الأستاذ. توفيق عزوزي

موثق. عضو المجلس الاستشاري للمركز

الدولي للوساطة  والتحكيم بالرباط

مقدمة:

عمد المغرب وكغيره من الدول وتماشيًا مع ظروف العولمة على تكثيف جهوده من أجل جلب الاستثمارات وذلك عن طريق إقرار تحفيزات ضريبية. وملائمة قوانينه مع المعاهدات والمواثيق الدولية. وكذلك عن طريق تأهيل القضاء الذي يعتبر من أهم الضمانات التي يمكن أن توفرها الدولة في هذا المجال.

لكن ومع كل هذا يبقى رهان تحقيق السلم الاجتماعي ضرورة أساسية لتأهيل المقاولات وجعلها في مستوى التنافسية على الصعيد الوطني والدولي. وذلك نظرًا لما يمكن أن تسببه الاضطرابات الاجتماعية من انعكاسات سلبية على النسيج الاقتصادي.

ونظرًا لأنه لا يمكن تصور حياة بدون نزاع. فإن التوجه الدولي الحالي انكب على التشجيع إلى اللجوء إلى الوسائل البديلة لحل النزاعات بصفة عامة والنزاعات الاجتماعية بصفة خاصة. وذلك بدلًا عن القضاء الرسمي الذي أصبح غير قادر على مواجهة الكم الهائل للقضايا المعروضة  عليه مما يؤدي إلى التأثير على جودة الأحكام والبطء في تنفيذها بشكل لا يتناسب مع طبيعة الاستعجال التي تفرضا حالة الإجراء في المجال الاجتماعي.

ومن بين أهم هذه الوسائل البديلة نجد الوساطة والصلح والتحكيم وسنكتفي في موضوعنا هنا بالتطرق إلى الوساطة والصلح.

فالمشرع المغربي لم يعرف الوساطة إلا من خلال القانون الجديد الذي يحمل رقم 08.051 بخلاف التحكيم الذي تم التطرق له في قانون المسطرة المدنية السابق من خلال الفصول 306 إلى 327 وكذا القانون الحالي 05 – 08 أما الصلح فقد ورد ذكره في نصوص متفرقة من قانون الالتزامات والعقود ومدونة الأحوال الشخصية السابقة ومدونة الأسرة الحالية وغيرها من القوانين.

وفي إطار نزاعات الشغل الفردية لم يكن قانون الشغل في السابق يعطي صراحة لمفتش الشغل مهمة إجراء الصلح. بل كانت هذه المهمة تمارس فقط من طرف القاضي الاجتماعي. أما فيما يتعلق بنزاعات الشغل الجماعية فقد كانت تخضع في السابق لمسطرة المصالحة أمام اللجنة الإقليمية والوطنية للمصالحة وعند الاقتضاء أمام السلطة المحلية أو الوزارة المكلفة بالشغل 2 أما مدونة الشغل الجديدة 3 فقد أعطت إمكانات واسعة لإجراء الصلح والمصالحة على صعيد نزاعات الشغل الفردية والجماعية.

والملاحظ أن المشرع المغربي لم يعتمد الوساطة صراحة كوسيلة بديلة لحل نزاعات الشغل. وذلك راجع في نظري إلى كون قانون الوساطة لم يتم تبنيه إلا في وقت لاحق لصدور مدونة الشغل خلافًا لأغلب التشريعات الأجنبية وخاصة الغريبة منها.

وهكذا فمثلًا في أسبانيا وبغية إخراج البلاد من ظاهرة التقاضي المفرط والغير المنتج. فقد تم اعتماد الوساطة في حل جل نزاعات الشغل عن طريق خلق مؤسسة تسمى SIMA وذلك في سنة 1998 والممولة من طرف الدولة وقد عهد بتسيير هذه المؤسسة بالتساوي لأعضاء يمثلون النقابات الأكثر تمثيلًا والمنظمات المهنية. وقد حققت هذه المؤسسة نجاحًا كبيرًا حيث انتقل عدد القضايا التي تم حلها عن طريق الوساطة من 47 إلى 160 وذلك بين سنة 1998 و2003.

أما في فرنسا فقد تم تبني مجالات جديدة لتدخل الوساطة كوسيلة بديلة لحل نزاعات الشغل من خلال قانون  العصرنة الاجتماعي(1).

وتتجلى أهمية هذا الموضوع من جهة في كون مدونة الشغل الجديدة لم تمنع صراحة إعمال الوساطة من أجل حل نزاعات الشغل كما أن القانون 08.05 لم يستثن صراحة نزاعات الشغل من المجالات التي يمكن إعمال الوساطة فيها لكن ومن جهة أخرى يبقى الإشكال مطروحًا في المجال العملي خاصة إذا علمنا أن قانون الشغل هو قانون حمائي بامتياز فالصلح الموقع من طرف الأجير لا ينبغي أن يشمل التنازل على ما هو مقرر في قانون الشغل. هذا في الوقت الذي تنبني فيه الوساطة الاتفاقية على أساس مبدأ حرية الإرادة طبقًا لأحكام المادة 230 ق. إع. من هنا يطرح الإشكال التالي:

إلى أي حد يمكن إعمال الوساطة الاتفاقية في مجال نزاعات الشغل الفردية والجماعية؟

للإجابة على هذا السؤال سوف نقسم هذا العرض إلى ثلاث مباحث:

المبحث الأول: الوساطة الاتفاقية في ظل القانون 08- 05

المبحث الثاني: الصلح أو التصالح في ظل مدونة الشغل الجديدة

المبحث الثالث: إدماج الوساطة الاتفاقية في مجال نزاعات الشغل

المبحث الأول: الوساطة الاتفاقية في ظل القانون 08- 05

المطلب الأول: تعريف

عرف بعض فقه الوساطة عامة بأنها “مسلسل أو وسيلة سرية لحل النزاعات بمقتضاها يقوم شخص من الغير محايد ومستقل –الوسيط- بتسهيل وتنسيق المفاوضات التي يعقدها طرفا النزاع من أجل التوصل إلى حل ودي” (2).

وهناك عامة أنواع كثيرة من الوساطة. فالوساطة يمكن أن تكون اتفاقية نظرًا لوجود شرط أو عقد للوساطة أو قضائية يأمر بها القاضي.

كما تختلف الوساطة بحسب الجهة المكلفة بتدبيرها. فهي إما مؤسساتية بحيث أن طلب إجراء الوساطة يقدم إلى مركز يقوم بدوره باقتراح أو تعيين وسيط معتمد من طرفه لمساعدة الأطراف على حل النزاع القائم بينهما (كالمركز الدولي للوساطة والتحكيم بالرباط. أو مركز باريس وغيرهما). كما أن الوساطة يمكن أن يقوم بها وسيط يعمل بشكل مستقل mediation ad, hoc.

كما يمكن أن تختلف الوساطة أيضًا بحسب الطريقة المتبعة من طرف الوسيط. فمثلًا هناك الوساطة التقييمية  (mediation d evaluation ) والتي تقوم على أساس مساعدة كل طرف في النزاع على تقييم مكامن القوى والضعف في ملفه أو مطالبه وأغلب جلسات هذه الوساطة تكون انفرادية وتنتهي بجلسة علنية من أجل التفاوض.

عرف بعض فقه الوساطة عامة بأنها  “مسلسل أو وسيلة سرية لحل النزاعات بمقتضاها يقوم شخص من الغير وبحسب رأي ممارسي بعض المدارس الفرنسية فإن الوسيط يمنع عليه حتى في حالة الجلسات الانفرادية إعطاء رأيه بخصوص الملف(3).

ثم هناك الوساطة العادية والتي يقتصر دور الوسيط فيها على مساعدة الأطراف معًا على التوصل إلى حل للنزاع القائم بينهم. والحقيقة أنه يصعب أن نعرض جميع أنواع الوساطة وسنكتفي بهذا القدر.

أما الوساطة الاتفاقية كما ورد ذكرها في قانون 08.05 فقد عرفها الفصل 357.56 كما يلي: “اتفاق الوساطة هو العقد الذي يتفق الأطراف بموجبه على تعيين وسيط يكلف بتسهيل إبرام الصلح لإنهاء نزاع نشأ أو قد ينشأ فيما بعد”. فهذا الاتفاق يأخذ شكل عقد للوساطة يبرم بعد نشوء نزاع أو يأخذ شكل شرط للوساطة يضمن في عقد يبرمه الأطراف يتفق بموجبه هؤلاء على أن يعرضوا النزاعات التي قد تنشأ عن العقد المذكور على الوساطة.

المطلب الثاني: جوهر الوساطة

تقوم الوساطة طبقًا للنظريات الغربية الحديثة التي لا تبتعد عن مقوماتنا الدينية والحضارية على فلسفة بسيطة كما جاء في أدبيات الوساطة في فرنسا: فالنزاع عامة يؤدي إلى قطع رابطة معينة بين طرفين أو أكثر وهذه الرابطة هي التي تشكل العقدة أو الخيط الرابط الذي يمكن أن يؤدي إلى حل معين.

فمن خلال الوساطة يتحلل طرفا النزاع من كل إجراء مسطري فهي لا تحصر الحل في النقط المعروضة من طرف كل جهة أمام المحكمة وذلك خلافًا للقاضي الذي يجب عليه أن يبث فقط فيما طلب منه. فالحل أو الصلح يمكن أن نستمده أو نبحث عنه بكل حرية وذلك من أجل المحافظة على ما هو أهم ألا وهو العلاقات والروابط الإنسانية.

والوساطة كأحد الوسائل البديلة لحل النزاعات بامتياز تقوم على مجموعة من المقومات الأساسية من بينها أن الوساطة تفتح باب الحوار بدلًا عن المواجهة وذلك بطبيعة الحال بعد إفراغ النزاع من جانب التوتر أو من الجانب العاطفي. فكل طرف يجب أن يفهم أن حصوله على ما يطالب به  رهين بحصول الطرف الآخر على ما يطلبه.

فالوساطة لا تقوم على فكرة غالب ومغلوب.

من جانب آخر فإن الوساطة تعطي لكل طرف في النزاع أهمية كبرى. وتقوم كذلك على الثقة في الجانب الإنساني والعاطفي لكل طرف من أجل التوصل إلى التفاهم وهي بذلك تحمل طرفا النزاع المسؤولية في إيجاد الحل عوض تكليف شخص من الغير بعيد عن النزاع الدائر بينهما سلطة الفصل بينهما.

المطلب الثالث: شروط الوساطة الاتفاقية

حدد القانون 08.05 مجموعة من الشروط من أجل إعمال الوساطة الاتفاقية كحل بديل للنزاعات والتي يمكن تقسيمها إلى شروط شكلية وشروط موضوعية حسب التفصيل الآتي:

  1. الشروط الشكلية: وتتعلق أساسًا بالكتابة وبأطراف الوساطة.
  • الكتابة: نصت المادة 327.58 من القانون 08.05 على إلزامية إبرام اتفاق الوساطة كتابة إما بعقد رسمي أو عرفي أو بمحضر يحرر أمام المحكمة. فإمكانية اللجوء إلى الوساطة تبقى قائمة ولو أثناء عرض النزاع على المحكمة.

ولقد وسع المشرع من مضمون الكتابة في الفقرة الثانية من المادة 327.58 فاتفاق الوساطة يمكن أن يأخذ شكل وثيقة موقعة من الأطراف. في رسائل متبادلة أو اتصال بالتيلكس أو ببرقيات أو أية وسيلة أخرى من وسائل الاتصال تثبت وجوده. فالمشرع وسع هنا من مفهوم الكتابة وذلك تماشيًا مع ما جاء به القانون الجديد المتعلق بتبادل المعطيات الإلكترونية. إضافة إلى ذلك يعتد حتى بتبادل مذكرات الطلب أو الدفاع التي يدعي فيها أحد الطرفين وجود اتفاق الوساطة دون أن ينازعه الطرف الآخر في ذلك.

بل وأكثر من ذلك نلاحظ أن المشرع في الفقرة الثالثة من نفس المادة يعتبر الإحالة في عقد ما إلى وثيقة تتضمن شرط وساطة بمثابة اتفاق وساطة شريطة أن يكون العقد المذكور قد أبرم كتابة وأن يكون من شأن الإحالة أن تجعل من الشرط جزءًا لا التباس فيه من العقد

واتفاق الوساطة كما سبقت الإشارة إلى ذلك يتخذ شكل عقد للوساطة يوقعه الأطراف بعد نشوب نزاع بل وحتى أثناء دعوى سارية أمام المحكمة وهذا العقد يجب أن يتضمن مجموعة من البيانات تحت طائلة البطلان وهي كالآتي:

  • تحديد موضوع النزاع.
  • تعيين الوسيط أو التنصيص على طريقة تعيينه.

وقد يتخذ اتفاق الوساطة شكل شرط للوساطة يدرج ضمن عقد مكتوب وهذا الشرط يجب أن ينص كما هو الشأن بالنسبة لعقد الوساطة على تعيين الوسيط أو على طريقة تعيينه وذلك تحت طائلة البطلان.

  •    أطراف الوساطة: ويتعلق الأمر أولًا بطرفي النزاع وبالوسيط.

طرفا النزاع: نصت الفقرة الثانية من المادة 327.56 على أنه “…. ولا يجوز إبرامه (أي الصلح) إلا مع مراعاة التحفظات أو الشريط أو الحدود المقررة لصحة الصلح بموجب الفصول 1099 إلى 1104 من ق. إ. ع.

فالمادة 1099 تنص على أنه يلزم لإجراء الصلح التمتع بأهلية التفويت بعوض في الأشياء التي يرد الصلح بشأنها هذا إضافة إلى وجوب احترام الشروط العامة للتعاقد كما ورد النص عليها في الفصل الثاني من ق. إ. ع. والمتعلقة بالأهلية الرضى. المحل. السبب. لا داعي للتوقف عندها.

وإذا كان طرفا النزاع أو أحدهما شخصًا معنويًا كشركة تجارية مثلًا. وجب التأكد من الصلاحيات المخولة للممثل القانوني للشركة عن طريق مراجعة القانون الأساسي للشركة أو محضر تعيين الممثل القانوني وإلا وجب الحصول على تفويض من الجمع العام الغير عادي للشركاء.

وقد يهم النزاع أكثر من جهة وبالتالي فحضور كل هذه الجهات ضروري من أجل بدء مسلسل الوساطة.

كما ألزمت المادة 327.63 على الطرف الذي يريد تطبيق شرط الوساطة بأن يخبر الطرف الآخر بذلك في الحال ويرفع الشرط إلى الوسيط. لكن هذه المادة لم تحدد طريقة الإخبار فهل يتعلق الأمر بطرق التبليغ المنصوص عليها في ق.م.م؟ أم أي وسيلة للإخبار؟ وذلك بخلاف المادة 327-66 التي حددت طريقة تبليغ الوسيط للأطراف بقبول الوساطة.

وتجدر الإشارة إلى أن الوسيط بإمكانه أن يطلب حضور أي شخص إضافة إلى طرفي النزاع في جلسات الوساطة. فالقرارات التي تتخذ في مجال تسيير الشركات عامة والتي يمكن أن تأثر في مسار النزاعات قد تصدر عن أشخاص عدا الممثلين القانونيين للشركة. لكن بطبيعة الحال فإن التوقيع على اتفاق الوساطة أو الصلح يجب أن يتم من قبل الممثل القانوني فقط.

الوسيط: لم يحدد القانون 08.05 الشروط الواجب توفرها في الوسيط من أجل مزاولة مهامه بل اكتفى المشرع في المادة 327.67 بالقول بأن الوساطة يعهد بها إلى شخص طبيعي أو شخص معنوي [الوساطة المؤسساتية].

كما تعرضت المادة 327.66 لمسألة التزام الوسيط بكتمان السر المهني وذلك تحت طائلة العقوبات المنصوص عليها في القانون الجنائي.

وبمجرد قبول مهمته. يتعين على الوسيط أن يخبر الأطراف بذلك في رسالة مضمونة مع الإشعار بالتوصل أو بواسطة مفوض قضائي ولا يمكنه التخلي عن مهمته إلا باتفاق الأطراف أو بانصرام الأجل المحددة له.

كما سبقت الإشارة إلى ذلك. فإن القانون 08.05 لم يحدد بدقة المعايير أو الشروط التي يجب توفرها في الوسيط من أجل إنجاح هذه الوسيلة. فنجاح أي تجربة رهين بكفاءة رجالاتها لكن قد يكون المشرع تعمد عدم الخوض في هذا التحديد في انتظار اختمار التجربة ونشر ثقافة اللجوء إلى الوسائل البديلة تاركًا ذلك للمؤسسات المكلفة بالوساطة وعلى أية حال فإنه من أجل تعيين وسيط لحل نزاع ما وعلى غرار التجارب الغريبة بحيث توفر مجموعة من الشروط:

  • التكوين: يجب توفر الوسيط على درجة من التكوين في مجال الوساطة وذلك على غرار التكوينات التي تقترحها مراكز الوساطة والتحكيم كمركز باريس للوساطة والتحكيم CMAP أو مركز روما center ADR أو التكوينات التي استفاد منها مجموعة من الوسطاء الجدد على المستوى الوطني والتي تمت بمبادرة من المركز الدولي للوساطة والتحكيم بالرباط ووزارة العدل. الوكالة الأمريكية للتعاون الدولي. منظمة البحث عن أرضية مشتركة وغيرها. وهذه التكوينات تهتم بالجانب التطبيقي والنظري وتتوج بالحصول على شواهد تفيد عدد ساعات التكوين.

وغالبًا ما يتطلب في مجال التكوين الأساسي في الوساطة مدة للتكوين لا تقل عن 40 ساعة(4). 

التجربة العملية: فالوساطة هي قبل كل شيء مهمة وليست مهنة. ولكي ينجح الوسيط في عمله يجب عليه أن يتوفر على تجربة عملية في مجالات عمله إضافة إلى مجموعة من التجارب في ميدان الوساطة. كما أن بعض التكوينات تقترح على الوسطاء بعد الحصول على التكوين الأساسي. الحضور كمراقبين في بعض جلسات الوساطة.

كما أنه في دولة كالولايات المتحدة الأمريكية. فإن مسألة التكوين المستمر مسألة ضرورية خاصة إذا قلت نسبة نجاح الوساطات التي يقوم بها الوسيط على 50%.

المؤهلات الشخصية للوسيط: تتوفر الخزانات الغربية على مجموعة من الكتابات التي أسهبت في الحديث عن مؤهلات الوسيط الجيد. فالوسيط يجب عليه قبل كل شيء أن يكون قادرًا على التمسك بالحياد والموضوعية والاستقلالية. بل يجب أن يشعر الأطراف في الوساطة بوجود هذه الخصائص في الوسيط فهي ضمانة أكيدة من أجل إنجاح الوساطة.

يجب على الوسيط كذلك أن يتمتع بقدرة عالية على الاستماع والانتباه وأن يكون كذلك قادرًا على اكتشاف الخلفيات العاطفية. والسيكولوجية والثقافية للنزاع. كما ينبغي عليه أن يكون قادرًا على تسهيل الحوار بين أطراف النزاع.

الوسيط ومسألة تعارض المصالح: هذا المعيار هو بالأهمية بما كان. فوجود بعض المصالح بين الوسيط وأحد أطراف النزاع قد يؤدي إلى فشل الوساطة نظرًا للشك الذي يمكن أن ينتاب الطرف الآخر بخصوص ضمان حياد الوسيط. وعامة وكما ذكر أحد الباحثين(5) فإنه يمكن اعتماد نفس القواعد المطبقة على المحكمين.

ولعل بعض قوانين الأخلاقيات التي تنظم مهمة الوسطاء في الغرب تلزم الوسيط بأن يصرح للأطراف في البداية عن وجود أي رابطة عائلية أو صداقة أو غيرها مع أحد طرفي النزاع. بالإضافة إلى هاته المعايير ينبغي على الوسيط أن يحترم مجموعة من المقتضيات وهي:

  • التأكد من حرية الإرادة أو الرضي التام للأطراف بهذه الوساطة. بعيدًا عن أي ضغط من لدن أي جهة.
  • يجب على الوسيط الحفاظ على استقلاله وحياده طيلة مدة مهمته.
  • احترام سرية الجلسات.
  • التقيد بمقتضيات النظام العام(6).
  1.  الشروط الموضوعية:

وتتعلق أساسًا ببعض البيانات الواجب توافرها في شرط الوساطة أو عقد الوساطة. ثم المجالات المستثناة من الوساطة.

فعقد الوساطة بمنطوق الفصل 327.60 يجب أن يتضمن تحديد موضوع النزاع وكذا تعيين الوسيط أو النص على طريقة تعيينه. إضافة إلى احترام شروط التعاقد بصفة عامة.

أما شرط الوساطة فيجب أن يتضمن تحت طائلة البطلان. إما تعيين الوسيط أو الوسطاء وإما التنصيص على طريقة تعيينهم.

المجالات المستثناة من الوساطة: نصت الفقرة الثانية من المادة 327.56 على أنه لا يجوز أن يشمل اتفاق الوساطة المسائل المستثناة من نطاق تطبيق الصلح وفقًا لأحكام ق. أع . وهكذا بالرجوع إلى المادة 1100 من ق. أع نجدها تنص على منع إبرام الصلح في المسائل المتعلقة بالحالة الشخصية أو بالنظام العام أو بالحقوق الشخصية الخارجة عن دائرة التعامل لكن يسوغ الصلح على المنافع المالية التي تترتب على مسألة تتعلق بالحالة الشخصية. كما لا يجوز الصلح في قضايا النفقة.

المبحث الثاني: الصلح أو التصالح في ظل مدونة الشغل الجديدة

لا  يمكن الحديث عن مساطر الصلح أو التصالح في نزاعات الشغل دون التذكير أولًا بخصوصيات عقد الشغل الذي يشكل الرابط القانوني بين المشغل والأجير فالنزاع عامة يأتي ليقطع علاقة معينة كانت تجمع بين أطرافه في السابق. فمثلًا لا يمكن الحديث عن واقعة الطلاق في المجال الأسري دون الحديث عن وجود عقد زواج كان يربط بين الزوجين في السابق.

المطلب الأول: خصوصيات عقد الشغل

فعقد الشغل يتميز عن باقي العقود بالطابع الحمائي المقرر لفائدة الأجير. فمقتضياته لا يمكن أن تنزل عن الحد الأدنى من الحماية المقررة بمقتضى مدونة الشغل(7). إلى حد أن بعض الفقه(8) أصبح يقول بكون قانون الشغل أصبح يلتهم عقد الشغل.

فضلًا عن ذلك يتميز عقد الشغل بكونه عقدًا رضائيًا بامتياز. اللهم ما يتعلق ببعض الحالات الواردة على سبيل الحصر في مدونة الشغل والتي تشترط الكتابة في عقد الشغل كعقد الشغل الذي يكون فيه الأجير شخصًا أجنبيًا أو عقد الشغل في الخارج لفائدة مغربي أو العقد الذي يكون أحد طرفيه ممثلًا تجاريًا(9).

يتميز عقد الشغل أيضًا بخاصية أساسية تتعلق بسن القبول في مجال الشغل والمحدد في 15 سنة. مع بعض الاستثناءات بالنسبة لمهن معينة. هذا بالرغم من كون المادة 15 من مدونة الشغل نصت على ضرورة إبرام عقد الشغل وفقًا للقواعد العامة وخاصة أهلية التعاقد فالحدث الذي يبرم هذا العقد يعتبر في نظر مدونة الأسرة ناقصًا للأهلية وبالتالي فإن نفاد تصرفه هذا يتوقف على إذن نائبه الشرعي وهو الاتجاه الذي أيده بعض الفقه(10).

وهكذا فعقد الشغل يتميز بخصوصيات تجعله يختلف إلى حد ما عن العقود المدنية والتجارية وغيرها. ومن ثم فإن حل النزاعات التي قد تنشأ عن تنفيذ عقد الشغل بالطرق البديلة يجب أن تتميز هي الأخرى بخصوصيات تتناسب مع طبيعة هذه العقود.

وفي هذا الصدد لابد من التذكير من أن الصلح في المادة الاجتماعية يختلف عن نظيره في باقي العقود وذلك نظرًا للتفاوت الذي قد يكون حاصلًا بين مركز المشغل والأجير والذي يمكن أن يستغل في فرض شروط تثقل كاهل الأجير.

وهكذا ينبغي التنبيه إلى أن مساطر الصلح او التصالح في مدونة الشغل تختلف بحسب نوعية الخلاف. فردي أو جماعي.

المطلب الثاني: مساطر الصلح في مجال نزاعات الشغل الفردية.

نظرًا لخصوصية الصلح في المادة الاجتماعية فقد أفرد لها الشرع نوعين من الصلح. صلح إداري وآخر قضائي.

  1. الصلح الإداري: هذه المهمة أناطها المشرع بجهاز مفتشيه الشغل وذلك وفقًا للفقرة 4 من المادة 532 من مدونة الشغل والتي استعملت عبارة “محاولة التصالح” والتي يمكن أن تدل على المشاركة الفعالة لطرفي النزاع في إنجاحه. وهذا المفهوم يعتبر قريبًا جدًا من مفهوم الوساطة على اعتبار أن الوسيط يساعد فقط الوسيط على إيجاد حل يتخذ من قبل الأطراف أنفسهم(11). فمهمة الصلح التي أسندت لمفتش الشغل في إطار هذه المادة هي مهمة جاءت في إطارها العام من أجل حل أي نزاع يمكن أن يقوم بين المشغل والأجير. لكن وفضلًا عن ذلك ومن أجل تكريس حماية الإجراء نجد أن مدونة الشغل قد أحاطت هذه المهمة بمجموعة من الضمانات والتي تجعل من الصلح في إطار نزاعات الشغل يتميز بخصوصية معينة مقارنة بالصلح كما هو منصوص عليه في إطار ق.أع. وهكذا نجد أن المادة 41 من مدونة الشغل تنص على أنه “.. يمكن للأجير الذي فصل من الشغل لسبب يعتبره تعسفيًا اللجوء إلى مسطرة الصلح التمهيدي المنصوص عليها في الفقرة 4 من المادة 532 أعلاه..” وتضيف هذه المادة “.. يعتبر الاتفاق الذي تم التوصل إليه في إطار الصلح التمهيدي نهائيًا وغير قابل لأي طعن أمام المحاكم” فمن خلال قراءتنا لهذه المادة نلاحظ أن هذه المسطرة تبقى اختيارية بالنسبة للأجير “يمكن للأجير…” لكن هذه المسطرة تختلف عن الصلح الوارد في ق. أع كما قلنا سابقًا. فالمادة 1098من ق. أع تنص على أن “الصلح عقد بمقتضاه يحسم الطرفان نزاعًا قائمًا أو يتوقيان قيامه. وذلك بتنازل كل منهما للآخر عن جزء مما يدعيه لنفسه. أو إعطائه مالًا معينًا أو حقًا”.

فالصلح في نظر ق. أع ينهي النزاع نهائيًا وذلك تماشيًا مع مبدأ سلطان الإرادة الذي تبناه المشرع من خلال المادة 230 من ق. أع والتي تنص على أن “الالتزامات التعاقدية المنشأة على وجه صحيح تقوم مقام القانون بالنسبة إلى منشئيها ولا يجوز إلغاؤها إلا برضاهما معًا أو في الحالات المنصوص عليها في القانون “أما في إطار مدونة الشغل نجد أن المادة 73 تنص في فقرتها الثانية على أنه “يعتبر باطلًا كل إجراء أو صلح يتنازل فيه الأجير عن أي أداء وجب لفائدته بفعل تنفيذ العقد أو بفعل إنهائه” فكل صلح يتضمن إخلالًا بالحد الأدنى للحقوق المخولة للأجير بمقتضى مدونة الشغل يعتبر باطلًا وذلك تكريسًا للمنهج الحمائي للمدونة المقرر لفائدة الأجير.

وتضيف المادة 76 على أنه “لا يعتد بالتوصيل الذي وقع التراجع عنه بصفة قانونية أو الذي لا يمكن أن يسري عليه أجل السقوط إلى باعتباره مجرد توصيل بالمبالغ المبينة فيه. يعتبر الإبراء أو الصلح طبقًا للفصل 1098 من ق. أع مجرد وثيقة بالمبالغ المبينة فيها”.

وفي نفس الاتجاه ذهبت المادة 754 من ق. أع (الفقرة الثالثة): “يبطل كل ما يصدر من الأجير في التوصيل من تنازل على المكافآت الممنوحة عن العطل السنوية المدفوعة وعن المكافآت المستحقة له تعويضًا عن العطل التي لم يأخذها…”  

ولقد لاحظ بعض الباحثين(12) من خلال قراءة الفصول 41 و532 من مدونة الشغل وجود نوع من التعارض بين الفقرة 5 من المادة 41 والفقرة الأخيرة من المادة 532 والتي تنص على أنه: “يحرر في شأن هذه المحاولات محضر يمضيه طرفا النزاع أو يوقعه بالعطف العون المكلف بتفتيش الشغل وتكون لهذا المحضر قوة الإبراء في حدود المحاضر المبينة فيه “والباحث في تفسيره لهذا التعارض ذكر أن المادة 41 تتعلق بالصلح المبرم في إطار الفصل التعسفي وهو صلح لا يجوز الطعن فيه في حين أن نص المادة 532 جاء عامًا ليهم جميع نزاعات الشغل عدا الطرد التعسفي”.

والجدير بالذكر أن مدونة الشغل الحالية أعطت لجهاز تفتيشية الشغل دورًا فعالًا في إجراء محاولة التصالح في مجال نزاعات الشغل الفردية والتي تنتهي بتحرير مفتش الشغل لمحضر يوقع من طرف هذا الأخير إضافة إلى طرفي النزاع فتكليف مفتش الشغل بمهمة رعاية مسطرة الصلح التمهيدي وكذا توقيعه مع الأطراف يشكل وسيلة أراد بها المشرع تكريس مسؤولية مفتش الشغل في مجال السهر على احترام الحد الأدنى من التعويضات المنصوص عليها في مدونة الشغل لفائدة الأجير.

وبطبيعة الحال فإن وضع آليات الصلح بيد مفتش الشغل سوف يؤدي لا محال إلى تخفيف العبء على المحاكم وذلك اعتبارًا لمسألة تقنين مبلغ التعويضات الممنوحة للإجراء (المواد 51-54-53..) لكن ومع ذلك تبقى هذه المقتضيات غير كافية لإنجاح عملية الصلح والتصالح بالشكل المطلوب وذلك نظرًا للنقائض التي تتسم بها هذه المسطرة وذلك من قبيل عدم تحديد الأجل  الذي ينبغي احترامه من أجل القيام بالصلح. إضافة إلى غياب أي مقتضى يشير إلى مسألة المؤازرة من طرف مستشار قانوني أو نقابي أو مندوب العمال(13) والجدير بالذكر أن إسناد مهمة التصالح لمفتشي الشغل قد عرفت انتقادات عديدة من قبل الفقه المغربي وذلك لأسباب عديدة من أهمها كثرة المهام المسندة لفأة مفتشي الشغل من جهة ومن جهة أخرى التعارض الذي قد يحصل بين مهمة المراقبة ومهمة الصلح اللتان يتولاهما مفتش الشغل هذا إضافة إلى التعارض الموجود بين إسناد هذه المهمة التصالحية لمفتشي الشغل وأحكام المادة الثالثة من اتفاقية العمل الدولية رقم(14) 81 الخاصة بتفتيش الشغل في الصناعة والتجارة والتي جاء فيها “أن مهام مفتش الشغل لا ينبغي أن تتعارض مع عملهم الأصلي المتعلق بضمان حقوق الإجراء وحماية الأجراء”(15).

أما فيما يخص تحديد المجالات التي يمكن إجراء الصلح في شأنها من خلال مدونة الشغل فقد ذهب بعض الفقه(16) إلى أنه يمكن إجراء الصلح في كل المسائل الناتجة عن إنهاء عقد التشغيل وهو رأي صائب ما دام لم يرد بشأنه منع صريح (مثلًا حالة الفصل لأسباب تكنولوجية أو اقتصادية…).

  1.    الصلح القضائي:

نصت المادة 277 منن قانون م.م على أنه “يحاول القاضي في بداية الجلسة التصالح بين الأطراف..” فإجراء محاولة الصلح هته من قبل الماضي يعتبر إلزاميًا في ظل المساطر الاجتماعية بل ويجب التنصيص على إجراء هذه المحاولة في الحكم.

ويثبت الصلح إما بمحضر أو بأمر غير قابل للطعن كما نصت على ذلك المادة 278 من ق.م.م فالقاضي في هذه الحالة يقوم بدور اجتماعي عن طريق إجراء محاولة إنهاء الخلاف القائم بين الطرفين.

وفي حالة فشل محاولة الصلح يمكن للقاضي البث فورًا إذا كانت القضية جاهزة للحكم أو يأمر بإجراء بحث قبل إصدار الحكم.

وأخيرًا كما أشار إلى ذلك بعض الفقه(17) فإن إجراء محاولة الصلح تتم فقط خلال المرحلة الابتدائية لا أمام محكمة الاستئناف وهو ما أيده قرار صدر عن المجلس الأعلى بتاريخ 1989/24/04(18). وبطبيعة الحال فإن أقصار محاولة الصلح هته على المرحلة الابتدائية قد يضيع على الأطراف إمكانية التراجع أو التنازل في مرحلة لاحقة.

وفي نفس الاتجاه ذهب قرار صادر عن المجلس الأعلى(19) والذي جاء فيه “أن محاولة التصالح غير لازمة في الاستئناف بعدما دفع الطاعن بالنقض لكون القرار الاستئنافي لم يتضمن محاولة الصلح”. وهو قرار يمكن أن نفهم من سياقه أن الصلح يبقى ممكنًا في أي مرحلة.

المطلب الثاني: مساطر الصلح في مجال نزاعات الشغل الجماعية:

عرفت المادة 549 نزاعات الشغل الجماعية بأنها “كل الخلافات الناشئة بسبب الشغل التي يكون أحد أطرافها منظمة نقابية للأجراء أو جماعة من الأجراء ويكون هدفها الدفاع عن مصالح جماعية مهنية لهؤلاء الأجراء. كما تعد نزاعات الشغل الجماعية كل الخلافات الناشئة بسبب الشغل  والتي يكون أحد أطرافها مشغل واحد أو عدة مشغلين أو منظمة مهنية للمشغلين يكون هدفها الدفاع عن مصالح  المشغل أو المشغلين أو المنظمة المهنية للمشغلين المعنيين”.

فمن خلال هذا التعريف أوضح بعض الفقه(20) أن هناك معيارين لتمييز نزاعات الشغل الجماعية معيار شكلي يتعلق بطرفي النزاع ومعيار موضوعي يتحدد بحسب موضوع النزاع.

والملاحظ عامة أنه عندما لا تسوى نزاعات الشغل الجماعية فإن الأمر ينتهي إلى شن إضراب أو إغلاق المؤسسة من طرف المشغل وسواء تعلق الأمر بالإضراب أو بإغلاق المؤسسة  فإن الانعكاسات تكون خطيرة ليس فقط بالنسبة للأجراء ولكن أيضًا بالنسبة لعائلاتهم وكذا بالنسبة للمشغل بل بالنسبة للاقتصاد الوطني(21)، لذلك تم التفكير من قبل المشرع في وضع آليات لإنهاء خلافات الشغل الجماعية يتمثل في المصالحة والتحكيم وسنقتصر هنا على الحديث فقط عن مسطرة المصالحة في تسوية النزاعات الجماعية.

  • المصالحة في تسوية النزاعات الجماعية:

ينبغي التذكير أولًا بأن نزاعات الشغل الجماعية لا تدخل في اختصاص القضاء الجماعي وبالتالي فإن المشرع أعطى لبعض الجهات صلاحيات للتدخل من أجل تسوية النزاع الجماعي وكلمة التصالح كما أورد بعض الفقه(22) تفيد المشاركة الإيجابية لأطراف النزاع.

فمسؤولية المصالحة مسؤولية جسيمة تقتضي ممن يتولاها أن يكون على جانب كبير من الكفاءة والمهارة وتختلف الجهة المكلفة بمهمة التصالح باختلاف نوعية الخلاف الجماعي بحسب مضمون المادة 551 من مدونة الشغل.

فإذا كان الخلاف الجماعي يهم أكثر من مقاولة فإن محاولة الصلح تتم أمام المندوب المكلف بالشغل لدا العمالة أو الإقليم أما إذا كان الخلاف يهم مقاولة واحدة فإن محاولة الصلح تتم من طرف العون المكلف بتفتيش الشغل هذا بالنسبة للتصالح الذي يتم على صعيد مندوبية الشغل وهناك مرحلة أخرى للتصالح تتم على صعيد اللجنة الإقليمية للبحث والمصالحة ثم هناك أخيرًا التصالح الذي يتم على مستوى اللجنة الوطنية للبحث والمصالحة.

  1.      التصالح على صعيد مندوبية الشغل:

محاولة التصالح تتم بمبادرة من العون المكلف بتفتيش  الشغل أو المندوب المكلف بالشغل وإما بمبادرة من الطرف الراغب في التعجيل عن طريق مقال يحدد فيه نقطة الخلاف (م553) ويلاحظ أن هناك مسطرة موحدة فيما يخص المراحل الثلاثة المذكورة تتعلق بالاستدعاء في أجل 48 ساعة بواسطة برقية من تاريخ رفع النزاع وكذلك فيما يخص الحضور الشخصي لطرفي النزاع وإمكانية أن ينيبوا عنهم شخصًا آخر مع إمكانية المؤازرة من طرف عضو من النقابة أو المنظمة المهنية التي ينتمي إليها أو مندوب الأجراء.

وفي ختام جلسات الصلح يحرر محضر يثبت فيه اتفاق الأطراف وكذا عدم حضورهم عند غيابهم. ويوقع هذا المحضر من طرف المندوب أو العون المكلف بالتفتيش وتسلم نسخة إلى الأطراف أو تبلغ إليهم عند الاقتضاء.

وعند فشل محاولة الصلح هته يمكن رفع النزاع داخل ثلاث أيام إلى اللجنة الإقليمية للبحث والمصالحة.

  1. التصالح على صعيد اللجنة الإقليمية للبحث والمصالحة:

تتكون هذه اللجنة من عامل العمالة أو الإقليم بصفته رئيسًا وبالتساوي من ممثلين عن الإدارة والمنظمات المهنية للمشغلين والمنظمات النقابية للأجراء الأكثر تمثيلًا أما مهام كاتبة اللجنة فيسهر عليها المندوب الإقليمي للشغل.

ولقد أعطت المادة 561 من المدونة لرئيس اللجنة صلاحيات واسعة من أجل إجراء الأبحاث والتحريات وكذا الاستعانة بالخبراء أو أي شخص يمكن أن يفيده.

  1. التصالح على صعيد اللجنة الوطنية للبحث والمصالحة:

في حالة فشل محاولة الصلح في المرحلة السابقة فإن النزاع يحال مباشرة داخل أجل ثلاث أيام على هته اللجنة التي يترأسها الوزير المكلف بالشغل أو من ينوب عنه وتتكون بالتساوي من ممثلين عن الإدارة والمنظمات المهنية للمشغلين والمنظمات النقابية للأجراء الأكثر تمثيلًا . ويتولى كتابة للجنة رئيس مصلحة تفتيش الشغل.

ويمكن لرئيس اللجنة أن يستدعي لحضور أشغالها كل شخص ذو كفاءة يمكن أن يفيد في حل النزاع وقد حددت المادة 566 حالتين لرفع النزاع أمام هذه اللجنة.

  • إذا امتد نزاع الشغل الجماعي إلى عدة عمالات أو أقاليم أو إلى مجموع التراب الوطني.
  • وإذا لم يحصل أي اتفاق بين أطراف النزاع أمام اللجنة الإقليمية للبحث والمصالحة.

المبحث الثالث: الوساطة الاتفاقية في مجال نزاعات الشغل

السؤال المطروح هنا والذي ينبغي الإجابة عليه يتعلق أساسًا بمعرفة حدود الإمكانيات المتاحة بخصوص اعتماد الوساطة الاتفاقية كما وردت الإشارة إليها في القانون 08.05 في حل نزاعات الشغل؟

للإجابة على هذا السؤال يتعين علينا أولًا – المطلب الأول: أن نبين نقط التقاطع والالتقاء بين المقتضيات المتعلقة بالوساطة والوارد ذكرها في القانون 08.05 وبين المقتضيات المتعلقة بالصلح والتصالح وفقًا لأحكام مدونة الشغل على أن نتعرض في المطلب الثاني من هذا البحث إلى الجديد الذي يمكن أن تقدمه الوساطة الاتفاقية مقارنة مع الصلح في مجال حل نزاعات الشغل ثم نخلص في المطلب الثالث إلى رصد سبل تفعيل الوساطة الاتفاقية في مجال حل نزاعات الشغل.

المطلب الأول: أوجه الاختلاف بين الوساطة الاتفاقية والصلح في مجال نزاعات الشغل.

بالرغم من كون  القانون 08.05 في شقه المتعلق بالوساطة لم يمنع صراحة اعتماد هذه الأخيرة في مجال نزاعات الشغل فإن هناك مجموعة من المقتضيات خاصة ذات الطابع الشكلي قد تمنع أحيانًا من اعتماد الوساطة الاتفاقية في مجال نزاعات الشغل وذلك نظرًا لطبيعة عقد الشغل كما بينا سابقًا والذي يعتبر عقدًا رضائيًا بامتياز باستثناء بعض الحالات المنصوص عليها في مدونة الشغل وهكذا فمن أجل اعتماد الوساطة في مجال نزاعات الشغل يجب توفر عقد مكتوب إما في شكل شرط وساطة يدرج في عقد شغل مكتوب أو في اتفاقية جماعية مثلًا. أو في شكل عقد وساطة أي عقد يتم تحريره كتابة بعد حدوث النزاع ويوقع من لدن أطراف النزاع. وسواء تعلق الأمر بشرط وساطة أو عقد وساطة فإن كلاهما يجب أن يتوفر على مجموعة من البيانات وذلك تحت طائلة البطلان. من قبل تحديد موضوع النزاع وتعيين الوسيط أو التنصيص على طريقة تعيينه. والحقيقة أن شرط الكتابة في اتفاق الوساطة هم من الأهمية بما كان. لأنه يخول للأطراف الحصول على مجموعة من الضمانات قد لا يحققها الصلح أو التصالح المذكور في مدونة الشغل ذلك أن مجرد تعيين الوسيط. فإن هذا الأخير لا يمكن أن يتنازل عن مهمته. إلا بعد فوات المدة التي حددها الأطراف لحل النزاع والتي لا تتجاوز ثلاث أشهر ما عدا إذا ورد اتفاق مخالف. أو في حالة اتفاق الأطراف على إعفائه من مهمته قبل المدة المحددة. 

إضافة إلى ذلك فإن الوسيط ملزم بكتمان السر المهني تحت طائلة العقوبات المنصوص عليها في القانون الجنائي ولا يجوز أن تثار ملاحظات الوسيط والتصاريح التي تلقاها أمام القاضي المعروض عليه النزاع إلا باتفاق الأطراف ولا يجوز استعمالها في دعوى أخرى (مادة 66.327).

والملاحظ بالرغم من التزام مفتش الشغل مثلًا بكتمان السر المهني طبقًا لأحكام م 531 من مدونة الشغل فإنه ملزم أيضًا تجاه رؤسائه بمراقبة احترام النصوص القانونية والتنظيمية المعمول بها في المقاولات والمؤسسات التابعة للدولة والجماعات المحلية مما قد يؤدي إلى  وجود نوع من التعارض بين مهمته الأصلية وهي مهمة الضبط والمراقبة ومهمته كمصالح(23). إضافة إلى أن إسناد هذه المهمة التصالحية لمفتشي الشغل يتعارض مع أحكام المادة الثالثة من اتفاقية العمل الدولية(24).

ومن الناحية العملية فإن الوسيط يجب أن يتميز بمجموعة من الخصائص من قبيل الحياد. والاستقلال فهو لا يقترح حلولًا وإنما يساعد الأطراف على التوصل إلى حل يقترح من طرفهما وهذا راجع بالأساس إلى الضوابط التي تحكم مؤسسة الوساطة عامة والتي يتم تلقينها للوسطاء من خلال التكوين والتكوين المستمر. وفي المقابل نجد المصالح في ميدان الشغل غير ملزم بهته الضوابط فالهدف في جميع الأحوال هو التوصل إلى حل وعند فشل محاولة الصلح هته يتم تحرير محضر بذلك. كما أن المصالح يمكنه اقتراح حلول على الأطراف.

وينبغي بالتذكير بأن الوساطة طبقًا لأحكام القانون 08-05 وكذا الصلح الذي يمكن أن ينتج عن هته الوساطة يبقيا خاضعان لمبدأ سلطان الإرادة تماشيًا مع مقتضيات المادة 230 من ق. أع  من جهة وكذا مع جوهر الوساطة للاتفاقية المبنية على حرية الإرادة. فلا يمكن عامة إبطال عقد صلح يتنازل فيه طرف ما على حقوقه التي كان يطالب بها. بينما الصلح في مجال نزاعات الشغل تحكمه المقتضيات الحمائية المقررة لفائدة الأجير كما رأينا بحيث أنه لا يمكن للأجير كقاعدة عامة أن يتنازل في عقد الصلح عن أي أداء وجب لفائدته بفعل تنفيذ العقد أو بفعل إنهائه كما تنص على ذلك المادة 73 من مدونة الشغل فالصلح في هذه الحالة يعتبر مجرد وثيقة بالمبالغ المبينة فيها. هذا بالرغم من كون المادة 41 نصت على أن الصلح التمهيدي الذي يعقده مفتش الشغل يعتبر نهائيًا وغير قابل للطعن وهي المقتضيات التي عرفت مجموعة من التأويلات كما رأينا سابقًا.

ومن الناحية المسطرية يلاحظ أن عقد الوساطة يمكن إبرامه ولو أثناء دعوى مرفوعة أمام المحكمة وبالتالي فإن الصلح المتوج لهذه المسطرة يمكن كذلك أن ينعقد في أي مرحلة من مراحل الدعوى بينما يلاحظ أن مسطرة الصلح القضائي في مجال نزاعات الشغل الفردية لا تتم إلا في المرحلة الابتدائية كما أكد على ذلك بعض الاجتهاد القضائي(25).

المطلب الثاني: أوجه التوافق بين الوساطة الاتفاقية والصلح أو المصالحة في مجال نزاعات الشغل.

يجب أولًا التذكير في هذا الباب بأن القانون 08.05 لم يمنع إجراء هذه الوساطة في مجال نزاعات الشغل. كما أن مدونة الشغل الجديدة لم تنص على مثل هذا المنع لا في مجال نزاعات الشغل الفردية ولا الجماعية.

بخصوص أوجه التوافق بين مقتضيات القانونين. نلاحظ تبني كل من القانون 08.05 ومدونة الشغل للطابع الاختياري للصلح والوساطة فالمادة 41 من مدونة الشغل تنص على أنه “يمكن للأجير..” وبالرغم من عدم النص صراحة على الطابع الاختياري لمحاولة التصالح في مجال نزاعات الشغل الجماعية فإن هذه المسطرة تبقى في نظري اختيارية كذلك وذلك بالنظر إلى مضمون المواد 555 و563 من مدونة الشغل والتي تنص على تحرير محضر يثبت فيه ما تم التوصل إليه أو عدم التصالح أو حالة الغياب إضافة إلى ذلك تنص المادة 567 على إحالة ملف النزاع على التحكيم إذا لم يحصل أي اتفاق أمام اللجنة الإقليمية للبحث والمصالحة أو اللجنة الوطنية وكذلك في حالة غياب الأطراف أو أحدهم فمضمون هذه المواد يوحي ضمنيًا بعدم إلزامية هذه المسطرة هذا بالرغم من كون المادة 583 تعطي إمكانية إحالة الطرف المتغيب بدون عذر على النيابة العامة من طرف الوزير المكلف بالشغل بعد تحرير محضر في الموضوع هذا بينما تبقى مسطرة الصلح القضائي إلزامية.

من جانب آخر تنص الفقرة السادسة من الفصل 327.68 “يوقع الوسيط مع الأطراف وثيقة الصلح الذي توصل إليه” وهو الاتجاه الذي سارت عليه المادة 41 من مدونة الشغل التي تنص في الفقرة الرابعة منها على أنه “في حالة الحصول على تعويض يوقع توصيل استلام مبلغ التعويض من طرف الأجير والمشغل…. ويوقعه بالعطف العون المكلف بتفتيش الشغل”. 

وغي مجال نزاعات الشغل الجماعية فإنه عند انتهاء جلسات الصلح يتم تحرير محضر بذلك يوقع من طرف الأطراف وكذا من طرف المندوب المكلف بالشغل لدى العمالة أو الإقليم أو  العون المكلف بتفتيش الشغل أو رئيس اللجنة الإقليمية للبحث والمصالحة بحسب الأحوال (م555 وم563 من مدونة الشغل).

المطلب الثالث: سبل تفعيل الوساطة الاتفاقية في مجال نزاعات الشغل.

قبل رصد أهم سبل تفعيل الوساطة الاتفاقية مجال نزاعات الشغل يبدو من المفيد في البداية تحديد الفرق بين الوساطة والصلح والمصالحة على أن نتطرق بعد ذلك للجديد الذي يمكن أن تقدمه الوساطة مقارنة بالصلح في مجال نزاعات الشغل.

  1. الوساطة والمصالحة: فالوساطة هي المساعي التي يقوم بها شخص – الوسيط – من أجل مساعدة الأطراف على التوصل إلى حل للنزاع القائم بينهم. فمهمته تتمثل في تنشيط ومواكبة تحاور الأطراف وتهيئ ظروف التواصل والتفاهم بين أطراف النزاع فالحل يتم التوصل إليه من طرف الأطراف أنفسهم.

أما المصالح فدوره ينحصر في صياغة حل للخلاف المثار بين الأطراف وقد يكون الحل مقترح من قبل المصالح كما أن التزاماته تكاد تكون منعدمة إزاء الأطراف. لكن ما يلاحظ في مجال التصالح الإداري في نزاعات الشغل الفردية أو الجماعية عمومًا هو اقترابها كمفهوم من الوساطة الاتفاقية.

لكن أهم فرق يمكن رصده بين الوساطة والصلح يكمن في جوهر الوساطة. فالوسيط في معرض مساعدة الأطراف على إيجاد حل للنزاع القائم بينهم فإنه يقوم بجمع المعلومات ويبحث في جميع خلفيات النزاع الاقتصادية الاجتماعية النفسية العائلية والقانونية وذلك من أجل مساعدة الأطراف على البحث عن مصالح مشتركة تساعد على إيجاد حلول للنزاع القائم بينهم. ففي مجال نزاعات الشغل الفردية والمرتبطة بإنهاء عقد الشغل فإن طرد الأجير يمكن أن يكون نتيجة لمجموعة من المشاكل التي يعيشها الأجير خارج إطار عمله كالطلاق وغيره من المشاكل العائلية أو الاجتماعية أو النفسية. وغيرها من المشاكل المرتبطة بأصل النزاع والتي لا يمكن للقاضي أن يقدم فيها شيئًا مفيدًا للأطراف.

فالأجير المطرود المهان في كرامته سوف يحاول من خلال رفع النزاع أمام المحكمة أن يرد اعتباره أمام باقي زملائه كما أن المشغل من جهته سوف يحاول فعل ما بوسعه من أجل ممارسة الضغوط على هذا الأجير مثلًا حتى لا يتكرر ما حصل معه فالوسيط مثلًا في هذه الحالة سوف يحاول الاهتمام بكل الجوانب المحيطة بالنزاع من أجل إعطاء فرصة جديدة للطرفين من أجل خلق جو للحوار بينهما وإعادة التفكير في طريقة من أجل التفاوض حول مغادرة الأجير مثلًا عمله أو تحويله إلى عمل آخر مع حفظ كرامته.

بينما في مجال الصلح يقتصر دور المصالح على حل النزاع المرتبط أساسًا بواقعة الطرد فالوساطة لا تهدف فقط إلى تقريب وجهات النظر بين الأطراف ولكن تهدف إلى إصلاح ذات البين بينهم فهي تهدف إلى التوصل إلى اتفاق بين شخصين رابحين(26).  

  1.  تفعيل الوساطة الاتفاقية في مجال نزاعات الشغل: فالوساطة يمكنها أن تكون وسيلة فعالة لإنهاء نزاعات الشغل سواء كانت فردية أو جماعية.
  2.  ففي مجال نزاعات الشغل الفردية لابد في هذا المجال إحضار أهم التجارب والتي تمت على مستوى محكمة الاستئناف بكترونويل بين سنة 1998 و1999 بحيث أنه تم تقسيم حالات إعمال الوساطة بحسب أسباب النزاعات الفردية.

وهكذا ومن خلال الإحصائيات المعتمدة من قبل هذه المحكمة فقد تم استخلاص أربعة معايير كالتالي:

  • المعيار الأول: والمتعلق بالأقدمية وهذا المعيار يهم أغلب النزاعات المعروضة أمام المحكمة والتي وصلت إلى 85.04% من الحالات المعروضة وهكذا فإن الأجير الذي يتوفر على أقدمية في الشغل يكون على ارتباط وثيق بمكان عمله وتكون له بدون شك ارتباطات شبه عائلية مع مشغليه ومع باقي الأجراء وقد تحصل له في هذه الفترة مشاكل ترتبط بتكيفه مع تقنيات التحديث داخل المؤسسة كما أن هذه الأخيرة قد تواجه المؤسسة ترتبط بتكلفة الإنتاج مما يضطر معه المشغل أو أي مشغل جديد إلى إعادة النظر في عدد العمال أو إحداث تغييرات جوهرية في طرق العمل قد لا يتقبلها الأجير مما يؤدي إلى إصدار مجموعة من العقوبات في حقه من قبيل التوبيخ أو الطرد. فالوساطة في هذه الحالة ستتعرض للمشكل الحقيقي للنزاع والذي لن يتوقف عند واقعة الطرد المبني على العقوبات الصادرة في حق الأجير.
  • إضافة إلى أن هذا الأجير المستاء من ظروف عمله سوف يواجه أية عقوبة صادرة في حقه بكثرة التغييب الغير المبرر وعدم الامتثال أحيانًا وهو ما سوف يؤدي إلى طرده بناءًا على ارتكابه لخطأ جسيم وبالتالي فإن المدة التي قضاها في المؤسسة والخدمات التي أسداها لها سوف لن تشفع له في التراجع عن واقعة الطرد خاصة إذا علمنا أن قانون الشغل وكذا الاجتهاد القضائي في المادة الاجتماعية لا يستندان في تطبيق الخطأ الجسيم على مسألة الأقدمية.

المعيار الثاني: يتعلق بالظروف الاقتصادية للمؤسسة وهو يمثل 21.56% من مجموع الملفات وهو يهم مسألة طرد الأطر العليا في المؤسسة فقد تختبئ المؤسسة وراء مجموعة من المبررات من أجل طرد هذا الأجير. كالظروف الاقتصادية التي تعيشها المؤسسة والتي تؤدي إلى الحد من نشاطها. وبطبيعة الحال فإن مبلغ التعويضات التي سوف تضطر المؤسسة لدفعها لهذا الإطار هي مرتفعة الشيء الذي يؤدي إلى إثقال كاهلها وبالتالي دخولها في دوامة من الديون. ومن ثم فإن إعمال الوساطة في هذه الحالة سوف يؤدي إلى مناقشة الأسباب الحقيقية البعيدة عن كل اعتبار شخصي.

المعيار الثالث: الروابط العائلية والعلاقة بين الشركاء. وهم بهم 9.14% من مجموع الملفات فالنزاع في هذه الحالة تكون وراءه أحيانًا خلافات عائلية. فطرد أجير قريب كأخ أو أخت سوف يؤدي إلى شرخ في العائلة ولا يمكن للقاضي في هذه الحالة فعل شيء.

المعيار الرابع: ويهم باقي الملفات 4.5% وهي تهم حالات مختلفة. كحالة بيع مقاولة مثلًا والتي يحتفظ بها البائع بصفة مسير. فيحصل مثلًا نزاع بين هذا الشخص وباقي العمال أو المشغل الجديد لسبب يرجع لتصرف هذا الشخص كما لو كان صاحب المؤسسة… وغيرها من الحالات(27).

فالوسيط يعمل في كل هذه الحالات على التصدي للمشكل الحقيقي بجميع أبعاده من أجل التوصل إلى الحل. فمثلًا في حالة الطرد من أجل ارتكاب خطأ جسيم يعمل الوسيط على مساعدة طرفي النزاع على البحث حول صحة الأفعال المرتكبة من طرف الأجير والتي قد تظهر للمشغل أحيانًا أنه قد تسرع في حكمه وأنه يصعب إثباتها عمليًا أو أنها لا تكون حقًا خطأ جسيم. وفي هذه الحالة قد يغير المشغل موقفه أو قد يظهر نوع من الكرم في تسديد تعويض للأجير وقد يساعد المشغل الأجير في إيجاد شغل جديد أو غيرها من الحلول(28).

والحقيقة في النهاية أن جميع المجالات التي يجوز فيها الصلح في مدونة الشغل يمكن أن تصلح مبدئيًا للوساطة شريطة احترام الشكليات والمبادئ المنصوص عليها في كل من القانون 08.05 ومدونة الشغل. وهي مشاكل متعددة قد تتعلق بالطرد أو بالسكن الوضيفي. إنهاء العقد مع الوكيل المتجول أو الممثل أو الوسيط في التجارة أو الصناعة وكذلك قد يتعلق الأمر بنزاع غير خاضع لمقتضيات مدونة الشغل من قبيل بعض المضايقات في العمل.

ج- حالة عملية: من أجل توضيح ما قلناه بخصوص أحد المعايير المعتمدة في نزاعات الشغل المتعلقة بالأقدمية سوف أعرض شهادة لأحد الوسطاء الفرنسيين وهو السيد Navas- Gille Alain وهو صاحب مقاولة. عضو شبكة وسطاء المؤسسات. وهو رئيس مؤسس لجمعية الوسطاء المستقلين لدى الغرفة الاجتماعية التابعة لمحكمة الاستئناف بكرنوبل.

فالنزاع الذي عرض عليه كوسيط كان يتعلق بأجير وهو إطار يتوفر على أقدمية عشر سنوات تقريبًا وقد تم تسريحه من عمله نظرًا لانعدام الثقة فيه وفي مردوديته. أما المقاولة التي يشتغل بها فقد عرفت مجموعة من التحولات الهيكلية وطلب على أثرها من هذا الإطار أن يتحمل القيام بمجموعة من المهام إضافة إلى مهمته الأساسية. وبعد ذلك وأثر إحداث تغيرات أخرى في طرق العمل داخل المؤسسة تم إعفاء هذا الأجير من هته المهام ليتم استنادها إلى مرؤوسه (شخص تابع له). وكان من شأن هذا أن تم خلق جو غير ملائم في العمل انتهى بتسريحه من عمله كما قلنا وذلك استنادًا إلى خطأ مهني. والمسطرة المتبعة كانت عادية بأن تم صرف جميع مستحقات هذا الأجير. لكن هذا الأخير لم يتقبل ذلك استنادًا إلى أن أسباب الطرد لم تكن مبررًا كافيًا لطرده.

ولقد تم حل هذا النزاع عن طريق الوساطة وذلك وفقًا لمجموعة من المراحل:

  • مرحلة ابتدائية: تم خلالها الالتقاء بكل طرف على حدا بحضور مستشاريهم. والذين تم إبلاغهم بدورهم الهام في هذه الوساطة من أجل تحسيس موكليهم بأهمية هذه العملية. وكان الهدف من هذه المرحلة هو حصول التعارف بين الوسيط والطرفين ومستشاريهم. وكذا التذكير بأهداف الوساطة ودور الوسيط ومعرفة ما إذا كان طرفا النزاع يرغبون فعلًا في سلوك هذه المسطرة. وتوضيح سير هذه الوساطة ومراحلها والتركيز على سرية المناقشات وغيرها من القواعد الأساسية.

كما كانت تهدف هذه المرحلة إلى التيقن من كون الممثل القانوني للشركة هو الشخص الذي يجب محاورته لوحده أم أن هناك أشخاص آخرين خلفه هم الذين يصدرون فعلًا القرارات. وأخيرًا تم وضع جدول زمني لمواعيد الجلسات .

ومن أهم المسائل التي ركز عليها الوسيط هو اختيار مكان محايد لعقد هذه الجلسات وذلك لتحسيس الأطراف بمسألة الاستقلالية والحياد الواجب توفرها في الوسيط.

  • في الجلسة الأولى: ركز الوسيط من خلال محاورة الأطراف على مسألة الرهانات التي ينبغي تحقيقها في هته الوساطة وخاصة تقبل فكرة مفادها أن أي اتفاق حول الجانب المالي لا يمكن أن تشكل المحور الأساسي للحوار الذي ينبغي ربطه بين الأطراف. فقد اقتنع الطرفان بأن المهم هو التحدث حول الخلاف الذي نشأ بينهم وظروفهم والواقع اليومي المعاش في المقاولة على الأخطاء المرتكبة وسوء التفاهم بينهم وبصفة عامة التحدث وجهًا لوجه حول جميع المسائل التي كانوا يتحفظون بشأنها دون الأخذ بعين الاعتبار مسألة رئيس ومرؤوس.

فهذا الحوار كان مهمًا. خاصة إذا علمنا أن مسألة طرد الأجير كان يغلب عليها الطابع العاطفي والشعور بالإهانة لأن الأجير كان يتوفر على أقدمية في الشغل وكانت هذه هي المسألة التي تم البدء بمعالجتها من طرف الوسيط.

  • إيجاد الحل: تم التوصل إلى حل لهذا النزاع في غضون الجلسة الثانية فقد تم التوصل إلى اتفاق سوف يؤدي بموجبه المشغل للأجير فقط 10% من المبلغ الإجمالي الذي طالب به هذا الأخير(29).
  1. في مجال نزاع شغل الجماعية: يوفر مجال نزاعات الشغل الجماعية في ظل مدونة الشغل الجديدة فرصة أكثر من أجل تبني الوساطة الاتفاقية كوسيلة لحل هذه النزاعات. لكن ينبغي مع ذلك احترام الشروط الشكلية والجوهرية المتطلبة في ظل القانون 08.05 خاصة شرط الكتابة.
  •  وهكذا وفي نظري ليس هناك أي مانع من النص في إطار الاتفاقيات الجماعية على شرط للوساطة من أجل حل نزاع جماعي فالمادة 105 نصت على أن اتفاقية الشغل الجماعية تتضمن الأحكام المتعلقة بعلاقات الشغل ولاسيما…. 5 الإجراءات المتفق عليها بين الطرفين لتسوية نزاعات الشغل الفردية والجماعية التي قد تحدث بين المشغلين والأجراء المرتبطين بالاتفاقية. وهكذا يمكن أن تتضمن هذه الاتفاقية النص على تعين الوسيط أو على طريقة تعيينه مثلًا باللجوء إلى نظام من أنظمة الوساطة المؤسساتية كما هو الحال بالنسبة للمركز الدولي للوساطة والتحكيم بالرباط أو أي مركز آخر.
  •  والملاحظ أنه في فرنسا مثلًا فإن الوساطة يمكن إعمالها في جميع نزاعات الشغل الجماعية طبقًا لأحكام الفصل 2523.6 من مدونة الشغل الفرنسية.

أما في ظل مدونة الشغل المغربية فإننا نجد الشرع قد يستعمل بعض العبارات القريبة من مفهوم الوساطة ولو أنه لم ينص عليها صراحة وذلك راجع في اعتقادي إلى كون قانون الوساطة لم يصدر إلا في وقت لاحق لصدور مدونة الشغل.

  •  ففي مجال الفصل لأسباب تكنولوجية هيكلية أو اقتصادية وإغلاق المقاولات. وهي مسطرة تروم من خلال فصل 66 من مدونة الشغل إلى فصل كلا أو بعض من الإجراء- نجد أن الفقرة الثانية من هذه المادة تنص على أنه “يجب عليه (أي المشغل) استشاراتهم (أي مندوبي الإجراء والممثلي النقابيين الموجودين قبل شهر واحد على الأقل من الشروع في مسطرة الفصل). والتفاوض معهم من أجل تدارس الإجراءات التي من شأنها أن تحول دون الفصل أو تخفف من الآثار السلبية بما فيها إعادة الإدماج في مناصب شغب أخرى (وهي حلول تلتقي مع جوهر الوساطة وأهدافها)”.
  •  التصالح على صعيد اللجنة الإقليمية للبحث والصالحة. إن المشرع المغربي في معرض حديثه عن مسطرة التصالح في مجال نزاعات الشغل الجماعية قد أعطى لرئيس اللجنة الإقليمية للبحث والصالحة إمكانية الاستعانة بأي شخص آخر يرى فائدة في الاستعانة به وذلك بحسب منطوق المادة 561 من مدونة الشغل. فهذه الإمكانية تعتبر فرصة مهمة للاستعانة بوسيط مستقل ومحايد متخصص في مجال نازعات الشغل (كنقابي سابق يمارس مهام وسيط أو مندوب سابق أو مفتش سابق) غير أن هذا النوع من الوساطة حتى يتلاءم مع مقتضيات القانون 08.05 يجب أن يكون نابعًا عن إرادة أطراف النزاع الحقيقية وأن يتم الاتفاق على ذلك كتابة.

خاتمة:

  •  يتضح من خلال كل ما سبق أن إعمال الوساطة في مجال نزاعات الشغل يبقى أمرًا ممكنًا بل ضروريًا من أجل تخفيف العبء على القضاء والحفاظ على الروابط الإنسانية والاجتماعية داخل المقاولة. ولذلك ينبغي تدعيم هذه الوسيلة بشكل يضمن فعاليتها وذلك عن طريق:
  •  التنصيص صراحة على اللجوء إلى الوساطة في مجال نزاعات الشغل الجماعية والفردية وذلك بشكل يحترم خصوصيات قانون الشغل وبالتالي إدخال تعديل على مدونة الشغل في هذا الاتجاه.
  •  تبني الوساطة القضائية في مجال نزاعات الشغل الفردية.
  •  تدعيم الوساطة المؤسساتية في مجال نزاعات الشغل.
  •  نشر ثقافة اللجوء إلى الوسائل البديلة لحل النزاعات في أوساط النقابات والمقاولات. العمال. وتدعيم كل مبادرة من أجل تكوين وسطاء في هذا المجال وحث الفرقاء الاجتماعيين على إدراج شروط الوساطة في مجال الاتفاقيات الجماعية وعقود الشغل.

انتهى بعون الله

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading