لنظام صعوبات المقاولة
زكرياء العماري
أستاذ زائر بجامعة محمد الخامس بالرباط
كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالسويسي
إن الوعي بجسامة الخسائر التي يمكن أن تلحق المصلحة الاقتصادية العامة من جراء انهيار إحدى المقاولات ([1])، هو الذي فرض على جل التشريعات الحديثة، التدخل لضمان الازدهار التجاري واستمراره، وذلك عن طريق إقرار قواعد قانونية تستجيب لمميزات التجارة، التي ترتكز في آن واحد على عاملي السرعة والثقة في إنجاز المعاملات المرتبطة بها.
ولعل ما يؤكد ذلك، أن معظم التشريعات الوضعية على اختلاف مشاربها، تفرد للنشاط التجاري أحكاما خاصة به تختلف في مجملها عن تلك المقررة للأنشطة المدنية فيما يخص معالجة الصعوبات التي يمكن أن تعترض المتعاطين للتجارة خلال مزاولتهم لنشاطهم، بهدف الحد من الآثار السلبية التي قد تترتب عليها، وتنعكس على ذوي الشأن ودائنيهم، حيث يتم تطبيقا لذلك، حماية حقوق هؤلاء الأخيرين عن طريق وضع المقاولة التي تتعرض لخسارة أموالها في معاملاتها التجارية، وتتوقف تبعا لذلك عن دفع ديونها، في حالة إفلاس ([2]) أو تسوية قضائية أو تصفية قضائية ([3])، بحسب نظام الإجراءات الجماعية المتبع في البلد المعني بالأمر.
وإذا كانت القواعد المتعلقة بنظام الإجراءات الجماعية، قد وضعت في بداية الأمر بهدف التنكيل بالتاجر الذي يصبح في وضع لا يسمح له بالوفاء بالتزاماته تجاه مختلف المتعاملين معه، عن طريق تجريده من أمواله المرتبطة بتجارته، ووضعها في مقابل ذلك رهن إشارة دائنيه ليقتسمونها فيما بينهم قسمة غرماء، فإنه ما لبث أن تشكل الوعي لدى مختلف
التشريعات خلال النصف الثاني من القرن العشرين، بضرورة هجر النظام التقليدي للإجراءات الجماعية، وتبني عوضا عن ذلك نظاما تقويميا يرتكز على تأمين استمرارية استفلال النشاط التجاري أكثر من ارتكازه على تصفية أموال المدين وتوزيعها على دائنيه.
ومن تم، فقد كان من الضروري أن يعمل المشرع المغربي -كغيره من التشريعات الوضعية -على تحديث وعصرنة نظام إجراءاته الجماعية، لمسايرة، التطورات الاقتصادية التي شهدها المغرب منذ بداية الثمانينات، والتي أثرت بشكل كبير على أوضاع المقاولات ببلادنا، خاصة أمام عجز نظام الإفلاس الذي كان معمولا به في ظل القانون التجاري المغربي لسنة 1913، عن تحقيق الأهداف التي رسمت له.
ومما ينبغي تسجيله بهذا الخصوص، أن إصلاح نظام الإجراءات الجماعية المغربي الذي تم بموجب القانون رقم 15.95، المتعلق بمدونة التجارة يكتسي طابعا ثوريا بالمقارنة مع نظام الإفلاس السائد آنذاك بموجب القانون التجاري المغربي لسنة 1913. ذلك أن جل أوجه الطابع التصفوي التي كانت تسم هذا النظام وتضفي عليه طابعا عقابيا ([4])، قد تم إما هجرها بالمرة، أو التخفيف من حدتها.
فمن بين مميزات نظام صعوبات المقاولة المغربي الجديد، أنه جعل من بين أولوياته الحرص قدر الإمكان على الحفاظ على استمرار هذه المقاولة في مزاولة نشاطها كلما كانت وضعيتها المالية لا تزال تسمح لها بالخضوع لحل من هذا القبيل، ذلك أن ضمان استمرارية استغلال المقاولة المتوقفة عن الدفع من شأنه أن يفضي إلى نتائج مرضية بالنسبة لجميع الأطراف التي يعنيها أمر المقاولة ([5])، ويتم ذلك إما عن طريق اعتماد مخطط لاستمراريتها بهدف الحفاظ على مناصب الشغل المرتبطة بها، موازاة مع إبراء ذمتها مما هو مترتب عليها من خصوم، أو عن طريق تبني مخطط لتفويتها لأحد الأغيار، كلما تعذر استمرارها بيد نفس المالكين.
ولم يكتف هذا القانون فقط بإقرار تدابير تقويمية لمعالجة الصعوبات المالية التي قد تلحق بالمقاولة، وتجعلها عاجزة عن الاستمرار في مزاولة نشاطها، وإنما عمل على إقرار وسائل وقائية أخرى كفيلة بكفاية المقاولة ودائنيها ومختلف المتعاملين معها شر الآثار السلبية التي تنجر إليهم عن تدهور وضعها المالي، بفعل ما يمكن أن تتعرض إليه من صعوبات مالية يكون من شأنها الإخلال باستمرارية استغلالها. هذه الوسائل منها ما هو داخلي يقتصر الأمر فيه على أجهزة المقاولة ذاتها، ومنها ما هو خارجي يستدعي بالضرورة تدخل أطراف أخرى أجنبية عن المقاولة المعنية بالأمر ([6]).
هذا، ولما كانت الوسائل التدخلية التي تعمل بواسطتها السلطات العمومية على تقويم وضعية شركات البورصة التي تعترضها صعوبات عن طريق الوضع تحت الإدارة المؤقتة تهدف بدورها، شأنها في ذلك شأن المساطر الخاصة بالوقاية والمعالجة من الصعوبات في إطار التسوية الودية أو التسوية القضائية إلى تأمين استمرارية شركة البورصة المعنية بالأمر في القيام بمزاولة نشاطها حماية لها ولعملائها، فإن التساؤل الذي يطرح بهذا الخصوص يتمحور حول ما إذا كانت هاتين المسطرتين تقبلان بدورهما التطبيق على شركات البورصة كوسيلتين من الوسائل التدخلية الممكن بواسطتها معالجة الصعوبات التي تعترض شركات البورصة، أم أن الطبيعة الخاصة لهذه الفئة من شركات المساهمة ونوعية الأنشطة التي تزاولها تقتضي خلافا لذلك استبعادها من الخضوع لهذه المساطر التي لا تتلاءم معها.
إن الإجابة على هذا التساؤل تستلزم التمييز ما بين إجراءات التسوية الودية (الفقرة الأولى) وما بين مساطر المعالجة القضائية لصعوبات المقاولة (الفقرة الثانية) وذلك نظرا لاختلاف مناط وأساس إعمال كل واحد من هاتين المسطريتين وفق ما هو منصوص عليه في إطار القانون رقم 15.95 المتعلق بمدونة التجارة، على أن نرجئ الحديث عن الوضع بالنسبة لمسطرة التصفية القضائية، إلى حين استعراض الحالات المبررة لتصفية شركة البورصة على اعتبار أن هذه المسطرة لا يتطرق الشك إلى قابليتها للتطبيق على شركات البورصة في ظل قانون البورصة لسنة 1993.
الفقرة الأولى: حدود استفادة شركات البورصة من مساطر الوقاية من صعوبات المقاولة
تعتبر مساطر الوقاية من صعوبات المقاولة، من ضمن المستجدات ([7]) التي حملها بين طياته القانون رقم 15-95 المتعلق بمدونة التجارة ([8])، وذلك محاكاة لما يتم به العمل في فرنسا التي أدرج مشرعها إجراءات الوقاية من صعوبات المقاولة لأول مرة ضمن نظام المساطر الجماعية بمقتضى القانون رقم 148/84 المؤرخ بفاتح مارس 1984 المتعلق بالوقاية والتسوية الودية لصعوبات المقاولة، والذي تم تعديله لاحقا بموجب القانون رقم 94/175 الصادر في 10 يونيو من سنة 1994.
ويهدف المشرع من وراء إحداث نظام للوقاية من صعوبات المقاولة إلى تمكين المقاولة التي تعاني من صعوبات مالية من شأنها الإخلال باستمرارية الاستغلال من الوسائل الكفيلة بتقويم مركزها المالي، والحيلولة دون تطور هذه الصعوبات إلى مستوى التوقف عن الدفع المبرر لافتتاح المساطر الجماعية ضدها، وذلك كلما كانت وضعيتها لا تزال تسمح لها بالخضوع إلى حل من هذا القبيل، ويتم ذلك عن طريق إعمال مجموعة من الإجراءات منها ما هو داخلي يقتصر فيه الأمر على أجهزة المقاولة، وعلى الخصوص مراقبي الحسابات الذين عزز القانون المنظم لشركات المساهمة دورهم وسلطتهم في هذا المجال (الوقاية الداخلية)([9]) ومنها ما هو خارجي يستدعي تدخل أطراف أخرى أجنبية عن المقاولة (مسطرة الوكيل الخاص ([10])، إجراء التسوية الودية ) ([11]).
غير أن ما ينبغي تسجيله بهذا الخصوص أن أي مقاولة مهما كان شكلها أو طبيعة النشاط التي تزاوله، لا يمكن أن تخضع، أو بالأحرى أن تستفيد ([12]) من مختلف إجراءات الوقاية المقررة بمقتضى المواد من 545 إلى 559 من مدونة التجارة إلا إذ ا كانت الصعوبات المالية التي تعترضها، لم تؤد بها إلى حالة التوقف عن الدفع بحيث يقتصر أثر هذه الصعوبات، على جعل إدارة وتسيير المقاولة صعبا، بفعل ما أصبح يهدد استمرارية استغلالها من خطر، من دون أن يكون الأمر قد وصل إلى حالة التوقف عن دفع الديون المستحقة ([13]). ذلك أن التوقف عن الدفع من شأنه أن ينهض مانعا دون فتح إجراء التسوية الودية في مواجهة المقاولة التي تعاني من صعوبات من شأنها الإخلال باستمرارية استغلالها، ويضع حدا لهذا الإجراء إذا ما بوشر من قبل، ما دام أن توقفها عن الدفع يستلزم إخضاعها بحسب الحالة إما لمسطرة التسوية القضائية إذا كانت وضعيتها تقبل التقويم، أو للتصفية القضائية إذا كانت وضعيتها غير قابلة للإصلاح بالمرة بسبب اختلالها بشكل لا رجعة فيه ([14]).
وبذلك يلاحظ أن الوضعية المالية التي تبرر تطبيق مساطر الوقاية من صعوبات المقاولة المستحدثة بموجب القسم الأول من الكتاب الخامس من مدونة التجارة على مختلف الأشخاص المتوفرين على الصفة التجارية في التشريع المغربي، توازي في حدتها وخطورتها تلك الصعوبات القانونية أو المؤسساتية أو الأزمة المالية التي تبرر تدخل مجلس القيم المنقولة من أجل إخضاع شركات البورصة التي تتعرض لها لنظام الإدارة المؤقتة، وتعيين مدير مؤقت لها تنقل إليه جميع الصلاحيات المرتبطة بالإدارة والتسيير، ما دام أن تقنية الوضع تحت الإدارة المؤقتة تبقى مشروطة هي الأخرى، باستمرار شركة البورصة المعنية بالأمر في أداء ديونها الحالة، وألا تكون في وضعية توقف عن الدفع ([15]).
غير أن التساؤل الذي يفرض نفسه في هذا الإطار، يكمن في معرفة ما إذ ا كانت شركات البورصة، يمكن أن تستفيد في ظل القانون المغربي من إجراءات الوقاية من صعوبات المقاولة، كلما وجدت وقائع من شأنها الإخلال باستمرارية استغلالها ([16])، أو تعرضت لصعوبات قانونية أو اقتصادية أو مالية أو كانت لها حاجات لا يمكن تغطيتها بواسطة تمويل يناسب إمكاناتها الذاتية ([17])، وذلك بحكم أن الشركات المذكورة تنتظم فيما يخص شكلها القانوني في إطار شركة مساهمة ([18])، التي تندرج ضمن الشركات التي تكتسب الصفة التجارية بحسب الشكل، دونما أي اعتبار لنوع النشاط الذي تزاوله ([19])، مما يجعلها بالتالي من الأشخاص المخاطبين بأحكام المواد 545 و548 و550 من مدونة التجارة .
ويجد هذا التساؤل مبرره من جهة في أن صياغة الفقرات الأولى من المواد545 و548و 550 المشار إليها أعلاه، جاءت من العمومية بمكان، بحيث تنسحب على كافة الشركات التي تكتسب الصفة التجارية في القانون المغربي سواء بحسب شكلها أو لكون الغرض منها تجاريا، مهما كان النشاط التي تمارسه، مما يجعل شركات البورصة والحالة هذه من بين المخاطبين بأحكامها مادام لا يوجد نص يستثنيها من ذلك على غرار ما هو منصوص عليه بالنسبة لمؤسسات الائتمان كما سنرى لاحقا. ومن جهة أخرى أن الحد الأقصى لدرجة خطورة الصعوبات التي تبرر إخضاع شركات البورصة لنظام الإدارة المؤقتة يوازي أو يماثل من حيث المبدأ تلك التي تستوجب تطبيق الإجراءات الوقائية من صعوبات المقاولة الواردة في مدونة التجارة، مما يغدو معه أمرا مشروعا التساؤل حول ما إذا كان نظام الإدارة المؤقتة لشركات البورصة يعتبر إجراءا موازيا لمساطر الوقاية، يترتب عليه أن تستبعد هذه الأخيرة من الانطباق على الشركات المشار إليها آنفا.
ونجد كذلك في ظل التشريع المغربي أن هناك بعض القوانين الخاصة بتنظيم مراقبة الدولة لنشاط بعض الشركات، التي تقوم بأعمال يخضع البدء في مزاولتها للترخيص المسبق للسلطة الحكومية المكلفة بالمالية، من التزمت الصمت بخصوص إمكانية تطبيق إجراءات الوقاية من صعوبات المقاولة على الشركات التي تزاول أعمالا من هذا القبيل ([20]).
ويتعلق الأمر بشركات التأمين التي تزاول بدورها في إطار شركات مساهمة تندرج ضمن الأشخاص المخاطبين بأحكام المواد من 545 إلى 559 من مدونة التجارة السالف ذكرها.
أما على مستوى التشريعات الأجنبية فيلاحظ أن قانون إعادة هيكلة السوق المالية التونسي، والذي يأخذ بنظام للإجراءات الجماعية شبيه بذلك المعتمد في كل من المغرب وفرنسا، لم يتضمن أي مقتضيات خاصة بالوقاية من الصعوبات التي يمكن أن تعترض وسيط البورصة وتهدد بتوقفه عن الدفع، الأمر الذي يدل على كون المشرع التونسي يحيل بهذا الشأن على القواعد الواجبة التطبيق على سائر المقاولات التجارية الواردة في القانون رقم 93.34 المتعلق بتقويم المقاولات المتعرضة لصعوبات اقتصادية.
وعلى خلاف ما هو عليه الأمر بالنسبة لقانون البورصة الذي التزم الصمت بخصوص خضوع شركات البورصة، وكذا القانون المنظم لشركات التأمين، فإن القانون البنكي كان أكثر وضوحا فيما يخص خضوع مؤسسات الائتمان للمساطر المقررة للوقاية من صعوبات المقاولة والمتبناة بمقتضى الكتاب الخامس من المدونة التجارة، واستبعادها من الخضوع لإجراءات الوقاية من صعوبات المقاولة حتى ولو تعرضت لصعوبات مالية يكون من شأنها أن تؤدي بها إلى التوقف عن دفع ديونها، ذلك أن المشرع المغربي قد استثنى صراحة بمقتضى المادة 85 من القانون البنكي المغربي لسنة 2006 المؤسسات البنكية التي تزاول نشاط البنوك من نطاق تطبيق هذه الإجراءات، حيث تخضع بدلا من ذلك لنظام الإدارة المؤقتة والذي يعتبر إجراء بديلا في القانون المذكور لكل من مساطر الوقاية ومسطرة التسوية القضائية. حيث نص في هذا الإطار على أنه: “لا تخضع مؤسسات الائتمان لمساطر الوقاية ومعالجة صعوبات المقاولة المنصوص عليها بالتتابع في أحكام القسمين الأول والثاني بالكتاب الخامس من القانون رقم 15.95 المتعلق بمدونة التجارة))
وعلى مستوى القانون الفرنسي، يلاحظ أنه بالرغم من كون المشرع الفرنسي يأخذ بدوره بنظام الإدارة المؤقتة لمقاولات الاستثمار، والذي تعتبر الصعوبات المبررة لتطبيقه على هذه الأخيرة مشابهة لتلك التي تبرر تعيين مدير مؤقت لإحدى شركات البورصة، لاسيما فيما يخص عدم وجود المقاولة في حالة توقف عن الدفع، فإنه لم يستثن مع ذلك هذه المؤسسات من الاستفادة من مسطرة المصالحة والتي تقابلها إجراءات التسوية الودية في التشريع المغربي، وتندرج ضمن إجراءات الوقاية من صعوبات المقاولة في القانون الفرنسي.
إلا أن ما يميز القانون الفرنسي في هذا الصدد، هو كونه عمل على وضع بعض المقتضيات التي من شأنها أن تسمح لهيئة الرقابة الاحتياطية بأن تكون على علم بمجريات الأمور بما يخص سلوك مسطرة المصالحة في مواجهة إحدى مقاولات الاستثمار الخاضعة لرقابتها، بحيث علق، بمقتضى الفقرة الثانية من المادة L613- 27من التقنين النقدي والمالي كما تم تعديلها وتتميمها، سلطة رئيس المحكمة المختصة بالبت في الطلب الرامي إلى استفادة مقاولة الاستثمار من إجراءات المصالحة على ضرورة استطلاع رأي هيئة الرقابة الاحتياطية Autorité de contrôle prudentielالتي تبدي رأيها بهذا الشأن ([21]).
وقد حددت المادة 613-16R من المرسوم الصادر لأجل تطبيق التقنين النقدي والمالي الطريقة أو الكيفية التي ينبغي أن يتم بها استطلاع رأي هيئة الرقابة الاحتياطية بخصوص الطلب الرامي إلى فتح مسطرة المصالحة في مواجهة إحدى مقاولات الاستثمار، وهكذا، يتعين على الممثل القانوني لمقاولة الاستثمار التي ترغب في تقديم طلب من أجل افتتاح مسطرة المصالحة، أن يعمل قبل ذلك، على إخبار هيئة الرقابة الاحتياطية بالأمر واستشارتها بهذا الخصوص، ويتم ذلك عن طريق رسالة مضمونة مع إشعار بالتوصل، تتضمن كافة المعلومات الضرورية الكفيلة بتمكين هيئة الرقابة الاحتياطية من تكوين صورة واضحة عن وضعية المقاولة، وتبدي هذه الأخيرة رأيها مكتوبا داخل أجل لا يزيد عن شهر يتم احتسابه من تاريخ التوصل بالطلب، والا اعتبر ذلك بمثابة موافقة على افتتاح المسطرة، على أن ترفق المؤسسة المعنية طلبها المقدم إلى رئيس المحكمة بالملاحظات التي قدمتها الهيئة، أو ما يفيد تقديمها للطلب المذكور في حالة ما إذا انصرم الأجل المذكور دون جواب ([22]) و ([23]).
إلا أنه، وفي حالة صدور أمر بالوقف المؤقت للإجراءات عن رئيس المحكمة المختصة في إطار مسطرة المصالحة المفتوحة في مواجهة مقاولة للاستثمار، فإنه يتعين على كتابة الضبط التابعة للمحكمة المعني رئيسها بالأمر، أن تعمل كتابة، وبدون أجل، على إخبار هيئة الرقابة الاحتياطية تطبيقا لما ورد في المادة 613-17R من نفس المرسوم.
هذا، وبعد أن استعرضنا موقف قوانين السوق المالية لبعض الدول الأجنبية، وكذا موقف بعض القوانين المنظمة بالمغرب للأنشطة التجارية التي يخضع الشروع في مزاولتها لمراقبة الدولة، من مسألة استفادة شركات البورصة بوجه خاص، وشركات المساهمة التي تخضع للإدارة المؤقتة من إجراءات الوقاية من صعوبات المقاولة المقررة بمقتضى القانون رقم 15.95 المتعلق بمدونة التجارة، فإن التساؤل يطرح حول ما إذا كان من الممكن اعتماد نفس المبدأ الذي يقرره القانون الفرنسي بشان أحقية مقاولات الاستثمار في الاستفادة من إجراءات المصالحة، والقول تبعا لذلك بإمكانية خضوع شركات البورصة بالمغرب لمساطر الوقاية من صعوبات المقاولة بالرغم من كونها تخضع لنظام الإدارة المؤقتة؟ أم على العكس من ذلك فإن الموقف الذي يقرره القانون البنكي المغربي بخصوص استثناء مؤسسات الائتمان من نطاق الأشخاص الخاضعين لمساطر الوقاية هو الأجدر بالتأييد؟ .
وفي نظرنا، وبالرغم من عدم وجود نص صريح يقضي باستبعاد شركات البورصة من نطاق تطبيق الإجراءات المتعلقة بالوقاية من صعوبات المقاولة، فإننا نرى بأن هذه الأخيرة لا يمكن أن تخضع في ظل الوضع الراهن لمساطر الوقاية المذكورة، وذلك لعدة اعتبارات:
فمن جهة أولى؛ فإن استحداث مشرع قانون البورصة لنظام الإدارة المؤقتة من أجل مواجهة الصعوبات القانونية أو المؤسساتية أو الأزمات المالية التي قد تعوق تسيير وإدارة شركة البورصة بكيفية حسنة، وجعل عملية مواجهة هذه الصعوبات وتذليلها تتم تحت نظر السلطات العمومية المكلفة بالإشراف ومراقبة السوق المالية، إنما يكون أفصح بشكل أكيد عن استبعاد مختلف الإجراءات الوقائية الأخرى التي قد تكون مقررة بمقتضى القواعد العامة لوقاية المقاولات التجارية من الصعوبات التي تهدد بتوقفها عن الدفع.
أضف إلى ذلك أن نظام الإدارة المؤقتة المتبنى بموجب ظهير 21 سبتمبر 1993 المنظم لبورصة القيم يعتبر مقتضى خاصا مقررا من أجل مجابهة المشاكل المالية التي قد تعترض سير شركات البورصة، وذلك في مقابل الإجراءات المنصوص عليها في القسم الأول من الكتاب الخامس من مدونة التجارة، والمتعلقة بالوقاية من الصعوبات التي تهدد السير الطبيعي للمقاولات وتهدد بتوقفها عن الدفع، والتي تعتبر نصا عاما بحكم قابليتها للتطبيق على سائر المقاولات التجارية، الأمر الذي يقتضي إعطاء الأولوية في التطبيق للمقتضيات المتعلقة بالإدارة المؤقتة، الواردة في قانون البورصة، واستبعاد تلك المماثلة لها من حيث الأهداف الواردة في مدونة التجارة، وذلك إعمالا للقاعدة المتعارف عليها في أوساط الفقه والقضاء من أن النص الخاص يقيد النص العام ويقدم عليه في التطبيق ([24]).
وحتى لو سلمنا بفرضية أن التنصيص على نظام الإدارة المؤقتة لشركات البورصة في القانون البورصوي لسنة 1993، لا يغني عن تطبيق مساطر الوقاية من صعوبات المقاولة المستحدثة بمقتضى القانون رقم 15.95 للاختلاف الجوهري الحاصل بين النظامين وآليات إعمالهما والجهات المشرفة عليها، وأن وحدة أو تطابق الوضعية المالية المبررة لتطبيق كل منهما لا ينهض مبررا لاستبعاد الثانية لصالح الأولى، فإن ذلك سيؤدي إلى أن تطفو على السطح بعض المشاكل التي قد تزيد من تأزيم الوضع المالي لشركة البورصة المعنية بالأمر بدل تقويمه، وذلك نتيجة عدم وضع المشرع لبعض القواعد من أجل معالجة الإشكالات التي قد يفرزها التداخل بين الإجراءات المذكورة، ولاسيما بين نظام الإدارة المؤقتة من جهة، ومسطرة التسوية الودية من جهة ثانية.
وهكذا، فإن افتتاح إجراءات التسوية الودية في مواجهة شركة البورصة التي تعاني من صعوبات قانونية أو اقتصادية أو مالية لا يغل يد السلطات العمومية عن اتخاذ قرار بتعيين مدير لمؤقت لها كلما قدرت أن المشاكل التي تعترض سيرها تمثل صعوبات قانونية أو مؤسساتية أو أزمة مالية تبرر وضعها تحت نظام الإدارة المؤقتة. كما أن وضع إحدى شركات البورصة تحت الإدارة المؤقتة لا يمنع من لجوء المدير المؤقت باعتباره الممثل القانوني لها، إلى رئيس المحكمة التجارية المختصة من أجل استفادتها من إجراء التسوية الودية إذا قدر أن هذه الأزمات التي تواجهها تشكل صعوبات قانونية أو اقتصادية أو مالية، أو أن لها حاجات مالية لا يمكن تغطيتها بواسطة تمويل يناسب إمكاناتها الذاتية في إطار قانون البورصة ([25]).
واذا ما قدرنا أن الوضع تحت الإدارة المؤقتة لشركة البورصة الخاضعة لإجراء التسوية الودية لا يترتب عنه أن يتم إنهاء مهمة المصالح المعين في إطار إجراء التسوية الودية من أجل تسهيل سير المقاولة والعمل على إبرام اتفاق مع الدائنين، وأن افتتاح إجراء التسوية الودية في مواجهة شركة البورصة الموضوعة تحت الإدارة المؤقتة، لا ينجم عنه أن يتم وقف مهمة المدير المؤقت المعين والحالة هذه، على غرار ما عليه الأمر بالنسبة للتوقف عن الدفع الذي يضع حدا لتعيين المدير المؤقت إذا بوشر من قبل، فإن ذلك سيفضي إلى أن تجد شركة البورصة نفسها خاضعة لإجراءين وقائيين تشرف عليهما جهتين مختلفتين قد يؤدي التضارب فيما يخص تقدير الإجراءات المناسبة لتذليل الصعوبات التي تعاني منها والقرارات اللازم اتخاذها إلى انعكاسات سلبية على وضعية الشركة ذاتها ووضعية عملائها ودائنيها ومختلف المتعاملين معها ([26]) و ([27]).
الفقرة الثانية:حدود خضوع شركات البورصة لمساطر معالجة صعوبات المقاولة
تشكل مساطر معالجة صعوبات المقاولة وبعبارة أدق مسطرة التسوية القضائية، حجر الزاوية فيما يخص مختلف المساطر المقررة في نظام الإجراءات الجماعية المنصوص عليه في الكتاب الخامس من مدونة التجارة، من أجل مواجهة المشاكل المالية للمقاولات التجارية، وذلك بالنظر إلى حجم الأهداف المتوخاة منها، والمتمثلة في الحفاظ على استمرارية استغلال المقاولة وعلى مناصب الشغل الموجودة بها، بالموازاة مع عملية إبراء ذمتها من الديون المترتبة عليها، ولكونها -أي مساطر المعالجة – ترتكز على تقويم وضعية المقاولة وتصحيحها أكثر من ارتكازها على تصفية أموال المدين.
فكما هو معلوم، فإن الغاية من وضع مساطر قضائية لمعالجة صعوبات المقاولة التي تتوقف عن دفع ديونها تكمن بالأساس في الرغبة الأكيدة في الحفاظ على استمرار هذه المقاولة في مزاولة نشاطها كلما كانت وضعيتها المالية والاقتصادية لا تزال تسمح لها بالخضوع لحل من هذا القبيل، إذ أن ضمان استمرارية استغلال المقاولة المتوقفة عن الدفع،
عن طريق التسوية القضائية، يفضي في سائر الأحوال إلى نتائج مرضية بالنسبة لجميع الأطراف المعنية بالأمر، وذلك على خلاف التصفية القضائية التي غالبا ما تكون لها آثار سلبية على المقاولة ذاتها وعلى دائنيها وأجرائها ([28])
وترتكز مسطرة التسوية القضائية على استمرار المقاولة الصادر في مواجهتها حكم يقضي بفتح المسطرة، في مزاولة نشاطها تحت إشراف القاضي المنتدب والسنديك وبمساعدة المسير إن اقتضى الحال، وذلك لمدة أقصاها أربعة أشهر قابلة للتجديد مرة واحدة بطلب من السنديك، يتولى خلالها هذا الأخير إعداد تقرير عن الوضعية المالية والاقتصادية والاجتماعية للمقاولة واقتراح إما مخططا لاستمرارية هذه المقاولة Plan de continuation أو لتفويتها cession كليا أو جزئيا لأحد الأغيار سواء كان شخصا طبيعيا أو معنويا.
وبذلك فإن الهدف من إقرار التسوية القضائية هو حماية المقاولة في حد ذاتها ثم المصالح الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بها، وذلك عن طريق تصحيح وترشيد أوضاعها المالية، إذ تتدرج هذه التسوية من محاولة تأمين استمرارية استغلال المقاولة، ولو اقتضى الأمر استبدال الطاقم المشرف على تسييرها أو وقف بعض فروع نشاطها، إلى تفويتها كليا أو جزئيا بهدف إبراء ذمتها من الديون والحفاظ على نشاطها إذ ا كان من شأنه أن يسمح بشكل مستقل باستغلال كل أو بعض مناصب الشغل الخاصة به.
هذا، ويتوقف افتتاح مسطرة التسوية القضائية على ضرورة أن تكون المقاولة المعنية بالأمر، متوقفة عن الدفع، أي ليس بمقدورها الوفاء بالديون المترتبة في ذمتها عند حلول آجال أدائها كما عبر عن ذلك المشرع المغربي في المادة 560 من مدونة التجارة، والتي ورد فيها: “تطبق مساطر معالجة صعوبات المقاولة على كل تاجر وكل حر في وكل شركة تجارية ليس بمقدورهم سداد الديون المستحقة عليهم عند الحلول، بما في ذلك الديون الناجمة عن الالتزامات المبرمة في إطار الاتفاق الودي المنصوص عليه في المادة 556 أعلاه))
غير أنه إذا كان العجز على سداد الديون يعتبر عنصرا أساسيا لافتتاح مسطرة التسوية القضائية في مواجهة المقاولة، فإنه يشترط في هذا العجز ألا يصل في حدته إلى الدرجة التي تصبح معها وضعية مختلة بشكل لا رجعة فيه. ذلك أن وصول المقاولة إلى هذه المرحلة من مراحل تردي الوضع المالي، يفيد كما سنرى لاحقا، أن وضعيتها أصبح ميئوس منها، ولا ينفع فيها وقاية وعلاج، مما ينبغي أن يصار معه إلى إخضاعها مباشرة إلى مسطرة التصفية القضائية، وليس مسطرة التسوية القضائية ([29]).
إذا كان المشرع المغربي، بمقتضى الفقرة الثانية من المادة47 من قانون البورصة، قد علق، تدخل السلطات العمومية ممثلة في مجلس القيم المنقولة من أجل تعيين مدير مؤقت لشركة البورصة التي تستدعي وضعيتها ذلك، على ضرورة ألا تكون هذه الأخيرة في وضعية التوقف عن الدفع، ورتب على وقوع هذا التوقف مبررا لوضع حد لمهام المدير المؤقت بقوة القانون إذا تم تعيينه من قبل، فهل ذلك من شأنه أن يفيد في خضوع شركة البورصة الموجودة في حالة توقف عن الدفع لمسطرة التسوية القضائية، لاسيما وأن كافة الشروط الأخرى التي قررها المشرع من أجل افتتاح مسطرة من هذا القبيل تتوافر في هذا النوع من الشركات ([30])؟
يجب الاعتراف بهذا الصدد بأن الأمر لا يخلو من صعوبة، وذلك بسبب الإشكال الذي يطرحه تفسير وتكييف مقتضيات الفقرة الثانية من المادة 47 من قانون البورصة المغربي التي تم وضعها في ظل سريان العمل بنظام الإفلاس والتصفية القضائية المنصوص عليه في القانون التجاري لسنة 1913، مع مقتضيات النظام الجديد لصعوبات المقاولة المتبنى بموجب مدونة التجارة، وذلك راجع إلى الاختلاف البين في تحديد مفهوم التوقف عن الدفع ما بين نظام الإفلاس ونظام صعوبات المقاولة.
وبذلك، فإن الإجابة عن التساؤل المذكور تتوقف أولا وقبل كل شيء على تحديد طبيعة التوقف عن الدفع الذي يمنع توافره من تعيين مدير مؤقت لإحدى شركات البورصة، ويضع
حدا لهذا التعيين إذا ما تم من قبل، في ضوء مختلف درجات الصعوبات التي يمكن أن تعترض المقاولة في إطار نظام صعوبات المقاولة. وبعبارة أخرى، فإذا تم اعتبار هذا التوقف بمثابة عجز عن الأداء أو بالأحرى عدم قدرة على سداد الديون عند الحلول، فإنه يترتب عن ذلك أن تكون شركات البورصة مخاطبة بأحكام مساطر المعالجة، وبالتالي تخضع لمسطرة التسوية القضائية، أما إذا تم اعتبار التوقف عن الدفع مقابلا للوضعية المختلة بشكل لا رجعة فيه، فإن شركات البورصة في هذه الحالة تكون مستثناة من نطاق تطبيق المساطر المذكورة، ولا تعتبر مخاطبة بأحكام الكتاب الخامس من مدونة التجارة إلا فيما يتعلق بالتصفية القضائية.
وفي غياب نص قانوني صريح في هذا الشأن، لو نظرنا إلى موقف الفقه والقضاء من هذه المسألة، لوجدنا أن هناك اتجاها من الفقه يعتبر الإحالة على المقتضيات المتعلقة بالإفلاس والتصفية القضائية المنصوص عليها في بعض القوانين المنظمة للأنشطة التي يخضع الشروع في مزاولتها لترخيص مسبق للسلطة الحكومية المكلفة بالمالية ([31]) بمثابة إحالة خاصة على المقتضيات المنظمة للتسوية القضائية والتصفية القضائية المنصوص عليها في الكتاب الخامس من مدونة التجارة الخاص بنظام صعوبات المقاولة ([32])، الأمر الذي يجعل وفقا لهذا الفقه من التوقف عن الدفع المنصوص عليه في أحكام الفقرة الثانية من المادة 47 من قانون البورصة بمثابة عجز عن الأداء المبرر لافتتاح مسطرة التسوية القضائية تجاه كل مقاولة يثبت تعرضها لصعوبات من هذا القبيل . أما الاجتهاد القضائي المغربي فلم تتح له -في حدود ما اطلعنا عليه -الفرصة ليقول كلمته في الموضوع.
إلا أنه إذا كان من المسلم به قانونا أن الإحالات الواردة في النصوص التشريعية الجاري بها العمل على أحكام قانون التجارة المتعلقة بالإفلاس والتصفية القضائية تعتبر بمثابة إحالة على الأحكام المماثلة لها في مدونة التجارة التي نسخت وعوضت القانون التجاري الملغى لسنة 1913 ([33])، فإن تفسير الإحالة المنصوص عليها في المادة 47 المشار إليها أعلاه، وتقييدها بمسطرتي التسوية القضائية والتصفية القضائية يبقى محل نظر.
وفي حقيقة الأمر، فإن تعيين الأحكام المقابلة بمدونة التجارة للمقتضيات المتعلقة بالإفلاس والتصفية القضائية التي كان منصوصا عليها في القانون التجاري الملغي لسنة 1913، والتي يتوقف عليها تحديد ما إذا كان التوقف عن الدفع المنصوص عليه في مقتضيات الفقرة الثانية من المادة 47 من قانون البورصة المغربي يتمثل في العجز عن الأداء أم اختلالا للوضعية بشكل لا رجعة فيه، لا يمكن أن يخرج عما هو مقرر بمقتضى القسم الثالث من الكتاب الخامس من مدونة التجارة، والمخصص للتصفية القضائية.
فكما هو معلوم تعد الإحالة على الأحكام المتعلقة بالإفلاس والتصفية القضائية الواردة في نص الفقرة الثانية من المادة 47 المذكورة بمثابة إحالة عامة على نظام الإجراءات الجماعية السائد آنذاك المتبنى بموجب الكتاب الثاني من القانون التجاري المغربي لسنة 1913، والمخصص للإفلاس والتفالس والتصفية القضائية ورد الاعتبار، وهو ما يقتضي بأن تعتبر جميع مقتضيات الكتاب الخامس من مدونة التجارة المنظم لصعوبات المقاولة بمثابة الأحكام المقابلة في مدونة التجارة للمقتضيات المتعلقة بالإفلاس والتصفية القضائية في القانون الملغى لسنة 1913.
إلا أنه لما كان من شأن تأويل موسع كهذا لماهية المقتضيات المقابلة بمدونة التجارة للأحكام المتعلقة بالإفلاس والتصفية القضائية لا يجوز، لأنه يؤدي إلى القول بخضوع شركات البورصة إلى مختلف المساطر المقررة في الكتاب الخامس من مدونة التجارة المتعلق بصعوبات المقاولة، مما يشكل تعارضا مع ما سبق أن انتهينا إليه من أن شركات البورصة لا تخضع لمساطر الوقاية من الصعوبات المندرجة ضمن النظام المذكور، على اعتبار أن نظام الإدارة المؤقتة يعد إجراء خاصا للوقاية تكون له الأولوية في التطبيق ([34])، للمساطر المذكورة، ويتعارض أيضا مع ما هو مقرر بالفقرة الثانية التي لا تجيز وضع حد لمهمة المدير المؤقت، وتطبيق القواعد الخاصة بالمساطر الجماعية إلا إذا أصبحت شركة البورصة المعنية بالأمر في حالة توقف عن الدفع، فإن ذلك يقتضي بأن يتم التقيد في رسم نطاق الأحكام المقابلة بمدونة التجارة للمقتضيات المتعلقة بالإفلاس والتصفية القضائية، بطبيعة وجوهر مسطرتي الإفلاس والتصفية القضائية في ظل القانون الملغى لسنة 1913، وما إذا كانا يعتبران معا أو أحدهما إجراء تقويميا، أم على العكس من ذلك لهما طبيعة تصفوية.
وهكذا، فبالعودة إلى نصوص القانون التجاري الملغى لسنة 1913، نجد أن نظام الإجراءات الجماعية آنذاك لم يكن يعرف إلا نوعا معينا من الصعوبات يتمثل في التوقف عن الدفع الذي يبرر، بحسب الموقف الذي يتخذه المدين من ذلك، إما فتح مسطرة التصفية القضائية وأما شهر الإفلاس كوسيلة للتصدي للوضع المالي الذي أصبح فيه المدين المعني بالأمر بفعل توقفه عن أداء ديونه.
ويترتب على وحدة الصعوبات التي كان يعالجها القانون السالف الذكر، والمفهوم المعطى لها من قبل الفقه والقضاء والمحدد في وصول المقاولة إلى مركز مالي ميئوس منه، أن جميع الإجراءات التي كان يقررها القانون التجاري لسنة 1913 لمعالجة الاضطرابات المالية التي تواجه المشروعات التجارية تكتسي طابعا تصفويا ([35])، ترتكز على تصفية أموال المدين المتوقف عن الدفع وتوزيعها على دائنيه ليقتسموها فيما بينهم قسمة غرماء، ولا تعترف بحق البقاء والاستمرار للمقاولات التي تواجه أوضاعا مالية صعبة رغم ارتباط أطراف عدة ببقائها واستمرارها ([36]). فبالرغم من أن المشرع كان يميز آنذاك بين التصفية القضائية والإفلاس، فإنه لا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبار نظام التصفية القضائية إجراءا تقويميا ولو إلى حد ما، وذلك على اعتبار أن هذا التمييز في التطبيق ما بين التصفية القضائية والإفلاس كان يرتكز على معيار أخلاقي يستند إلى حسن نية التاجر المتوقف عن الدفع من عدمه، ولم يكن تمييزا يستند إلى حقيقة الوضعية المالية لمشروعه التجاري وما إذا كان قابلا للإصلاح أم غير قابل لذلك بالمرة.
ومما يؤكد الطابع التصفوي لنظام التصفية القضائية في ظل القانون الملغى لسنة 1913، أن المشرع قد علق التمتع بميزة التصفية القضائية بالإضافة إلى حسن نية التاجر، على ضرورة التوقف عن الدفع، وهو نفس الوضع المالي المضطرب الذي يبرر الحكم بشهر الإفلاس، وكل ما هنالك أن التصفية القضائية كانت إجراء تصفويا أخف وطأة على التاجر المتوقف عن الدفع من نظام الإفلاس، بحيث لم يكن يترتب عنها غل يد المدين، بل كان على العكس من ذلك يستمر على رأس مشروعه التجاري، ويقوم باستيفاء الديون ومباشرة سائر الأعمال التحفظية وإقامة الدعاوى وغيرها من التصرفات بينما يقتصر دور المصفى الذي تعينه المحكمة على مساعدة التاجر المعني بالأمر على إنجاز عمليات التصفية، الأمر الذي دفع ببعض الفقه إلى اعتبارها بمثابة إفلاس مخفف يلائم التاجر حسن النية المتوقف عن الدفع.
وبناء عليه، فلما كان الطابع التصفوي لأموال المدين المتوقف عن الدفع هو الذي يميز المقتضيات المتعلقة بالإفلاس والتصفية القضائية المنصوص عليهما في قانون 1913 ، ولما كان يتعذر اعتبار نظام صعوبات المقاولة بمجمله مقابلا لهما بمدونة التجارة للاعتبارات التي سبق تفصيلها أعلاه، فإن تحديد ما يقابل إجرائي الإفلاس والتصفية القضائية من أحكام تشريعية في مدونة التجارة لا ينبغي أن يتجاوز هذا الإطار، أي تلك المساطر التي تهدف إلى تصفية المقاولة دون تلك التي ترمي إلى تقويم وضعيتها وتأمين استمرارية استغلالها.
وإذا ما رجعنا إلى مدونة التجارة، نجد أن المشرع المغربي يحدد ثلاث طرق يمكن بواسطتها معالجة مختلف الصعوبات التي قد تواجه المقاولة خلال فترة استغلالها.
وتختلف هذه الطرق بحسب طبيعة الصعوبات المتعرض لها ودرجة حدتها وحجم تأثيرها على استمرارية استغلال المقاولة، فهناك من الصعوبات ما يتمثل في وجوع وقائع من شأنها الإخلال باستمرارية الاستغلال يتم التصدي لها باللجوء إلى وسائل ذات طابع وقائي (عن طريق الوقاية الداخلية أو الوقاية الخارجية)، للحيلولة دون تطور هذه الصعوبات إلى مستوى عجز المقاولة عن أداء ديونها، كما يوجد نوع ثان من الصعوبات يتمثل في عدم قدرة المقاولة على سداد ديونها المستحقة تتم مواجهتها بإعمال وسائل ذات طابع علاجي (التسوية القضائية)، وتهدف إلى تأمين استمرارية النشاط الاقتصادي للمقاولة والحفاظ على مناصب الشغل المرتبطة به وتصفية الخصوم، وهناك كذلك نوع ثالث من الصعوبات يتحدد في وصول وضعية المقاولة إلى حد من التردي المالي تصبح معه وضعيتها مختلة بشكل لا رجعة فيه وغير قابلة للإصلاح بالمرة، مما يقتضي وضع المقاولة في حالة تصفية قضائية لبيع أصولها واستعمال ناتج البيع هذا في تسديد الخصوم وفق قواعد التوزيع المقررة بالقانون للدائنين بحسب مراكزهم القانونية ([37]).
وهكذا، يتضح أن مسطرة التصفية القضائية تعد الإجراء التصفوي الوحيد المعمول به في إطار نظام صعوبات المقاولة المغربي، وذلك على خلاف الإجراءات الأخرى المقررة في هذا النظام، والتي لا ترمي إلى تصفية أموال المقاولة بقدر ما ترمي إما إلى وقايتها من التوقف عن الدفع الذي يتهددها، وأما تأمين استمرارية نشاطها في حالة التوقف عن الدفع أو العجز عن سداد الديون.
وبذلك، فإن الإحالة على القواعد المتعلقة بالإفلاس والتصفية القضائية في القانون التجاري الملغى لسنة 1993 لا يتجاوز نطاق ما يقابلها من أحكام في القانون رقم 15.95 المتعلق بمدونة التجارة تلك المقتضيات المتعلقة بالتصفية القضائية المنصوص عليها في القسم الثالث من الكتاب الخامس الخاص بصعوبات المقاولة، وذلك علاوة على المقتضيات المنصوص عليها في القسم الرابع المتعلق بالقواعد المشتركة بين مساطر المعالجة والتصفية القضائية، والمقتضيات المضمنة في القسم الخامس الخاص بالعقوبات المتخذة ضد مسيري المقاولة.
ويترتب عن هذا الأمر، أن التوقف عن الدفع المنصوص عليه في الفقرة الثانية من المادة 47 السالف ذكرها، والذي يعتبر مانعا من تعيين مدير مؤقت لشركة البورصة، ويضع حد لهذا التعيين إذا بوشر من قبل، لا يمكن أن يفسر ويحدد مفهومه إلا في ضوء تلك الصعوبات التي يترتب عنها في ظل التشريع الراهن إخضاع المقاولات المتعرضة لها لمسطرة التصفية القضائية، أي تلك التي تدل على اختلال وضعية المقاولة بشكل لا رجعة فيه كما تقضي بذلك الفقرة الأولى من المادة 619 من مدونة التجارة ([38]).
ومن تم، فلما كان التوقف عن الدفع بالنسبة لشركات البورصة لا يفيد فقط عدم قدرة هذه الأخيرة عن أداء ديونها المستحقة، بقدر ما يدل على عدم قابلية وضعيتها للإصلاح بالمرة، فإن ذلك ينتج عنه ألا يكون هناك محل لتطبيق مساطر المعالجة من صعوبات المقاولة (التسوية القضائية) على هذه الفئة من شركات المساهمة، ما دام أن وصولها إلى هذه المرحلة من التردي المالي يقتضي أن يصار مباشرة إلى وضعها في حالة تصفية قضائية نتيجة اختلال مركزها بشكل لا رجعة فيه.
ومما يؤكد وجهة نظرنا هذه التي ترتكز على استبعاد شركات البورصة من نطاق تطبيق مسطرة التسوية القضائية، ما أفصح عنه مشرع القانون البنكي المغربي بخصوص تطبيق مساطر المعالجة على مؤسسات الائتمان، والتي تخضع فيما يخص تأسيسها ومزاولة نشاطها والمراقبة الخاضعة لها لأحكام شبيهة بتلك المطبقة على شركات البورصة.
فبرجوعنا بهذا الخصوص إلى المادة 85 من القانون رقم 34.03 المنظم للمهنة البنكية بالمغرب، نجد أنها كانت صريحة في استثناء مؤسسات البنوك من الخضوع لمساطر المعالجة المنصوص عليها في القسم الثاني بالكتاب الخامس من مدونة التجارة، كما جعل بمقتضى المادة 97 من نفس القانون اختلال وضعية هذه المؤسسة بشكل لا رجعة فيه مانعا من استمرار المدير المؤقت في مباشرة مهامه ([39])، ومبررا لسحب رخصة اعتماد المؤسسة المعنية بالأمرة ([40])، متفاديا بذلك استعمال عبارة ” التوقف عن الدفع” المنصوص عليها في قانون البورصة لسنة 1993.
ويبدو أن الرغبة في تفادي اللبس التي كانت تثيره الفقرة الثانية من المادة 53 من القانون البنكي الملغى لسنة 1993([41]) -والتي تقابلها الفقرة الثانية من المادة 47 من قانون البورصة-بشأن تحديد نطاق ما يقابل من أحكام في مدونة التجارة للقواعد المتعلقة بالإفلاس والتصفية القضائية، وما قد يفضي إليه من تباين في المواقف بشأن تطبيق مساطر معالجة صعوبات المقاولة على مؤسسات البنوك، هي التي جعلت المشرع المغربي يتدخل ويستثني
بشكل صريح، في المادة 85 من القانون الجديد لسنة 2006، المؤسسات البنكية من نطاق تطبيق مسطرة التسوية القضائية ([42]).
هذا، أما بالنسبة إلى التشريع الفرنسي، فنجد هذا الأخير لم يستبعد كما فعل مشرع القانون البنكي المغربي، مقاولات الاستثمار من دائرة الأشخاص المخاطبين بأحكام الحماية والتسوية القضائية للمقاولات المتوقفة عن الدفع، وإنما عمل خلافا على ذلك على تأكيد خضوع هذه الطائفة من الشركات لأحكام الكتاب السادس من القانون التجاري الفرنسي، وذلك مع وضع بعض المقتضيات الخاصة التي تفرضها طبيعة النشاط التي تزاوله مقاولات الاستثمار هذه، وخضوعه للمراقبة المسبقة والمستمرة من طرف الدولة.
وهكذا، فبالاطلاع على نص الفقرة الأولى من المادة L613-27من التقنين النقدي والمالي الفرنسي كما تم تعديلها وتتميمها، فإن المشرع الفرنسي قد قيد سلطة المحكمة المختصة في إصدار حكم يقضي بافتتاح مساطر الحماية sauvegarde أو التقويم redressement أو التصفية liquidation القضائية في مواجهة إحدى مقاولات الاستثمار بضرورة الحصول على الموافقة المسبقة لهيئة الرقابة الاحتياطية avis conforme de l’autorité de contrôle prudential ([43]).
ففي هذا الإطار، يتعين على رئيس المحكمة المختصة، قبل اتخاذ أي إجراء بشأن افتتاح مسطرة الحماية أو التقويم القضائي في مواجهة إحدى مقاولات الاستثمار، أن يعمل على توجيه رسالة في الموضوع، عن طريق كتابة الضبط، إلى هيئة الرقابة الاحتياطية، التي تتوفر على أجل لا يتعدى الواحد والعشرين يوما (21) يتم احتسابها من تاريخ التوصل من أجل إبداء رأيها بهذا الخصوص، وفي حالة الاستعجال يمكن لرئيس المحكمة أن يخفض من هذا الأجل، على ألا يقل في جميع الأحوال عن خمسة أيام عمل. ويترتب على تأخر الهيئة في الجواب على الرسالة الموجهة إليها في هذا الإطار إلى ما بعد مرور الأجل المحدد لها، أو عدم جوابها أن يعتبر ذلك بمثابة موافقة ضمنية منها على افتتاح المسطرة الملائمة في مواجهة مقاولة الاستثمار المعنية بالأمر، وذلك تطبيقا لما نصت عليه في هذا الإطار الفقرات الأولى والثانية والثالثة من نص المادة R613-14 من المرسوم الصادر من أجل تحديد الكيفيات التي يتم بها استطلاع موقف السلطة المختصة بشأن خضوع مقاولات الاستثمار لمساطر صعوبات المقاولة ([44]).
ولا يقتصر الأمر فقط على تخويل السلطات العمومية بفرنسا التي تتولى أمر مراقبة عمل مقاولات الاستثمار سلطات مهمة بشأن افتتاح مساطر صعوبات المقاولة، وإنما يتعدى الأمر ذلك إلى تخويلها دورا مهما فيما يخص تسيير عمليات وإجراءات المسطرة.
وهكذا، فإذا كانت المحكمة تتوفر على سلطات واسعة بشأن اختيار الشخص المسندة إليه مهمة المتصرف القضائي الذي يتولى في ظل القانون الفرنسي تسيير عمليات التسوية القضائية، فإنه في الحالة التي يتم فيها افتتاح مسطرة التقويم القضائي في مواجهة إحدى مقاولات الاستثمار الخاضعة للإدارة المؤقتة، فإن سلطات المحكمة بشأن تحديد سلطات المتصرف القضائي المعين من أجل الإشراف على سير عمليات التقويم، تضيق شيئا ما والحالة هذه، بحيث لا يمكن لها أن تكلف هذا الأخير إلا بمراقبة عمليات التسيير كما هي محددة في المادة L622-1 القانون التجاري الفرنسي، بينما يستمر المدير المؤقت المعين من طرف هيئة الرقابة الاحتياطية في مباشرة جميع الاختصاصات والصلاحيات المتعلقة بإدارة وتسيير مقاولة الاستثمار المعنية بالأمر المفتوحة في مواجهتها مسطرة التقويم القضائي، الأمر الذي يسمح للهيئة المذكورة بممارسة اختصاصات مهمة فيما يخص تقويم وضعية المقاولة وتصحيحها، ويحقق في ذات الوقت استمرار رقابتها عليها حماية لحسن سير السوق المالية.
وفي نظرنا، فإن معالجة هذه المسألة تقتضي تدخلا تشريعيا عاجلا من أجل التنصيص بشكل صريح على استبعاد شركات البورصة من الخضوع لمساطر الوقاية والمعالجة من صعوبات المقاولة، على غرار ما هو منصوص عليه في القانون رقم 34.03 المتعلق بمؤسسات الائتمان، لا سيما وأن هذه المساطر والقواعد التي تترتب على الشروع في تطبيقها لا تتلاءم بتاتا مع وضعية شركات البورصة كشركة مخول لها لوحدها امتياز المعاملات المتعلقة بالقيم المنقولة المسعرة في جدول الأسعار ببورصة الدار البيضاء، وبحكم أنه مسموح لها أيضا بالتعامل لسحابها الخاص، عن طريق إنجاز عمليات بيع وشراء للقيم المذكورة لفائدتها، وليس أدل على ذلك ما قد يفضي إليه تطبيق مبادئ من قبيل بطلان التصرفات المنجزة خلال فترة الريبة والمنع من أداء الديون السابقة في نشأتها لتاريخ صدور الحكم القاضي بفتح مسطرة التسوية القضائية على شركات البورصة من اضطراب في سير السوق واهتزاز ثقة المتعاملين فيه.
[1] وتتمثل هذه الخسائر من جهة أولى، في ضياع وحدة إنتاجية تساهم في تنشيط الاقتصاد وتوفير موارد البلاد وامتصاص عدد معين من مجموع مناصب الشغل، ومن جهة ثانية في الإضرار بمصلحة الدائنين نتيجة الاستيفاء الناقص للديون، مما يمس بالائتمان الذي يشكل العصب الرئيس لأي نظام اقتصادي.
[2] كمصر، لبنان، والأردن، والذين لا زالت تشريعاتهم تأخذ بنظام الإفلاس، الذي ترجع جذوره التاريخية لنظام الإفلاس الروماني.
[3] ونخص بالذكر هنا القانون التجاري المغربي ونظيره التونسي، وكذلك القانون الفرنسي، الذي استمدا المشرعين المذكورين مختلف قوانينهما المتعلقة بصعوبات المقاولة منه.
[4] وللمزيد من الإيضاح حول الصفة العقابية التي كانت تطغى على نظام الإفلاس راجع على وجه الخصوص: -فاتحة مشماشي: الصفة العقابية للإفلاس: رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون الخاص، كلية الحقوق بالرباط، السنة الجامعية1995
[5] امحمد لفروجي: صعوبات المقاولة والمساطر القضائية الكفيلة بمعالجتها، الطبعة الأولى، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، فبراير 2000، ص. 15.
[6] امحمد لفروجي: التاجر وقانون التجارة بالمغرب، الطبعة الثانية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء 1999، ص. 393.
[7] ذلك أن القانون التجاري المغربي لسنة 1913 والذي كان معمولا به إلى غاية دخول مدونة التجارة المغربية لسنة 1996 حيز التنفيذ، لم يكن يأخذ باي إجراءات واقية من التوقف عن الدفع، إذ أن هذا القانون كان يخلو من أي أجراء يقي التاجر المهدد بالتوقف عن الدفع من شهر إفلاسه، اللهم إذا استثنينا ذلك الصلح القضائي الذي يتم أبرامه بين المدين ودائنيه بعد التوقف عن الدفع والمنصوص عليه في الفصل 256 وما بعده من هذا القانون.
[8] ويتعلق الأمر بالقانون رقم 15.95 المتعلق بمدونة التجارة، والصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.96.83المؤرخ في 15 من ربيع الأول (فاتح أغسطس 1996)، والمنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ 3 أكتوبر 1996 عدد 4418 النشرة العامة. ص. 2187
[9]. وتتم إجراءات الوقاية الداخلية عبر ثلاث مراحل أساسية: ففي مرحلة أولى يقوم مراقب الحسابات إن وجد، أو أي شريك في الشركة التجارية بإخبار رئيس المقاولة بالوقائع التي من شأنها الإخلال باستمرارية هذه الأخيرة، ويجب أن يتم هذا الإخبار حسب الفقرة الأولى من المادة 546 من مدونة التجارة، بواسطة رسالة مضمونة مع الإشعار بالتوصل توجه إلى رئيس المقاولة المعنية بالأمر داخل أجل ثمانية أيام من تاريخ اكتشاف الوقائع المذكورة. وتتضمن هذه الرسالة دعوة هذا الأخير إلى اتخاذ ما يلزم من تدابير لتصحيح الاخلالات الناتجة عن تعرض المقاولة لصعوبات من النوع المذكور. وفي مرحلة ثانية، يجب على رئيس المقاولة، في حالة عدم استجابته داخل أجل خمسة عشر يوما من التوصل لما طلبه منه مراقب الحسابات أو عدم صولة شخصيا، أو بعد تداول مجلس الإدارة أو مجلس المراقبة، حسب الأحوال إلى نتيجة مفيدة، أن يعمل على تداول الجمعية العامة المقبلة في شأن الوقائع التي من شانها الإخلال باستمرارية استغلال المقاولة وذلك بعد اطلاعها على تقرير مراقب الحسابات كما تنص على ذلك الفقرة الثانية من المادة 546 من مدونة التجارة. أما في المرحلة الثالثة والأخيرة، فيجب بناء على المادة 547 من مدونة التجارة، أن يتم إخبار رئيس المحكمة التجارية التابع لها المقر الاجتماعي للشركة أو المجموعة ذات النفع الاقتصادي التي لها غرض تجاري بوضع المقاولة المعنية بالأمر إما من طرف رئيس هذه الأخيرة وأما من طرف مراقب الحسابات، وذلك في حالة عدم تداول الجمعية العامة في موضوع الوقائع التي من شأنها الإخلال باستمرارية استغلال المقاولة أو في حالة عدم ما إذا لوحظ أن استمرارية الاستغلال لا تزال مهددة بالاختلال بالرغم من القرار الذي اتخذته الجمعية العامة بهذا الخصوص.
- وللمزيد من التوسع حول إجراءات الوقاية الداخلية راجع: أحمد شكري السباعي: الوسيط في مساطر الوقاية من الصعوبات التي تعترض المقاولة ومساطر معالجتها، الجزء الأول، في النظرية العامة والأهداف ومساطر الوقاية من الصعوبات، الوقاية ادلاخلية، الوقاية الخارجية والتسوية الودية، الطبعة الثانية، دار نشر المعرفة، الرباط 2000، ص 154 وما بعدها.
[10] تتميز مسطرة الوكيل الخاص بان أمر تحريكها موكول لسلطة رئيس المحكمة التجارية المختصة محليا، الذي يتولى استدعاء رئيس المقاولة، وذلك أما كاستمرار لمسطرة الوقاية الداخلية بعد أخباره بتعذر الحسم في الصعوبات التي من شأنها الإخلال باستمرارية المقاولة، أوفي الحالة التي يتبين فيها من كل وثيقة أو عقد أو أجراء أن مقاولة تجارية تواجه صعوبات من شأنها أن تشل قدرتها على الوفاء بديونها، قصد النظر في الإجراءات الكفيلة بتصحيح وضعيتها. ويمكن لرئيس المحكمة في نهاية هذا الاجتماع، على الرغم من أي مقتضيات تشريعية مخالفة، أن يطلع على المعلومات التي من شأنها إعطاؤه صورة صحيحة عن الوضعية الاقتصادية والمالية للمدين، وذلك عن طريق مراقب الحسابات أو الإدارات والهيئات العمومية أو ممثل العمال أو أي شخص أخر. وعليه فإذا تبين لرئيس المحكمة أن الصعوبات التي تعترض المقاولة قابلة للتذليل بفضل تدخل أحد الأغيار الذي يكون بمقدوره تخفيف الاعتراضات المحتملة للمتعاملين المعتادين مع المقاولة، عينه بصفة وكيل خاص وكلفه بمهمة وحدد له أجلا لإنجازها، وذلك تطبيقا لمقتضيات المادة 549 من مدونة التجارة.
[11]. تعتبر مسطرة التسوية الودية أهم إجراء وقائي ضمن مساطر الوقاية من صعوبات المقاولة المقررة بمقتضى الكتاب الخامس من مدونة التجارة. وترتكز على طلب يقدم بهذا الخصوص إلى رئيس المحكمة التجارية المختصة محليا من طرف رئيس المقاولة التي تعاني من صعوبات قانونية أو اقتصادية أو مالية أو لها= حاجات لا يمكن تغطيتها بواسطة تمويل يناسب إمكانات المقاولة، يستعرض فيه وضعيتها المالية والاقتصادية والاجتماعية والحاجات التمويلية وكذا وسائل مواجهتها. وإذا تبين لرئيس المحكمة أن اقتراحات رئيس المقاولة من شانها أن تسهل تصحيح وضعية المقاولة، فتح أجراء التسوية الودية وعين مصالحا يتولى تحت إشرافه ورقابته تسهيل تسيير المقاولة المعنية، والعمل على أبرام اتفاق بين رئيس المقاولة ودائنيه، ينصب بالأساس على منح تخفيضات في حجم الديون المترتبة في ذمة المدين وإقرار أجال جديدة للأداء بشأنها.
– وللمزيد من التوسع حول شروط افتتاح إجراءات التسوية الودية وسير إجراءاتها وأثارها راجع رسالتنا لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص حول موضوع: “التسوية الودية كألية للوقاية من صعوبات المقاولة”، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالرباط بجامعة محمد الخامس السويسي -السنة الجامعية 2007 -2008 ص 20 . وما بعدها.
[12] وذلك على اعتبار أن إجراءات الوقاية تعتبر امتيازا في مقابل مساطر المعالجة، أنظر بهذا الخصوص زكرياء العماري: التسوية الودية كألية للوقاية من صعوبات المقاولة، مرجع سابق، ص. 36 وما بعدها.
[13] راجع بهذا الخصوص الفقرة الأولى من المادة 550 من مدونة التجارة السالف ذكرها.
[14] ويجد هذا التوجه مبرره، في أن إجراءات الوقاية وضع أساسا لتذليل الصعوبات ذات الطابع القانوني، الاقتصادي، أو المالي، التي يكون لها أثر سلبي على الوضعية المالية لهذه المقاولة، بصورة تدل دلالة قوية على أن هذه الأخيرة، ستصل في المستقبل القريب إلى حالة التوقف عن الدفع، إن لم يتم في الوقت المناسب تصحيح هذه الصعوبات.
راجع بهذا الخصوص:
– امحمد لفروجي: صعوبات المقاولة والمساطر القضائية الكفيلة بمعالجتها، مرجع السابق، ص. 107.
وبالرغم أن المشرع وقد ذهبت محكمة النقض الفرنسية في نفس السياق إلى أن: “وجود وقائع من شأنها الإخلال باستمرارية استغلال المقاولة يفترض أن التوقف عن الدفع لم يقع بعد، وأن تفادي وقوعه أمر ممكن باللجوء إلى وسائل تدخلية خاصة تترك لرئيس المقاولة سلطاته في الإدارة والتسيير. قرار بتاريخ 14 نونبر 1995 أورده امحمد لفروجي: صعوبات المقاولة والمساطر القضائية الكفيلة بمعالجتها، مرجع سابق، ص. 107.
[15] وذلك تطبيقا لمقتضيات الفقرة الثانية من المادة 47 من الظهير الشريف رقم 1.93.211 المؤرخ في 21 سبتمبر 1993 المتعلق ببورصة القيم، والتي تنص على أنه: “ولا يجوز تعيين مدير مؤقت لشركة البورصة عندما تكون في حالة توقف عن الدفع، وينتهي مفعول تعيينه في هذه الحالة إذا صدر قبل ذلك، ولا يعمل حينئذ إلا بأحكام قانون التجارة المتعلقة بالإفلاس والتصفية القضائية)
[16] وهي الصعوبات التي تبرر بحسب الحالة إما تطبيق إجراءات الوقاية الداخلية أو إجراء الوقاية الخارجية أو ما يعرف بمسطرة الوكيل الخاص. وبخصوص مفهوم الوقائع التي من شأنها الإخلال باستمرارية الاستغلال راجع بوجه خاص:
[17] والتي تعتبر مبررا لتطبيق إجراء التسوية الودية بخصوص مفهوم هذه الصعوبات راجع: زكرياء العماري: مفهوم الصعوبات المالية المبررة لإخضاع المقاولة لإجراءات التسوية الودية، مجلة القضاء المدني، العدد الثاني، صيف/خريف2010. ص 86. مع العلم بأن هذه الصعوبات تشكل نتاجا لعدم التصدي بالوسائل المناسبة وفي إبانه للوقائع التي من شأنها الإخلال باستمرارية استغلال المقاولة.
[18] حيث تنص الفقرة الأخيرة من المادة 36 على ما يلي: “ولا تعتمد باعتبارها شركات للبورصة إلا الشركات المكونة على شكل شركة مساهمة التي يكون مقرها الاجتماعي بالمغرب والتي يكون غرضها الأساسي القيام بالعمليات المشار إليها في المادة 34 من ظهيرنا الشريف هذا المعتبر بمثابة قانون)
[19] مع الإشارة إلى أن شركات البورصة تكتسب الصفة التجارية حتى على مستوى النشاط الذي تمارسه والمتمثل في نشاط الوساطة الذي يعتبر نشاطا تجاريا بنص القانون، كما يستفاد ذلك من مقتضيات المادة السادسة من مدونة التجارة.
[20]. راجع بهذا الخصوص القانون رقم 99.17 المتعلق بمدونة التأمينات والصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.02.238 المؤرخ في 25 رجب 1423 ( 3أكتوبر (2002 والمنشور في الجريدة الرسمية لــ 7 نونبر 2002 عدد 5054، ص. 3105
[21] وذلك تطبيقا لما ورد في الفقرة الثانية من المادة L613-27من التقنين النقدي والمالي الفرنسي كما تم تعديله وتتميمه بمقتضى الأمر رقم 2004-1127 الصادر في 21 أكتوبر 2004, والتي جاء فيها:
Le président du tribunal ne peut être saisi d’une demande d’ouverture du règlement amiable institué par le titre Ier du livre VI du code de commerce à l’égard d’un établissement de crédit, d’une société de financement, d’un établissement de monnaie électronique, d’un établissement de paiement ou d’une entreprise d’investissement qu’après avis conforme de l’Autorité de contrôle prudentiel et de résolution».
– وأنظر أيضا للمزيد من التوسع بخصوص انعكاسات تطبيق إجراءات الوقاية على المتدخلين في السوق المالية:
David Robine : La sécurité des marchés financiers face aux procédures collectives- collection
bibliothèque de droit privé- T. 400- L.G.D.J- PARIS 2003- p 248 et suivi.
Virginie CANU et Bertrand DE SAINT MARS : Intermédiation financière et droit des procédures collectives, ou la nécessité de traiter spécifiquement certains contractants en matière financière, Canu et de Saint Mars, RDBB, juillet/aout 1998, n° 68, p. 119.
[22] حيث نصت المادة 613-16R من المرسوم التطبيقي للتقنين النقدي والمالي الفرنسي على ما يلي:
«Le représentant légal d’un établissement de crédit, d’un établissement de monnaie électronique, d’un établissement de paiement ou d’une entreprise d’investissement qui envisage de déposer une requite tendant à l’ouverture d’une procédure de conciliation doit, par lettre recommandée avec accusé de réception ou lettre remise contre récépissé, saisir l’Autorité de contrôle prudentiel et de résolution d’une demande d’avis préalablement à la saisine du président du tribunal. Cette demande comporte les pièces nécessaires à l’information de l’Autorité de contrôle prudentiel et de résolution. La demande d’avis est, à la diligence de l’Autorité de contrôle prudentiel et de résolution, portée sans délai à la connaissance du président du directoire du fonds de garantie. L’Autorité de contrôle prudentiel et de résolution rend son avis dans un délai d’un mois à compter de la réception de la demande d’avis. En l’absence de réponse de l’Autorité de contrôle prudentiel et de résolution dans le délai imparti, son avis est réputé favorable à l’ouverture de la procédure. L’avis de l’Autorité de contrôle prudentiel et de résolution est écrit et transmis par tout moyen au demandeur. Celui-ci joint cet avis, ou à défaut le récépissé de sa demande, à sa requête selon les modalités prévues aux deuxième et troisième alinéas de l’article 36 du décret n° 85-295 du 1er mars 1985 pris pour l’application de la loi n° 84-148 du 1er mars 1984 relative à la prévention et au règlement amiable des difficultés des entreprises.».
[23] ويترتب على ذلك أنه في حالة عدم تقديم طلب بهذا الخصوص إلى هيئة الرقابة الاحتياطية أو إذا كان تم تقديمه ورفض أن يكون رئيس المحكمة ملزما برفض الطلب المقدم إليه من أجل الاستفادة من إجراء التسوية الودية، وهو ما سبق أن كرسته محكمة النقض الفرنسية في إحدى قراراتها القديمة نسبيا الصادرة بتاريخ 3 مارس 1989 والذي أيدت بموجبه القرار الاستئنافي الذي قضى برفض الطلب المقدم من طرف إحدى شركات التأمين قصد افتتاح إجراءات التسوية الودية دون الحصول على رأي الوزير الوصي على قطاع التأمين كما ينص على ذلك القانون المنظم لها. أنظر بهذا الخصوص:
عبد الرافع موسى: نظام الإفلاس بين الإلغاء والتطوير، دراسة تحليلية للتجربة الفرنسية، دار النهضة العربية 2001، مكان الطبع غير مذكور، ص. 61.
[24] أنظر في نفس التوجه أيضا:
– أستاذنا أحمد شكري السباعي: الوسيط في مساطر الوقاية من الصعوبات التي تعترض المقاولة ومساطر معالجتها، الجزء الثاني، في مساطر المعالجة، الطبعة الأولى، دار نشر المعرفة، الرباط 2000، ص. 102 و103.
وأنظر أيضا في رأي مخالف له للموقف الأول:
– أحمد شكري السباعي: الوسيط في مساطر الوقاية من الصعوبات التي تعترض المقاولة ومساطر معالجتها، الجزء الأول، في النظرية العامة والأهداف ومساطر الوقاية من الصعوبات، الوقاية الداخلية، الوقاية الخارجية والتسوية الودية، الطبعة الأولى، دار نشر المعرفة، الرباط 1998, ص 211 وما بعدها.
إذ رغم تسليم أستاذنا أحمد شكري السباعي بالإشكاليات العويصة التي يطرحها ازدواجية وجود نظام للوقاية الداخلية إلى جانب المساطر الاستثنائية المتعلقة على وجه الخصوص بالإدارة المؤقتة، والتعارض البين بين المسطرتين، فإنه يرى بخضوع شركات البورصة للمسطرتين معا، أي لمساطر الوقاية الداخلية التي يمارسها مراقب الحسابات أو الشريك، ولنظام الإدارة المؤقتة الذي يشرف عليه مجلس القيم المنقولة (ص216).
[25]. وبالرغم مما قد يراه البعض باستحالة افتتاح إجراء التسوية الودية في مواجهة شركة البورصة الخاضعة للإدارة المؤقتة، وصعوبة تصور فرضية من هذا القبيل من الناحية النظرية، وذلك على اعتبار أن المدير المؤقت الذي يحل محل المسيرين القانونيين على رأس شركة البورصة الخاضعة للإدارة المؤقتة، وتنقل إليه جميع الصلاحيات اللازمة لإدارة وتسيير الشركة، يخضع في ممارسة صلاحياته تلك لمراقبة وأشراف مجلس القيم المنقولة، فإننا نرى بأن هذه الفرضية تبقى ممكنة الوقوع من الناحية العملية، ذلك أن المشرع لم يعلق على خلاف نظيره الفرنسي افتتاح إجراء التسوية الودية والحالة هذه على حصول المدير المؤقت على إذن بذلك من السلطات العمومية كما لم يقيد سلطة رئيس المحكمة بالبت في الطلب المقدم إليه باستطلاع رأي مجلس القيم المنقولة . والحالة الوحيدة الذي علق فيها المشرع ممارسة المدير المؤقت لإحدى اختصاصاته في الإدارة والتسيير هي حالة بيع أو تملك عقارات أو سندات مساهمة، وذلك بمقتضى الفقرة الأولى من المادة 48 من التي جاء فيها: “لا يجوز للمدير المؤقت المشار إليه في المادة 47 من هذا القانون تملك أو بيع عقارات وسندات مساهمة إلا بإذن مسبق من مجلس القيم المنقولة)
[26] ولا سيما في الحالة التي يصدر فيها قرار بالوقف المؤقت للإجراءات عن رئيس المحكمة المختصة والذي قد يقيد سلطات المدير المؤقت المكلف لإدارة وتسيير شركة البورصة في اتخاذ بعض التدابير الضرورية التي قد يقتضيها تقويم وضعية هذه الأخيرة إما بمبادرة منه شخصيا أو بتوجيه من مجلس القيم المنقولة.
. وللمزيد من التوسع حول القيود التي يرتبها الأمر بالوقف المؤقت للإجراءات في إطار مسطرة التسوية الودية على سلطة إدارة وتسيير المقاولة الخاضعة لهذه المسطرة، أنظر:
– زكرياء العماري: التسوية الودية كألية للوقاية من صعوبات المقاولة، مرجع سابق، ص. 196 وما بعدها.
[27] ولا بأس من أن نذكر هنا بما راج بشأن هذه المادة أثناء مناقشة مشروع القانون رقم 34.03 المتعلق بمؤسسات الائتمان والعيئات المعتبرة في حكمها، حيث أرجع وزير المالية -في معرض جوابه على تدخلات السادة المستشارين بخصوص أسباب استثناء المؤسسات المذكورة من الخضوع لمساطر الوقاية ومعالجة صعوبات المقاولة المنصوص عليها بالتتابع في أحكام القسمين الأول والثاني بالكتاب الخامس من مدونة التجارة-، إلى عدم تلاؤم هذه المساطر مع خصوصيات مؤسسات الائتمان. ففيما يتعلق بالتسوية الودية، أوضح أن مدونة التجارة نصت على أن يبلغ مراقب الحسابات أو أي شريك في الشركة لرئيس المقاولة التي من شأنها الإخلال باستمرارية استغلالها، داخل أجل ثمانية أيام من اكتشافه لها برسالة مضمونة مع الإشعار بالتوصل يدعوه فيها إلى تصحيح ذلك الإخلال، وإذا لم يستجيب رئيس المقاولة لذلك خلال أجل خمس عشر يوما من التوصل أولم يصل شخصيا أو بعد تداول مجلس الإدارة أو مجلس الرقابة إلى نتيجة مفيدة، وجب عليه العمل على تداول الجمعية العامة المقبلة بشأن ذلك بعد سماعها لتقرير المراقب. كما أشار إلى صعوبة تطبيق هاته المقتضيات على مؤسسات الائتمان نظرا لصعوبة معرفة الاختلالات من خلال تفحص المستندات الحسابية والتي ليست بمتناول جميع الشركاء إذ أن تفحص المستندات مهمة مسندة إلى بنك المغرب، يقوم بها من خلال المستندات الدورية المرسلة إليه من طرف مؤسسات الائتمان وعندما يتبين له أن هناك خللا، يشعر المؤسسة المعنية بالأمر للقيام بما يلزم لتقويمه، ويقوم إذا اقتضى الحال بفحص ميداني لاتخاذ الإجراءات اللازمة التي يخولها له القانون البنكي.
ومن جهة أخرى، ذكر أن مدونة التجارة تنص على قيام رئيس المحكمة بعقد اتفاق بين الشركة ودائنيها من أجل التنازل عن بعض الديون أو منح تسهيلات للمقاولة لتسديد ديونها ويتم تثبيت الاتفاق في محضر يوقعه مختلف الأطراف، مما ينتج عنه إيقاف كل دعوى قضائية أو إجراء تنفيذي، تم اتخاذهما ضد المقاولة.
وارتباطا بما سبق، أبرز أن هذه المقتضيات يتعذر تطبيقها على مؤسسات الائتمان، نظرا لكون دائني البنوك بالخصوص مودعين، ومن الصعب أن يستدعي رئيس المحكمة كبار المودعين للتخلي عن قسط من ودائعهم أو عدم سحبها لمدة معينة، حيث ستكون النتيجة الحتمية هي قيام جميع المودعين، إذ أشهر الأمر، بسحب جميع ودائعهم، مما سينتج عنه فقدان الثقة والإفلاس التام للمؤسسة في ظرف وجيز. هذا، واعتبر أن تطبيق هذه المسطرة، التي تهدف إلى معالجة صعوبة المقاولة، على مؤسسات الائتمان، ستؤدي إلى نتيجة مخالفة تماما للهدف المتوخى منها أصلا بالنسبة للمقاولات العادية)
[28] امحمد لفروجي: صعوبات المقاولة والمساطر القضائية الكفيلة بمعالجتها، مرجع سابق، ص. 15.
[29] بخصوص مفهوم الوضعية المختلة بشكل لا رجعة فيه، راجع: امحمد لفروجي: صعوبات المقاولة والمساطر القضائية الكفيلة بمعالجتها، مرجع سابق، ص 118 -121.
[30] ولاسيما ضرورة التوفر على الصفة التجارية على اعتبار أن شركات البورصة تتخذ شكل شركة مساهمة التي تعتبر شركة تجارية بحسب الشكل، وأن طبيعة الأعمال التي تكتسي طابعا تجاريا.
[31] كما هو الشأن بالنسبة للمادة 47 من الظهير الشريف بمثابة قانون المتعلق ببورصة القيم لسنة1993، والمادة 53من الظهير الشريف بمثابة قانون رقم 1.93.147 الصادر في 6 يوليوز 1993 والمتعلق بنشاط مؤسسات الائتمان ومراقبتها، والملغى بمقتضى القانون رقم 3403 المتعلق بمؤسسات الائتمان والهيئات المعتبرة في حكمها.
[32] أنظر بهذا الخصوص:
– أحمد شكري السباعي: الوسيط في مساطر الوقاية من الصعوبات التي تعترض المقاولة ومساطر معالجتها، الجزء الثاني، مرجع سابق، ص 101 وما بعدها.
– امحمد لفروجي: القانون البنكي المغربي وحماية حقوق الزبناء، مرجع سابق، ص. 338.
[33] وذلك تطبيقا لمقتضيات المادة 734 من مدونة التجارة، والتي نصت على أنه: “تعتبر الإحالات إلى أحكام النصوص المنسوخة في المادة السابقة الواردة في النصوص التشريعية أو التنظيمية المعمول بها إحالات إلى الأحكام المطابقة لها في هذا القانون)
[34] راجع بهذا الخصوص ما سبق ذكره.
[35] وذلك بحكم وصول المقاولة إلى وضعية لم تعد تقبل الإصلاح بالمرة
[36] راجع بهذا الخصوص: امحمد لفروجي: كتلة الدائنين في الإفلاس في القانون المغربي، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون الخاص جامعة الحسن الثاني-عين الشق، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالدار البيضاء، السنة الجامعية 1993-1994، ص 259.
[37] امحمد لفروجي: صعوبات المقاولة والمساطر القضائية الكفيلة بمعالجتها، مرجع سابق، ص. 100 وما بعدها.
[38] والتي جاء فيها: “تفتتح مسطرة التصفية القضائية إذا تبين أن وضعية المقاولة مختلة بشكل لا رجعة فيه)
[39] حيث جاء فيها: “تنتهي مهمة المدير المؤقت حين انصرا مدة انتدابه أو عندما:
– تعين الأجهزة المشار إليها في المادة 96أعلاه؛
– تكون وضعية مؤسسة الائتمان مختلة بشكل لا رجعة فيه؛
– لا يستطيع مزاولة مهامه بصورة عادية
– يخل بالتزاماته كما هي مقررة في هذا الفصل.
وفي هاتي الحالتين الأخيرتين، يباشر تعويض المدير المؤقت وفق الشروط المحددة في المادة 86 أعلاه)
[40] وذلك بطبيعة الحال بعد استطلاع رأي اللجنة التأديبية لمؤسسات الائتمان تطبيقا لمقتضيات المادة 43 من القانون رقم 34.03.
[41] حيث كانت هذه الفقرة تنص على ما يلي: “لا يجوز تعيين مدير مؤقت لمؤسسة ائتمان عندما تكون في حالة توقف عن الدفع وينتهي مفعول تعيينه في هذه الحالة إذا صدر قبل ذلك، ويعمل حينئذ بأحكام قانون التجارة المتعلقة بالإفلاس والتصفية القضائية.
[42] راجع بهذا الخصوص نص المادة 85 السالف ذكرها.
ولا بأس من أن نسترسل في التذكير بما راج بشأن هذه المادة أثناء مناقشة مشروع القانون رقم 34.03 المتعلق بمؤسسات الائتمان والعيئات المعتبرة في حكمها، حيث أرجع السيد وزير المالية -في معرض جوابه على تدخلات السادة المستشارين بخصوص أسباب استثناء المؤسسات المذكورة من الخضوع لمساطر الوقاية ومعالجة صعوبات المقاولة المنصوص عليها بالتتابع في أحكام القسمين الأول والثاني بالكتاب الخامس من مدونة التجارة-، إلى عدم تلاؤم هذه المساطر مع خصوصيات مؤسسات الائتمان. فبالنسبة للتسوية القضائية أفاد أن مدونة التجارة تنص في المادة 579 على أن السنديك <syndic > يبين في تقرير يعده، الموازنة المالية والاقتصادية والاجتماعية للمقاولة، وذلك بمشاركة رئيس المقاولة وبالمساعدة المحتملة لخبير أو عدة خبراء وعلى ضوء هذه الموازنة يقترح مخططا للتسوية يضمن استمرارية المقاولة أو تفويتها إلى أحد الأغيار أو التصفية القضائية وتعرض هذه الاقتراحات على القاضي المنتدب. هذا، وأشار إلى أن تطبيق هذه المقتضيات على مؤسسات الائتمان لن يكون مجديا لكون “السنديك” وبالتالي القاضي المنتدب لا يتوفر على الآليات الضرورية لمعالجة الصعوبات التي تواجهها مؤسسات الائتمان نظرا لخصوصياتها.
وقد ذكر أن والي بنك المغرب يتوفر على أداة فعالة لا يتوفر عليها القضاء لتقويم وضعية مؤسسات الائتمان التي تلاقي صعوبات، وهي التسبيقات التي يمكن تقديمها من طرف الصندوق الجماعي لضمان الودائع، حيث يمكن لهذا الأخير تقديم مساعدات قابلة للإرجاع على وجه الاحتياط والاستثناء، لفائدة عضو من أعضائه يخشى أن تؤدي وضعيته اجلأ إلى عدم توفر الودائع، شريطة أن يقدم تدابير تقويم يقبلها بنك المغرب، وبالتالي فجل القوانين البنكية في العالم تخضع لمساطير خاصة، تدبير صعوبات مؤسسات الائتمان. وأشار إلى أن مسيري مؤسسات الائتمان يكونون على علم ودراية بالصعوبات التي تواجهها مؤسستهم والمساطر المتبعة ولتفادي هذه الصعوبات يمكن أن يرفع المدير المؤقت الأمر إلى رئيس المحكمة المختصة للحكم ببطلان أي عملية أداء أو تحويل للأموال أو تكوين للضمانات أو الكفالات تتم داخل الستة أشهر السابقة لتعيينه لفائدة كل شخص طبيعي أو معنوي، إذا ثبت أن هذه العملية لم تكن مرتبطة بسير العمليات العادية للمؤسسة أو أنها كانت تهدف إلى إخفاء واحد أو أكثر من عناصر أصولها، وذلك وفقا للمادة 91 من مشروع القانون).
[43] وقد نصت الفقرة الأولى من المادة 27-613 L من هذا القانون على ما يلي:
«Les procédures de sauvegarde, de redressement et de liquidation judiciaires instituées par le titre II du livre VI du code de commerce ne peuvent être ouvertes à l’égard d’un établissement de crédit, d’une société de financement, d’un établissement de monnaie électronique, d’un établissement de paiement ou d’une entreprise d’investissement qu’après avis conforme de l’Autorité de contrôle prudentiel et de résolution».
[44] وقد جاء في هذه الفقرات الثلاث ما يلي:
«Avant qu’il ne soit statué sur l’ouverture d’une procédure de sauvegarde, de redressement ou de liquidation judiciaires instituées par le livre VI du code de commerce à l’égard d’un établissement de crédit, d’un établissement de monnaie électronique, d’un établissement de paiement, d’une entreprise d’investissement ou d’un adhérent d’une chambre de compensation, le président du tribunal saisit l’Autorité de contrôle prudentiel et de résolution d’une demande d’avis. Le greffier transmet cette demande sans délai. Il en informe le procureur de la République.
La saisine de l’Autorité de contrôle prudentiel et de résolution est écrite. Elle est accompagnée des pièces nécessaires à son information. Cette saisine est, à la diligence de l’Autorité de contrôle prudentiel et de résolution, portée sans délai à la connaissance du président du directoire du fonds de garantie des dépôts et de résolution lorsque la personne concernée est un adhérent du fonds.
L’Autorité de contrôle prudentiel et de résolution rend son avis dans un délai de vingt et un jours francs à compter de la réception de la demande d’avis. En cas d’urgence, le délai peut être abrégé par le président du tribunal, sans pouvoir toutefois être inférieur à cinq jours francs ouvrables. En l’absence de réponse de l’Autorité de contrôle prudentiel et de résolution dans le délai imparti, son avis est réputé favorable à l’ouverture de la procédure».


