د. سلطان عبد الله محمود

مدرس القانون الدولي الخاص

كلية الحقوق / جامعة الموصل

 

المقدمة

نظراً لخصوصية هذا الموضوع؛ فإننا سنتناول في مقدمة هذا الموضوع ما يأتي:

أولاً: مدخل تعريفي بالموضوع:

تعد فكرة النظام العام من الأفكار الأساسية في علم القانون عموماً؛ ففي القانون الداخلي بفروعه المختلفة هناك قواعد قانونية آمرة لا يجوز للأفراد الاتفاق على مخالفة حكمها؛ لأن هذه القواعد تتعلق بالنظام العام. فالنظام العام يعد قيداً على سلطان إرادة الأطراف ويتلازم مع القاعدة القانونية لكي تحقق فعاليتها والهدف منها . إن هدف النظام العام هو حماية المبادئ والأسس العامة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يقوم عليها المجتمع. أما في قانون العلاقات الخاصة الدولية أو القانون الدولي الخاص، يرمي النظام العام إلى إدراك ذات الهدف ولكن بطريقة مختلفة؛ فالنظام العام في القانون الداخلي يهتم أكثر بالقاعدة القانونية الوطنية، أما في قانون العلاقات الخاصة الدولية ونظرية تنازع القوانين، فتحقيق الهدف السابق بيانه يتم عن طريق دفع يعترض به على تطبيق الأحكام الموضوعية في القانون الأجنبي الواجب التطبيق بمقتضى قاعدة الإسناد الوطنية، وذلك عندما تتعارض هذه الأحكام مع الأسس الجوهرية في دولة القاضي؛ فالنظام العام هو رقيب على القاعدة القانونية في القانون الأجنبي الواجب التطبيق، بينما النظام العام في القانون الداخلي هو يحمي القاعدة القانونية الوطنية، ولهذا سوف ينصب بحثنا على الدفع بالنظام العام وأثره في العلاقات الخاصة الدولية.

إذ نص القانون المدني العراقي في المادة (32) منه: (لا يجوز تطبيق أحكام قانون أجنبي قررته النصوص السابقة إذا كانت هذه الأحكام مخالفة للنظام العام أو الآداب في العراق)، وقد أخذت تشريعات عدة بهذا الخصوص منها عربية وأجنبية([1]).

فالدفع بالنظام العام هو في حقيقته تعطيل للأعمال الطبيعية لقواعد الإسناد الوطنية، وبرغم أن هذا الدور سلبي للنظام العام إلا أن له ما يبرره.

فعندما يتعين القانون الواجب التطبيق في نزاع مشوب بعنصر أجنبي، قد يكون هذا القانون هو قانون القاضي نفسه أو قد يكون قانون دولة أخرى، ويثور التساؤل: هل أن قانون القاضي يلزم بتطبيق القانون الذي تقرره قواعد الإسناد في قانونه الوطني في فض النزاع المشوب بعنصر أجنبي حتى لو كان مخالفاً للنظام العام في دولته؟

يتفق أغلبية الفقه على عدم إمكانية تطبيق هذا القانون في حالة مخالفته للنظام العام في دولة القاضي المرفوع أمامه النزاع، وإنما يطبق القاضي قانونه بدلاً من القانون الأجنبي الذي أشارت إليه قاعدة الإسناد في دولته، إذا تبين أن القانون الأجنبي مخالفاً للنظام العام في دولة القاضي وإن أحكام القانون الأجنبي تصطدم أو تتعارض في المفاهيم الأساسية التي يقوم عليها المجتمع في قانون القاضي.

عندها يرفض القاضي تطبيق القانون الأجنبي حفاظاً على نظامه الوطني وحماية له من الأحكام التي تتعارض مع مفاهيمه الأساسية.

ثانياً: أسباب اختيار الموضوع:

  1. نحاول في تحديد مفهوم هذا البحث الإجابة على جملة من التساؤلات التي في مقدمتها النظام العام سيما، وأن فكرة النظام العام فكرة نسبية ومتغيرة بحسب الزمان والمكان، إضافةً إلى سكون المشرع العراقي في بيان مفهوم واضح ومحدد للنظام العام؟
  2. بيان مدى دور النظام العام باعتباره صمام أمان يحمي الأسس الجوهرية في مجتمع قاضي النزاع، وذلك بمنع تسرب وانفلات القوانين الأجنبية التي تتعارض جذرياً مع هذه الأسس.
  3. بحث أثر الدفع بالنظام العام فيما إذا كان يؤدي إلى استبعاد كلي أو جزئي للقانون الأجنبي الواجب التطبيق على النزاع المعروض أمام القاضي .
  4. ممارسة القاضي سلطته التقديرية في كون المسألة من النظام العام أم من عدمه، هل تعتبر مسألة واقع أم مسألة قانونية بحيث يخضع القاضي في ممارستها لرقابة محكمة التمييز.

ثالثاً: منهجية البحث:

نظراً لخصوصية الموضوع من حيث أنه سيتناول الدفع بالنظام العام وأثره وتعارضه القانوني الواجب التطبيق مع النظام العام، فإن أكثر مناهج الدراسة ملاءمةً هو المنهج المقارن، حيث نحاول الوصول إلى القواعد التي تحكم هذا الموضوع من خلال بيان هذا الموقف أو ما جرى عليه العمل في التشريعات الوطنية.

رابعاً: هيكلة البحث:

لتحقيق أهداف هذه الدراسة ولخصوصية الموضوع من حيث أنه سيتناول الدفع بالنظام العام وأثره وتعارض القانون الواجب التطبيق مع النظام العام، يتطلب منا بحث موضوع أثر النظام العام كمانع يحول دون تطبيق القانون الأجنبي يقتضي منا الاستعراض أولاً لتطور فكرة النظام العام والأمثلة والتطبيقات التي من خلالها يمكن توضيح فكرة الموضوع ، ومن ثم بيان مفهوم فكرة النظام العام وتحديد مضمونها وصولاً لبيان آثار النظام العام؛ لذلك فإن خطة البحث تقع في ثلاثة مباحث، نتناول في المبحث الأول ماهية الدفع بالنظام العام، ونبين الآثار المترتبة على الدفع بالنظام العام في المبحث الثاني، ثم نبين أثر الدفع بالنظام العام في الاختصاص القضائي في المبحث الثالث.

المبحث الأول

ماهية الدفع بالنظام العام

لبيان ماهية الدفع بالنظام العام، يتعين بحث أصول فكرة الدفع بالنظام العام، وذلك في المطلب الأول، ونوضح مفهوم فكرة النظام العام وتحديد مضمونها في المطلب الثاني، وكما يأتي:

المطلب الأول

أصول فكرة الدفع بالنظام العام

لم يكن دور النظام العام كأداة لاستبعاد القانون الأجنبي الذي أشارت قاعدة الإسناد باختصاصه معروفاً منذ القِدم، بل كان دور النظام العام يستخدم أساساً كأداة لتثبيت الاختصاص للقانون الإقليمي.

إن أصل فكرة الدفع بالنظام العام يرجع إلى عهد نظرية الأحوال عندما لجأ فقهاء مدرسة الحواش اللاحقين في أوائل القرن الرابع عشر وعلى رأسهم الفقيه بارتول إلى التمييز بين القوانين الملائمة والقوانين البغيضة ؛ فالأحوال الملائمة هي القوانين التي تصاحب الشخص أينما ذهب تطبق عليه ولو غادر الإقليم، أما الأحوال البغيضة فهي القواعد التي تتعدى آثارها حدود إقليم البلد الذي أصدرها؛ فهي تقف عند حدود إقليم الدولة التي صدرت فيها، ولا يمكن للقاضي الوطني أن يطبقها لمخالفتها المبادئ والقيم التي يقوم عليها مجتمعه؛ ولذلك قرر الفقيه بارتول إن الأحوال الملائمة أو المفيدة هي وحدها التي يمكنها الامتداد خارج الإقليم، أما الأحوال البغيضة فلا يمكن تطبيقها خارج الإقليم التي صدرت فيه([2]).

وعلى الرغم من أن هذه النظرية لم تشر إلى تعبير النظام العام؛ إلا أنها قد أعملت هذه الفكرة حين أرادت أن تؤكد التطبيق الإقليمي لما أسمته بالأحوال أو التوافيق البغيضة التي لا يجوز امتدادها خارج الإقليم.

إن النظام العام لم يبرز دوره وفقاً لمفهومه الحديث؛ إلا في القرن التاسع عشر على يد الفقيه الألماني سافيني، وذلك من خلال عرضه لفكرته في الاشتراك القانوني، حيث يذهب إلى أن القاضي الوطني لا يمكن أن يطبق قانوناً أجنبياً إلا إذا كان يوجد بينه وبين القانون الوطني اشتراكاً قانونياً. وهذا الاشتراك القانوني يتحقق في الدول المسيحية الوارثة للقانون الروماني، وفي كل حالة لا يتحقق فيها ذلك الاشتراك يكون هناك تعارضاً بين القانون الأجنبي وقانون القاضي يستوجب استبعاد القانون الأجنبي ، ذلك أن فكرة الاشتراك في ذاتها تقتضي تقارب المبادئ العامة في القوانين المتزاحمة بحكم العلاقات الخاصة الدولية([3]).

انتقدت هذه النظرية على أساس أن النظام العام يفرض نفسه ويلعب دوره في استبعاد تطبيق القانون الأجنبي المختص عندما تتنازع قوانين الدول المتقاربة في الحضارة ويظهر الاشتراك القانوني بين تشريعاتها بالنسبة لنظام أو أنظمة حصينة؛ فمثلاً في فرنسا وإيطاليا لا تختلفان حضاريا والأسس القانونية فيهما متقاربة، ومع ذلك فإن نظام الطلاق وإن كان مقبولاً في فرنسا فإنه حتى وقت قريب كانت المحاكم الإيطالية تمتنع عن قبوله، لمخالفته للنظام العام في إيطاليا؛ لذلك يستبعد تطبيق القانون الفرنسي في إيطاليا كلما أشارت قواعد الإسناد الإيطالية إلى تطبيقه في مسألة الطلاق بسبب مخالفته للنظام العام في إيطاليا على الرغم من تقاربهما في الحضارة([4]).

ولهذا، يذهب أنصار النظريات الحديثة إلى وجوب إخضاع بعض المسائل لقانون القاضي ورفض أن يطبق في شأنها قانون آخر في كافة المسائل التي تمس تنظيم وكيان الدولة الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، كالضمان الاجتماعي والتأمين حتى لو لم تكن من موضوعات القانون العام([5]).

من هنا كانت فكرة القواعد ذات التطبيق الفوري أو المباشر؛ أي القواعد التي تفلت من تنظم التنازع أصلاً، فهي قواعد تنتمي إلى قانون القاضي وتطبق مباشرةً على المنازعات المطروحة أمامه لا بمقتضى الإسناد التي تشير إلى هذا القانون وإنما لما لهذه القواعد من طبيعة خاصة تقتضي تطبيقها مباشرةً دون النظر إلى تصنيفها وما إذا كانت تنتمي إلى القانون العام أو إلى القانون الخاص على كل من يقطنون الإقليم، وكذلك دون الحاجة إلى إعمال قواعد الإسناد([6]).

من هذا يتبين أن القواعد ذات التطبيق المباشر هي قواعد قانونية تتولى بذاتها تحديد مجال تطبيقاتها([7])، ورغم ذلك فإن نظرية التنازع وفقاً لهذا الاتجاه الحديث تبقى لها فاعلية كاملة، حيث يكون الاعتداد أساساً لتحليل المسألة المطروحة وإسنادها إلى القانون الأكثر ملائمة لها وطنياً كان أم أجنبياً، وفي هذا المجال تلعب فكرة النظام العام وفقاً لمفهومها الحديث دورها كاملاً كأداة لاستبعاد القانون الأجنبي الذي أشارت قاعدة الإسناد باختصاصه إذا ما تعارض تطبيقه مع الأسس الجوهرية في قانون القاضي.

المطلب الثاني

مفهوم فكرة النظام العام وتحديد مضمونها

إن البحث في تحديد النظام العام هو المغامرة في رمال متحركة([8])؛ إذ أن فكرة النظام العام متغيرة تتطور وتختلف من مكان لآخر ومن زمان لزمان؛ لذا فمن غير الممكن تبني تعريف مشترك لفكرة النظام العام، وذلك لسعة نطاق النظام العام مما يحول دون تمييزها وتعيينها بشكل ثابت. وهناك تعريفات في النظام العام بعدد الفقهاء الذين بحثوا هذه المادة، إلا أنهم اتفقوا حول إظهار الكامن في الفكرة، فقد عرف البعض النظام العام بأنه سلاح للدفاع ضد أي قانون أجنبي يكون تطبيقه لازماً في الأصل إذا ما ظهر تعارض أحكامه للمفاهيم الوطنية الجوهرية([9])، حيث أخذت أكثر القوانين بهذا المبدأ ومنها القانون العراقي، والقانون العراقي يعتبر أحد التشريعات التي لم تورد تعريفاً للنظام العام، إذا التزام السكوت في تعريف النظام العام الدولي ؛ إذ خلت قواعد الإسناد فيه من تعريفه واكتفى في المادة (32) من القانون المدني العراقي بإيراد مفهوم عام للنظام العام جاء فيها يمنع تطبيق القانون الأجنبي المختص إذا كانت أحكامه تتعارض مع فكرة النظام العام فنصت على أنه (لا يجوز تطبيق أحكام قانون أجنبي قررته النصوص السابقة إذا كانت هذه الأحكام مخالفة للنظام العام والآداب في العراق)، واستناداً إلى ذلك النص أعلاه نرى بأن المشرع العراقي لم يحدد المقصود بالنظام العام بل ترك ذلك إلى تقدير القاضي المرفوع أمامه النزاع .

كذلك النصوص القانونية الداخلية خلت من تعريف النظام العام الداخلي؛ فالمادة (130) أوجبت أن يكون محل الالتزام غير ممنوع قانوناً ولا مخالفاً للنظام العام والآداب وإلا كان باطلا، كذلك المادة (132) التي قضت ببطلان العقد إذا التزم المتعاقدون دون سبب أو بسبب ممنوع قانوناً أو مخالفاً للنظام العام أو الآداب.

واكتفت المادة (130) في الفقرة ثانياً منها على إيراد المسائل التي اعتبرها المشرع من النظام العام لا يجوز الاتفاق على خلافها، وهي (الأحوال الشخصية المتعلقة بالأهلية والميراث والأحكام المتعلقة بالانتقال والإجراءات اللازمة للتصرف في الوقف والعقار والتصرف في مال المحجوز ومال الوقف ومال الدولة وقوانين التسعير الجبري والقوانين التي تصدر لحاجة المستهلكين في الظروف الاستثنائية) . إذ يبقى الأمر متروكاً للقاضي الذي يتمتع فيه بسلطة تقديرية واسعة ينظر في كل واقعة تعرض عليه ما إذا كان حكم القانون الأجنبي فيها يتعارض مع النظام العام في دولته أو لا يتعارض معه.

ويثار تساؤل في هذا المجال مفاده، وفق أي مفهوم يقدر القاضي مخالفة القانون لفكرة النظام العام؟.

إن تمتع القاضي بسلطة تحديد مفهوم فكرة النظام العام لا يعني أن في مقدوره أن يفرض في هذا المجال نظرته الشخصية للأمور، بل يجب عليه أن يتقيد في تقديره للنظام العام بالأفكار السائدة في مجتمعه والمتمشية مع مصالح أمته؛ فتقدير القاضي في تحقيق متطلبات النظام العام يعتبر مسألة قانونية([10]).

وتجدر الإشارة إلى أن مصطلح النظام العام يرد كثيراً في دراسة القانون رغم أن مفهومه يصعب منه التحديد الدقيق بحيث لا يتسنى له تعريف جامع يحدد المقصود به، وعلى الرغم من ذلك حاول جانب من الفقه وضع عدة معايير يمكن بواسطتها تحديد المقصود بهذه الفكرة .

حاول البعض الاستناد على فكرة النظام العام من استبعاد القانون الاجنبي إذا اشتمل على أفكار قانونية غير معروفة في دولة القاضي([11]).

إلا أن هذا الرأي غير مقبول ومتطرف كونه يؤدي إلى زيادة غير مقبولة للحالات التي يستبعد فيها تطبيق القانون الأجنبي الذي تشير بتطبيقه قاعدة الإسناد إضافةً إلى أنه مجرد الإتيان بقواعد غير معروفة في دولة القاضي لا يستتبع عدم تطبيقها إلا إذا تعلق الأمر بالمصالح العليا للجماعة، سواء كانت متشابهة أو مختلفة في دولة القاضي([12]).

ويرى البعض الآخر بوجوب استبعاد تطبيق القانون الأجنبي سواءً على فكرة النظام العام إذا كان ينطوي على مساس بمبادئ العدالة الدولية أو المبادئ العامة المتعارف عليها في الأمم المتحدة أو القانون الطبيعي أو يترتب على التطبيق إهدار للحقوق الطبيعية للإنسان لاستبعاد تطبيق القانون الأجنبي؛ فمثلاً الدكتور هشام على صادق يرى عدم إمكانية الاعتماد على فكرة القانون الطبيعي كأساس ومعيار لتحديد مفهوم النظام العام، ويذكر أن القانون الطبيعي هو في الحقيقة أكثر غموضاً من فكرة النظام العام، وبالتالي لا يمكن الاعتماد عليه.

وأخذاً بالأفكار السابقة، فإنه يجب استبعاد القوانين الأجنبية القائمة على التفرقة العنصرية بسبب الجنس أو اللون لمخالفتها لمبادئ العدالة والمبادئ المتعارف عليها في الأمم المتحضرة، كما يستبعد أيضاً القانون الأجنبي الذي يحرم الأمم من الاعتراف بانتمائها الطبيعي لمساس ذلك بمبادئ القانون الطبيعي والعدالة([13]). ونظراً إلى أن فكرة النظام العام بطبيعتها فكرة وظيفية تهدف تحقيق غاية معينة وتأتي محاولة ضبطها إلا من خلال تحديد هذه الغاية فتطبيقاتها تختلف تبعاً لاختلاف العلاقات الاجتماعية بالإضافة إلى مرونتها وتغيرها بتغير الزمان والمكان، كل ذلك لا يمكن نجاح أي محاولة لوضعها في قالب علمي محدد، وبالتالي يكون النظام العام محكوماً برقابة المحكمة العليا في هذا التقدير([14]).

لذلك؛ فإن المعايير السابقة المقترحة لم تضع تعريف دقيق بالنظام العام ذاته، بل حاولت تعريفه من خلال بيان هدفه، وهذا ما يمكن بيانه بالتعريف السلبي، فالمطلوب تعريف يبرز الأركان والعناصر لكي نستطيع تسميته بالتعريف الإيجابي . لذا يمكن تعريف النظام العام وهذا ما نؤيده بأنه مجموعة المصالح الجوهرية الأساسية والمثل العليا للدولة وللجماعة التي ترتضيها لنفسها التي يتأسس عليها كيان المجتمع، كما يرسمه نظامها القانوني سواء كانت هذه المصالح الأساسية والمثل العليا سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو خلقية أم دينية ويعرض الإخلال بها كيان المجتمع إلى التصدع والانهيار([15]).

وتجدر الإشارة إلى أنه لما كانت فكرة النظام العام متغيرة بتغير الزمان نظراً لارتباطها بالأفكار السائدة في وقت معين لمجتمع الدولة؛ فإن هناك تساؤل يثار مفاده، ماهية اللحظة التي يجب أن يحدد القاضي فيها مفهوم النظام العام بالرجوع إليها؟.

هل يتعين على القاضي الرجوع إلى وقت نشوء العلاقة ليتبين مدة معارضتها مع النظام العام؟ أم هل يجب عليه التقيد بالمفهوم السائد للنظام العام وقت طرح النزاع عليه؟

للإجابة على هذا التساؤل نؤيد ما يذهب إليه الفقه من وجوب تقيد القاضي بمفهوم النظام العام السائد في دولته وقت رفع النزاع إليه، فإذا ثبت له تعارض القانون الأجنبي مع هذا المفهوم كان عليه استبعاد هذا القانون الأجنبي حتى ولو لم يكن هذا القانون متعارضاً مع النظام العام وقت نشوء العلاقة موضوع النزاع([16]).

المبحث الثاني

الآثار المترتبة على الدفع بالنظام العام

إذا ما أشارت قواعد الإسناد في القانون العراقي مثلاً إلى تطبيق قانون أجنبي مختص ثم تبين للقاضي العراقي بأن هذا القانون يعارض أو يخالف النظام العام في الدولة، فإنه يستبعده ليحمي بذلك نظامه القانوني، إلا أن فراغاً تشريعياً يحدث نتيجة لاستبعاد القانون الأجنبي هذا الفراغ التشريعي يولد أثراً إما أن يكون أثراً سلبياً أو يكون أثراً إيجابياً، عليه يجب البحث عن قانون بديل لتطبيقه بدلاً من القانون المستبعد لكن هذا الاستبعاد قد يكون كلياً أو جزئياً وهذا هو الأثر السلبي، وقد يتمثل بثبوت الاختصاص لقانون القاضي لسد الفراغ التشريعي الناجم عن استبعاد القانون الأجنبي، وهو هو الأثر الإيجابي.

واستناداً لما تقدم، سوف نقسم هذا المبحث إلى مطلبين، نبين في الأول الأثر السلبي، ونوضح في الثاني الأثر الإيجابي، وكما يلي :

المطلب الأول

الأثر السلبي

يترتب على إعمال الدفع بالنظام العام أثراً سلبياً هو استبعاد تطبيق أحكام القانون الأجنبي المتعارضة مع النظام العام في دولة القاضي؛ فالهدف الأساس لإعمال الدفع بالنظام العام هو عدم السماح لقواعد القانون الأجنبي بالاندماج في النظام القانوني الوطني؛ نظراً للتنافر القائم بينهما وبين أساس هذا النظام القانوني.

إن المشكلة التي تثور هو هل نستبعد القانون الأجنبي بجميع أحكامه كلياً أم يقتصر الاستبعاد فقط على الجزء المتعارض فعلاً مع النظام العام الوطني في هذا القانون؟.

هذا التساؤل ينبغي منا بيان بعض الآراء الفقهية التي مثلت في هذا المجال.

يرى جانب من الفقه وجوب استبعاد القانون الأجنبي كلياً وتطبيق قانون القاضي بدلاً منه إذا ما تعارض أي حكم من أحكامه مع النظام العام الوطني([17])، ويستند هذا الجانب من الفقه إلى قاعدة معينة قررتها قاعدة الإسناد في بلد القاضي بحجة التعارض مع النظام العام ويطبق القواعد الأخرى في القانون الأجنبي المستبعد . والقول بغير ذلك يؤدي إلى مسح وتشويه القانون الأجنبي وتطبيقه في غير الأحوال التي يجب تطبيقه فيها؛ فضلاً عن أن هذا التطبيق ينطوي على مخالفة لقاعدة الإسناد في دولة القاضي، حيث تهدف إلى تطبيق القانون الأجنبي برمته وليس بعض أحكامه دون البعض الآخر.

ونعتقد أن هذا الرأي لا يمكن تأييده فالاستبعاد هو استبعاد جزئي فقط؛ فالقاضي لا يستبعد من القانون الواجب التطبيق إلا القاعدة القانونية المخالفة لمقتضيات النظام العام دون باقي القواعد؛ إذ على القاضي أن لا ينسى دائماً أن الدفع بالنظام العام هو وسيلة استثنائية لمنع تطبيق القانون الأجنبي المختص، فلا يجب استعماله إلا في حدود ضيقة([18]).

وتجدر الإشارة في هذا المجال، إلى أن استبعاد أحكام القانون الأجنبي كلياً وتطبيق قانون القاضي بدلاً منه يعد الأكثر تعارضاً مع حكمة التشريع؛ إذ ما دام أن القانون الأجنبي هو القانون الواجب التطبيق أصلاً وهو القانون الأكثر القوانين ملائمة للمسألة المعروضة من بين القوانين المتزاحمة فيعتبر هو الأقرب إلى حكمة التشريع هو أن لا تستبعد أحكامه إلا ما تعارض فعلاً مع مقتضيات النظام العام في دولة القاضي. وهذا ما أكده جانب من الفقه الغالب([19])، على أن الأثر السلبي يتمثل باستبعاد الجزء المخالف للنظام العام في القانون الأجنبي دون بقية الأجزاء الأخرى، وبذلك لا يستبعد القانون الأجنبي الواجب التطبيق كلياً. وعلى القاضي أن يطبق أحكام القانون الأجنبي التي لا تتعارض مع النظام العام الوطني، وينحصر فقط الأثر بذلك باستبعاد الجزئية التي تتعارض مع مفهوم فكرة النظام العام في دولة القاضي .

هذا الاتجاه يتفق مع الإعمال الطبيعي لفكرة النظام العام، والتي تذهب إلى أنه ليس القانون الأجنبي في جملته هو الذي يصطدم عادةً بفكرة النظام العام، وإنما في بعض الأحيان بجزئية من هذا القانون هي التي تتعارض، فطالما أن قواعد الإسناد الوطنية في دولة القاضي هي التي أشارت إلى هذا القانون الأجنبي الواجب التطبيق على العلاقة موضوعة النزاع؛ فعلى القاضي أن يجتهد في ذلك قبل استبعاد القانون الأجنبي كلياً، فمثلاً لو عرضت على القاضي العراقي علاقة تتضمن شرط الدفع بالذهب، وكان القانون الأجنبي الذي يحكم هذه العلاقة المتنازع فيها يجيز شرط الدفع بالذهب فإنه يجب استبعاد هذا الشرط وحده لمخالفته للنظام العام وتبقى الشروط الأخرى خاضعة للقانون الأجنبي ما دامت لا تتعارض مع النظام العام في العراق، وهذا هو الحل الراجح وله تطبيقات عديدة في القانون الفرنسي ؛ فقد قضت محكمة النقض الفرنسية بأنه (إذا لم يكن القانون الأجنبي متعارضاً مع القانون العام الفرنسي في مسائل النسب الطبيعي فإن استبعاد حكمه يقتصر على تلك المسألة وحدها دون أن يتعداها إلى آثار النسب) ([20]).

إلا أنه في بعض الحالات يصعب تطبيق القانون الأجنبي المختص أو استبعاد جزئية منه للاختلاف الجوهري بأساس النظام العام، ولعدم إمكانية فصل هذه الجزئية لارتباطها الوثيق بأحكام القانون الأجنبي مما يقتضي اللجوء إلى استبعاد القانون الأجنبي كلياً([21]).

المطلب الثاني

الأثر الإيجابي

إذا اصطدم تطبيق القانون الأجنبي بالنظام العام في دولة القاضي؛ فعليه عندئذٍ استبعاد أحكام القانون الأجنبي المخالفة للنظام العام، وهذا هو الأثر السلبي، ولكن التساؤل الذي يثار هنا عن ماهية القانون الذي سيطبق بعد استبعاد القانون الأجنبي على النزاع المعروض أمام القاضي؟

إن معظم القوانين ومنها العراقي في المادة (32) من القانون المدني العراقي، والمادة (280) من القانون المدني المصري لم تنص سوى على الأثر السلبي للنظام العام، وعليه فقد ظهر الاختلاف في الجواب على هذا التساؤل، وذهب الفقه إلى عدة اتجاهات، وقبل ذكر الاتجاهات يجب الإشارة إلى أن الأثر السلبي للنظام العام لا بد أن يتبعه أثر إيجابي يقتضيه سد الفراغ التشريعي أولاً وعدم اعتبار القاضي منكراً للعدالة عندما لا يحكم في النزاع المعروض أمامه بحجة عدم إمكان إعمال القانون الأجنبي المختص لتعارضه مع النظام العام، بل عليه أن يلجأ إلى قانون آخر ليتصدى بواسطة أحكامه للنزاع المعروض عليه.

فما هو القانون الذي سيحل محل القانون الأجنبي؟ هناك عدم اتجاهات.

يرى جانب من الفقه الألماني عدم وجوب إحلال قانون القاضي محل أحكام القانون الأجنبي التي تم استبعادها، بل يتعين البحث في القانون الأجنبي نفسه، عن قاعدة أخرى تحل محل القاعدة المستبعدة من نفس القانون تكون غير مخالفة للنظام العام في دولة القاضي، وهذا ما شأنه في النهاية أن يحفظ لقاعدة الإسناد وظيفتها لتؤدي دورها الذي وضعت من أجله.

إلا أن هذا الرأي انتقد على أساس أنه يفترض دائماً أن هناك نصوص مماثلة أو مقاربة للنصوص المستبعدة باسم النظام العام([22]).

وقد ذهب جانب آخر من الفقه إلى وجوب البحث عن أصلح القوانين بالنسبة للطرف الضعيف في العلاقة وإحلال هذا القانون محل القانون الأجنبي المستبعد، وذلك من الفروض التي يتعذر منها القاضي، غير أن هذا الرأي منتقد فتحديد الطرف الضعيف متوقف على ما تقضي به القاعدة القانونية التي ستحكم العلاقة ولا يمكن معرفة الطرف الضعيف في العلاقة قبل أن تعرف القانون الواجب التطبيق([23]).

يذهب جانب آخر إلى تطبيق قانون القاضي مطلقاً وفي جميع الفروض سواء كان استبعاد القانون الأجنبي كلياً أو جزئياً فهو خير الحلول الملائمة للاعتبارات العملية، كما يتماشى مع طبيعة فكرة النظام العام بوصفها صمام الأمان لحماية المصالح العليا للمجتمع، لكننا نجد أن هذا الرأي منتقد على أساس أنه يسبب إهدار لمتطلبات الحياة الخاصة الدولية ، ذلك أن قانون القاضي قد لا يكون ملائماً لطبيعة العلاقة الدولية محل البحث، وهذا ما جعل مشرع هذا القانون يشير بقاعدة الإسناد إلى تطبيق القانون الأجنبي.

ونؤيد ما يذهب إليه الرأي الراجح وهو أسلم الحلول، حيث يذهب إلى تطبيق قانون القاضي كمبدأ عام دون أن يقلل من أهمية ما ذهبت إليه معظم الآراء السابقة؛ إذ أنه استبعد القانون الأجنبي الذي أشارت إليه قواعد الإسناد باسم النظام العام فإن على القاضي قدر الإمكان أن يراعي أحكام القانون الأجنبي الأخرى غير المستبعدة فيما إذا كان الاستبعاد جزئياً.

فإذا لم يجد ما هو ملائم لحكم العلاقة استعان في حل النزاع المطروح أمامه بقانون آخر يراه مناسباً لحل النزاع وإلا فلأحكام القانون الطبيعي، وكذلك الأمر إذا كان الاستبعاد كلياً فعليه الاستعانة بالقانون الأقرب إلى العلاقة المطروحة أمامه إذا كان في ذلك القانون أحكاماً مخالفةً للنظام العام في دولته، وقد يكون القانون الأقرب للعلاقة هو قانون القاضي نفسه بشرط أن يفهم بمعنى واسع ومرن، بحيث يفتش القاضي عند استبعاد القانون الأجنبي المخالف في مختلف نصوص قانونه لإيجاد الحل الملائم والمناسب للعلاقة المطروحة. وتجدر الإشارة إلى أن القاضي يكون أعلم بقانونه من أي قانون آخر. وهذا الحل تأخذ به العديد من القوانين كالقانون العراقي والمصري واللبناني([24]).

فمثلاً إذا كان النزاع المعروض على القاضي العراقي بتعلق بميراث بين أجانب، وكان القانون الواجب التطبيق يمنع التوارث بسبب اختلاف اللون أو الجنس؛ فإن القاضي العراقي يستبعد تلك القاعدة في قانون المواريث ويقضي بجواز الإرث ويطبق الأحكام الأخرى في ذلك القانون الأجنبي الخاصة بترتيب الورثة ومقدار أنصبتهم، ما لم يكن أحد أطراف النزاع مسلماً ويتعارض حكم القانون الأجنبي الخاص بذلك مع النظام العام العراقي. وهذا الحل تأخذ به القوانين العربية كالأردني والمصري.

المبحث الثالث

النظام العام في مجال الاختصاص القضائي الدولي

استعمل اصطلاح (الاختصاص) فقط في عدة معانٍ، فأول ما تبادر إلى الذهن بهذا الصدد إلى الاختصاص المقرر للدول بموجب أحكام القانون الدولي العام، وفي هذا المعنى هو سلطة أو أهلية الدولة الواحدة لأن تصف أن تنفذ قوعد لاحقة لنتائج قانونية لتصرف ما، أي تحديد الأفعال التي يمكن أن تباشرها الدولة بصورة مشروعة . كما قد يستعمل معنى الاختصاص بأنه صلاحية أو قوة إحدى السلطات الثلاث في الدولة الواحدة أي التشريعية والتنفيذية والقضائية، واستعمل أيضاً للدلالة على الصلاحية أو السلطة المخولة من قِبل الدولة لأحد أعضائها أو القائمين على إدارة إحدى السلطات العامة. وبهذا يعني الاختصاص، السلطة المقررة للمحاكم لسماع أموراً معينة وقد يراد به أيضاً كيفية استعمال المحاكم لهذه السلطة المقررة.

وإزالةً لهذا الالتباس يفضل استعمال اصطلاح الاختصاص القضائي، ويقصد به: “مجموعة القواعد التي تتحدد بمعناها ولاية محاكم الدولة بنظر المنازعات التي تتضمن عنصراً أجنبياً إزاء غيرها من محاكم الدول الأخرى”([25])، وتعني بذلك قوة الدولة أو سلطتها القضائية على وجه التحديد في إخضاع أشخاص معينين أو أشياء أو تصرفات معينة إلى ولاية محاكمها العامة، وتتأثر قوة الدولة القضائية اعتيادياً بأحكام الدستور واعتبارات القانون الدولي الطبيعي والوضعي بقسميه العام والخاص بالإضافة إلى أحكام القوانين الوطنية، وهذا يعتبر تنفيذاً لمبدأ معروف هو أن تمتد سيادة الدولة إلى كل ما على إقليمها من أشخاص وأموال وتصرفات، ومع أنه يحق للدولة الواحدة (من الناحية النظرية على الأقل) أن تفصل في أية دعوى وبغض النظر عن وقت حدوثها وأشخاصها، وذلك لعدم وجود حدود معينة لنشاط ونفاذ تشريعاتها، إلا أنه مع هذا يبدو من غير المفيد أو المعقول أن تزعج أو ترهق محاكم دولة ما نفسها، لإقرار النظام أو تسوية النزاع الحادث في دولة أخرى أو حتى لمواطنيها في الخارج، لكن يمكن القول بأن هناك مبررات تفرض نفسها على الدولة عندما تحاول رسم سياسة الاختصاص القضائي الدولي لمحاكمها حتى تستقيم الأمور، وتكون الأحكام منطقية قابلة للتنفيذ منها مبدأ وجود الدول على قدم المساواة من الناحية الدولية، الاعتبارات المتعلقة بالقيود أو الالتزامات التي تقرها المعاهدات والاتفاقيات والأعراف الدولية، الجنسية أي الولاء السياسي لتلك الدولة كذلك فيما يتعلق بالأشخاص، من حيث موافقة الأشخاص على اختيار محكمة أجنبية بإرادتهم الصريحة أو قيام الشخص بأعمال وتصرفات قانونية أو تجارية أو غيرها، وقيام الشخص بارتكاب أفعالاً ضارة تثير مسؤولية تقصيرية. أيضاً من ناحية تملك الأشخاص أو حيازتهم أموالاً، أيضاً آثار العقد أو آثار الفعل الضار. كل هذه الأمور التي ذكرناها أعلاه تتطلب تدخل الدولة، بعد هذه المقدمة لا بد أن نوضح النظام العام في مجال الاختصاص القضائي، والتي سوف نقسمها إلى مطلبين، نتناول في مدى حق الأفراد على الخروج عن القواعد المنظمة للاختصاص القضائي الدولي، ثم نتناول في الثاني تحليل إمكانية خروج الأفراد على قواعد الاختصاص القضائي الدولي في العلاقات الدولية .

المطلب الأول

مدى حق الأفراد على الخروج عن القواعد المنظمة

للاختصاص القضائي الدولي

من الأمور التي تثير جدلاً شديداً في تنازع القوانين هي مسألة تعريف وتحديد مضمون النظام العام. وكما قلنا سابقاً؛ فقد حاول البعض من الكتّاب التفرقة ما بين مفهوم النظام العام الدولي والنظام العام الداخلي، ويرون أن مجال النظام العام الدولي أضيق من مجال أعمال النظام العام الداخلي، أي أن الحالات التي لا يجوز فيها للأفراد الاتفاق على ما يخالف القاعدة القانونية؛ نظراً لكونها من القواعد الآمرة في القانون الداخلي تفوق بكثير الحالات التي يستبعد فيها تطبيق القانون الأجنبي لمخالفته النظام العام في الدولة([26])، وسبب هذا أنه في مجال القانون الدولي الخاص إن إعمال فكرة النظام العام يؤدي إلى نتيجة خطيرة، حيث أنها تؤدي إلى إيقاف جريان المعاملات الدولية؛ وذلك بتعطيلها تطبيق قواعد الإسناد التي تشير إلى تطبيق القانون الواجب التطبيق ؛ بالإضافة إلى هذا أن الحياة القانونية والخاصة للأفراد أكثر سعة وغير خاضعة أصلاً لنظام قانوني معين، وبالتالي يعطي إمكانية أكثر لأطراف العلاقة لخلق نماذج مختلفة من الالتزامات والتقيد بها، إلا أنه من حيث الواقع لا يوجد إلى نظام واحد في الدولة وإن تنوعت تطبيقاته، وإنما على قاضي محكمة الموضوع عند نظره نزاعاً دولياً أي ذو أبعاد قانونية تشمل دولاً متعددة أن يراعي ما يأتي:

  1. ابتعاده قدر المستطاع إذا ما قرر استبعاد القانون الأجنبي عن فكرة النظام العام وعن وجود مبادئ عامة متعارف عليها في الحياة الداخلية؛ لأن مثل هذه الأمور تعجز عن تقديم المبرر الكافي لمثل ما يقدم عليه .
  2. أن يستخدم القاضي ذكاؤه وفطنته والهدف من القاعدة القانونية المراد تطبيقها أي أن يتأمل في المسألة المعروضة أمامه في نطاقها القانوني الأجنبي وما يقارنها بما يقابلها في قانونه الوطني على ضوء ارتباطها بالعناصر القانونية الأخرى المناظرة لها أو المقاربة لها في ذات القانون الأجنبي. كما أن القانون الوطني بذاته في دوله المحكمة لا يجوز اعتباره مثالاً أو نموذجاً مثالياً واجب الاتباع؛ لأن معنى ذلك نقل المفاهيم الوطنية وما يرافقها من أمور إلى مستوى العلاقات الدولية، وهذا لا يجوز لأنه لا يوجد قانون كامل يحقق كل مستلزمات ما يتطلبه من عادات وتقاليد ومفاهيم في الدول الأجنبية الأخرى.

ج. إن فكرة النظام العام معروفة في القانون الداخلي وهي تستخدم للحد من سلطان الإرادة لضمان عدم خروج الأفراد على أحكام القواعد القانونية الآمرة في القانون الداخلي([27])، أما الغرض من النظام العام في العلاقات ذات العنصر الدولي هو أن يكون قيداً على تطبيق القانون الأجنبي وأداة الاستبعاد، لكن هذا الاستبعاد لا يجوز أن يتم بمجرد اختلاف بسيط في المضمون أو المحتوى من حيز نظمه في القانون الداخلي أو من الذي يتأثر منه أشخاص أجانب لا يرتبطون بدولة المحكمة بشيء، إن عدم التساهل في تحديد النظام العام في الاعتبارات الدولية، وعما يميزه عن النظام في القانون الداخلي يؤدي بالحقيقة والواقع إلى طغيان القانون الوطني وتراجع القانون الدولي التجاري، وبالتالي يؤدي إلى إضرار بالعلاقات القانونية الاقتصادية والتجارية الدولية.

وبعد هذه المقدمة لا بد من معرفة تأثير النظام العام على قواعد الاختصاص القضائي الدولي للمحاكم، حيث أن الأمر يختلف من دولة لأخرى؛ إذ نرى أن القانون العراقي والمصري واللبناني يعطي حلولاً مفصلة لاختصاص المحكمة في حين إن القانون الفرنسي لا يعطي حلولاً مفصلة لاختصاص المحكمة؛ إذ يلجأ القضاء في فرنسا إلى تطبيق قواعد الاختصاص القضائي الداخلي في المجال الدولي مع مزجها بما يتلاءم وطبيعة العلاقات الدولية، ولو أن المشرع الفرنسي في عام 1981 قد خطى خطوة إيجابية في مجال الاختصاص القضائي والتحكيم الدولي الذي يجري في فرنسا، والذي سنأتي إليه فيما بعد بحيث يعتبر بمثابة انطلاقة سياسية جديدة غيرت الكثير من المفاهيم السائدة في القانون الفرنسي.

من جراء هذا الوضع تساءل بعض الكتاب عن مدى إمكانية اعتبار قواعد الاختصاص الدولي متعلقة بالنظام العام أم لا، وبسبب الاختلاف في النظرة والآراء وجد على الأقل إن هناك اتجاهين متعارضين، فالاتجاهان ينظران إلى مدى ما للأفراد من حق الخروج على القواعد المنظمة للاختصاص القضائي الدولي من زاوية النظام العام في العلاقات الدولية، ويختلف هذا الرأي فيما بين أنصاره؛ فهناك فريق يرى إن كلما يخص اختصاص القضاء الدولي قواعد متعلقة بالنظام العام، في حين يؤكد البعض الآخر على بعض الأمور التي تتعلق بالنظام العام، وهذا ما سنبحثه تباعاً.

الرأي الأول:

يذهب هذا الرأي إلى أن قواعد الاختصاص القضائي كلها متعلقة بالنظام العام، وبالتالي لا يجوز للأفراد الاتفاق على مخالفتها والخروج على حكمها، وهذا يعود برأيهم لأن المشرع يحدد ضوابط اختصاص المحاكم الوطنية، فهو بذلك يرسم حدود ولاية هذه المحاكم بالنظر في المنازعات التي تثور على إقليمه.

وترتبط قواعد الاختصاص الدولي من هذه الوجهة بوظيفة أساسية للدولة هي وفق العدالة حفاظاً على الأمن والسكينة فيه، وهي اعتبارات تمس بالضرورة فيه مبدأ النظام العام.

ويرون أيضاً أن لا غرابة في هذا الأمر ذلك؛ لأنه إذا اتفق الخصوم على الخضوع لولاية دولة أجنبية في حالة من الحالات التي تدخل في صميم اختصاص القضاء الوطني، فإن ذلك سوف يتعارض مع ما قرره المشرع من كون المحاكم الوطنية ودون غيرها هي التي يتعين عليها النظر في مثل هذا النزاع([28]).

أما إذا اتفق الخصوم على الخضوع لولاية القضاء الوطني في غير الأحوال التي تختص فيها محاكم الدولة بالنزاع وفقاً لضوابط الاختصاص الأخرى، فليس في ذلك كمبدأ عام ما يمس سيادة الدولة على إقليمها، ويمكن القول بأنه ما دام المشرع قد سمح لإرادة الخصوم في هذا الأثر المانح للاختصاص القضائي الوطني، فإن ذلك يعد في ذاته ضابطاً قانونياً للاختصاص الدولي للمحاكم، وللمشرع أن يعطي للإرادة هذا الأثر المانح للاختصاص ويجردها على العكس من أثرها السالب لولاية المحاكم الوطنية ؛ نظراً لتعلق قواعد الاختصاص القضائي الدولي بالنظام العام.

يستفاد من هذا أيضاً من لغة قانون المرافعات، حيث يستخدم كلمة تختص المحاكم بهذه الكلمة تعني الأمر، وعندما تكون القواعد آمرة لا شك أنها تكون متعلقة بالنظام العام، وبسبب هذا المبدأ فإنه يجوز للمحكمة لا بل يجب عليها أن تقرر من تلقاء نفسها بعدم الاختصاص إذا كان النزاع المعروض عليها يتجاوز حدود ولايتها المرسومة.

الرأي الثاني:

أما أنصار هذه النظرية الآخرين الذين يؤكدون على جانب من جوانب الاختصاص القضائي الدولي وتعلقه بالنظام العام، حيث يرون أن الاختصاص يكون على نوعين: اختصاص أصلي، واختصاص جوازي([29]).

الاختصاص الأصلي، مثاله الاختصاص المبني على موطن أو محل إقامة المدعى عليه، وكذلك بالمتعلقة بالأحوال الشخصية والعقارات (قانون موقع المال).

ويكون من النوع الثاني أي الاختصاص الجوازي الاختصاص المبني على ضابط جنسية المدعى عليه. كما في المادة (14) من القانون المدني العراقي والمادة (28) مرافعات مصري، وكذلك الاختصاص المبني على الخضوع الإرادي والاختصاص المتعلق بالدعاوي المرتبطة .

وفقاً لهذا التمييز أو التصور تكون حالات الاختصاص الوجوبي متعلقة بالنظام العام، أما الاختصاص الجوازي ففيها تثبت للمحاكم الوطنية ولاية الفصل في النزاع، إلا أنها ليست متعلقة بالنظام العام، والفرق بينهما أن الأول قاصر على المحاكم الوطنية كالعراقيين والمصريين مثلاً، في حين أن الثاني يكون مشتركاً ما بين المحاكم الوطنية والمحاكم الأجنبية الأخرى، أي أن هذه الوجهة الثانية ترى بأنه ولو أن القواعد المنظمة للاختصاص القضائي الدولي قواعد آمرة؛ إلا أن تعلقها بالنظام العام ليس من درجة واحدة.

وإذا أردنا تقييم هذا الاتجاه فإن الأصل فيه هو منع الخصوم في المنازعات ذات الطابع الدولي أن يسلبوا بإرادتهم اختصاصاً مقرراً بحكم القانون للمحاكم العراقية أو المصرية أو الوطنية عموماً، ولو أن هذا غير مقنع بصورة تامة لأن ربط الاختصاص القضائي بالنظام العام وسيادة الدولة وتنظيم مرفق القضاء فإن الغرض منه يكون قد فوت أي أن الغرض الأساسي من القضاء إنما هو يهدف إلى حماية حقوق ومصالح الأفراد الخاصة وإغفاله بهذه الصورة لا شك فيه يؤدي إلى قطع لواقع العلاقات الدولية الخاصة للأفراد، كما أن الأمر لا يخلو من تناقض آخر لما كانت قواعد الاختصاص القضاء الدولي متعلقة بالنظام العام فكيف يسمح للخصوم من جانب يدور مانح للاختصاص للمحاكم العراقية أو المصرية بمسألة لم تكن ثابتة لها أصلاً، إنكار هذا الدور إن كان لمثل هذا الاتفاق أثر في سلب اختصاص المحاكم العراقية المقرر .

ويرى البعض الآخر أيضاً كيف يمكن قبول الدفع بالإحالة أمام المحاكم الوطنية لرفع في نفس الوقت عن ذات النزاع أمام محكمة أخرى في دولة أجنبية([30]).

كما أن النظام العام في ذاته نظام مرن ومتطور ومتغير ونسبي والتعويل عليه يفتح باباً واسعاً للاختلاف بالحلول، لا بل قد يؤدي أحياناً إلى حالة التحكم، حيث يعتبر البعض من القضاة ضابطاً ما من النظام العام ومن ثم لا يجوز للأفراد الاتفاق على خلافه.

المطلب الثاني

تحليل إمكانية خروج الأفراد على قواعد الاختصاص القضائي الدولي

في العلاقات الدولية

يرى الاتجاه الآخر من الفقهاء أنه من حق الأفراد الخروج عن قواعد الاختصاص القضائي الدولي في العلاقات الدولية لعدم تعلقه بالنظام العام، ويعطي للأفراد كل الحق للاتفاق على خلافه، وهذا يصدق على وجه التحديد في العراق ومصر وفرنسا في مسألة موطن المدعى عليه واعتباره متعلقاً بالنظام العام في العراق؛ بينما ليس كذلك في فرنسا، وهذا لا شك فيه يؤدي إلى نتائج بالغة الخطورة لا سيما عندما يطلب تنفيذ الحكم في الخارج، ويذهب البعض الآخر إلى ضرورة التمييز بين النظام العام الداخلي والنظام العام الدولي، حيث تفهم فكرة النظام الدولي على الوجه التالي.

إن الهدف الأول والأساس من تنظيم الاختصاص القضائي على مستوى العلاقات الدولية هو إقامة نوع من الانسجام والتناسق في توزيع الاختصاصات الدولية؛ ونظراً لافتقاد المجتمع الدولي لهيئة عليا لها قوة الالتزام لتنظيم هذا الوضع، قامت بهذه المهمة كل دولة على حدة وهو تحديد لاختصاصها القضائي أحلته كل دولة حالة الضرورة بما يناسبها، وهي حالة احتكار للاختصاص، وهي في الواقع توزيع للمشاركة بحد ذاته، حيث أن التشريع الوطني في لجوئه إلى هذا التحديد الذاتي سداً لذلك الفراغ، فقد يبين حالات الاختصاص القضائي للدولة للمحاكم الوطنية وهو بذلك قد جعل في تقديره من هذه الحالات حداً أو مستوى عاماً معقولاً لاختصاص المحاكم العراقية؛ فمثلاً في المنازعات الدولية حيث يمثل الجانب أو الجزء التي تشارك به الدولة العراقية في الاختصاص القضائي على نطاق المجتمع الدولي([31])؛ مما لا شك فيه أن هذه الدولة تتمسك بهذا الاختصاص المقرر، وهذا معناه ألا تسمح للأفراد أن يسلبوا المحاكم الاختصاص الثابت ؛ لأن ذلك يؤدي إلى تقليل فرص مشاركة القضاء الوطني في حل المنازعات الدولية، ولهذا لا يسمح للخصوم بالاتفاق على سلب ما هو ثابت للمحاكم العراقية. وهناك إمكانية أخرى متعلقة بتخلي القاضي الوطني عن الاختصاص الثابت له قانوناً، حيث يرى جانب كبير من الفقه أنه إذا تعلقت قواعد الاختصاص القضائي الدولي بالنظام العام فلا يمكن وهذه الحالة إلا إهدار اتفاق تم ما بين الخصوم على الخضوع لولاية قضاء أجنبي ([32])، غير أن ذلك لا يمنع القاضي مع ذلك من حق التخلي عن اختصاص بنظر الدعوى المرفوعة أمامه إذا دعت إلى ذلك اعتبارات الملاءمة والتيسير والحصول على الدليل تنفيذاً لمبدأ قوة النفاذ في الأحكام، وهناك بعض الحالات تستوجب الإشارة إليها باعتبارها من الاستثناءات على حالات الاختصاص الثابتة للمحاكم كما استقرت بوضوح في مصر وسنبينها تباعاً، وهي :

  1. قبول الدفع بالإحالة أمام المحاكم المصرية لقيام دعوى عن ذات النزاع أمام محكمة أخرى أجنبية متى ما كانت هذه المحكمة الأجنبية الأخرى بنظر القضاء المصري أكثر قدرة على الفصل في الدعوى بحكم مبدأ النفاذ.
  2. إذا كان اختصاص المحاكم المصرية مبني على ضابط الجنسية، فإنه يجوز في هذه الحالة إخراج الدعوى من اختصاص المحكمة المصرية نظراً لضعف ضابط الجنسية في تحديد الاختصاص القضائي الدولي للمحاكم.
  3. في حالة الخضوع الاختياري لولاية المحاكم المصرية، وكذلك إذا ما اعتبرت مصر موطناً مختاراً للمدعى عليه، حيث يجوز للمحكمة في هذه الحالة أن تتخلى عن نظر النزاع حتى يتبين لها أن ليس هناك رابطة قوية تربط النزاع بمحاكم الدولة، وبالتالي تبرر الاستمرار في ثبوت هذا الاختصاص([33]).
  4. إذا كانت الدعوى متعلقة بعقار واقع في الخارج سواء كانت هذه الدعوى متعلقة بإنشاء أو إحدى أنواع دعاوي الأحوال الشخصية متى ما كان المدعى مصرياً متوطناً في مصر، وكذلك في حالة الخضوع الاختياري وتعدد المدعي عليه.

في هذه الحالات كل ما تقوم به المحكمة هو الحكم بعدم الاختصاص ؛ لأن الحكم في هذا النمط الأخير معروف في العلاقات الدولية؛ لأنه عدم الاختصاص للمحاكم الوطنية في الدعاوي العقارية المتعلقة بالخارج يعتبر من المبادئ المستقرة والثابتة عالمياً في القانون المقارن فقهاً وقضاءً.

بسبب هذا الوضع وهذه الاستثناءات والاختلاف في الحلول يكون من المفيد جداً وضع نظرية عامة للتخلي عن نظر الدعوى من قِبل قاضي محكمة الموضوع، تقوم هذه النظرية على أساس الأخذ بمعيار الموضوع في جوهره وتوافر رابطة حقيقية أصيلة بين طبيعة النزاع وولاية المحكمة، وعلى ذلك يكون للقاضي أن يتخلى عن نظر النزاع ويطلب من الخصوم مراجعة المحكمة الأجنبية باعتبارها أقدر منه في الفصل في النزاع تحقيقاً للعدالة، وميزة هذا المعيار الموضوعي أنه يعطي للقاضي حرية الحركة والتصرف، فإذا ثبت الاختصاص مثلاً للمحاكم الوطنية بناءً على ثبوت موطن المدعى عليه بالعراق؛ فقد يبدو للقاضي العراقي أن الحكم الذي يصدر عنه سوف يتوافر فيه قوة الفاعلية والنفاذ بما يحقق مصلحة الخصوم والعدالة، وعلى العكس من ذلك قد يبدو له في حالة أخرى ثبت له الاختصاص لنفس الضابط أن يتخلى عن الدعوى لصالح القاضي الأجنبي المختص، سوف يترتب عليه صدور حكم أكثر فاعلية ويتمتع بنفاذ أقوى مما قد يحققها القاضي الوطني، كأن تكون جميع أحوال هذا الشخص موجودة كلها في تلك الدولة الأجنبية، أو أن أدلة الإثبات كلها في تلك الدولة أو أن لهذه الدعوى ارتباط بدعوى أخرى مرفوعة هناك، وقد وصلت فيها المحكمة إلى وقت إصدار الحكم([34]).

هذه الحالات وغيرها يكون من الأفضل للقاضي الوطني أن يتخلى على الدعوى. كما أنه يجوز للأفراد سلب الاختصاص من المحاكم الوطنية متى ما كانت هناك رابطة جدية تربط النزاع بالمحكمة الأجنبية تجعلها أقدر على الفصل بالدعوى وكفالة آثار الحكم الصادر فيها، ويكون من الأفضل للمحكمة عندئذٍ أن تتخلى عن نظر هذا النزاع .

من ذلك مثلاً إذا كانت الدعوى متعلقة بأفعال ضارة مثلاً (تصادم سيارات) للبناني وتركي اللذان يعملان لصالح شركة واحدة في عمان بالأردن، وبسبب قدومهما للعراق لفترة قصيرة اتفقوا على رفع دعوى أمام محاكم بغداد لفض النزاع بينهما؛ فهنا على القاضي العراقي أن يوازن بالأمر لا سيما يتعلق بأدلة الإثبات والتعويض، وتقديره وتحصيله آخذاً بنظر الاعتبار الوقت الذي يستغرقه في إصدار هذا الحكم ، حيث يطلب منهما الرجوع مباشرةً للقضاء الأردني عوضاً عن صدور حكم عراقي وطلب تنفيذه هناك باعتباره من الأحكام الأجنبية، أما لو كان أحدهما عراقياً قد تتحرج المحكمة عن تخلي هذه الدعوى إعمالاً للمادة (14) من القانون المدني العراقي التي تثبت الاختصاص للمحاكم العراقية متى ما كان أحد الخصوم عراقياً حتى بشأن المنازعات والحقوق والالتزامات التي نشأت في خارج العراق ، حيث لا اجتهاد في مورد النص وتكون المحكمة العراقية ملتزمة بالاستمرار بالدعوى وإصدار قرار الحكم .

الخاتمة

إن مصطلح النظام العام يرد كثيراً في دراسة القانون رغم إن مفهومه يصعب فيه التحديد الدقيق، بحيث لا يتسنى له تعريف جامع يحدد المقصود به، وقد توصلنا من خلال هذا البحث إلى جملة من النتائج أهمها:

أولاً: النتائج:

  1. يمكن تعريف النظام العام تعريفاً يبرز الأركان والعناصر بأن مجموعة المصالح الجوهرية الأساسية والمثل العليا للدولة وللجماعة التي ترضيها لنفسها التي يتأسس عليها كيان المجتمع كما يرسمه نظامها القانوني، سواء كانت هذه المصالح الأساسية والمثل العليا سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو خلقية أم دينية ، ويُعرِّض الإخلال بها كيان المجتمع إلى التصدع والانهيار. والنظام العام بمثابة صمام الأمان الذي يحمي الأسس الجوهرية في مجتمع قاضي النزاع بمنع تسرب وانقلاب القوانين الأجنبية التي تتعارض جذرياً مع هذه الأسس.
  2. يترتب على إعمال الدفع بالنظام أثراً مهماً وهو وجوب استبعاد أحكام القانون الأجنبي المتعارضة مع النظام العام في دولة القاضي، وهو ما يسمى بالأثر السلبي للنظام العام، وهو استبعاد القانون الأجنبي المختص بحكم النزاع وفقاً لقواعد الإسناد الوطنية في حالة تعارضه معها، ولكن هذا لا يعني بقاء موضوع النزاع معلقاً بلا قانون يحكمه أو يتوقف القاضي عن السير في نظر النزاع، وإذا ما تم للقاضي استبعاد هذا القانون فيتوجب عليه أن يسد هذا الفراغ التشريعي بأن يتجه للتفتيش عن قانون آخر للبت في النزاع .
  3. يترتب على استبعاد القانون الأجنبي ثبوت الاختصاص لقانون القاضي لسد الفراغ التشريعي الناجم عن استبعاد القانون الأجنبي وهو الاثر السلبي.
  4. الاعتراف بالحقوق المكتسبة في الخارج هو تلطيف لمفعول النظام العام، ولا يعني استبعاد كلي لفكرة الدفع بالنظام العام في جميع الأحوال بالنسبة لأي حق اكتسب في الخارج .
  5. أما عن المفهوم الذي يقدر القاضي فيه من لغة القانون لفكرة النظام العام؛ فإنه يمكن القول بأن تمتع القاضي بسلطة تحديد مفهوم فكرة النظام العام لا يعني أن في مقدوره أن يفرض في هذا المجال نظرته الشخصية للأمور، بل يجب عليه أن يلتزم في تقديره للنظام العام بالأفكار السائدة في مجتمعه والمتمشية مع مصالح أمنه؛ لذا نرى بأن تقدير القاضي في تحقيق متطلبات النظام العام تعتبر مسألة قانونية، ومن ثم يجب أن تخضع لرقابة المحاكم العليا.

ثانياً: التوصيات:

على الرغم من بذل محاولات عدة فردية وجماعية في سبيل الوصول إلى تبني تعريف مشترك لفكرة النظام العام، إلا أن المشرع العراقي التزم السكوت في تعريف النظام العام الدولي؛ لذا نقترح على المشرع العراقي إيراد تعريف للنظام العام من خلال بيان أركانه وعناصره، ونقترح إيراد التعريف التالي وهو ما نؤيده وهو الآتي: “مجموعة المصالح الجوهرية الأساسية والمثل العليا للدولة وللجماعة التي ترضيها لنفسها التي يتأسس عليها كيان المجتمع كما يرسمه نظامها القانوني سواء كانت هذه المصالح الأساسية والمثل العليا سياسية أم اجتماعية أم اقتصادية أو خلقية أو دينية”.

مراجع البحث

أ. المصادر والمراجع:

  1. د. أحمد عبد الكريم سلامة، التنازع الدولي للقوانين والمرافعات المدنية الدولية، دار النهضة العربية، القاهرة، بدون سنة طبع.
  2. د. إلياس ناصيف، العقود الدولية، ط 1، 2009.
  3. د. حسن الهداوي، و د. غالب الداؤدي، تنازع القوانين وتنازع الاختصاص القضائي وتنفيذ الأحكام الأجنبية، الجزء الثاني ، مديرية دار الكتب للطباعة والنشر في جامعة الموصل، 1982.
  4. د. سامي بديع منصور، و د. عكاشة محمد عبد العال، القانون الدولي الخاص، الدار الجامعية، بيروت، 1997.
  5. د. سعيد يوسف البستاني، القانون الدولي الخاص، ط 1، منشورات الحلبي الحقوقية، 2004 .
  6. د. عز الدين عبد الله، القانون الدولي الخاص، ج 2، ط 7، 1972.
  7. د. عكاشة محمد عبد العال، أحكام القانون الدولي الخاص اللبناني، الجزء الأول في تنازع القوانين، الدار الجامعية للطباعة والنشر، 1998.
  8. د. غالب علي الداؤدي، القانون الدولي الخاص الأردني، الكتاب الأول ، الطبعة الثانية، 1998.
  9. د. غالب علي الداؤدي، د. حسن الهداوي، القانون الدولي الخاص تنازع القوانين وتنازع الاختصاص القضائي وتنفيذ الأحكام الأجنبية لسنة 2005.
  10. د. فؤاد عبد المنعم رياض، د. سامية راشد، تنازع القوانين والاختصاص القضائي الدولي وآثار الأحكام الأجنبية، دار النهضة العربية، القاهرة، 1998 – 1999.
  11. فيليب مالوري، أطروحة عن النظام العام والعقد، باريس، 1953.
  12. د. هشام على صادق، تنازع القوانين، منشأة المعارف، الإسكندرية، بدون سنة طبع.
  13. Dcnova. (R.) Conflits de lois et norm Fixantleur propredomaine d’application, in Meianges Maury, Jone 1, 1960.
  14. Legarde, recherches sur l’ordre publican droit international prive These, Paris, 1959 .
  15. Lerbours, Ageonniere et loussouar, précis de droit international prive, 8em edition, Dallo2, 1962 .
  16. NiBoyet (J. P.), Traite de droit international Prive tomes, III, IV et V, Paris, 1944.
  17. Niboyet (J.P.), Trite de droit international prive III, IV, et V, Paris, 1944.

 

ب. القوانين:

  1. القانون المدني العراقي.
  2. القانون المدني المصري.
  3. القانون المدني السوري .
  4. القانون المدني الليبي.
  5. قانون المعاملات المدنية لدولة الإمارات العربية.
  6. القانون المدني الأسباني.
  7. القانون الألماني لعام 1975.
  8. القانون الدولي الخاص المجري لعام 1979.
  9. القانون الدولي الخاص النمساوي لعام 1979 .
  10. القانون الدولي الخاص التركي لعام 1982.

[á](á) أستلم البحث في 11/10/2009 *** قبل للنشر في 17/1/2010 .

[1] من التشريعات العربية التي أخذت بهذا الاتجاه (القانون المصري في المادة (28)، المادة (30) مدني سوري، المادة (28) مدني ليبي ، المادة (29) مدني أردني، المادة (27) من قانون المعاملات المدنية لدولة الإمارات العربية) ، ومن التشريعات الأجنبية (المادة (12/ 3) الباب التمهيدي للقانون المدني الأسباني في خصوص القانون الدولي الخاص لعام 1974، المادة (4) من القانون الألماني لعام 1975، المادة (7/ 1) مجموعة القانون الدولي الخاص المجري لعام 1979، المادة (6) من القانون الدولي الخاص النمساوي لعام 1979، المادة (5) مجموعة القانون الدولي الخاص التركي لعام 1982) .

[2] د. فؤاد عبد المنعم رياض ، د. سامية راشد، تنازع القوانين والاختصاص القضائي الدولي وآثار الأحكام الأجنبية ، دار النهضة العربية، القاهرة ، 1998 – 1999، ص 137 .

[3] د. أحمد عبد الكريم سلامة ، التنازع الدولي للقوانين والمرافعات المدنية الدولية، دار النهضة العربية ، القاهرة، بدون سنة طبع، ص 226 وما بعدها .

[4] د. حسن الهداوي، و د. غالب الداؤدي، تنازع القوانين وتنازع الاختصاص القضائي وتنفيذ الأحكام الأجنبية ، الجزء الثاني، مديرية دار الكتب للطباعة والنشر في جامعة الموصل، 1982، ص 179 .

[5] د. سعيد يوسف البستاني، القانون الدولي الخاص ، ط 1 ، منشورات الحلبي الحقوقية، 2004، ص 225 .

[6] د.عكاشة محمد عبد العال، أحكام القانون الدولي الخاص اللبناني، الجزء الأول في تنازع القوانين ، الدار الجامعية للطباعة والنشر، 1998، ص 389 .

[7] Dcnova. (R.) Conflits de lois et norm Fixantleur propredomaine d’application, in Meianges Maury, Jone 1, 1960, P. 377 ets.

[8] فيليب مالوري، أطروحة عن النظام العام والعقد، باريس ، 1953، ص 3 .

[9] د. حسن الهداوي، و د. غالب علي الداؤدي، مصدر سابق .

[10] د. عز الدين عبد الله، القانون الدولي الخاص ، ج 2، ط 7، 1972، ص 544 .

[11]((  Niboyet (J. P.), Trite de droit international prive III, IV, et V, Paris, 1944, P. 1022 .

[12] د. فؤاد عبد المنعم رياض، و د. أسامة راشد، مصدر سابق، ص 145 .

[13] د. هشام علي صادق، تنازع القوانين ، منشأة المعارف، الإسكندرية ، بدون سنة طبع، ص 313 .

[14] د. عكاشة محمد عبد العال، المصدر السابق، ص 409 .

[15] د. غالب علي الداؤدي، القانون الدولي الخاص الأردني ، الكتاب الأول، الطبعة الثانية ، 1998، ص 187 .

[16] د. فؤاد عبد المنعم رياض، و د. سامية راشد، مرجع سابق ، ص 149 وما بعدها .

[17](( NiBoyet (J.P.), Traite de droit international Prive tomes, III, IV et V, Paris, 1944, P. 522 .

وكذلك :

Lerbours, Ageonniere et loussouar, précis de droit international prive, 8em edition, Dallo2, 1962, P.372 .

[18] د. أحمد عبد الكريم سلامة ، مصدر سابق، ص 235 .

[19] د. هشام علي صادق، مصدر سابق، ص 226 وما بعدها .

[20] د. عكاشة عبد العال، مرجع سابق ، ص 432 .

[21] د. سعيد يوسف البستاني، القانون الدولي الخاص ، مصدر سابق، ص 213 .

[22] د. هشام علي صادق ، مصدر سابق، ص 327 وما بعدها .

[23]((  Legarde, recherches sur l’ordre publican droit international prive These, Paris, 1959, P. 206 .

[24] د. عكاشة محمد عبد العال ، مصدر سابق .

[25] د. سامي بديع منصور، و د. عكاشة محمد عبد العال ، القانون الدولي الخاصة، الدار الجامعية ، بيروت، 1997، ص 447 .

[26] د. أحمد عبد الكريم سلامة، مصدر سابق ، ص 408 – 412 .

[27] د. عكاشة عبد العال، مصدر سابق، ص 417 .

[28] د. عز الدين عبد الله ، مرجع سابق، ص 470 .

[29] د. سامي بديع منصور، د. عكاشة عبد العال ، مصدر سابق، ص 596 – 597 .

[30] د. عكاشة محمد عبد العال ، مصدر سابق، ص 181 .

[31] د. غالب علي الداؤدي ، د. حسن الهداوي، القانون الدولي الخاص تنازع القوانين وتنازع الاختصاص القضائي وتنفيذ الأحكام الأجنبية لسنة 2005، ص 229 .

[32] د. إلياس ناصيف، العقود الدولية ، ط 1، 2009، ص 302 .

[33] د. عكاشة محمد عبد العال ، مرجع سابق، ص 613 .

[34] د. سامي بديع منصور ، د. عكاشة عبد العال، مصدر سابق، ص 655 .

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading