هشام مليح

باحث في تدبير الإدارة المحلية

 

عرف المغرب في السنين الأخيرة، تحولات اقتصادية واجتماعية، وإصلاحات دستورية[1] وقانونية[2]، فرضت على الدولة توسيع خيار اللامركزية، وتبني مقاربات ترابية جديدة، استجابة لمجموعة من الدواعي الموضوعية والملحة التي يتطلبها الوضع الجديد، والتي يمكن تحديدها فيما يلي :

  • تبني مناهج توسيع الجهوية؛
  • تعديل الدستور للمقتضيات الخاصة بالجهات والجماعات الترابية الأخرى؛ 
  • وضع الدستور لمبادئ جديدة، لضمان تدبير شؤونها؛
  • ترسيخ الدستور لمبادئ الحكامة الجيدة في تنظيم المرافق العمومية؛ وعلى رأسها الجهات والجماعات الترابية الأخرى.
  • صدور القوانين التنظيمية المتعلق بالجهات والجماعات الترابية الأخرى؛
  • صدور المراسيم التنظيمية المتعلقة بالجهات والجماعات الترابية الأخرى.

عكس مسار تطور العلاقة بين الدولة ووحداتها اللامركزية، درجة نضج هذه التجربة، خصوصا على المستوى المالي، فقوة النماذج التي اختارت السير في مسلسل اللامركزية والجهوية المتقدمة، تكمن في التناسق والانسجام الموجود في ماليتها العمومية؛ أي طبيعة الارتباط الحاصل بين مالية الدولة وجماعاتها الترابية بمختلف مستوياتها، ومدى التناسق والتكامل فيما بينها.

فهل ستمكن التوجهات الترابية التي حملها الدستور والقانون التنظيمي رقم 111.14 ومراسيمه التنظيمة الجهات من تجاوز السمات التي ميزت مسار علاقتها المالية مع الدولة بالتبعية وغياب الستقلالية المالية؟ وأي إمكانات يمكن أن تتيحها في اتجاه ضبط وتبسيط وتوضح هذه العلاقة، بما يحقق النجاح للتجربة الجهوية، ويضمن لها موارد وسلطة مالية ذاتية وكافية للاضطلاع بأدوارها التنموية في اتساق وانسجام مع مجهودات الدولة ؟

أولا. التوجهات الترابية للعلاقة المالية بين الدولة والجهات

تعد التوجهات الترابية للدستور والقانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات لحظة مهمة، عبرت من خلالها الدولة عن رغبتها في إعادة هيكلة مؤسساتها، وبناء علاقتها بوحداتها الترابية وجهاتها، من خلال تبني نموذج جهوي مغربي وظيفي ومؤسساتي، ديمقراطي، مندمج، وداعم للاختصاصات ومجدد للعلاقات ومؤهل ومتضامن، يعتد بالأبعاد الذاتية الوطنية في خياراته السياسية والاجتماعية، ويبوء الجهة مصدر الصدارة في الهندسة الترابية للمملكة، وتؤطره أهداف ومبادئ وإجراءات منضبطة لما جاء به الدستور والقوانين التنظيمية الصادرة في هذا الشأن.

  1. الأهداف الموجهة 

تشكل الأهداف الجديدة لإصلاح المنظومة الجهوية المرجعية الاجرائية التي استند عليها مشروع القانون التنظيمي للجهات رقم 111.14، وذلك من خلال إعطاء الأولوية للتوجهات التي حملها دستور فاتح يوليوز 2011 في مجال التنظيم الترابي والجهوي وحكامة المرافق العمومية، والتي يمكن تحديدها في مجموعة أهداف ترتبط بتعزيز اللامركزية الترابية، وبناء جهوية متقدمة، وترسيخ الحكامة الجيدة والتدبير الحر.

