د. ميلود بوطريكي

أستاذ القانون العام بجامعة محمد الأول

الكلية المتعددة التخصصات بالناضور

مقدمة:

يعرف النزاع الجبائي بأنه مجموعة الأساليب القانونية التي يتم بمقتضاها فض النزاعات التي تنشأ عن تطبيق قانون الضريبة من طرف الإدارة على الملزم[1].

فالمنازعات الجبائية إذن تعبر عن الخلاف الذي يثور بين الإدارة الجبائية والخاضع للضريبة بمناسبة قيامها بوظائفها. المتعلقة بفرض الضريبة واحتسابها أو جبايتها[2].

وتنحصر المنازعات الجبائية في صنفين هامين هما: المنازعات في الوعاء contentieux de l’assiette والمنازعات في التحصيل contentieux de recouvrement.

فالنزاع في الوعاء هو نزاع في أساس الضريبة، أي النزاع الذي يخول للجهة التي تبث فيه صلاحية البحث فيما إذا كانت الضريبة قد تأسست مطابقة للمقتضيات التشريعية والتنظيمية، وفي حالة ما إذا تبين لها العكس فمن سلطتها أن تقرر إسقاطاً جزئياً أو كلياً لهذه الضريبة[3].

عرفت المنازعات الجبائية في مرحلة الوعاء تطورات متلاحقة، فقبل الحماية كان القضاء الشرعي من الجهات التي تسهر على تسوية المنازعات حيث ساد فيها الفقه والشريعة الإسلامية. وفي مرحلة الحماية أدخل المستعمر الفرنسي مؤسسات جديدة تمثلت أساساً في المحاكم العصرية التي يرجع لها اختصاص النظر في المنازعات التي يكون أحد أطرافها أجنبية، هذا إلى جانب المحاكم الشرعية التي تبث في المنازعات بين المغاربة. كما صدرت خلال هذه الفترة عدة نصوص ذات طبيعة جبائية مثل ظهير 9 أكتوبر 1920 بإحداث ضريبة على البحار وظهير 9 نونبر 1926 الذي يتعلق باستخلاص الديون للبلدية. ..[4]. وحددت هذه النصوص المحاكم المختصة في النزاع الجبائي والإجراءات التي يلزم القيام بها لرفع النزاع أمامها – أي المحكمة الابتدائية -.

أما مرحلة الاستقلال، فقد تميزت بنظام قضائي موحد تشرف فيه المحاكم الابتدائية على كافة النزاعات بما في ذلك النزاعات الضريبية وذلك في ظل قانون 28 شتنبر 1974 المتعلق بالتنظيم القضائي للمملكة. وقبل ذلك تم إنشاء المجلس الأعلى بمقتضى الظهير الشريف الصادر في 27 شتنبر 1957. وخلال هذه الفترة وبالرغم من الإصلاحات المتوالية التي عرفها الجهاز القضائي، ظلت المحاكم الابتدائية هي المختصة في المنازعات الضريبية بالنظر للولاية العامة التي تتمتع بها في جميع أنواع القضايا طبقاً للفصل 18 من قانون المسطرة المدنية. ويمكن استئناف الأحكام الصادرة عنها أمام محاكم الاستئناف. في حين أن المجلس الأعلى يختص بالطعن بالنقض والطعون الرامية إلى إلغاء القرارات الإدارية بسبب تجاوز السلطة. وفي سنة 1993 سيتم إنشاء المحاكم الإدارية كمحاكم متخصصة بالنظر في المنازعات الإدارية ومنها المنازعات الضريبية وذلك مواكبة للتحولات الكبرى التي عرفها المغرب.

وأخيراً وفي 2006 تم إصدار القانون رقم 03-80 المحدث لمحاكم الاستئناف الإدارية تأكيداً لرغبة المغرب في بناء دولة الحق والقانون القائمة على احترام المشروعية ومبادئ حقوق الإنسان، وبالتالي ستصبح الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى تقوم بدورها الأصيل كمحكمة قانون بعد أن كانت ولمدة 13 سنة تنظر كمحكمة موضوع في استئناف الأحكام الصادرة عن المحاكم الإدارية.

ما هي الطبيعة القانونية للدعوى في المنازعات الجبائية؟ هل هي دعوى إلغاء أم دعوى قضاء شامل؟

للإجابة على هذه الإشكالية سنتناول في الفرع الأول لمبدأ منع دعوى الإلغاء في المجال الجبائي، بينما سنتطرق في الفرع الثاني لحدود مبدأ إبعاد دعوى الإلغاء من المجال الجبائي.

الفرع الأول: مبدأ منع دعوى الإلغاء في المجال الجبائي.

الفرع الثاني: حدود مبدأ إبعاد دعوى الإلغاء من المجال الجبائي.

الفرع الأول: مبدأ منع دعوى الإلغاء في المجال الجبائي

درج الاجتهاد لقضائي المغربي على اعتبار المنازعات الجبائية على أنها منازعات تندرج في إطار القضاء الشامل وبالتالي عدم قبول دعوى الإلغاء في المجال الجبائي، فما هي الأسس التي يستند عليها لتبرير هذا الموقف؟

الفقرة الأولى: الأساس القانوني:

يفسر عدم قبول دعوى الإلغاء في المنازعات الجبائية بالدعوى الموازية، ويجمع الفقه على أن الدعوى الموازية تعني: “ألا يكون في وسع الطاعن اللجوء إلى طريق قضائي آخر يحقق له نفس النتائج التي يريد الوصول إليها عن طريق دعوى الإلغاء”[5].

فعندما يوكل القانون لقاضي مختص النظر في قضاء العمليات الإدارية الجبائية، فإن قاضي الإلغاء يستند على اختصاص المحكمة الموكول إلى قاضي إداري آخر لرفض قبول دعوى الإلغاء ضد القرارات المدمجة في هذه العمليات، وكان يعتبر بذلك أن الشروط الأساسية للدعوى الموازية بما في ذلك التعادل العملي للنتائج تعتبر متوفرة، وبالتالي يمكن للطاعن أن يثير في دعواه أمام قاضي الاختصاص أوجه عدم الشرعية التي تمس في نظره القرارات الإدارية التي ساهمت في إنجاز العملية. فالطاعن لا يمكنه أن يجد نتيجة أكثر فعالية من ذلك ما دام أن الطعن أمام قاضي العملية يسمح له بإلغاء هذه الأخيرة كليا في حين أن قاضي الإلغاء لا يمكنه إلا إلغاء القرار منعزلا، فكل شيء كان يسوى مرة واحدة: إلغاء القرار، وإلغاء العملية برمتها.

وهو ما يؤكده المشرع المغربي صراحة، حيث ينص الفصل 23 من قانون المحاكم الإدارية على أنه ” لا يقبل الطلب الهادف إلى إلغاء القرارات الإدارية إذا كان في وسع المعنيين بالأمر أن يطالبوا بما يدعونه من حقوق بطريق الطعن العادي أمام القضاء الشامل.

فاستنادا إلى هذا النص، فإن دعوى الإلغاء لا تقبل إذا كان في إمكان الطاعن أن يرفع دعوى قضائية أمام المحاكم العادية يحقق من خلالها نفس المزايا التي يمكن أن يجنيها من دعوى الإلغاء.

هكذا صرح المجلس الأعلى في قرار صادر بتاريخ 14 يناير 1963 بما يلي: “… لا يقبل الطعن بالإلغاء للشطط ضد قرار اللجنة المركزية… ويكون لصاحب الشأن في مثل هذه الحالة أن يرفع دعواه في إطار القضاء الشامل”[6].

وفي نفس الاتجاه صرحت المحكمة الإدارية بالرباط في حكم لها بتاريخ 19/02/2013 برفض دعوى الإلغاء بعلة أن المنازعة تدخل في إطار القضاء الشامل مادام أن الطلب يهدف لإبطال ضرائب[7]. وقد جاء في الحكم ما يلي:”حيث أسس المدعي دعواه بحكم إلغاء القرار الضمني الصادر في 18 فبراير 2012 عن المدير العام لإدارة الضرائب والقاضي برفض طلب المدعي بإعفائه من جميع أنواع الضرائب الناتجة عن ممارسة مهنة المحاماة مع ترتيب الآثار القانونية عن ذلك على أساس تجاوز السلطة وفي إطار قضاء الإلغاء.

وحيث إن مادة الضرائب والمنازعات المتعلقة بها تدخل في إطار القضاء الشامل ولما كان موضوع الدعوى الحالية هو إلغاء ضرائب والمحكمة لما لها من سلطة تقديرية في تكييف الطلب تبين لها أن المنازعة تتعلق بمنازعة جبائية ولو أن الطاعن أستعمل مصطلح الإلغاء. ..”.

ففي الاجتهاد القضائي المغربي فلا مجال من الناحية المبدئية للمنازعة في القرارات الضريبية الفردية إلا أمام قاضي الضريبة، وفي نفس الوقت بمناسبة المنازعة في مجمل العملية الضريبية باعتبار أن هذه القرارات جزء لا يتجزأ من عملية تقدير الضريبة.

فالدعوى الموازية إذن هي الحاجز الذي يجعل دعوى الإلغاء غير مقبولة وهي التي تسمح لقاضي الضريبة بالنظر في هذه الأخيرة في مجموعها، وإذا أراد المتقاضي رفع دعوى الإلغاء، فإن قاضي الشرعية الذي يلجأ إليه يعلن عن عدم قبول دعواه ما دام أنه يمكنه الطعن في القرار الانفرادي بالتوجه إلى قاضي الضريبة.

الفقرة الثانية: الأساس العملي:

إلى جانب الأسس القانونية لاعتبار الدعوى الجبائية دعوى قضاء شامل، عناك أسس عملية تتجلى في ثغرات قبول دعوى الإلغاء في المجال الجبائي مقابل السلطات التي يمارسها قاضي القضاء الشامل في مجال المنازعات الجبائية في مرحلة الوعاء.

أولاً  ثغرات عملية حقيقية:

إن دعوى الإلغاء مقيدة بعدم إمكانية الدعوى الموازية[8]، ومن هنا يتضح أن الملزم قد يخسر حقه في المطالبة إذا صدر حكم بعدم قبول الدعوى حيث يتعذر عليه حينئذ القيام بدعوى قضاء شامل لانقضاء أجل تقديم الدعوى، وعلى حد قول الأستاذ تيعلاتي عبد القادر[9]: إن للملزم رصاصة واحدة عليه أن يحسن تصويبها نحو الهدف المنشود، وإذا فقدها فقد كل شيء.

وحتى لو افترضنا مثلاً إمكانية قبول دعوى الإلغاء في المجال الجبائي من طرف المحكمة فعلينا أن ننظر إلى مآل هذه الدعوى فإذا أدت إلى إلغاء القرار الضريبي فهذا يجعل الملزم يحال على الإدارة التي يمكنها تدارك العيب الذي ينال القرار الملغي وتصدر قراراً آخر يصبح هو كذلك موضوع طعن الإلغاء. .. وهكذا يجد الملزم نفسه في دائرة مفرغة من القرارات والطعون المتتالية.

فإذا كانت دعوى الإلغاء تبدو كضمانة للفعالية ولكن ومع الأسف بصفة مؤقتة، على اعتبار أن قاضي الإلغاء لا يمكن أن يستخلص من الإلغاء المحتمل للقرار الجبائي أية نتيجة على الوضعية الجبائية للملزم رغم أنه لم يخسر دعواه وهو ما يجبر الطاعن اللجوء – عندما يستطيع ذلك – إلى قاضي القضاء الشامل للحصول على حل كامل لمشكلة.

وإذا رفضت الإدارة استخلاص كل النتائج الضرورية لهذا الإلغاء، فإن الملزم لا يحصل من هذا الإلغاء إلا على حق مباشرة دعوى قضائية جديدة التي تسبقها إلزامياً المسطرة الإدارية للتظلم المسبق إذا كان في آخر الأمر ينازع في الضريبة المفروضة عليه.

هكذا تحل محل الرضى المؤقت لإلغاء القرار الإداري المنفصل خيبة أمام صعوبة تنفيذ القرار القضائي القاضي بالإلغاء و/أو التعقيد الذي يخلقه التمييز بين أنواع القضاء، إذ أنه وكما قال مفوض الحكومة Schwartz فإن: “… القاضي الإداري يعاني منذ حوالي قرن من مرض الفصام العقلي غير الخطير. .. لأن هناك شخصين يتعايشان في شخص واحد، قاضي القضاء الشامل وقاضي تجاوز السلطة وكل واحد منهما يتميز عن الآخر. .. [10].

ثانياً  المراقبة الموسعة الممارسة من طرف قاضي الضريبة:

يشكل اتصال الدعوى الجبائية بالقضاء الشامل ثابتاً من ثوابت الاجتهاد القضائي المغربي، وقد تم تبرير ذلك بطبيعة السلطات المعترف بها لقاضي الضريبة، ففي إطار دعوى القضاء الشامل يتوفر القاضي على سلطات واسعة، فهو يفحص شرعية القرار الإداري كما يفعل قاضي الإلغاء، ولكنه يذهب أبعد من ذلك بالحكم بتعويضات مالية.

وتنتج السلطات الكاملة التي يتوفر عليها قاضي الضريبة من القدرة المعترف له بها لتصحيح القرار الجبائي المتخذ من طرف الإدارة واتخاذ قرار جديد يحل محل القرار الإداري الأصلي، فهو يمكنه تقليص وعاء الضريبة أو الحكم بإنقاص مبلغها.

فعلى خلاف قاضي الإلغاء الذي ينحصر دوره في إلغاء القرار الإداري غير المشروع يمكن لقاضي القضاء الشامل (قاضي الضريبة) أن يحكم لصالح الخاضع للضريبة بإسقاط كلي أو جزئي للضريبة المتنازع حولها وأن يحدد بالتالي مقدار الالتزام الجبائي للملزم[11].

وعليه، فإنه يرجع للقاضي الجبائي فحص كل العوامل المتدخلة لتحديد وعاء الضرائب التي ينازع فيها الملزم أمامه، والنتيجة هي أن قاضي القضاء الشامل هو المختص لفحص مدى شرعية القرار الإداري الذي يشكل أساس الضريبة موضوع الخلاف وذلك عن طريق استثناء عدم الشرعية رغم عدم اختصاصه للنظر في دعوى الإلغاء الموجهة ضده.

إن القضاء الجبائي هو وقضاء يتعلق أساساً بمقدار الدين الضريبي أو بوجوده لذلك فهو قضاء يندرج في إطار القضاء الشامل. ويشهد على ذلك الاجتهادات القضائية الثابتة. إذ أكد قرار صادر عن الغرفة الإدارية للمجلس الأعلى اختصاص المحكمة الإدارية قائم للبث في كل من دعوى الإلغاء ودعوى القضاء الشامل في نطاق قانون 90-41 المنازعات الضريبية تدخل في نطاق الطائفة الثانية من الدعاوي [12]. وفي نفس الاتجاه قضت المحكمة الإدارية بمكناس[13] أن: “… الأصل في المنازعة الضريبية أنها تندرج ضمن القضاء الشامل ولا يجوز رفعها ضمن تجاوز السلطة…”.

فهل نفهم من هذا أنه لا مجال للحديث عن دعوى الإلغاء في إطار المنازعات الجبائية؟

الفرع الثاني: حدود مبدأ إبعاد دعوى الإلغاء من المجال الجبائي:

يعتبر تدخل قاضي الإلغاء في مجال قضاء العمليات الجنائية ممنوعاً، فلفترة طويلة كان وجود قاضي الضريبة يبعد أية فرضية للطعن بالإلغاء للتجاوز في استعمال السلطة وذلك تطبيقاً لنظرية الدعوى الموازية، لكن سرعان ما سيتم نقض هذا الموقف لنشهد بذلك إعادة إدماج مراقبة نشاط الإدارة الجبائية في إطار القضاء الإداري العام للشرعية.

فإذا كان المبدأ هو عدم قبول دعوى الإلغاء ضد القرارات الفردية في المجال الجبائي، فإن المبدأ ليس مطلقاً، إذ هناك حالات عديدة يتم فيها قبول دعوى الإلغاء:

الفقرة الأولى: القرارات الفردية والقرارات المتعلقة بالطلبات الاستعطافية:

أولا- القرارات الفردية:

هذه القرارات لا تعد دعوى الإلغاء ممكنة إزاءها إلا في حالات عيب الاختصاص وعيب الشكل وانعدام التعليل والانحراف في استعمال السلطة وعيب مخالفة القانون[14]، ويكون الطعن بالإلغاء مقبولا بحكم هذه الأسباب وليس نتيجة الأخطاء المرتبطة في تحديد أسس الضريبة وعمليات التصفية لأن هذه الأخيرة يمكن الطعن فيها عن طريق الدعوى الموازية أمام القضاء الشامل.

وهذا ما دأب المجلس الأعلى على إتباعه في حالات متعددة [15]. إذ ألغى الحكم المستأنف الصادر من المحكمة الإدارية بوجدة… والقاضي برفض الطلب الرامي إلى إلغاء القرار الصادر من إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة القاضي برفض طلبه الرامي إلى منحه الإعفاءات أو التسهيلات الخاصة بتعشير السيارات، وبذلك ألغى القرار الإداري المذكور [16]. إن النزاع الجبائي هو بالأساس قضاء شامل وثانوي بقضاء الإلغاء[17]. وتماشياً مع هذا المنطق أكد المجلس الأعلى في قراره الصادر 7/10/1999 بما يلي: “… إن مقررات اللجنة الوطنية وإن كانت لا تكتسي في حد ذاتها قوة ملزمة إلا أن الإدارة يمكنها أن تحولها في أي وقت إلى أوامر قابلة للتنفيذ بقوة القانون، مما يعني أن هذه المقررات تشكل في حد ذاتها تهديد للملزم بالضريبة وأن من مصلحته الطعن فيها وعدم انتظار قرار الإدارة بشأن تحويلها إلى أوامر بالتحصيل”[18].

ثانياً  القرارات المتعلقة بالطلبات الاستعطافية:

يمكن الطعن عن طريق دعوى الإلغاء في القرارات المتعلقة بالطلبات الاستعطافية، فهذه القرارات لا تخرج عن دائرة القرارات الإدارية وبالتالي تبقى قابلة لدعوى الإلغاء. فحينما ينشأ عن هذا النوع من الطلبات رفض غير مبرر من طرف الإدارة فإنه يحق للخاضع للضريبة أن يلجأ إلى دعوى الإلغاء بشأن قرار الرفض الغير مبرر، وإذاك يكون عليه أن يثبت أن القرار لا يستند إلى وقائع مادية صحيحة أو يتضمن تفسيراً خاطئاً للقانون، فالثابت أنه لا يمكن تحصين أي قرار ضد الرقابة القضائية.

الفقرة الثانية: القرارات التنظيمية والدوريات:

أولاً  القرارات التنظيمية:

قبل القاضي الإداري المغربي دعوى الإلغاء ضد القرارات التنظيمية، وهي القرارات الإدارية العامة المتعلقة بتنظيم الضريبة أو الرسم، وتعد بطبيعتها منفصلة عن عملية فرض وتحصيل الضريبة أو الرسم، وبالتالي يختص قاضي الشرعية بالنظر في المنازعات المتعلقة بها، وهناك عدة أسباب تدفع إلى هذا الحل: ففيما يتعلق بعدم قبول دعوى الإلغاء ضد هذه القرارات العامة المنشئة للضريبة أو الرسم لوجود دعوى موازية، وبالاحتفاظ بالتالي بالطعن الوحيد أمام قاضي الضريبة نجبر الأفراد على الانتظار حتى تحصل منهم الضرائب ثم يستندون إلى عدم شرعية تلك المقررات بالمطالبة بإسقاطها أو تخفيضها أمام القضاء، فهناك مصدر غير مفيد للنزاعات. هذا من جانب، ومن جانب آخر، وبتطبيق مبدأ بطلان الضريبة تظل هذه القرارات غير الشرعية قائمة وتبقى أساساً لمقررات فردية جديدة تصدر تطبيقاً لها، ومصدرا لدعاوي جديدة يرفعها المكلفون تخلصا من آثارها، حيث يجب على كل ملزم أن يقدم كل سنة دعوى جديدة لإسقاط الضريبة على الأقل إذا لم تقم الإدارة بسحب القرار التنظيمي غير المشروع. لذلك فأهمية قبول الطعن بالإلغاء للتجاوز في استعمال السلطة واضحة للعيان.

وكما يؤكد الأستاذ Julien Bernard…” فإن قاضي الإلغاء يستأثر بالنظر في دعاوي الإلغاء الموجهة ضد النصوص التنظيمية. ..[19]. فهذه القرارات تجسد بمحتواها التنظيم باعتباره عملية عامة وتضيق من الحريات العامة، وباعتبارها كذلك فإنه ضدها تمارس الحماية الموسعة لقاضي الإلغاء المؤسسة خصيصاً لهذه المهمة.

وحسب بعض الفقه المغربي[20] “فإن القرارات الجبائية العامة التي تدخل في إطار دعوى الإلغاء تخضع لنظام الإلغاء المعروف في القرارات الإدارية بشكل عام مع مراعاة الاستثناءات الواردة في هذا المجال: أعمال السيادة، القرارات الملكية، أي أن الأمر يتعلق بالقرارات والمراسيم ذات الطابع التنظيمي”[21] فليس “…هناك في النظام الضريبي المغربي ما يمنع من لجوء المكلفين بالضريبة إلى دعوى الإلغاء، رغم عدم وجود نص صريح في القانون الضريبي يسمح بذلك للأسباب التالية: عدم وجود نص في القوانين الخاصة بالضريبة تمنع صراحة المكلفين من رفع دعوى الشطط في استعمال السلطة، كما أنه من الناحية العملية استقر العمل القضائي على قبول هذا النوع من الدعاوي، يضاف إلى ذلك أن المنازعات الجبائية في المغرب تندرج في إطار المنازعات الإدارية بصفة عامة التي يشكل قضاء الإلغاء بسبب الشطط في استعمال سلطة أحد فرعيها الرئيسي… “[22]. وفي نظر الأستاذ الجيلالي أمزيد فإن: “…دعوى الإلغاء كانت في أغلب الأحوال مفتوحة في وجه الطعون الموجهة ضد هذا النوع الأخير من القرارات. ..”[23].

فبالرجوع إلى المادة 9 من قانون 90-41 فإن المجلس الأعلى يبقى هو المختص للنظر بصفة ابتدائية وانتهائية بالنسبة لدعاوى الإلغاء الموجهة ضد القرارات التنظيمية أو الفردية للوزير الأول والطعون الموجهة ضد قرارات السلطات الإدارية التي يتجاوز نطاق تطبيقها الاختصاص الترابي لمحكمة إدارية، فكما هو معلوم إن القانون الجبائي الذي يعتبر ذا محتوى عام يكلف أحيانا السلطة التنظيمية بتطوير هذه المقتضيات بواسطة مراسيم أو قرارات تنشر في الجريدة الرسمية، ولكن هذه القرارات التنظيمية لا يجب أن تناقض أو تضيف أي شيء للقانون وإلا كانت معرضة للإلغاء للتجاوز في استعمال السلطة، وبالتالي “يمكن للملزم المتضرر من هذه النصوص أن يرفع دعوى الإلغاء أمام المجلس الأعلى، وبواسطة هذه الدعوى فهو لا ينازع في الضريبة التي لم تنشأ بعد، ولكن ينازع في شرعية النص التنظيمي، وإلغاء هذا الأخير لن يستفيد منه الملزم فقط ولكن يستفيد منه جميع الأشخاص الموجودين في نفس الوضعية الجبائية”[24].

ثانياً  الدوريات:

هناك نوعان من الدوريات: دوريات داخلية أي الموجهة بالخصوص لموظفي الإدارة الجبائية، وهي تفسر وتوضح لهم المقتضيات التشريعية والتنظيمية بهدف تطبيقها، والدوريات المنشورة التي يكون الجمهور على علم بها.

بالنسبة للدوريات الأولى لا يمكن الطعن فيها بالإلغاء، إذ المفروض أن الملزم لا يعلم بوجودها، وإذا تضرر منها فإنه تبقى له دعوى القضاء الشامل الجبائية بعد أن تفرض عليه الضريبة.

أما بالنسبة للدوريات الثانية فيميز الاجتهاد القضائي بين الدوريات التفسيرية التي لا يمكن الطعن فيها بالإلغاء والدوريات ذات الطابع التنظيمي التي يمكن الطعن فيها بالإلغاء على اعتبار أنها تنظيمية في المجال الجبائي، وعلى خلاف ما يذهب إليه بعض الفقه من إمكانية الطعن فيها بالإلغاء[25] …. فإنه يصعب تطبيق هذا الاجتهاد القضائي في المغرب… إذ أن دعوى الإلغاء يجب توجيهها في أجل 60 يوماً ابتداء من نشر وتبليغ القرار المطعون فيه حسب المادة 23 من قانون 90-41، وغير أنه في المغرب لا يتم نشر هذه الدوريات في الجريدة الرسمية، وبالتالي لا وجود لنقطة انطلاق قانونية لاحتساب أجل 60 يوما، ومع ذلك فإن هذا لا يمنع من رفع دعوى القضاء الشامل الجبائية بعد فرض الضريبة حسب فقه الإدارة الجبائية.

وبناء على ذلك فإذا كان الملزم لا يستطيع أحيانا ممارسة دعوى الإلغاء ضد عدم شرعية نص تنظيمي في الأجل المحدد قانونا في ستين يوما، فإنه يمكنه دائما انتظار فرض الضريبة لكي يقدم دعوى القضاء الشامل الجبائية، وفي هذه الحالة فإن “المنازع فيه هو شرعية الضريبة وليس وجود النص الذي يبقي العمل جاريا به، ولكن يتم تحييد تطبيقه بواسطة الطعن أمام القضاء الشامل… ومن غير العدل أن يستمر دائما النص التنظيمي في الإضرار بالملزمين دون أن يتمكنوا من إلغائه[26]. فالقاضي يرجع مباشرة إلى القانون ويهمل النص التنظيمي غير المشروع الذي يناقضه من أجل إسقاط الضريبة المؤسسة خلافا لما ينص عليه القانون…”.

مما تقدم يتبين أن دعوى الإلغاء لم تعد ممنوعة في مجال المنازعات الجبائية بل أصبحت تنافس دعوى القضاء الشامل في هذا الخصوص.

خاتمة:

إن الطعن بالإلغاء في المنازعات الضريبة يعد مجالا استثنائيا له ضوابطه وطبيعته الخاصة، بينما يبقى الأصل فيها هو القضاء الشامل. وهو ما يكشف عن مرض عميق يصيب وضوح القضاء الإداري.


[1] مصطفى التراب “المحاكم الإدارية والصعوبات المثارة على مستوى التطبيق في ميدان المنازعات الجبائية” المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة مواضيع الساعة، عدد4، 1996.

[2] من المعروف أنه لفرض الضريبة ينبغي توافر الواقعة المنشئة وتقدير وعائها وتحديد السعر المناسب المنصوص عليه قانوناً، وبعد الانتهاء من هذه الإجراءات تعمد الإدارة الجبائية إلى تحصيلها، وفي حالة تخلف المكلف عن الأداء تقوم الإدارة الجبائية بإتباع إجراءات المتابعة والتنفيذ على أموال المتخلفين عن الدفع بمقتضى طرق خاصة منصوص عليها.

[3] أنظر عبد القادر تيعلاتي، النزاع الجبائي.

[4] العربي الكزداح، الطعون الجبائية في ظل المحاكم الإدارية بالمغرب، أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق، جامعة محمد الخامس أكدال، كلية الحقوق، 2003-2004، ص15-46.

[5] ثورية لعيوني، القضاء الإداري، قضاء الإلغاء، دار النشر الجسور، وجدة، الطبعة الأولى، 1997، ص.132.

Rouser(M.) et Garagnon (j.), Droit administratif marocain, 6eme edition, edition La porte, 2003 p.724.

[6] قرار المجلس الأعلى عدد 256/631 صادر في 14 يناير 1963 ملف إداري عدد 10721/63.

[7] وتتلخص وقائع هذه القضية في أن المدعي يعمل كمحامي … وتوصل بمراسلة مؤرخة في 06/07/2011 صادرة عن الخزينة العامة يطالبه الخازن العام مبلغ 3024.00 درهم عن الضريبة المهنية لسنة 2001، كما انه لازال مدينا لغاية تاريخ 06/07/2011 لصندوق قباضة الرباط بمبلغ 54016.74 وأنه عاجز عن الأداء وذلك بسبب العجز الجسماني الذي أصابه منذ تاريخ 28/01/2008 إثر تعرضه لحادثة نزول من القطار أوقفته عن مزاولة المهنة منذ ذلك التاريخ وأنه لم يحقق أي دخل وقد راسل السيد المدير العام للضرائب برسالة مؤرخة 12/08/2011 يلتمس إعفاؤه من هذه الضرائب بقيت بدون جواب مما يفيد الرفض الضمني، لأجله يلتمس الحكم بإلغاء القرار الضمني الصادر عن المدير العام لإدارة الضرائب والقاضي برفض طلب المدعى بإعفائه من جميع أنواع الضرائب الناتجة عن ممارسة مهنة المحاماة مع ترتيب الآثار القانونية لذلك.

[8] للإشارة هناك عدة أحكام بهذا الصدد نذكر على سبيل المثال حكم المحكمة الإدارية بالرباط رقم 56، بتاريخ 27 أكتوبر 1991.

[9] أنظر: المجلة المغربية للإدارة والتنمية عدد 19 أبريل 1997، ص22.

[10]10 – Schwertz (R.), conclusions sur C.E.sect., 7 octobre 1994, Epoux Lopez, R.F.D.A., 1994, p.1092.

[11] Castagned (B.), Remarques sur la nature juridiques du contentieux fiscal, R.S.I.F, 1970, p.5.

[12] القرار عدد 188 صادر بتاريخ 24/07/1997 الملف الإداري عدد 573، مجلة قضاء المجلس الأعلى، عدد 53-54، ص.297، أشار إليه محمد الأعرج، النازعات الإدارية في تطبيقات القضاء الإداري المغربي، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة مواضيع الساعة 57، الطبعة الأولى 2007، ص171.

[13] حكم المحكمة الإدارية بمكناس، ملف رقم 12/89/9 ش صادر بتاريخ 30/09/1998.

[14] المادة 20 من قانون 90-41 المحدث للمحاكم الإدارية في المغرب.

[15] قرار عدد 5530 بتاريخ 18/07/1963، أشار إليه بتاريخ 28/07/1978 في قضية الشرايبي أوردته أمينة جبران.

[16] قرار المجلس الأعلى عدد 373، المؤرخ في 18/04/1999، ملف إداري عدد ، 388/5/1/96، الشراك الميلود ضد الإدارة العامة للجمارك غير منشور

[17] عبد القادر تيعلاتي “الضمانات الجبائية من خلال التشريع والقضاء “المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية عدد 19-1997

[18] عبد العزيز الخمليشي ضد وزير المالية، منشور بالمجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية ، نونير 2001، عدد 41، ص136.

[19]w.w.w. perso worldomline.Fr/julienbernard/répartition des competences juridictionnelles, htl-94 k.

[20] Cherkaoui (M.), le contentieux fiscal au Maroc, Mémoire de D.E.S en droit public, Rabat, 1982,p.l10.

[21] بوعزة أحمد، مسطرة فض المنازعات الجبائية بالمغرب، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون العام، جامعة محمد الأول، كلية الحقوق وجد، 2000، ص.199-200

[22] محمد مرزاق، عبد الرحمان أبليلا، المنازعات الجبائية بالمغرب بين النظرية والتطبيق، مطبعة الأمنية، الرباط، الطبعة الثانية 1998، ص.199، وتجدر الإشارة إلى أن هؤلاء الفقهاء لا يشيرون صراحة إلى مفهوم القرار المنفصل

[23] الجيلالي أمزيد، شرط انتفاء الدعوى الموازية …، مرجع سابق ، ص.15.

[24] http://www.abeny.multimania.com/contenti.htm

[25] عبد الرحمان أبليلا، محمد مرزاق، المنازعات الجبائية … المرجع السابق، ص.221.

[26]http://www.abeny.multimania.com/contenti.htm.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading