نولي هذا من سأله ولا من حرص عليه”([345]).
فهي إذن خدمة عامة تستهدف إشباع حاجات المواطنين المادية والنفسية، ويترتب على هذا المفهوم أن العمل في الدولة ليس للكسب فقط وإنما وسيلة لأداء واجب ديني، كما أن على الدولة واجب في قيامها بالبحث عن أجود الكفاءات التي يمكن أن يسند لها العمل([346])، فالموظف العمومي في الإسلام هو من يقوم بالعمل المسند إليه، ويؤديه بكفاءة وإخلاص، ويلتزم بالواجبات المفروضة عليه.
وإذا كانت أخلاقيات الوظيفة العمومية يراد بها مجموع النصوص القانونية، التي تحدد الواجبات والمسؤوليات التي يلقى بها على عاتق الموظف عند توليه الوظيفة، وكل خرق أو إخلال بأحد الواجبات يعرض صاحبه للمساءلة التأديبية.
فإن أخلاقيات المساءلة التأديبية هي مجموعة من الضوابط والضمانات التي يتعين على السلطة التأديبية مراعاتها عند المساءلة التأديبية، وإلا أضحت سلطة التأديب سيف عذاب مسلط على رؤوس الموظفين، يوظف من أجل خدمة أغراض شخصية، أو بقصد الانتقام، أو تحقيق مصالح طائفية أو حزبية أو سياسية…
وإذا كان المشرع المغربي جعل التأديب من حق السلطة التي لها حق التسمية، كلما أخل الموظف بواجباته.
الأخلاقية والمهنية، وذلك بعد استشارة المجلس التأديبي([347])، فإنه في المقابل أحاط الموظف بسياج محكم من الضمانات، الموضوعية منها والشكلية، والتي ترافقه منذ اقترافه للخطأ الموجب للعقوبة، إلى حين إصدار السلطة التأديبية لقرارها التأديبي([348]).
ولعل الأهمية التي يكتسيها هذا الموضوع، نظرا لكونه أنه يهم شريحة كبيرة من الموظفين العموميين، وباعتباره أيضا من المواضيع التي لا يصيبها التقادم في مادة الوظيفة العمومية طالما أن الموظف والوظيفة العمومية موجودان، خصصت هذه الدراسة للحديث عن موضوع أخلاقيات المساءلة التأديبية، وارتأيت معالجته انطلاقا من محورين أساسيين:
المحور الأول: سنخصصه للحديث عن الضمانات الموضوعية التي تكفل للموظف العمومي، اقتداء بالضوابط العامة المتعارف عليها والمرتبطة بتوقيع الجزاء التأديبي.
المحور الثاني: سنتطرق من خلاله للضمانات التي لها طابع شكلي وإجرائي، التي يتمتع بها الموظف طيلة مسيرة المساءلة التأديبية، بدءا بمواجهته بالمخالفات المنسوبة إليه، إلى حين صدور القرار الإداري الموقع للجزاء التأديبي، دون الحديث عن الضمانات اللاحقة لصدور القرار التأديبي.
المحور الأول:
الضمانات الموضوعية
لقد استقر الفقه والقضاء، على ضرورة إحاطة الموظف عند تعرضه للجزاء التأديبي، بقدر من الضمانات التي تمليها المبادئ القانونية العامة، في كافة المحاكمات الجنائية والتأديبية أيا كان مجالها، ودون حاجة إلى نص يقرر ذلك، باعتبارها من الضمانات التي تكفل حقوق الدفاع بشكل عام مهما كانت صفة المتهم أو المتابع.
أما التشريع، فهو وإن نظم البعض من هذه الضمانات، إلا أنه بات قاصرا عن استيعاب مجموعها، فاسحا المجال في ذلك لآراء الفقه، واجتهاد القضاء، لمنح المزيد منها أو بلورة مفهومها دون مغالاة، مراعيان في ذلك مصلحة الموظف المتابع، وغاية السلطة الإدارية مصدر العقوبة.
ولقد عمل الفقه والتشريع والقضاء، على بلورة وتنظيم مبادئ وضوابط بمثابة قانون أسمى للجزاء التأديبي، وذلك بهدف تحقيق سيادة القانون، وتأكيد حقوق الموظفين وضمانتهم عن طريق ضبط وتنظيم القواعد المتعلقة بالعقوبات التأديبية وضبط تصرفات السلطة التأديبية([349]).
ونظرا للسلطة التقديرية الواسعة المخولة لسلطة التأديب، فقد كان لابد من وجود قيود وضوابط تحكم توقيع العقوبة التأديبية من قبل السلطة التي لها حق التسمية.
وهذه أهم المبادئ التي يتوجب مراعاتها عند المساءلة التأديبية.
أولا: مبدأ شرعية العقوبة التأديبية
يراد بهذا المبدأ ضرورة توقيع إحدى العقوبات التأديبية المقررة من طرف المشرع دون السماح بإيقاع أي عقوبة أخرى حتى لو كانت أكثر ملائمة للمخالفة المرتكبة، فسلطة التأديب وإن كان لها صلاحية التقدير في اختيار العقوبة، إلا أن هذه الصلاحية مقيدة ومحدودة في إطار القائمة التي حددها المشرع، وبالتالي يمنع عليها توقيع عقوبة غير منصوص عليها في القانون. وهذه العقوبات محددة على سبيل الحصر التشريعي، وهي واردة في الفصل 66 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية ([350])، وإن كانت السلطة التأديبية غير ملزمة بتوقيع عقوبة معينة لكل خطأ وظيفي، وإنما تملك سلطة تقديرية في اختيار العقوبة الملائمة لنوعية المخالفة المرتكبة من قبل الموظف، وبذلك يختلف مبدأ شرعية العقوبة في المجال التأديبي عنه في المجال الجنائي.
فمبدأ الشرعية في القانون الجنائي، يشمل الجريمة والعقوبة، فلا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، إلا أن هذا المبدأ في التأديب، يقتصر على العقوبات دون الجرائم، فالمشرع لم يحدد- على سبيل الحصر- كل المخالفات التأديبية، لاستحالة ذلك، بل أرسى قاعدة عامة هي اعتبار كل خروج على واجبات الوظيفة ومقتضياتها مخالفة تستوجب التأديب([351])، ومنح السلطة التي لها حق التسمية سلطة تقديرية تحت رقابة القضاء الإداري لتحديد ما يعد خروجا على واجبات الوظيفة ما لم يوجد نص صريح بهذا التحديد.
وتوقيع الجزاء التأديبي يجب أن يكون من طرف السلطة التي أناط بها المشرع حق توقيعه. وفي هذا الصدد ينبغي التأكيد على مسألة أساسية وهي مسألة التمييز بين العقوبة التأديبية والقرار المجسد للعقوبة التأديبية، فالأولى تتخذها السلطة التي لها حق التسمية، إذ تنص الفقرة الأولى من الفصل 65 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية على: “تختص بحق التأديب السلطة التي لها حق التسمية…” وبالتالي أصبح التأديب مقتصرا على السلطة التي لها حق التسمية (الوزير أو الكاتب العام)، فهذه السلطة هي التي لها حق الموافقة على العقوبة المقترحة من طرف أعضاء المجلس التأديبي- باعتبار رأي هذا المجلس يبقى استشاري-([352])، أو رفضها إما بتخفيضها أو تشديدها، وفي حالة التشديد لابد من موافقة رئيس الحكومة. (الفصل 71 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية)، أما القرار التأديبي الذي يبلغ للموظف، ما هو إلا قرار يجسد العقوبة التأديبية الواردة في المحضر الموقع من طرف أعضاء المجلس التأديبي وكذا السلطة التي لها حق التسمية، بحيث يمكن أن يوقع هذا القرار من طرف أي مسؤول مكلف بتدبير الموارد البشرية في حالة وجود تفويض يسمح بذلك، بينما العقوبة التأديبية لا يمكن اتخاذها إلا من طرف السلطة التي لها حق التسمية. فقد جاء في قرار للمجلس الأعلى 11([353])، بأن “السلطة التي لها حق تعيين أو تأديب الطاعن باعتباره موظفا في مديرية السجون المدنية، هو وزير العدل وحده، إلا أن الثابت من القرار المطعون فيه، أن الذي قام بتبني وإصدار العقوبة المقترحة من طرف المجلس التأديبي وتوقيعه، هو مدير إدارة السجون، لا وزير العدل، الذي هو مختص وحده باتخاذ وإصدار مثل القرار المذكور تطبيقا لما يقضي به الفصل 65…”.
ثانيا: مبدأ وحدة الجزاء التأديبي
يقصد بمبدأ وحدة الجزاء التأديبي، عدم جواز معاقبة مرتكب مخالفة تستوجب التأديب بأكثر من عقوبة واحدة عن ذات المخالفة وخلال نفس الفترة الزمنية المرتكب فيها، وحيث إن إصدار الإدارة لعقوبتين مختلفتين تتمثل في التوبيخ والإنذار([354]) واردة على أفعال اعتيادية مختلفة زمنيا ومستقلة بنفسها لا يشكل تعددا لعقوبات إدارية محظورا قانونا لاختلافها زمنا ونوعا.
وقد ذهب بعض الفقه إلى أن المخالفة المستمرة لا تعطي للإدارة الحق فقط في تكرار العقاب، بل تعطيها الحق أيضا في التشدد فيه، لما يعنيه هذا الاستمرار في ارتكاب المخالفة من إخفاق الجزاء الأول عن إحداث أثره الردعي في إصلاح شأن الموظف الأمر الذي يستوجب توقيع جزاء أشد.
وإذا كان فعل الموظف يشكل مخالفة تأديبية وبذات الوقت جريمة جنائية، فإن معاقبة الموظف تأديبيا وجنائيا لا تعد بمثابة تعدد للجزاء، نظرا لاستقلال الجريمة التأديبية عن الجريمة الجنائية، فالجزاء في الأولى مقرر لحماية الوظيفة العمومية، وفي الثانية هو قصاص من المجرم لحماية المجتمع، ومن ثم فإن الحكم بالعقوبة الجنائية لا يحول دون محاسبة الموظف تأديبيا عن المخالفات الإدارية التي ينطوي عليها الفعل الجنائي.
ثالثا: مبدأ عدم رجعية الجزاء التأديبي
مفاد هذا المبدأ أن الموظف مرتكب المخالفة الموجبة للتأديب، يجب أن يعاقب بالعقوبة الواردة في القانون الساري وقت صدور قرار العقوبة عن السلطة التأديبية، وأن هذه العقوبة لا ترتب أثرها إلا من تاريخ تبليغ المعني بالأمر.
ولئن كان الأصل أن الجزاء التأديبي لا يرتب أثره إلا من تاريخ صدوره (تاريخ التبليغ)، فإن هذه القاعدة تخضع لاستثناء قانوني واحد، يتعلق بعقوبة العزل من غير توقيف الحق في المعاش أو العزل المصحوب بتوقيف حق المعاش دون استشارة المجلس التأديبي بالنسبة للموظف الذي ترك وظيفته بدون مبرر قانوني، فالموظف في هذه الحالة يكون كأنه تخلى عن الضمانات التأديبية التي يخولها له المشرع، ويعتبر معزولا من تاريخ توقفه عن العمل، وليس من تاريخ قرار عقوبة العزل، وهذا ما أشارت إليه الفقرة الأخيرة من الفصل 75 مكرر من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، بأن عقوبة العزل تسري ابتداء من تاريخ ترك الوظيفة، وفي ذلك خروج واضح عن مبدأ عدم الرجعية.
ويعتبر هذا المبدأ من المبادئ المكرسة دستوريا بشكل عام، فجل دساتير العالم أكدت عليه، وضمنته في أحكامها، لاعتباره حقا من حقوق الإنسان بصفة عامة كقاعدة أصلية، قبل أن يكون ضمانة للموظف العمومي عند تأديبه، وقد أكدت الدساتير المغربية برمتها على هذا المبدأ منذ دستور 1962، وحافظ عليه الدستور الجديد لسنة 2011 حين نص في الفقرة الأخيرة من المادة 6 بأنه “ليس للقانون أثر رجعي”.
رابعا: مبدأ تناسب العقوبة مع الخطأ المهني الموجب للتأديب
يقتضي هذا المبدأ وجوب مراعاة الملائمة بين درجة خطورة المخالفة ونوع الجزاء المفروض ومقداره، أو بمعنى آخر الموازنة بين مبدأي الفاعلية والضمان، فإذا كان من حق الإدارة أن تستخدم وسيلة العقاب التي قررها لها المشرع لضمان حسن أداء الجهاز الإداري، فإن واجبها يقتضي ألا تهدر بهذا الحق ضمانة الموظف في ألا يعاقب بأشد مما اقترف.
وقد كان القضاء المغربي في بداية الأمر لا يمد رقابته إلى تقدير مدى التناسب بين الخطأ المرتكب والعقوبة الموقعة، معتبرا أن الإدارة تتمتع بحرية كاملة في مجال الاختيار بين العقوبات المختلفة المنصوص عليها في الفصل 66 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، ويرفض إجراء أي نوع من الرقابة على سلطة الاختيار هذه، معتبرا أن ذلك يدخل في نشاط الإدارة العامة، وبالتالي تعديا على مبدأ فصل السلطات، فقد جاء في قرار للغرفة للإدارية بالمجلس الأعلى أن “اختيار العقوبة التأديبية يرجع لتقدير السلطة الإدارية، ولا يمكن مناقشته أمام قاضي تجاوز السلطة”([355]).
غير أنه وتأثرا بالقضائين الفرنسي والمصري، شرع القضاء الإداري المغربي في التوجه نحو مراقبة الملائمة بين الأفعال والعقوبة التأديبية، حيث جاء في حكم للمحكمة الإدارية بالرباط ما يلي: “وحيث إنه أمام هذه المعطيات فإن المحكمة على اعتبار افتراض أحقيتها في مراقبة الملائمة بين الأفعال والعقوبة المتخذة، فإنها ترى بأن الأخطاء المرتكبة من طرف الطاعن، تبرر العقوبة المتخذة في حقه بالنظر إلى مهنته كرجل للقوة العمومية”([356])، وهذا ما أكدته الغرفة الإدارية المستأنف لديها هذا الحكم نفسه في قرارها بتاريخ 13/02/1997 حيث اعتبرت أن “تمسك الإدارة بأن عقوبة فعل الطاعن المستأنف كانت مبررة بالأفعال الخطيرة التي ارتكبها كانت في محلها، وإن الملاءمة قائمة بين الأفعال المنسوبة إلى الطاعن والعقوبة المتخذة في حقه، مما يكون معه الحكم المستأنف مرتكزا على أساس قانوني سليم، ومعللا تعليلا كافيا يقتضي تأييده”([357]).
وقد أخذت المحكمة الإدارية بوجدة نفس المنحى، حيث اعتبرت أن القاضي الإداري في إطار الفصل 66 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية يملك حق مراقبة مدى تناسب العقوبة الموقعة في حق الموظف المتابع مع الأفعال المنسوبة إليه، في إطار تطبيق تسلسل العقوبات التأديبية، كما أكدت على أنه إذا كان رجل الإدارة يتمتع بسلطة تقديرية في إيقاع العقوبة التأديبية على الموظف المخالف، فإنه يبقى مراقبا من طرف القاضي الإداري من كل غلو أو انحراف في استعمال السلطة أو خطأ في التقدير”.
خامسا: مبدأ المساواة في العقوبة التأديبية
يقصد بهذا المبدأ، أن يخضع الموظفون جميعهم إلى ذات الجزاءات الواردة في قائمة العقوبات، بغض النظر عن فئاتهم أو درجاتهم في الوظيفة العمومية، طالما أنهم يخضعون لنظام قانوني واحد، وبالتالي فإن تمييز بعض الموظفين عند إيقاع الجزاء التأديبي، سواء من خلال إعفائهم من العقوبة أو التخفيف منها نوعا أو مقدارا لأسباب غير موضوعية، كالانتماء العنصري أو الجنسي أو التمايز اللغوي أو الديني أو العقائدي أو السياسي، يشكل انتهاكا لمبدأ المساواة في العقوبة.
ونعتقد أن المشرع المغربي قد صادف الصواب حين لم يكرس “طبقية العقوبة التأديبية” في النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، بحيث لم يميز في العقوبات التأديبية بين الموظفين تبعا لمراكزهم الوظيفية أو أوضاعهم الاجتماعية.
المحور الثاني:
الضمانات الإجرائية خلال مسطرة المساءلة التأديبية
لقد أحاط المشرع والقضاء مسطرة المساءلة التأديبية بسياج من الضمانات المسطرية، بغية تحصين الموظف المتابع من أي شطط أو تعسف سواء من قبل السلطة الإدارية التابع إليها الموظف، أو من طرف المجلس التأديبي المحال عليه، وهي ضمانات تعد من شروط صحة العقوبة التأديبية التي يحرص على احترامها القضاء أشد الحرص، وبدون مراعاتها يجعل قرار العقوبة معرضا للإلغاء.
وتمتد كفالة هذه الضمانات طيلة مسطرة المساءلة التأديبية، بدءا من توجيه الاتهام إلى الموظف مرورا عبر عرضه على المجلس التأديبي، إلى حين إصدار القرار الموقع للجزاء التأديبي.
أولا: ضمانات الموظف عند توجيه الاتهام
نظرا لما للعقوبة التأديبية من آثار سلبية على نفسية الموظف وحياته الإدارية، فقد حرص المشرع من خلال الفصل 67 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية إحاطة هذه العقوبة ببعض الإجراءات، حيث
أنه للموظف المتهم بمجرد ما تقام عليه دعوى التأديب، أن يطلع على ملفه الشخصي بتمامه وعلى جميع الوثائق الملحقة به، كما يمكن له أن يقدم إلى المجلس التأديبي ملاحظات كتابية أو شفاهية وأن يستحضر بعض الشهود وأن يستحضر معه مدافعا باختياره.
1- استدعاء الموظف للمثول أمام المجلس التأديبي:
إن استدعاء الموظف للمثول أمام المجلس التأديبي يعد من الضمانات الأساسية الممنوحة له، فالإدارة ملزمة قبل انعقاد المجلس، توجيه رسالة استدعاء إلى المعني بالأمر، تتضمن تاريخ ومكان انعقاد الجلسة إضافة أسباب المثول أمام المجلس التأديبي، وذلك بشكل صريح لا لبس فيه، وحتى يكون هذا الإخطار مجديا، يجب إعطاء الموظف مهلة كافية حتى يستطيع أن يقدم ملاحظاته، وكذا إطلاعه إطلاعا كاملا على جميع أوراق ومستندات ملفه الإداري.
وهذا ما أكدته المحكمة الإدارية بالرباط في حكم لها رقم 443، بتاريخ 14 فبراير 2013، ملف رقم 37/5/2012 على: “إن قيام الإدارة بتحرير محضر التبليغ بمحضر الموظفين لا يقوم مقام التبليغ، لأنه مجرد وثيقة إدارية صادرة عنها لا تنهض كحجة في الإثبات القانوني للتبليغ، الذي اشترط فيه المشرع التبليغ عن طريق جهة رسمية محايدة خاصة بواسطة البريد المضمون أو عن طريق المفوضين القضائيين، أو أي وثيقة موقع عليها من طرف الطاعن تفيد التبليغ. وحيث أن انتهاك الإدارة للضمانات التأديبية للطاعن بدليل عدم استدعائه بوسيلة قانونية لحضور المجلس التأديبي، وتبليغه بمحتويات الملف التأديبي، ومنحه الأجل القانوني للدفاع عن نفسه، أو اختيار مدافع، وحق طلب الاستماع لشهود، يحتم بصرف النظر عن مناقشة باقي الوسائل المثارة الحكم بإلغاء القرار الإداري بالعزل عن العمل مع ما يترتب عن ذلك من آثار قانونية”.
ونفس التوجيه تبنته أيضا في حكم لها تحت رقم 666 بتاريخ 23 فبراير 2012 حيث نص هذا الأخير على أن: “إحالة الموظف على المجلس التأديبي ضمانة له من أجل الدفاع عن نفسه فيما توبع من أجله. وحيث إن ثبوت عدم استدعاء الإدارة للمعني بالأمر من أجل المثول أمام المجلس التأديبي وقيام المجلس المذكور بالنظر في القضية في غيابه، وعدم تمكينه من حقه في مناقشة ملفه التأديبي… يجعل القرار متسما بتجاوز السلطة لعيب الشكل المتمثل في خرق حق الدفاع المنصوص عليه في الفصل 67 من النظام الأساسي للوظيفة العمومية…”.
كما يجب أيضا احترام الجانب الشكلي لاستدعاء الموظف للحضور، فقد جاء في إحدى أحكام المحكمة الإدارية بمراكش([358])، ملف، بأنه “ينبغي قبل اتخاذ أية عقوبة في حق الموظف المتابع أمام المجلس التأديبي، احترام الإجراءات والقواعد الشكلية الواجبة بنص القانون، والتي تشكل الضمانات التأديبية، وهي ضمانات لا يمكن بأي حال أن يحققها الاستدعاء الموجه إلى الطاعن لحضور المجلس التأديبي، باعتباره أنه لا يمكنه من ممارسة حق الدفاع، لعدم تعيينه تاريخ وساعة انعقاد المجلس التأديبي مما يشكل إخلالا جوهريا بحقوق الدفاع”.
2- تمكين الموظف من الإطلاع على ملفه التأديبي:
لا مراء أن الاطلاع على ملف الدعوى التأديبية وما يحتوي عليه من أوراق، يشكل إحدى الضمانات الجوهرية المقررة للموظف المتهم، إذ لا يكفي مجرد إخطاره بالتهم المنسوبة إليه وإحاطته بها علما، وإنما يجب علاوة على ذلك تمكينه من إبداء دفاعه بصورة مفيدة ونافعة، وهو ما لا يتأتى إلا بتمكينه من الاطلاع الكامل على ملف الدعوى التأديبية، وفق ما أكد عليه الفصل 67 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية حيث نص على أنه “للموظف المتهم الحق في أن يطلع على ملفه الشخصي بتمامه وعلى جميع الوثائق الملحقة به، وذلك بمجرد ما تقام عليه دعوى التأديب. “دون أن يحدد المشرع شكليات الاطلاع، إذ ترك للإدارة الحرية في إتباع الأسلوب الذي يناسب ضبط التوازن بين المصلحتين الإدارية والفردية، مع إلزامها في الآن نفسه بتسهيل عملية مراجعة الملف التأديبي وذلك لتيسير الأمر على العاملين، وإحاطتهم بكافة الظروف والملابسات التي على ضوئها ستصدر الإدارة قرارها التأديبي.
فقد أكدت المحكمة الإدارية بوجدة بتاريخ 17 ماي 2005، على قانونية قاعدة حق الدفاع حيث قررت بأن “حق الدفاع هو حق قانوني لا يجب خرقه بالنسبة للعاملين بالإدارة العمومية سواء كانوا موظفين رسميين أو أعوانا مؤقتين أو أعوانا في وضعية خاصة”، كما ألغى القضاء الإداري قرارا بالعزل في حق موظف عمومي، بناء على كون الإدارة لم تدل بما يفيد اطلاعه على ملفه الشخصي، والتعرف على المخالفات المنسوبة إليه، وقد أكدت ذلك الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى بقولها: “إن الطاعن لم يتمتع بالضمانات الكافية قبل اتخاذ عقوبة العزل في حقه، وإنه حرم من حقوق الدفاع، مما يجعل القرار متسما بالشطط في استعمال السلطة”([359]).
3- المثول أمام المجلس التأديبي:
يعتبر عدم الإحالة على المجلس التأديبي خطأ إجرائيا يتحتم معه إلغاء القرار، رغم كون رأي المجلس التأديبي استشاريا، حيث أكدت المحكمة الإدارية بالرباط على هذا الإجراء في قرارها بتاريخ 23 فبراير 2012، إذ اعتبرت أن “الطالب يطلب بسبب الشطط في استعمال السلطة، إلغاء القرار الصادر عن وزير الفلاحة والصيد البحري القاضي بحذفه من الأسلاك الإدارية، وأن الطاعن يعيب على القرار بخرقه لمقتضيات الفصل 67 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، ذلك أن الإدارة لم تستدعيه للمثول أمام المجلس التأديبي، وقيام المجلس المذكور بالنظر في القضية في غيابه، وعدم تمكينه من حقه في مناقشة ملفه التأديبي وإحضار مدافعا باختياره، مما جعل القرار المطعون فيه متسما بتجاوز السلطة لعيب الشكل المتمثل في خرق الدفاع المنصوص عليه في الفصل 67 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية…”.
كما يتعين على المجلس التأديبي أن يراعي الآجال القانونية التي منحت له من أجل تقديم استشارته إلى السلطة المختصة بتوقيع جزاء التأديب، حيث ينص الفصل 70 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية على أنه “يجب أن يدلي المجلس التأديبي بالرأي المنصوص عليه في الفصل السابق في أجل شهر واحد ابتداء من يوم رفع النازلة إليه، ويمتد هذا الأجل إلى ثلاثة أشهر عند القيام ببحث. وفي حالة متابعة لدى محكمة زجرية، يمكن للمجلس التأديبي أن يؤجل الإدلاء برأيه إلى أن يصير الحكم القضائي نهائي”.
إلا أنه في حالة المتابعة الزجرية تطرح بعض الصعوبات من الناحية العملية، والمتمثلة في مثول العون المتابع أمام المجلس التأديبي، فغالبا ما تلجأ الإدارة بمجرد توصلها بما يفيد بأن الحكم أصبح نهائيا، العمل على برمجة الملف، وتوجيه استدعاء عن طريق البريد المضمون إلى السجين تحت إشراف مدير السجن، دون مراعاة إكراهات حضور المعني بالأمر إلى الجلسة التأديبية، فحضور المعني بالأمر يقتضي إجراءات من نوع خاص، مما يصعب معه المثول. وبالتالي يطرح مشكل حق الدفاع، الأمر الذي ينتج عنه كثرة المنازعات المرتبطة بخرق هذا الحق. لذلك أعتقد، أنه في مثل هذه الحالات، ينبغي أن ينص المشرع صراحة على تقديم التسهيلات اللازمة لتمكين المعني بالأمر من الاطلاع على ملفه التأديبي، وكذا الحضور يوم الجلسة للدفاع عن حقه، أو يتم التنصيص في مضمون الاستدعاء على ضرورة حضور المعني بالأمر أو توكيل من ينوب عنه للدفاع عليه، وبهذا يتم تفادي المنازعات التي من شأنها أن ترهق خزينة الدولة بسبب قضايا بسيطة، خاصة إذا علمنا أن العقوبة التي يمكن اتخاذها في مثل هذه الحالات التي لها طابع جنائي غالبا ما تكون العزل.
أما الحالة الثالثة هي حالة التوقيف المؤقت عن العمل دون الإحالة على القضاء، ففي مثل هذه الحالة يجب أن تسوى حالة الموظف الموقف بصفة نهائية داخل أجل أربعة أشهر، وذلك ما أكدت عليه المحكمة الإدارية بمكناس، عندما اعتبرت أن عدم إحالة الموظف الموقوف بصفة مؤقتة عن العمل داخل أجل أربعة أشهر على المجلس التأديبي طبقا لمقتضيات الفصل 73، يجعل القرار مشوبا بعيب مخالفة القانون، وبالتالي معرضا للإلغاء”([360]).
لكن بالرغم من كون أن المشرع نص صراحة بأن يبث في القضية بشكل نهائي داخل آجل أربعة أشهر، لازلنا نرى أن بعض الإدارات لم تستوعب بشكل جيد مضمون الفقرة الثانية من الفصل 73 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية التي تنص على أن: “المقرر الصادر بتوقيف الموظف يجب إما أن ينص على أن المعني بالأمر يحتفظ بمرتبه طيلة مدة توقيفه، وإما أن يحدد قدر ما سيتحمله من الاقتطاع، وتستثنى من ذلك التعويضات العائلية التي يظل المعني بالأمر يتقاضاها بأكملها”. فنجد بمجرد صدور قرار التوقيف، بسبب ارتكاب الموظف هفوة خطيرة أو جنحة ماسة بالحق العام، تقوم الإدارة بإصدار مقرر التوقيف وتنص فيه على توقيف راتب المعني بالأمر باستثناء التعويضات العائلية، دون الأخذ بعين الاعتبار طبيعة المخالفة التي ارتكبها، هل يستحق على إثرها توقيف الأجر برمته أم جزء منه، فالمشرع كان صريحا عندما نص أنه في حالة التوقيف ينبغي إما الاحتفاظ بالمرتب بكامله أو تحديد قدر من الاقتطاع، ولم ينص على توقيف الأجر بكامله، الأمر الذي يتوجب فيه على الإدارة عدم التسرع في مثل هذه الحالات والتريث في اتخاذ القرار.
أما في حالة عدم احترام أجل أربعة أشهر، ينبغي إرجاع الموظف وتمكينه من أجره، وفق ما نصت عليه الفقرة الثالثة من الفصل 73 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، على أساس أن يتم تصحيح المسطرة وإحالته من جديد، وفي حكم صادر عن المحكمة الإدارية لمكناس بتاريخ 11-4-1994 تحت عدد 96/10غ جاء فيه ما يلي: “أن عدم إحالة الموظف المعرض للتوقيف داخل أجل أربعة أشهر على المجلس التأديبي طبقا لمقتضيات الفصل 73 من قانون الوظيفة العمومية يجعل القرار مشوبا بعيب مخالفة القانون وبالتالي معرضا للإلغاء”([361]).
4- كفالة حق الدفاع:
لقد تم التأكيد على هذا الحق في الفصل 67 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، إذ اعتبر ضمانة عامة للتأديب، الهدف من إقراره، هو تمكين المتهم من الدفاع عن نفسه.
ولئن كان الدستور المغربي الجديد قد كرس هذا الحق لأول مرة في تاريخ الدساتير المغربية لأي شخص تم اعتقاله بشكل عام، وسار في نهجه قانون المسطرة الجنائية في تعديله الجديد.
علاوة على ذلك، فمن حق الموظف كذلك أن يطلب سماع شهادة الشهود، للدفاع عن وجهة نظره، وتأكيد أطروحته، وهذا ما أكد عليه أيضا الفصل 67 على أن: “للموظف المتهم الحق في… أن يستحضر بعض الشهود… وللإدارة أيضا حق إحضار الشهود”.
ثانيا: ضمانات الموظف عند إصدار قرار التأديب
1- ضمان حياد أعضاء المجلس التأديبي:
يعتبر اطمئنان الموظف إلى حياد من يحاكمه ونزاهة الإجراء الذي سيتخذ، من أهم ضمانات تحقيق العدالة، ويتحقق هذا الحياد في التأديب عن طريق تنظيم قواعد الاختصاص بشكل يمنع الجمع بين سلطة توجيه الاتهام وسلطة التحقيق، وكذلك تمكين المعني بالأمر من رد كل شخص تحيط به اعتبارات تشكك في حيادته، إذا كان عضوا في الهيئة التأديبية.
ويترتب على هذا المبدأ أن يراعي المحقق الحياد التام في إجرائه، فلا يؤثر في إرادة المتهم بما يدفعه إلى قول ما لا يريد، أو أن يتدخل بأي صورة في أجوبة المتهم، فالقاعدة أن تترك الحرية للمتهم، بحيث لا يدلي إلا بما قصد فعلا الإدلاء به.
أما بالنسبة للاجتهادات الحديثة، فقد اعتبرت المحكمة الإدارية بالدار البيضاء في حكم صادر عنها بتاريخ 11 فبراير 2008 أن “مبدأ الحياد يقتضي أن كل من يتولى التحقيق في المخالفة التأديبية أو اتصل بأي مرحلة من مراحل الاتهام، ليس له الحق في حضور المحاكمة التأديبية، وإن مشاركة أحد المسؤولين في اجتماع المجلس التأديبي، رغم سبق إجرائه بحثا حول ما نسب للموظف المتابع تأديبيا وإبداء رأيه في المخالفة التأديبية في تقرير مقدم للإدارة، يجعل عنصر الحياد غير متوفر في الجهاز التأديبي”([362]).
كما سبق أن ذهبت المحكمة الإدارية بالرباط في نفس الاتجاه عند ما أشارت في حكمها تحت رقم 175 بتاريخ 18 مارس 1999 أن “ترأس المجلس التأديبي من طرف المفتش العام رغم أنه هو الذي حرر تقرير التفتيش المستند عليه في تأديب الطاعن، جعل من الرئيس المذكور خصما وحكما، وأبعده عن الحياد والتجرد اللذين كان يجب أن يتحلى بهما، مما أضفى على القرار المطعون فيه صبغة عدم المشروعية المتجلية في فقدان الطاعن للضمانات التي يوفرها القانون للموظف المتابع تأديبيا، وهو ما يقتضي معه إلغاء قرار العزل المطعون فيه”.
2- تعليل القرار التأديبي:
يقصد بتعليل قرار الجزاء التأديبي، ذكر الإدارة في صلبه لمبررات إصداره، بهدف إحاطة المخاطبين به بالدوافع التي لأجلها تم عقابهم، وثمة فرق جوهري بين تسبيب القرار وسببه، فإذا كان تسبيب القرار يعني قيام الإدارة ببيان مبررات إصداره، فإن سببه يتمثل في الحالة الواقعية والقانونية التي دفعت الإدارة لإصدار قرارها، ومن ثم فإن تسبيب القرار يأتي دائما لاحقا على إصداره، في حين أن سبب القرار موجود قبل إصداره.
وهذا ما أكد عليه كل من القانون رقم 03-01 المتعلق بإلزام الإدارات العمومية والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية بتعليل قراراتها، والفصل 69 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية الذي نص على “ونظرا للملاحظات الكتابية التي تقدم له ولما عسى أن يقع لديه من تصريحات المعني بالأمر والشهود ونظرا كذلك لنتيجة التحقيق يعطي المجلس رأيا معللا بالأسباب في العقوبة التي تبين له وجوب اتخاذها إزاء الأعمال التي عوقب عليها المعني بالأمر. ويوجه هذا الرأي إلى السلطة التي لها حق التأديب”.
وفي حكم صادر عن المحكمة الإدارية بالرباط تحت رقم 536 بتاريخ 14 فبراير 2012 (ملف رقم 12/05/2011) جاء في حيثياته “وحيث إنه لئن كان للإدارة سلطة تقديرية في اتخاذ العقوبة المناسبة في حق الموظف حسب خطورة الأفعال المنسوبة إليه ومدى تأثيرها داخل المرفق العام، وأن هذه السلطة لا رقابة للقضاء عليها ما لم يشوبها غلو في التقدير، إلا أن ذلك لا يغني عن الإفصاح في صلب هذا القرار عن الأسباب المبررة لاتخاذه كما يجب أن ينبني على سبب قانوني أو واقعي يبرر إصداره طبقا للقانون رقم 03-01 المتعلق بإلزام الإدارات العمومية بتعليل القرارات الإدارية.
وحيث أنه بالرجوع للقرار المطعون فيه، يتبين أن الإدارة لم توضح بصلب القرار المبررات التي اعتمدتها لاتخاذ عقوبة التوقيف في حق المدعي، واكتفت بذكر المخالفة لا غير والمتجلية في القيام بتصرفات منافية للنظم والقوانين المعمول بها….. مما يجعل قرارها متسما بتجاوز السلطة لعيب انعدام السبب وموجبا لإلغاء”.
3- تبليغ العقوبة التأديبية:
طبقا لما جاء في الفصل 72 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، فإنه ينبغي على الإدارة أن تبلغ العقوبة المتخذة من طرف السلطة التي لها حق التأديب إلى العون المتهم، وذلك بإرسالها إلى آخر عنوان شخصي مصرح به للإدارة عن طريق البريد المضمون مع إشعار بالاستلام أو عدم الاستلام، إذا كان هذا العون موقوفا عن العمل، وعن طريق التسلسل الإداري إذا لم يكن كذلك. حتى يتسنى له الاستفادة من الضمانات القانونية اللاحقة.
خاتمة:
بناء على ما سبق يمكن القول، بأن الموظف محاط بسياج محكم من الضمانات، الموضوعية منها والشكلية، والتي ترافقه منذ اقترافه للخطأ الموجب للعقوبة، إلى حين إصدار السلطة الإدارية لقرارها التأديبي.
وهي ضمانات قررها الفقه الإداري وأيده القضاء في ذلك، وإن كان التشريع أغفل معالجة الكثير منها، إلا أنها تبقى، باعتراف الفقه والقضاء الإداريين، مضمونة للموظف المتابع باعتبارها من القواعد العامة التي تكفل حقوق الدفاع بشكل عام.
فالضمانات المرتبطة بالمبادئ العامة لتوقيع الجزاء التأديبي تعد من الضمانات المعترف بها بالنسبة لكافة المساءلات التأديبية منها والجنائية، بل أن بعضا منها مكفول بأحكام الدستور، كما هو حال مبادئ الشرعية والمساواة وعدم الرجعية، وهو ما يضفي عليها صبغة خاصة لارتباطها بالنظام العام، حيث ينبغي احترامها، وعدم الاتفاق على ما يخالفها، لا من قبل السلطة الإدارية التابع لديها الموظف المتهم، ولا من قبل الجهات القضائية المعروض عليها هذا النوع من النوازل، والتي تجد نفسها مجبرة على تطبيق هذه الأحكام، حتى ولو لم يطلبها الخصوم، بل وحتى ولو لم يتعرض إليها أي نص تشريعي أو تنظيمي، تحت طائلة جعل الحكم معيبا وعرضة بالتالي لمختلف أنواع الطعون.
ولئن كانت الضمانات الموضوعية لا تثير إجمالا أية إشكالات ذات بال بين تشريعات النصوص وعمل المحاكم، فإنه على العكس من ذلك، تعرف الضمانات الإجرائية إشكالات جمة نتيجة التباين الكبير بين ما أقره المشرع وما تواتر عليه الاجتهاد القضائي.
فعلى مستوى ضمانات الموظف عند توجيه الاتهام، اعترف المشرع المغربي في الفصل 67 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، بضرورة مواجهة الموظف بالمخالفات المنسوبة إليه، واطلاعه على ملفه التأديبي، لكنه اقتصر على التنصيص على ذلك فحسب، دون التفصيل في مفهوم المواجهة، وشكليات هذا الاطلاع، حيث تولى القضاء ذلك، حين عمد إلى تفسير الاطلاع ووضع حدود له، فقد اعتبر إخطار الموظف بالتهم المنسوبة إليه، تعد من الضمانات الأساسية في مجال المساءلة التأديبية، لأنه يتيح له تقدير خطورة موقف الموظف والعمل على إعداد دفاعه، ومخالفة ذلك يضفي على الجزاء المتخذ صفة عدم المشروعية.
ولا يكفي مجرد إخطار الموظف بالتهم بالمنسوبة إليه، بل لابد أيضا من تمكينه من إبداء دفاعه بصورة مفيدة، وهو ما لا يتأتى إلا بتمكينه من الاطلاع الكامل على ملف الدعوى التأديبية، وقد ألغى القضاء المغربي، كما رأينا، العدد من قرارات العزل في حق الموظف العمومي، بناء على كون الإدارة لم تدل بما يفيد إطلاعه على الملف الشخصي، غير أن القاضي لم يقيد حرية الإدارة في هذا المجال، بل ترك لها الحرية في إتباع الأسلوب الذي تراه مع إلزامها بتسهيل عملية مراجعة الملف التأديبي.
وعند استعراضنا لضمانات الموظف عند عرضه على المجلس التأديبي، تم التركيز على قانونية الإحالة على هذا المجلس، واعتبار إغفال ذلك خطأ إجرائيا جسيما يتحتم معه إلغاء المقرر وإن كان رأي هذا المجلس استشاريا فقط، فعرض الموظف على المجلس أمر إلزامي في الأحوال التي نص فيها القانون على ذلك، وذلك ما أكده القضاء في العديد من قراراته.
وقد تعرضنا أيضا لبعض الإشكاليات التي يعرفها استدعاء الموظف المتهم ومدى تأثيرها على إلغاء الحكم، غير أنه بالرغم مما أحاط المشرع هذا المجلس من ضوابط، ورغم ما كرسه القضاء من ضمانات أثناء المثول أمامه، فإنه يظل محط انتقادات وملاحظات تمس بنزاهته وحياده، إن على مستوى تشكيله أو على مستوى طريقة عمله.
كما أقر المشرع حق الموظف في حريته في الدفاع عن نفسه كتابة أو شفاهة، مع إمكانية الاستعانة بمحام واستحضار الشهود عند الاقتضاء.
ومواكبة لضمانات المتهم طيلة مسطرة المساءلة التأديبية، فقد كفل القضاء ضمانتين أساسيتين عند إصدار قرار التأديب تتمثل الأولى في ضرورة حياد المجلس التأديبي عند إصداره لرأيه الاستشاري، أي عدم الجمع بين صفتي الخصم والحكم في آن واحد، الأمر الذي يستلزم الفصل بين سلطتي الاتهام والحكم، أما الضمانة الثانية، فتتمثل في ضرورة تعليل قرار التأديب، أي ذكر الإدارة لمبررات إصداره بهدف إحاطة الموظف المتابع بالدوافع والأسباب التي لأجلها تم اتخاذ القرار بعقابه، ولئن جاء قانون إلزام الإدارة بتعليل قراراتها متأخرا، فإن القضاء على العكس من ذلك، قد كرس هذه الضمانة منذ بدايته، استنادا على القواعد العامة لحقوق الدفاع وتكريسا للمشروعية من جهة، وتقييدا للسلطة التقديرية للإدارة وجبرها على الملاءمة والتناسب من جهة ثانية.
[343] سورة القصص الآية 26.
[344] سورة النساء الآية 58.
[345] رواه البخاري في كتاب الأحكام، باب ما يكره من الحرص على الإمارة، رقم الحديث 7149.
[346] للمزيد من التفاصيل حول هذا الموضوع، انظر: “مبادئ الإدارة العامة والنظام الإداري في الإسلام” فؤاد عبد المنعم، مؤسسة شباب الجامعة الإسكندرية، السنة 1411هـ، ص 59.
[347] الفقرة الثانية من الفصل 65 من الظهير الشريف رقم 008-58-1 بتاريخ 4 شعبان 1377 (24 فبراير 1958) بمثابة النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية.
[348] السلطة التي لها حق التأديب هي السلطة التي لها حق التسمية، الفقرة الأولى من الفصل 65 من النظام الأساسي العم للوظيفة العمومية، المرجع السابق.
[349] الباب الخامس من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية تضمن: إجراءات التأديب، السلطة التي لها حق التأديب، العقوبات التأديبية، إضافة إلى الضمانات المخولة للموظف الخاضع للتأديب.
[350] تشتمل العقوبات التأديبية المنصوص عليها في الفصل 66 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية على ما يلي:
الإنذار، التوبيخ، الحذف من لائحة الترقي، القهقرة من الرتبة، الانحدار من الطبقة، العزل من غير توقيف حق التقاعد والعزل المصحوب بتوقيف حق التقاعد، وهناك عقوبتان تكتسيان صبغة خصوصية، وهما الحرمان المؤقت من كل أجرة باستثناء التعويضات العائلية، وذلك لمدة لا تتجاوز ستة أشهر، والإحالة الحتمية على التقاعد.
أما بخصوص الموظف المتمرن نجد الفصل 6 من المرسوم الملكي رقم 62-68 بتاريخ 19 صفر 1388 الموافق ل 17 مايو 1968 المتعلق بتحديد المقتضيات المطبقة على الموظفين المتمرنين بالإدارات العمومية، ينص على أن العقوبات التأديبية التي يمكن أن تصدر على الموظف المتمرن هي: الإنذار، التوبيخ، الإقصاء المؤقت لمدة لا يمكن أن تتجاوز شهرين مع الحرمان من كل أجرة باستثناء التعويضات العائلية ثم الإعفاء.
[351] نجد بعض المراجع العلمية تستعمل مصطلح “الخطأ التأديبي” وهذا خطأ شائع، في حين أن المصطلح السليم هو: “الخطأ المهني الموجب للتأديب” لأن التأديب هو نتيجة للخطأ وليس سببا له، بعكس ما هو الأمر بالنسبة للعقوبة نقول: “العقوبة التأديبية”.
[352] الفصل 25 من المرسوم رقم 0200-59-2 الصادر في 5 ماي 1959، المتعلق بإحداث اللجان الإدارية المتساوية الأعضاء الذي ينص على: “إن اللجان الإدارية المتساوية الأعضاء تستشار ضمن الشروط المقررة في النظم المعمول بها في شأن ترسيم الموظفين المتمرنين، كما تستشار في المسائل الفردية المنصوص عليها في الفصول 33 و58 و63 و65 وإلى 75 و78 و81 و85 من الظهير الشريف الصادر بمثابة نظام عام للوظيفة العمومية.
[353] قرار 281- بتاريخ 30 يوليوز 1982 ملف 69817، أبو الهند محمد ضد وزير العدل، إبراهيم زعيم الماسي، المرجع العملي في الاجتهاد القضائي الإداري، معامل النجاح الجديدة، 1996، ص 255.
[354] يمكن للسلطة التي لها حق التأديب اتخاذ عقوبتي الإنذار أو التوبيخ، دون استشارة المجلس التأديبي، وذلك بموجب مقرر معلل، وبعد توجيه استفسار إلى الموظف المعنى.
[355] القرار الصادر عن الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى رقم 251 الصادر بتاريخ 26 نونبر 1962 (ملف رقم 9699).
[356] حكم المحكمة الإدارية بالرباط تحت رقم 321 بتاريخ 9/11/1995، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 20- 21 يوليوز- دجنبر 1997 ص 106 وما بعدها.
[357] قرار الغرفة الإدارية عدد 136 بتاريخ 13 فبراير 1997، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 20- 21 يوليوز- دجنبر 1997 ص 109.
[358] حكم المحكمة الإدارية بمراكش رقم 16 بتاريخ 11 ابريل 1995 (ملف 47/97غ).
[359] الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى قرار عدد 57 بتاريخ 14 دجنبر 1991.
[360] الحكم الصادر تاريخ 11 ابريل 1996 تحت رقم 3/95/15 غ، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 17 أكتوبر- دجنبر 1997 ص: 158.
[361] حكم صادر عن المحكمة الإدارية لمكناس بتاريخ 11-4-1996 (عدد 96/10غ).
[362] الحكم رقم 246 والصادر بتاريخ 11 فبراير 2008.