– تعزيز اللامركزية الترابية والديمقراطية المحلية؛ وهو ما أكد عليه الدستور الجديد في الفصل 146؛ حينما تحدث عن أنه تحدد بقانون تنظيمي شروط تدبير الجهات والجماعات الترابية لشؤونها بكيفية ديمقراطية، أو في الفصل 153 عندما نص على أن الجماعات الترابية أشخاص اعتبارية، خاضعة للقانون العام، تسير شؤونها بكيفية ديمقراطية، أو حينما تحدث في الفصل 155 على خضوع المرافق العمومية في تسييرها للمبادئ والقيم الديمقراطية التي أقرها الدستور.

– بناء جهوية متقدمة؛ وهو ما أكد عليه الدستور الجديد، حيث نص في فصله 143 على أن الجهة تتبوأ مكانة الصدارة بين باقي الجماعات الترابية الأخرى، ونص في فصله 135 على أن الجماعات الترابية للمملكة هي الجهات والعمالات والأقاليم والجماعات، بل حرص الدستور الجديد في كل الفصول الواردة بالباب المتعلق بالتنظيم الترابي على ذكر الجهة أولا، تم الجماعات الترابية الأخرى ثانيا، مما يكرس المكانة المتميزة التي منحها لها الدستور الحالي. وهو التوجه الذي دعى إليه تقرير اللجنة الاستشارية حول الجهوية عندما دعى إلى إبراز الجماعة الجهوية كشريك مميز للدولة، وإقرار صدارتها في تنسيق ودمج تصورات ومخططات وبرامج باقي الجماعات الترابية، مع احترام المساواة القانونية بين هذه الجهات والاختصاصات المخولة لكل منها[3].

– ترسيخ بنيات الحكامة الجيدة والتدبير الإداري الحر؛ حيث نص الدستور في فصله 136 على أن التنظيم الجهوي والترابي يرتكز على مبادئ التدبير الحر، وعلى التعاون والتضامن، وتأمين مشاركة السكان في تدبير شؤونهم. وذلك عن طريق وضع آليات استشارية تيسر المشاركة المنتظمة والمسؤولة للمواطنين في إعداد المخططات الجهوية للتنمية والمشاريع الكبيرة، وتنظم طرق تعبير المواطنين عن حاجاتهم وتطلعاتهم فيما يمس حياتهم اليومية، ويهم جهتهم[4]، وتخضع التدبير الإداري والمالي للجهات لمعيير الجودة والشفافية والمحاسبة والمسؤولية، من خلال المراقبة والتقييم اللذان تمارسهما السلطة الحكومية الوصية[5]، وفق منهجية جديدة  مبنية على الإشراف والتوجيه والمراقبة المرنة عوض الوصاية[6].

  1. المبادئ المؤطرة

يقتضي الإصلاح، بلورة الأهداف السابقة، وتبني مبادئ جديدة، قادرة على أجرأة الفلسفة والمرتكزات الجديدة للإصلاح الجهوي والترابي، وفق مستجدات الدستور في مجال التنظيم الترابي والجهوي، وترسيخ حكامة تدبير المرافق العمومية، والتي يمكن أن تكون محاورا موجهة للإصلاح، وهي مبادئ مؤطرة لتدبير شؤون الجهة وتنظيمها الجهوي، تتمثل أساسا في ما يلي: (التدبير الحر- المشاركة- التضامن والتعاون- التفريع).

– التدبير الحر[7]: يعتبر الاستقلال المحلي للجماعات الترابية عنصرا أساسيا للامركزية الترابية، فهي تتمتع بالشخصية المعنوية، بل إنها اليوم تتمتع بمبدأ دستوري جديد يضمن لها التدبير الحر لشؤونها في حدود اختصاصاتها المقررة في الباب الثاني من القانون التنظيمي رقم 111.14 المنظم للجهات؛ بمعنى أنها تتمتع بقدرة حقيقية على اتخاذ القرارات التي تمكنها من تدبير مصالحها الخاصة[8]. وهو ما سيحررها أكثر من الوصاية الإدارية والمالية بمفهومها الضيق والتقليدي.

