ذة. حنان سعيدي ([*])
مقدمة
بداية أيها الحضور الكريم أتقدم بجزيل الشكر وعظيم الامتنان إلى أستاذي الجليل الدكتور إدريس الفاخوري على إتاحته لي فرصة المشاركة في هذه الندوة الدولية الهامة التي تنعقد بمدينة وجدة إحدى أهم مدن المنطقة الشرقية لبلادنا، كما لا أنسى أن أتقدم بجزيل الشكر إلى أعضاء اللجنة المنظمة، داعية لهم جميعا بموفور الصحة والعافية.
أيها السادة الحضور اخترت موضوعا لمداخلتي “أثر النظام العام المغربي على فاعلية الحكم الأجنبي بفرقة الزوجين”، نظرا لما يطرحه هذا الموضوع من إشكالات عملية اجتماعية وقانونية وشرعية قد يصعب حلها.
واخترت أيها السادة الحضور مؤسسة الطلاق لمناقشة موضوع أثر النظام العام على تذييل الحكم الأجنبي بالصيغة التنفيذية، لأن هذه المؤسسة هي أكثر المؤسسات التي تجسد الاختلاف الشرعي للدول، الأمر الذي انعكس سلبا على استقرار المهاجرين المغاربة في المجتمع الأوربي، بحيث أنه زاد في تعميق المشاكل التي يعانون منها وجعلهم يعيشون أوضاعا أسرية شاذة وغير مقبولة من الجانب الإنساني.
عموما من خلال مداخلتي في هذه التظاهرة العلمية القيمة سأحاول الإجابة عن التساؤلات الآتية:
كيف كان أثر النظام العام المغربي على فاعلية الحكم الأجنبي بفرقة الزوجين قبل صدور مدونة الأسرة؟، وكيف أصبح هذا الأثر بعد صدور المدونة؟ بمعنى أنه بعد المقتضيات المرنة التي جاءت بها مدونة الأسرة بهذا الخصوص هل لا زال للنظام العام المغربي أثرا سلبيا على فاعلية الحكم الأجنبي القاضي بالفرقة بين الزوجين؟
هذه الأسئلة سأعمل جاهدة على الإجابة عنها من خلال مداخلتي في هذه الندوة العلمية، مستشهدة في ذلك بمجموعة من الأحكام والقرارات القضائية المنشورة وغير المنشورة.
وهكذا اخترت أن يكون التصميم وفق الآتي بيانه:
المطلب الأول: أثر النظام العام على فاعلية الحكم الأجنبي بفرقة الزوجين قبل صدور مدونة الأسرة.
المطلب الثاني: أثر النظام العام على فاعلية الحكم الأجنبي بفرقة الزوجين بعد صدور مدونة الأسرة.
المطلب الأول: أثر النظام العام على فاعلية الحكم الأجنبي بفرقة الزوجين قبل صدور مدونة الأسرة
في ظل مقتضيات مدونة الأحوال الشخصية كان للنظام العام المغربي مفهوم متشدد، وعليه كانت مجموعة من الأحكام الصادرة عن المحاكم الأجنبية والقاضية بطلاق المغاربة لم تكن تذيل بالصيغة التنفيذية بالمغرب بحجة استنادها على أسباب غير منصوص عليها في هذه المدونة، أو بعلة صدورها عن قاض غير مسلم.
وهكذا فقد ورد في حكم 1 صادر عن المحكمة الابتدائية بطنجة قسم قضاء الأسرة:
“حيث إن المحكمة المذكورة قضت بالطلاق بين الزوجين على أساس الاهانة الفظيعة، وحيث أنه برجوع المحكمة إلى حيثيات هذا الحكم… ومناقشة كل واحدة على حدة، فإنه بخصوص الاهانة الفظيعة، فماذا يقصد بها في الحكم المذكور: فإن كان الضرر وفق أحكام القانون المغربي، الفصل 56 من مدونة الأحوال الشخصية، فإنه لابد من سلوك مسطرة الصلح وتكرار الشكوى للضرر، وأن يكون هذا الضرر مما لا يستطيع معه دوام العشرة بين أمثالها، وهو الأمر الذي لم يتطرق إليه الحكم المذكور.”
وجاء في حكم صادر عن المحكمة الابتدائية بتطوان: “وحيث أن الحكم الأجنبي المراد تذييله بالصيغة التنفيذية يتضح منه أن المدعية والمدعى عليه تزوجا على سنة الله ورسوله، مما يجعل جميع ما ينظم أموالهما الشخصية تخضع لمقتضيات مدونة الأحوال الشخصية، الأمر الذي تكون معه المحكمة التي قضت بتطليق المدعية فقط لكونها ادعت أن علاقتهما الزوجية مفككة طبقا للقانون الهولندي بدل مدونة الأحوال الشخصية المغربية رغم معارضة المدعى عليه، فإن الحكم المذكور يكون قد جاء مخالفا للنظام العام المغربي، وبالتالي لمقتضيات الفصل 430 من ق م م ويتعين رفض تذييله بالصيغة التنفيذية”.
إن هذه القرارات والأحكام القضائية وغيرها الكثير ([1]) التي لا يسعني الوقت للإشارة إليها، “تدل بوضح تام على جمود القضاء المغربي، وعلى تمسكه بحجج تخالف مفهوم النظام العام الدولي، حيث أن القضاء المغربي من خلال هذه الأحكام اعتبر عدم تطبيق القضاء الأجنبي لنصوص مدونة الأحوال الشخصية على الجالية المغربية المقيمة بالخارج مخالفا بصورة واضحة للنظام العام المغربي، كما أن هذا القضاء، ودائما من خلال نفس الأحكام يكون قد عطل سلطته التقديرية في التعبير والاجتهاد خاصة وأن مسألة تنفيذ الأحكام الأجنبية تعد من الأمور الاستثنائية في النظام القانوني المغربي” ([2]).
وعليه فبناء على هذا الموقف المتشدد للقضاء المغربي في ظل قانون مدونة الأحوال الشخصية -فيما يخص تذييل الأحكام القاضية بفرقة الزوجين بالصيغة التنفيذية- كان يواجه المغاربة المقيمين بالخارج مشاكل وصعوبات فالحكم القضائي الصادر بالطلاق إذا لم يكن مذيلا بالصيغة التنفيذية من قبل القاضي المغربي المختص فإن الزوج لا يستطيع معاودة الزواج بالمغرب لأنه وفق القانون المغربي يعتبر مازال متزوجا وبالتالي ما عليه إلا سلوك مسطرة طلب الإذن بالتعدد، كما أن المرأة المغربية المهاجرة تتواجد في وضعية حرجة وصعبة جدا فلا هي زوجة ولا هي مطلقة، فهي في نظر القانون الأجنبي امرأة مطلقة وفي نظر القانون المغربي زوجة شرعية مكلفة بجميع واجباتها الزوجية.
المطلب الثاني: أثر النظام العام على فاعلية الحكم الأجنبي بفرقة الزوجين بعد صدور مدونة الأسرة
رغبة في معالجة الصعوبات التي كانت تعاني منها الجالية المغربية في ميدان مؤسسة الطلاق -والتي ذكرت أعلاه -عملت مدونة الأسرة ([3]) على إقرار مجموعة من القواعد القانونية التي تسهل تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة في هذا الشأن سواء عن المحاكم المغربية أو عن إحدى محاكم دول الاتحاد الأوربي.
وهكذا فقد عملت مدونة الأسرة على تبني مبدأ سلطان الإرادة في ميدان الطلاق وذلك من خلال إعطاء الزوجين الحق في الاتفاق على إنهاء الرابطة الزوجية بشرط أو بدون شرط وفقا لما نصت عليه المادة 114 من هذه المدونة.
وتعتبر مؤسسة الطلاق الاتفاقي من أهم المؤسسات التي تتبناها معظم الأنظمة القانونية الأوروبية، وبإقرار مدونة الأسرة المغربية لمؤسسة الطلاق الاتفاقي تكون مدونة الأسرة قد تبنت سببا من أسباب التطليق المنصوص عليها في معظم قوانين الأسرة الغربية.
إن مدونة الأسرة وفي محاولة منها أيضا لجعل مؤسسة الطلاق تنسجم مع بعض ما يتطلبه أحكام القضاء الأجنبي مع حفاظها على ثوابت النظام العام المغربي في آن واحد، أبقت على حق الزوج في إيقاع الطلاق مع إخضاعه لرقابة قضائية صارمة.
ورغبة منها -أي مدونة الأسرة -في تجاوز الدفوعات التي كان يستند عليها القضاء الأوروبي في رفض الاعتراف بالطلاق التعسفي الصادر عن المحاكم المغربية والتي كانت تربط بين مبلغ التعويض ومبلغ المتعة، نصت مدونة الأسرة في مادتها 101 على أنه:
“في حالة الحكم بالتطليق للضرر للمحكمة أن تحدد في نفس الحكم مبلغ التعويض المستحق عن الضرر”.
وبهدف معالجة الإشكالات التي طرحها التطبيق العملي للفصلين 430 و431 من قانون المسطرة المدنية بخصوص إنهاء الرابطة الأسرية للجالية المغربية المقيمة بالديار الأوروبية فيما يتعلق بتنفيذ الأحكام الأجنبية، نصت مدونة الأسرة في المادة 128 على مقتضيات جديدة تتعلق بشروط تذييل هذه الأحكام بالصيغة التنفيذية وهكذا فقد ورد في الفقرة الأخيرة من المادة 128 المذكورة:
“الأحكام الصادرة عن المحاكم الأجنبية بالطلاق أو بالتطليق أو بالخلع أو بالفسخ، تكون قابلة للتنفيذ إذا أصدرت عن محكمة مختصة وأسست على أسباب لا تتنافى مع التي قررتها هذه المدونة لإنهاء العلاقة الزوجية، وكذا العقود المبرمة بالخارج أمام الضباط والموظفين العموميين المختصين بعد استيفاء الإجراءات القانونية بالتذييل بالصيغة التنفيذية، طبقا لأحكام المواد 430 و431 و432 من قانون المسطرة المدنية”.
إن ما نصت عليه مدونة الأسرة في إطار مؤسسة الطلاق يعكس بوضوح مدى الموازنة بين الالتزام بأحكام الشرع والاستشهاد بما يقتضيه روح العصر.
إن ما جاءت به مدونة الأسرة من مستجدات في هذا الإطار أعطى للنظام العام المغربي مفهوما مرنا بمعنى لم يعد لديه ذلك المفهوم المتشدد.
هذا ومن خلال الاطلاع على الأحكام القضائية الصادرة عن القضاء الأسري المغربي في ظل هذه المستجدات في مجال تذييل الأحكام الأجنبية القاضية بالفرقة بين الزوجين بالصيغة التنفيذية تبين أن الاتجاه القضائي الغالب أصبح يتعامل بنوع من المرونة مع مفهوم النظام العام المغربي.
وأكد ذلك لحضراتكم أولا بما جاء في مجموعة من الأحكام القضائية التي توصلت بها أثناء عملية البحث التي أجريتها في أرشيف قسم قضاء الأسرة بمدينة وجدة، وثانيا أكد لكم ذلك بما اطلعت عليه من أحكام وقرارات قضائية منشورة صادرة عن محاكم مختلف محاكم المملكة المغربية.
وهكذا فقد ورد في حكم صادر عن المحكمة الابتدائية بوجدة قسم قضاء الأسرة ما يلي:
“… وحيث اتضح للمحكمة بعد اطلاعها على ترجمة الحكم المراد تذييله بالصيغة التنفيذية أنه قضى بالطلاق بين طرفيه تأسيسا على طلب المسماة…
وحيث أن هذا السبب المؤسس عليه الحكم القاضي بالطلاق لا يتنافى مع ما قررته مدونة الأسرة المغربية لإنهاء العلاقة الزوجية، سيما ما تضمنته المقتضيات المنصوص عليها في المادة 24 منها.
وحيث تبعا لذلك يكون الحكم المذكور غير مخالف لمقتضيات النظام العام…” ([4]).
وجاء في حكم آخر صادر عن نفس المحكمة: “… وحيث اتضح للمحكمة بعد اطلاعها على ترجمة الحكم المراد تذييله بالصيغة التنفيذية أنه قضى بالطلاق بين طرفيه وتأسيسا على مغادرة الزوج لبيت الزوجية وتعنيف الزوجة وهو في حالة سكر.
وحيث إن هذا السبب المؤسس عليه الحكم القاضي بالطلاق لا يتنافى مع ما قررته مدونة الأسرة المغربية لإنهاء العلاقة الزوجية، سيما ما تضمنته المقتضيات المنصوص عليها في المادة 94 منها.
وحيث تبعا لذلك يكون الحكم المذكور غير مخالف لمقتضيات النظام العام المغربي…” ([5]).
وجاء في حكم آخر ([6]) صادر كذلك عن المحكمة الابتدائية بوجدة قسم قضاء الأسرة: “… وحيث اتضح للمحكمة بعد اطلاعها على ترجمة الحكم المراد تذييله بالصيغة التنفيذية أنه قضى بالطلاق بين طرفيه تأسيسا على الشقاق.
وحيث إن هذا السبب المؤسس عليه الحكم القاضي بالطلاق لا يتنافى مع ما قررته مدونة الأسرة المغربية لإنهاء العلاقة الزوجية، سيما ما تضمنته المقتضيات المنصوص عليها في المادة 94.
وحيث تبعا لذلك يكون الحكم المذكور غير مخالف لمقتضيات النظام العام المغربي…” ([7]).
كذلك ورد في حكم صادر عن نفس المحكمة ما يلي: “… وحيث اتضح للمحكمة بعد اطلاعها على ترجمة الحكم المراد تذييله بالصيغة التنفيذية أنه قضى بالطلاق بين طرفيه تأسيسا على الاتفاق بين الطرفين.
وحيث أن هذا السبب المؤسس عليه الحكم القاضي بالطلاق لا يتنافى مع ما قررته مدونة الأسرة المغربية لإنهاء العلاقة الزوجية سيما ما تضمنته المقتضيات المنصوص عليها في المادة 114 من قانون مدونة الأسرة.
وحيث تبعا لذلك يكون الحكم المذكور غير مخالف لمقتضيات النظام العام المغربي…” ([8]).
وورد في حكم صادر عن المحكمة الابتدائية بطنجة: “وحيث أن سبب التطليق يرجع إلى الطلاق بطلب من الزوج وأن هذا السبب ليس فيه أي مساس بالنظام العام المغربي الذي جعل الطلاق بيد الزوج…” ([9]).
وهكذا أيها الحضور الكريم فأثناء اطلاعي على توجه القضاء المغربي نادرا ما وجدت أحكام تقضي برفض تذييل الحكم الأجنبي القاضي بإنهاء العلاقة الزوجية بالصيغة التنفيذية، وحتى حينما عثرت على أحكام قضت بالرفض فلأنها كان لها مساس خطير بثوابت النظام العام المغربي، وقد ثبت لي أن هذا المساس له مصدرين إما المواطن المغربي وإما المحكمة الأجنبية مصدرة الحكم القاضي بالفرقة بين الزوجين والمرفوض تذييله بالصيغة التنفيذية من قبل القضاء المغربي.
وسأوضح لكم ذلك أيها السادة الحضور من خلال أحكام قضائية:
- تجسيد قضائي للمساس بثوابت النظام العام المغربي الذي مصدره المواطن المغربي
يتبين لنا بشكل جلي المساس بثوابت النظام العام المغربي الذي مصدره المواطن المغربي من خلال الأحكام القضائية التي ترفض التذييل بالصيغة التنفيذية الحكم الأجنبي القاضي بالفرقة بين رجل غير مسلم وامرأة مغربية مسلمة.
فإليكم أيها السادة الحضور ما ورد من حيثيات في هذه الأحكام، ففي حكم صادر عن المحكمة الابتدائية بوجدة قسم قضاء الأسرة جاء فيه أنه: “… باطلاع المحكمة على عقد الزواج عدد 109 بتاريخ 17/ 05/ 2003 الملقى بالملف والذي أسس عليه حكم الطلاق المراد تذييله تبين لها أنه تم أمام ضابط الحالة المدنية بجماعة ايكسال وأنه ثم إشعار المدعية بالإدلاء بما يفيد إسلام مفارقها إلا أنها أكدت بأنه غير مسلم، وأنه بذلك تحقق المانع بزواج مسلم بغير مسلم، وطبقا للمادة 58 من مدونة الأسرة تصرح المحكمة ببطلان الزواج… تطبيقا لقاعدة ما بني على باطل فهو باطل، وأن من شأن تذييل الحكم القاضي بالطلاق والمستند على عقد الزواج المذكور إجازة لزواجها الباطل وذلك فيه مساس بالنظام العام المغربي، مما يكون معه طلب المدعية غير مؤسس ويتعين رفضه…” ([10]).
كذلك ورد في حكم آخر صادر عن نفس المحكمة: “… وحيث اتضح للمحكمة بعد اطلاعها على ترجمة الحكم المراد تذييله بالصيغة التنفيذية أنه قضى بالطلاق بين طرفيه تأسيسا على الاتفاق المتبادل بعدما تزوجا زواجا مدنيا.
وحيث أن زواج المسلمة بغير المسلم يعتبر من الموانع المؤقتة (المادة 39 من مدونة الأسرة).
وحيث تبعا لذلك يكون الحكم المذكور مخالف لمقتضيات النظام العام المغربي الذي يتعين معه التصريح برفض الطلب…” ([11]).
لعل البعض منكم أيها الحضور الكريم قد يتساءل لماذا اعتبرت أن رفض التذييل بالصيغة التنفيذية للحكم القاضي بالطلاق بين امرأة مغربية مسلمة ورجل غير مسلم مصدره المواطن المغربي؟.
للإجابة عن هذا التساؤل أقول لحضراتكم أن المرأة المغربية المسلمة تعلم جيدا أن عاداتها وأعراف وتقاليد وطنها فضلا عن ذلك قواعد وأحكام دينها الإسلامي الحنيف، تمنعها منعا كليا من الزواج برجل لا يدين بدينها الإسلامي الحنيف، ومع ذلك فهي تقبل على هذا الزواج وما يزيد الطين بلة أنها تتقدم بكل جرأة بوثيقة طلاقها من هذا الرجل إلى ساحة القضاء وتطلب من السيد قاضي الأسرة أن يعترف بهذا الطلاق ضاربا عروض الحائط بالقواعد والمبادئ الأساسية لمدونة الأسرة المغربية التي تعتبر شريعتنا الإسلامية من أبرز مصادرها.
ولكن ولله الحمد أن القضاء المغربي يرفض مثل هذه الطلبات، ليس تشددا منه ولكن تكريسا لمقتضيات مدونة الأسرة المغربية -التي أصبحت تتسم قواعدها بالمرونة في هذا المجال -وحفاظا على ثوابت نظامنا العام المغربي.
إذن أليست المرأة المغربية المسلمة التي تتقدم للقضاء المغربي بطلب تذييل حكم فرقتها من رجل غير مسلم هي التي تسببت في رفض طلبها نتيجة مساسها بثوابت النظام العام المغربي؟!!!
- تجسيد قضائي للمساس بثوابت النظام العام الذي مصدره المحكمة الأجنبية مصدرة الحكم المرفوض تذييله.
إن المساس بثوابت النظام العام المغربي ليس مصدره الوحيد المواطن المغربي وإنما مصدره أيضا المحكمة الأجنبية التي أصدرت الحكم القاضي بالفرقة بين الزوجين، وسأوضح لكم ذلك أيها السادة الكرام من خلال حكم قضائي صادر عن المحكمة الابتدائية بوجدة قسم قضاء الأسرة ورد فيه ما يلي: “… حيث إن دعوى المدعية تهدف إلى إصدار حكم يقضي بتذييل الحكم الأجنبي المشار إليه أعلاه بالصيغة التنفيذية مع النفاذ المعجل والصائر…
وحيث إنه لتذييل حكم أجنبي بالصيغة التنفيذية من طرف محكمة ابتدائية بالمغرب يتعين أن يكون الحكم صحيحا صادرا عن محكمة مختصة ولا يمس بالنظام العام.
وحيث إن أحكام الطلاق والتطليق من النظام العام المغربي.
وحيث إن زواج الطرفين ثم بالمغرب بتاريخ 17-08-00 أمام قاضي التوثيق بوجدة حسب العقد المضمن بعدد 472 صحيفة 449.
وحيث اعتمدت المدعية في طلبها الرامي إلى إلغاء زواجها من المدعى عليه على الخطأ الحاصل في الصفات الجوهرية لزوجها الذي عاب موافقتها.
وحيث إن المحكمة الأجنبية وبناء على الفصل 80 من القانون المدني الفرنسي فإنها اعتبرت بأنه إذا كان هناك خطأ في الصفات الجوهرية للشخص فإن للزوج الآخر طلب إلغاء الزواج وأنها بعدما استخلصت من عدم دخول المدعى عليه بالمدعية رغم مرور مدة على ارتباطهما وكون المدعية أدلت بحجة مفادها أن المدعى عليه لا يتوفر على إرادة ارتباط فعلي ودائم لتحمل العواقب القانونية فإنها رتبت على ذلك إلغاء الزواج المنعقد بين الطرفين.
وحيث إن الزواج يكون باطلا إذا اختل فيه أحد الأركان المنصوص عليها في المادة 10 من مدونة الأسرة، وإذا وجد بين الزوجين أحد موانع الزواج الواردة في المواد من 35 إلى 39 من نفس القانون، أو إذا انعدم التطليق بين الإيجاب والقبول.
وحيث إنه بالرجوع إلى عقد الزواج المضمن بعدد 472 صيغة 449 بتاريخ 17-08-00 توثيق وجدة، يظهر بأنه جاء مستجمعا لجميع أركانه وشروطه من إيجاب وقبول وولي وتحديد للصداق ومما تترتب عنه جميع آثاره القانونية من ساكنة شرعية وتوارث، وبذلك فإن الحكم الأجنبي المطلوب تذييله بالصيغة التنفيذية يبقى متعارضا مع القانون المغربي ومخالفا للنظام العام ويتعين تبعا لذلك برفض الطلب وإبقاء صائره على المدعية…” ([12]).
تعليقا على هذا الحكم يمكن القول إن القاضي الأجنبي بدلا من أن يقضي بإلغاء عقد الزواج ويمس بثوابت النظام العام المغربي كان عليه أن يقضي بالتطليق للضرر وحكمه هذا لن يكون فيه أي مساس بالنظام العام لدينا ولا بالنظام العام لديهم فهم يأخذون بهذا النوع من التطليق.
وفي هذا الإطار أشير إلى أن هذا ما قضى به المجلس الأعلى في واقعة مماثلة بمعنى قضى بالتطليق للضرر، فقد ورد في قرار له: “الضرر المبرر للتطليق يعتبر واقعة مادية يمكن إثباته بجميع الوسائل التي تستخلصها المحكمة من مجموع وثائق الملف وجلسات البحث وظروف النازلة، رغم أن الزوج دفع بكونه قد تم الحكم عليه بالبراءة مما اتهمته به الزوجة من الضرب والجرح…” ([13]).
كذلك من خلال حكم قضائي آخر يستشف بأن القضاء الأجنبي هو المتسبب في رفض تذييل حكمه بالصيغة التنفيذية من قبل القضاء المغربي.
وهكذا فقد ورد في حيثيات هذا الحكم: “… حيث أن موضوع الدعوى يهدف إلى إعطاء الصبغة التنفيذية للحكم الأجنبي الصادر عن المحكمة الابتدائية بهار بتاريخ 19/ 01/ 2004 والقاضي بفسخ عقد الزواج بالمدعى عليه مع النفاذ المعجل وتحميله الصائر.
وحيث إنه بالرجوع لوثائق الملف يتعين أن المحكمة الابتدائية بهام بألمانيا أصدرت بتاريخ 29/ 01/ 2004 حكما قضى بفسخ عقد الزواج المبرم أمام قسم التوثيق بوجدة تحت عدد 318 بتاريخ 12/ 07/ 2001، وحيث أنه بالرجوع إلى نسخة من عقد الزواج المذكور والمضمن تحت عدد 318 بتاريخ 13/ 07/ 2001 توثيق وجدة يتبين أن طرفي الدعوى قد تزوجا وفق القانون المغربي.
وحيث إن المحكمة الألمانية غير مختصة بفسخ عقد زواج مغربي سليم من الناحيتين الشكلية والموضوعية هذا فضلا عن كون الحكم غير معلل.
وحيث إنه للعلة أعلاه يتعين التصريح برفض الطلب وإبقاء الصائر على رافعه…” ([14]).
انطلاقا من كل الأحكام القضائية التي استعرضتها أعلاه أخلص إلى أن رفض تذييل الحكم الأجنبي القاضي بفرقة الزوجين بالصيغة التنفيذية بعد صدور مدونة الأسرة لم يعد ناتجا عن وجود نصوص قانونية لا تخدم الجالية المغربية بهذا الخصوص أو عن وجود قضاء جامد متشدد في تعامله مع مفهوم النظام العام، وإنما أصبح ناجما عن المساس بثوابت هذا النظام الذي أرى أنه لو مرت آلاف السنين لا يجوز إقرار قواعد قانونية تسمح بتجاوزها.
انطلاقا مما سلف يمكن القول إن النظام العام المغربي لم يعد له بعد صدور مدونة الأسرة أثر سلبي على فاعلية الحكم الأجنبي القاضي بفرقة الزوجين وإنما المساس بثوابت هذا النظام هو الذي أصبح لديه أثرا سلبيا على هذه الفاعلية.
وهكذا أصبح المساس بثوابت النظام العام المغربي بعد المستجدات التي جاءت بها مدونة الأسرة فيما يخص مؤسسة الطلاق هو أهم قيد على فاعلية الحكم الأجنبي القاضي بالفرقة بين الزوجين.
خاتمة
في خاتمة مداخلتي أيها السادة الحضور، أدعو إلى ضرورة التشبث بثوابت نظامنا العام والعض عليها بالتواجد وعدم السماح بتاتا بالمساس بها.
أيها الحضور الكريم قررت أن أختم مداخلتي هذه بقولة شهيرة جاءت على لسان صادق تحث على التمسك بثوابت النظام العام المغربي.
وعليه بحثت في هذا الشأن وبحثت فلم أجد ولن أجد أروع وأصدق من القولة التي جاءت على لسان جلالة ملكنا محمد السادس نصره الله وحفظه ([15]) والتي ورد فيها ما يلي: “لا يمكنني بصفتي أمير المؤمنين أن أحل ما حرم الله وأحرم ما أحل الله”.
وفي الأخير أتمنى لهذه الندوة الدولية كامل النجاح والتوفيق، وأشكركم على حسن انتباهكم.
[*] حنان السعيدي: باحثة جامعية بصف الدكتوراه، وحدة قانون العقود والعقار، كلية الحقوق، جامعة محمد الأول، وجدة.
[1] انظر: قرار صادر عن المجلس الأعلى تحت عدد 972، ملف شرعي عدد 155/ 12/ 98، قرار صادر عن المجلس الأعلى تحت عدد 1108، ملف شرعي عدد 503/ 2/ 1/ 99.
أوردهما جميلة أوحيدة، “آليات تنازع القوانين في القانون الدولي الخاص المغربي”، كلية الحقوق السويسي، السنة الجامعية 2004/ 2005، ص: 349.
[2] محمد الوهابي، مرجع سابق، ص: 83.
[3] ظهير شريف رقم 1.04.22 صادر في 12 ذي الحجة (3 فبراير 2004) بتنفيذ القانون رقم 70.30 بمثابة مدونة الأسرة. منشور بالجريدة الرسمية عدد 5184 بتاريخ 5 فبراير 2004، ص: 418.
[4] حكم عدد 2864/ 08، ملف عدد 1219/ 2008، صدر بتاريخ 02/ 06/ 2008، غير منشور.
انظر في نفس السياق، حكم صادر عن ابتدائية وجدة قسم قضاء الأسرة تحت عدد 3259/ 08، ملف عدد 1207/ 08-بتاريخ 23/ 06/ 2008-غير منشور.
[5] حكم عدد 2975-ملف عدد 1233/ 2008-صدر بتاريخ 9/ 6/ 2008-غير منشور.
انظر في نفس السياق قرار صادر عن المجلس الأعلى تحت رقم 12-ملف شرعي رقم 311/ 2/ 1/ 2005-صادر بتاريخ 4 يناير 2006-أورده أستاذنا محمد الكشبور-شرح مدونة الأسرة-انحلال ميثاق الزوجية-مطبعة النجاح الجديدة-الطبعة الأولى-2006-الجزء الثاني-ص 166.
[6] انظر في نفس سياق هذا الحكم: حكم صادر عن المحكمة الابتدائية بطنجة تحت عدد 929-ملف رقم 1889/ 06-بتاريخ 25 أبريل 2007-أورده محمد الوهابي-مرجع سابق-ص 96.
[7] حكم عدد 2623/ 08-ملف عدد 1259/ 08-صدر بتاريخ 19/ 05/ 2008-غير منشور.
[8] حكم رقم 793/ 07-ملف رقم 3162/ 06-صدر بتاريخ 26/ 02/ 07-غير منشور.
– أنظر في نفس السياق حكم صادر عن نفس المحكمة تحت عدد 2621-ملف عدد 1222/ 08 بتاريخ 19/ 05/ 2008-غير منشور.
– حكم صادر عن ابتدائية طنجة تحت عدد 813/ -ملف رقم 789/ 05-بتاريخ 9 ماي 2005-أورده-محمد الوهابي-مرجع سابق-ص 96.
[9] حكم رقم 1424-ملف رقم 990/ 07 صدر بتاريخ 30 ماي 2007، أورده: محمد الوهابي، مرجع سابق، ص: 97.
[10] حكم عدد 426-ملف رقم 3566/ 07 بتاريخ 28/ 01/ 2008، غير منشور.
[11] حكم عدد 2870-ملف عدد 1340/ 08-بتاريخ 02/ 06/ 2008، غير منشور.
– أنظر في نفس السياق.
– حكم صادر عن المحكمة الابتدائية بوجدة قسم قضاء الأسرة، تحت عدد 3672 ملف عدد 3614/07 بتاريخ 10/ 07/ 2008، غير منشور.
– حكم صادر عن المحكمة الابتدائية بوجدة قسم قضاء الأسرة تحت عدد 1376/ 09، ملف رقم 3909/ 08 بتاريخ الحكم 19/ 02/ 2009، غير منشور.
[12] حكم رقم 1641-ملف رقم 3219/ 05-صدر بتاريخ 18/ 04/ 2006 موافق 17 ربيع الأول 1427-غير منشور.
[13] قرار عدد 977 (لم يذكر رقم الملف) بتاريخ 18/ 10/ 2000، أوردته زهور الحر، قراءة في قرارات المجلس الأعلى المتعلقة بقضايا التطليق “التطليق للضرر نموذجا”، مداخلة تقدمت بها في الندوة الجهوية حول قضايا الأسرة من خلال اجتهادات المجلس الأعلى، مكناس 988 مارس 2007، مطبعة الأمنية الرباط ص 136.
[14] حكم صادر عن المحكمة الابتدائية قسم قضاء الأسرة بوجدة، تحت عدد 677/ 06، ملف رقم 3261/ 05 بتاريخ 20/ 02/ 2006 غير منشور.
[15] وذلك بمناسبة افتتاح أشغال الدورة الخريفية للبرلمان يوم الجمعة 10 أكتوبر 2003.