ويختلف مبدأ التدبير الحر عن مبدأ الحكم الحر، إذ لا يمكن تطبيقه إلا في إطار احترام أولويات الدولة، ومبدأ وحدة الدولة، وهو الأمر المعمول به في إطار التجربة الفرنسية[9]. ويقتضي هذا المبدأ تعزيزا لصلاحيات الهيئات المنتخبة في تدبير شؤونها الجهوية، وتعزيز مبدأ المساءلة، الذي يعني أن الذين يتصرفون بتدبير الشأن العام الجهوي بحرية وباسم المواطنين، يكونون عرضة للمسائلة. كما يعني أيضا، الارتكاز على الشفافية التي تضمن للجميع التوصل الكامل بالمعلومات المتعلقة بتدبير الشأن العام الجهوي. وهذا المبدأ يستدعي التوفر على مجالس جهوية منتخبة بشكل ديمقراطي ومباشر إلى جانب التوفر على الإمكانات القانونية والمالية الضرورية لممارسة تدبيرها الإداري الحر.

– المشاركة: تعد المشاركة أحد مكونات الحكامة، فهي تهيئ الظروف والأوضاع السياسية المناسبة لتعبئة الأفراد والجماعات للمساهمة والمشاركة في الأنشطة والمشاريع الاقتصادية والاجتماعية[10]. فالتشاركية هي استبدال للتدبير البيروقراطي للشأن العام المحلي بالتدبير الديمقراطي الذي يخدم التنمية، هذه الأخيرة تتطلب مشاركة الساكنة في ممارسة الفعل التنموي، بحيث تكون البرامج التنموية والسياسات العمومية الجهوية معبرة بصفة حقيقية عن متطلبات المواطن[11]. وذلك عبر آليات وكيفيات وهيئات يحددها النظام الداخلي للجهة كما هو موضح في المادتين 116 و117 من القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات.

وقد عمل الدستور على منح هذا المبدأ مكانة متميزة داخل الهندسة الدستورية، حيث نص في الفصل 139 على أن مجالس الجهات والجماعات الترابية تضع آليات تشاركية للحوار والتشاور لتيسير مساهمة المواطنين والمواطنات والجمعيات في إعداد برامج التنمية وتتبعها، أو من خلال الفصل 136 الذي أكد على أن من بين مرتكزات التنظيم الجهوي والترابي تأمين مشاركة السكان المعنيين في تدبير شؤونهم والرفع من مساهمتهم في التنمية البشرية والمندمجة والمستدامة. أما في فصله 137 فقد أكد الدستور على أن الجهات والجماعات الترابية تساهم في إعداد السياسات الترابية من خلال ممثليها في مجلس المستشارين.

– التضامن والتعاون : يعتبر التضامن حجر الزاوية من أجل تجاوز توفير الاعتمادات الذاتية الكافية لقيام الجهات والجماعات الترابية بالاختصاصات الموكولة لها، فالتضامن الوطني يعد عنصرا أساسيا في الجهوية المتقدمة؛ إذ أن تحويل الاختصاصات للجهة يقترن بضرورة توفير موارد مالية، حيث سيمكن هذا المبدأ من تفعيل آلية التعاون الجهوي والترابي بين باقي الجماعات الترابية الأخرى من أجل تحقيق المشاريع المشتركة، وإنجاز البرامج الجهوية، وخلق إطارات لإقامة شراكة بين الجهات الغنية والفقيرة، وتجاوز الاختلالات الترابية.

وقد نص الدستور من خلال الفصل 146 على أنه سيتم بواسطة قوانين تنظيمية تحديد شروط تشجيع وتنمية التعاون بين الجماعات، وكذا الآليات الرامية إلى ضمان تكييف تطور التنظيم الترابي في هذا الاتجاه. كما تحدث الفصل 142 عن إحداث صندوق للتضامن بين الجهات، يهدف للتوزيع المتكافئ للموارد، قصد تقليص الفوارق بينها. بينما أكد من جهة أخرى على ضرورة تحمل الجميع، وبصفة تضامنية، وبشكل يتناسب مع الوسائل التي يتوفرون عليها التكاليف التي تتطلبها تنمية البلاد.

– مبدأ التفريع[12]؛ يقتضي هذا المبدأ البحث عن المستوى الملائم لممارسة اختصاصات معينة، بحيث تتخلى الدولة للجهات عن كل الاختصاصات التي لاتستطيع الاضطلاع بها[13]، وإعادة توزيع الاختصاصات بين الجهات والجماعات الترابية الأدنى بما يحقق التكامل في الأدوار وتجنب تداخل الاختصاصات، دون أن يمارس المستوى الأعلى أي وصاية على المستوى الأدنى[14]. فاستنادا لهذا المبدأ، تمارس الجهة اختصاصاتها الذاتية، والمشتركة والمنقولة إليها من طرف الدولة وفق الكيفيات المنصوص عليها في الأحكام الواردة في القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات.

فتوضيح العلاقة بين الدولة والجهات وباقي الجماعات الترابية الأخرى، بناء على مدى قربهم من القضايا اللصيقة بسكانهم، حتى يتحقق التكامل في الأدوار بدل التداخل والازدواجية التي تؤدي إلى تشتت جهود التنمية، يفرض إتباع نوع من التوازن بين مختلف المستويات الترابية، يضمن لها ممارسة اختصاصاتها بالنجاعة المطلوبة[15]، ويراعي التوازن أو التناسق في الصلاحيات والإمكانيات. وهذا ما ينسجم مع ما أكد عليه الدستور في فصله 141، حينما كرس دستوريا عدم نقل أي اختصاص من طرف الدولة للجهات والجماعات الترابية الأخرى، إلا إذا كان هذا الإجراء مقترنا بتحويل الموارد المطابقة له.

ثانيا.الملامح الكبرى للعلاقة المالية بين الدولة والجهات

تندرج الإجراءات المقترحة في إطار تجاوز الوضع السابق الذي ميز مسار العلاقة المالية بين الدولة والجهات، والاستجابة للأهداف والمبادئ الناظمة للتنظيم الجهوي والترابي التي جاء بها الدستور؛ وهو ما يستوجب الوقوف عند بعض نقط التمفصل في العلاقة بين مالية الدولة والجهات، ومساءلة كيفية تنزيلها من خلال القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات ومراسيمه التنظيمية، وتسجيل بعض الملاحظات الأولية حول ملامحها الكبرى، ومدى استجابتها للتوجهات الترابية الواردة في الدستور على مستوى الأهداف والمبادئ.

  1. السمات العامة

تميز مسار تطور العلاقة المالية بين الدولة والجهات بمجموعة من السمات التي طبعته منذ بدايته[16]، والتي عكست بصفة عامة التوجه التدريجي نحو تحديد وتدعيم وتعزيز اختصاصات الجهات وأدوارها التنموية، وهي نفسها النقط التي شكلت موضوع نقاش ومطالبة بالإصلاح، سواء من خلال أشغال اللجنة الاستشارية حول الجهوية أو اللجنة اللملكية لإعداد الدستور أو أثناء مناقشة القانون التنظيمي للجهات بالبرلمان، وذلك وفق تصور منهجي يرتكز على ثلاث عناصر إجرائية مؤطرة للعلاقة المالية بين الدولة والجهات، وهي: ( التدرج – التمايز – التعاقد ).

  1. التدرج: ويقتضي اعتماد التدرج في تنزيل مشروع الجهوية، سواء على مستوى الإختصاصات المنقولة للجهات، وعلى مستوى تمويل ميزانياتها بالموارد المالية المطلوبة، إذ اعتمد هذا الإجراء على تحويل الموارد المالية للجهة في حدود الحصص المحددة في القانون التنظيمي المنظم للجهات رقم 111-14 على مراحل وفي أفق زمني محدد، وذلك تماشيا مع التنزيل التدريجي لمشروع الجهوية، ونقل الاختصاصات من الدولة إليها. لكن هذا التدرج يجب أن يخضع لبرمجة زمنية واضحة تسطر الزيادات وفق سنوات مح

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading